[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]
[مختصر ملحق قسطموني 3/3]
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
❀ ❀ ❀
(بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن)
بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن1ملاحظة المترجم: وضع الأستاذ النورسي ضمن ملحق قسطموني ثلاث قطع من رسالة “اللوامع” وهي: “كل الآلام في الضلالة”، و”بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن”، و”برهانان عظيمان للتوحيد”، وذلك حسب قاعدته المذكورة في خاتمة رسالةِ “قطرة من بحر : التوحيد” من المثنوي العربي النوري، حيث يقول: “لأني أرى القرآن منبع كل الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن، فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثرٌ من آثاري من ذكر نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن”. ولما كانت رسالة “اللوامع” قد نُشرت ملحقة بمجموعة “الكلمات”، نكتفي هنا بإدراج إحدى تلك القطع الثلاث وهي: “بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن”؛ ومن شاء فليراجع القطعتين الأخريين في “اللوامع”.
رأيتُ في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل “آرارات”.. انفلق الجبل على حين غِرَّة، وقذف صخورًا بضخامة الجبال إلى أنحاء العالَم، فهزّ العالَم وتزلزل، وفجأةً وقف بجنبي رجل، قال لي: بيِّن بإيجازٍ ما تعرفه مجملًا من أنواع الإعجاز.. إعجازِ القرآن.
فكرتُ في تعبير الرؤيا، وأنا ما زلت فيها، وقلت:
إن ما حدث هنا من انفلاق مثالٌ لما يَحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى القرآن بلا ريب عاليًا ومهيمنًا في هذا الانقلاب، وسيأتي يومٌ يُبيَّن فيه إعجازُه.
أجبتُ ذلك السائل قائلًا: إن إعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية، ويتركب من سبعة عناصر.
المنبع الأول: سلاسة لسانه من فصاحة اللفظ؛ إذ تنشأ بارقةُ بيانه من جزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب، فيتولد نقشٌ بياني عجيب، وصنعةُ لسانٍ بديع، من امتزاج كل هذه في نوع إعجازٍ لا يَمَلّ الإنسانُ من تَكراره أبدًا.
أما العنصر الثاني: فهو الإخبار السماوي عن الغيوب في الحقائق الغيبية الكونية والأسرار الغيبية للحقائق الإلهية؛ فمِن أمور الغيب المنطوية في الماضي، ومن الأحوال المستترة الباقيةِ في المستقبل تنشأ خزينة علم الغيوب؛ فهو لسانُ عالَم الغيوب يتكلم مع عالم الشهادة في أركان “الإيمان”، يبينها بالرموز، والهدف هو نوع الإنسان؛ وما هذا إلّا نوع من لمعةٍ نورانيةٍ للإعجاز.
أما المنبع الثالث فهو: أنَّ للقرآن جامعية خارقة من خمس جهات: في لفظه، في معناه، في أحكامه، في علمه، في مقاصده.
لفظه: يتضمن احتمالاتٍ واسعةً ووجوهًا كثيرة، بحيث إن كل وجهٍ تستحسنه البلاغة، ويستصوبه علمُ اللغة العربية، ويليق بسر التشريع.
في معناه: لقد أحاط ذلك البيانُ المعجزُ بمشارب الأولياء، وأذواق العارفين، ومذاهب السالكين، وطرق المتكلمين، ومناهج الحكماء، بل قد تضمن كلَّها؛ ففي دلالاته شمول، وفي معناه سَعَة.. فما أوسع هذا الميدان إن أطللت من هذه النافذة!
الاستيعاب في الأحكام: هذه الشريعة الغراء قد استُنبِطتْ منه، إذ قد تضمَّن طرازُ بيانه جميعَ دساتيرِ سعادةِ الدارين، ودواعي الأمن والاطمئنان، وروابطِ الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية، وحقائق الأحوال.
استغراق علمه: لقد ضمَّ ضِمنَ سُوْرِ سُوَرِه العلومَ الكونية والعلوم الإلهية، مراتبَ ودلالاتٍ ورموزًا وإشارات.
في المقاصد والغايات: لقد راعى الرعايةَ التامة في الموازنة والاطراد والمطابقة لدساتير الفطرة، والاتحاد في المقاصد والغايات، فحافظ على الميزان.
وهكذا الجامعية الباهرة في: إحاطة اللفظ، وسعة المعنى، واستيعاب الأحكام، واستغراق العلم، وموازنة الغايات.
أما العنصر الرابع: فإفاضته النورانيةُ حسب درجة فهمِ كلِّ عصر، ومستوى أدبِ كلِّ طبقة من طبقاته، وعلى وفق استعدادها ورُتَب قابليتها.
فبابُه مفتوحٌ لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن ذلك الكلام الرحماني ينزل في كل مكان في كل حين.
فكلما شاب الزمان شَبَّ القرآنُ وتوضحت رموزه، فذلك الخطاب الإلٰهي يمزق ستار الطبيعة وحجاب الأسباب، فيفجّر نورَ التوحيد من كل آية في كل وقت، رافعًا راية الشهادة.. شهادة التوحيد على الغيب.
إن علو خطابه يلفت نظر الإنسان ويدعوه إلى التدبّر؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.
يُخلَص من هذا العنصر: أن شبابيته الخارقة شاملة محيطة، وأُنسيته جعلتْه محبوبَ الإنس والجان، وذلك بالتنزلات الإلهية إلى عقول البشر لتأنيس الأذهان، والمتنوعةِ بتنوع أساليب التنزيل.
أما المنبع الخامس: فنُقولُه وأخبارُه في أسلوبٍ بديعٍ غزير المعاني، فيَنقل النقاط الأساس للأخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها.. ينقل هكذا لينبّه بها البشر.
ومنقولاته هي الآتية: أخبار الأولين، وأحوال الآخرين، وأسرار الجنة والجحيم، حقائق عالم الغيب، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية والروابط الكونية.. تلك الأخبار المشاهَدة شهودَ عِيان، حتى إنه لا يردّها الواقع ولا يكذّبها المنطق، بل لا يستطيع ردّها أبدًا ولو لم يدركها.
فهو مَطمَح العالَم في الكتب السماوية، إذ يَنقل الأخبار عنها مصدِّقًا بها في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصححًا لها في مواضع الاختلاف.
ألا إنه لَمعجزة الأزمان أن يصدر مثل هذه الأمور النقلية من “أميّ”.
أما العنصر السادس: فهو أنه مؤسِّس دين الإسلام ومتضمِّنه؛ ولن تجد مثلَ الإسلام إن تحريتَ الزمان والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل.. إنه حبل اللّٰه المتين، يمسك الأرض لئلا تفلت، ويديرها دورانًا سنويًّا ويوميًّا، فلقد وَضع وَقارَه وثقله على الأرض، وساسها وقادها وحال بينها وبين النفور والعصيان.
أما المنبع السابع: فإن الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها مع بعض، فيَصدر شعاعُ حُسنٍ فائق، ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية.
والذي يصدر عن هذا: ذوق، يُدرَك به الإعجاز.
لساننا يعجز عن التعبير عنه، والفكر يقصر دونه.
فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُستمسك.
طوال ثلاثة عشر قرنًا من الزمان يحمل أعداءُ القرآن روح التحدي والمعارضة..
وتولَّدت في أوليائه وأحبائه.. روحُ التقليد والشوق إليه.
وهذا هو بذاته برهان للإعجاز، إذ كُتبت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايينُ الكتب بالعربية، فلو قورنتْ تلك الملايينُ من الكتب مع القرآن الكريم، لقال كلُّ مَن يشاهد ويسمع، حتى أكثرُ الناس عامية، دونك الذكي الحكيم:
إنَّ هذه الكتب بشرية.. وهذا القرآن سماوي.
وسيَحكم حتمًا:
إنَّ هذه الكتب كلها لا تشبه هذا القرآن ولا تبلغ شأوه قطعًا؛ لذا فإما أنه أدنى من الكل: وهذا معلوم البطلان وظاهر بالبداهة. إذن فهو فوق الكل.
ولقد فتح أبوابَه على مصراعيه للبشر، ونَشَر مضامينه أمامهم طوال هذه المدة الطويلة، ودعا لنفسه الأرواح والأذهان.
ومع هذا لم يستطع البشرُ معارضتَه، ولا يمكنهم ذلك. فلقد انتهى زمن الامتحان.
إن القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعًا.
إذ نزل في عشرين سنة ونيف نجمًا نجمًا -لحكمة ربانية- لمواقع الحاجات نزولًا متفرقًا متقطعًا. ولأسبابِ نزول مختلفة متباينة، وجوابًا لأسئلة مكررة متفاوتة، وبيانًا لحادثات أحكام متعددة متغايرة، وفي أزمانِ نزولٍ مختلفة متفارقة، وفي حالاتِ تَلَقٍّ متنوعة متخالفة، ولأفهامِ مخاطبين متعددة متباعدة، ولغايات إرشاداتٍ متدرجة متفاوتة.
وعلى الرغم من هذه الأسس فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند في بيانه وجوابه وخطابه، ودونك علم البيان وعلم المعاني.
وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: لأنك إذا سمعت كلامًا من أحدٍ فإنك ترى صاحب الكلام خلفه أو فيه؛ فالأسلوب مرآة الإنسان.
أيها السائل المثالي..
لقد أردت الإيجاز، وها قد أشرتُ إليه. وإن شئت التفصيل، فذلك فوق حدّي وطوقي. أتَقدِرُ الذبابة على مشاهدة السماوات؟
وقد بيّن كتاب “إشارات الإعجاز” واحدًا من أربعين نوعًا من ذلك الإعجاز، ولم تفِ مائةُ صفحة من تفسير لبيانِ نوع واحد.
بل أنا الذي أريد منك التفصيل، فقد تفضّل المولى عليك بفيضٍ من إلهامات روحية.
لا تبلغ يد الأدب الغربي ذي الأهواء والنزوات والدهاء
شأن أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.
إذ الحالة التي ترضى الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس وتُطَمئنهم، لا تَسرّ أصحابَ الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تسلّيهم. فبناءً على هذه الحكمة؛
فإن ذوقًا سفيهًا سافلًا، تَرعرَع في حمأة الشهوة والنفسانية، لا يستلذ بالذوق الروحي، ولا يعرفه أصلًا.
فالأدب الحاضر؛ المترشح من أدبِ أوروبا، عاجز عن رؤيةِ ما في القرآن الكريم من لطائف عالية ومزايا سامية، من خلال نظرته الروائية، بل هو عاجز عن تذوقها، لذا لا يستطيع أن يجعل معياره محكًّا له.
والأدب يجول في ثلاثة ميادين، دون أن يحيد عنها:
ميدان الحماسة والشهامة..
ميدان الحسن والعشق..
ميدان تصوير الحقيقة والواقع..
فالأدب الأجنبي:
في ميدان الحماسة؛
لا ينشد الحق، بل يلقّن شعور الافتتان بالقوة بتمجيده جَور الظالمين وطغيانهم.
وفي ميدان الحسن والعشق؛ لا يعرف العشقَ الحقيقي، بل يغرز ذوقًا شهويًّا عارمًا في النفوس.
وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع؛
لا ينظر إلى الكائنات على أنها صنعة إلهية، ولا يراها صبغة رحمانية، بل يحصر همه في زاوية الطبيعة ويصور الحقيقة في ضوئها، ولا يقدر الفكاك منها.. لذا يكون تلقينه عشقَ الطبيعة، وتأليه المادة، حتى يمكِّن حبَّها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.
ثم إن ذلك الأدب المشوب بالسفه، لا يغني شيئًا عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة من الضلالة والواردة منه أيضًا، ولربما يهدئها وينوّمها.
وفي حسبانه أنه قد وجد حلًّا، وكأن العلاج الوحيد هو رواياته. وهي:
في كتابٍ.. ذلك الحي الميت.
وفي سينما.. وهي أموات متحركة.
وفي مسرح.. الذي تُبعث فيه الأشباح وتُخرج سراعًا من تلك المقبرة الواسعة المسماة بالماضي.
هذه هي أنواعُ رواياته.
وأنّى للميت أن يهب الحياة!..
وبلا خجل ولا حياء!.. وَضَعَ الأدب الأجنبي لسانًا كاذبًا في فم البشر.. وركّب عينًا فاسقة في وجه الإنسان.. وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة.
فمن أين سيعرف هذا الأدبُ؛ الحُسنَ المجرد.
حتى لو أراد أن يُري القارئ الشمسَ؛ فإنه يذّكره بممثلة شقراء حسناء.
وهو في الظاهر يقول: “السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق بالإنسان”..
ثم يبين نتائجها المضرة..
إلّا أنه يصورها تصويرًا مثيرًا إلى حدّ يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، إذ يضرم في الشهوات، ويهيج النزوات. حتى لا يعود الشعور ينقاد لشيء. أما أدب القرآن الكريم:
فإنه لا يحرك ساكن الهوى ولا يثيره، بل يمنح الإنسان الشعور بنشدان الحق وحبه، والافتتان بالحسن المجرد، وتذوّق عشق الجمال، والشوق إلى محبة الحقيقة.. ولا يخدع أبدًا.
فهو لا ينظر إلى الكائنات من زاوية الطبيعة، بل يذكرها صنعةً إلهية، صبغة رحمانية، دون أن يحيّر العقول.
فيلقّن نور معرفة الصانع..
ويبين آياته في كل شيء..
والأدبان.. كلاهما يورثان حزنًا مؤثرًا. إلّا أنهما لا يتشابهان.
فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ من فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن رفيع سامٍ؛ إذ استلهام الشعور من طبيعة صماء، وقوة عمياء يملؤه بالآلام والهموم حتى يغدو العالَم مليئًا بالأحزان، ويلقي الإنسان وسط أجانب وغرباء دون أن يكون له حامٍ ولا مالك! فيظل في مأتمه الدائم.. وهكذا تنطفئ أمامه الآمال. فهذا الشعور المليء بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال وإلى الإلحاد وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد لا يعود أصلًا.
أما أدب القرآن الكريم: فإنه يمنح حزنًا ساميًا علويًّا، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم… ينظر إلى الكائنات؛ على أنها صنعة إلهية، رحيمة، بصيرة بدلًا من طبيعة عمياء. بل لا يذكرها أصلًا، وإنما يبين القدرة الإلهية الحكيمة، ذات العناية الشاملة، بدلًا من قوة عمياء.
فلا تلبس الكائناتُ صورةَ مأتم موحش، بل تتحول -أمام ناظريه- إلى جماعة متحابّة، إذ في كل زاوية تجاوب. وفي كل جانب تحابب. وفي كل ناحية تآنس.. لا كدر ولا ضيق.
هذا هو شأن الحزن العاشقي.
وسط هذا المجلس يستلهم الإنسان شعورًا ساميًا، لا حزنًا يضيق منه الصدر. الأدبان.. كلاهما يعطيان شوقًا وفرحًا.
فالشوق الذي يعطيه ذلك الأدب الأجنبي؛ شوق يهيج النفس، ويبسط الهوس.. دون أن يمنح الروح شيئًا من الفرح والسرور.
بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم؛ شوق تهتز له جنبات الروح، فتعرج به إلى المعالي.
وبناءً على هذا السر: فقد نهت الشريعة الغراء عن اللهو وما يُلهي.. فحرّمت بعض آلات اللهو، وأباحت أخرى.
بمعنى:أن الآلة التي تؤثر تأثيرًا حزينًا حزنًا قرآنيًّا وشوقًا تنزيليًّا، لا تضر. بينما إن أثرت في الإنسان تأثيرًا يتيميًّا وهيّجت شوقًا نفسانيًّا شهويًّا. تحرم الآلة.
تتبدل حسب الأشخاص هذه الحالة..
والناس ليسوا سواء
❀ ❀ ❀
(الكسب المعنوي الجماعي)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
إن الدليل القاطع على أن كل طالب صادق لرسائل النور سيكسب ذلك الكسب الخارق النابع من سرّ ليلة القدر، والتي يَكسب فيها المرء ثلاثًا وثمانين سنة من عمر معنوي، ومن سر الإخلاص والتساند والاشتراك في الأعمال الأخروية الجارية بين طلاب رسائل النور، هو الاحتمال القوي أن لا يكسب ذلك الكسبَ الخارق واحدٌ أو اثنان أو عشرة أو عشرون، بل مئات ضمن دائرة النور التي تضم أربعين ألفًا بل مائة ألف من المؤمنين الحقيقيين الخالصين.
فبسرّ الإخلاص وبدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية نتوجه نحن وأنتم كذلك إلى هذه الحقيقة -حقيقة ليلة القدر- فنفترض أنفسنا ضمن جميع الإخوة وكل منّا يتكلم باسم الجميع في هذا الشهر المبارك، فنقول بصيغة الجمع: أجرنا، ارحمنا، واغفر لنا، ووفقنا، واهدنا، واجعل ليلة القدر في هذا الشهر شهر رمضان خيرًا في حقنا من ألف شهر. وننوي في كل دعاء ضمن “نا” (ضمير الجمع) جميعَ إخواننا. وعليكم معاونة أخيكم هذا الضعيف بالذات في وظيفته المرهقة بتلك النية الخاصة.
❀ ❀ ❀
(لِمَ ننشغل برسائل النور وحدها؟)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
إنني في هذا الشهر المبارك شهر رمضان في الوقت الذي أحتاج فيه إلى نسيان الدنيا وإلى عدم النظر إلى الأمور الآفاقية الخارجية إلّا أنهم -مع الأسف- ألجأوني إلى النظر إليها أحيانًا، نسأله تعالى إن يجعل هذا النظر نوعًا من العبادة حيث إن نيتنا فيه الخدمة الإيمانية.
نعم، كما أنهم يتعرضون لكم فإنهم بأساليب مختلفة يُشعرون تعرّضهم لنا، ولكن شكرًا للّٰه تعالى إن تعدّيهم علينا يؤدي إلى خلاف مقصودهم، فيُعين فتوحات رسائل النور.
وقد ذكر الطالب البطل “نظيف” أن اعتراض الشيخ في إسطنبول قد أصبح وسيلة لفتوحات رسائل النور وسطوعها، وأن الاعتداء على حقوقنا، في أمور طفيفة هنا وهناك تورث مثل هذه النتيجة.. ولكن وجدوا في الوقت الحاضر وسيلةً لا تخطر على بال لترويع بعض العلماء الضعفاء وأهل التصوف وإلقاءِ الفتورِ في قلوبهم تجاه رسائل النور.
فهم يقولون: إن سعيدًا لا يقتني كتبًا أخرى، بمعنى أنه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كُتُبُ الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلفاته.
فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألاَ إن الذين يروّجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضًا من أهل التصوف وسيلة لذلك.
ونحن نقول تجاه هذا: حاش للّٰه مائة مرة حاش للّٰه… إن مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزالى، والذودُ عنه ما وسعهم، وإنقاذه من هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي اللّٰه عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة يزعزع أركان الإسلام -كما في هذا العصر-. فلا يحصل بسرعة على الأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية، بل يحتاج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهرًا تامًّا.
إلّا أن رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تُمزق صفوف العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانعَ أسلحةِ أولئك الأفذاد السامين الميامين، لأن القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعًا ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد أصبح أستاذًا كاملًا لرسائل النور.
فضلًا عن ذلك فالوقت ضيق ونحن ضعفاء، فلا نجد متسعًا من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية. علاوة على ذلك فإن هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. وإلّا فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا، ولكن لكل منا دماغ واحد ويد واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث إننا شاهدنا آخِر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك السلاح والاعتصام به.
❀ ❀ ❀
(ما يسوق إلى الرياء وما يمنع منه)
إخوتي الأعزاء الخالصين المخلصين ويا رفقائي الحقيقيين الجادين في خدمة القرآن..
لمناسبة انتشار رسالة “الإخلاص” حوالينا وفي ولاية إسبارطة ولمناسبة حدوث حادثتين طفيفتين، ورد خاطر قوي إلى القلب. ستُكتب ثلاث نقاط تخص الرياء:
أولاها: إن الرياء لا يدنو من الفرض والواجب والشعائر الإسلامية واتباعِ السنة النبوية الشريفة واجتنابِ الحرام. فإظهار هذه الأمور ليس من الرياء قطعًا، إلّا إذا كان الشخص قد جُبل على الرياء مع ضعف شديد في الإيمان. بل إن إظهار العبادات التي تمس الشعائر الإسلامية أجزلُ ثوابًا من إخفائها بكثير، كما بيّنها حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي اللّٰه عنه.
وعلى الرغم من أن إخفاء سائر النوافل له أثوبة كثيرة فإن النوافل المتعلقة بالشعائر الإسلامية ولا سيما في مثل هذه الأوقات التي راجت فيها البدع، وكذا إظهارُ التقوى التي هي ترك الحرام ضمن هذه الكبائر المنتشرة، لها أثوبة عظيمة أكثر من إخفائها، ناهيك أن يتقرب منها الرياء.
[أسباب الرياء]
النقطة الثانية: هناك أسباب عديدة تسوق الإنسان إلى الرياء. منها:
السبب الأول: ضعف الإيمان.. إن الذي لا يفكر باللّٰه يعبد الأسباب ويتخذ وضع الرياء بحبّه إظهار نفسه للناس. فطلابُ رسائل النور لا يعيرون أهمية ولا قيمة للأسباب ولا للناس من حيث العبودية كي يقعوا في الرياء في عبوديتهم بإظهارها لهم، وذلك لأنهم يتلقون درسًا إيمانيًّا تحقيقيًّا قويًّا من رسائل النور.
السبب الثاني: إن الحرص والطمع يسوقان الإنسان -من زاوية الفقر والضعف الإنساني- إلى جلب توجّه الناس وتلبّس أوضاعٍ متكلَّفة للرياء والظهور.
ولما كان طلاب النور يحصلون على عزة الإيمان باسترشادهم بدروس رسائل النور كالاقتصاد والقناعة والتوكل على اللّٰه والرضى بقسمته، فإنها بإذن اللّٰه تمنعهم عن الرياء والعجب والتنازل لمنافع الدنيا.
السبب الثالث: إن حرص الإنسان على الشهرة، وحبِّ الجاه، وطلبِ نيل المقامات، والتفوقِ على الأقران وأمثالها من الأحاسيس والمشاعر، وكذا التظاهر بمظهر حسن رفيع وتقمّص طور أشخاص عظام لا يليق به، وجلب أنظار الناس وإعجابهم نحوه بما هو فوق حدّه وطاقته، وما شابهها من أنواع التصنع والتكلف في الأعمال.. كلها تسوق إلى الرياء.
ولكن لما كان طلاب رسائل النور قد حوّلوا “أنا” إلى “نحن”، أي تركوا الأنانية ودخلوا ضمن دائرة الشخصية المعنوية للجماعة، ويسعون في أعمالهم باسم تلك الشخصية، أي يقولون “نحن” بدلًا من “أنا”.. وكما قد نجا أهلُ الطرق من الرياء بوسائلِ قتل النفس الأمارة والأخذِ بقاعدةِ: “الفناء في الشيخ” و”الفناء في الرسول”.. فإن إحدى تلك الوسائل هي “الفناء في الإخوان”، أي إذابة الشخصية الفردية في حوض الشخصية المعنوية لإخوانه وبناء أعماله على وفق ذلك، أقول: إنه كما قد نجا أهل الحقيقة بتلك الوسائل من ورطة الرياء، ينجو بإذن اللّٰه طلاب النور بهذا السر أيضًا.
النقطة الثالثة: إنه لا تُعد من الرياء والعجب قط تلك الأطوارُ والأوضاع الرفيعة التي يقتضيها مقام أداء الواجب الديني، وجعلُ الناس يتقبلونه قبولًا حسنًا. اللهم إلّا إذا كان الشخص يسخّر تلك الوظيفة الدينية طوعَ أنانيته ويستغلها لأغراضه الشخصية.
فإمام الجامع، يجهر بالأذكار، كجزء من واجبه في إقامة الصلاة وأداء الأذكار، ويُسمِعها الآخرين، وهذا لا رياء فيه قط، ولكن إسماعها الناس خارج نطاق واجبه ربما يداخله الرياء، فإن إخفاءها أكثر ثوابًا من الجهر بها.
لذا فإن طلاب النور الحقيقيين، أثناء أدائهم لواجب نشر الوعي الديني، وأثناء قيامهم بعباداتهم اتباعًا للسنة النبوية، وأثناء التزامهم بالتقوى التي هي اجتناب الكبائر.. إنما يُعدّون مكلّفين مأمورين في سبيل خدمة القرآن. فنسأل اللّٰه تعالى ألّا يداخل أعمالَهم تلك، الرياءُ. إلّا من دخل ضمن دائرة رسائل النور لغرض آخر غير خدمة القرآن.
❀ ❀ ❀
(حول وظائف السيد المهدي)
..
إن الذي تنتظره الأمة وسيأتي في آخر الزمان، له مهام ثلاثة:
وإن أهم وظيفة من هذه الوظائف الثلاث وأعظمَها وأجلّها هي نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ أهل الإيمان من الضلالة..
أما وظيفته الثانية: فهي تنفيذ الشريعة الغراء وتطبيقها، فبينما لا تَعتمد الوظيفة الأولى على القوة المادية بل إن سنَدَها هو القوة المعنوية من إخلاص ووفاء وقوة العقيدة، فإن هذه الوظيفة تحتاج إلى قوة مادية عظيمة مرهوبة الجانب، وسلطةٍ ذات شأن، كي يتمكن من تنفيذها.
أما وظيفته الثالثة: فهي خدمة الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية مستندًا إلى الوحدة الإسلامية، والاتفاق مع الروحانيين النصارى -الذين يلتحقون به خدمة للإيمان- فهذه الوظيفة يمكن تطبيقها بسلطة عظيمة وقوة هائلة وملايين الفدائيين المضحين.
إن الوظيفة الأولى أسمى وأعلى من الوظيفتين التاليتين بدرجات، إلا أنهما يبدوان في نظر عامة الناس ولا سيما العوام، أسطع وأبهر وأوسع منها لما لهما من جاذبية.
خلاصة الكلام: إن إطلاق اسم “المهدي” إلى أي شخص في الوقت الحاضر، يورِد إلى الذهن الوظائفَ الثلاث دفعة واحدة، فيحصل الخطأ، وقد يجرح الإخلاصَ.. وتضعف قوة الحقائق لدى العوام شيئًا ما، وتنقلب اليقينيات المدعمة بالبراهين إلى الظن الغالب للقضايا المقبولة، فلا يَظهر لدى الحائرين من المؤمنين التغلبُ المبين على الضلالة العنيدة والزندقة المتمردة. وعندها يبدأ أهل السياسة بإثارة المخاوف والشكوك ويشرع قسم من العلماء بالاعتراض..
❀ ❀ ❀
(تعديل حسن الظن المفرط)
كُتِبَ لمناسبة تعديل حسن الظن المفرط لعالم فاضل نحو الأستاذ لعل فيه فائدة لكم.
إلى العالم الفاضل، والأخ العزيز الصادق: حشمت أفندي..
لقد قرأنا بتقدير وإعجاب رسالتكم الكريمة حول المجدِّد، ونقلناها إلى أستاذنا وهو يقول:
نعم، إنه ينبغي لهذا العصر من مجدد له شأنه ليقوم بتجديد الدين والإيمان، وتجديد الحياة الاجتماعية والشريعة، وتجديد الحقوق العامة والسياسة الإسلامية. ولكن أهم تلك الوظائف، هو التجديد في مجال المحافظة على الحقائق الإيمانية. فهي أجلّ وأعظم تلك الوظائف الثلاث. لذا تبقى دوائر “الشريعة” و”الحياة الاجتماعية والسياسية” في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة بالنسبة لدائرة الإيمان.
هذا وإن الأهمية البالغة التي وردت في الحديث الشريف حول تجديد الدين، إنما هي باعتبار التجديد في الحقائق الإيمانية، ولكن نظرًا لأن أفكار عامة الناس، والذين حصروا همّهم في الحياة الدنيا تتوجه أول ما تتوجه إلى الحياة الاجتماعية الإسلامية والسياسة الدينية التي تبدو أكثر أهمية من غيرها وأوسع وأعظم مدى، لما لها من جاذبية وهيبة في السلطة والحكم. فترى أن هؤلاء ينظرون بتلك العدسة ومن تلك الزاوية إلى الأمور ويفسرونها في ضوئها.
ثم إنه يبدو بعيدًا جدًّا، بل يكاد يكون غير ممكن اجتماعُ هذه الوظائف الثلاث كلها في شخص واحد، أو في جماعة واحدة، في هذا العصر، وعلى الوجه الأكمل، ومن دون أن تعيق إحداها الأخرى. بل قد لا تجتمع أصلًا تلك الوظائف إلا في “السيد المهدي” الذي يمثل الجماعة النوارنية لآل البيت النبوي في آخر الزمان، وفي الشخص المعنوي لجماعته.
فللّٰه الحمد بما لا يتناهى من الحمد؛ أَنْ دفَعَ الشخصَ المعنوي لطلاب رسائل النور وحقيقتها -في هذا العصر- لأداء وظيفة التجديد من حيث المحافظة على الحقائق الإيمانية.
وهي منذ عشرين سنة تؤدي تلك الوظيفةَ المقدسة بنشرياتها المؤثرة والفاتحة للقلوب صادّةً صولاتِ الزندقة القوية الرهيبة وغاراتِ الضلالة منقِذة إيمانَ مئات الألوف من أهل الإيمان. والشاهدُ على ذلك أكثر من أربعين ألفًا من الشهود.
يقول أستاذنا:
لا ينبغي أن يكون شخصي العاجز الضعيف موضعَ النظر وتحميلُ كاهلي هذا الثقل العظيم بما يفوق حدي بألوف المراتب. وهو يخصكم بالسلام، ونحن بدورنا نخصكم بالسلام ومن له علاقة برسائل النور هناك.
من طلاب رسائل النور
أمين، فيضي، كامل
❀ ❀ ❀
(يد القدر ويد الإنسان في الحادثة)
إنه قاعدة أساس في رسائل النور؛ أن في كل حادثة يدَ الإنسان ويدَ القدر معًا، ولكن الإنسان يَظلم حيث ينظر إلى السبب الظاهري، بينما القدرُ يعدِل لأنه يرى السبب الخفي لتلك المصيبة.
ولقد ثبت بتجاربَ أن يد العناية الإلهية ورحمتَه تعالى موجودة في كل المصائب التي نزلت برسائل النور لحدّ الآن.
❀ ❀ ❀
(فتوى أمين الفتوى)
إن السيد “علي رضا” أكبر علماء إسطنبول وأكثرهم تحريًا وبحثًا والذي تولى في أغلب الأوقات منصب مفتي الأنام، وهو أمين الفتوى السابق، بعد ما شاهد “الشعاع الأول” المتضمن للإشارات القرآنية ورسالة “الآية الكبرى” وأمثالها من الرسائل قال للحافظ أمين وهو من طلاب رسائل النور القديرين:
“لقد خدم بديع الزمان الدين الإسلامي أعظم خدمة في هذا الزمان، وإن مؤلفاته صائبة جدًّا، ولم يتيسر لأحد إخراجُ أثر كهذا في مثل هذا الزمان الجدب، إذ تَرَك الدنيا ونَبَذَها. وهو قمين بالتهنئة والتبريك بكل الوجوه. وإن رسائل النور مجدِّدة للدين. نسأله تعالى أن يوفقه للخير. آمين”.
وقد دافع عن عدم إطلاق اللحية لدى البعض ساردًا قصة سلطان العلماء من آباء جلال الدين الرومي ثم قال:
“ولبديع الزمان أيضًا بمثل هذا اجتهادٌ بلا شك، فالمعترضون لا يملكون الحق..”
وأمر العالم مصطفى: اكتب ما قلته:
“أخصّ سلامي الكامل لبديع الزمان مع الاحترام والتوقير له. وأنا في دعاء مستمر لكم لتكملوا مؤلفاتكم. لا تتألموا من تعرضكم لانتقاد بعض علماء السوء، إذ “الأشجار المثمرة تُرشَق بالأحجار لنيل الثمار”، مثلٌ مشهور. استمروا في جهادكم. نسأله تعالى أن يوفقكم في مقصودكم عاجلًا. وفي أمانة اللّٰه وحده وحفظه.
علي رضا
أمين الفتوى السابق
هكذا قضى عالم جليل ومدقق فاضل وصاحب الكلام في هذا الزمان من حيث الشريعة والقرآن الكريم. فعلى طلاب رسائل النور ألّا يبوحوا باسم ذلك العالم -أخذًا بالحذر- وعدم الإعلان عنه، بل يضموه في أدعيتهم.
سلامنا إلى جميع الإخوة.
❀ ❀ ❀
(أسس العمل مع المعترضين)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا..
لمّا كان أولياء اللّٰه الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب -إن لم يلهمهم اللّٰه سبحانه وتعالى- حيث لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه؛ فإن أعظم وليّ صالح لا يستطيع أن يَطَّلِعَ على حقيقةِ وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعني أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنزلتها، إلّا إذا كان هناك أمر يخالف ظاهر الشريعة مخالفة كلية.
فاتباعًا لدستور الآية الكريمة: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، وحفاظًا على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم، وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة -مع كونها محقة- على اعتراضات باطلة، واجتنابًا لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معًا..
فعلى طلبة النور -حسب الأسس المذكورة-: ألّا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمِثل. بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته -التي هي كقطعة ثلج بطول قامته- ولا يرغب في تغييرها، بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائمًا. وها هنا ينشأ النزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.
إن حادثة الاعتراض في إسطنبول تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظًا على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه أتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث، علينا بالتأني، وضبطِ النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة…
فلو افترض -فرضًا محالًا- أن اعتراضًا على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يَثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراضَ ذلك القطب الأعظم على صورةِ التفاتةٍ كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيلَ يده وإيضاحَ مدار الاعتراض على أستاذهم العظيم.
❀ ❀ ❀
(مرض العصر)
نعم، يا إخوتي..
إنه في خضم التيارات الرهيبة والحوادث المزلزلة للحياة والعالم ؛ ينبغي أن يكون الإنسان على ثبات وصلابة لاتُحد بحدود، وضبط للنفس لانهاية له، واستعداد دون حدود للتضحية. إن تفضيلَ المؤمنين الحياة الدنيا على الآخرة مع إيمانهم بالآخرة ومعرفتها حق المعرفة، وترجيحَ قطع زجاجية تافهة على الألماس الثمين مع معرفة وعلم بها ورغبة فيها، وذلك بسيطرة دوافع الحس العمياء التي لا تبصر العقبى، وترجيح لذة آنية حاضرة على رطل من لذات صافية آجلة.. إن هذا مرض مخيف أصاب هذا العصر بل هو مصيبة من مصائبه، وبلية من بلاياه، وهو مضمون إشارة الآية الكريمة: ﴿يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾.
ومن جراء هذه المصيبة يقع المؤمنون الحقيقيون أحيانًا في خطأ جسيم كموالاتهم أهل الضلالة. نسأله تعالى أن يجنّب أهل الإيمان وطلاب رسائل النور من شر هذه المصيبة. آمين.
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
(رزق طالب العلم)
لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنني في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشافٍ وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبي وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة. وقد شعرت من إخوتي الكثيرين -سواءً هنا أم هناك- بالحالة نفسها وما زلت أشعر بها. وكثيرون يعترفون قائلين: “إننا نشعر بها أيضًا”. حتى إنني أعتقد -كما كتبته لكم في السنة الماضية- أن السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك البركة.
وقد روي عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه أنه قال: “أنا ضامنُ رزقِ طالب العلم الخالص؛ لأن في رزقه بركة وسَعَة”.
ولما كانت هذه هي الحقيقة، وأن طلاب رسائل النور قد أظهروا الأهلية التامة لعنوان “طالب العلم” في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع المنتشر، مع إدراك أن أفضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدمُ ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثًا وراء متطلبات العيش. نعم، إن هموم العيش هذه قد أحاطت بالناس كلهم من كل جهة. وأهلُ الضلالة يستغلون هذا الوضع. ويجد أهل الدين أنفسهم معذورين قائلين: ماذا نعمل، إنها ضرورة. لذا فعلى طلاب رسائل النور مواجهةُ بلاء الجوع والضرورة برسائل النور أيضًا. فوظيفة كل طالب ليس هو إنقاذَ إيمانه وحده بل هو مكلّف أيضًا بالحفاظ على إيمان غيره، ولا يكون ذلك إلّا بالاستمرار الجاد في الخدمة.
لقد كتبنا لكم: لا تواجهوا المعارضين بالعداء. بل اتخِذوا طور الصداقة مع أهل التقوى وأهل العلم قدر المستطاع. وعليكم الأخذ بهذا: لا تُقحِموا في صفوفكم من يمكن أن يسبب ضررًا برسائل النور ويمس صلابة طلابها، لأن أمثال هؤلاء إن لم ينضموا إلى الدائرة بنية خالصة ربما يورثون الفتور. وإن كانوا يحملون أنانية وحبًّا للذات يكسرون صلابة طلاب رسائل النور ويجلبون أنظارهم إلى خارج رسائل النور ويشتتون أفكارهم. يلزم في الوقت الحاضر اليقظة التامة والأخذ بالحذر…
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
(معجزة معنوية)
إن رسائل النور ليست طريقة صوفية بل حقيقة، وهى نور مفاض من الآيات القرآنية ولم تُستقَ من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاص لهذا الزمان.
❀ ❀ ❀
(تتبع أخبار الحرب)
جواب لسؤال ورد من قبل طلاب رسائل النور
سؤال: لقد سألناكم في السنة الماضية: ها قد مرت خمسون يومًا ولم تلتفتوا إلى التيارات الجارية في العالم ولم تسألوا عنها، وقد أجبتم لنا في حينه. ولكن رغم أن ذلك الجواب كان حقيقة وكافيًا، إلّا أنه كان من المفروض أن تنظروا إلى تلك التيارات ولو قليلًا من زاوية انتشار رسائل النور والعمل لها وإفادة العالم الإسلامي. أفلا يدفعكم الفضول إلى الاهتمام بها والسؤال عنها من هذه الزاوية؟
الجواب: إن الإنسان الذي يخوض غمار هذه الحرب الطاحنة يمثل أصدق تمثيل الآية الكريمة ﴿كان ظلومًا جهولًا﴾ لذا لا يجوز النظر إلى المظالم المحيّرة فضلًا عن موالاة تلك التيارات وتتبع أخبارها والاستماع إلى دعاياتهم الكاذبة الخدّاعة ومشاهدة معاركها بأسًى وحزن. لأن الرضى بالظلم ظلم، وإذا ما مال إليه يكون ظالمًا. وإذا ما ركن إليه ينال زجر الآية الكريمة: ﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾.
نعم، لأن هذه الحرب المدمرة ليست لأجل إحقاق الحق وإرساء الحقيقة ولا لأجل إعلاء شأن الدين وإقرار العدالة، بل تستند إلى العناد والعصبية القومية والمصلحة النوعية وإشباع أنانية النفس، فتُرتكب مظالمُ شنيعة ومآسي أليمة لم يُر مثيلها في العالم.
والدليل على ذلك: إفناء الأبرياء من أطفال وعوائل وشيوخ ومرضى بالقنابل المدمرة بحجة وجود جندي أو اثنين من جنود الأعداء فيما بينهم.. واتفاق أعتى المستبدين من البرجوازيين مع الفوضويين والإرهابيين الذين هم المتطرفون من الاشتراكيين والشيوعيين وإهدار دماء ألوف بل ملايين من الأبرياء.. والاستمرار في هذه الحرب الضارة للإنسانية جمعاء.. وردّ الصلح والسلام.. لذا فإن الإسلام والقرآن الكريم بريئان بلا شك من مثل هذه الحروب المدمرة التي لا تنسجم مع أي قانون كان من قوانين العدالة ولا مع الإنسانية ولا مع أي دستور كان من دساتير الحقيقة وقوانين الحقوق. ولا يتذللان بالتنازل لمعاونة أولئك؛ لأن فرعونية رهيبة ومصلحية عجيبة تستحوذان فيهم بحيث لا يمدّون يد العون إلى القرآن والإسلام، بل يحاولون جعلهما آلتين طيعتين في سبيل مآربهم. فلا شك أن أحقية القرآن تأبى الاستناد إلى سيوفِ ظالمين كهؤلاء. بل الفرض على أهل القرآن والواجب عليهم الاستناد إلى قدرة رب العالمين ورحمته بدلًا من الاستناد إلى قوة عُجنت بدماء ملايين الأبرياء.
ولما كان الإلحاد يسحق أهل الدين مستندًا إلى إحدى القوتين المتصارعتين وأن الانحياز إلى التيار المخالف للزندقة يبدو كوسيلة للنجاة من جَورهم، إلّا أن التجارب أثبتت أن ذلك الانحياز -في الوقت الحاضر- يولد أضرارًا كثيرة دون أن يجدي نفعًا. ثم إن الزندقة تدور -بسبب النفاق- حيث دارت مصلحتُها، إلى أي جهة كانت. وتجعل صديقَك حليفها وتدفعه إلى معاداتك. فتبقي الآثام التي اكتسبتَها من الانحياز ثقيلة في عنقك.
وحيث إن وظيفة طلاب رسائل النور هي الإيمان، لا تهمهم الأمور الجارية في الحياة ولا يدفعهم الفضول إلى النظر إليها بلهفة.
وبناء على هذه الحقيقة: فليَ الحق ألّا أنظر إليها طوال ثلاث عشرة سنة وليس ثلاثة عشر شهرًا فحسب. فلقد نظرتم أنتم إليها فماذا كسبتم غير الآثام؟ وماذا فقدتُ أنا ولم أنظر إليها؟
السؤال الثاني: ما السبب وما وجه التخصيص لطلاب رسائل النور الخواص، أنهم ضمن الطائفة المعرّفة بالآية الكريمة ﴿الذين انعمت عليهم﴾ في سورة الفاتحة، وضمن الطائفة المجاهدة في آخر الزمان المعرّفة في الحديث الشريف “لا تزال طائفة من أمتي”2رواه البخاري، المناقب ٢٨؛ الاعتصام ١٠، التوحيد ٢٩؛ الترمذي، الفتن ٥١.، وأنهم فرد من أفراد المعنى الإشاري للآية الكريمة ﴿الّا الذين آمنوا﴾ ..الخ، من سورة العصر.؟
الجواب: السبب هو أن رسائل النور قد كشفت وحلّت ما يقرب من مائةٍ من طلاسم الدين وأسراره ومُعَمَّيَاتِ الحقائق القرآنية. بحيث إن الجهل بطلسم وسرّ يوقع الكثيرين في الشبهات والشكوك ولا ينجون من الريوب. بل قد يفقدون إيمانَهم، أما الآن وبعد فكّ تلك الأسرار وحلّ تلك المغاليق لا يجرؤ الملحدون على الظهور والغلَبة ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
وقد أشرنا إلى قسم منها في المكتوب الثامن والعشرين (العنايات السبع). وستُجمع تلك الطلاسم بإذن اللّٰه في مجموعة مستقلة.
❀ ❀ ❀
(رسائل النور سانحات قلبية)
إن مسائل رسائل النور ليست نابعة من العلم، وإعمال الفكر، وبالنية والقصد والإرادة، بل هي -بالأكثرية المطلقة- سانحات وظهورات قلبية وتنبيهات وإخطارات على القلب.
❀ ❀ ❀
(كيف نجوتُ من ألم الشفقة؟)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
لقد شعرتُ -بدافع العطف الإنساني- بحزن أليم جدًّا للبشرية المضطربة في هذا الشتاء القارس، والشتاء المعنوي الرهيب الذي يلطخ البشرية بالدماء، فأمدّت حكمةُ الخالق الكريم ورحمتُه تعالى قلبي المحزون، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين -كما بينته ذلك في كثير من الأماكن- فورد هذا المعنى إلى القلب:
إن تألّمك هذا الشديد، يجرى مجرى الانتقاد لحكمة ذلك الحكيم ورحمة ذلك الرحيم سبحانه وتعالى. فلا رأفة -في دائرة الإمكان- تسبق الرحمة الإلهية، ولا حكمةَ أكمل من حكمته الربانية. فكّر: أن العصاة ينالون جزاءهم والأبرياء والمظلومون سينالون ثوابَهم بعشرة أضعاف مما قاسوا. فعليك النظر إلى الحوادث الواقعة خارج دائرة اقتدارك من زاوية رحمته وحكمته وعدالته وربوبيته تعالى.
وهكذا نجوتُ من الألم الشديد النابع من الشفقة بفضل اللّٰه.
يُنقل أدناه جواب سعيد القديم حول سؤال أورده في مؤلَّفه “المناظرات” المطبوعِ قبل ثلاثين سنة.
لقد سئل قبل ثلاثين سنة أثناء تجواله بين العشائر:
سؤال: أمَا تكون الشكوى من الزمان والاعتراضُ على الدهر اعتراضًا على بدايع صنعة الصانع جل جلاله؟
الجواب: كلا، ثم كلا، بل ربما تعني الشكوى ما يأتي: كأن الشاكي يقول: إن ماهية العالم المنظمةَ بدستور الحكمة الأزلية غير مستعدة لإنجاز الأمر الذي أطلبه، والشيءِ الذي أبغيه، والحالةِ التي أشتهيها، ولا يسمح به قانونُ الفَلَك المنقش بيد العناية الأزلية، ولا توافقه طبيعةُ الزمان المطبوعةُ بمطبعة المشيئة الأزلية، ولا تأذن له الحكمةُ الإلهية المؤسِّسة للمصالح العامة.. لذا لا يقطف عالمُ الممكنات من يد القدرة الإلهية تلك الثمراتِ التي نطلبها بهندسةِ عقولنا وتَشَهِّي هوانا وميولنا. وحتى لو أعطَتها لَماَ تمكن من قبضها والاحتفاظ بها، ولو سقطتْ لَمَا تمكّن من حملها. نعم، لا يمكن أن تسكن دائرةٌ عظيمة عن حركاتها المهمة لأجل هوى شخص…
هذا وتُلحِق رسائل النور هامشًا في بحث الزلزلة، كالآتي:
بينما لكل عنصر من العناصر وكل حادثة من الحوادث المادية والمعنوية -كالشتاء والزلزال- مئات من النتائج والغايات الخيرة. فإن إيقافَه لئلا يأتي شرٌّ ونتيجةٌ ذات ضرر وشر، ارتكابٌ لمئات الشر، بترك تلك المئات من النتائج الخيرة، وهذا منافٍ للحكمة والحقيقة والربوبية.
ولكن الأفراد الذين يتضايقون من القوانين الكلّية، يُمدّ الرحمنُ الرحيم سبحانه كلَّ فرد عاجز ضعيف منهم بالعنايات الخاصة والإمدادات الخصوصية والاحسانات المخصوصة ويُسعفهم بدواءٍ لدائهم. ولكن ليس وفق هوى ذلك الفرد، بل وفق منفعته الحقيقية، وقد يُعطى له ألماسًا في الآخرة على ما طلبه من زجاج في الدنيا.
❀ ❀ ❀
(هموم العيش الثقيلة)
كنتُ شديد القلق لاحتمال انفراطِ تساند طلاب رسائل النور -وأكثرهم فقراء- وتزعزعِهم أمام هذه الحالات الرهيبة من هموم العيش التي أثقلت كاهلَ الفقراء والقحط الذي ألمّ بالناس -ضمن الوفرة- حيث بلغ الغلاءُ مبلغه في هذا الشتاء المادي والمعنوي.
فأنتم يا إخوتي محتاجون ومكلّفون في هذه العواصف الهوج أكثر من أي وقت آخر بالحفاظ على ترابطكم واتحادكم وغض النظر عن تقصيرات إخوانكم وعدم نشر الانتقاد فيما بينكم. حذار حذار أن يمتعض أحدُكم من الآخر… فلا ينتقدنّ أحدكم الآخر… وبخلاف ذلك فإن إظهاركم ولو قليلًا من ضعف يستغلّه أهل النفاق فيلحقون بكم أضرارًا بليغة. وتجاه ضرورة هموم العيش.
عليكم الالتزام بالاقتصاد والقناعة. وحيث إن المصالح الدنيوية ساقت كثيرًا من أهل الحقيقة وأهل الطريقة إلى نوع من المنافسة، فأنا قلقٌ من هذه الجهة التي لم تُزعزع طلابَ رسائل النور إلى الآن، ونسأل اللّٰه ألّا تزعزعهم في المستقبل أيضًا. ولكن ليس الجميع على النمط نفسه من الأخلاق. وإذا ما أراد البعضُ راحته ضمن الدائرة المشروعة فلا تعترضوا عليه. والطالبُ الذي يعاني حالة الضرورة يمكنه أن يَقبل الزكاة.
وأنه لَيعدّ نوعًا من خدمة رسائل النور أيضًا، مدُّ يد العون بالزكاة إلى الأركان -من طلاب النور- الذين نذروا وقتهم لخدمة رسائل النور وإلى الساعين في الخدمة. بل يجب معاونتهم. ولكن يجب ألّا يكون بالحرص والطمع؛ والسؤال بلسان الحال. وإلّا يفتح الميدان لتعرّض أهل الضلالة الذين يقولون: هؤلاء ضحّوا بدينهم في سبيل الحرص والطمع؛ إذ يقيسونكم على أنفسهم ويتهمونكم بقولهم: إن قسمًا من طلاب رسائل النور أيضًا قد جعلوا دينهم أداةً لدنياهم.
عليكم بقراءة رسالة “الإخلاص” و”الاقتصاد” فيما بينكم تارة، وتارة أخرى رسالة “الهجمات الست”.
إن ثباتكم الخارق وصلابتكم المتينة وتساندكم التام واتفاقكم العظيم سيكون مدار فخر لهذه البلاد بل هي بدرجة تستطيع أن تنقذ مستقبلها. احذروا ألّا تُفسد تساندَكم العاصفةُ الجديدة المقبلة.
❀ ❀ ❀
(حقيقة تتعلق بأرباب العلم)
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
إن لرسالة “الحزب النوري” كرامةً معنوية تعود إلى شخصي، والآن جاء دور بيانها:
عندما انقلب سعيدٌ القديم إلى سعيد الجديد قبل ثلاثة وعشرين عامًا، واختار مسلك التفكر، بحثتُ عن سرِّ “تفكرُ ساعةٍ خير من عبادة سنة”، وفي كل عام أو عامين كان ذلك السرّ يغيّر من شكله فينتج إما رسالة عربية أو رسالة تركية. وقد دامت تلك الحقيقة وهي تتلبّس الأشكالَ المختلفة ابتداء من رسالة “قطرة” العربية، وانتهاء إلى رسالة “الآية الكبرى”، حتى أخذت شكلها الدائم في “الحزب النوري”.
ومنذ عشرين عامًا، ما كان يتملّكني الضيق وأصاب الفكرَ والقلبَ إرهاقٌ، ولجأتُ إلى قراءة قسم من ذلك الحزب بتأمل، إلّا وكان يزيل ذلك الضيقَ والسآمة والإرهاق. وقد تكرر ألف مرة أنه لم يبق أي أثر للملل والتعب -الناتجين عن الانشغال طوال خمس أو ست ساعات من الليل- بقراءة سُدس ذلك الحزب قبيل الفجر. نعم، إن هذه الحال تدوم حتى الآن.
ولمناسبة هذه الحقيقة أُبين مسألة وحقيقة عظيمة تتعلق في الوقت الحاضر بأرباب المدرسة الشرعية والعلماء:
لقد انقادت طائفةُ المدارس الشرعية لطائفة التكايا والزاويا الصوفية منذ سالف العصور، أي سلّموا لهم القياد وراجعوهم للحصول على ثمار الولاية. وتحرّوا عندهم أذواقَ الإيمان وأنوار الحقيقة. حتى كان عالم كبير من علماء المدرسة الشرعية يقبّل يدَ شيخ ولي صغير من أولياء الزاوية الصوفية ويتبعه، فطلبوا ذلك النبع الفياض بالماء الباعث على الحياة في التكايا والزوايا.
بينما أظهرت رسائل النور بالمعجزة المعنوية للقرآن الكريم -كما هو ماثل أمامكم- أن في المدارس الشرعية أيضًا طريقًا قصيرة توصل إلى أنوار الحقيقة، وفي العلوم الإيمانية ينبوع ثرّ هي أصفى وأنقى من غيرها. وأنه في العلم الشرعي، وفي الحقائق الإيمانية وعلم كلام أهل السنة، طريقًا للولاية هي أسمى وأحلى وأقوى من العمل والعبودية والطريقة الصوفية.
بينما يلزم -بل الألزم- سعيُ علماء المدرسة الشرعية لموالاة رسائل النور باعتزاز وشوق، فإن أكثرهم لا يعرفون -يا للأسف- أن هذا الكنز العظيم الباقي، وهذا النبع الفياض الباعث على الحياة، مُلك مدرستهم نفسها، ولا يبحثون عنه، ولا يحاولون الحفاظ عليه.
ولكن الآن وللّٰه الحمد بدأت تباشيرُ ذلك حيث جَذبت مجموعةُ “الكلمات” العلماءَ والمعلمين معًا إلى الأنوار.
❀ ❀ ❀
(الحاجة إلى الحقائق الإيمانية ماسة)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
حمدًا للّٰه وشكرًا له بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ جعل ولاية إسبارطة مدرسةَ الزهراء والجامع الأزهر والذي كان هدف خيالي منذ مدة.
فأقلامكم تُغني رسائلَ النور عن المطبعة ونشرُكم بالرونيو هذا العدد الكبير من النسخ المضبوطة المتسمة بالتوافق في وقت قصير أثبت دعواي الذي قلته صباحًا. ثم أتى “أمين” بهذه النسخ -ثمرات رياض الجنة- قبيل الظهيرة. والدعوى هي أن الحقائق الإيمانية التي تخدمها رسائل النور هي أجلّ من كل شيء، والحاجة إليها على أشدها في الوقت الحاضر، ولكن الملحدون أماتوا قلوبَهم وأطاشوا نفوسَهم بالأهواء، فينكرون الحاجة إلى حقيقة الإيمان، فيقولون: إن الذي يحرك أهل الدين والعلم نابع من مقاصد دنيوية وحاجاتها. وهكذا يتهمونهم ويعرّضونهم لظلم شديد بموجب ذلك الاتهام.
إن إسكات هؤلاء الملحدين التعساء إسكاتًا تامًّا وفعليًّا يتطلب وجود مضحّين لا تُشبع حاجاتِهم إلى الحقائق الإيمانية أعظمُ مشاغل الدنيا، بل حتى أضرارُها الجسيمة لا تشغلهم عنها.
– تُرى هل هناك أحد من هذا القبيل؟
– نعم، وها هي ولاية إسبارطة وحواليها أمامكم…
❀ ❀ ❀
(نفس أمارة ثانية)
مسألة دقيقة كُتبتْ تنبيهًا لأحد إخواننا ممن لم يرَ تقصيره، نرسلها لكم علّها تنفعكم كذلك.
رأيت -في وقت ما- لدى عدد من الأولياء العظام، ممن نجوا من أوضار نفوسهم الأمارة بالسوء مجاهدات نفسية، وشكايات منها. فكنتُ أحار في الأمر كثيرًا، ولكن بعد مدة طويلة رأيت أن هناك نفسًا أمارة معنوية -غير دسائس النفس الأمارة الحقيقية- هي أشد عصيانًا من الأولى وأكثر نفورًا من الطاعة، وأكثر إدامة للأخلاق الذميمة، هي النفس الثانية. وهي مزيج من الهوس والمشاعر والطبائع، وهي موغلة في الأعصاب والعروق، وهي الحصن الأخير الذي تحتمي به النفسُ الأمارة، وهي التي تتولى القيام بوظيفة النفس الأمارة السيئة السابقة -التي تزكّت منها- فتجعل المجاهدة تستمر إلى نهاية العمر.
وأدركتُ حينها أن أولئك الأفذاذ الميامين ما كانوا يشكون من النفس الأمارة الحقيقية، بل من نفس أمارة مجازية. ثم شاهدت أن الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي أيضًا يخبر عن هذه النفس المجازية.
ولما كانت حواس هذه النفس الأمارة الثانية عديمة الشعور، عمياءَ لا تبصر، فلا تَفهم أقوال العقل ولا تدرك نصائح القلب، ولا تُعير لها سمعًا كي تنصلح وتدرك تقصيراتها، لذا لا ترتدع عن السيئات إلّا بلطمات التأديب وصفعاتها وبالآلام، أو بالتضحية التامة بحيث يضحي المرءُ بمشاعره وحواسه كلِّها للهدف الذي يصبو إليه فيترك أنانيته كليًّا، بل كلَّ ما يملكه لذلك الهدف، كما تركه طلاب النور الخواص.
وفي هذا العصر العجيب، تتفق النفسان الأمارتان -الحقيقيةُ والمجازيةُ- معًا بتلقينات رهيبة، حتى تدفعا الإنسانَ ليَدخل في السيئات والآثام طوعًا وبرغبةٍ منه، تلك السيئات التي ترتعد من شناعتها الكائنات.
حتى إنني في غضون دقيقة واحدة، وبضيق قليل جدًّا فَوَّتُّ حسنةً عظيمة جدًّا. وقد حدث أيضًا ضمن مجاهدة معنوية عظيمة خلال عشر دقائق، عندما كان أحدُهم وهو في صفي يخترق صفوف أعدائي ويشقهم شقًّا كمن يرميهم بمدافع ثقيلة عظيمة. فتحيّنَتْ تلكما النفسان الأمارتان فرصةَ الغفلة مؤقتًا، إذ شَعرتُ بميلٍ للتفوق وبأثَرة مظلمة إلى أقبح رياء وحسد بدلًا من الشكر والحمد العظيمين حيث قلت: “لِمَ لمْ أرم القذائف أنا؟”.
فألف شكر وشكر للبارئ الكريم سبحانه أن رسائل النور ولا سيما رسائل “الإخلاص” أزالت -كليًا- دسائسَ كلتا النفسين وضمدت الجراحات التي ولدتاها، مثلما أزالت الحالاتِ التي حدثت في دقيقة واحدة وفي عشر دقائق إزالة تامة والحمد للّٰه. فعرفتُ تقصيري -تلك المعرفة التي هي استغفار معنوي- ونجوت بفضله تعالى من العذاب والآلام المضمَرة التي هي جزاء معجل لذلك الخطأ.
قلق ساور قلبي فجأة أبينه لكم:
لقد شعرتُ وأدركت أن أهل الضلالة لعجزهم عن صد السيوف الألماسية لرسائل النور يريدون زعزعة رابطة الطلاب الوثيقة مستفيدين من عروق واهية نابعة من اختلاف المشارب أو المشاعر مستغلين متطلبات العيش ولوازمه والغفلة التي تخيّم في الربيع. إياكم وإياكم أن تجد الفرقةُ فرجةً فيما بينكم. احذروا؛ فالإنسان لا يخلو من خطأ. إن باب التوبة مفتوح. فإذا ما دفعتكم النفسُ والشيطان إلى الاعتراض على أخيكم وانتقاده على حق، قولوا:
إننا مكلفون بالتضحية بحياتنا وكرامتنا وسعادتنا الدنيوية في سبيل الحفاظ على التساند الذي هو الرابطة الوثقى لرسائل النور، فضلًا عن مثل هذه الأمور الجزئية. فوظيفتُنا التضحية بكل ما يمتّ بصلة بالدنيا والأنانية، لما تكسبنا رسائل النور من نتائج جليلة.
وبهذا تُسكتون النفسَ الأمارة. وإن دار حول مسألةٍ نقاشٌ ونزاع، فشاوروا بعضَكم بعضًا. لا تتشددوا، أوغلوا برفق، الناسُ ليسوا سواسية في المشارب. ينبغي أن يتسامح بعضُكم مع البعض الآخر في الوقت الحاضر.
سلامنا إلى الإخوة جميعًا فردًا فردًا.
❀ ❀ ❀
(لا تفسحوا المجال للانتقاد)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
حذار حذار.. لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر، فيستغلَّ أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلوا دساتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائمًا. وبخلاف هذا فإن اختلافًا طفيفًا في هذا الوقت يمكن أن يُلحق أضرارًا بليغة برسائل النور.
❀ ❀ ❀
(ما الذي يمنعنا عن السياسة؟)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
لقد أتاني اليوم صلاح الدين ومسؤول من الأمن (المَباحث) يتعقبه، دخل عليّ من ورائه.
قلت لذلك الجاسوس الحكومي:
إن رسائل النور -ونحن الذين نتلقى الدرس منها درسًا كاملًا- لن نجعلها أداةً للدنيا قاطبة ناهيك عن سياستها، ونحن لا نتدخل بدنيا أهل الدنيا، فمن البلاهة توقّع الأضرار منا، وذلك:
أولًا: أن القرآن الكريم قد منَعنا من السياسة، لئلا تسقط -في نظر أهل الدنيا- الحقائقُ التي هي بنفاسة الألماس إلى مستوى القطع الزجاجية التافهة.
ثانيًا: إن الشفقة والضمير والحقيقة تمنعنا من السياسة. لأنه لو كانت نسبة المنافقين الملحدين الذين يستحقون العقاب اثنين من عشرة، فهناك سبعٌ أو ثمان من الأبرياء من أقاربهم وذويهم. وهناك الأطفال والعوائل والشيوخ والمرضى. فإذا نزلت المصيبةُ والبلاء فإن أولئك الأبرياء الثمانية سيسقطون في أتون المصيبة. ولربما سيلحق بالمنافقَين الاثنين والملحدَين ضرر طفيف. ولهذا فإن ما في ماهية رسائل النور من الشفقة والرحمة والحق والحقيقة قد حالت دون الدخول في السياسة بوسائل الإخلال بالإدارة والنظام فضلًا عن أن نتائجها مشكوك فيها.
ثالثًا: إن هذا الوطن وهذه الأمة والحكومة -مهما كان شكلها- فهي بحاجة ماسة إلى رسائل النور. فينبغي لأعتى الملحدين منهم أن يميل إلى دساتيرها المتسمة بالدين والحق ناهيك عن الخوف منها والعداء لها، اللهم إلّا إذا كانت خيانة فاضحة للأمة والوطن والحاكمية الإسلامية.
لأن هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة وهذا الوطن في حياتها الاجتماعية والسياسية ونجاتها من الفوضى والإرهاب ومن المخاطر العظيمة:
الأول: الرحمة. الثاني: الاحترام. الثالث: الأمن والثقة. الرابع: اجتناب المحرمات والتمييز بين الحرام والحلال. الخامس: الطاعة وترك التسيب.
وهكذا فرسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية تُحقق هذه الأسس الخمسة وتثبّت بها ركائز النظام في البلاد.
ألاَ فليعلم الذين يتعرضون لرسائل النور، أنّ تعرضهم هذا إنما هو عداء -في سبيل الفوضى والإرهاب- للوطن والأمة والنظام.
هذا ما قلته باختصار لذلك الجاسوس الحكومي.
وقلت له: قل هذا لمن أرسلك هنا. وقل لهم أيضًا: إن الذي لم يراجع الحكومة لتأمين راحته طوال ثماني عشرة سنة.. والذي لا علم له بالحرب الدائرة التي قلبت العالم رأسًا على عقب منذ أحد عشر شهرًا.. والذي يستغني عن أن يَقبل إيجاد علاقةِ صداقةٍ مع من يشغل مراتب رفيعة في الدولة. فالذي يتوجس خيفةً من مثل هذا الرجل ويساوره الشكوك وكأنه سيتدخل بأمور دنياهم ومن ثم مضايقته وشدّ الخناق عليه، ماذا يعني عمله هذا؟ وما المصلحة فيه؟ وأي قانون يجيز هذا؟ حتى البلهاء يعرفون أن التعرض له جنون وبلاهة! قلنا له هذا، ثم غادرنا.
❀ ❀ ❀
(لا تنشغلوا بلسعات البعوض)
إخواني الأعزاء..
لا داعي إلى درس وتوجيه جديد، إذ شاهدتُ بين رسائلكم رسائل “الإخلاص” هذه المرة. فأحيلكم إلى دروس تلك الرسائل. إلّا أنني أنبّه إلى ما يأتي:
لما كان مسلكُنا يستند إلى الإخلاص، ومبنيًّا على الحقائق الإيمانية فإننا مضطرون -وفق مسلكنا- إلى عدم التدخل في أمور الحياة الاجتماعية والحياة الدنيوية، مالم نضطر إليها. وعلينا التجرد والابتعاد عن تلك الحالات التي تؤدي إلى التنافس والتحيّز والتنازع.
فأسفًا، وألف أسف، لأهل العلم ولأهل التقوى الضعفاء الذين يتعرضون -في الوقت الحاضر- إلى هجومِ ثعابين مرعبة، ثم يتحججون بهفوات جزئية شبيهة بلسع البعوض، فيعاوِنون -بانتقاد بعضهم البعض- تلك الثعابينَ الماردة، ويُمدّون المنافقين الزنادقة بأسبابٍ لتدميرهم وتحطيمهم، بل يساعدونهم في هلاك أنفسهم بأيدي أولئك الخبثاء. يَذكر أخونا المخلص جدًّا “حسن عاطف” في رسالته: أن عالمًا واعظًا شيخًا قد اتخذ طورًا يُلحق الضرر برسائل النور، حيث حاول التعرض لها بالتهوين من شخصي الضعيف، بحجة تَركي لسنة نبوية (إطلاق اللحية) علمًا أن ذلك الترك مبني على عذرين مهمين.
أولًا: ليعلم ذلك الشخص -واعلموا أنتم كذلك- أنني خادمُ رسائل النور، ودلّالُ ذلك الدكان. أما رسائل النور فهي تفسير حقيقي للقرآن الكريم وهي وثيقة الصلة به، ذلك الكتاب الجليل المرتبط بالعرش الأعظم، لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي الشخصية إلى الرسائل.
ثانيًا: بلّغوا ذلك العالم الواعظ عني السلام. فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر. وأنتم بدوركم لا تسوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة. ولو حدَثَ تعدّ وتجاوز علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم. إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض أيًّا كان، هو أخونا من حيث الإيمان لأنه مؤمن. حتى لو عادانا، فلا نستطيع أن نعاديه بمثل عدائه، حسب ما يرشدنا إليه مسلكُنا. لأن هناك أعداء شرسين وحيّات لاذعة ونحن لا نملك سوى النور، لا الصولجان. والنورُ لا يؤلم، بل يلاطف بضيائه، ولا سيما الذين هم ذوو علم فلا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية، بل استرشِدوا ما استطعتم بدستور الآية الكريمة: ﴿واذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا﴾.
ثم إن ذلك الشخص المحترم، كان داخلًا في دائرة رسائل النور، واشترك في استنساخ الرسائل، فهو إذن ضمن تلك الدائرة، فاصفحوا عنه حتى لو كان يحمل خطأ فكريًا.
فليس مثل هذا الشخص الفاضل من ذوي الدين والتقوى المنسوبِين إلى الطرق الصوفية، بل حتى من المؤمنين المنسوبين إلى فرق ضالة، لا ينبغي أن نثير معهم نزاعًا وخصامًا في هذا العصر العجيب، بل لا نجعل نقاطَ الاختلاف والنزاع موضعَ نقاش مع المؤمنين باللّٰه واليوم الآخر حتى لو كانوا من النصارى.
هذا ما يقتضيه هذا العصر العجيب، وما يقتضيه مسلكنا الذي نسلكه، وما تقتضيه خدمتنا المقدسة.
ولأجل الحيلولة دون ظهور عوائق اجتماعية وسياسية أمام انتشار رسائل النور في العالم الإسلامي، ينبغي لطلاب رسائل النور اتخاذ سلوك المصالحة. إياكم وإياكم أن تتعرضوا لصلاة الجماعة والجمعة للعلماء3حيث كان الأذان والإقامة والخطبة بالتركية.، فلا تنتقدوا المشتركين فيها.
أما قول الإمام الرباني: “لا تدخلوا مواضع البدع” فالمقصود منه لا ثواب فيها، وليس معناه بطلان الصلاة، لأن قسمًا من السلف الصالحين قد صلّوا خلف يزيد والوليد. ولكن إذا كان المرء يتعرض للكبائر في أثناء ذهابه إلى المسجد وإيابه منه، فالأولى أن يظل في معتكفه.
يذكر أخونا في رسالته عن إخواننا الجدد الشجعان الثابتين. فنحن نقبلهم بكل مهجنا وأرواحنا. ولكن الداخلين في دائرة رسائل النور لأجل أن يقدروا شجاعتهم الشخصية حق قدرها يبذلون شجاعتهم في ثبات لا يتزعزع ومتانة لا تلين وترابط لا ينفصم مع إخوانه. فيجب تحويل تلك الشجاعة الشخصية التي هي بحكم قطع زجاجية متكسرة إلى ألماس التضحية الصدّيقية الناشدة للحقيقة.
نعم، إن أهم أساس في مسلكنا بَعد الإخلاص التام هو الثبات والمتانة. وبهذه المتانة حدثت وقائع كثيرة أثبتت أن أمثال هؤلاء الذين نذروا حياتهم في خدمة النور يقابل كلٌّ منهم مائة شخص، فالشخص الاعتيادي الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين قد فاق أولياءً يتجاوزون الستين من العمر.
ثم إن شخصًا حتى لو كانت شجاعته حسنة، فإنه بعد دخوله جماعة متساندة، لا يستطيع أن يستعمل شجاعته تلك، حفاظًا على راحة جماعته وصيانةً لعدم زعزعتهم، فلا بد من العمل وفق الحديث الشريف: “سيروا على سير أضعفكم”4انظر: السخاوي، المقاصد الحسنة ٢٤٦؛ علي القاري، المصنوع ١١٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٥٦٣..
ويلزم عدم الخوض في مسائل النزاع، وعدمُ طَرق مسائل القبعة والأذان واستعمالِ عناوين الدجال والسفياني مع الغرباء، حيث يُسبب هذا اتخاذَ العلماءِ وأهلِ السياسة تجاه رسائل النور موقف المجابهة والتعدي عليها. فالحذرُ هو الألزم.. والواجب ضبط النفس، حتى إن عدم الأخذ بالحذر ولو جزئيًّا يؤثر إلى هاهنا.
وإن رسائل النور ليست دائرة واحدة، بل لها طبقات كالدوائر المتداخلة. فهناك طبقة الأركان والمالكين والخواص والناشرين والطلاب والموالين وأمثالها من الطبقات. فمن لم يكن أهلًا للدخول في طبقة الأركان لا يُطرد خارج الدائرة، بشرط عدم موالاته لتيار يخالف رسائل النور، والذي ليست له ميزات الخواص يمكن أن يكون طالبًا، بشرط عدم الدخول في مسلك مضاد، والذي يعمل بالبدعة يمكن أن يكون صَديقًا بشرط عدم موالاته قلبًا لها.
ولهذا لا تُخرجوا أحدًا من جراء خطأ طفيف خارج الدائرة، لئلا يلتحق بصف الأعداء. ولكن لا يُشرَك هؤلاء في التدابير الدقيقة التي يتخذها أركان رسائل النور ومالكوها.
❀ ❀ ❀
(طلاب النور يُفضلون الخدمة على القطبية)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
إن حادثتين وقعتا في اليومين السابقين أوردتا إلى الخاطر مسائل عدة منها:
أولاها: يكتب أخونا صلاح الدين من أنقرة: لقد بدأوا بالتعدي على أهل الطرق الصوفية. وهناك اعتقالات في أنقرة وفي الشرق حول هذه المسألة. وطلابُ رسائل النور محفوظون في كل جهة بالعناية الربانية، فإخلاصهم المتين وترابطهم الوثيق وأخذهم بالحذر تُديم عليهم تلك العناية الربانية.
ثانيها: يشكو الناس كلهم في هذه الأيام من الضيق الذي ينتابهم، وكأن فساد الهواء المعنوي قد أورث مرضَ ضيقٍ مادي شامل. حتى سرى فيّ هذا المرض يومًا. وحيث إن رسائل النور دواء لكل ما ينتابنا، فإن المنشغلين بها إما لا ينتابهم ذلك المرض أو يمسهم مسًا طفيفًا.
…….
رابعها: لقد شاهدتُ في بعض الرسائل المرسلة أوصافًا مفرطة بحق أستاذهم، ونظرت إلى نفسي فرأيتها لا تستحق حتى زكاةَ تلك الأوصاف، وليس من حقي امتلاكها. فقلت: تُرى ما المصلحة والفائدة التي يحصل عليها إخواني هؤلاء الناشدون للحق في غلوّهم في حسن الظن واستمرارِهم عليه مع تنبيهاتي المستمرة لهم؟.
فخطر على القلب: إن هؤلاء، وبلدتهم ولاية إسبارطة وحواليها يرون يُمْنَ حسن ظنهم العظيم اقتداءً بالأولياء من أمثال عثمان الخالدي وشكري طوبال، فلم يبالغوا إذن بالنظر من هذه الزاوية فقد شاهدوا حقيقةً. ولكن كما أن الكشفيات تحتاج إلى تأويل والرؤى إلى تعبير، فالأحكام الخاصة إذا عُمِّمت يظهر خطأٌ في جهة. وكذلك هؤلاء؛ قد أَعطوا الفائدة التي أسداها الشخصُ المعنوي لرسائل النور لهم ولبلدتهم إلى أحد ممثلي ذلك الشخص المعنوي وهو أخوكم هذا الذي دعوه “الأستاذ”. فعمموا حادثة تلك البلدة ونظروا إليها حادثة عامة فأظهروا غلوًّا في حسن الظن.
السادس: قبل حوالي ثلاثة أيام استمعت إلى الكلمة الثانية والعشرين أثناء تصحيحها، ورأيت أن فيها: ذكرًا كليًا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًّا قويًا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمة سامية، وعبادة فكرية رفيعة وأمثالها من الأنوار. وأدركتُ الحكمة في قيام قسم من الطلاب بكتابة الرسائل أو قراءتها أو الاستماع إليها بنية العبادة، فباركتُ عملهم وصدّقتهم.
❀ ❀ ❀
(مدرسة معنوية في البرزخ)
كنت أسمع أيام كنت طالبًا من أناس موثوقين كلامًا نقلًا عن أئمة عظام.
وهو: “أن طلاب العلوم الجادين الخالصين المحبين للعلم، الذين يتوفون في أثناء دراستهم للعلوم يكونون في البرزخ أيضًا في مدرسة معنوية وكأنهم في دراستهم السابقة. فينعم اللّٰه سبحانه عليهم وضعًا ملائمًا لذلك العالم”. كان هذا الكلام يدور كثيرًا في ألسنة طلاب العلوم آنذاك.
ولما كان طلاب النور في الوقت الحاضر هم خلّص طلاب العلوم فإن وظيفة محمد زهدى وعاصم ولطفي وأمثالهم من الطلاب المتوفين رحمهم اللّٰه مستمرة بلا شك لأجل إضافة حسناتٍ إلى سجل أعمالهم بأقلامهم المعنوية التي تعمل عملها إن شاء اللّٰه.
❀ ❀ ❀
(لا تُطلب مقاصد دنيوية بالعبادة الفكرية)
إن رسائل النور لا تكون وسيلة قطعًا لكسب مصالح دنيوية، ولا تستغل ترسًا لدفع أضرارها، لكونها عبادة فكرية ذات شأن وأهمية. فلا تطلب بها مقاصد دنيوية بالذات، إذ لو طُلبت يفسد الإخلاص ويتغيّر شكل تلك العبادة الجليلة. ويكون المرء كالصبيان الذين يتترسون بجزء المصحف الذي يتلونه لدى عراكهم بعضهم ببعض. فالضرر الذي يصيب رأسه سيمس ذلك المصحف حتمًا، لذا لا ينبغي أن يُتترّس برسائل النور تجاه هؤلاء الخصوم العنيدين.
نعم، لقد نزلت صفعاتُ تأديب بالذين يتعرضون لرسائل النور ويعادونها، فهناك مئات الوقائع تُثبت هذا، ولكن يجب ألّا تستعمل رسائل النور في إنزال الصفعات بل لا تنزل بالنية والقصد لأنه عمل مناف لسر الإخلاص والعبودية للّٰه.
فنحن نكل أمر مَن ظلمنا إلى ربنا الجليل الذي حمانا واستخدمنا في خدمة رسائل النور..
نعم، إن نتائج خارقة تخص الدنيا تترتب بكثرة على رسائل النور -كما هي في الأوراد المهمة- ولكن لا تُطلب هذه النتائج، وإنما توهَب. فلا تكون علّة للأمر قطعًا، وإنما يمكن أن تكون لها فائدة. فلو حصلت نتيجةَ الطلب، كانت إذن علةً، مما يفسد الإخلاص ويُبطل قسمًا من تلك العبادة…
نعم، إن مقاومة رسائل النور مقاومة غالبة للكثرة الكاثرة من المنكرين المعاندين، إنما هي مما تحمله من سر الإخلاص.. ومن عدم كونها وسيلة لأي غرض كان.. ومن توجُّهِ نظرها مباشرة إلى السعادة الأبدية.. ومن عدم تتبعها أي قصد كان سوى خدمة الإيمان.. ومن عدم التفاتها إلى الكشف والكرامات الشخصية التي يوليها بعض أهل الطرق أهمية.. ومن كونها تَحصر وظيفتَها في نشر أنوار الإيمان وإنقاذ إيمان المؤمنين، مما كَسبته من سر وراثة النبوة التي هي شأن الصحابة الكرام الحاملين للولاية الكبرى.
نعم، إن ما تُكسبه رسائلُ النور طلابَها في هذا الزمان الرهيب من نتيجتين ثابتتين على وجه التحقيق جديرتان بالاهتمام. وهما تفوقان أي شيء آخر حتى لا تدَعان حاجة إلى النظر إلى مقامات معنوية وأمور أخرى غيرها. فالنتيجة الأولى هي: أن من يدخل دائرة رسائل النور بوفاء صادق واقتناع كامل، تُختم حياته بالحسنى، أي يدخل القبر بالإيمان. فهناك أدلة قوية على هذا.
والنتيجة الثانية هي: ما تَحقق وتقرر في دائرة النور من الاشتراك المعنوي في أعمال الآخرة الذي دُفعنا إليه دون اختيارنا ولا علمِنا، كأن كل طالب حقيقيٍ صادق يقوم بالدعاء والاستغفار والعبادة بألوف الألسنة والقلوب، والتسبيح للّٰه بأربعين ألف لسان كما هو لدى بعض الملائكة. ويتحرى عن الحقائق السامية والرفيعة بمئات الألوف من الأيدي كحقيقة ليلة القدر في شهر رمضان المبارك.
ولأجل مثل هذه النتيجة: يرجِّح طلاب النور خدمة النور على مقام الولاية ولا يتطلعون إلى الكشف والكرامات ولا يَسعون لقطف ثمرات الآخرة في الدنيا. ويفوِّضون التوفيق في نشر الرسائل وجعلِ الناس يتقبلونها والترويج لها، ونيل مظاهر الشهرة والأذواق والعناية الإلهية التي يستحقونها، وأمثالِها من الأمور التي هي خارجة عن نطاق وظيفتهم، يفوّضونها كلها إلى اللّٰه سبحانه ولا يتدخلون فيها. فلا يبنون أعمالهم وحركاتهم على تلك الأمور. وإنما يعملون بإخلاص تام قائلين: تكفينا وظيفتنا، وهي خدمة الإيمان ليس إلّا.
❀ ❀ ❀
(من مزايا رسائل النور)5مُسْتَلَّات من كتاب “ختم التصديق الغيبي”.
– إن رسائل النور في هذا العصر، وفي هذا الوقت بالذات عروة وثقى، أي سلسلة قوية لا تنقطع، وهي حبل اللّٰه. فمن استمسك به فقد نجا.
– إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيّم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته..
– إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها من مصادر متعددة من العلوم والفنون، فلا مصدر لها سوى القرآن، ولا أستاذ لها إلّا القرآن، ولا ترجع إلّا إلى القرآن.. ولم يكن عند المؤلف أي كتاب آخر حين تأليفها، فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن الكريم، وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة… – إن الذي يدفع اعتراضات الملحدين التي تُعدّ منذ ألف سنة للنيل من القرآن الكريم.. والذي يزيل شبهات الفلاسفة الكفرة التي تراكمت منذ أمد سحيق، ووجدت الآن سبيلًا للانتشار.. والذي يصد حقد اليهود الذين يُضمِرون العداء والثأر من القرآن الكريم الذي زجرهم وعنّفهم.. والذي يقابل هجوم نصارى مغرورين على القرآن الكريم..
نعم، إن الذي يدفع هذه الغارات جميعها هم أبطال ميامين، وقلاع معنوية حصينة للقرآن الكريم وُجدوا في كل عصر من العصور. ولكن الآن غدت الحاجة ماسة أكثر إلى أولئك الأبطال، إذ زاد عدد المهاجمين من واحد واثنين إلى المائة. وقلّ عدد المدافعين عن القرآن من المائة إلى اثنين أو ثلاثة. فضلًا عن أن تعلّم الحقائق الإيمانية من علم الكلام أو المدارس الشرعية يحتاج إلى زمن طويل، لا تسمح به أحوالُ هذا الوقت، فانسدّ ذلك الباب أيضًا. أما رسائل النور فهي تُعلِّم الحقائق الإيمانية العميقة جدًّا بأسلوب يفهمه كل الناس في أقصر وقت.
– إن خاصية مميزة راقية لرسائل النور هي: أنه في هذا العصر العجيب يستند الكفرُ والإيمان إلى آخر الحصون في المبارزة القائمة بينهما. فرسائل النور تبين تلك الركائز النهائية بيانًا قويًّا قاطعًا. وهذه الخاصية تظهر في رسالة “الآية الكبرى” بأسطع ما يمكن، إذ تبين الصراع القائم بين الكفر والإيمان حتى في آخر ركائزهما. ولنوضح هذا بمثال.
فمثلًا: إن في ميدان حرب عظيمةٍ وأثناء اجتماعِ حُشود الجنود من الطرفين واصطدامِ فوجين منهما، يُمدّ العدو فوجه بالأعتدة والأجهزة الحربية ليشد من قواهم المعنوية ويقويها، فيسخر كل الوسائل الممكنة لذلك، منها التهوين من معنويات أهل الإيمان وتفتيت تساندهم وترابطهم، بمعنى أنه لا يدع وسيلة إلّا ويستعملها في سبيل تشتيت قوة أهل الإيمان المعنوية التي هي قوة احتياطية ساندة عظيمة. حتى إنه يبعث على فوج المسلمين وعلى كل فرد من أفراده مجموعة متساندة مترابطة مشبعة بروح الجماعة والتنظيم الخاص.
وإذ يحاول العدو إفناء القوة المعنوية لفوج المسلمين إفناءً كاملًا، يَظهر أحدُهم كالخضر عليه السلام ويقول:
“لا تيأس أيها المسلم.. فإن لك نقطةَ استنادٍ عظيمة وركيزة لا تتزعزع قط، وجيوشًا جرّارة لا تُغلَب، وقوى احتياطية لا تنفد، فلو اجتمعت عليك الدنيا بأسرها لا يمكنها أن تبارِز تلك القوى وتتحداها، بل لا يقدر على تدميرها إلّا مَن يملك قدرة على تدمير الكون بأسره. أما سبب انهزامك في الوقت الحاضر فهو إرسالك جنديًّا واحدًا ليقابل جماعة منظمة وشخصًا معنويًّا. فاسعَ أيها المسلم، ليكون كل جندي من جنودك في حكم جماعة وبمثابة شخص معنوي يستمد معنوياته من الدوائر المحيطة به”.
وهكذا يمتلئ قلب المسلم قناعةً واطمئنانًا من كلام الخضر.
والأمر كذلك في رسالة “الآية الكبرى”؛ إذ إن أهل الضلالة المُغيرين على أهل الإيمان أصبحوا روحًا خبيثة تسري في الأمة، وشخصية معنوية حاملة لروح الجماعة والتنظيم الخاص تفسد الوجدان العمومي والقلب الكلي في العالم الإسلامي، وتُمزق الستار الإسلامي السامي الذي يحيى العقائد التقليدية لدى عوام المسلمين، وتحرق المشاعر المتوارثة أبًا عن جد.. تلك المشاعر التي تديم الحياة الإيمانية..
فبينما يحاول كل مسلم -يائسًا- لينجو بنفسه من هذا الحريق المرعب الذي شبّ في أرجاء العالم. إذا برسائل النور تأتي كالخضر عليه السلام، وتَمدّ إليه يد العون والمساعدة، وإذا برسالة “الآية الكبرى” كالجندي المطيع ذي الخوارق، تستمد الإمداد المعنوي والمادي الذي لا يقاوَم من آخر جيوشه المحيطة بالكون… أما سائر النقاط في المثال، فعليكم تطبيقها كي تتبين خلاصة ذلك السر.
– إن رسائل النور كذلك ليست نورًا مقتبسًا، وبضاعة مأخوذة من معلومات الشرق وعلومه، ولا من فلسفة الغرب وفنونه. بل هي مقتبسة من العرش الرفيع السماوي لمرتبة القرآن الكريم الذي يسمو على الشرق والغرب.
– فرسائل النور التي هي ضياء معنوي، وعلم في منتهى العلو والعمق معًا، لا تحتاج دراستُها والتهيؤ لها إلى تكلف، ولا داعي إلى أساتذة آخرين لتعلّمها، ولا الاقتباس من أفواه المدرسين، حيث إن كل شخص يفهم حسب درجته تلك العلوم العالية، دونما حاجة إلى إشعال نار المشقة والتعب للحصول عليها، فيفيد نفسه بنفسه، وربما يكون عالمًا محقِّقًا. سؤال: لِمَ خُصَّت رسائلُ النور من بين سائر الكتب القيمة بإشارات من القرآن الكريم، والتفاتته إليها، وباستحسانِ الإمام علي رضي اللّٰه عنه وتقديره لها، وبتوجّه الشيخ الكيلاني (قدس سره) إليها والتبشير بها. فما وجه اختصاصها، وما الحكمة في اهتمامِ وتقدير هذين الأستاذين الفاضلين إلى هذا الحد برسائل النور؟.
الجواب: من المعلوم أن دقيقة واحدة قد تكون ذاتَ أهمية تقابل ساعة كاملة وإنها تثمر من النتائج ما تنتجه تلك الساعة، وربما ما ينتجه يوم كامل، بل قد تكون تلك الدقيقة بمثابة سنين. ويحدث أحيانًا أن تكون ساعة واحدة لها من الأهمية وتعطي من النتائج ما لسنة من العمر بل العمر كله.
فمثلًا: إن الذي يُستشهد في سبيل اللّٰه في دقيقة واحدة يفوز بمرتبة الأولياء.. وإن الذي يرابط ساعة واحدة في ثغر المسلمين عند اشتداد البرد وَصَولة الأعداء الرهيبة، قد تكون له من الأهمية ما لِسَنةٍ من العبادة.
وهكذا الأمر في رسائل النور؛ إذ إن سبب الاهتمام الذي نالته رسائل النور نابع من أهمية الزمان نفسه.. ومن شدة الهدم الذي أحدثه هذا العصر في الشريعة المحمدية والشعائر الأحمدية.. ومن فتنة آخر الزمان الحالية التي استعاذت منها الأمة الإسلامية منذ القِدَم.. ومن زاوية إنقاذ إيمان المؤمنين من صولة تلك الفتن.
فلأجل هذه الأسباب كلها حازت رسائلُ النور أهمية عظمى حتى أشار إليها القرآن الكريم إشارة قوية، والتفت إليها التفاتة كريمة، وبشّر بها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بثلاث كرامات، وأخبر عنها الشيخ الكيلاني رضي اللّٰه عنه إخبارًا ذا كرامة، وحضّ مؤلفها.
نعم، لقد تزعزعت قلاع إيمان التقليدي وتصدعت أمام هجمات هذا العصر الرهيب، ونأَت عن الناس وتسترت بحجب وأستار، مما يستوجب على كل مؤمن أن يملك إيمانا تحقيقيًّا قويا جدًّا كي يمكّنه من المقاومة والثبات وحده تجاه الضلالة المهاجمة هجومًا جماعيًّا.
فرسائل النور تؤدي هذه الوظيفة، وفي أحلك الحالات وأرهبها، وفي أحوج الأوقات وأحرجها. فتؤدي خدمتَها الإيمانية بأسلوب يفهمه الناس جميعًا. وأثبتت أعمقَ حقائق القرآن والإيمان وأخفاها ببراهين قوية، حتى أصبح كل طالبِ نورٍ وفيٍّ صادق يحمل في قلبه الإيمان التحقيقي كأنه قطب مخفي من أقطاب الأولياء وركيزة معنوية للمؤمنين، وذلك لخدماته الإيمانية في القرية أو القصبة أو المدينة التي فيها. ورغم أنهم غير معروفين وغير ظاهرين ولا يلتقيهم أحد فقد صار كلٌّ منهم بعقيدتهم المعنوية القوية كضابط شجاع في الجيش يبعث مددًا معنويًّا إلى قلوب أهل الإيمان فيثبتهم وينفخ فيهم روح الحماس والشجاعة.
– إخوتي الأوفياء الصادقين الأعزاء.. يا عِماد سلواني في هذه الدنيا، ويا رفقائي الذين لا يَكلّون في خدمة الحقيقة.
بينما كنت أتأسف في هذه الأيام على اشتغال ذهني جزئيًّا بالدفاعات أمام المحاكم، ورد إلى القلب ما يأتي:
إن ذلك الانشغال هو كذلك اشتغال علميّ، إذ هو خدمة في سبيل نشر الحقائق الإيمانية وتحقيق حريتها وانكشافها؛ فهو نوع من العبادة من هذه الجهة.
وأنا بدوري كلما وجدت ضِيقًا في نفسي باشرتُ بمطالعة مسائل النور بمتعة ولذة، رغم أني اطلعت عليها مائة مرة. حتى وجدت “الدفاعات” هي كذلك مثل رسائل النور العلمية.
ولقد قال لي أحد إخواني: “إنني أشعر بشوق وحاجة إلى تكرار قراءة “رسالة الحشر” وإن كنت قد قرأتها ثلاثين مرة”.
فعرفت من كلامه هذا؛ أن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لحقائق القرآن الكريم وتفسير قيم أصيل له، قد انعكست فيها أيضًا مزيةٌ رفيعة للقرآن الكريم ألا وهي عدم السأم من قراءتها.
– شكرًا وحمدًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر؛ إن عوام المؤمنين في زماننا هذا، الذين هم في أمسّ الحاجة إلى نقطةِ استنادٍ يستندون إليها قد وجدوها في رسائل النور، فهي حقيقة لن تكون وسيلة لأي شيء كان، ولا يداخلها أي غرض أو مقصد كان، ولا تفسح المجال لأية شبهة أو وسوسة كي تدخل فيها، ولا يستطيع أي عدو كان أن يجد حجة لجرحها وتفنيدها.. وإن الذين سيسعون لنشرها يسعون للحق والحقيقة وحدهما دون أن تشوب سعيهم مقاصد دنيوية. كل ذلك ليَطمئن بتلك الحقيقة أولئك البعيدون ويثقوا بناشريها الصادقين اطمئنانًا تامًّا لينقذوا إيمانهم من صولة الزنادقة والملحدين على الدين واعتراضات الفلاسفة وإنكارهم عليه.
– نعم، إن أولئك المؤمنين سيقولون بلسان حالهم: “إن أعداءً شرسين وبهذه الكثرة لم يستطيعوا أن يفنّدوا هذه الحقيقة ولا أن يعترضوا عليها. وإن طلاب تلك الحقيقة لا يحملون في خدمتها قصدًا غير الحق وحده. فلا بد أنّ تلك الحقيقة هي عين الحق ومحض الحقيقة”. وبهذا يقوى إيمانهم بدليل واحد يفوق ألف برهان وبرهان، فينقذون إيمانهم ولا يساورهم شك بعدُ.
– إنه لأجل اطمئنان عوام المؤمنين وتقبلهم حقائق الإيمان دون أن يساورهم أي تردد، يلزم في الوقت الحاضر، وجودُ معلّمين، يحملون من الإيثار ما يجعلهم يضحون لا بمنافعهم الدنيوية وحدها، بل بمنافعهم الأخروية أيضًا في سبيل منافع أهل الإيمان الأخروية. فيكون ذلك الدرس الإيماني خالصًا نقيًّا بحيث لا يفكرون فيه بالمنافع الشخصية مهما كانت. بل يسعون في الخدمة الإيمانية، بالحقائق، نيلًا لرضا اللّٰه، وعشقًا للحقيقة، وشوقًا إلى الحق والسداد الذي في الخدمة، وذلك ليطمئنّ كلُّ من يحتاج إلى الإيمان اطمئنانًا تامًّا دون حاجة إلى إيراد الأدلة له، ولكي لا يقول: “إنه يخدعنا ويستميلنا” وليعلم أن الحقيقة قوية بذاتها إلى حدّ لا يمكن أن تتزعزع بأي حال من الأحوال، ولا تكون أداةً طيعة لأي شيء كان.. فيقوى إيمانه عندئذٍ ويقول: “حقًّا إن ذلك الدرس الإيماني هو عين الحقيقة” وتُمحى شبهاتُه ووساوسه.
❀ ❀ ❀
