الملاحق

مختصر ملحق أميرداغ الثاني 3/3

[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي.لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من "الفاتحة" تَبلغ إلى تلك الروح.
من وصية الأستاذ النورسي إلى طلابه.
اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي.
لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من “الفاتحة” تَبلغ إلى تلك الروح. من وصية الأستاذ النورسي إلى طلابه.

[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 3/3]

 

تأليف

بديع الزمان سعيد النُّورسي

 

ترجمة

إحسان قاسم الصّالحي

❀   ❀   ❀

 

﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾

وصية

(وصية)

لقد كان منذ القدم دأبُ أستاذنا ألّا يتذلل أمام أعظم الرؤساء، حفاظًا على عزة العلم، بل ما كان يقبل هدايا أحدٍ من الناس دون مقابل، والآن وقد أصبح يرفض الهدايا -التي لا ضَير من قبولها لدى أهل العلم- بحجة المرض الذي ضعَّفه أشدَّ الضعف، بل يرفض حتى ما نقدّمه له نحن الذين نقوم بخدمته ولو كان شيئًا صغيرًا، فنراه يتمرض إن تناوله، فاقتنعنا أنه أُخطر إلى قلبه مَنعُه من إخلال قاعدته التي اتخذها طوال حياته، وهي ألّا تكون رسائل النور أداةً لأي شيء كان، حفاظًا على الإخلاص التام، ونحن الآن في موسم عيد لرسائل النور، حيث تنتشر في الأرجاء كافة، لكننا نجد أن أستاذنا يتضجر من المحاورة ويمتعض من النظر إليه والمصافحة حتى من أخص طلابه وإخوانه.

وشاهدناه يقول في هذه الأيام المباركة للعيد السعيد: “اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي“.

ونحن بدورنا سألنا أستاذنا: إن الذي يزور القبر يقرأ سورة الفاتحة ويُثاب عليها، فما الحكمة من منعكم زيارة قبركم؟

فأجاب: إن الغفلة الناشئة من الأنانيةِ وحبِّ الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس إلى أن يُولوا اهتمامهم إلى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور، مثلما عمِل الفراعنة في الزمن الغابر على تحنيط موتاهم ونصب التماثيل لهم ونشرِ صورهم رغبةً في توجيه الأنظار إليهم، فتوجهت الأنظار إلى المعنى الاسمي -أي لذات الشخص- دون المعنى الحرفي -أي لغيره-.. وهكذا فإن قسمًا من أهل الدنيا في الوقت الحاضر يُوْلون توجههم إلى شخص الميت نفسه وإلى مقامه ومنزلته الدنيوية بدلًا من الزيارة المشروعة لكسب رضاء اللّٰه ونيل الثواب الأخروي كما كانت في السابق.

لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من “الفاتحة” تَبلغ إلى تلك الروح.

❀   ❀   ❀

الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة

(الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة)

سألْنا أستاذَنا: لماذا تعمل على الحفاظ على الحزب الديمقراطي؟

فأجابنا بالآتي:

إذا سقطت حكومةُ الحزب الديمقراطي فسيتولى السلطةَ حزب الشعب الجمهوري، أو حزب الأمة، والحال أن الجناياتِ التي ارتكبها الفاسدون من الاتحاد والترقي والقسمَ الأعظمَ من الإجراءات التي نفّذها رئيسُ الجمهورية الأول بموجب معاهدة سيفر، طوال خمس عشرة سنة، تحت ضغوطٍ ومكايدَ سياسية كثيرة، كلُّ هذه الأمور حُمِّلت على حزب الشعب الجمهوري، لذا فإن هذه الأمة التركية العريقة لن تُمكِّن بإرادتها ليتولى حزبُ الشعب السلطة، ذلك لأن حزب الشعب إذا تولى السلطة فإن القوة الشيوعية ستحكم في البلاد تحت اسم الحزب نفسه، علمًا أن المسلم يستحيل عليه أن يكون شيوعيًّا، بل يُصبح إرهابيًّا فوضويًّا، ولا موضع لمقارنة المسلم بالأجنبي.

ولأجل الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة، والذي يشكّل خطرًا رهيبًا على حياتنا الاجتماعية وعلى الوطن، أعمل على المحافظة على الحزب الديمقراطي باسم القرآن والوطن والسلام.

❀   ❀   ❀

لذة الجنة في الدنيا

(لذة الجنة في الدنيا)

﴿باسمه سبحانه﴾

هذه الرسالة تخص ما يحققه الإيمان في حياتي من لذة الجنة حتى في الدنيا.

إنني لم أشاهد والدتي الرؤوفة منذ التاسعة من عمري، فلم أحْظَ بتبادل الحوار اللطيف معها في جلساتها، فبِتُّ محرومًا من تلك المحبة الرفيعة.

ولم أتمكن من مشاهدة أخواتي الثلاث1﴿[٭]: وهن: درية: هي والدة “عُبيد” توفيت قبل الحرب العالمية الأولى. وخانم: وهي العالمة الفاضلة التي توفيت في الحج أثناء الطواف سنة ١٩٤٥ “الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الحادية عشرة”. ومرجان: وهي أصغرهن جميعًا.﴾ منذ الخامسة عشرة من عمري، حيث ذهبن مع والدتي إلى عالم البرزخ، فبِتُّ محرومًا من كثيرٍ من ألطاف الرحمة والاحترام التي تَشيع في أجواء الجلسات الأخوية الطيبة اللذيذة في الدنيا.

ولم أشاهد أيضًا أخَوَيَّ من ثلاثة إخوة2﴿[٭]: وهم: عبد اللّٰه: توفي عام ١٩١٤ وهو والد “عبد الرحمن” تلميذ الأستاذ النورسي وابنه المعنوي. ومحمد: توفي سنة١٩٥١. وعبد المجيد: توفي سنة ١٩٦٧. فأبناء السيد ميرزا بالتسلسل هم: درية، خانم، عبد اللّٰه، سعيد، محمد، عبد المجيد، مرجان.﴾ منذ خمسين سنة -رحمهم اللّٰه- فبِتُّ محرومًا من السرور المنبثق من الأخوِّة الودود والشفقة العطوف في مجالسة أولئك الأعزاء المتقين العلماء.

وعندما كنت أتجول اليوم مع أبنائي المعنويين الأربعة الذين يعاونونني في شؤوني، أُخطِر على قلبي بيقينٍ جزءٌ من بذرة الجنة التي ينطوي عليها الإيمان، مثلما أظهرتها رسائل النور.

وحيث إنني قضيت حياتي عَزَبًا فلم أنجب الأولاد، لذا بِتُّ محرومًا من مَذاقات محبتهم البريئة ومن ابتهاجهم وانشراحهم.

ومع كل هذا ما كنت أشعر بهذا النقص قط، حيث أنعم سبحانه وتعالى عليّ في هذا اليوم معنًى في منتهى الذوق واللذة، فضَمَّد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهات ثلاث:

الأولى: إنه عوضًا عن اللذة الآتية من العطف الخاص لوالدتي، أحسن الرحيم سبحانه وتعالى عليّ، بأُلوفٍ من الوالدات اللائي يستفدن من رسائل النور استفادةً تفوق المعتاد، ويتذوقن منها أذواقًا روحية خالصة، بمثل ما جاء في الحديث الشريف “عليكم بدين العجائز”3﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين، ٣/٧٨؛ الآمدي، الإحكام، ٤/٢٣٠؛ العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، ٦/٣٧٠؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ص٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة، ص١٤؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة، ص ١٢٤؛ العجلوني، كشف الخفاء، ٢/٩٢.﴾ المذكور في رسائل النور.

وعوضًا عن السرور والبهجة والعطف الأخوي الناشئ من مجالسة أخواتي الثلاث -رحمهن اللّٰه- أحسن المولى الكريم عليّ بالألوف من السيدات والشابات، وجعلهن سبحانه وتعالى في موضع أخواتٍ لي، فأستفيد من دعواتهن وتعلقهن برسائل النور ألوفًا من الفوائد والثمرات المعنوية والمسرات الروحية، وهناك أماراتٌ عديدةٌ على صدق هذا القسم الثاني يعرفها إخوتي.

وعوضًا عن حرماني من العون المادي والمعنوي الذي كان يمدني به في الدنيا أخَوايَ المرحومان ومن عطفهما ورأفتهما، فقد أحسن سبحانه وتعالى برحمته عليّ بمئات الألوف من إخوةٍ حقيقيين مضحين في خدمة رسائل النور، يحملون عطفًا خالصًا، ويَمُدُّون إليَّ يدَ العون، بل يَفْدون رأسمالَ حياتهم الأخروية فضلًا عن حياتهم الدنيوية.

وعوضًا عن حرماني من أذواق العطف والحنان النابعة من الأولاد -حيث لا أولاد لي في الدنيا- أنعم سبحانه وتعالى عليّ بمئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث استفادتهم من رسائل النور مستقبلًا، فحوَّل سبحانه وتعالى هذه العواطف الثلاث والشفقة الرؤوفة الجزئية إلى مئات الألوف منها.

وفيما يخص هذا القسم هناك أماراتٌ كثيرةٌ جدًّا، حتى يَعلمُ مَن يعاونني في أموري من الإخوة أن الأطفال في “أميرداغ” و”بولفادين”4﴿[٭]: قصبة تابعة لولاية أفيون.﴾ يتعلقون بي ويُبدون من الاحترام والارتباط أكثر مما يبدونه لوالديهم.

فأمثلة هذا كثيرة جدًّا بتحويله سبحانه وتعالى هذا الذوقَ واللذة والاحترام المتسم بالرأفة من هذا العطف الجزئي الشخصي إلى صور الألوف من العواطف الكلية والرأفة العمومية، فلقد استشعرتْ أرواحُ هؤلاء الأطفال الأبرياء بحسٍّ مسبقٍ -كما هو في بعض ذوي الأرواح المباركة- أن رسائل النور ستربيهم تربية الوالدين في الدنيا، وستصونهم من البلايا.. لذا يُظهِرون احترامًا وتوقيرًا لخادم النور أكثر مما يظهرونه لوالديهم، حتى إن طفلة لا تتجاوز عمرها ثلاث سنوات أتتني مهرولة إليّ مخترقة الأشواك، علمًا أنني لا أعرفها.

ولكثرة ما في “بولفادين” من الأطفال الأبرياء المحبوبين، ما كنا نخلص منهم ونحن نقطعها بالسيارة، بل حتى في كل مكان، رغم أنهم لم يسمعوا عني شيئًا ولم يشاهدوني.. فإنَّ إظهارهم هذا العطف والحنان نحوي أكثر مما يبدونه لوالديهم جعلني أرى في الإيمان بذرةَ الجنة حقًّا -بالنسبة لي- حتى من حيث جسمي وهواي.

❀   ❀   ❀

إشارة قصيرة إلى حقيقة مهمة

(إشارة قصيرة إلى حقيقة مهمة)

هناك إشارات لقسم من الأحاديث الشريفة أن حقائق الإيمان تبدو بوضوح أكثر لدى النساء في آخر الزمان، حتى يتمكنَّ من وقاية أنفسهن -إلى حدٍّ- من مهالك الضلالة في ذلك الوقت، كما أن هناك حثًّا على الاقتداء بالعجائز في آخر الزمان، كما هو في الحديث: “عليكم بدين العجائز”.

وهذا يعنى أن النساء اللاتي هن بطلات الشفقة ورائدات الحنان والعطف، يَحُولُ إخلاصُهن النابعُ من تلك السجيَّة دون مهالكِ الضلالة المتمرغة بالتصنع والرياء في ذلك الوقت، فيَظْلَلْن محتفظاتٍ بإسلامهن.

وهناك حديثٌ آخرُ فيه أن “أبا البنات مرزوق”، بمعنى أن في آخر الزمان، يكثر الإناث من الأطفال، ويكُنَّ طيبات، يبارِك اللّٰه في أرزاقهّن.

كنت أجهل في السابق سرَّ هذا الحديث الشريف وأمثالِه، ولكني وللّٰه الحمد فهمتُ مؤخرًا شيئًا من أسراره، أشير إليه في غاية الاختصار:

إن أطفال الإنسان ليسوا كصغار الحيوانات، إذ بينما تَقدِر هذه الصغار على الاعتماد على أنفسها في غضون شهرين أو ثلاثة، يحتاج طفل الإنسان إلى حمايةٍ ورعايةٍ مكلَّلةٍ بالرحمة والرأفة، تستغرق عشرَ سنوات أو أكثر، وبناء على هذا، لزم دوامُ شفقةِ الوالدات على أطفالهن وحمايتُهم حماية جادة، وهي سجية فطرية مغروزة في الإنسان خلافًا للحيوان، أما في الرجال فقد أَدرجت الحكمةُ الإلهيةُ في فطرتهم سجية الشرف والغَيرة، ليتمكنوا من القيام بمعاونة الوالدات الضعيفات والأطفال العاجزين.

وضمن هذه السجية (الشرف) أُدرجت بطولة نادرة خالصة لا تقبل العوض والمقابل، ولكن -في الوقت الحاضر- دبَّ فيها شيء من الفساد، فضعفت على إثرها تلك البطولة في معظم الناس، إلاَ أن السجية الفطرية لدى النساء -وهي الشفقة والحنان- لم تفسد.

فالنساء بهذه السجية الفطرية يؤدين خدمات جليلة بين المسلمين في آخر الزمان، فتلك الأحاديث الشريفة تشير رمزًا إلى أهمية هذه السجية الفطرية ودورها في المجتمع، وكيف أنها تكون ركيزة ضمن دائرة الإسلام.

❀   ❀   ❀

موافقة السنة في الزواج

(موافقة السنة في الزواج)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾

﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾

جواب عن سؤال ورد في صحفٍ نُشِرت في بلدان خارجية.

﴿[٭]: ننقل أدناه نص الرسالة التي بعثها أحدهم إلى الأستاذ النورسي في حينه:

“لقد قرأتُ عددًا من رسائل النور مع ترجمة حياتكم، فرأيت في الترجمة أن من شؤونكم الخاصة: العزوبة، وعدم إيجاد علاقةٍ بشيء في الدنيا، الأمرُ الذي لوحظ سريانُه إلى طلاب النور أيضًا.

وبما أن هذا مما لا يتفق مع قوله تعالى في سورة النساء: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، وقولِه ﷺ: “لا تَرَهُّب في الإسلام”، وقولِه: “تناكحوا تَكثُروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة”، فقد رأيت أن أستوضح الأمر.

وإني أعتقد أن الاعتراض الذي أوردتُه قد يندفع ببيانِ كونِ العزوبةِ مطلوبةً لطلاب النور، ذكورِهم وإناثهم إلى سنٍّ معينة، من أجل التفرغ لخدمة القرآن والإيمان في سن الفتوة والشباب، ولكني لا أرى بُدًّا من البحث في هذا، مع تعيين السن التي يتمكن أولئك الطلاب من الزواج بعد الوصول إليها.

وليس لي على كل حال إلّا انتظار جوابكم المقارِن للصواب إن شاء اللّٰه.”

نقلًا عن كراس صدر ببغداد سنة ١٩٥٣.﴾

“لِمَ بقيت أعزبَ خلافًا للسنة النبوية؟”

لقد قرأنا رسالتكم أستاذنا الذي يعاني أشد حالات المرض، فقال لنا: لو لم أكن في حالة شديدة من المرض لكنت أكتب جوابًا مفصَّلًا لهؤلاء الإخوة الفاضلين الطيبين، إلّا أن حالتي الصحية المتردّية لا تسمح لي بذلك، فاكتبوا في غاية الاختصار، في بضع نقاط، جوابًا لأولئك الإخوة المخلصين البررة ولرفقائي في خدمة القرآن:

أولًا: في الوقت الذي يلزم -لصدِّ هجومِ زندقةٍ رهيبةٍ تُغِيْر منذ أربعين سنة- فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررتُ أن أضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل -حتى إذا استدعى الأمر- بسعادتي الأخروية كذلك، فلأجلِ أن أتمكن من القيام بخدمة القرآن على وجهها الصحيح بإخلاصٍ حقيقي، ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي -مع علمي بأنه سنة نبوية- بل لو وُهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطرًّا إلى التخلي عنهن جميعًا، من أجل تلك الحقيقة، حقيقة القرآن، لأن هذه المنظمات الملحدة الرهيبة تشن هجمات عنيفة، وتدبِّر مكايد خبيثة، فلا بد لصدها من منتهى التضحية وغاية الفداء، وجَعْلِ جميعِ الأعمال في سبيل نشر الدين خالصة لوجه اللّٰه وحدَه، من دون أن تكون وسيلةً لشيء مهما كان.

ولقد أفتى علماء منكوبون وأناسٌ أتقياء لصالح البدع، أو ظهروا بمظهر المُوالين لها، من جراءِ همومِ عيشِ أولادهم وأهليهم، لذا يقتضي منتهى التضحية والفداء، ومنتهى الثبات والصلابة وغاية الاستغناء عن الناس وعن كل شيء، تجاه الهجوم المرعب العنيف على الدين، ولا سيما بعد إلغاء دروس الدين في المدارس.. وتبديلِ الأذان الشرعي.. ومنعِ الحجاب بقوة القانون؛ لذا تركتُ عادةَ الزواج الذي أعلم أنها سنةٌ نبوية لئلا ألج في محرمات كثيرة، ولكي أتمكن من القيام بكثير من الواجبات وأداء الفرائض، إذ لا يمكن أن تُقترف محرماتٌ كثيرة لأجل أداء سُنَّة واحدة، فلقد وَجَد علماءُ أدَّوا تلك السنة النبوية أنفسَهم مضطرين إلى الدخول في عشرِ كبائر ومحرَّماتٍ وتركِ قسمٍ من السنن والفرائض، في غضون هذه السنوات الأربعين.

ثانيًا: إن الآية الكريمة: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، والحديث الشريف “تَناكحُوا تَكثُروا..”5﴿[٭]: عبد الرزاق، المصنف، ٦/١٧٣؛ العجلوني، كشف الخفاء، ١/٣٨٠؛ المناوي، فيض القدير، ٣/٢٦٩؛ الهندي، كنز العمال، ١٦/٢٧٦.﴾ وأمثالَهما من الأوامر، ليست أوامر وجوبية ودائمية، بل استحبابية مسنونة، فضلًا عن أنها موقوفة بشروط لا بد من توافرها، وقد يتعذر توافرها للجميع وفي كل وقت.

ثم إن الحديث الشريف: “لا رهبَانِية في الإسلام”6﴿[٭]: أحمد بن حنبل، المسند، ٦/٢٢٦؛ كشف الخفاء، ٢/،٥١٠، رقم: ٣١٥٤؛ وانظر: أبو داود، المراسيل ٢٨٧؛ ابن حبان، المجروحين ١/٣٩٩؛ الذهبي، المهذب ٥/٢٦٥٠؛ ابن حجر، فتح الباري ٩/١٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٣١٥٤؛ وعند البيهقي: إن اللّٰه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة.﴾ لا يعني أن الانزواء والعزوبة -كما هو لدى الرهبان- محرمتان مرفوضتان لا أصل لهما، بل هو حثٌّ على الانخراط في الحياة الاجتماعية كما هو مضمون الحديث الشريف: “خَيرُ النَّاس أنفَعهُم للنَّاس”7﴿[٭]: العجلوني، كشف الخفاء، ١/٤٧٢؛ الطبراني، المعجم الأوسط، ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب الإيمان، ٦/١١٧.﴾.

وإلّا فإن ألوفًا من السلف الصالحين قد اعتزلوا الناسَ مؤقتًا، وآثروا الانزواء في المغارات لفترة من الزمن، واستغنَوا عن زينة الحياة الدنيا الفانية وجردوا أنفسهم عنها، كي يقوموا ببناء حياتهم الأخروية على الوجه الصحيح.

فما دام الكثيرون من السلف الصالحين تركوا الدنيا وزينتها بلوغًا إلى كمالٍ باقٍ وخاصٍّ بشخصهم، فلا بد أن من يعمل لأجل سعادةٍ باقيةٍ لكثيرٍ جدًّا من المنكوبين، ويَحُول بينهم وبين السقوط في هاوية الضلالة، ويسعى لتقوية إيمانهم، خدمةً للقرآن والإيمان خدمةً حقيقية، ويَثبُت تجاه هجمات الإلحاد المُغِيرِ من الخارج والظاهر في الداخل.. أقول: لا بد أن الذي يقوم بهذا العمل العامِّ الكُلِّي -وليس عملًا خاصًّا لنفسه- تاركًا دنياه الآفلة، لا يخالف السنة النبوية، بل يعمل طبقًا لحقيقة السنة النبوية.

ثم إنني أتمنى أن أغنم ذرَّةً واحدةً من هذا الكلام الصادق الصادر من الصديق الأكبر رضي اللّٰه عنه: “ليَكبرْ جسمي في جهنم حتى لا يبقى موضعٌ لمؤمن”.. ولأجله آثر هذا السعيد الضعيف العزوبةَ والاستغناء عن الناس طوال حياته كلها.

ثالثًا: لم نقل لطلاب النور: “تخلوا عن الزواج، دعوه للآخرين” ولا ينبغي أن يقال لهم هذا الكلام، ولكن الطلاب أنفسَهم على مراتب وطبقات، فمنهم من يلزم عليه ألّا يربط نفسه بحاجات الدنيا قدر المستطاع في هذا الوقت، وفي فترةٍ من عمره، بلوغًا إلى التضحية العظمى والثبات الأعظم والإخلاص الأتم، وإذا ما وجد الزوجة التي تعينه على خدمة القرآن والإيمان، فبها ونِعْمت، إذ لا يَضر هذا الزواجَ بخدمته وعمله للقرآن.

وللّٰه الحمد والمنة، ففي صفوف طلاب النور كثيرون من أمثال هؤلاء، وزوجاتهم لا يَقْصُرْنَ عنهم في خدمة القرآن والإيمان، بل قد يَفُقْنَ أزواجَهن ويَسبقْنَهم لما فُطِرْن عليه من الشفقة التي لا تَطلب عوضًا، فيؤدين العمل بهذه البطولة الموهوبة لهن بإخلاص تام.

هذا وإن المتقدمين والسابقين من طلاب النور أغلبهم متزوجون، وقد أقاموا هذه السنّة الشريفة على وجهها، ورسائلُ النور تخاطبهم قائلة: اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغَّرة، وموضعَ تلقي العلم والعرفان، كي يتربى الأولاد الذين هم ثمارُ تطبيقِ هذه السنة، على الإيمان، فيكونوا لكم شفعاء يوم القيامة، وأبناءَ بررة في هذه الدنيا، وعندها تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقًّا.

وبخلافه.. لو تربى الأولاد على التربية الأوروبية وحدها -كما حدث خلال ثلاثين سنةً خلت- فإن أولئك الأولاد يكونون غير نافعين لكم في الدنيا -من جهة- ومدّعين عليكم يوم القيامة، إذ يقولون لكم: “لِمَ لم تنقذوا إيماننا؟” فتندمون وتحزنون من قولهم هذا يوم لا ينفع الندم، وما هذا إلا مخالفةٌ لحكمةِ السنة النبوية الشريفة.

❀   ❀   ❀

نكتة توحيدية في لفظ “هو”‌

(نكتة توحيدية في لفظ “هو”)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾

﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا…﴾

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

لقد شاهدتُ -مشاهدةً آنية- خلال سياحةٍ فكريةٍ خيالية، لدى مطالعة صحيفة الهواء من حيث جهته المادية فقط، نكتةً توحيديةً ظريفةً تولدتْ من لفظ “هو” الموجود في “لا إله إلّا هو”، وفي ﴿قل هو اللّٰه أحد﴾، ورأيت فيها أن سبيلَ الإيمان سهلٌ ويسيرٌ إلى حدِّ الوجوب، بينما سبيلُ الشرك والضلالة فيه من المحالات والمعضلات إلى حدِّ الامتناع.

سأبيِّن بإشارةٍ في منتهى الاختصار تلك النكتةَ الظريفةَ الواسعةَ الطويلة.

نعم، إن حفنة من تراب، يمكن أن تكون موضعَ استنباتِ مئاتٍ من النباتات المزهرة إنْ وُضعتْ فيها متعاقبةً، فإن أُحيلَ هذا الأمر إلى الطبيعة والأسباب يلزم إما أن تكون في تلك الحفنة من التراب مئاتٌ من المصانع المصغرة المعنوية، بل بعدد الأزهار.. أو أن كلَّ ذرة من ذرات تلك الحفنة من التراب تَعلم بناءَ تلك الأزهار المتنوعة وتركيبها بخصائصها المتنوعة وأجهزتها الحيوية، أي لها علمٌ محيط وقدرة مطلقة بما يشبه علمَ الإله وقدرته!!

وكذلك الهواء الذي هو عرشٌ من عروش الأمر والإرادة الإلهية؛ فلكلِّ جزءٍ منه، من نسيمٍ وريح، بل حتى للهواء الموجود في جزءٍ من نَفَسِ الإنسان الضَّئيل عندما ينطق بكلمة “هو”: وظائفُ لا تُعَدُّ ولا تحصى.

فلو أُسنِدتْ هذه الوظائف إلى الطبيعة والمصادفة والأسباب؛ فإما أنه -أي الهواء- يَحمل بمقياسٍ مصغرٍ مراكزَ بثٍ واستقبالٍ لجميع ما في العالَم من أصوات ومكالمات في التلغراف والتلفون والراديو، مع ما لا يُحد من أنواع الأصوات للكلام والمحادثات، وأن يكون له القدرةُ على القيام بتلك الوظائف جميعِها في وقتٍ واحد.. أو أن ذلك الجزءَ من الهواء الموجود في كلمة “هو”، وكلَّ جزءٍ من أجزائه وكلَّ ذرةٍ من ذراته، لها شخصياتٌ معنوية، وقابلياتٌ بعدد كل مَن يتكلم بالتلفونات وجميع مَن يبث من البرقيات المتنوعة وجميع مَن يذيع كلامًا من الراديوات، وأن تَعلَم لغاتِهم ولهجاتهم جميعًا، وتُعَلِّمَه في الوقت نفسه الذراتِ الأخرى، وتَنشرَه وتَبُثَّه، حيث إن قسمًا من ذلك الوضع مشهودٌ أمامنا، وأن أجزاء الهواء كلَّها تحمل تلك القابلية.. إذن فليس هناك مُحالٌ واحدٌ في طريق الكفر من الماديين الطبيعيين، بل مُحالاتٌ واضحةٌ جليَّةٌ ومعضلاتٌ وإشكالاتٌ بعددِ ذراتِ الهواء.

ولكن إن أُسنِد الأمر إلى الصانع الجليل، فإن الهواء يصبح بجميع ذراته جنديًّا مستعدًّا لتلقي الأوامر، فعندئذٍ تقوم ذراتُه بأداء وظائفها الكلية المتنوعة والتي لا تحد، بإذن خالقها وبقوته وبانتسابها واستنادها إليه سبحانه، وبتجلي قدرة صانعها تجليًا آنيًّا -بسرعة البرق- وبسهولةِ قيامِ ذرةٍ واحدةٍ بوظيفةٍ من وظائفها، وبيُسرِ تلفظِ كلمةِ “هو” وتموجِ الهواء فيها، أي يكون الهواءُ صحيفةً واسعةً للكتابات المنسَّقة البديعة التي لا تُحصَر لقلمِ القدرة الإلهية، وتكون ذراتُه بداياتِ ذلك القلم، وتصبح وظائف الذرات كذلك نقاطَ قلم القَدَر، لذا يكون الأمر سهلًا كسهولةِ حركةِ ذرةٍ واحدة.

رأيتُ هذه الحقيقة بوضوحٍ تامٍّ وبتفصيلٍ كاملٍ وبعينِ اليقين عندما كنت أُشاهد عالَم الهواء وأُطالع صحيفته في سياحتي الفكرية وتأملي في “لا إله إلّا هو” و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾، وعلمت بعلم اليقين أن في الهواء الموجود في لفظ “هو” برهانًا ساطعًا للوحدانية، مثلما أن في معناه وفي إشارته تجليًا للأحدية في غاية النورانية وحجةً توحيديةً في غاية القوة، حيث فيها قرينةُ الإشارة المطلقة المبهمة لضمير “هو” أي إلى مَن يعود؟ فعرفتُ عندئذٍ لماذا يكرر القرآنُ الكريم وأهلُ الذكر هذه الكلمة عند مقام التوحيد.

نعم، لو وُضع نقاطٌ متعددةٌ في ورقة بيضاء هي بقدر نقطة واحدة لاختلط الأمر، كذلك يَرزح كائن صغير تحت ثقل قيامه بعدة وظائف في وقت واحد، وأيضًا من المفروض أن يختلط النظام ويتبعثر عند خروج كلماتٍ كثيرةٍ في وقت واحد من الفم ودخولها الأذن معًا.. ولكني شاهدتُ بعين اليقين، وبدلالة لفظ “هو” -هذا الذي أصبح مفتاحًا وبمثابة بوصلة- أن نقاطًا مختلفة تُعَدُّ بالألوف، وحروفًا وكلماتٍ توضع -أو يمكن أن توضع- على كل جزءٍ من أجزاء الهواء الذي أَسيح فيه فكرًا، بل يمكن أن توضع كلها على عاتق ذرةٍ واحدة من دون أن يَحدث اختلاط أو تشابك أو ينفسخ النظام، علمًا أن تلك الذرة تقوم بوظائف أخرى كثيرة جدًّا في الوقت نفسه، فلا يلتبس عليها شيء، وتحمل أثقالًا هائلة جدًّا من دون أن تُبدي ضعفًا أو تكاسلًا؛ فلا نراها قاصرةً عن أداء وظائفها المتنوعة واحتفاظها بالنظام؛ إذ تَرِدُ إلى تلك الذرات ألوفُ الألوف من الكلمات المختلفة في أنماط مختلفة وأصوات مختلفة، وتخرج منها أيضًا في غاية النظام مثلما دخلت، دون اختلاط أو امتزاج ودون أن يُفسد إحداها الأخرى، فكأن تلك الذرات تملك آذانًا صاغية صغيرة على قدّها، وألسنةً دقيقة تناسبها، فتَدخل تلك الكلماتُ تلك الآذانَ وتخرج من ألسنتها الصغيرة تلك.. فمع كل هذه الأمور العجيبة فإن كل ذرة -وكل جزءٍ من الهواء- تتجول بحريةٍ تامةٍ ذاكرةً خالقَها بلسان الحال وفي نشوة الجذب والوجد قائلة: “لا إله إلّا هو” و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾ بلسان الحقيقة المذكورة آنفًا وشهادتها.

وحينما تَحدث العواصفُ القوية وتُدَوِّي أهازيجُ الرعد، ويتلمَّع الفضاءُ بسنا البرق، يتحول الهواء إلى أمواجٍ ضخمة متلاطمة.. بَيد أن الذرات لا تفقد نظامها ولا تتعثر في أداء وظائفها، فلا يمنعها شغلٌ عن شغل.. هكذا شاهدت هذه الحقيقة بعين اليقين.

إذن، فإما أن تكون كلُّ ذرة -وكل جزء من الهواء- صاحبةَ علم مطلق وحكمة مطلقة وإرادة مطلقة وقوة مطلقة وقدرة مطلقة وهيمنة كاملة على جميع الذرات.. كي تتمكن من القيام بأداء هذه الوظائف المتنوعة على وجهها.. وما هذه إلّا محالاتٌ ومحالاتٌ بعدد الذرات، وباطل بطلانًا مطلقًا، بل حتى لا يذكره أي شيطان كان.

لذا فإن البداهة تقتضي، بل هو بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين: أن صحيفة الهواء هذه إنما هي صحيفة متبدلة، يَكتب الخالقُ فيها بعلمه المطلق ما يشاء بقلم قُدرته وقَدَره الذي يحركه بحكمته المطلقة، وهي بمثابة لوحةِ محوٍ وإثباتٍ في عالم التغيّر والتّبدل للشؤون المسطَّرة في اللوح المحفوظ، فكما أن الهواء يدل على تجلي الوحدانية بهذه الأمور العجيبة المذكورة آنفًا، وذلك لدى أداء وظيفةٍ واحدةٍ من وظائفه، وهي نقل الأصوات، ويبيِّن في الوقت نفسه بيانًا واضحًا مُحالاتِ الضلالة التي لا تحصر، كذلك فهو يقوم بوظائف في غاية الأهمية وفي غاية النظام ومن دون اختلاط أو تشابك أو التباس، كنقل المواد اللطيفة، مثل الكهرباء والجاذبية والدافعة والضوء.. وفي الوقت نفسه يدخل إلى مداخل النباتات والحيوانات بالتنفس مؤديًا هناك مُهماتهِ الحياتية بإتقان، وفي الوقت عينه يقوم بنقل حبوب اللقاح -أي وظيفة تلقيح النباتات- وهكذا أمثال هذه الوظائف الأساسية لإدامة الحياة؛ مما يُثبت يقينًا أن الهواء عرشٌ عظيم يأتمر بالأمر الإلهي وإرادته الجليلة، ويُثبت أيضًا بعين اليقين أن لا احتمالَ قطعًا لتدخل المصادفة العشواء والأسباب السائبة التائهة والموادِّ العاجزة الجامدة الجاهلة في الكتابة البديعة لهذه الصحيفة الهوائية وفي أداء وظائفها الدقيقة.

فاقتنعْتُ بهذا قناعة تامة بعين اليقين، وعرفتُ أن كل ذرة وكل جزءٍ من الهواء تقول بلسان حالها: “لا إله إلّا هو” و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾.

ومثلما شاهدت هذه الأمور العجيبة في الجهة المادية من الهواء بهذا المفتاح، أعني مفتاح “هو”، فعنصر الهواء برمته أصبح أيضًا كلفظ “هو” مفتاحًا لعالم المثال وعالم المعنى؛ إذ قد علمتُ أن عالَم المثال كآلة تصوير عظيمة جدًّا تلتقط صورًا لا تعد ولا تحصى للحوادث الجارية في الدنيا، تلتقطها في آنٍ واحدٍ بلا اختلاطٍ ولا التباس، حتى غدا هذا العالَم يَضمُّ مشاهدَ عظيمةً وواسعةً أُخرويةً تَسَع ألوفَ ألوفِ الدُّنى، تَعرض أوضاع حالاتٍ فانيةٍ لموجودات فانية، وتُظهِر ثمارَ حياتِها العابرة في مشاهد ولوحات خالدة تُعرَض أمام أصحاب الجنة والسعادة الأبدية، في معارض سرمدية، مذكِّرةً إياهم بحوادث الدنيا وذكرياتهم الجميلة الماضية فيها.

فالحجة القاطعة على وجود اللوح المحفوظ وعالم المثال ونموذجِها المصغر هو ما في رأس الإنسان من قوةٍ حافظة وما يملك من قوةِ خيال، فمع أنهما لا تشغلان حجم حبةٍ من خردل، إلّا أنهما تَقومان بوظائفهما على أتمِّ وجه بلا اختلاط ولا التباس، وفي انتظامٍ كامل وإتقان تام، حتى كأنهما يحتفظان بمكتبةٍ ضخمةٍ جدًّا من المعلومات والوثائق، مما يُثبت لنا أن تَيْنك القوتين نموذجان للّوح المحفوظ وعالم المثال.

وهكذا لقد عُلم بعلم اليقين القاطع أن الهواء والماء، ولا سيما سائل النُطَف، واللذان يفوقان الترابَ في الدلالة على اللّٰه -الذي أوردناه في مستهل البحث- صحيفتان واسعتان يَكتب فيهما قلمُ القدَر والحكمةِ كتابةً حكيمةً بليغة، ويجريان فيهما الإرادة وقلم القدر والقدرة، وأن مداخلة المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة الجامدة في تلك الكتابة الحكيمة محال في مائة محال وغير ممكن قطعًا.

ألف ألف تحية وسلام إلى الجميع.‌

❀   ❀   ❀

من معاني “التشهّد”

(من معاني “التشهّد”)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾

﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾

إخوتي الأعزاء الصادقين الأبرار..

لقد ارتأينا أن نبين لكم خلاصةَ الدرس الذي ألقيناه على أركان مدرسة الزهراء، بناءً على رغبتهم.

وموضوعه هو: أن الرسولَ الأكرمَ فخرَ الكائنات وثمرةَ خلق العالم ﷺ، قد قال ليلة المعراج في الحضرة الإلهية باسمِ جميع الكون بدلَ السلام: “التحياتُ المباركاتُ.. الصلواتُ الطيبات للّٰه“، قالها باسم البشرية جمعاء، بل باسم جميع ذوي الحياة، بل باسم عموم المخلوقات.. وأن الأمة الإسلامية تُردد هذا الكلام المبارك يوميًّا مراتٍ ومرات في صلواتهم لما فيه من معنى كلي.. وينال كل مؤمن -مهما كانت مرتبته في الإيمان- حظه من هذا الكلام.

ولقد ذكرنا -فيما سبق- ما في عنصر الهواء من خوارق القدرة الإلهية، لدى بياننا أن الراديو نعمة إلهية، وذلك في حاشية بحث (نكتة توحيدية في لفظ “هو”).

فلأجل كل هذا خطر على القلب أن العبادة التي يؤديها المؤمن في هذه الدنيا القصيرة، وفي عمر قصير، والتي يثاب عليها بملك باق واسع أوسع من الدنيا في السعادة الأبدية، إنما هي عبادة كلية، ولكأن دنياه الخاصة بكاملها تؤدي معه العبادة أيضًا، حيث يثاب بقدر دنياه الخاصة.. هكذا تُفهم من إشارات القرآن، كما هو مذكور في رسالة “الحجة الزهراء” في المقام الثاني لدى بحث العلم الإلهي.

فعندما كنت أقرأ في التشهد “التحيات..” خطرتْ معانيها الكلية على روحي، فتحولتْ فجأة -في خيالي- عناصرُ دنياي الخاصة من ترابٍ وماءٍ وهواءٍ ونور، إلى أربعة ألسُنٍ كليةٍ ذاكرة، كلٌّ منها يَذكر بأحواله: “التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه” بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات.. هكذا رأيته في خيالي.

أحد هذه العناصر هو “التراب“.. هذا التراب أصبح لسانًا ذاكرًا، وكلُّ ذي حياة غدا كلمة ذات حياة ناطقة بـ”التحيات.. للّٰه”.

وذلك أن حفنة من ترابٍ يمكن أن تكون موضع استنباتِ معظم النباتات.. فإما أن فيها من المصانع المعنوية -بمقياسٍ مصغَّر جدًّا- ما تتمكن من توليد تلك النباتات، وبعددٍ يَفوق عدد المصانع التي نصبها الإنسان في العالم.. وهذا مُحالٌ في محال، أو أن ذلك الاستنبات يحصل بقدرةِ قديرٍ مطلق، وبعلمه المحيط وإرادته الشاملة.

فعنصر التراب إذن ينال بهذا دلالةً على اللّٰه بجميع ذراته وأجزائه؛ لذا يردِّد: “التحيات للّٰه“، أي يقول: “إن ما تقدمها جميعُ الأحياء من هدايا حياتية من الأزل إلى الأبد خاصةٌ لذات اللّٰه المقدسة سبحانه وتعالى”.

وكذا العنصر الآخر لدنياي الخاصة -كما هو لدنيا الآخرين- وهو “الماء“، رأيته قد أصبح كذلك لسانًا كليًّا يَلهج بأحواله وبجميع ذراته الكلمة المباركة: “المباركات” وينشرها في أرجاء الكائنات كلها بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات، ولا سيما خدمته في إنماء الأحياء وإعاشتها، حيث الوظائف التي تقوم بها قطرات الماء، ولا سيما في إنماء النُّطَف والنوى والبذور وتنبيهها لأداء وظيفتها الفطرية.. وقيام تلك المخلوقات الصغيرة الجميلة البديعة، وتلك الصغار المباركة بأوضاعها اللطيفة بوظائف عظيمة وفي منتهى الإتقان والانتظام حتى يستنطق جميع ذوي الشعور فيقولوا من إعجابهم: “بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه”، ويرددها بما لا يعد ولا يحصى من المرات.

فأداء تلك الوظائف على ذلك الوجه المتقَن يتطلب حتمًا أن يكون لكل ذرة من ذرات الماء من العلم ما لألفِ ألفِ أفلاطون! ومن الحكمة والإرادة ما لألفِ ألف لقمان الحكيم!. وهذا مُحالٌ في محال بعدد ذرات الماء.

فإذن لا تتم تلك الأمور المتقَنة إلّا بقدرةِ قديرٍ ذي جلال وبإرادته، وبرحمة رحمن رحيم وبحكمته.

فتلك الأحياء الصغيرة المباركة التي أَظهرت تلك المعجزات التي لا تعد ولا تحصى تردد إذن بألسنة أحوالها جميعًا وبعددها الكلمة الكلية: “المباركات.. للّٰه“.

ومن هنا فقد قال ثمرةُ خلق العالم رسولُنا الأكرم ﷺ في ليلة المعراج متكلمًا باسم جميع المخلوقات: “المباركات.. للّٰه”، وقدم في الحضور الإلهي جميع “المباركات” التي لا يحصرها العد، أي “إن جميع هذه الحالات اللطيفة والأوضاع البديعة، والإتقان والإبداع، التي تدفع كل ناظر إلى أن يقول من إعجابه: (بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه).. جميعها خاصةٌ لقدرة اللّٰه الجليلة وحدها”.

وكذا عنصر “الهواء” وهو الثالث في دنيا كل أحد.. فإن كل ذرة من ذرات قبضة صغيرة منه، حتى لو كانت بمقدار كلمةِ “هو”، تَحمِل في طياتِ وظائفِها -كمركزٍ للاستلام والنقل- جميعَ الأدعية وجميعَ الصلوات وجميعَ التضرعات وجميعَ العبادات، والتي تُعبِّر عنها جميعًا بـ: “الصلوات“، فيصبح الهواء لسانًا كليًّا ذاكرًا بأحواله بعددِ ذراته التي لا تعد ولا تحصى جميعَ تلك الكلمات، وتُقدِّمها إلى خالقها العظيم، لذا فقد قال الرسول الكريم ﷺ: “الصلوات للّٰه” باسمِ جميع تلك الذرات معبِّرًا عن ذلك المعنى الكلي، وقدّمها إلى الحق سبحانه وتعالى، أي: “إن جميع الأدعية والتضرعات التي يتضرع بها المضطرون والشكر والحمد على النعم، والعبادات والصلوات كلها خاصة لخالق كل شيء، للّٰه وحده”.

لأنه كما ذُكر في البحث المذكور آنفًا: إما أن ذراتِ قبضةِ هواءٍ -بقدر كلمة “هو”- تتقن اللغات جميعها، وتَرى مواضعَ من يتكلمون بها، وتَسمع كل ما هو قريب أو بعيد، وتُجيد لفظةَ كلِّ لهجةٍ ومخارجَ كل حرف، مع وظائف أخرى كثيرة، من دون اختلاط ولا تشوش، بمعنى أنها تكون مالكةٌ لقدرةٍ مطلقة وإرادةٍ مطلقة!. وهذا مُحالٌ في محالٍ بعددِ ذرات الهواء.

أو أن كل ذرة من تلك الذرات تدل على الصانع الحكيم يقينًا، وتَشهد على جميع صفاته الجليلة بلا ريب، بل كأنها تَسَع -بمقياسٍ مصغر- جميعَ شهاداتِ العالَم على الصانع الجليل، أي إن الصلوات التي قُدِّمت بعدد الذرات، والتي تعبر عنها بـ “الصلوات للّٰه” قد قدمها الرسول الكريم ﷺ ليلة المعراج بهذا المعنى الكلي إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.

وكذا عندما تقال الكلمة الطيبة: “الطيبات” تصبح النار والنور، أي عنصر النور المادي والمعنوي -بحرارة أو بدونها- لسانًا كليًّا ذاكرًا يردد: “الطيبات للّٰه” يرددها بما لا يحد من ألسنة أحواله.

أي: “إن جميعَ الكلمات الطيبة، والمعاني الزكية، وبدائع الحسن والجمال، وتجليات الأسماء الحسنى الأزلية المتلمعة على خد الكائنات، وجميعَ سنا الجمال الزاهي المُشاهَد على المخلوقات والكائنات بإيمان المؤمنين، وفي طليعتهم الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحون والأصفياء العاملون.. وجميعَ الأقوال الطيبة الجميلة النابعة من إيمان المؤمنين وتحميداتهم وتشكراتهم وتهليلاتهم وتسبيحاتهم وتكبيراتهم المتعالية صاعدة إلى العرش الأعظم بدلالة الآية الكريمة: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾.. فجميع هذه الكلمات الطيبات المتوجهة إلى العرش الأعظم، مع جميع أشكال الجمال والحسن والطيب التي لا تُحَد، والناشئة من أحد أجمل الوجوه الثلاثة للدنيا، وهي وجهها المرآة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى، مع ما لا يحد من الحسنات والخيرات والثمرات المعنوية المزروعة في الوجه الثاني للدنيا وهي مزرعة الآخرة.. كلُّ هذه “الطيبات” خاصةٌ بكاملها للّٰه وحده.. القدير المطلق، سلطان الأزل والأبد.

فهذا المعنى الكلي، وبلسان العبودية الكلية للنار والنور قدّمه سيدُ الكون رسولُنا الأكرم ﷺ بهذه الكلمة الطيبة: “الطيبات.. للّٰه” باسم جميع المخلوقات، إلى المعبود ذي الجلال سبحانه، إذ يَحمل النور المادي والمعنوي من الشهادات والدلالات -الجزئية والكلية- على اللّٰه سبحانه ما لا يحصره العد.

نعم، إن النور والنار -كما هو الحال في التراب والهواء والماء- يدلان بالبداهة دلالةً قاطعةً وبالضرورة وبتلك النماذج على أن الأسباب كلَّها ليست إلّا حُجُبًا، والتأثير والإيجاد كله إنما هو من القدير ذي الجلال.

حيث إن النور -كالحياة والوجود تمامًا- يَنال الوجودَ بصدوره مباشرة من القدرة الإلهية، فلا تتوسط الأسبابُ الظاهرية حجابًا دونه في أية جهة كانت، ومن هنا فإنه يدل على الأحدية ضمن الواحدية، أي يشير بوظيفةٍ جزئيةٍ صغيرةٍ جدًّا إلى دليلٍ واسعٍ كُلِّيٍّ للأحدية، كما أُثبت ذلك في (نكتة في لفظ “هو” مع هوامشها باختصار).

وسنذكر هنا مثالين اثنين فقط من بين ملايين الملايين من الأمثلة:

المثال الأول: هو ما يَظهر على صورةِ علمٍ في جزءٍ من ومضةِ نور معنوي، في دماغِ إنسانٍ يملك قوة حافظة لا تتجاوز حجم ظُفْر، هذا الشخص أدرج في دماغه كلماتُ تسعين كتابًا، ويُتِمُّ قراءةَ هذا الجزء فقط من حافظته في ثلاثة أشهر بمُعَدَّلِ ثلاث ساعات يوميًًّا، ويمكنه أن يراجع ويخرج من تلك الحافظة ما يشاء ومتى يشاء مما شاهده وسمعه وما تراءى أمامه من صورٍ ومَعانٍ وكلماتٍ أعجب بها أو تحير منها أو رغب فيها.. مع جميع الصور والأصوات طوال عمره الذي ناهز الثمانين.. كل ذلك مجموعة في صحيفة تلك الحافظة، لذا يرى أن تلك الحافظة كأنها مكتبة ضخمة نسقت فيها المحفوظات منتظمة مرصوفة.

فهذه الحافظة التي لا تشغل حجم حبة من خردل تكتب فيها وتحفظ تلك الأحوال كلها، فلها إذن سَعَةٌ كسَعَةِ البحر، ونورٌ كلي، وضياءٌ معنوي محيط بالشيء كضياء الشمس المحيط، وصحائفُ كبيرة واسعة سعة سطح الأرض.. وما هذا إلّا مُحالٌ في محال، بل محال بمئات الألوف من المحالات.

فلا بد إذن ولا شك أن هذه الحافظة الصغيرة جدًّا قد وضعها العليم المطلقُ العلمِ في دماغ الإنسان بعلمه وحكمته وقدرته، وخَلَقها أنموذجًا مصغَّرًا ليشير ويشهد على اللوح المحفوظ الذي هو صحيفة قدره وقدرته.

المثال الثاني الجزئي والأنموذج المصغر جدًّا: هو الكهرباء، فبعد أن خَبِرَ أحدهم المصباح الكهربائي ودقَّقَ فيه النظر، رأى أن الذرات والمواد الموجودة في مئات المفاتيح الكهربائية وأسلاكها ومراكزها: جامدة لا تملك شعورًا ولا حركة ذاتية، ومع هذا تمحو ظلمات كانت تشغل عشرات الكيلومترات، بعد أقلَّ من تماسٍّ بسيط، ويملأ مكانَها نورًا في أقل من نصف ثانية! فذهاب هذه الظلمات المشاهدة فجأة ومجيء نور مشاهَد بقدرها بدلًا منها لا شك أنه ليس خيالًا..

إما أن التَّماسَّ الحاصل في تلك الذرات الجامدة الفاقدة للشعور يحمل قوة لا حدَّ لها ونورًا لا منتهى له، بحيث تتمكن تلك الذرات من أن تمد يدها إلى مئات الكيلومترات، فتزيلَ منها الظلام وتملأَه بالنور.. وهذا محال لا يمكن أن يقنع به حتى السوفسطائي ولو حاولت معه الشياطين جميعًا والملحدون والماديون قاطبة8﴿(٭): إنه لأجل الخداع والتمويه ليس إلّا يضعون اسمًا على بعض الحقائق العظيمة الجليلة، وكأن تلك الحقيقة قد عُلمت وفُهمت، فيجعلونها أمرًا عاديًّا مألوفًا. فمثلًا: إن قولهم: “هذا ما يسمى بقوة الكهرباء”، يُبدون به إظهار تلك الحقيقة العظيمة والدقيقة أمرًا عاديًّا مألوفًا، علمًا أنه قد لا تكفي صفحات لبيان حكم تلك المعجزة البديعة للقدرة الإلهية.. لذا فبمجرد وضعِ اسمٍ وإطلاقِ عنوانٍ على تلك الحقيقة تُستَر حِكَمُها الكلية وتختفي ماهيتُها وعظمتُها، وتغدو من الأمور العادية، وقد يقيمون مكان تلك الحقيقة العظيمة أحدَ مظاهرها البسيطة، وعندها يُسنِدون ذلك الأثر البديع إلى قوةٍ عمياء، ومصادفةٍ عشواء، وطبيعة موهومة، فيتردَّون في هاويةِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل. إن القوانين سننُ اللّٰه الجاريةُ في الكون والتي هي عناوين لنواميس الإرادة الإلهية، قد أَطلق البشرُ على إحدى تلك القوانين اسم “الكهرباء”، وذلك لعجزه عن إدراك ماهيتها، فجعل بهذا الإطلاق ما في التنوير من معجزةِ قدرةٍ خارقةٍ أمرًا عاديًّا بسيطًا، وكأنه شيء معلوم لدى الجميع. وهكذا يَجعلون أمثال هذه المعجزات البديعة للقدرة الإلهية أمورًا عادية مألوفة بمجرد إطلاق اسم عليها كقوة الكهرباء.(المؤلف)﴾..

أو حصل ذلك بقدرة القدير المطلق، علام الغيوب، وبحكمة العليم النافذ حكمه في الكون كله، فتستفيض الأنوار من اسمه “النور”، فهو “نور النور، وخالق النور، ومدبر النور”.

وعلى غرار هذين المثالين هناك ما لا يحد من الأمثلة والنماذج.

وهكذا فكما تُقدِّم الكائناتُ جميعَ ما فيها من أنوار، وحُسْن وجمال، وطيبات، وكلمات طيبة، وخيراتٍ وكمالات.. إلى الذات الجليلة بلسان حال عنصر النور بـ: “الطيبات للّٰه”، فإن نتيجة خلق الكائنات وسببَ خلق الكون ﷺ قد قال أيضًا بذلك المعنى الكلي في ليلة المعراج: “الطيبات للّٰه” باسمِ جميعِ موجوداتِ الكون التي بُعث إليه.

فالرسول الأعظم ﷺ بعدد ذرات الأنام، بعد أن قال هذه الكلمات الجميلة الأربع بعدد ذرات الأنام، بدلًا من السلام في ليلة المعراج، قابله الرب الجليل سبحانه وتعالى -كما هو موضح في رسائل النور- بقوله: “السلام عليك أيها النبي” دليلًا على رضاه وقبوله منه ما قدم من تحيات، وإشارةً منه سبحانه إلى أمته – بأمرٍ معنوي – أن يقولوا مثله: “السلام عليك أيها النبي”..

وعند ذلك قال الرسول ﷺ مباشرة: “السلام علينا وعلى عباد اللّٰه الصالحين“، جاعلًا من ذلك السلام الإلهي المقدس سلامًا عامًّا شاملًا لنفسه ولأمته ولأمثاله من الأنبياء -عليهم السلام- ولجميع المخلوقات، حيث هو المبعوث إليهم جميعًا.

فما تقوله أمته ﷺ في كل صلاة: “السلام عليك أيها النبي” ما هو الا امتثالٌ لما في ذلك السلام الإلهي المقدس من أمر، وهو في الوقت نفسه بيعةٌ مع الرسول ﷺ، وتجديدٌ يوميٌّ لبيعته، أي الرضى به رسولًا، والطاعة والانقياد لما جاء به، وهو في الوقت نفسه تهنئةٌ وتحيةٌ لرسالته.. وشكرانٌ يقدِّمه العالمُ الإسلامي أجمعُ يوميًّا لما بشَّرهم به من سعادة أبدية.

نعم، إن كل إنسان يتألم من زوال وجوده، كما يتألم من خراب بيته، ويتألم أشد الألم بدمار بلده، بل يتجرع قلبُه آلامًا وغُصَصًا بفراقِ أحبائه ووفاتهم، بل يتحرق وجدانه وروحه حتى كأنه في جهنم معنوية كلما تفكر بزوال دنياه الخاصة -وهي بكُبْر الدنيا- ودمارِها نهائيًّا في الختام.

لذا فكل إنسان راشدٍ -أي ما لم يكن فاقد القلب والروح والعقل- يدرك بلا شك أن ما أتى به الرسول الكريم ﷺ من بشرى عظيمة سارة، مما رآه رؤيةَ عينٍ وبصرٍ في ليلة المعراج من سعادة أبدية، ومن تنعُّم أهلِ الإيمان في جنةٍ خالدة، ومن عدم فناء أحباء الإنسان الذين يرتبط بهم بعلاقة، ومن لقائهم الحتمي بعضهم بعضًا بعد زوالهم.. أقول: سيدرك هذا الإنسان مدى ما تَحمله تلك البشرى السارة والهدية البهيجة من فرح وانشراح، ويدرك أيضًا سبب استقبال عالم الإسلام تلك الهدية الغالية بقولهم: “السلام عليك أيها النبي” كما يقوله كل موجود معنًى وبلسان هذه الحقيقة، إذ تتحول صحائف الكائنات إلى كتاباتٍ صمدانيةٍ بتلك الهدية المعنوية، وتتظاهر القيمةُ الحقيقية للمخلوقات وكمالاتُها برسالته؛ وما “السلام عليكم” الذي تتبادله الأمة الإسلامية كسنَّةٍ نبويةٍ وشعيرةٍ للإسلام إلّا شعاع من تلك الحقيقة العظمى.

الباقي هو الباقي

سعيد النورسي

❀   ❀   ❀

إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء

إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء..

رَجلٌ على شفير القبر، جاوز الثمانين، وابتُلي بأمراض عديدة.. شيخ غريب ضعيف، يقول: أريد أن أبيّن لكم حقيقتين:

أولاهما: أننا نبارك تعاونكم الوثيق مع العراق والباكستان بملء أرواحنا ووجداننا، فلقد أكسبتم بهذا التعاون الفرحَ والانشراح لهذه الأمة9﴿[٭]: لا شك أنه بعد انقطاعٍ دام أكثر من ربع قرن عن البلدان العربية والإسلامية يُعدُّ هذا الانفتاح بشرى عظيمةً للمسلمين في تركيا.﴾

وسيكون بإذن اللّٰه مقدمةً لإقرار الأمان والسلام بين أربعمائة مليون مسلم، ويضمن السلام العام للبشرية قاطبة.. هذا ما أحسستُه في روحي ورأيته لزامًا عليّ أن أكتب إليكم هذه الحقيقة، حيث وردتْ إلى قلبي في أذكار الصلاة.

إنني -كما يعلم الجميع- تركتُ الدنيا والسياسة منذ أكثر من أربعين سنة، إلّا أن الذي دفعني إلى بيان هذا الإخطار القلبي والعلاقة القوية التي شعرت بها هو: تأثير رسائل النور -التي كَشَفتْ منذ خمسين سنة عن أقصر طريقٍ لإنقاذ الإيمان، والمعجزةِ المعنوية للقرآن الكريم في هذا العصر- في البلدان العربية والباكستان أكثر من أي بلاد أخرى، حتى وَرَدَنا خبرٌ مُفاده أن طلاب النور في تلك الأماكن يزيدون ثلاثة أضعاف على ما ثبتته المحاكمُ هنا، لذا اضطرت روحي إلى بيان ومشاهدة هذه النتيجة العظيمة وأنا على عتبة القبر.

ثانيتها: لقد ظهرتْ أضرارُ النعرة القومية والعنصرية في عهد الأمويين، كما فرَّقت الناسَ شرّ فرقة في بداية عهد الحرية وإعلان الدستور، حيث تأسست النوادي والتكتلات، كما استُغِلَّت إثارة النعرة القومية مجددًا للتفريق بين الإخوة العرب النجباء وبين الأتراك المجاهدين، فعَمَّ الاضطراب وسُلبت راحة الناس، علمًا أن الإضرار بالناس بأعمال سلبية هو فطرةُ القومية والعنصرية التي فُطِروا عليها.

والأتراك مسلمون في أنحاء العالم كافةً، فقوميتُهم مُزِجَتْ بالإسلام لا يمكن فصلهم عنه، فالتركي يعني المسلم، حتى إن غير المسلم منهم لا يكون تركيًّا؛ وكذلك العرب، فإن قوميتهم مُزِجَتْ بالإسلام أيضًا وينبغي هكذا، فقوميتُهم الحقيقية هي الإسلام، وهو حَسَبُهم. ألاَ إن العنصرية ودعوى القومية خطرٌ عظيم.

نسأل اللّٰه أن يدفع تعاونُكم مع العراق والباكستان أضرار هذه الدعوى الخطرة، ويُكسِب الأتراكَ أربعمائة مليونٍ من الإخوة بدلًا من خمسةِ ملايين من العنصريين، ويُكسِبَ في الوقت نفسه صداقة ثمانمائةِ مليونٍ من النصارى وسائر الأديان الأخرى المحتاجين إلى إقرار السلام.

ثالثًا: قبل10﴿[٭]: رسالة مرفوعة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد سنة ١٩٥٠م في عهد عدنان مندرس وجلال بايار.﴾ خمسةٍ وستين عامًا أخبرني والٍ من الولاة أنه قرأ في الصحف أن وزير المستعمرات البريطاني خَطَب وبيده نسخة من المصحف الشريف قائلًا: “إننا لا نستطيع أن نَحكم المسلمين ما دام هذا الكتاب بيدهم، فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به”.

وهكذا دأبتْ المنظماتُ المفسدة الرهيبة على تحقيق هاتين الخطتين: إسقاط شأن القرآن الكريم من أعين الناس، وفصلُهم عنه، فسَعَوا في هذا المضمار سعيًا حثيثًا للإضرار بهذه الأمة المنكوبة البريئة المضحية.

وقد قررتُ قبل خمسٍ وستين سنةً أن أُجابِهَ هذه المؤامرات الخطرة مستمدًا القوة من القرآن العظيم، فألهمني قلبي طريقًا قصيرًا إلى الحقيقة، وإنشاءَ جامعةٍ ضخمة، فمنذئذ نسعى لإنقاذ آخرتنا.

وإحدى ثمراتها أيضًا إنقاذُ حياتنا الدنيوية من الاستبداد المطلق، والنجاةُ من مهالك الضلالة، وإنماءُ علاقات الأخوة بين الأقوام الإسلامية، وقد وجدنا وسيلتين في هذه السبيل:

الوسيلة الأولى: رسائل النور التي تُقَوي وشائجَ الأخوة الإيمانية بتقوية الإيمان، والدليل على ذلك تأليفُها في وقت الظلم والقسوة الشديدة، وتأثيرُها البالغ في أنحاء العالم الإسلامي وفي أوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر، وغَلَبتُها على المُخِلّين بالنظام والفلسفة الملحدة، وظهورُها على المفاهيم الإلحادية السارية كالفلسفة الطبيعية والمادية، مع عدم جَرحها من قِبَل أية محكمة أو لجنة خبراء، وسيتبنى أمثالُكم بإذن اللّٰه ممن كَشفوا عن مفتاح الأخوة الإسلامية هذه الرسائلَ التي تُمثل نورًا من أنوار القرآن الكريم، وينشرها في العالم الإسلامي كلِّه.

الوسيلة الثانية: قبل خمسٍ وستين سنةً أردت الذهاب إلى الجامع الأزهر باعتباره مدرسةَ العالم الإسلامي، لأنهل فيه العلوم، ولكن لم يُكتَب لي نصيب فيه، فهداني اللّٰه إلى فكرة، وهي أن الجامع الأزهر مدرسة عامة في قارة إفريقيا، فمن الضروري إنشاء جامعة في آسيا على غراره، بل أوسع منه بنسبةِ سَعَةِ آسيا على إفريقيا، وذلك لئلا تُفسِد العنصرية الأقوامَ في البلدان العربية والهند وإيران والقفقاس وتركستان وكردستان، وذلك لأجل إنماء الروح الإسلامية التي هي القومية الحقيقية الصائبة السامية الشاملة، فتنال شرف الامتثال بالدستور القرآني: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.

وكذلك لتتصافح العلومُ النابعة من الفلسفة مع الدين، وتتصالحَ الحضارة الأوروبية مع حقائق الإسلام مصالحةً تامة، ولتتفق المدارس الحديثة وتتعاون مع المدارس الشرعية في الأناضول.

لذا بذلتُ جهدي كلَّه لتأسيس هذه الجامعة في مركز الولايات الشرقية التي هي وسطٌ بين الهند والبلاد العربية وإيران والقفقاس وتركستان، وسميتها “مدرسة الزهراء“، فهي مدرسةٌ حديثة ومدرسةٌ شرعية في الوقت نفسه، فمثلما بذلت جهدي في سبيل إنشاء هذه الجامعة بذلتُه في سبيل نشر رسائل النور.

هذا وإن السلطان “رشاد” رحمه اللّٰه هو أول من قدَّر أهمية إنشاء هذه الجامعة، فخصص عشرين ألف ليرة ذهبيةٍ لإنجاز بنائها فقط، وحينما رجعتُ من الأسر في الحرب العالمية الأولى وافق مائةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا -من بين مائتين- في البرلمان ووقّعوا على تخصيص مائةٍ وخمسين ألف ليرة -بقيمة الليرة الثمينة آنئذٍ- للغرض نفسه، وكان مصطفى كمال من ضمنهم، وهذا يعنى أنهم أَوْلَوا أهميةً لإنشاء هذه الجامعة أكثر من أي شيء آخر؛ بل حتى وقّع ذلك القرارَ المتغربون من النواب الذين لا يَهمهم أمرُ الدين من قريبٍ أو بعيد، والذين قطعوا صلتهم بالأعراف الإسلامية، سوى اثنين منهم حيث قالا: نحن بحاجة إلى الحضارة الغربية أكثر من حاجتنا إلى الجمع بين العلوم الدينية والحديثة.

وأنا بدوري أجبتهم بالآتي:

لنفرض فرضًا محالًا أنكم لستم بحاجة إلى ذلك، ولكنَّ ظهورَ أكثر الأنبياء في آسيا والشرق، وظهورَ أكثر الحكماء والفلاسفة في الغرب، يَدُل على أن الذي يدفع آسيا إلى الرقيّ الحقيقي هو الشعور الديني أكثر من العلوم والفلسفة، فإن لم تأخذوا بهذا القانون الفطري، وأهملتم الأعراف الإسلامية بحجة التغرب، وأسستم الدولة على الإلحاد: فأنتم مضطرون أيضًا إلى الانحياز إلى الإسلام -لصالح الوطن والأمة- إقرارًا للسلام في الولايات الشرقية الواقعة بين أربع دول كبرى.

وأورد لكم مثالًا واحدًا من بين ألوف الأمثلة:

حينما كنت في مدينة “وان” قلت لأحد طلابي الأكراد الغيورين: لقد خدم الأتراكُ الإسلامَ كثيرًا، فكيف تراهم؟

قال: إني أفضّل تركيًّا مسلمًا على شقيقي الفاسق، بل أرتبط به أكثر من ارتباطي بوالدي، لخدمته الإيمان خدمة فعلية.

ومرت الأيام والسنون، ودخل ذلك الطالبُ -أيام أَسْري- المدرسةَ الحديثة في إسطنبول، ثم قابلتُه بعد عودتي، فلمست أنّ عِرق القومية الكردية قد تحرك فيه من جراء الدعوى العنصرية التركية لدى بعض معلميه، فقال لي: إنني أفضل الآن كرديًّا فاسقًا مجاهرًا بل ملحدًا على تركيٍّ صالح.. ثم جلست معه بضع جلسات فأنقذته بإذن اللّٰه، فاقتنع أن الأتراك هم جنود أبطال لهذه الأمة.

فيا أيها النواب السائلون..

إن في الشرق حوالي خمسة ملايين من الأكراد، وحوالي مائة مليون من الإيرانيين والهنود، وسبعين مليونًا من العرب، وأربعين مليونًا من القفقاس.. فهؤلاء جميعًا تربطهم الأخوة وحُسْنُ الجوار وحاجةُ بعضهم إلى البعض الآخر.

فأنا أسألكم: أيّهما أكثر ضرورة.. الدرسُ الذي يتلقاه الطالب في مدرسة “وان” الجامعةِ بين الشعوب والأمم، أم الدرسُ الذي يفرِّق بين تلك الشعوب ويجعله يحصر تفكيره بقومه فقط، وينكر أخوّة الإسلام، ويبذل جهده لتعلم العلوم الفلسفية دون اعتبارٍ للعلوم الإسلامية.. ألا تكون حاله كحالة الطالب الثانية؟

وعقب هذا السؤال قام المتغربون من النواب والمتحللون من الأعراف الإسلامية بتوقيع القرار، ولا أرى داعيًا لذكر أسمائهم.. سامحهم اللّٰه، لقد توفوا.

إن هذه الجامعةَ حجرُ الأساس لإحلال السلام في الشرق الأوسط وقلعته الحصينة، وستُثمر فوائد جمةً لصالح هذه البلاد والعباد بإذن اللّٰه.

إن العلوم الإسلامية ستكون أساسًا في هذه الجامعة، لأن القوى الخارجية المدمِّرة قوى إلحادية، تمحو المعنويات، ولا تقف تجاه تلك القوى المدمِّرة إلّا قوة معنوية عظيمة، تنفلق على رأسها كالقنبلة الذرية.

وحيث إنكم ترَون أنفسكم مضطرين إلى استشارة أمريكا وأوروبا في هذه المسألة، إلّا أن لي الحق أيضًا أن أدلي برأيي فيها، حيث قضيت خمسًا وخمسين سنة من عمري لتحقيقها، بل ننتظر ذلك منكم باسم الأمة جميعًا.

سعيد النورسي

❀   ❀   ❀

الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء‌

(الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء‌)

الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور‌11﴿[٭]: جزى اللّٰه الأخ “دنجر قورقماز” خيرًا لترجمته هذا الدرس القيِّم.﴾

“إخواني الأعزاء..

إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنَّاء، وليس السعي للعمل السلبي الهدام، ومهمتنا القيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي، دون التدخل بما هو موكول أمره إلى اللّٰه.

إننا مكلفون بالتجمل بالصبر، والتقلد بالشكر، تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا، وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البنَّاءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.

أقول متخذًا من نفسي مثالًا: إنني لم أَنْحَنِ تجاه التحكم والتسلط منذ القدم، وهذا ثابتٌ بكثير من الحوادث. فمثلًا: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما أنني لم أُعِرْ أية أهميةٍ على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذين كانوا يهددوني بالشنق والإعدام، وطوري هذا تجاه القُواد الأربعة يُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط، إلّا أنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي، والاجتناب عن السعي للعمل السلبي، لئلّا أتدخل بما هو موكول أمره إلى اللّٰه، بل قابلتُها بالرضى والصبر الجميل اقتداءً بنبي اللّٰه جرجيس عليه السلام، وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيرًا في غزوة بدر وغزوة أحد.

فمثلًا: إنني لم أَدْعُ حتى على المدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر، رغم أنني قد أثبتُّ أخطاءه البالغة واحدًا وثمانين خطأ، لأن المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، وإقامةُ السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانةُ الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.

نعم، إن في مسلكنا قوةً، إلّا أننا لم نقم باستعمالها إلّا في تأمين الأمن الداخلي، لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعًا لدستور الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، (أي لا يجوز معاقبة إنسانٍ بجريرةِ أخيه أو أحبائه).. إن هذه القوة لا يمكن استعمالها إلّا ضد الهجمات الخارجية.

إن وظيفتنا -وفق دستور الآية الكريمة المذكورة- هي الإعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة، لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المُخِلَّةِ بنظام الأمن الداخلي في العالم الإسلامي إلّا بنسبة واحدٍ من الألف، وهذا كان من جرَّاء الاختلاف في الاجتهاد.

إن أعظم شرطٍ من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية، أي بما هو موكول إلى اللّٰه، بمعنى أن وظيفتنا الخدمةُ فحسب، بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وأننا مكلفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا.

وأقول كجلال الدين خوارزم شاه: “إن وظيفتي هي الخدمة الإيمانية، أما النصر أو الهزيمة فمن اللّٰه سبحانه”، وإنني قد تلقيتُ درس التقلُّد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.

أجل، يَستوجب مجابهةُ الهجمات الخارجية بالقوة، لأن أموال العدو وذَراريه تكون بمثابة غنيمة للمسلمين، أما في الداخل فالأمر ليس هكذا، ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام.. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل، وقد أحسَنَ إليَّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلاب الحقيقيين، فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البنَّاء بكل ما نملك من قوةٍ في سبيل تأمين الأمن الداخلي، فالفرق عظيمٌ بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.

وهناك مسألةٌ أخرى في غاية الأهمية، وهي أن متطلبات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زَيَّدت الحاجاتِ الضرورية من الأربعة إلى العشرين، فجعلتِ الحاجاتِ غيرَ الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية، بالإدمان والاعتياد والتقليد، فتَجِدُ مَن يفضِّل الدنيا على الآخرة رغم إيمانه بها، لانهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظنًّا منه أنها ضرورة.

قبل أربعين سنة أَرسَل إليَّ قائدٌ عامٌّ عددًا من الضباط -وحتى بعضَ العلماء الأئمة- من أجل أن يعيدوني شيئًا إلى الأمور الدنيوية، فقالوا: “نحن الآن مضطرون”، أي إننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوروبية ومُوجِبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: “إن الضرورات تبيح المحظورات”.

قلت لهم: إنكم منخدعون تمامًا؛ لأن الضرورة النابعةَ من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات، فلا يُجعل الحرام بمثابة الحلال، بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي إنْ لم تأتِ الضرورة عن طريق الحرام فلا ضَير.

فمثلًا: إذا سَكِر شخصٌ بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فإن الحكم يَجري عليه ولا يكون بريئًا، بل يعاقب. ولكن إذا قام طفلٌ مختلُّ العقل بقتل شخصٍ ما -وهو في حالة الاختلال- فهو معذورٌ ولا يعاقب؛ لأنه لم يقترف الجريمة بإرادته.

وهكذا قلتُ للقواد والأئمة: أيُّ الأمور تُعَدُّ ضرورية مما سوى الأكل والعيش؟ فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميولِ غير المشروعة لا تكون عذرًا لجعل الحرام حلالًا، فإذا أدمن الإنسانُ نفسُه على شيءٍ، كمتابعته للأفلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمور ليست ضرورية قطعًا، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لجعل الحرام حلالًا. وحتى القانونُ الإنساني قد أخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميَّز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن إطار الاختيار، والأحكام الناشئة من سوء الاختيار، إلا أن القانون الإلهي قد فرَّق بينهما بشكلٍ أساسٍ وثابتٍ راسخٍ ومُحْكَم.

إخواني.. لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعضَ إلجاءاتِ العصر ضرورةً، ورَكَنوا إلى البدع.. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر “ضرورة” بدون علم، وعملوا وَفْقَها، ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل، فلا تتحرشوا بهم وإن كان المعارضون لنا من العلماء الأئمة، إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفْتُر مقدار ذرة قط، ووُفِّقتُ في تلك الخدمة الإيمانية بإذن اللّٰه، فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الإيجابي، وأتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.

إننا لا نلتفت إلى الدنيا، فإذا ما نظرنا إليها فنحن لا نسعى إلى ما سوى لمعاونتهم فيها، فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل إيجابي، وبسبب هذه الحقائق وأمثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم.

إن نشر رسائل النور قد أَورث قناعة تامة بأن الديمقراطيين يساندون الدين ويؤيدونه، لذا فإن التعرض للرسائل يكون ضد منفعة الوطن والملة.

وها مثالًا صغيرًا لقاعدةِ: “إنّ ضرورةً نبعتْ من سوء الاختيار لا تكون سببًا لجعل الحرام حلالًا“:

كانت هناك رسالةٌ خاصةٌ سريةٌ قد مَنعتُ نشرَها، ووصَّيتُ تلاميذي بنشرها بعد وفاتي، إلّا أن المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة، وأيدتْ محكمةُ التمييز هذه البراءة، وأنا بدوري أَذِنتُ بنشرها من أجل تأمين الأمن الداخلي والحيلولة دون أن يمس خمسًا وتسعين بالمائة من الأبرياء ضررٌ، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة.

المسألة الثالثة: يسعى الكفر المطلق حاليًّا لنشر جهنمَ معنويٍّ رهيب، بحيث يَلزم أن لا يقترب منه أي إنسان في العالم أجمع، ولكن أحد أسرار كون القرآن الكريم “رحمة للعالمين” هو: مثلما أنه رحمة للمسلمين جميعًا، فهو رحمةٌ لجميع الكفار أيضًا وبني آدم أجمع، حيث يورثهم احتمالَ وجود الآخرة ووجود اللّٰه سبحانه، فيخفف عنهم بهذا الاحتمال شيئًا من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من أسرار كون القرآن رحمة للخلق أجمعين.

إلّا أن قِسم الضلالة من العلم والفلسفة، أي غيرَ المتوافق مع القرآن الكريم، والمنحرفَ عن الصراط السوي، قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين، فبدأ بتطعيمِ أفكارهم المولِّدة للفوضى والإرهاب ونشرِها بوساطة المنافقين والزنادقة، وبوساطةِ قسمٍ من السياسيين الكفرة، علمًا أن الحياة لا يمكن أن تَسير بدون دين.

ومبدأُ “لا حياة لأمةٍ بلا دين” تشير إلى هذه النقطة، إذ لا يمكن العيش-في حقيقة الحال- بالكفر المطلق، ولهذا فإن إحدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم أنه قد مَنح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سدًّا أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن، وحقًّا إن الرسائل أدت دورها.

نعم، إن هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف أوروبا ودول البلقان وأقام سدًّا أمام هذا الهجوم، وهكذا وُجد حلٌّ سليمٌ أمام هذا الخطر الداهم.

إذن لا يمكن لمسلمٍ أن يَخرج عن الإسلام ويتنصّر أو يتهوَّد أو يكون بلشفيًّا.. لأن النصراني إذا أسلم فإن حبَّه لعيسى عليه السلام يزداد أكثر، واليهودي كذلك يزداد حبُّه لموسى عليه السلام بعد دخوله للإسلام، ولكن المسلم إذا ارتد وحَلَّ رِبْقته من سلسلةِ الرسول محمد ﷺ وتخلى عن الدين الحنيف، فلا يمكن له أن يدخل أي دين آخر، بل يكونُ إرهابيًّا، ولا يبقى في روحه أيُّ نوعٍ من الكمالات، بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سمٍّ قاتلٍ للحياة الاجتماعية.

لذا نشكر اللّٰه عز وجل أن قد بدأ بالانتشار درسٌ من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية، وقد تَحقَّق أنها مثلما أَنقذتْ قبل ستِّ عشرةَ سنةً إيمانَ ستمائةِ ألفِ شخص، فإنها الآن قد تجاوزت هذا العدد إلى الملايين من الناس، وكما أن رسائل النور أصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الإرهاب -شيئًا ما- أصبحتْ وسيلةً للتآخي والوحدة بين الأخَوَين الجليلين للإسلام وهما العرب والترك، وكذلك أصبحت وسيلة لنشر الأحكام الأساسية للقرآن الكريم حتى بتصديق أعدائها.

فما دام الكفر المطلق يقف حائلًا أمام القرآن الكريم في هذا العصر، وأن الكفر يُضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنمَ معنويةً تَفُوق جهنمَ نفسَها، حيث إن الموت لا يمكن قتله، بل تَشهد كلَّ يومٍ ثلاثون ألفًا من الجنائز على استمرارية الموت، فإن هذا الموت هو بمثابة جهنمَ معنويةٍ تَفُوق عذابَ جهنم نفسِها عشراتِ المرات لمن وقع في الكفر المطلق، أو لمن يساند الكفر المطلق، نظرًا لأنه يفكر في الموت أنه إعدام أبدي له ولأحبائه الذين مضَوا والآتين معًا، لأن كلَّ شخصٍ كما يكون سعيدًا بسعادة أحبائه، يتعذب بعذابهم، فالذي يكفر بوجود اللّٰه تُمحى عنده جميع تلك السعادات، ويَحُلُّ العذابُ محلها.

لذا هناك حل وحيد في هذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القرآن الحكيم، وأجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقرآن الكريم والتي كتبت وفق أفهام أبناء هذا العصر.

نحن الآن نشكر اللّٰه عز وجل، إذ قد شعر-إلى حدٍّ ما- أحدُ الأحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات، ولم يمنع نشر رسائل النور التي تُثبت بأن الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا، بل سمح بنشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.

إخواني.. إن مرضي قد اشتد كثيرًا، ولعلي أُتوفى قريبًا، أو أُمنع من المكالمة كليًّا -كما كنتُ أُمنع أحيانًا منها- لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليَعُدُّوها من قبيل “أهون الشرين”، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائمًا، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر، وما دام قسمٌ من السياسيين لا يُلحِقون الضررَ برسائل النور، بل يتسامحون قليلًا، لذا انظروا إليهم كأهون الشرين، ومن أجل التخلص من أعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم.

وإن الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية، وإنه ليس ماديًّا قط.. وإنما يستوجب القيامَ بخدمات معنوية، لذا فكما لم نتدخل بأمور أهل السياسية، فلا يحق لأهل السياسة أن ينشغلوا بنا.

فمثلًا: لقد سامحتُ عن جميع حقوقي وعفوتُ عن حزبٍ من الأحزاب السياسية رغم مقاساتي منه ألوفًا من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة، فقد أصبحتُ وسيلة لإنقاذ خمسةٍ وتسعين بالمائة من المساكين من أن يَسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات، حيث أُسنِد الذنب إلى خمسةٍ بالمائة من ذلك الحزب، بحكم الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فلا يحق إذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.

حتى إن المدعي العام الذي طالَبَ في إحدى المحاكم -من جراء الأوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس- بإنزال الحكم علينا نحن السبعين متهَمًا، مستندًا إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وبإسنادِ معنًى خطأٍ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الأخطاء التي كانت تنوف على ثمانين خطأ، كما أثبتنا أخطاءَ تلك الأخطاء، وكان أحد إخوانكم الذي تعرض أكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجونًا وقد شاهد طفلةً صغيرة من خلال نافذة السجن، فسأل عنها، فقيل له: إنها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لأجل تلك الطفلة البريئة المسكينة، ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي ألقاها علينا المدعي العام انقلبتْ إلى رحمة، نظرًا لأنها أصبحتْ وسيلةً لنشرِ رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.

إخواني.. ربما أموت قريبًا، فإن لهذا العصر مرضًا داهمًا، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاءُ قضاءِ حياةٍ جميلةٍ في ظلِّ مباهجِ وزخارفِ المدنيَّة الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة.

إن أول درسٍ من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. وللّٰه الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية.

وحتى قد أُخفِتَ صوتٌ لأحد طلاب النور -وهو الضعيفُ المسكين- من قِبَل الرحمة الإلهية عندما أصبح أعداؤه أصدقاءَ له وكثُر الخطاب معه، ويتألم من أنظار مَن ينظر إليه بنظرِ تقديرٍ واستحسان، إضافةً إلى أنه يتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات، فسُئل عنه “ما حالك؟ فما دام لك أصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذا لا تحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم إياك؟”.

فأجاب قائلًا: ما دام الإخلاصُ التامُّ هو مسلكَنا، فبمقتضى الإخلاص التام لا بد من التضحية والفداء ليس بالأنانية فحسب، بل لو منحت سلطنةُ الدنيا لوجب تفضيل مسألة إيمانيةٍ واحدةٍ باقيةٍ على تلك السلطنة، لذا فقد فَضَّل نكتةٍ دقيقةٍ قرآنيةٍ في آية واحدة أو في حرف منها في الحرب، وفي الخط الأمامي بين قنابل مدافع الأعداء، فأمر طالبه المسمى بـ”حبيب”: أن “أخرِج الدفتر” أملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده، أي إنه لم يترك حرفًا واحدًا ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء، بل فضلها على إنقاذ حياته.

فسألنا ذلك الأخ: “من أين تلقيت هذا الإخلاص العجيب”، فقال: من نقطتين:

الأولى: إن في غزوة بدر التي هي من أعظم الغزوات الإسلامية، وَضع قسم من المجاهدين أسلحتهم ووقفوا لأداء الصلاة جماعة، بينما القسم الآخر وقفوا مسلحين حذرين، ثم التحقوا بالصلاة كسبًا لثواب الجماعة كما أمر به رسول اللّٰه ﷺ، فما دامت هذه الرخصة موجودة في الحرب، وما دام ثواب الجماعة رَغم كونه سنةً قد فُضِّل على أكبر حادثةٍ في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية، فنحن نستلهم من الرسول الأعظم ﷺ هذه النكتة الصغيرة ونَتبعها بروحنا وأنفسنا.

الثانية: إن الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه قد طلب من اللّٰه سبحانه وتعالى في أماكن كثيرة من قصيدته “البديعية” ولا سيما في أواخرها حاميًا يحميه كي لا تطرأ الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة، فطلب من الرب الجليل عفريتًا من الجن ليحميه من أعدائه الكثيرين خشية أن يصيب خلل في خشوعه في الصلاة بتفكير هجوم أعدائه.

إن أخاكم هذا المسكين الضعيف الذي قضى صفوةَ عمره في الأنانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد الكونين الذي هو سببُ خلْق الأفلاك، ومِن الذي هو أسد الإسلام.. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكينُ الضعيف أهميةً لأسرار القرآن، ولم يُعِرْ سمعًا لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبيَّن نكتةً واحدة فقط من حرفٍ واحدٍ من القرآن الكريم”.

سعيد النورسي

❀   ❀   ❀

دعاء الختام

﴿بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم﴾

﴿يَا اَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ﴾

بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجِز البيان، وبكرامة الرسول الأعظم ﷺ، أَدخِل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين.

ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا وأبدًا.. آمين.

واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنةٍ لكل حرف من حروف كتاب “الملاحق”.. آمين.

وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين.

يا أرحم الراحمين.. آتِ جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين.

واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين.

واعفُ عن ذنوبِ هذا العبد العاجز الضعيف سعيد.. آمين.

باسم جميع طلاب النور

سعيد النورسي

❀   ❀   ❀

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى