مختصر ملحق أميرداغ الثاني 2/3
[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 2/3]
تأليف
بديع الزمان سعيد النُّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
❀ ❀ ❀
﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾
النظر إلى المخلوقات
(النظر إلى المخلوقات)
حاشية لرسالة مفتاح عالَم النور
في سَفرةٍ بالسيارة ذات يوم، مع طالبَين نوريين جامعيَّين، كنا نستمع من راديو السيارة الذي لا يرتبط بأي اتصال سلكي، إلى احتفالٍ بالمولد النبوي شريفٍ مُقام في مكان بعيد، قلت لذَينك الجامعيين:
إن الدليل على أن تجلي القدرة الإلهية تَظهر في “النور” تجليًا بديهيًّا دون حجاب -كتجلي الحياة والوجود- هو أن الهواء الموجود في هذا الجهاز الصغير، والذي لا يتجاوز حجمُه ظُفْرَ الإنسان، هذا الهواء القليل جدًّا والنور المعنويَّ الضئيل جدًّا لا يستمع إلى الكلمات القادمة من هذا المولد النبوي ثم يقولها، وإنما أيضًا يستمع إلى أُلوف الكلمات ويُسمعنا جميعَ الكلمات التي تبثها ألوفُ إذاعاتِ العالم، ونسمَعُها بمثل ما نسمع هذا المولد النبوي بوضوح.. بمعنى أن أصغر موجودٍ جزئيٍّ يصبح أكبر كُلِّي!
ثم إن هذا الهواء القليل جدًّا يُنجِز من الوظائف بقدر ما ينجزه الهواء المحيط بالكرة الأرضية، أي يَكبرُ أصغرُ جزئيٍّ بكُبْرِ الكرة الهوائية المحيطة… فلو لم يُسنَد هذا الأمر إلى تجلي القدرة الإلهية لنتجت خرافةٌ عجيبةٌ تَحمل من المتناقضات ما لا يسعه خيال، إذ إن انقلاب الشيء إلى ضده محال، فكيف يُصبح هذا الجزئي -الذي هو صغير بألوف الدرجات- كليًّا بألوف المرات؟ وكيف يصبح هذا الجامد العاجز الذي لا يشعر بشيء مقتدرًا وذا شعور وإدراك وإرادة؟
فهذه خرافة تحمل مئات الخرافات والمتناقضات التي لا مثيل لها.
بمعنى أن الأمر إنما هو بتجلي القدرة الإلهية بالبداهة، والذي يمثل ذلك التجلي الواسع في الهواء عامة يبيّنه معنى الحديثِ الشريف: “إن للّٰه ملكًا، له أربعون ألف رأس، في كل رأسٍ أربعون ألف لسان، يسبح أربعين ألف تسبيحة بكل لسان”1﴿[٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦؛ أبو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٤٠٢؛ المناوي، فيض القدير ٢/٨٢.﴾؛ بمعنى أنه يسبِّح أربعًا وستين تريلون تسبيحة في اللحظة نفسها.
أي إن الهواء المحيط بالأرض كهذا الملك، أي يكتب على صحيفة الهواء كلَّ كلمة طيبة بعدد تسبيحات هذا الملك.
يقول الهواء المحيط: إن هذا الحديث ينبئ عني وعن الملَك الذي يُشْرِف على أعمالي، لأنه ضمن كلمات الإنسان كلِّها والأصوات الأخرى التي لا تحد تَرِدُ هذه الكلماتُ الطيبة بحروفها دون أي التباسٍ مع أنها تختلط مع بعضها، وبنبرات المتكلم بها، وبصوته المتميز، فليس في الإمكان قطعًا إحالة هذا العمل الذي يتم بشعور كلي كامل -هو وظيفةُ ذرةٍ واحدةٍ مني- إليّ ولا إلى أي سبب من الأسباب.
أي إنه تجلي القدرة الأزلية التي تضم إرادة شاملة لكل شيء وعلمًا محيطًا بكل شيء ليس إلّا، ذلك التجلي العام الشامل لكل شيء، الحاضر والناظر بتجلي الأحدية في كل مكان.
والشهود على هذا يربون على الملايين، أحد أولئك الشهود: الراديو.
إن مضمون ما جاء في الكلمة الثالثة عشرة، لدى المقارنة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان هو الآتي:
إن الفلسفة التي تَوصَّل إليها الإنسان تَحجُب معجزاتِ القدرة الإلهية وخوارقَ رحمته تعالى بستار العاديَّات، فلا ترى دلائلَ الوحدانية المضمرةَ تحت تلك العاديَّات وتلك النعم الجليلة، ولا تبيِّنها ولا تدل عليها، بينما إذا ما رأت ما هو خارج عن العادة من جزئيات خاصة، تتوجه إليه وتهتم به.
فمثلًا: إنها لا ترى معجزة القدرة الإلهية في خلق الإنسان السوي ولا تهتم به، بينما تَجلب الأنظار بحيرة واستغراب إلى الإنسان ذي الرأسين أو ذي ثلاثة أرجلٍ الخارجِ عن القاعدة، فهي تخبِّئ معجزاتِ القدرةِ الكليةَ العامة تحت ستار العادة، في حين أنها تجعل المواد الجزئية الخارجة عن القانون النائية عن طائفتها مدارَ عبرةٍ وتأمُّل!
ومثلًا: إنها لا ترى المعجزات في إعاشة صغار الإنسان والحيوانات، بل تَعدُّها أمرًا عاديًّا فلا تُعير لها بالًا، ولكن حشرةً نأت عن طائفتها وانعزلت عن أمتها وظلت في قعر البحر ومُدَّت إليها يدُ المعونة بورقة خضراء، وأَخذت تتغذى عليها، أدمعت عيونَ صيادي الأسماك على الحادث هذا، وأعلنوا عنها ببهاء حتى ذكرتها إحدى صحف أمريكا في حينه.
بينما في أصغر حيوان هناك ألوفُ ألوفِ المعجزات أمثال هذه للأرزاق، إذ تتدفق الأثداء بسائل الحياة للصغار، بيد أن الفلسفة البشرية لا ترى تلك المعجزة، معجزة الرحمة والإحسان الإلهي كي تشكر ربها وتؤمن بالرحمن وتقابله بالشكر.
وهكذا فالحكمة القرآنية تمزّق ذلك الحجاب، حجابَ العاديّات المضروبَ على المخلوقات، وترشد البشرية إلى تلك المعجزات الكلية والنعم التي يسبغها اللّٰه سبحانه على الكائنات قاطبة، فتَعرِف ربها وتسوق الجميع إلى العبودية المكللة بالشكر للّٰه تعالى.
وهكذا فإن أعجب خطأ وأغربَه مما تقترفه الفلسفة البشرية هو: أن الإنسان الذي لا تفي إرادتُه واختيارُه الجزئي لفعل جزئي ظاهري جدًّا، وهو “التكلم”، ولا يقدر على إيجاده، وإنما يدفع الهواء إلى مواضع مخارج الحروف، واللّٰه سبحانه هو الذي يخلق الكلمات بناء على هذا الكسب الجزئي، ويكتبه بألوف ألوف النسخ في الهواء.
فعلى الرغم من قِصَر يدِ الإنسان عن الإيجاد إلى هذا الحد، فإن إعطاءَ اسم “إيجاد الإنسان” على معجزةِ قدرةٍ إلهيةٍ كلية تعجز جميعُ الأسباب، أسبابُ الكون، دونها خطأٌ جسيمٌ وأيّ خطأ.. يدرك ذلك كلُّ من له ذرةٌ من شعور.
ومثال ذلك هو أن رجلًا عاجزًا جعل قانونًا إلهيًّا -يضم مائة ألف من الخوارق- وسيلةً لاستفادة البشر، بكشفه الراديو، بإلهامٍ إلهي، أي بنوعٍ من استجابة دعاء الإنسان الفعلي، كم يكون خطأً قول الإنسان: نعم، إن الراديو قد أوجدَه المخترع الفلاني، وهو الذي أوجدَ القوة الكهربائية! وهناك آخرون يسعون لإيجاد مادة لقراءة ما في دماغ الإنسان!
نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق العالم دار ضيافة تليق بالإنسان، وهيأ له فيها كل ما يحتاجه ويلزمه.. وكنوعٍ من متطلبات الضيافة يسلِّم إلى يده -في بعض الأزمان والعصور- نِعمًا ظلتْ مخفية عنه، وذلك نتيجة دعائه الفعلي الذي هو البحثُ عن الحقائق والتحري عنها، المتولدُ من تلاحق الأفكار.
فبينما يجب على الإنسان أن يشكر ربه تجاه هذه النعم، إذا به يرتكب كفرانًا عظيمًا فينسى أنها منه تعالى، وينظر إليها من إيجاد إنسان اعتيادي عاجز، ويُسندها إلى مهارته بل يُنسي الآخرين كذلك تلك الخوارقَ الناشئة من إحسانٍ عميم يُغدَق بعلمٍ وإرادةٍ ورحمةٍ وشعور، حيث لا يُظهر إلّا سببًا ومشهدًا منه، ويفوّض أمره إلى المصادفة العشواء والطبيعة والمواد الجامدة، وما هذا إلّا فتحٌ لبابِ الجهل المطلق المنافي للإنسان المكرَّم المخلوق في أحسن تقويم.
لذا يَلزم النظر إلى المخلوقات بالنظر الحرفي لا الاسمي، وفق دستورِ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ
وذلك لأجل أن يسمو الإنسان إلى مستوى الإنسان حقًّا.
﴿سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾
❀ ❀ ❀
تحليل سيرة ذاتية
(تحليل سيرة ذاتية)
﴿باسمه سبحانه﴾
إخوتي الصديقين الأعزاء..
أولًا: نبارك لكم يوم المولد النبوي الشريف، ونبارك توفيقكم في أعمالكم ونبشركم بانتشار رسائل النور انتشارًا مؤثرًا في الأوساط بما هو فوق المعتاد، ونهنئ جميع طلاب النور.
ثانيًا: في هذه الليلة المباركة خطرَ على قلبي خاطرٌ قوي وهو أنه لمناسبة ما كتبه الطلاب الجامعيون في إسطنبول من خوارق عن حياة سعيد القديم وسعيد الجديد في كتاب “تاريخ حياة”، تولّد لدى القراء رأيان، ونشأت فكرتان، هما:
الأول: لقد حصل حسن ظن مُفْرط لدى الأصدقاء -كما يحصل في الولاية- بما يفوق حدّي بكثير.
الثاني: حصل ظن وشبهة بما هو خارجَ طوقي بألف مرة لدى المعارضين وأهل الفلسفة، إذ ظنوا وجود دهاءٍ خارقٍ جدًّا، بل حتى تولّد لدى البعض منهم توهم وجود سحر قوي.
ولقد سُئلتُ في أماكن كثيرة أسئلة تدور حول هذا المعنى، وطلبوا مني جليةَ الأمر ماديًّا ومعنويًّا، وأنا بدوري اضطررت إلى بيانِ حقيقةٍ ذات مقدماتٍ كثيرةٍ لورود ذلك الخاطر في هذه الليلة.
المقدمة الأولى: إن بذرة شجرة الصنوبر التي هي بحجم حبة الحنطة تكون منشأ لشجرة صنوبر ضخمة، فالقدرة الإلهية تَخلق تلك الشجرة العجيبة من تلك البذرة، وقد لا توجد للبذرة إلّا حصةٌ واحدةٌ من مليون حصة من الخلق، حيث سَطَّر فيها قلمُ القدَر فهرسًا معنويًّا لتلك الشجرة.. فلو لم يُسنَد الأمر إلى القدرة الإلهية لَلَزِم وجود مصانعَ تَسَعُ مدينةً كاملة كي تتكون تلك الشجرة العجيبة بأغصانها المتشعبة.
وهكذا فإن إحدى دلائل عظمة اللّٰه وقدرته سبحانه هو أنه يخلق من شيءٍ صغيرٍ جدًّا كالذرة، أشياءَ عظيمة عظمة الجبال.
وهكذا بمثل هذا المثال أُعلنُ باقتناعٍ تامٍّ وبخالص نيتي ولا أتكلف التواضعَ ونكرانَ الذات فأقول:
إن خدماتي وأحداث حياتي قد أصبحت في حكم بذرة، لكي تكون مبدأً لخدمة إيمانية جليلة، قد منَحت العنايةُ الإلهيةُ منها في هذا الزمان شجرةً مثمرة برسائل النور النابعة من القرآن الكريم.
فأُقسم لكم لتطمئنوا فأقول: إنني ما كنت أجد في نفسي قابلية ولا مزيّة ولا أهليّة فائقة لتلك الخوارق التي مرت في حياتي، لذا كنت أتقلب في حيرة، بل ما أجد في نفسي كفاءة لتدبير أمورها وارتباطها بعلاقاتٍ بالمجتمع، فكيف لها بدهاءٍ خارقٍ وولايةٍ خارقة؟
نعم، لقد ظهرت حالاتٌ جَلبتْ الأنظارَ إليّ، ولكنها كانت خارجة عن إرادتي واختياري، حتى بدت كأنها نوعٌ من جلب الإعجاب، وما كانت إلّا من قبيل عدمِ تكذيبِ حسنِ الظن الذي كان يحمله الناس نحوي.
ولكن لما كنت أجهل الحكمة في عدم كوني في الحقيقة على ما يظنه الناس بي، ولا أفيد شيئًا للدنيا، وها قد أصبحتُ موضع توجه الناس بما يفوقني بألف مرتبة ومرتبة، لذا كنت أتلقى هذا الأمر باعتباره خلافًا للحقيقة كليًّا.
ولكن بفضل اللّٰه وكرمه، وألف حمد وشكر له، إذ قد أنعم عليّ فهمَ شيء من حكمة ذلك الأمر، في أواخر أيامي بعد قضاء ما يقرب من ثمانين سنة من العمر.
وسأشير إلى شيء منها، وها أنا أبين قسمًا من عديد نماذجها:
المثال الأول: إنه حسب الطرق المتبعة في المدارس الدينية ينبغي دراسة العلوم الشرعية مدة خمس عشرة سنة -في الأقل- كي تحرز الحقائق الدينية والعلوم الإسلامية.
ففي ذلك الوقت لم يَبْدُ على سعيدٍ ذكاءٌ خارقٌ أو قوةٌ معنويةٌ وحدَها، بل ظهرتْ عليه أيضًا حالةٌ عجيبةٌ كانت خارجة عن نطاق استعداده وقابلياته كلها، بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادئ الصرف والنحو خلال سنة أو سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه أكمل قراءة ما يقرب من خمسين كتابًا خلال ثلاثة أشهر، وقد استوعبها وأُجيز عليها وتَسَلَّم الشهادة بإكمالها.
هذه الحالةُ أظهرتْ بعد ستين سنة بوضوح: أن تفسيرًا للقرآن الكريم سيَظهر ويناول القارئَ في فترة قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر العلومَ الإيمانية، وأن ذلك الضعيف “سعيد” سيكون عاملًا له وفي خدمته، ومن جراء ذلك الوضع تَخْطُر على البال معانٍ كأنها إشارات غيبية بأنه سيأتي زمانٌ تضمحل فيه المدارس الدينية، لا يمكن نَيل العلوم الإسلامية في خمس عشرة سنة بل حتى في سنة واحدة.
الأنموذج الثاني: إن مناظرةَ “سعيد” في ذلك الزمن البعيد لعلماءَ أجلاءَ وهو بعدُ في فترة الصِّبا، وإجابتَه عن أسئلتهم الغامضة -من دون أن يَسأل أحدًا- إجابةً صائبة رغم كونها في أعقد المسائل، هذه الحالة التي ظهرت، أعترف اعترافًا قاطعًا، وأعتقد جازمًا أنها ليست ناشئة من حدة ذكائي، ولا من خارق استعدادي قط؛ فأنا الذي كنت صبيًّا صغيرًا، مبتلًى بأمور كثيرة، مبتدِئًا بعدُ في العلوم، سارحَ الفكر، ومثيرًا للمناقشات، فما كان في طوقي قطعًا الإجابةُ على أسئلةِ علماءَ أفذاذ، بل كنت أُغلَب في مناقشات صغار العلماء وصغار طلاب العلم.
لذا فأنا على اقتناعٍ تامٍّ بأن إجاباتي الصائبة تلك، ليست ناشئة من استعدادي ولا من ذكائي، فلقد كنت طوال السنوات السبعين الماضية في حيرةٍ من هذا الأمر، ولكن الآن -بفضل اللّٰه وإحسانه- فهمتُ حكمةً منها، وهي أنه ستُمنح شجرةٌ طيبة لعلوم المدارس الدينية التي هي بمثابة بذرة العلوم وسيكون لخادم تلك الشجرة حسّاد ومعارضون كثيرون.
وهكذا فإن قيام أصحاب المشارب والمسالك المختلفة بين المسلمين في هذا الزمان بانتقاد عمل خدام تلك الشجرة (شجرةِ النور)، ولا سيما من علماء الدين، سواءٌ بسبب المنافسة أو بسبب اختلاف المشارب، فضلًا عما تثير رسائل النور كثيرًا من عِرق علماء الدين، كما كان دأب أهل السنة والمعتزلةِ سابقًا في دحض بعضهم بعضًا ونشرِ مؤلفاتٍ في تفنيد آراء الآخرين والظهور عليهم.. أقول: بينما كان الأمر لا بد أن يؤول إلى هذا، أراد اللّٰه سبحانه أن يجري الأمر على خلاف تلك العادة المتبعة منذ القدم، فألْفُ شكرٍ وشكر للّٰه سبحانه.
وأنا على اعتقاد جازم أن سبب عدم تأليفهم أيّ كتاب لنقد رسائل النور أو الاعتراض عليها إنما هو إجابةُ سعيد الصغير إجابة صائبة على علماء عظام في ذلك الوقت؛ إذ تلك الإجابات السديدة قد فتَّت في عضد شجاعتهم وجُرْأتهم، حتى إنهم لم يتصدوا لرسائل النور ولم يعارضوها رغم مخالفتهم لها مشربًا، ورغم ما يحملون من روح المنافسة والغيرة العلميتين.
لذا اقتنعتُ اقتناعًا تامًّا أن هذه هي حكمة واحدة لعدم قيام العلماء بالاعتراض على الرسائل، إذ لو بدأ الاعتراضُ لكان أعداؤنا المتسترون والملحدون ومن يوالونهم يتخذون ذلك الاعتراض ذريعة مهمة جدًّا لتهوين شأن رسائل النور وعلماء الدين معًا، فالحمد للّٰه حمدًا لا حدّ له: لم يقاوِم رسائلَ النور حتى أولئك العلماءُ الرسميون الذين تعرضت لهم الرسائل كثيرًا.
الأنموذج الثالث: على الرغم من أن سعيدًا القديم كان فقير الحال منذ أيام طفولته، كما أن والده كان فقير الحال كذلك، فإن عدم قبوله الصدقات والهدايا من الآخرين، بل عدمَ استطاعته قبولها إلا بمقابل، رغم حاجته الشديدة جدًّا، وعدمَ ذهاب “سعيد” قط في أي وقتٍ من الأوقات لأخذ الأرزاق من الناس، وعدمَ قبوله الزكاة من أحد -عن علم- كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهلين وتُسَد مصاريفُهم من أموال الزكاة.. أقول -وإني على قناعة تامة الآن- حكمةُ هذا الأمر هي: عدمُ جعل رسائل النور -التي هي خدمة سامية خالصة للإيمان والآخرة- في آخر أيامي وسيلة لمغانم الدنيا، وعدم جعلها ذريعة لجرّ المنافع الشخصية.
فلأجل هذه الحكمة أُعطيتُ هذه الحالة، حالةُ النفور من تلك العادة المقبولة وتلك السجيةِ غير المضرة، والهروب منها، وعدم فتح يد المسألة من الناس، فرضيتُ بالعيش الكَفاف وشدة الفقر والضنك، وذلك لئلا يَفسد الإخلاصُ الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية لرسائل النور.
وأشعر كذلك أن في هذا الأمر إشارة فيها مغزى، بأن هذه الحاجة هي التي ستدفع أهل العلم في الأزمان الآتية إلى الانهماك بهموم العيش حتى يُغلَبوا على أمرهم.
الأنموذج الرابع: بينما كان سعيد الجديد يجهد في أن يجنّب نفسَه أيام شيخوخته عن السياسة وأمرِ الدنيا كليًّا، فإن أهل الدنيا خلافًا لكل القوانين والأعراف والإنصاف والوجدان بل خلافًا للإنسانية، أنزلوا به أقسى ضربات الظلم الشنيع طوال ثمان وعشرين سنة، فقاسى ذلك الضعيفُ سعيدٌ أمَرَّ العذاب، وتَحمَّل أشدَّ العنت منهم، مع أنه ما كان يتحمل أذى الذباب، وذلك بما وَهب له سبحانه من الصبر العظيم والتحمل الذي لا مثيل له لأذى الإهانات الشنيعة.
وعلى الرغم من مزاجه العصبي ورهافة حسه، وعدم التخوف في فطرته، والجرأةِ التي يحملها من إيمانه بحقيقةِ أن الأجل واحد لا يتغير، فإن صبره وسكوته في حالة في غاية من المسكنة والخوف، بل مَنْحَ الفرح والانشراح لروحه بعد معاناته تلك الأنواع من التعذيب والإهانات.. أقول: إن حكمة واحدة من هذا الأمر هي الآتية كما اقتنعتُ بها قناعة تامة:
عدمُ جعل رسائل النور -التي تفسّر حقائق القرآن الحكيم الإيمانية- وسيلةً لأي شيء كان عدا مرضاة اللّٰه؛ إذ قد أشاع أهلُ السياسة شبهة استغلال “سعيد” الدينَ لأجل السياسة، فعُذّب سعيد وسجن، لئلا يكون الدينُ وسيلة للسياسة؛ ولكن القدر الإلهي لطمَ سعيدًا لطماتِ رأفةٍ وشفقةٍ من تحت ستار ذلك الحُكم الظالم لأهل السياسة، لئلا يَفسُد الإخلاص الذي استلهمه من رسائل النور، قائلًا له:
“إياك أن تجعل رسائل النور -التي هي تفسير لحقائق الإيمان- وسيلةً لجرِّ منافعك الشخصية، بل حتى لكمالاتك المعنوية، واحذر أن تجعلها ذريعة للخلاص من البلايا والأذى والأضرار، وذلك لكي يبقى الإخلاص الحقيقي-الذي هو القوة العظمى لرسائل النور- مصونًا من الخلل”.
فأنا مقتنع الآن قناعة تامة أن تلك اللطمات كانت لطمات رأفة نزلت بيّ من القدر الإلهي، بل اطمأننت تمامًا أنه متى ما انصرفتُ لشؤون آخرتي وحدَها، وانشغلت بعباداتي الشخصية وحدَها، تاركًا خدماتي لرسائل النور، في هذا الوقت بالذات، يتسلّط عليّ أهلُ الدنيا فيذيقوني العذاب والآلام.
أُحيل إيضاح هذا الأنموذج الرابع إلى الرسالة الأخيرة (الحقيقة هي التي تتكلم) التي تخص بيانَ السبب في إلقاء أهل السياسة سعيدًا في السجون والمعتقلات منعًا لاستغلال الدين في أمور السياسة، ومعرفة سعيد بعد ذلك حكمةَ الأمر بأنها لطمات قدر إلهي رؤوف، وصفحه عنهم بعد ذلك؛ وكذا معرفته حكمة الصبر الشديد والتحمل الشديد الذي وهبه اللّٰه له.
الأنموذج الخامس: إن هذا المسكين سعيدًا، برغم حاجته الشديدة إلى الكتابة وجَودة الخط، وانشغاله بها منذ سبعين سنة، واضطراره إلى تصحيح مئتي صفحة في اليوم الواحد أحيانًا، لا يملك من الخط ما يتعلمه طفل ذكي في العاشر من العمر في عشرة أيام. هذا الأمر محيِّر حقًّا، إذ لم يكن سعيد محرومًا من القابليات كليًّا، فضلًا عن أن أشقاءه يجيدون الخط وحسن الكتابة.
فأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن حكمة بقائي نصف أُمّي برداءةِ الخط وأنا في أشد الحاجة إليه هي أنه سيأتي زمان لا يمكن للقدرات والقوى الشخصية والجزئية أن تقاوِم وتَصُدّ هجوم أعداء رهيبين، فيبحث “سعيد” بحثًا حثيثًا عن الذين يملكون خطًّا جيدًا ليشركهم في خدمته فيشكلون معًا آلاف الأقلام التي تحوّل تلك الخدمة الشخصية الجزئية إلى خدمة كلية عامة قوية، إذ يجتمعون حول تلك البذرة، بذرةِ النور، اجتماعَ الماء والهواء والنور، ويمدّون تلك الشجرة المعنوية بالعون؛ ففضلًا عن هذه الحكمة، فإن إذابة أنانيته في حوض الجماعة المبارك كإذابة قالب الثلج نَيلًا للإخلاص الحقيقي، حكمةٌ أخرى تدفع لخدمة الإيمان.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
لا ذنب في رسائل النور
(لا ذنب في رسائل النور)
إخوتي الأعزاء الصادقين..
نهنئكم من صميم أرواحنا وأعماق قلوبنا بحلول العيد السعيد، وستدركون بإذن اللّٰه عيدًا يعُمُّ العالم الإسلامي كله ذات يوم.
إن هناك أمارات كثيرة تبين أن القرآن الحكيم الذي هو منبع جميع القوانين السامية للجماهير المتحدة الإسلامية، سيكون مهيمنًا في المستقبل، وسيأتي ذلك اليوم بإذن اللّٰه، ذلك العيد الحق للمسلمين جميعًا، بل البشرية قاطبة.
ثانيًا: مما لا ريب فيه أن رسائل النور وطلابها تحت العناية الإلهية وحفظها، إذ رغم الظروف الدقيقة في هذه المرحلة، ورغم القوانين الاعتباطية، ورغم العناد الشديد، وطوال هذه المدة المديدة، لم يتمكنوا أن يلحقوا الضرر بطلاب النور إلّا بنسبةِ واحدٍ في المائة.
فعلى الرغم من خططهم الرهيبة لإشغال ستمائة طالبٍ من طلاب النور النشطين بالمحاكم المتتالية، لم يتمكنوا إلّا على ستة من الطلاب، حتى لم تَجِد خمس وعشرون محكمة من محاكم العدل شيئًا ما في الألوف من رسائل النور وفى الألوف من طلاب النور -كما ذكره بطل النور- خلال تحقيقاتها المتوالية، بل الدليلُ القاطعُ على ذلك هو قول الكثير من دوائر العدل أنه: لا ذنب في رسائل النور ولا نجده فيها.
فضلًا عن أنني قد تكلمت في كلٍّ من محكمة إسطنبول وأفيون وأمثالها بما يناقض قوانينهم -التي يمكن استعمالها لأغراضٍ سيئة-، ولم يستطيعوا أن يُدِينوني.
علاوة على أن رسائل النور التي حطمت القوانين الجائرة للمدنية الأوروبية لم يجدوا فيها ذنبًا قط، مما يبين بوضوح أن حقائق رسائل النور قد حملت دوائرَ العدل على الإنصاف، بظهورها وتغلبها على معارضيها، فالعناية الإلهية تضم رسائلَ النور تحت جناحها، وكيف لا وهي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم، أما هجوم المعارضين والمخالفين عليها، فيكون بإذن اللّٰه وسيلةً لسطوع رسائل النور وسببًا لانتشارها.
❀ ❀ ❀
مع ضباط الأمن
(مع ضباط الأمن)
يقول أستاذنا:
لم يقابلني أحد من مسؤولي الحكومة خلال ثمان وعشرين سنة إلّا وضايقني، ما خلا ضباط الأمن (المباحث)، فإنهم لم يضايقوني قطعًا، فضلًا عن أن بعضهم تصرَّف معي تصرف مدافعٍ وحامٍ؛ والآن أوضح حكمة هذا التصرف منهم:
لقد تحقق أن رسائل النور وطلابها هم كأفرادِ أمنٍ معنويين، يحاولون الحفاظ على الأمن والنظام في البلاد عن عقيدةٍ، وقد نصبوا حارسًا في كلِّ قلبٍ مؤمن بإرشاداتهم ونصائحهم، وشعر ضباط الأمن بهذا شعورًا معنويًّا، فأظهروا لنا في كلِّ وقتٍ وجهَ الصداقة. وسر هذا هو الآتي: أن قانونًا أساسيًّا للقرآن الكريم هو: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى﴾، فيمنع القرآنُ بموجَبه محاولةَ الإخلال بالنظام، وذلك لئلا يتضرر تسعون بالمائة من الناس في أثناء القضاء على عشرة من الجُناة.
وبناءً على هذا السر الدقيق فإنه على الرغم من وجود قوًى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة، بل إن نشاطهم هنا أكثر مما في فرنسا ومصر والمغرب وإيران، لم يستطيعوا الإخلال بالأمن، وما سبب ذلك إلّا ستمائة ألفٍ من نُسَخ رسائل النور، وخمسمائة ألف طالبٍ من طلابها، وقد أصبحوا كقوةٍ معنويةٍ ساندةٍ للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة.
فضباط الأمن شعروا بهذا، لذا يُبدون حالاتٍ تتسم بالرحمة والإنصاف والشفقة على رسائل النور، خلافًا للموظفين الرسميين منذ ثمان وعشرين سنة.
ويقول أستاذنا أيضًا: إنني أقول: إن على أفراد الأمن أن يكونوا أصحاب تقوى ودين، فيؤدوا الفرائض ويجنّبوا أنفسهم الخطايا والذنوب، أكثرَ من العلماء بل من المتصوفة، وهذا ما تقتضيه مُهمَّتهم وواجبُهم نظرًا للحاجة الشديدة، وذلك ليؤدوا وظائفَهم في سبيل استتباب الأمن والنظام حق الأداء، تجاه الدمار الرهيب الذي يحدثه المخربون المعنويون.
طلاب النور
الذين في صحبته
❀ ❀ ❀
الحقيقة هي التي تتكلم
(الحقيقة هي التي تتكلم)
لقد أثبتتْ رسائلُ النور أنه قد تنبثق عدالةٌ من بين طيات الظلم، أي قد يتعرض أحدهم إلى الظلم وإلى الحيف فتصيبه نكبة، وقد يُحكَم عليه بالحبس ويُرمى به في غياهب السجون.. لا شك أن مثل هذا الحكم ظلم واضح، ولكنه قد يكون سببًا لتجلي العدالة وظهورها، ذلك لأن القدر الإلهي قد يَستخدم الظالم لتوجيه العقوبة إلى شخصٍ استحقها بسببٍ آخر، وهذا نوعٌ من أنواع تجلي العدالة الإلهية.
وأنا الآن أفكر.. لِمَ أُساقُ من محكمةٍ إلى محكمة، ومن ولايةٍ إلى ولاية، ومن مدينةٍ إلى أخرى طوال ثمانيةٍ وعشرين عامًا؟ وما التهمة الموجَّهة إليّ من قِبَل من ارتضوا لأنفسهم معاملتي بكل هذا التعذيب الظالم؟ أليست هي تهمة استغلال الدين في سبيل السياسة؟ ولكن لِمَ لا يستطيعون إثبات ذلك؟ ذلك لأنه لا يوجد أيُّ شيءٍ من هذا القبيل في الحقيقة وفي الواقع.
فهذه محكمةٌ تقضي الشهور والسنوات في محاولة الحصول على أي دليل يدينني فلا تستطيع، وإذا بمحكمة أخرى تسوقني للتحقيق وللمحاكمة تحت التهمة نفسها، وتقضي بدورها مدةً في هذه المحاولة وفي الضغط عليّ، وتُعرّضني لأنواع شتى من التعذيب، وعندما لا تحصل على أية نتيجة تتركني، وإذا بمحكمة ثالثة تمسك بخناقي هذه المرة.. وهكذا أنتقل من مصيبةٍ إلى مصيبة، ومن نكبةٍ إلى أخرى.. لقد انقضى ثمان وعشرون سنة من عمري على هذا المنوال، وأخيرًا أيقنوا عدم وجود أي نصيب من الصحة للتهم المسندة إليَّ!!
وإني أتساءَل: سواء أكان ذلك قصدًا أو وهمًا فإنني أعلم علم اليقين عدم وجود أية علاقة لي بهذه التهمة، كما أن جميع أهل الإنصاف يعرفون بأنني لست بالرجل الذي يستغل الدين لغاية سياسية، بل إن الذين وجَّهوا إليّ هذه التهمة يعرفون ذلك في قرارة نفوسهم.
إذن فما السبب في إصرارهم على اقتراف هذا الظلم في حقي؟ ولماذا بقيتُ معرَّضًا على الدوام لهذا الظلم والتعذيب مع كوني بريئًا ودون أي ذنب؟ ولماذا لم أستطع التخلص من هذه المصائب؟ ألم تكن هذه الأحوال مخالفة للعدالة الإلهية؟
لقد بحثتُ عن أجوبةٍ لهذه الأسئلة خلال ربع قرن من الزمن فلم أُوفق في ذلك، ولكني الآن عرفتُ السببَ الحقيقي في قيامهم بظلمي وتعذيبي.. وأنا أقول وكلي أسف: إن ذنبي هو اتخاذي خدماتي القرآنية وسيلة للترقي المعنوي والكمالات الروحية؛ والآن بدأتُ أفهم هذا وأُحِسُّ به تمامًا، وأنا أشكر اللّٰه تعالى آلافَ المرات، لأنه طَوال سنواتٍ طويلةٍ وُضِعت موانعُ معنوية وقوية جدًّا خارج إرادتي لكي لا أَتخذ خدماتي الإيمانية وسيلةً للترقيات المادية والمعنوية، أو من أجل الخلاص من العذاب ومن جهنم، أو حتى من أجل سعادتي الأبدية أو من أجل أية غاية أخرى.
لقد أذهلتني هذه الأحاسيس الداخلية العميقة والخواطر الإلهامية، فبينما نرى أن كل فرد له الحق في اكتساب المقامات التي يعشقها، وفي نيل السعادة الأخروية عن طريق الأعمال الصالحة، هذا زيادة على أنه لا ينتج أي ضرر لأي أحد، ومع هذا فقد رأيت أنني أُمنع -روحيًّا وقلبيًّا- من هذه الأحوال ومن سلوك هذا الطريق، وجُعِل نصب عيني أن عليّ ألّا أهتم -بجانب الفوز بالرضى الإلهي- إلا بواجب خدمة الإيمان، ذلك لأن الزمن الحالي يحتاج إلى إعطاء نوع من الدرس القرآني الذي لا يكون في خدمة أي غرض آخر للذين لم يتوصلوا بفطرة العبودية الموجودة في أنفسهم إلى الحقائق الإيمانية التي هي فوق كل شيء، وإلى الذين هم بحاجةٍ إلى فهم هذه الحقائق وذلك بأسلوب مؤثر، بحيث يستطيع إنقاذ الإيمان في مثل دنيا الاضطراب هذه التي اختلطت فيها الأمور، ويستطيع إقناع كلِّ أحدٍ حتى المعاندين وبعث الطمأنينة في نفوسهم، وبذلك يستطيع قصم ظهر الكفر المطلق والضلال المتمرد والمعاند، وبذلك يهب القناعة الكاملة للجميع.
ولا تحصُل مثل هذه القناعة في الظروف الحالية إلّا عندما يكون الدين بعيدًا عن كونه وسيلة لأية غايةٍ شخصيةٍ أو دنيويةٍ أو أخروية، ماديةً كانت أو معنوية، وإذا لم يتحقق هذا فإن أي شخص كان مهما بلغ من المراتب المعنوية يقف عاجزًا تجاه التيار الرهيب -المتولد من المنظمات والجمعيات السرية- ضد الدين؛ لأنه لا يستطيع إزالة كل الشكوك والشبهات، ذلك لأن النفس الأمارة للشخص المعاند الذي يرغب في الدخول إلى حلقة الإيمان ستقول له: “إن ذلك الشخص زيَّن لنا هذا بدهائه وبمستواه الرفيع واستطاع بهذا إقناعنا”.. يقول هذا ويبقى الشك يساوره.
فللّٰه الشكر ألوفَ ألوفِ المرات، ففي طيِّ تهمة القيام باستغلال الدين في السياسة، قام القدَر الإلهي -الذي هو العدل المحض- طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنةً بمنعي من جعل الدين -دون علمي ودون إرادة مني- آلةً لأي غرض شخصي، وذلك باستخدام الأيدي الظالمة للبشر في توجيه الصفعات لي وفي تذكيري وتنبيهي.. هذه الصفعات التي كانت عدلًا محضًا وتحذرني قائلة: إياك إياك! أن تجعل الحقائق الإيمانية آلة لشخصك، وذلك لكي يعلم المحتاجون إلى الحقائق أن الحقائق وحدها هي التي تتكلم، ولكي لا تبقى هناك أوهام النفس ودسائس الشيطان، بل لتخرس وتصمت.
هذا هو سر تأثير رسائل النور في إشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسعة، وهذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئًا غيره، ومع أن هناك آلافًا من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل النور، لم تستطع إيقاف الكفر البواح، فإذ كانت رسائل النور قد وُفِّقت إلى حدٍّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سرَّ هذا النجاح.. ففي هذا الموضوع لا وجود لـ”سعيد”، ولا وجود لقابلية سعيد وقدرته، فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفسها.. نعم، الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث.
وما دامت رسائل النور تؤثِّر في القلوب العطشى إلى الإيمان وإلى نور الحقائق، إذن لا يُفدَى بسعيدٍ واحدٍ بل بألف “سعيد وسعيد”، وليكن كل ما قاسيته في غضون ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالًا زلالًا، أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا أن يوصموني بمختلف التهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات، فقد عفوت عنهم ذلك، وتنازلت عن حقوقي تجاههم.
وأقول للقدر العادل: إنني كنت مستحقًّا لصفعاتك العادلة، لأنني لو كنت قد سلكت مثل الآخرين طريقًا -هي بذاتها مشروعة ولا ضرر منها- فكرتُ فيها بشخصي، ولو لم أضحِّ بمشاعري في الفيوضات المادية والمعنوية، لفقدتُ هذه القوة المعنوية الكبيرة في أثناء تأدية خدماتي من أجل الحفاظ على الإيمان.
لقد ضحيتُ بكل شيء وتحملت كل أذى، وبذلك انتشرَت الحقائق الإيمانية في كل مكان، ونشأ مئات الآلاف -بل ربما الملايين- من طلاب مدرسة النور ونهلوا من معارفها، وهؤلاء هم الذين سيستمرون في هذه الطريق في خدمة الإيمان، ولن يحيدوا عن طريقتي في التضحية بكل شيء ماديًّا كان أو معنويًّا، إذ سيكون سعيهم للّٰه سبحانه وتعالى وحده دون غيره.
إن الكثيرين من طلابي قد ابتُلوا بشتى أنواع البلايا والمصائب، وتعرّضوا لصنوف العذاب والمتاعب، واجتازوا امتحانات عسيرة بفضل اللّٰه، إنني أطلب منهم أن يتجاوزوا -مثلي- عمن اقترف تلك المظالم وهضَم الحقوق، لأن أولئك قد ارتكبوا تلك الأمور عن جهل منهم، والذين آذونا وعذبونا، ساعدوا على نشر الحقائق الإيمانية دون أن يدركوا تجليات أسرار القدر الإلهي.. ووظيفتنا تجاه هؤلاء هي التمني لهم بالهداية.
أوصي طلابي ألّا يحمل أحد منهم شيئًا من روح الانتقام في قلبه ولو بمقدار ذرة، وأن يسعوا سعيًا جادًّا لنشر رسائل النور وليرتبطوا بها ارتباطا وثيقًا.
إنني مريض جدًّا.. لا طاقة لي لا في الكتابة ولا في الحديث.. وقد يكون هذا آخرَ أقوالي.. فعلى طلاب رسائل النور لمدرسة الزهراء ألّا ينسوا وصيتي هذه.
❀ ❀ ❀
رسالة إلى رئيس الوزراء
(رسالة إلى رئيس الوزراء)
إخوتي..
لقد أُخطِرت على قلبي حقيقةٌ في غاية الأهمية، أبيّنها لكم، وأضعها بين أيديكم، فإن ارتأيتم إبلاغها إلى رئيس الوزراء (عدنان مَنْدَرِس) والنواب المتدينين فافعلوا.
مقدمة:
إنني لما كنت قد تركت الساحة السياسية الواسعة منذ أربعين سنة وقضيت أكثر أيام حياتي منزويًا عن الناس، ولم أنهمك في الحياة الاجتماعية والسياسية، لم أستطع رؤية الخطر الداهم في الوقت الحاضر، ولكن في هذه الأيام شعرتُ أن الوسط مهيأ لنزول ذلك الخطر الجسيم والمصيبة الكبرى بالأمة الإسلامية وبهذه البلاد والحكومة الإسلامية.
فأبيّن ثلاث نقاط -خطرت على قلبي معنويًّا- لأولئك السياسيين الساعين لصالح الأمة الإسلامية وللاحتكام بالإسلام ولضمان سلامة البلاد، ويحاولون الحفاظ على المجتمع الإنساني.
النقطة الأولى: طرق سمعي منذ سنتين -رغم أني لا أستمع إلى الجرائد- الاتهامُ بالرجعية، فتأملتُ في الأمر بعقليةِ سعيدٍ القديم، وشاهدت أن أعداء الإسلام المتسترين الذين يجعلون السياسة أداةً للإلحاد، ويَجِدِّون لإرجاع البشرية إلى قانون الجاهلية الرهيبة متقنعين بقناعِ الدفاع عن الوطن والأمة.. هؤلاء يتهمون اتهامًا جائرًا غادرًا أهلَ الإسلام والغيارى على الدين بالرجعية، علمًا أن دافع الإسلام والغيرة على الدين يدفعهم إلى جعل السياسة أداةً طيّعةً للدين دون أن يجعلوا الإسلام أداة للسياسة، وإنما يقومون بهذا العمل ليُمدّوا هذه الحكومة بالقوة المعنوية للإسلام، وتصبح قوية راسخة بقوّةِ أربعمائة مليون من إخوانهم الحقيقيين الظهيرين لهم، لكي ينجوَ أهلُ السياسة الحاضرة من التسوّل لدى أبواب ظَلَمة أوروبا.
فهذا الاتهام المجحف يَصِم هؤلاء الغيارى بـ”الرجعية” ويُظهرهم بأنهم يضرون البلاد والعباد.. ألاَ إن هذا بهتان عظيم واتهام غادر لا حدود له.
هذا وإن هناك نوعين من الرجعية، كلٌّ منهما يستند إلى قانون أساس:
الأول: الرجعية الحقيقية، وهي رجعية سياسية اجتماعية، أصبح قانونها الأساس محورًا لكثير من المظالم والسيئات.
الثاني: هو أساس الرقي الحقيقي والعدالة الحقة، ولكن أُطلق عليه -ظلمًا- الرجعية.
النقطة الثانية: إن الذين يشنّون هجومَهم على الدين يريدون أن يرجعوا بالبشرية إلى عهود البداوة والجهل، بقانونٍ أساسٍ ودستور جارٍ لديهم، متسترين باسم المدنية، والذي يفني سعادةَ البشرية وراحتَها وعدالتها وسلامتها، فهم يريدون أن يَنْفُذوا هذا القانون في بلادنا المنكوبة، فيزرعون بذور الشقاق والاختلاف وبلبلة الأفكار بالتحزب وصولًا إلى مآرب شخصية وإشباعًا للحرص والعناد.
ذلك القانون هو: أنه يؤخذُ بجريرة شخص واحد جميعُ أفراد طائفته وجماعته وعشيرته، فكلهم مسؤولون ومُدانون. فالذنب الواحد يكون بحكم هذا القانون ألوفَ ألوفِ الذنوب والخطايا، مما يجعل الأُخوَّة والمحبة والمواطنة التي هي ركائز الاتفاق والاتحاد هباءً منثورًا.
نعم، إن القوى المعارضة والمعاندة عندما يجابه بعضُها بعضًا تُستهلك وتَضعف حتى تصبح بلا قوة، فلا تَقدر بعد ذلك على العمل للأمة والبلاد وفق العدالة، حيث إنها ضَعُفت وانهارت نتيجة المجابهة، لذا تضطر إلى دفع نوع من الرشاوى والإتاوات لجلب الملحدين إلى صفها، فتتشبث بذلك القانون الوحشي الجائر تجاه القانون العادل الحق والدستور السماوي المقدس وهو الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾، الذي يحقق المحبة والأخوة الصادقة، وينقذ الأمة الإسلامية وهذه البلادَ من المخاطر، فلا يكون أحد شريكًا في جناية ارتكبها آخر ولو كان أخاه وعشيرتَه وطائفتَه وحزبه، إلّا إذا مال إلى تلك الجناية، فيكون مسؤولًا عنها في الآخرة وليس في الدنيا.
فما لم يؤخذ هذا الدستور قانونًا أساسًا فإن المجتمع البشري سيتردى برجعيةٍ وحشيةٍ إلى أسفلِ سافلين مثل الدمار الفظيع الذي ولدّته الحربان العالميتان.
ألا ما أشقى أولئك الذين يُطلقون على هذا القانون -قانون القرآن العظيم- اسم الرجعية، ويرضون بقانونٍ وحشيٍّ جاهليٍّ، وينفّذونه في سياساتهم، ويجعلونه ركيزتهم في الإدارة، والذي يُضحَّى فيه بالفرد لأجل الجماعة، ولا تُؤخَذُ حقوقُ الأفراد بنظر الاعتبار لأجل سلامة الوطن، ولا يُكترَث للمظالم الجزئية لأجل سلامة سياسة الدولة، ويُدمَّر مدينةٌ كاملة وما فيها من مئات الألوف من الأبرياء بجريرة جانٍ واحد، ويجوِّز -هذا القانون- إعدامَ ألف شخص بجناية شخص واحد، ويفرض الضيق والعنت على أُلوف الأبرياء لجرح أصابَ شخصًا واحدًا.
وحسب هذه الحجة لا يُعبأ بإعدام مائتي شخص بالرصاص مثلما أُفني ثلاثون مليونًا من الأشخاص في الحرب العالمية الأولى للسياسة الخاطئة التي ارتكبها ثلاثةُ آلاف شخص، وقس على هذا المنوال أُلوف الأمثلة.
إن لطلاب القرآن وخدّامه إزاء هذه المظالم الفظيعة لهذه الرجعية الوحشية مئات من قوانين القرآن الأساسية من أمثال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ التي تحقق العدالة الحقة والاتحاد والأخوة.
فإطلاق الرجعية على أهل الإيمان الذين يحققون العدل والأخوة، واتهامُهم بذلك، يشبه تفضيلَ ظلمِ “يزيد” الملعون على عدالة “عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه”، وكترجيح محاكم التفتيش على عدالة القرآن الكريم العظيمة.
لذا ينبغي لأهل السياسة الذين يسعَون للحفاظ على سلامة هذه البلاد ولحكومتها الإسلامية أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار؛ وبخلافه فإن التيارات المعارِضة للحكومة وإصرارَها على المعارضة تنهك القوى، فلا تكفي تلك القوةُ الضعيفة لضمان مصالح البلاد وإرساء النظام، ولا تحافظ على كيانها ولو بالاستبداد.
وما هذا إلّا فسحُ المجال لبَذْرِ بذورِ الثورة الفرنسية في هذه البلاد، وهذا مما يستحق القلق عليه.
ما دامت تُعطي رشاوى من التنازلات المعنوية لأجل إقرار السياسة الأجنبية مقابل ما يقدمونه من مساعدات تافهة مؤقتة، بسبب ما نعانيه من الضعف الناشئ من الاختلاف، حتى غدت اللامبالاةُ تهيمن على أُخُوّةِ أربعمائة مليون من المسلمين، وعدمُ الاكتراث بمسلكِ مليارٍ من الأسلاف العظام، بل رأوا أنفسهم مضطرين إلى دفع مَبالغ ضخمة كمرتَّبات للموظفين لأجل عدم الإضرار بإدارة الدولة ونظام البلاد، من دون مراعاة لما يعانيه الناس من فقر مدقع.
إن ما يعطيه أربابُ السياسة الحاليون في هذه البلاد من رشاوى إلى الغرب وإلى الأجانب، ومن تنازلات سياسية ومعنوية: عليهم أن يعطُوا عشرة أمثالها بل ينبغي لهم أن يدفعوها لأجل إقرار أخوة أربعمائة مليون من المسلمين، والتي ستتشكل على صورة جمهوريات إسلامية متحدة، وذلك لأجل سلامة هذه البلاد والحفاظ على كيان هذه الأمة، وسوف يكون ذلك هدية ضرورية وإتاوة لا ضرر فيها.
فتلك الرشوة الواجبة، الجائزة، النافعة جدًّا، بل الضرورية المقبولة، هي اتخاذ الدساتير المقدسة منهجًا للعمل، تلك الدساتير التي هي أساس التعاون الإسلامي، وهي هدايا سماوية من القرآن الكريم توثِّق الرابطةَ بين المسلمين، بل هي قانونهم المقدس الأساس، وهي: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل اللّٰه جميعًا﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾.
ملاحظة: يرد في هذا الموضع من النص التركي “إفادة المرام” و”مقدمة سورة الفاتحة” من كتاب “إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز”، تُراجع في موضعها. – المترجم.
❀ ❀ ❀
لِمَ تركتَ السياسة بعد الاندفاع فيها؟
(لِمَ تركتَ السياسة بعد الاندفاع فيها؟)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا..﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين..
أولًا: بملء روحي ووجداني أهنئ أعيادكم المعنوية والمادية، السابقةَ منها واللاحقة، وأُبارك لياليكم المباركة الطيبة، وأسأل رحمة المولى القدير وأتضرع إليه تعالى أن يتقبل منكم طاعاتكم ودعواتكم المخلصة.
ثانيًا: لقد اضطررت إلى أن أجيب عن سؤالَيهم المهمَّين إجابةً خاصةً حيث يَرِدان من جهات كثيرة:
سؤالهم الأول: لقد كنتَ سابقًا وفي بداية عهد الحرية منهمكًا جدًّا في السياسة ومندفعًا إليها بحرارة؛ وها قد مرَّتْ أربعون سنة وقد تركتَ السياسة كليًّا، فلماذا؟
الجواب: إن القانون الأساسَ للسياسة البشرية هو: أنه يضحَّى بالأفراد من أجل سلامة الأمة، ويُفدى بالأشخاص حفاظًا على الجماعة، ويَرخَّص كل شيء في سبيل حماية الوطن.
فجميعُ الجرائم البشعة التي ارتُكِبت في البشرية إلى الآن إنما ارتُكِبت بالاستعمال السيء لهذه القاعدة ولهذا القانون الأساس، فلقد تيقنتُ من هذا يقينًا قاطعًا.
فهذا القانون البشري الأساس ليس له حدٌّ معين ولا ضوابط مخصصة، لذا فقد مهَّد السبيلَ للتلاعب باستعماله بكثرة.. إن الحربَين العالميتين قد نَشِبتا من سوء استعمال هذا القانون البَشري الأساس، فأبادت نهائيًّا ما توصلت إليه البشرية من رقيٍّ منذ ألف سنة، كما سمح هذا القانون بأخذ تسعين بريئًا بجريرةِ عشرةٍ من الجُناة، وأفتى بإبادتهم، كما سمح بتدمير قصَبةٍ كاملة لجريمةِ مجرم واحد، لأغراض شخصية مستترة تحت اسم المصلحة العامة.
ولما كانت “رسائل النور” قد وضَّحت هذه الحقيقة في كثير من أجزائها وفي “الدفاعات“، أحيل القارئ الكريم إليها.
وهكذا، ولقد وجدتُ عوضًا عن هذا القانون البشري الأساسِ الغادر، القانونَ الأساسَ للقرآن العظيم النازل من العرش الأعظم، وذلك في الآيتين الآتيتين: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، ﴿مَن قَتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قَتل الناسَ جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا﴾؛ فهاتان الآيتان تُعلِّمان القاعدة الجليلة الآتية: “لا يؤاخَذ أحدٌ بجريرةِ شخص آخر.
ثم “إن البريء لا يُضحَّى به -حتى من أجل جميع الناس- دون رضاه، ولكن لو ضحَّى بنفسه بإرادته وبرضاه فتلك مرتبة الشهادة”، هذه القاعدة الجليلة هي التي ترسي العدالة الحقة في البشرية، أُحيلُ تفاصيلها إلى رسائل النور.
سؤالهم الثاني: لقد كنتَ فيما مضى، في أثناء تَجوالك بين العشائر البدوية في شرقي الأناضول، تدعوهم إلى التحضر، وتحثهم بلهفة وشوق على التمدن والرقي في مجالات حياتهم، فلماذا انسللتَ -منذ نحو أربعين سنة- من المدنية الحاضرة، ووصفتَها بأنها دنيّة وليست مدنية، وجانبتَ الحياة الاجتماعية، وسحبتَ نفسك إلى العزلة والانزواء؟
الجواب: إن المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقًا مناقضًا لأسس دساتير السماء، وقيامِها بمناهضتها، فقد طفحَ كيلُ سيئاتها على حسناتها، وثقُلتْ كفةُ أضرارها على فوائدها؛ فلقد اضطرب أمنُ الناس واطمئنانهم، وأُقلِقوا وأَسِنتْ سعادتُهم الحقيقية، فاختل ما هو مطلوبٌ من المدنية ومقصودٌ منها، حيث قد حلَّت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محلَّ بوادر الاقتصاد والقناعة، واستُمرِئتْ ميولُ الكسل والدعة، وهُجرت مراعي السعي والعمل.
ولقد أَلبستْ هذه المدنيةُ البشريةَ المضطربةَ لباسَ الفقر المدقع، وكسَتها أثواب الكسل والتقاعس الرهيب.
واستنادًا إلى ما قامت به رسائلُ النور من إيضاح الدستور الذي يخاطب به القرآن الكريم في ندائه العُلوي: ﴿وكلوا واشرَبوا ولا تُسرفوا﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وأن ليسَ للإنسان إلّا ما سَعى﴾، فقد أشارت تلك الرسائل-مستضيئةً بنور الآيتين المذكورتين- إلى أن سعادة حياة البشرية منوطة بالاقتصاد وعدم الإسراف، وعلى إثارة الهمم للسعي والعمل والكدّ.. وأنه بهذين الشرطين يتم التآلف والوئام بين طبقتي البشرية: الخواص والعوام.
لذا سأتحدث عن مسألتين لطيفتين.. نكتتين قصيرتين، وهما الآتيتان:
أولاهما: كان البشر في عهد البداوة تَعوزهم ثلاثةُ أو أربعةُ أشياء، وكان اثنان من كل عشرةٍ أشخاص يعجزان عن تدارك تلك الأشياء الثلاثة أو الأربعة، بينما في الوقت الحاضر تحت سطوة المدنية الغربية المستبدة، المتميزةِ بإثارة سوء الاستعمال، والدفع إلى الإسراف، وتهييج الشهوات، وإدخال الحاجات والمطالب غير الضرورية في حكم المطالب والحاجات الضرورية؛ فقد أصبح الإنسان العصري من حيث حبُّ التقليد والإدمان: مفتقرًا إلى عشرين حاجة بدلًا من أربع منها ضروريةٍ، وقد لا يستطيع إلّا شخصان من كل عشرين شخصًا أن يلبّوا تلك الحاجات العشرين من مصدرٍ حلالٍ بشكل مباح، ويبقى الآخرون الثمانية عشر محتاجين وفقراء.
فهذه المدنية الحاضرة إذن تجعل الإنسان فقيرًا جدًّا ومُعْوِزًا دائمًا، ولقد ساقت البشريةَ -من جهة تلك الحاجة- إلى مزيدٍ من الكسب الحرام، وإلى ارتكاب أنواعٍ من الظلم والغَبْن، وشجَّعت طبقةَ العوام المساكين على الصراع والتخاصم المستمر مع الخواص، وذلك بهجرها القانونَ الأساسَ الذي سنَّه القرآنُ الكريمُ القاضي بوجوب الزكاة وتحريم الربا، والذي يُحقِّق بواسطتهما توقير العامة للخاصة، ويوفّر بهما شفقة الخاصة على العامة، فبهجرها ذلك القانون الأساس أَرغمت البرجوازيين على ظلم الفقراء وهضم حقوقهم، وأجبرت الفقراءَ على العصيان والتمرد في معاملتهم معهم، فدمّرت سعادة البشرية وراحتها وأمنَها واطمئنانها وجعلتها أثرًا بعد عين.
النكتة الثانية: إن ما أنجزته هذه المدنية الحاضرة من خوارق -في ساحة العلم- نِعَمٌ رِبانية تستدعي شكرًا خالصًا من الإنسان على ما أُنعِم عليه، وتقتضي منه كذلك استخدامًا ملائمًا لها لفائدة البشرية ومنفعتهم، بَيْدَ أننا نرى الآن خلاف ذلك؛ إذ يقود قسم مهم من تلك الخوارق الناسَ ويوردهم موارد الكسل والسفاهة.. إذ إنها تذكّي نارَ الأهواء النفسانية، وتثير كوامن النزعات الشهوانية، فتُقعِد الإنسان عن الكدّ والسعي، وتثنيه عن الشوق إلى العمل، وتسوقه -بعدم القناعة وعدم الاقتصاد- إلى السفاهة والإسراف والظلم وارتكاب المحرمات.
نُورد مثالًا على ذلك، مثلما ذكر في رسالة “مفتاح عالَم النور”:
الراديو نعمةٌ إلهية عظيمة على البشرية، فبينما تقتضي شكرًا معنويًّا منّا عليها، وذلك باستخدامها لمصلحة البشرية كافة، نرى أربعة أخماس استعمالاتها تُصرَف في إثارة الأهواء النفسانية، وإلى أمورٍ تافهةٍ لا تعني الإنسانَ في شيء، فتَجتث جذورَ شوق الإنسان إلى السعي، وتُوقعه في الكسل والإخلاد إلى الراحة والاستمتاع بالاستماع إليها، حتى يدع الإنسانُ وظيفة حياته الحقيقية.
وفي الوقت الذي يَلزم توجيهُ قسمٍ من الوسائط والوسائل الخارقة النافعة وصرفُها في تيسير مصالح البشرية الحقيقية، واستخدامُها في سبيل السعي والعمل لأجل خير البشرية وتوفير حاجاتها الحقيقية وتذليل مشاقها، فقد رأيتُ بنفسي، أنها لا تُصرَف إلّا إلى واحد أو اثنين من عشرة في تلبية تلك الحاجات الضرورية، وتُساق الثمانية الباقية من العشرة إلى اللهو والاسترسال في إثارة الهوى، والاسترخاء والدعة والكسل وقضاء الوقت.
وهناك ألوف الأمثلة على هذين المثالين الجزئيين.
وحاصل الكلام: أن المدنية الغربية الحاضرة لا تلقي السمعَ كليًّا إلى الأديان السماوية؛ لذا أوقعت البشريةَ في فقرٍ مدقع، وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار الإسراف والحرص والطمع عندها بعد أن قوّضت أساس الاقتصاد والقناعة، وفتحت أمامها سُبل الظلم وارتكاب المحّرمات.
زد على ذلك فقد ألقت -بذلك- الإنسانَ المحتاج المسكين في أحضان الكسل والتعطيل المدمّر، بعد أن شجعته على وسائل السفاهة، وهكذا بددت الشوقَ لديه إلى السعي والعمل، فأضاع الإنسان عمرَه الثمين سدًى باتباعه هوى المدنية الحاضرة، وبسيره وراء سفاهتها ولَهوها.
زد على ذلك فقد ولَّدت المدنية في ذلك الإنسان المُعْوِز العاطل أمراضًا وأسقامًا وعللًا، إذ أصبحت وسيلةً إلى انتشار مئاتٍ من الأوبئة والأمراض في أرجاء المعمورة، بثتها في الأوساط بسوء الاستعمال والإسراف.
ففضلًا عن هذه العلل الثلاثة التي ولّدتها المدنية، وهي: الحاجة الماسة، والميل إلى السفاهة، وكثرة الأمراض المذكّرة بالموت، فإنه بتفشي الإلحاد وتوغله فيها استيقظت البشرية من غفوتها، وإذا بالمدنية تهددّها باستمرار، بإظهار الموت تجاهها إعدامًا أبديًّا، فجرّعتها نوعًا من عذاب جهنم في الدنيا.
فإزاء هذه المصيبة الرهيبة النازلة بساحة البشرية يداوي القرآن الكريم تلك الجروح الثلاثة البليغة بصحوةِ تلاميذه الذين يربون على أربعمائة مليون تلميذ، وبما يضمه من قوانين مقدسة سماوية، مثلما عالج علاجًا شافيًا أدواء البشرية قبل ألف وثلاثمائة سنة، فإنه مستعد لتضميد تلك الجراحات الغائرة بقوانينه الأساسية السامية.. فضلًا عن أنه الكفيل بتحقيق سعادة دنيوية وأخروية للبشرية ما لم تقم على رأسها قيامة مفاجئة.
زد على ذلك فإنه يبين لها أن الموت ما هو إلّا تسريح من الوظيفة وتذكرةُ ترخيصٍ للدخول إلى عالم النور بدلًا من كونه إعدامًا أبديًّا.. وأن كفة حسنات الحضارة النابعة منه ستتغلب حتمًا على سيئات المدنية الحاضرة، بل يجعل المدنية سائرة في ركاب تلك القوانين السماوية، تخدمها وتعينها بدلًا مما يحدث إلى الآن مِن تنازل قسمٍ من الدين لقسمٍ من المدنية، ومِن دفع أحكام الدين رشوة في سبيل المدنية.
كل ذلك يُفهم من إشارات القرآن المعجز البيان ومن رموزه، فترجو البشرية الصاحية الحاضرة ذلك العلاج القدسي من رحمته تعالى وتتضرع إليه وتطلبه.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
اتخاذ البيت مدرسة نورية
١٨/١/ ١٩٥٨
(اتخاذ البيت مدرسة نورية)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء.. ويا طلاب النور لمدرسة الزهراء المعنوية..
عندما قدمتُ إلى إسبارطة طَرق سمعي أنه ستُفتح مدرسة الوعظ والخطابة والإمامة فيها، فخطر على القلب فتحُ مدرسةٍ نوريةٍ في الأماكن المجاورة من تلك المدرسة، وذلك لجعلها نوعًا من مدرسة نورية، إذ إن معظم الذين سيسجلون فيها هم من طلاب النور.
وقد فُهم من مجيء الرجال والنساء زُرافاتٍ ووُحدانًا إلى إسبارطة بعد يومين من مجيئي إليها، وبعد إشاعة الخبر وكأنني سأُلقي درسًا عامًّا للناس، أنه لو فتحت مدرسة نورية شبه رسمية عامة فستكون مكتظة ومزدحمة، لَتوافَدَ الناس إليها كما توافدوا لمشاهدتنا عند ذهابنا إلى محكمة أفيوُن، ولاحتمالِ حدوث أمثال هذه التجمعات التي لا معنى لها تركتُ تلك الخاطرة، ولكن خطرت هذه الحقيقة على القلب:
ليحوِّل كلُّ شخص بيتَه إلى مدرسة نورية يتدارسون فيها مع أطفاله وأهل بيته، وإن لم يكن له أحد وكان وحيدًا فليتخذ مع بضع أفرادٍ من جيرانه أحدَ المساكن مدرسةً نوريةً يتدارسون فيه رسائل النور أو يستمعون لها أو يستنسخونها، وذلك في الأوقات التي يتفرغون فيها عن أعمالهم ومشاغلهم، إذ الانشغال بهذه الرسائل ولو لعشر دقائق يثيب صاحبَه ثوابَ طالبِ علم حقيقي، فضلًا عن كسبه ثواب خمسة أنوار من العبادات المذكورة في رسالة الإخلاص، علاوةً على تحول عاداته ومعاملاته الاعتيادية لمتطلبات معيشته عبادةً يُثاب عليها، كما هي الحال لدى طالب العلم.. هكذا ورد إلى القلب وأنا بدوري أبيّنه لإخوتي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
الدروس تنوب عني
(الدروس تنوب عني)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: أقدم مائة ألف شكر وشكر إلى الرب الجليل الذي حقق بكم -أنتم أركانَ مدرسة الزهراء- الحقيقةَ المعنوية لمدرسة الزهراء، التي كانت هدفَ خيالي وغايةَ حياتي طوال خمس وخمسين سنة.
ثانيًا: لقد حُرمتُ من المحاورة مع إخوتي طلابِ النور والمجالسةِ معهم من جراء المرض ولأسباب أخرى، لذا فإنني أُوكِّل -عوضًا عني- الدروسَ التي لقَّنَتْها رسائلُ النور سعيدًا الجديد في مدرسة القرآن، والدروسَ التي تعلّمها سعيدٌ القديم من الحياة الاجتماعية -كالخطبة الشامية وذيولها- فأوكِّل الكلامَ والمحاورات في تلك الدروس لتُنوبَ عن أخيكم هذا الضعيف المشتاق إليكم في محاوراته.
ثالثًا: أقدم تعازيَّ إلى البطل “طاهري” الطالب الخاص الخالص لرسائل النور والناشر لها، والذي اتخذ بيتَه مدرسةً نورية صغيرة، وذلك لوفاة والده الذي وهَبه لدائرة النور، وأعزي أقاربَه وذويه وإسبارطة ودائرة رسائل النور، سائلًا المولى القدير أن يُنزل الرحمات إلى روحه بعدد حروف رسائل النور.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
اعتراض ولي عظيم
(اعتراض ولي عظيم)
﴿باسمه سبحانه﴾
إخوتي الأعزاء..
حصلتُ على مؤلَّفٍ مطبوعٍ لسعيدٍ القديم “المناظرات“، ونظرتُ إليه بلهفةٍ وإنعام نظر، فوردتْ إلى القلب هذه الفقرة الآتية:
أولًا: إن هذا المؤلَّف الذي طُبع في مطبعة “أبو الضياء” سنة ١٣٢٩ (١٩١٣م) هو الدرس الذي ألقاه سعيدٌ القديم بين عشائر الأَرتُوش، ولا سيما عشائر “كَوْدَان ومَامْخُورَان”، لأجل إفهام الشورى الشرعية للعشائر فهمًا صائبًا وحَمْلِهم على قبولها، وذلك في السنة الثالثة من عهد الحرية، ولكن لم أحصل على هذا المؤلَّف مع الأسف رغم بحثي عنه منذ ثلاثين سنة، إلّا أن أحدهم حصل على نسخة منه فأرسلها إليّ.
طالعتُ الكتاب بإمعانٍ وبعقلِ سعيدٍ القديم وبسانحاتِ سعيدٍ الجديد، فأدركتُ أن سعيدًا القديم شعر بحسٍّ عجيبٍ مسبَقٍ -قبل الوقوع- الوقائعَ المادية والمعنوية التي تَحدُث الآن، فقد شعر بها قبل حوالي أربعين سنة؛ إذ إنه شاهد ما وراء ستار العشائر الكردية، الخونةَ الذين جعلوا هذا الزمان قناعًا لهم، وهم الملحدون الجاهلون الحقيقيون، والرجعيون الذين يحاولون تحت ستار الوطنية إرجاعَ هذه الأمة إلى عاداتها السابقة قبل عهد الإسلام، فتكلم سعيد القديم معهم بشدةٍ وحاورهم بعنف.
ثانيًا: قرأتُ الصفحات التي يبدو فيها أن بين المستمعين لدرسي ذاك وليًّا عظيمًا -دون علمي به- فقد اعترض اعتراضًا شديدًا في ذلك المقام إذ قال: “أنت تغالي وتُفرط، إذ تُظهِر الخيالَ عينَ الحقيقة، وتُهيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصرِ آخرِ الزمان، والفسادُ يستشري، وسينقلب من سيء إلى أسوأ”.
وكان الجواب في الكتاب: لماذا تكون الدنيا ميدانَ تَقدمٍ وترقٍّ للجميع، وتكون لنا وحدَنا ميدان تأخر وتَدَنٍّ.. فهل الأمر هكذا؟ فها أنذا آليتُ على نفسي ألّا أخاطبكم، فأدير إليكم ظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقبل: أيا من اختفى خلف عصرٍ شاهقٍ لما بعد ثلاثمائة سنة2﴿[٭]: المقصود لما بعد ألف وثلاثمائة سنة.﴾، يستمع إلى كلمات النور بصمتٍ وسكون، ويَلمحنا بنظرٍ خفيٍّ غيبيّ.. أيا من تتسمَّون بـ: سعيد وحمزة، وعمر وعثمان، وطاهر ويوسف وأحمد.. وأمثالهم.. إنني أتوجه بالخطاب إليكم:
ارفعوا هاماتكم وقولوا: “لقد صَدقْتَ” وليكن هذا التصديق ديْنًا في أعناقكم.. إن معاصريَّ هؤلاء وإن كانوا لا يعيرون سمعًا لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكلم معكم عبر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي -المسمّى بالتاريخ- إلى ذرى مستقبلكم الرفيع..
ما حيلتي!! لقد استعجلتُ وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضمِّ الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم، ستأتون إليها في ربيعٍ زاهرٍ كالجنة، إن ما يُزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهيرَ يانعةً في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا.. أنكم إذا جئتم لتَعبروا إلى سفوح الماضي، عُوجوا إلى قبورنا، واغرسوا بعضَ هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة.
[أي كما ذُكر في الرجاء الثالث عشر من رسالة “الشيوخ”، أنه بوفاةِ مدرسة “خُورْخور” التي هي تحت قلعة “وَانْ” الصلدة، والتي هي مدرسةٌ ابتدائيةٌ لمدرسة الزهراء، وغَلْقِ المدارس الشرعية في الأناضول كافةً الدالِّ على وفاتها3﴿[٭]: وذلك بقانون توحيد التدريسات: العدد رقم ٤٣٠، التاريخ ٣/٣/١٣٤٠ رومي (١٦/٣/١٩٢٤م)، أُلغي بموجبه جميع الدروس الدينية، فأُغلقت جميع المدارس التي تدرس القرآن الكريم والدين.﴾، توفيتْ جميع المدارس، وكأن قلعة “وان” صارت شاهدًا لقبرها العظيم. فيا أيها المُقبلون بعد ثلاثمائة سنة، ازرعوا على قمة هذه القلعة زهرةَ مدرسة نورية].
أي ابنوا جسمَ مدرسةِ الزهراء التي تعيش روحًا ضمن هيئة واسعة، ولم تُبعَث جسمًا، علمًا أن سعيدًا القديم قد قضى معظم حياته في سبيل تحقيق تلك المدرسة، وقد سجَّل حقائقَ مهمةً في مؤلَّفه ذاك، سواءٌ في تأسيسها أو في فوائدها.
وإنه لفألٌ حسنٌ -بعد انكسارِ حدّةِ الاستبداد الرهيب “سنة ١٩٥٠” الذي دام خمسًا وعشرين سنة، والذي أنهى حياةَ المدارس الشرعية- قرارُ وزير المعارف “توفيق إيلري” على إنشاء مدرسة الزهراء في “وان” باسم جامعة الشرق، واستصوب رئيسُ الجمهورية “جلال بايار” -من حيث لم يحتسب- قرارَ الوزير، وجعله ضمن قائمة المسائل المهمة، وهذا ما كان يتمناه سعيدٌ قبل أربعين سنة، وسيتحقق بإذن اللّٰه.
نبيّن هنا ثلاث حقائق لإيضاح جواب سعيد القديم الذي قاله قبل خمس وأربعين سنة.
الحقيقة الأولى: لقد شعر سعيد القديم بحسٍّ مسبَقٍ بحادثتين عجيبتين، ولكن كان يقتضي التعبيرَ كما في الرؤى الصادقة، إذ لو نظر أحدُهم إلى شيء أبيض من خلال ستار أحمر فإنه يراه أحمر، فسعيدٌ القديم كذلك نظر إلى تلك الحقيقة من خلال ستار السياسة الإسلامية، فأبدلت صورةُ الحقيقة شكلَها شيئًا ما، وقد عَرف ذلك الوليُّ الصالح الحاضر في المجلس خطأَ سعيدٍ القديم فاعترض عليه من تلك الجهة.
وتلك الحقيقة قسمان:
القسم الأول: سيَظهر نورٌ ساطعٌ عظيمٌ في المملكة العثمانية، حتى كان سعيدٌ يبشِّر به طلابَه قبل عهد الحرية ولمراتٍ عديدةٍ مُسَرِّيًّا عنهم، وأن ذلك النور سيحقق السعادة لهذا الوطن رغم التخريبات والفساد المُشاهَد. وهكذا أظهرت رسائلُ النور -بعد أربعين سنة- تلك الحقيقة حتى للعيون المطموسة.
فلقد عبَّر سعيدٌ القديم عما استشعره من منافعِ ذلك النور الجليلة الواسعة وبنوعيتها الراقية، فكأن ذلك النور سيَظهر في المملكة العثمانية كلها، مُشاهِدًا إياه من خلال السياسة من دون أن يأخذ بنظر الاعتبار كميةَ النور القليلة وسَعَتَه الضيقة.
فكان سعيدٌ القديم مُحِقًّا إلى حدٍّ ما، كما أن ذلك الولي مُحِقٌّ ومصيبٌ في اعتراضه برؤيته الدائرةَ الضيقةَ واسعةً.
لأن دائرة رسائل النور الضيقةَ واسعةٌ جدًّا من حيث إنقاذُها الإيمان، حيث إنها تنقذ الحياة الأبدية، فمليونٌ من طلابها في حكم المليار؛ أي إن محاولة إسعاد ألفٍ من الأشخاص في الآخرة أفضل بكثير من إسعاد مليار من الأشخاص في حياتهم الدنيوية والمدنية، وأوسع منها معنى؛ فذلك الذي شاهده سعيدٌ القديم بذلك الحسِّ المسبَقِ الشبيهِ بالرؤيا الصادقة، أي إن ذلك النور الضيق سيحيط بالمملكة العثمانية كلها.
ولعل اللّٰه سيجعل تلك الدائرة الواسعة منوَّرة بنمو ما تزرعه رسائلُ النور من بذور نورانية، بعد مائة سنة، وعندها تتبين صحةُ تعبيره الخطأِ.
الحقيقة الثانية: كان سعيد القديم يُخبر طلابه -في مؤلفاته القديمة وفي إفادة المرام لإشارات الإعجاز- ويقول لهم مكررًا: ستَحدث زلزلةٌ اجتماعيةٌ بشريةٌ عظيمة، زلزلةٌ ماديةٌ ومعنوية، وسيَغبطونني على اعتكافي وانزوائي وبقائي عَزَبًا.
حتى إنه في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخُ بَخيت -مفتى الديار المصرية- سعيدًا القديم: ما تقول في حق هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوربائية؟
فأجابه سعيد: “إن الدولة العثمانية حاملةٌ بدولةٍ أوروبائية وسَتَلِدُ يومًا ما، وإن أوروبا حاملةٌ بالإسلامية وستلد يومًا ما”.
فقال له الشيخ الجليل: وأنا أصدِّق ما يقوله.
ثم قال لمن حوله من العلماء: لا أناقش هذا ولا أتمكن أن أغلبه.
فلقد شاهدنا الولادةَ الأولى، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن.
أما الولادة الثانية: فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن اللّٰه، ستَظهر في الشرق والغرب دولة إسلامية.
الحقيقة الثالثة: كان سعيدٌ القديم -والجديد- يخبر بحسٍّ مسبقٍ وبإصرارٍ بالغٍ وبتكرارٍ عن حادثةٍ عظيمةٍ معنويةٍ ومادية، وظهور زلزالٍ اجتماعيٍّ بشريٍّ رهيبٍ مدمِّرٍ في الدولة العثمانية، والحالُ أنه رأى بذلك الحس ما في الدائرة الواسعة جدًّا في دائرةٍ ضيقة، ورغم أن الزمان صدَّقه بالحرب العالمية الثانية تصديقًا تامًّا، فهو يُعبِّر عن رؤيته تلك الدائرةَ الواسعةَ في المملكة العثمانية بالآتي:
رغم أن الدمار الذي ولّدته الحرب العالمية الثانية واسعٌ جدًّا فإنه ضيق بالنسبة للدمار الذي حصل في الدولة العثمانية، حيث إنه متوجهٌ إلى الحياة الدنيوية والمدنية الزائفة، بينما الذي حصل في الدولة العثمانية دمارٌ للحياة الباقية والسعادة الدائمة؛ فهذا الدمار زلزلةٌ إسلاميةٌ أفظعُ وأرهبُ من حيث المعنى من تلك الحرب، وبهذا يُصحِّح ما سَها عنه سعيدٌ القديم ويعبِّر عن رؤياه الصادقة ويُظهِر للعيون حِسَّه المسبق، ويَرُدُّ في الوقت نفسه اعتراضَ ذلك الولي الفاضل الذي يبدو حقًّا، بإثباته أن الحسَّ المسبَق لسعيدٍ القديم أحقُّ منه.
❀ ❀ ❀
التضحية الصِّدِّيقية
(التضحية الصِّدِّيقية)
نشرتْ كلٌّ من صحيفة “بويوك جهاد” (الجهاد الأكبر) و”سبيل الرشاد” ما أعلنتُه، وهو أنني لا أجعل خدمةَ الإيمان والدين ورسائلَ النور أداةً للسياسة الدنيوية، ولا سيما للوصول إلى كمالاتٍ معنوية ومقاماتٍ رفيعة، كذلك لا أجعلها وسيلةً لبلوغ ما يَهَشُّ له الناسُ من سعادةٍ أبدية ونجاةٍ من النار، بل هي خالصةٌ لوجه اللّٰه ولابتغاءِ مرضاته وحده وتنفيذًا لأمره سبحانه.
وما ألجأني إلى هذا الأمر إلّا الإخلاص الحقيقي الذي هو القوةُ الحقيقية للنور، عَلَّني أحظى بِذَرَّةٍ من التضحية السامية التي كان الصِّدِّيقُ الأكبرُ رضي اللّٰه عنه يتحلى بها، حيث قال: “أسأله تعالى أن يُكَبِّر جسمي ليملأ جهنم حتى لا يبقى موضع لمؤمن، أُعذب عوضًا عنهم”، فأنا أرضى كذلك بدخول النار لأُنقذ بضع أشخاص منها بالإيمان.
ومن المعلوم أن العبادة لا تؤدّى طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، بل للأمر الرباني وابتغاء مرضاته سبحانه.
❀ ❀ ❀
حول تحضير الأرواح
(حول تحضير الأرواح)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
لقد تَحقق بأماراتٍ كثيرةٍ وحوادثَ عديدةٍ أن أعداء طلاب النور يدبِّرون خُططًا شتى، ليَحمِلوا بعضَ طلابِ رسائل النور الخواصِّ على التخلي عن خدمة النور أو التراخي والتخاذل عن العمل، وذلك بكشفِ ما لديهم من عِرقٍ ضعيف.. نبيِّن أدناه أنموذجين اثنين ليكونا موضعَ عبرةٍ وعظة:
الأنموذج الأول: هو لفتُ نظرِ عددٍ من طلاب رسائل النور الخواصِّ المرتبطين ارتباطًا قويًّا بخدمة النور، وصرفُ تفكيرهم إلى جهةٍ غيرِ الخدمة: بإشغالهم بمشاربَ روحانيةٍ ذاتِ أذواق، مما يُفَتِّتّ صلابتَهم ويُوهِن ارتباطَهم الوثيق؛ أو بإشغالهم بتلقِّي الأخبار عن الأموات، المسمى بتحضير الأرواح، وهو مخابرةٌ مع الجن؛ أو بإشغالهم بالتنبؤ عن أخبارٍ مستقبليةٍ كما كان لدى الكُهَّان السابقين، فكأنهم يتصلون مع أولياء عظام أو حتى مع الأنبياء عليهم السلام، ويُجْرون معهم ما يشبه المحاورة.. وأمثالِ هذه الأمور.
ولما كانت هذه المسألة (تحضير الأرواح والتنبؤ بالغيب) آتيةً من الأجانب ونابعةً من الفلسفة، فقد تؤدى إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين، حيث يمكن استعمالها استعمالًا سيئًا، إذ لو كان فيها صِدْقٌ واحدٌ ففيها عشرةُ أكاذيب؛ ولا مِحَكَّ ولا مقياسَ لتمييز الصدق عن الكذب، وبهذه الوسيلة يُلحِق الجنُّ -الذين يُعينون الأرواح الخبيثة- الضررَ بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضًا؛ ذلك لأنها إخباراتٌ تنافي حقائقَ الإسلام وتعارض عقائدَه العامة، مع أنها تزاوَل باسم أمورٍ روحيةٍ معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواحٌ طيبةٌ مع أنهم أرواح خبيثة، بل إنهم يَسْعَون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلماتٍ مقلِّدين أسماءَ أولياءٍ عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم.
فلو قالت جلوةُ الشمس التي تُشاهَد في قطعةِ زجاجٍ صغيرةٍ -متكلمةً باسمها- إن ضيائي يستولي على الدنيا، وحرارتي تحمي كل شيء، وأنا أكبر بمليون مرة من الكرة الأرضية.. كم يكون كلامُها خلافًا للحقيقة؟!
فالنبي الذي في مقامه الحقيقي الرفيع كالشمس الساطعة، لا يمكن أن تتكلم جَلوتُه باسمه، لدى تحضير الأرواح أو التنبؤ بالمستقبل، ولو تكلمتْ باسم النبي لكان كلامُها مخالفًا كليًّا بمئات الأضعاف، فلا يمكن قياسُ ظهورِ جَلوةٍ جزئيةٍ لدى تحضير الأرواح أو التنبؤِ بالمستقبل أصلًا وقطعًا بالماهية السامية الرفيعة لصاحب الوحي الذي هو كالشمس المعنوية، لذا لا يمكن جلبُ تلك الحقيقة العظمى قطعًا، بل إنَّ جلْبَها سوءُ أدبٍ وإهانةٌ وعدمُ احترامٍ ليس إلّا.
وإنما يمكن الرقيُّ بالسير والسلوك للتقرب من ذلك المقام الرفيع، والحظوةِ بالمحاورة والمجالسة مع تلك الشمس الحقيقة، كما حدث لجلال الدين السيوطي وأولياء آخرين، مع العلم أن هذا الرقيَّ هو مجالسةٌ ومحاورةٌ مع ولايته ﷺ -كما أثبتته رسائل النور- ولا يكون هذا إلّا حسب قابلياتهم ووفق استعداداتهم الذاتية، ولكن حقيقة النبوة لكونها أرفع وأسمى وأعلى بكثير من الولاية، فإن المحاورة التي تُنال بالرقي الروحي أو بوساطة تحضير الأرواح والتلقي منها، لا تبلغ حقيقةَ المحاورة والتلقي من النبي تلقيًا حقيقيًّا بأي جهة كانت، ولا يكون محورًا للأحكام الشرعية قطعًا.
إن تحضير الأرواح المتأتي من الإيغال في دقائق الفلسفة وليس من الدين: حركةٌ تخالف الحقيقة، وتنافي الأدبَ اللائق والاحترام الواجب؛ لأن جلْبَ أرواحِ مَن هم في أعلى عليين وفي المقامات السامية المقدسة، إلى مائدة تحضير الأرواح، موضعِ الأكاذيب واللعب واللهو في أسفل سافلين: إنما هو إهانةٌ عظيمة، وعدمُ توقيرٍ محضٌ، وسوءُ أدب؛ بل الحقيقة عينُها والأدبُ المحض والاحترامُ اللائق هو أن يَحصُل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني -بالسير والسلوك- إلى مرتبة القُرْبية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.
إن الشيطان والأرواح الخبيثة لا تتمثل في الرؤى الصادقة، بينما في تحضير الأرواح يمكن أن تتكلم الأرواح الخبيثة باسم نبيٍّ من الأنبياء مقلِّدةً له خلافًا للأحكام الشرعية والسنة النبوية الشريفة، فإن كان هذا التكلم مخالفًا للأحكام الشرعية والسنة النبوية فهو دليلٌ قاطعٌ على أن المتكلم ليس هو من الأرواح الطيبة، وليس حنيفًا مسلمًا ومؤمنًا، بل هو من الأرواح الخبيثة، يقلِّد على هذه الصورة.
ثانيًا: إن طلاب النور ليسوا بحاجةٍ إلى مزيد من الإرشادات في مثل هذه الأمور حاليًّا، إذ رسائل النور قد بَيّنتْ حقيقة كل شيء، ولم تعد هناك حاجة إلى إيضاحات أخرى، فحسْبُهم رسائلُ النور، وعلى الذين هم خارج طلاب رسائل النور ألّا يعيروا سمعًا إلى مثل هذه التلقينات المخالفة للأحكام الشرعية والسنة النبوية، سواءٌ عن طريق تحضير الأرواح أو عن غيرها، وهذا هو الألزم لهم، وبخلافه يَحدث خطأ جسيم.
تنبيه: إن هذا النقدَ الشديدَ الواردَ في هذه الرسالة حول المحاورة مع الأرواح: منصبٌّ على تلك الحركة النابعة من الفلسفة والعلم، والتي تسمى تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل، والتي اتخذت شكل الأمور الروحية والمعنوية.
بمعنى أن هذا النقد القوي ليس موجهًا إلى التصوف وأهل الطريقة والنابعِ من الإسلام، وفيه ما يشبه المخابرة مع الأرواح، التي أُسيءَ استعمالها -إلى حدٍّ ما- بدخول مَن ليس أهلًا فيها، ومع هذا ربما يكون لتلك المخابرة ضررٌ من جهةِ البعض، إلّا أنها ليست خادعة ولا يُقصَد منها الإضرار بالإسلام، فضلًا عن هذا إن هذا المشرب الآتي من الأجانب هو منافٍ للطريقة الصوفية، ويخالف الإسلامَ أيضًا، كما أنه يحاول هدم مسلك التصوف، ويهوِّن من شأنه حتى يجعله أمرًا اعتياديًّا.
ألاَ فليحذر أولئك المتصوفة الذين لم يَحْظَوا بعدُ -لضعفهم- باتباع السنة النبوية اتباعًا كاملًا، فلا يحاولوا التشبه بأولئك.
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
حقيقةٌ تَخُصُّ حياتَنا الاجتماعية أُخطِرت على القلب
(حقيقةٌ تَخُصُّ حياتَنا الاجتماعية أُخطِرت على القلب)
توجد على أرض الوطن أربعة أحزاب: الأول: حزب الشعب الجمهوري، والآخر: الحزب الديمقراطي4﴿[٭]: انفصل عن حزب الشعب الجمهوري سنة ١٩٤٦، تولّى السلطة في سنة ١٩٥٠ بعد إحرازه الأغلبية العظمى في البرلمان ٤٠٨ نائبًا من بين ٤٥٠ نائبًا، فأصبح جلال بايار رئيسُ الحزب رئيسًا للجمهورية وعدنان مندرس رئيسًا للوزراء. ومن منجزاته: إعادةُ الأذان الشرعي، وإدخالُ دروس الدين في المدارس، وإذاعةُ برامج دينية، مع إعطاء الحرية النسبية في النشر. استمر في الحكم عشر سنوات حتى أزيح عنه بانقلاب عسكري سنة ١٩٦٠ وحوكم عدنان مندرس ورفقاءه بالإعدام.﴾، والآخر: حزب الأمة5﴿[٭]: تأسس سنة ١٩٤٨ منفصلًا عن الحزب الديمقراطي، لم يَحُزْ في الانتخابات سوى نائبًا واحدًا. أغلق سنة ١٩٥٤ بحجة استغلاله الدين لأغراض سياسية، ثم تأسس تحت أسماء مختلفة حتى فسخ نفسه سنة ١٩٧٧.﴾، وآخر: حزب الاتحاد الإسلامي.
إن حزب الاتحاد الإسلامي يستطيع أن يأخذ بناصيةِ الحكم متى ما كان سِتُّون إلى سبعين بالمائة منه تامَّ التدين، لئلا يحاول جعلَ الدين أداةً للسياسة، بل ربما يُسخِّر السياسة في سبيل الدين، ولكن يَلزم ألّا يتولى هذا الحزبُ الحكمَ حاليًّا، لأنه سيضطر إلى استغلال الدين في إمرةِ السياسة لمجابهة جرائم السياسة الحالية وشرورِها، حيث إن التربية الإسلامية قد أصابها الوهَنُ والخللُ منذ زمن بعيد6﴿[٭]: لم يتأسس هذا الحزب، وإنما هو الشعور العام لدى الشعب المسلم ولدى أشخاص من أحزاب محافظة، بعد أن أصبح لهم شيء من الحرية في النشاط، علمًا أن بعضًا من الغيارى على الإسلام حاولوا إنشاءه إلا أنهم لم يفلحوا. والنسبة المئوية تَخُصُّ الذين يتولَّون إدارةَ الأمور في الدولة. ولعل المقصود مِن “تام التدين” هو عدم تجزئة شمولية الإسلام، لئلا يكون أداة للسياسة.﴾.
أما حزب الشعب الجمهوري: فإن جميع الجرائم التي اقترفها طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة، وجرائمَ غيره، علاوة على سيئات الاتحاد والترقي والماسونيين منهم، قد حُمِّلت على هذا الحزب، فعلى الرغم من جميع هذه السيئات فإنه في حكم الغالب على الديمقراطيين من جهة، ذلك لأنه يَرْشُو بعضَ الموظفين -تحت ستار القانون- رِشوة عجيبة ولذيذة حقًّا.
لأن الأنانية تتقوى بنقصان العبادة، فيزداد الداعون إلى فرعونية النفس، ففي مثل هذا الزمان الذي طغت فرعونيةُ النفس، أصبحت الوظيفةُ الحكومية تورث النفسَ روحَ التسلط والسيادةِ والفرعونية، علمًا أنها مجرد قيام بخدمة الآخرين، وقد شعرتُ من طريقة التعامل التي يعاملونني بها، أن هذا الحزب يعطي مرتبة الحاكمية ذات المشاعر اللذيذة العجيبة إلى نفوس قسم من الموظفين، رشوةً لهم، فيغلب -في جهة- الديمقراطيين، على الرغم من جميع الجنايات المريعة ومن وجود نشريات الصحف التي لا تنتمي إليه، بينما الوظيفة هي خدمة الآخرين ليس إلّا، حسب الدستور الوارد في الحديث الشريف “سيد القوم خادمهم”7﴿[٭]: البيهقي، شعب الإيمان ٦/٣٣٤؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤؛ المناوي، فيض القدير ٤/١٢٢.﴾، إذ القوة إن لم تكن في القانون فإنها تسري إلى الأشخاص، فالاستبداد يكون اعتباطيًّا بمعنى الكلمة، فلا مَناص من أن تستند الديمقراطيةُ وحرية الوجدان إلى هذا الدستور الإسلامي.
أما حزب الأمة: فإن كان المقصودُ بالأمة فكرةَ الأمة الإسلامية التي هي الأساس في الوحدة الإسلامية -والقوميةُ التركية ممتزجةٌ بها- فهي موجودةٌ في معنى الحزب الديمقراطي، وسيُضطر هذا الحزب إلى الالتحاق بالديمقراطيين المتدينين.
بيد أن العنصرية التي نَعُدُّها داء السَّيَلان الغربي، قد سَرَتْ فينا سريان الوباء من الغرب ولقّحته أوروبا فينا كي تستطيع أن تمزق العالم الإسلامي. هذا الداء الوبيل يورث حالةً روحية جاذبة، حتى إن كل أمة تحمل رغبة وشوقًا بشكل كلي أو جزئي نحوها على الرغم من أضرارها الوخيمة ومهالكها المدمرة، فلو أَحرز هذا الحزبُ -بسبب استحواذ المدنية الغربية وضعف التربية الإسلامية- نصرًا، فإن العناصر غير التركية التي تمثل سبعين بالمائة من الأمة ستضطر إلى اتخاذ جبهةٍ مضادةٍ للأتراك الحقيقيين -الذين لا يتجاوزون الثلاثين بالمائة- معارضة لسيادة الإسلام.
حيث إن من أسس القوانين الإسلامية: ﴿ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى﴾، أي لا يؤاخَذ الشخصُ بجريرةِ غيره، بينما في العنصرية يجد الشخصُ نفسَه مُحِقًّا في قتل شقيق الجاني، بل أقاربه، بل حتى أفراد عشيرته، فمثلما لا يُحقِّق هذا عدالةً، بل يفتح سبيلًا إلى ارتكاب مظالمَ شنيعة، علمًا أن الدستور الإسلامي يقرر أنه لا يُضحّى ببريءٍ واحد لأجل مائةِ جانٍ، فهذه مسألة مهمة من مسائل البلاد، وخطرة تجاه السيادة الإسلامية.
فما دامت هذه هي الحقيقة، فيا أيها الديمقراطيون المتدينون والذين يحترمون القيَم الدينية.. أنتم مضطرون إلى جعل الحقائق الإسلامية ركيزةً لكم، فهي أقوى من ناحية جاذبيتها المعنوية والمادية تجاه جاذبيةِ ركائزِ هذين الحزبين وإغرائها، وبخلافه فإن الجرائم التي ارتُكبت بحقّ هذه الأمة منذ القدم تُحمَّل عليكم وإن لم تكونوا قد اقترفتموها، مثلما تُحمَّل على الحزب السابق، وعند ذاك يستغل الحزبُ الشعب الجمهوري العنصريةَ، فيغلبونكم، وهذا احتمال قويٌّ كما شعرتُ به، لذا فإنني قلق باسم الإسلام من هذا الوضع.
لقد ظهرتْ -نتيجةَ سَنِّ القوانين الاعتباطية وتطبيقها السيء في عهد الحزب السابق- مسألةُ التيجانية8﴿(٭): وهي أن منتسبي الطريقة التيجانية قد قاموا بحملة كسر هياكل مصطفى كمال في شتى أنحاء تركيا (١٩٥٠- ١٩٥٢) وحوكموا من جرائها، وعلى إثرها سُنّ قانون “صيانة مصطفى كمال وانقلاباته”، ونُفِيَ زعيمهم محمد كمال بلاو أوغلو بعد انتهاء محكوميته إلى جزيرة “بوزجا” للإقامة الإجبارية حتى وفاته سنة ١٩٧٧.﴾، فضلًا عن تحريضهم وإثارتهم الناس، فلكي لا تقع مَغبَّةُ هذه المسألة على الديمقراطيين المتدينين، وللحيلولة دون سقوطهم في نظر العالم الإسلامي، أرى أن السبيل الوحيد هي أنه مثلما أحرز الديمقراطيون عشرةَ أضعافِ قوتِهم بإعادة الأذان الشرعي، فإن تحويل “أياصوفيا” إلى وضعه العِباديِّ السابق سيؤثر تأثيرًا حسنًا جدًّا في العالم الإسلامي، ويُكسِب لأهل هذه البلاد اهتمامَ العالم الإسلامي وودَّهم.. وكذا على الديمقراطيين المتدينين الإعلان رسميًّا عن حرية نشر رسائل النور التي لم تجد المحاكمُ فيها طوال عشرين سنة شيئًا ضارًّا للبلاد، وقضت خمسُ محاكم ببراءتها، وبهذا تضمدون هذا الجرح فتكسبون اهتمام العالم الإسلامي، فضلًا عن عدم تحميلكم جرائم ظالمة لغيركم.
في غضون يومٍ أو يومين نظرتُ إلى الأمور السياسية رغم أني تركتُها منذ خمسٍ وثلاثين سنة، وذلك لأجل الديمقراطيين المتديِّنين، ولا سيما الأفاضل من أمثال عدنان مندرِس.
سعيد النورسي
نحن طلاب النور شهودٌ على هذه الحقيقة ومصدّقون لها
جيلان، خليل، عثمان، حمزة، وغيرهم.
❀ ❀ ❀
مواجهة الأستاذ
(مواجهة الأستاذ)
﴿باسمه سبحانه﴾
يقول أستاذنا:
إلى جميع إخوتي الأعزاء الراغبين في مقابلتي وزيارتي أبيّن لهم الآتي:
إنني لا أطيق مقابلة الناس ما لم تكن هناك ضرورة، إذ التسمم الحالي، والضعفُ الذي اعترى جسمي، وكذا الشيخوخةُ والمرض.. كلُّ ذلك جعلني عاجزًا عن التحدث كثيرًا، ولأجل هذا أُبَلِّغكم يقينًا أن كلَّ كتابٍ من رسائل النور إنما هو “سعيد”، فما من رسالة تطالعونها إلّا وتستفيدون فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف، بل تواجهونني مواجهة حقيقية، فلقد قررت أن أذكر في دعواتي وقراءاتي صباح كل يوم أولئك الراغبين في لقائي لوجه اللّٰه بديلًا عن عدم استطاعتهم اللقاء، وسأستمر على هذا القرار.
ومنذ شهرين لا يستطيع أستاذنا الكلام حتى مع من يعاونه في أموره، حيث ترتفع حرارتُه متى ما بدأ بالتكلم، وقد قال بناءً على إخطارٍ قلبيّ: إن حكمة هذا هي أن رسائل النور لا تدع حاجةً إليّ، فلا داعي للكلام، فضلًا عن أنني قد لا أتكلم إلّا مع عشرين أو ثلاثين من أحبتي، فلربما مُنِعت من الكلام لئلا يُجرَح شعور أُلوف الأحبة الآخرين، فليعذرني الإخوة عن اللقاءات الخاصة.
❀ ❀ ❀
أهمية مدرسة الزهراء
(أهمية مدرسة الزهراء)
قبل أربع سنوات، حينما وكَّلني أستاذنا -بسبب مرضه- بمتابعة شؤون رسائل النور في المحاكم بأنقرة، قدَّمنا إلى النواب الأفاضل الرسالةَ المرفقة أدناه، ونقدمها الآن لكم ولحضرات النواب الأفاضل مجدَّدًا، والداعي لهذا هو استمرار المسألة نفسها، ولا سيما المحاولات الجارية في الشهور الأخيرة لإنشاء الجامعة الجديدة في الولايات الشرقية.
إن الانتشار الواسع لرسائل النور في السنين الثلاثين الماضية، سواءٌ في الداخل أو في الخارج، وتأثيرَها الجيد في الناس، والسعيَ المتواصل لإنشاء دار الفنون (الجامعة) في الولايات الشرقية قبل خمسٍ وخمسين سنة، مسألتان مهمتان متعاقبتان متممتان إحداهما للأخرى، وهما موضع اهتمام العالم الإسلامي.
فهذه الأمة، ولا سيما أهل الولايات الشرقية، وأربعُمائة مليونٍ من الأمة الإسلامية، وعالَمُ النصرانية المحتاجُ إلى السلام العالمي: تهتم بهاتين النتيجتين العظيمتين والحادثتين الجليلتين؛ حيث إنهما مَصدران واسعان لإعلان الإسلام ونشر حقائق القرآن.
ولقد بذل أستاذنا المحترم منذ خمس وخمسين سنة جهوده وبهمة فائقة متوسلًا بوسائل شتى لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ باسم مدرسة الزهراء في شرقي الأناضول على غرار الجامع الأزهر، ودعا للحاجة الماسة إليها، مثلما ورد في تهنئته لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بهذا الخصوص حيث قال:
إن جامعة الشرق ستُحرِز مقامًا مرموقًا بين المسلمين بفضلِ ما تتمتع به من موقع مركزيٍّ في العالم الإسلامي، إذ ستبعث وتتجسم فيها الخدمات الدينية الجليلة السامية السابقة، والخصال المعنوية الخالدة، لألوف العلماء والعارفين والشهداء والمحققين من أجدادنا الراقدين في تلك الولايات، فيؤدون وظائفهم الإيمانية في أوسع ميدان.
أما الدرس الأساس الجدير بأن يكون منهجًا وبرنامجًا لجامعة الشرق فهو رسائل النور التي تفسّر الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، والتي تقيم البراهين العقلية والدلائل المنطقية الإيمانية لإثبات مسائل القرآن العظيم، فقمينٌ بهذه الرسائل أن تكون موضع دراسة في الجامعات والمدارس الحديثة.
إن رسائل النور ظهرت بوساطة طالبٍ من طلاب أساتذة الشرق ومدارسها الدينية المنتشرة في أرجائه كافة، والتي فجّرت الينابيع المعنوية الباعثة على الحياة.
فنحن نرجو ونتمنى من الرحمة الإلهية بكل أرواحنا وكياننا أن يتسنم أولئك الأساتذة الأفاضل وظائفهم السابقة مجددًا، فيوسعوا من دائرة أعمالهم الفكرية وخدماتهم القرآنية بالثمار اليانعة المنورة الحالية لجهودهم، فتتهيأ الظروف الحياتية الزمانية والمكانية والسلام العام لتحقيق أمانينا هذه.
نعم، إن رسائل النور التي هي ثمرةٌ واحدةٌ ونتيجةٌ عظيمةٌ كليةٌ لنشاط العلم والمعرفة في الشرق، جديرة بأن تلقى اهتمام العاملين للإسلام وهذه الأمة والعالم الإسلامي.
هذا وإن الإقبال على رسائل النور وطلبها في كل من أمريكا وأوروبا وانتشارها هناك تبين أهمية دعوانا هذه.
مصطفى صونغور
❀ ❀ ❀