مختصر ملحق أميرداغ الثاني 1/3
[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 1/3]
تأليف
بديع الزمان سعيد النُّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
❀ ❀ ❀
﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾
شهادة
(شهادة)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أهنئكم بالعيد السعيد، وأُذكِّركم بما أخبرتكم سابقًا عن قبولي كلًّا منكم -حسب درجته- سعيدًا، ووارثًا لي، ومحافظًا لرسائل النور بدلًا عني، وذلك بناء على خاطرة معنوية.
أبيّن لكم الآن أيضًا: لمّا كنتم قد أعطيتم لي أستاذيةً -بما يفوق حدِّي بكثير- في العلوم الإيمانية والخدمة القرآنية، بناءً على حُسْن ظنكم المفرط، فأنا كذلك أمنح كلًّا منكم شهادة -كما كان الأساتذة يمنحون الشهادة العلمية إلى من يستحقها من الطلاب- وأبارككم بكل ثقتي ووجداني وروحي.
فلقد سعيتم في سبيل نشر رسائل النور إلى الآن سعيًا يفوق الحد، مع الالتزام بالوفاء التام والإخلاص الكامل، وستستمرون عليه بأسطع صورة وأبهاها، فتصبحون بإذن اللّٰه ألوفًا من “سعيدين” مقتدرين أقوياء جادين في مهمتهم، بدلًا من هذا “السعيد” العاجز الضعيف المتقاعد.
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
المكاتيب التي كتبت في أميرداغ
بعد سجن أفيوُن
إلى رئيس الشؤون الدينية
﴿باسمه سبحانه﴾
إلى رئيس الشؤون الدينية
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
ليَذهب أحدُكم بدلًا عني إلى رئاسةِ الشؤون الدينية، وليبلِّغ تحياتي واحتراماتي إلى رئيسها السيد أحمد حمدي، وليبلّغه الآتي:
إنكم تفضلتم قبل سنتين بطلبِ مجموعةٍ كاملةٍ من كلياتِ رسائل النور، وقد أحضرتُها لكم، ولكن على حين غرّةٍ زجُّونا في السجن، فلم أستطع تصحيحها، لذا لم أبعثها إلى حضرتكم، وأنا الآن منشغلٌ بتصحيحها، ولكن يبدو أنني لا أتمكن من إتمامها بسرعة لتدهور صحتي من جراء التسمم، وسوف نقدّمها لكم حالما تنتهي مهمةُ التصحيح بإذن اللّٰه.
وحيث إن مَن لا يقبل الهدية لا يُهدي، فإن ثَمن هذا التفسير المعنوي القيِّم، سيكون ثمنًا معنويًّا ساميًا، وهو ما تبذلونه من مساعٍ لإطلاق نشر رسائل النور بصفتكم رئيسَ العلماء في هذه البلاد الإسلامية، ونرسل معها أيضًا ثلاثة أجزاءٍ من المصحف الشريف، سبق أن أريناكموه، راجين بَذْلَ الهمة والسعيَ لطبعه.
وأبيّن لشخصكم الفاضل بوضوحٍ أنه لم يَحدُث تَعَدٍّ غادرٌ فاضحٌ في التاريخ تجاه علم الحقيقة والحقائق الإيمانية كما يحدث في قضيتنا نحن، لذا فمن مقتضى ديوانكم العلمي وموقع رئاستكم أداءُ هذه الوظيفة الدينية والعلمية قبل أي شيء آخر؛ وفي أثناء تسممي الأخير فكرت في أجَلي، وتسلّيت بأن “أحمد حمدي” سيتبنّى رسائل النور بدلًا عني.
وأبعث لكم أيضًا نسخةً كاملةً من “دفاعاتي” في المحكمة، سبق أن أرسلت إلى ديوانكم أجزاء منها، وهي عينُ الحقيقة، أبعثها لكم على أمل إبرازها كمرجع لمن يسعى لإطلاق نشر رسائل النور بإشرافكم.
❀ ❀ ❀
رسالة صونغور من أنقرة إلى الأستاذ
تباشير طبع الرسائل
(تباشير طبع الرسائل)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾
حضرةَ الفاضل أستاذي العزيز المشفق المبارك المحبوب..
لقد سَلّمتُ رسالتكم الغراء إلى حضرة السيد أحمد حمدي رئيس ديوان الشؤون الدينية، مع مجموعةٍ من الرسائل، فوضعَها بفرحٍ بالغٍ في مكتبته الخاصة، وقال: “سأعطي -إن شاء اللّٰه- هذه المجموعة إخوتي الخاصين لقراءتها، وسنحاول -على هذه الصورة- طبعها تدريجيًّا”.
وقد قال أيضًا -يا سيدي ويا أستاذي المحبوب- إنه سيعمل حسب ما ورد في رسالتكم الكريمة، إلّا أنه لا يمكن نشر هذه المجموعات دفعة واحدة في الوقت الحاضر، إلّا أنني سأجعل إخوتي الخواص يقرؤونها، وننشرها حسب اهتمام الناس بها والطلب عليها، وبإذن اللّٰه سأسعى لنشرها على أفضل ما يكون.
صونغور
❀ ❀ ❀
محاولة ترجمة القرآن الكريم
(محاولة ترجمة القرآن الكريم)
تُكتب النكتة الآتية في مقدمة المقام الثاني للمكتوب التاسع والعشرين عقب السؤال والجواب مباشرة:
إن سبب تأليف هذه الرسالة هو نوعٌ من الرد على الخطة الرهيبة بجعلِ قراءةِ ترجمةِ القرآن في الجوامع بدلًا من القرآن نفسه، ولكن دخلتْ في الرسالة تفاصيل وبحوث ليست من صلب الموضوع.
وخطَرَ على القلب أن المقام الأول للمكتوب التاسع والعشرين، هذا المقام المهم الضروري الساطع الخارق يُزيل نقائصَ المقام الثاني وإسرافَه.. فشكرت ربي بسرور كامل ونسيت تلك النقائص.
❀ ❀ ❀
رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية
(رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾
حضرة السيد أحمد حمدي المحترم..
سأبين لكم حادثةً روحيةً جرت لي:
قبل مدة مديدة كانت فكرة اتباعِ الرخصة الشرعية -بناء على الضرورة- وتركِ العزيمة لا ينسجم مع فكري، مثلما سلكتموه أنتم وعلماء معكم، فكنت أغضب وأحتدُّ عليكم وعليهم، وأقول: لِمَ يتركون العزيمة متبعين الرخصة؟!
لذا ما كنت أبعث إليكم رسائل النور مباشرة.
ولكن قبل حوالي أربع سنوات وَرَدَ إلى قلبي أسفٌ شديدٌ مشحونٌ بالانتقاد، وفجأة خطر على القلب ما يأتي: إن هؤلاء الأفاضل أصدقاؤك وزملاؤك في المدرسة الشرعية، وفي مقدمتهم السيد أحمد حمدي، قد هوَّنوا الخطر الداهم -على الإسلام- إلى الرُّبع، وذلك بصرفهم قسمًا من الوظيفة العلمية -حسب المستطاع- من أمام التخريبات الرهيبة العنيفة، حفاظًا على المقدسات، متبعين الدستور الشرعي: “أهون الشرين”، وسيكون عملُهم هذا -إن شاء اللّٰه- كفارةً لبعض نقائصهم وتقصيراتهم التي اضطروا إليها.
فبدأتُ من ذلك الوقت أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظرةَ أُخوّةٍ حقيقية -كالسابق- فأنتم إخوتي في المدرسة الشرعية وزملائي في الدراسة.
وحيث إنني كنت أترقب وفاتي من وراء تسميمي هذا1﴿[٭]: وهذه المرة هي الخامسة عشرة من التسميم، وبعد أن شافاه اللّٰه منه قام بترجمة الخطبة الشامية من العربية إلى اللغة التركية مع إضافات عليها.﴾، عزمتُ على تقديم مجموعةٍ كاملةٍ إليكم قبل ثلاث سنوات، آملًا أن تكونوا الصاحبَ الحقيقيَّ لرسائل النور وحاميَها بدلًا عني، غير أن المجموعة ليست مصححة ولا كاملة، إلّا أنني قمتُ بشيءٍ من التصحيح لمجموعةٍ كاملةٍ أكثرُ أجزائها استنسخها -قبل خمس عشرة سنة- ثلاثةُ طلاب لرسائل النور لهم شأنهم.
[ثمن رسائل النور المعنوي]
فما كنتُ أعطي هذه المجموعة النفيسة غيرَك، حيث إن كتابتها من قِبَل هؤلاء الثلاثة الأعزاء جعلتْ قيمتَها تعادل عشر مجموعاتٍ كاملة، ومقابل هذا فإن ثمنها المعنوي ثلاثة أمور:
الأول: استنساخ ثلاثين نسخة تقريبًا من كل منها بالرونيو بالحروف القديمة إن أمكن، وإلّا فبالحروف الجديدة، وتوزيعها على شُعَب رئاسة الشؤون الدينية في البلاد، بشرط أن يكون أحد إخواننا الخواص مُعينًا على إجراء التصحيح وقائمًا بأمره، لأن نشر أمثال هذه المؤلفات من مهمة رئاسة الشؤون الدينية.
الثاني: لما كانت رسائلُ النور بضاعةَ المدرسة الشرعية ومِلْكَها، وأنتم أساس المدرسة الشرعية ورؤساؤها وطلابها، فالرسائل إذن مِلْككم الحقيقي، فانشروا ما ترتأون منها وأجّلوا الأخرى.
الثالث: ليُطبَع المصحفُ الشريفُ الذي يبين التوافقات في لفظ الجلالة، بالصورة الفوطوغرافية، لتشاهَد لمعةُ الإعجاز في التوافقات؛ ويرجى عدم طبع التعاريف التركية حول التوافقات الموجودة في البداية مع المصحف الشريف، بل الأفضل طبعُها في كراسٍ مستقلٍّ باللغة التركية، أو تترجَم ترجمةً أمينةً إلى العربية.
❀ ❀ ❀
سرّ الإخلاص والحذر في هذا العمر
(سرُّ الإخلاص والحذرُ في هذا العمر)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
لقد أُخطِر على قلبي أن أبيِّن لكم بعض المسائل التي تخصّني بالذات:
[سر الإخلاص]
إن سر الإخلاص يمنعني منعًا باتًّا أن أجعل رسائلَ النور والخدمةَ الإيمانيةَ أداةً لرُتَبٍ دنيويةٍ ولمقاماتٍ أخرويةٍ لشخصي، كما أرفض رفضًا قاطعًا جَعْلَ تلك الخدمة المقدسة وسيلةً لراحتي بالذات وقضاء حياتي الدنيوية مرتاحًا هنيئًا، حيث إن صرْفَ الحسنات الأخروية وثمراتها الخالدة في سبيلِ نَيلِ لذائذَ جزئيةٍ لحياةٍ فانيةٍ ينافي سرَّ الإخلاص.
لذا أبلّغكم جازمًا أن خدامًا روحانيين من الجن -ممن يرغب فيهم المعتكفون المنزوون من تاركي الدنيا- لو حضروا أوانَ جرحي وأَتَوني بأفضل دواءٍ لي، فإنني أجد نفسي مضطرًّا إلى عدم قبولهم، تحقيقًا للإخلاص الحقيقي؛ بل لو تَمثّل قسمٌ من الأولياء -ممن هم في البرزخ- وأعطَوني أفضل الحلويات، فلا أَقبلها منهم مع تقبيلي أيديهم، وذلك لئلا آكل ثمراتٍ أُخرويةً باقيةً في دنيا فانية، وقد أبدتْ نفسي أيضًا رضاها -كقلبي- في عدم قبولها.
ولكني أَقبل الإكرامات الرحمانية القادمة من حيث العناية الإلهية -كالبركة- من دون أن نقصدها وننويها، أقبلها بروحي -بشرطِ عدمِ تدخلِ النفس الأمارة- ذلك لأنها علامةُ قبول الخدمة والرضى عنها.
وعلى كل حال يكفى هذا القدر لهذه المسألة.
[سر الاندفاع في سن الشباب والحذر في سن الشيخوخة]
ثانيًا: في أثناء الحرب العالمية الأولى2﴿[٭]: احتل الروس شرقي الأناضول في ٣١/١٠/١٩١٤ وتم دفعهم في ١٥/١/١٩١٥ بعد أن استشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لاحتلال المنطقة مرة أخرى في ١٣/١/١٩١٦ بثلاثة أضعاف القوات العثمانية، ودخلوا أرضروم في ١٦/٢/١٩١٦.﴾ كنت مع الشهيد المرحوم الملا حبيب، نندفع بالهجوم على الروس في جبهة “پاسينلر”، فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائف علينا في كل دقيقة أو دقيقتين، فمرّتْ ثلاث قذائف مِن على رؤوسنا تمامًا وعلى ارتفاع مترين، وتَراجَع جنودُنا القابعون في الخندق، قلتُ للملا حبيب للتجربة والامتحان: ما تقول يا ملا حبيب.. لن أختبئ من قنابل هؤلاء الكفار؟
فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك.
فوقعتْ الثانية على مقربة منا، فقلت للملا حبيب واثقًا من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! إن قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.
وكذا الأمر في معركة “بتليس” وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاثُ طلقاتٍ للروس موضعًا مميتًا مني، وثقبتْ إحداها سروالي ومرت من بين رجلَيّ، كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالةً روحيةً تترفع عن النزول إلى الخندق، حتى قال القائد “كَل علي” والوالي “ممدوح” من الخلف: لينسحب، أو ليدخل الخندق فورًا!
ورغم قولهم هذا، وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة، فلم أحاول الحفاظ على حياتي البهيجة أيام شبابي تلك، ولكن الآن رغم الثمانين التي بُلّغتُها أتّخذ منتهى الحذر والحيطة لحفظ حياتي، حتى أتجنّب المخاطر بحساسية شديدة.
فالذي يراقب هاتين الحالتين يجد التضاد العجيب، إذ من يضحي بأيام شبابه دون إحجام، ويحاول الحفاظ بحساسيةٍ شديدةٍ على بضع سنين من حياة الشيخوخة الفاقدة للذوق، لا شك أن الأمر نابع من حكمة، وفيه مقصدان ساميان اثنان أو ثلاث:
المقصد الأول: إن حياتي، حياة الشيخوخة والضعف، تكون سببًا لنجاة طلاب رسائل النور -إلى حدٍّ ما- من الدسائس التي يحيكها الظالمون المتسترون غير الرسميين وقسم من الرسميين، ومن هجماتهم التي يشنونها على شخصي بالذات، حيث يظنون أن لي شأنًا -جهلًا منهم- فينشغلون بي بدلًا عن طلاب رسائل النور.
المقصد الثاني: على الرغم من أن كلًّا من إخوتي الخواص هم أصحاب رسائل النور وبمثابة “سعيد” كامل، فإنني أشعر بضرورة حفظ حياتي المريضة الضعيفة الهرمة، لترسيخ التساند والترابط الذي هو أعظم قوتنا بعد الإخلاص، ولئلا يصيبه شيءٌ من التصدع -كما حدث في السجن- من جراء اختلاف المشارب، ولربما تلحق أضرار جسيمة بخدمة النور، ولأجل أن تظهر مجموعات “الكلمات” و”اللمعات”، وليُدفع بلاء الترويع من رسائل النور لدى العلماء النابعُ من الخوف والمنافسة.
ذلك لأن أعدائي -طوال الامتحانات المديدة في المحاكم- عجَزوا عن رؤية تقصيراتي الخفية، فلم يستطيعوا من التهوين من شأني بحفظ اللّٰه وعنايته، فلا يستطيعون أيضًا التغلب على رسائل النور، فأحاول الحفاظ على حياتي التي لا أهمية لها لقلقي على أن أعداءنا ربما يستطيعون الإضرار برسائل النور بالتهوين من شأن قسم من وارثِيّ السعيدين الشباب، باختلاق الافتراءات عليهم في الحياة الاجتماعية، لأمور لا تُعرَف ماهيتها، حتى رأيت ضرورة حمل مسدس آخر علاوة على ما عندي، وستبقى المؤامرات التي يحيكها الأعداء بائرة بإذن اللّٰه ثم بفضل دعوات إخواني كما حصل في إبطال مفعول السم.
❀ ❀ ❀
تباشير تيار جديد
(تباشير تيار جديد)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
ثالثًا: رغم أنني لم أكترث بالحوادث السياسية الجارية منذ ثلاثين سنة ولم أتعقبها، فإن مصادرتَهم لمصحفنا الشريف الذي يُظهر التوافقات في لفظ الجلالة وعدمَ إعادته إلينا، والتعذيبَ الدنيء الذي قاسيناه بيد محكمة أفيوُن ومنعَها لكتبنا.. كلُّ ذلك أثَّر فيَّ أثرًا بليغًا، فنظرتُ مرتين أو ثلاثًا إلى دنيا السياسة خلال ما يقرب من خمسة عشر يومًا، ورأيت عجبًا:
إن تيار الزندقة الذي يَحكم بالاستبداد المطلق والرِّشوة العامة قد سعى لتعذيبنا وإفنائنا في سبيل إرضاء الماسونية والشيوعية، كما ذكرتُه في دفاعاتي، ولكني رأيتُ تباشير ظهور تيارٍ آخر سيَكسر قوة التيار الأول.. ولم أَنظر أكثر من هذا، إذ لا رخصة لي من حيث مسلكي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
برقية إلى رئيس الجمهورية
(برقية إلى رئيس الجمهورية جلال بايار)
رئيسَ الجمهورية..
نهنئكم وندعو اللّٰه تعالى أن يوفقكم لخدمة الإسلام والوطن والأمة.
عن طلاب النور
سعيد النورسي
إلى السيد رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الوزراء – أنقرة..
نحن طلابَ النور أصبحنا هدفًا لما لا مثيل له من ضروب التعذيب والإهانة طَوالَ عشرين سنة، فصَبَرنا تجاه ذلك حتى أتى المولى الكريم بكم لمعاونتنا.
ونقدِّم محكمة التمييز ومحكمة دنيزلي شاهدَين على عدم وجود أي سبب كان لتلك الإهانات منذ خمس وعشرين سنة، حيث لم تتمكن ثلاث محاكم من وجدان السبب، لا حقيقةً ولا قانونًا، بعد تدقيقاتهم في مائة وثلاثين كتابًا وألوف المكاتيب.
وعلى الرغم من أنني تركت السياسة منذ ثلاثين سنة، فإنني أقدم تهانيَّ إلى رئيس الجمهورية وإلى مجلس الوزراء الذين تولَّوا رئاسة الأحرار، وأقرن التهنئة بالإفصاح عن “حقيقة” وهي الآتية:
إن الذين يُغِيرون علينا ويعذبوننا في المحاكم قالوا: “ربما يَستغل طلابُ النور الدينَ في سبيل أغراض سياسية”!
ونحن قلنا ونقول لأولئك الظالمين في دفاعاتنا، ونُسند قولنا بأُلوف الحجج:
إننا لا نجعل الدين أداة للسياسة، فليس لنا غايةٌ إلّا رضاه تعالى، ولن نجعل الدين أداة لا للسياسة ولا للسلطة ولا للدنيا برمتها، هذا هو مسلكنا.
وقد تحقق لدى أعدائنا، أنهم -على الرغم من تدقيقاتهم المغرضة طَوال ثلاث سنواتٍ في ثلاثة أكياسٍ مليئة بالكتب والمكاتيب- لا يستطيعون إدانتنا، بل لا يجدون مبررًا للأحكام الاعتباطية التي حكموا علينا بها.
وحيث إنهم لم يجدوا أي شيء علينا، فسختْ محكمةُ التمييز ذلك الحكم، فنحن لا نجعل الدين أداةً للسياسة، بل نتخذ السياسة آلةً للدين، وفي مصالحةٍ ووئامٍ معه عندما نجد أنفسنا مضطرين اضطرارًا قاطعًا إلى أن ننظر إلى السياسة تجاه الذين يجعلون السياسة المستبدة أداةً للإلحاد، إضرارًا للبلاد والعباد، فعمَلُنا يحقِّق رابطةً أخوية لثلاثمائة وخمسين مليونًا مع إخوانهم في هذه البلاد.
حاصل الكلام: أننا سعينا لأجل إسعاد هذه الأمة والبلاد بجعل السياسة أداةً للدين وفي وئامٍ معه تجاه أولئك الذين جعلوا السياسة المستبدة آلة للإلحاد وعذّبونا.
❀ ❀ ❀
بشارة إعادة الأذان الشرعي
(بشارةُ إعادة الأذان الشرعي)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نهنئكم ملءَ كياننا وأرواحنا بحلول شهر رمضان المبارك الذي يحقق ثمانين ونيفًا من عمر باقٍ مليء بالعبادة، ونتضرع إليه تعالى أن يجعل كلَّ ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم مثمرةً وبمثابة ليلة القدر.
ونسأله تعالى برحمته الواسعة ونرجوه أن يجعلكم تَحْظَون بالأخوة الحَقَّة والإخلاص الكامل، حتى يشارك كلُّ طالبِ نورٍ خاص -بسرِّ تشريك المساعي- بالمكاسب المعنوية لجميع الطلاب، وكأنه يؤدي العبادة ويدعو ربَّه ويستغفره ويسبِّحه بألوف الألسنة.
ثانيًا: مع غلبة رسائل النور وظهورها ظهورًا معنويًّا كاملًا يحاول ملحدو الماسونيين وزنادقةُ الشيوعيين أن يَسْتَهْوِلوا صغائرَ الأمور، فيَحُوْلوا دون حرية نشر رسائل النور، حتى إنهم سبَّبوا تأجيلَ محكمتنا -هذه المرة أيضًا- لخمسةٍ وثلاثين يومًا، وأحدثوا ضجة ومشادة مع محامينا، ليمنعوا إعادة مصحفنا الشريف، إلّا أن العناية الإلهية جعلتْ جميع خططهم عقيمة بائرة، حيث إن رسائل النور في إسطنبول وأنقرة تستقرئ نفسَها للشباب بشوق كامل وترشدهم إلى الصواب، حتى أدّت الغلبةُ المعنويةُ هذه إلى إرسال البرقيات من قبل مئات الشباب المثقفين تعبيرًا عن تهانيهم وشكرانهم إلى رئيس الوزراء الذي سعى لإعادة الأذان المحمدي “على الوجه الشرعي”.
❀ ❀ ❀
إسبارطة مباركة بالنسبة لي
(إسبارطة مباركة بالنسبة لي)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نبارك لكم بمناسبة ارتفاع الأذان المحمدي بكل بهجةٍ وسرورٍ وانشراحٍ من فوق عشرات الألوف من المنائر في البلاد؛ فكما أن هذه بشرى لظهور الشعائر الإسلامية وسطوعها مجددًا في البلاد، فهو مقدمةٌ لأعيادٍ جليلة لكم ولهذه البلاد وللعالم الإسلامي إن شاء اللّٰه.
ونحن هنا نقول: آمين.. آمين.. آمين.. اللّٰهم آمين.. لعباداتكم ودعواتكم المرفوعة في هذا الشهر المبارك، شهرِ رمضان الذي يُكسِب المرءَ ثمانين ونَيِّفًا من رأسمالِ عمرٍ معمورٍ بالعبادة، ونتضرع إلى رحمته تعالى أن تُكسِب كلَّ ليلة من لياليه المباركة ثوابَ ليلة القدر.
وأرجو منكم مدَّ يد العون المعنوي لي، حيث لا أستطيع مواصلة السعي في العبادة والدعاء في هذا الشهر لشدة المرض ولشدة الضعف الذي انتابني.
ثانيًا: إن أُمنيتي الكبيرة هي أن أقضي نهاية حياتي في إسبارطة وحواليها، فقد قلت كما قال بطل النور:
إن إسبارطة مباركة بالنسبة لي بقَضِّها وقَضيضها، بترابها وحجرها، حتى إنني متى ما اعتراني الغضب والحِدِّة على الإهانة والتعذيب الذي أُلاقيه من الحكومات السابقة منذ خمسٍ وعشرين سنة، ما كنت أغضب على حكومة إسبارطة والمسؤولين فيها، بل كنت أنسى بقية المسؤولين لأجل تلك البقعة الطيبة، فما كنت أدعو عليهم، ولا سيما الوطنيين الحقيقيين الذين بدأوا بتعمير ما هُدم، أولئك الأحرار الذين يتسمَّون بالديمقراطيين، فأنا شاكرٌ أولئك الناشدين للحرية ويقدِّرون النورَ وطلابَ النور حقَّ قدرهم، وأدعو ربي كثيرًا لتوفيقهم، وسيرفع أولئك الأحرارُ الاستبدادَ المطلق بإذن اللّٰه، ويصبحون وسيلةً للحرية الشرعية.
ثالثًا: إن مكوثي هنا لعدة أيام بعد العيد ضروري، بناءً على سبب، أما بعد شهر أو شهرين فهذا موكول إلى قرارِ أركانِ مدرسة الزهراء وموافقة السعيدِين الشباب من جامعة إسطنبول وأنقرة، فأيَّ موضعٍ يرتأونه مناسبًا لي للبقاء فسأرضى به؛ إذ لما كنتم وارثيَّ الحقيقيين وتؤدون مهمتي في هذه الدنيا أفضل مما أؤديها بألف مرة، فسأدَع موضع منزلي الأخير في هذه الحياة الفانية حسب رأيكم.
رابعًا: أُخوّلكم في الجواب عن التهاني والرسائل القادمة ممن يعبِّرون عن علاقتهم الشديدة بالنور.
❀ ❀ ❀
تأليف الطلاب سيرة أستاذهم
(تأليف الطلاب سيرةَ أستاذهم)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نتضرع إلى المولى القدير وأسأله تعالى برحمته أن يقبل إحياءَ كلٍّ منكم مع جميع طلاب النور لليلة القدر التي تُكسِب ثمانين ونيفًا من سني العبادة، والتي توافق النصفَ الأخيرَ من شهر رمضان ولا سيما في العشر الأواخر منه، ولا سيما في الليالي المفردة، ولا سيما في السابع والعشرين منه، وأرجو أن تجعلوا أخاكم هذا الضعيف المقصِّر المريض ضمن دعواتكم المقرونة بألوف “آمين”.
ثانيًا: إن طلاب النور في الجامعة يمثِّلون “سعيدين” شباب، فهم يؤدون مهمة مدرسة الزهراء حق الأداء، سواءٌ في إسطنبول أو في أنقرة، ولا يَدَعون حاجةً إلى هذا السعيد الضعيف.
نرسل طيَّ هذه الرسالة البيانَ الذي وجهه الطلابُ الجامعيون إلى النواب، والذي يمثل نموذجًا لكفاية رسائل النور، ونرفقه بـ”تاريخ حياة” الذي يُعَدُّ من تأليفهم أيضًا والمستنسَخ باليد، لإعطائه إلى سبعين من النواب في البرلمان، فإذا ارتأيتم اجعلوا ذلك البيان ودفاعَ مصطفى صونغور الذي قدّمه إلى وزارة المعارف (التربية)، وعريضةَ مصطفى عثمان المقدّمة إلى وزارة العدل، ذيلًا لكتاب “تاريخ حياة” المستنسخ باليد أو بالرونيو في إينوبولو.
ثالثًا: إن أركان مدرسة الزهراء هم وكلاء حقيقيون لشخصي، فليكتبوا جواب الرسائل الواردة إلى شخصي بالذات.
❀ ❀ ❀
الإخوان المسلمون وطلاب النور
(الإخوان المسلمون وطلاب النور)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: بارك اللّٰه فيكم ألفَ ألفِ مرةٍ على إنجازكم مجموعة “الكلمات” على أفضل وجه وأصحِّه، وحمدًا كثيرًا للّٰه على إنقاذكم قسمًا من المجموعات من المصادَرة والتلف.
ثانيًا: بالنسبة للتهنئة التي كتبها إليّ من حلب أحدُ أعضاء الإخوان المسلمين، فإننا نهنئه بالمقابل، ونهنئ الإخوان المسلمين من صميم قلوبنا وأرواحنا، ونقول لهم:
بارك اللّٰه فيكم ألف مرة.. إن طلاب النور -الذين هم بمثابةِ خَلَفِ الاتحاد المحمدي السابق- يمثِّلون الاتحاد الإسلامي في الأناضول، أما في البلاد العربية فالإخوان المسلمون هم الذين يمثِّلون الاتحاد الإسلامي.
إن طلاب النور والإخوان المسلمين -من بين صنوفٍ عديدة- يشكّلان صَفَّين مترافقين ومتوافقين ضمن حزب القرآن، وضمن دائرة الاتحاد الإسلامي المقدسة، وقد سعِدنا باهتمامهم الجدِّي برسائل النور وبعزمهم على ترجمة بعضها إلى اللغة العربية، ونحن نحمل لهم شعور العرفان بالجميل، لذا فأرسِلوا جوابًا لمن أرسل إليّ بطاقة التهنئة باسم جمعية الإخوان المسلمين، وأرجو منهم أن يقوموا برعاية طلاب النور ورسائل النور هناك.
❀ ❀ ❀
سعيدون شباب
(سعيدون شباب)
أخي العزيز الوفي عثمان نوري..
لقد جمع اللّٰه سبحانه حولك سعيدِين شباب، لهم شأنُهم بفضل ما تحملها من نية سامية وإخلاص تام.
وحيث إنكم ترون وجودي في أنقرة ضروريًّا، فأنا بدوري أُرسِل إليكم نُسَخي الخاصة من رسائل النور، والتي تداركتُها بنفقتي الخاصة، أُرسلُها إلى تلك المدرسة النورية الصغيرة بدلًا عني، فتكون لك أصحاب وجيران بعدد تلك النسخ.
وفي الوقت نفسه أُودِع لديك سعيدِين شبابًا وهم: صونغور، جيلان، صالح، عبد اللّٰه، أحمد، ضياء.. هؤلاء أثبتوا -إلى الآن- بخدماتهم أنهم مضحون أوفياء يفوق وفاءَ الأبناء لآبائهم، فكلٌّ منهم بمثابة عشرة “عبد الرحمن”، أُودعهم لديك ليكونوا طلابًا، ووكلاء عني، يؤدون مهمة النظارة -بدلًا عني- في تلك المدرسة الصغيرة، وجعلِها مدرسة نورية صغيرة، والأمر أدَعه إلى رأيكم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
انتقادات أهل الإيمان
(انتقادات أهل الإيمان)
إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين..
……..
ثانيًا: إنه لا أهمية قطعًا لانتقاداتٍ خفيفةٍ يوجهها إلينا بعضُ المتصوفة -كما ورد في رسالة أخينا من قونيا- وعليهم ألّا يتألموا منها، ولا يقابلوهم بالمثل بأيِّ وجهٍ من الوجوه، لأني أَعُدُّ تلك الانتقادات نوعًا من النصيحة وضربًا من الالتفاتة والتكريم، حيث إنها واردةٌ من أهل الإيمان، ولا سيما من أهل الطرق الصوفية، ولا سيما ما كانت تمسّ شخصي بالذات، فأنا أسامحهم وأعفو عنهم.
فتجاه الأضرار الرهيبة التي يُنزلها بنا أهلُ الإلحاد حاليًّا، أَعُدّ تلك الانتقادات الطفيفة من إخواننا أهل الإيمان والتي تمسّ شخصي، توصيةَ صديقٍ شبيه بالتذكير والتنبيه لأخذ الحذر.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
من خدمات طلاب النور
(من خدمات طلاب النور)
إن الخدمات الإيمانية التي قدمها طلابُ النور، أركانُ مدرسة الزهراء -ولا سيما خُسرو- لهذه الأمة والوطن والعالم الإسلامي، ووَضْعَهم الحدَّ أمام مكايد الملحدين المخرّبين، هي حسناتٌ عظيمةٌ تُذهِب ألوف سيئاتهم -لو كانت لهم سيئاتٌ بفرض محال-، لذا يجب عدم انتقاد أعمال أولئك الأركان وحركاتهم -وفي مقدمتهم خسرو- بل يَلزم إسنادهم بإخلاص تام وتوثيقُ رابطة الأخوة معهم بوفاء خالص.
❀ ❀ ❀
حول رسالة “اللوامع”
(حول رسالة “اللوامع”)
إخوتي الأعزاء الأوفياء.. ويا أركان مدرسة الزهراء.. وناشري رسائل النور..
أولًا: لقد رأينا مسألةً ما مناسِبةً وملائمة، وخطر على القلب إحالتُها إلى أركان مدرسة الزهراء ليُبدوا رأيَهم فيها، فهم أهل الرأي والصلاحية؛ وهي كالآتي:
بناءً على لهفةِ ثلاثةِ إخوةٍ يعاونونني في شؤوني إلى تلقي درسٍ مؤقتٍ مني بضعة أيام، وشوقًا إلى إحياء خاطرةٍ قيِّمةٍ درَّستُها طلابي في الماضي، فقد كنت أُدرِّس يوميًّا صحيفةً واحدةً من رسالة “اللوامع” المطبوعة، فتلقيناها معًا بإعجاب وتقدير؛ إذ ورد إلى فكرنا أن سببَ نفادِ هذه الرسالة المطبوعة وأمثالها، هو قيمتُها الرفيعة التي قدَّرها الأعداءُ فحالوا دون انتشارها، والأصدقاءُ الذين لا يريدون أن تفلت منهم فرصةُ اقتنائها.
وشاهَدْنا أن هذه الرسالة (اللوامع) هي بمثابة بذورٍ ونَوًى لقسمٍ مهمٍّ من رسائل النور، حيث تَضُمُّ حِكمًا بليغةً موجزة، تَحمل في طيِّها حقائقَ اجتماعية عظيمة، وردت بأسلوب سهل ممتنع لا يمكن تقليده، وبشكل منظومٍ كالمنثور، لم يوفَّق إليه أديب ولا مفكر، فيقرؤها القاري بسهولة ويُسرٍ منثورًا من دون أن يورد إلى خاطره النظم.
وقد أُلّفتْ في عشرين يومًا من أيام شهر رمضان المبارك، بالعمل ساعة أو ساعتين يوميًّا، وذلك قبل سبع وثلاثين عامًا، وهي من ناحية الأدب شبيهة بالمثنوي الرومي، وقد أَخبرَتْ عن أمور ستتحقق مضامينُها بعد ثلاثين سنة، فوضعنا إشاراتٍ في ثلاثين موضعًا من هذا القبيل، مما يدل على أن هذه “اللوامع” مبشِّرةٌ برسائل النور، وفِهرستُها ومزرعتُها وأنموذجُها.
❀ ❀ ❀
بشرى [للعجائز].. وتنبيه [للآنسات]
(بشرى.. وتنبيه)
رسالة خاصة بأركان مدرسة الزهراء الحاليين
بشرى مهمة إلى العجائز.. وتنبيه للآنسات اللائي يفضّلن البقاء عازبات.
إن مفهوم الحديث: (عليكم بدين العجائز)3﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين٣/٧٨؛ السخاوي، المقاصد الحسنة٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة١٤.﴾ يَحث على الاقتداء بدينِهن، بمعنى أن الإيمان الراسخ في آخر الزمان يكون لدى العجائز.
ولما كان أحدُ الأسس الأربعة لرسائل النور: “الشفقة”.. وأن النساء هن رائدات الشفقة والحنان، حتى إن أشدَّهن تخوفًا تضحّي بروحها إنقاذًا لطفلها، وأن الوالدات والأخوات المحترمات يواجهن في هذا الوقت أحداثًا جسامًا.. فقد أُلهم قلبي أنه يَلزم بيانُ حقيقةٍ فطريةٍ تخصّ الآنسات من طالبات النور، بالرغم من أنها لا يجوز البوح بها أو نشرها، إذ هي خاصة جدًّا باللائي يرغبن البقاء في حياة العزوبة أو اضطُررن إليها؛ فأقول:
يا بناتي ويا أخواتي..
إن زماننا هذا لا يشبه الأزمنة الغابرة، فلقد ترسَّخت التربيةُ الحديثة “الأوروبية” في المجتمع عوضًا عن التربية الإسلامية، طوال نصف قرن من الزمان.
إذ بينما الذي يتزوج ليحصّن نفسه من الآثام، وليجعل زوجته صاحبتَه الأبدية ومدارَ سعادته الدنيوية، بدافعٍ من تربية الإسلام، تراه يجعل تلك الضعيفة المنكوبة، بتأثير التربية الأوربية، تحت سَطوته وتحكُّمه الدائم، ويحصر حبَّه لها في عهد شبابها وحده، وربما يزجّها في عنَتٍ ومشقات تَفوق كثيرًا ما هيأ لها من راحة جزئية، فتَمضي الحياة في عذاب وآلام، ولا سيما إن لم يكن الزوج كفؤًا -بالاصطلاح الشرعي- حيث الحقوق الشرعية لا تُراعى، وإذا ما تداخلت المنافسةُ والغَيرة والتقليد فالبلاء يتضاعف.
وهكذا فالذي يدفع إلى هذا الزواج أسباب ثلاثة:
السبب الأول: لقد وَضعت الحكمةُ الإلهية ميلًا وشوقًا في الإنسان لإدامة النسل، ووضعت أجرةً لأداء تلك الوظيفة الفطرية، وهي اللذة.
فالرجل ربما يتحمل مشاقَّ ساعةٍ لأجل تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق -إن كانت مشروعة- بينما المرأة، تَحمل في بطنها الطفلَ حوالي عشرة أشهر، مقابل تلك المتعة التي تدوم عشر دقائق، فضلًا عما تتحمل من مشقاتٍ طَوال عشر سنوات من أجل طفلها؛ بمعنى أن تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق تزيل أهميةَ ذلك الميل الفطري، حيث تَسوق إلى هذه المصاعب الكثيرة والمتاعب المستمرة.
فيجب إذن ألّا تدفع المرأةَ إلى الزواج أحاسيسُها ودوافعُها النفسية وميلُها الفطري.
السبب الثاني: إن المرأة محتاجةٌ فطرةً إلى من يُعِينها في أمور العيش، لضعف في خِلقتها، فمن الأَولى لها أن تسعى لكسب نفقتها بنفسها -كما هي الحال لدى نساء القرى- وذلك أفضل لها بعشرات المرات من أن تدفعها تلك الحاجة إلى الرضوخ لسيطرة زوج نشأ على تربية غير إسلامية -كما في أيامنا الحاضرة- واعتاد على الإكراه والفساد، وربما تحاول الزوجة كسبَ رضاه بالتصنع، وبالإخلال بعبادتها وأخلاقها التي هي مدار حياتها الدنيوية والأخروية، كلُّ ذلك لأجل تلك المعيشة البسيطة الزهيدة.
وحيث إن الخالق الرحيم والرزاق الكريم يرسل لهن رزقهن مثلما يرسل رزق الصغار من الأثداء، فليس من شأن طالبة النور إذن البحثُ عن زوجٍ تاركٍ للصلاة، فاقدٍ للأخلاق، والرضوخُ له من التصنع لأجل ذلك الرزق.
الثالث: إن في فطرة المرأة حبَّ الأولاد وملاطفتهم، والذي يقوِّي هذا الميلَ الفطري ويسوق إلى الزواج هو خدمةُ الولد لها في الدنيا، وشفاعتُه لها يوم القيامة، وإرسالُه الحسنات إليها بعد وفاتها.
إلّا أن التربية الأوروبية التي حلت محل التربية الإسلامية في الوقت الحاضر، تجعل واحدًا أو اثنين من كل عشرةِ أبناءٍ ابنًا بارًّا بوالدته، ويسجِّل حسناتٍ في صحيفة أعمالها بأدعيته الطيبة وأعمال البرّ، ويشفع لها -إن كان صالحًا- يوم القيامة، فيكافئ -حقًّا- شفقةَ والدته، بينما الثمانية الباقية من العشرة يُهملون هذه الحالة.
لذا فإن هذا الميل الفطري والشوق النفساني في حب الأولاد ومداعبتهم لا ينبغي أن يدفع المرأة في الوقت الحاضر إلى تحمل مصاعب هذه الحياة الشاقة، إن لم تكن مضطرة إليها اضطرارًا قاطعًا.
فبناء على هذه الحقيقة التي أشرنا إليها، أُخاطب بناتي من طالبات النور اللائي يرغبن في حياة العزوبة، ويُفضِّلن البقاء باكرات، فأقول:
يجب ألّا يبِعن أنفسهَن رخيصاتٍ سافراتٍ كاشفات، عندما لا يجدن الزوج المؤمن الصالح ذا الأخلاق الحسنة الملائم لهن تمامًا، بل عليهن البقاء في حياة العزوبة إن لم يَجِدن ذلك الزوج الكفء، كما هو حال بعض طلاب النور الأبطال، حتى يتقدم لطلبها من يلائمها ممن تربى بتربية الإسلام، وله وجدانٌ حيّ، ليكون رفيقَ حياةٍ أبديةٍ يليق بها، وذلك لئلا تُفسد سعادتها الأخروية لأجل لذة دنيوية طارئة فتغرق في سيئات المدنية.
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
نشر الأنوار
(نشر الأنوار)
إخوتي الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نبارك يومَ المولد النبوي الشريف بقلوبنا وأرواحنا.
ثانيًا: سيبارِك العالَمُ الإسلامي نجاحكم الباهر في نشر الأنوار، رسائل النور، وها قد بدأت تباشيره، أذكر أنموذجًا منه:
أتاني وزير المعارف الباكستاني، لأخذ قسم من رسائل النور، وقال: سأسعى لنشر هذه الرسائل النورية بين تسعين مليونًا من المسلمين.
وعلى الرغم من الدعايات المغرضة التي يُشِيعها المنافقون حولنا، فإن الأنوار تنتشر في أماكن بعيدة كأوروبا وآسيا، بل أُعلنَ في ألمانيا عن مجموعةِ “ذو الفقار” بعد ظهورها مباشرة، وفي داخل البلاد تُقرأ مجموعة “عصا موسى” و”ذوالفقار” بشوقٍ كامل، دون مبالاة بالحظر الذي فُرض على الرسائل من قبل رئيس الوزراء ووزير الداخلية، والقراء كثيرون جدًّا في أنقرة، ولقد قَرر مدراء السجون في عدة ولايات: سنجعل السجون مدارس نورية، لإصلاح المساجين كما صَلَحوا في سجن “دنيزلي” و”أفيوُن”.
ثالثًا: إن أخانا “برهان” عليه رحمة اللّٰه، هو من أبطال رسائل النور الأميين، فأعزِّي أقاربه وإسبارطة وطلاب مدرسة الزهراء بوفاته، وقد سمعتُ الخبر قبل ستة أيام تقريبًا، ودعوت له في هذه الأيام ألف مرة، حيث كنت أذكره في دعواتي وفي وردي: أجرنا من النار.. ما يقرب من أربعمائة مرة، وأهدي ثوابه كلَّه إلى “برهان”.
رابعًا: لقد باشرتْ رسائلُ النور بفضل اللّٰه بإنارة المدارس الحديثة، إذ جَلبتْ طلابَها إلى صفوف طلاب رسائل النور وجعلَتهم ناشرين ومالكين لها أكثرَ من طلاب المدارس الشرعية الذين سيكونون بإذن اللّٰه طلابًا لرسائل النور أيضًا وبالتدريج، حيث إن رسائلَ النور بضاعتُهم الحقيقية وحصيلة مدارسهم.
وقد بدأتْ تباشير الرغبة والشوق إلى الرسائل لدى كثير من المفتين والعلماء، فيلزم لأهل التكايا أيضًا -وهم أهل الطرق الصوفية- أن ينوروا تلك الرسائل.
لقد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، فالبدَع تحُول دون ذلك، مفكرًا في حقائق الإيمان وحدها، ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكلِّ صاحب طريقة -بل الألزم له- أن يَدخل دائرةَ رسائل النور التي هي أوسعُ الطرق وتضم خلاصةَ الطرق الاثنتي عشرة المهمةِ ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة، حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لا يلج في الإلحاد بسهولة ولا يُقهر قلبه، ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدًا، فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقًّا، بشرط ألّا يَدخلوا -حسب المستطاع- في البدع ولا يرتكبوا الآثام التي تَحُول دون التقوى وتَجرحها.
خامسًا: إن أخطر شيء في هذا الزمان هو الإلحاد والزندقة والفوضى والإرهاب، وليس تُجاه هذه المخاطر إلّا الاعتصام بحقائق القرآن. وبخلاف ذلك لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تُجَابَه هذه المصيبةُ البشريةُ التي دفعت الصينَ إلى أحضان الشيوعية في زمن قصير، ولا يمكن إسكاتها بالقوى السياسية والمادية، فليس إلّا الحقائقُ القرآنية التي تستطيع أن تدفع تلك المصيبة.
❀ ❀ ❀
وظيفتنا العمل.. والتوفيق من اللّٰه
(وظيفتنا العمل.. والتوفيق من اللّٰه)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الأعزاء الأوفياء.. يا شباب النور الأبطال..
أولًا: نبارك خدماتكم الجليلة الخارقة في مكانٍ مثل أنقرة ملءَ أرواحنا وكياننا.. حقًّا لقد أصبحتم وسيلةً لصحوةٍ مهمةٍ لدى الكثيرين ولا سيما في أهل المدارس الحديثة بما يفوق آمالنا.
إن ما أنجزتموه من خدمات في أنقرة لا يمكن أن تتحقق إلّا في عشر سنوات، فاقتنِعوا بما أديتموه من مهمة، لئلا يصيب الخَوَرُ والوهنُ قوتَكم المعنوية من جراء حوادث تافهة، بل لا بد أن تكون وسيلةً لبلوغ وسائل أخرى لتزييد سعيكم ونشاطكم.
ففي مثل تلك الأماكن التي يتصارع فيها أكثرُ من عشرين تيارًا من التيارات السياسية والاجتماعية لأجل مصالح شخصية أو لأغراض شتى، فإن عملكم في سبيل القرآن والإيمان، وتَبنِّي طلابِ الجامعة بتقديرٍ وإعجابٍ لرسائل النور، قد أَبهج قلوبَ جميع طلاب النور بل سيُبهج قلب العالم الإسلامي جمعاء.
إن ثوابكم عظيمٌ في خدماتكم القليلة هذه كثواب المُرابط في ظروف قاسية في الحدود تجاه الأعداء، إذ تُعادل ساعةٌ من المرابطة سنةً من العبادة.
فأنتم مثل أولئك المرابطين -وكذا طلاب النور في جامعة إسطنبول- قد قمتم بأعمالٍ جِسامٍ في زمن قصير، فلئن لم تقطفوا ثمرات سعيكم كلّها، فاكتفوا بها قانعين.
نعم، كما أن انسحاب بعض الضعفاء أثناء الجهاد يثير الحماس ويحرّك النخوة البطولية لدى الشجعان الغيورين، فعلى طلاب رسائل النور المضحِّين أن يُقبلوا أكثر على الغيرة والثبات والسعي المتواصل أكثر من قبلُ لدى انسحاب المرتابين.
نعم، إنكم استرشدتم -فطرةً- بحقيقة عظيمة من حقائق رسائل النور، فضعوا تلك الحقيقة نصب أعينكم، وهي: أن وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص؛ أما إحرازُ التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين، فهو مما يتولاه اللّٰه سبحانه.. نحن لا نتدخل فيما هو موكولٌ إلى اللّٰه، حتى إذا غُلِبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا.
وينبغي القناعةُ في هذه النقطة، فقد قيل لجلال الدين خوارزم شاه -وهو القائد العظيم في عهده-: ستنتصر على جنكيز خان، فقال: إن مهمّتنا الجهادُ، أما جَعلُنا غالبين أو مغلوبين فهذا ما يتولاه اللّٰه سبحانه، ولا أتدخل أنا فيه.
فأنتم يا إخوتي قد اقتديتم بهذا البطل، فتستمرون في العمل بإخلاص دون أن ينال منكم الضعفُ والوهن شيئًا.
❀ ❀ ❀
لا وسط بين الكفر والإيمان
(لا وسط بين الكفر والإيمان)
إنه لا وسط بين الكفر والإيمان، ففي هذه البلاد وتجاه مكافحة الشيوعية فليس هناك غير الإسلام؛ وليس هناك وسط، لأن التقسيم إلى يمين ويسار ووسط، يقتضي ثلاثة مسالك، وهذا قد يَصدُق لدى الإنكليز والفرنسيين، إذ يمكنهم أن يقولوا اليمين الإسلام، واليسار الشيوعية، والوسط النصرانية. إلّا أن الذي يجابه الشيوعية -في هذه البلاد- ليس إلّا الإيمان والإسلام، فليس هناك دين ومذهب آخر يجابهها إلّا التحلل من الدين والدخول في الشيوعية، لأن المسلم الحقيقي لا يتنصّر ولا يتهوّد، بل -إذا خلع دينه- يكون ملحدًا فوضويًّا إرهابيًّا.
وكما أدرك وزيرُ المعارف والعدل هذه الحقيقةَ سيدركها بإذن اللّٰه سائرُ الأركان في الحكومة حق فهمها، فيحاولون الاستناد إلى قوة الحق والحقيقة والقرآن والإيمان بدلًا من اليمين واليسار، وينقذون بإذنه تعالى هذا الوطن من الكفر المطلق والزندقة ومن دمارهم الرهيب، فنحن نتضرع إليه تعالى بكل كياننا أن يوفقوا في ذلك.
❀ ❀ ❀
برقية من الفاتيكان
(برقية من الفاتيكان)
الفاتيكان ٢٢ شباط ١٩٥١
مقام البابوية الرفيع
السكرتير الخاص
رئاسة القلم الخاص رقم ٢٣٢٢٤٧
سيدي.. تلقينا كتابكم المخطوط الجميل “ذوالفقار” بوساطة وكالة مقام البابوية بإسطنبول، وتم تقديمه إلى حضرة البابا الذي رجانا أن نبلّغكم بالغَ سروره من هذه الالتفاتة الكريمة منكم، ودعواته من اللّٰه عز وجل أن يشملكم بلطفه وفضله، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنبلغكم احتراماتنا.
التوقيع
رئاسة سكرتارية الفاتيكان
❀ ❀ ❀
حول “ولدان مخلدون”
(حول “ولدان مخلدون”)
لقد ورد في سؤال أخينا: ورد في بعض التفاسير لدى الآية الكريمة: ﴿يطوف عليهم وِلدان مخلَّدون﴾ أن “جميع أهل الجنة، من الأطفال الصغار حتى الشيوخ الهرمين سيكونون في الثالث والثلاثين من العمر”.
وحقيقةُ هذا -واللّٰه أعلم- هي أن صراحة الآية الكريمة بـ﴿ولدان﴾ تفيد أن الأطفال الذين لم يؤدوا الفرائض الشرعية ندبًا على وجه السنة والنافلة -حيث لم تفرض عليهم- وتُوُفُّوا قبل البلوغ سيخلَّدون في الجنة أطفالًا صغارًا محبوبين بما يليق بالجنة.
والوارد في الشريعة أيضًا أَمرُ الوالدين أولادَهما بالصلاة والصيام، والحثُّ على الصلاة متى ما بلغوا السابعة من العمر، والإكراهُ عليها في العاشرة منه لأجل التعليم والتدريب.
بمعنى أن الأطفال الذين يؤدون الفرائض -كالصلاة والصيام- اعتبارًا من السن السابعة إلى حدّ البلوغ ندبًا -وهي لم تفرض عليهم بعد- سيكونون في الثالث والثلاثين من العمر ليُجازَوا كالكبار الملتزمين بالدين.
فقسم من التفاسير لم يميز هذه النقطة، بل عمّمها على جميع الأطفال، فظنوا حكم الآية عامًا مع أنه خاص.
❀ ❀ ❀
تذكير أعضاء المجلس النيابي المتدينين الغيارى
(تذكير أعضاء المجلس النيابي المتدينين الغيارى)
إن مصلحة الإسلام والبلاد تقتضي قبل كل شيء إقرارَ قانون حرية المتدينين، وتنفيذَه فورًا في المدارس، لأن هذا التصديق يُكسِب هذه البلادَ القوةَ المعنوية لأربعين مليونٍ من المسلمين في روسيا، وأربعمائةِ مليونٍ من المسلمين عامة، ويجعل تلك القوة الهائلة ظهيرة لنا، إذ مما لا شك فيه أن الحقائق القرآنية والإيمانية هي التي صَدّت اعتداء روسيا علينا -قبل اعتدائها على أمريكا والإنكليز- بمقتضى عداوتها لنا منذ ألف عام.
لذا فمن الألزم لمصلحة هذه البلاد التمسكُ بتلك الحقائق القرآنية والإيمانية، وجعلُها سدًّا قرآنيًّا قويًّا -كقوة سد ذي القرنين- لصدِّ تيار الإلحاد المعتدي، ذلك لأن الإلحاد الذي استولى على روسيا وعلى نصف الصين -لحدِّ الآن- وعلى نصف أوروبا قد وقف تجاهنا عند حده، ولم توقفه إلّا الحقائقُ الإيمانية والقرآنية، وإلّا فلا تملك المحاكم -التي لا تُعاقِب إلّا واحدًا من ألف من المخربين- القوةَ الكافية لإيقاف القوة المعنوية المدمرة لروسيا، حيث إن الدمار المعنوي الذي يبيح أموالَ الأغنياء للفقراء والسائبين، ويبيح أعراض أهل الغيرة والشرف للشباب الطائشين، والذي استولى في فترة قصيرة على نصف أوروبا.. لا توقفه إلّا قنابل معنوية تنسفه نسفًا، وما هي إلّا قنابل ذرية معنوية عظيمة لحقائق القرآن والإيمان، التي توقف تيار اليسار الجارف.
وبخلافه لا يمكن إيقاف تلك القوة المدمرة الهائلة -بمعاقبة واحدٍ من ألف- من قِبَل المحاكم.
إن الصحوة الحاصلة في البشرية نتيجة الحربين العالميتين أبانَت بأن لا تعيش أمةٌ بلا دين، فلن تبقى روسيا بلا دين ولا تستطيع ذلك، ولا تعود إلى النصرانية، فلربما تُصالح القرآن أو تَتبع ذلك الكتابَ المبين الذي يقصم الكفر المطلق ويستند إلى الحق والحقيقة وإلى الحجة والدليل ويُقنع العقل والقلب، وعند ذلك لا تحارب أربعمائة مليون من أهل القرآن.
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
وفي كل شيء له آية
(وفي كل شيء له آية)
إخوتي الصديقين المتفكرين الأعزاء..
أولًا: لقد حصلتْ لدي القناعة التامة -بناءً على أماراتٍ كثيرة- أن الملحدين المتسترين يُغرِّرون ببعض الموظفين الرسميين، فيُبرزون لهم بإصرارٍ رسالةَ “مرشد الشباب” من بين رسائلَ ضخمةٍ خاصة بالنور، ويتخذونها موضع اتهام، فيذيقني أولئك عنَتًا ومضايقة منذ سنة ونصف السنة.
فلقد تيقنتُ أن سبب ذلك هو ما في تلك الرسالة من “نكتة توحيدية في لفظ هو”، إذ إن هذا البحث قد كَشف سر التوحيد ووضَّحه توضيحًا يقطع به دابر الكفر المطلق، ولا يدع مجالًا لأية شبهةٍ لدى قسم منهم، ولما لم يجد أولئك الملحدون المتسترون حيلةً تجاه هذا البحث القيّم، دبّروا المكايد للحيلولة دون انتشار الرسالة وحَجبْها رسميًّا.
ولقد ألقيتُ قبل يوم درسًا على أركان مدرسة الزهراء، حول نقاط من البحث المذكور، أبيّن لكم ثلاثًا منها فقط:
النقطة الأولى: إن وظيفة سامية جليلة من وظائف الهواء، هي كونه وساطة انتشار الكلمات الطيبة وأقوال الإيمان ذات الحقائق والمغزى الحكيم، كما تتوضح بالآية الكريمة: ﴿اليه يصعد الكَلِمُ الطيب﴾، وحتى يغدو الهواءُ صحيفةً من صحائف القدرة الإلهية، تتبدل تلك الصحيفة باستنساخِ قلمِ القدَر فيها وانتشارِ تلك الكلمات بإذنٍ إلهي، وذلك لأجل إسماع الملائكة والروحانيات في كرة الهواء كلِّها حتى صعودها إلى العرش الأعظم.
فما دامت وظيفةُ الهواء المهمة السامية، وحكمةُ خلقه، تَكمن في هذا.. وقد أَضحى سطحُ الأرض شبيهًا بمنزلٍ واحد، بوساطة الراديو -هذه النعمةِ الإلهية العظيمة التي أُسديَت إلى البشرية- فلا شك أن البشرية ستُقدِّم شكرًا شاملًا عامًّا لربّها تجاه ما أنعم به عليها من نعمة كبرى، فتَجعلُ تلك النعمةَ -نعمة الراديو- قبل كل شيء وسيلة لنقل الكلمات الطيبة، من قرآن كريم وحقائقه أولًا، ومن دروس الإيمان والأخلاق الفاضلة، والكلام النافع الضروري للحياة البشرية.
إذ لولا هذا الشكر -أي إن لم تجد تلك النعمةُ شكرًا مِثلَ هذا- فستصبح تلك النعمة نقمةً للبشرية؛ إذ كما أن الإنسان محتاجٌ للاستماع إلى الحقائق، فهو محتاجٌ أيضًا إلى شيء من اللهو والترفيه، ولكن يجب أن تكون حصةُ هذا الترفيه المفرح الخُمْسَ مما ينقله الهواءُ، وبخلافه تقع منافاةٌ لسِرِّ حكمة الهواء، حيث يؤدي إلى دفع الإنسان إلى أحضان الكسل وحبِّ الراحة والخمول والسفه، ويسوقه إلى عدم إتمامه وظائف ضرورية له وتركها ناقصة غير كاملة.. وعندها ينقلب ما كان نعمةً عظمى إلى نقمةٍ عظمى، بما ثبّط من شوق الإنسان نحو العمل الضروري له.
تأملتُ في هذا الراديو الصغير الذي أمامي -وقد أتوا به إلى غرفتي لأستمع إلى القرآن الكريم- فإذا هو ماكنةٌ صغيرةٌ ضمن صندوق صغير، فرأيت أن هناك حصة واحدة فقط للكلام الطيب من بين عشر حصص للهو والترفيه، فعلمت أن هذا خطأ يرتكبه الإنسان، وسيُصلح بإذن اللّٰه خطأه هذا ويقوّمه في المستقبل، فيجعل الراديو مدرسةً إيمانية، وذلك بجعله حصة الكلام الطيب أربعةَ أخماسِ جميعِ الحصص، شكرًا عامًّا تجاه نعمة الراديو هذه، وتوجيه تلك النعمة لصالح حياة الإنسان الخالدة.
النقطة الثانية: لقد ذكر في رسائل النور:
إن من لا يقدر على خَلق الكون لن يقدر على خلق ذرة واحدة، وليس غيرُ خالق الكون الذي يقدر على خلق ذرة في موضعها المناسب ويسوقُها إلى وظيفتها بانتظام.
نَذكر حجة جزئية من الحجج الكلية لهذه الجملة:
هذا الراديو بقُربي، هو محفظة لأنواع الكلمات.. وما فيه من جهاز قد لا يحوي إلّا جزءًا قليلًا من الهواء، لنتأمل في هذا الهواء القليل جدًّا، فيوضح لنا ما يأتي:
إنه حسب قائمة دار الإذاعة التي بين أيدينا، هناك ما يقرب من مئتي مركز إذاعي، هذه المراكز متفاوتة في القرب والبعد، فقد تبعد عنا ساعة أو سنة، فلولا وجود قوةٍ لا حدّ لها في كل ذرة من ذرات الهواء، وإرادةٍ لا حصر لها، وعلمٍ تام محيط بلهجات المقرئين في تلك المراكز على الأرض كلها، ولولا وجود بصرٍ حادٍّ محيطٍ يرى أولئك جميعهم، ولولا سمعٌ يَقدر على سماع كل شيء في آن واحد، دون أن يشغله شيء عن شيء.. لَمَا أمكن وصول كلمة قرآنية -الحمد للّٰه مثلًا- إلى آذاننا في الدقيقة نفسها التي تبث فيها من المركز، بحروفها الكاملة وبلهجتها ولغتها، بل بنبرات صوت المتكلم بها، دون أن يطرأ عليها تغيير. كل ذلك بوساطة تلك الذرات التي في حفنة هواء جهاز الراديو الصغير.
فإيصال مختلف كلمات القرآن، بمختلف الأصداء والأصوات من دون تغير ولا خلل، إلى أسماعنا، إنما هو بتلك القدرة المطلقة والصفات المطلقة، ولولاها لمَا وجدتْ ولا ظهرت هذه المعجزة، معجزة القدرة.
أي إن ذرات الهواء، في هذا الجهاز الصغير، لا تَنال القيام بتلك الأعمال المعجزة، ولا تُظهر معجزة القدرة، إلّا بقدرةِ مَن هو قدير مطلق، وبإرادته، ومن هو عليمٌ سميعٌ بصيرٌ محيطٌ بكل شيء، ومن لا يصعب عليه شيء، بل أعظم شيء كأصغره أمام قدرته.
وبخلاف هذا فإن إسناد هذا الأمر المعجز إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء -التي يُظَن وجودُها في موجات الهواء- إنما هو جعْلُ كل ذرةٍ من ذرات الهواء حاكمًا مطلقًا بصيرًا بكل ما يجري في الهواء المحيط بالأرض، وعليمًا وقديرًا مطلقًا، بصيرًا بكل شيء، عليمًا لا يخفى عليه شيء، قادرًا على كل شيء!! وما هذا إلّا خرافة ممجوجة ومحالٌ بل محالاتٌ بعيدة كل البعد عن منطق العقل.. ألاَ فليأت أهل الضلال، وليروا ما أبعدَ مذهبهم عن العقل!
النقطة الثالثة: إن الهواء الضئيل جدًّا الموجودَ في جهاز الراديو الصغير، يؤدي مهمة السندانة لأزاهير الكلمات المعنوية الطيبة، فيُظهِر من معجزات القدرة الإلهية ما يبين أن كل ذرةٍ منه تثبت وجود اللّٰه سبحانه وتُعرِّفه بذاته المقدسة وصفاته الجليلة.
فلقد ساح الحكماء الفلاسفة، والعلماء الأعلام في جنبات الكون خيالًا، ووضعوا ما فيه نُصْبَ نظر العقل، ليثبتوا وجوده سبحانه ووحدانيته، بإيراد دلائل واسعةٍ عظيمة، ومن بعد ذلك ينالون معرفة اللّٰه الحقة؛ بينما هناك حقيقة، وهي أن الشمس حالما تشرق، تبيّنها قطعةٌ من زجاج مثلما يُبينها سطح البحر، أي كلٌّ منها يشير إلى تلك الشمس، فبناءً على هذه الحقيقة، فإن كل ذرةٍ من ذرات هواء هذا الراديو تبيّن بذاتها تجلي التوحيد، وكمال صفاته تعالى، ولقد أثبتت رسائل النور -التي هي لمعة من لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم- هذه الحقيقةَ بوضوح تام.
لذا لا يجد طالب النور المدققُ ضرورةً إلى قول: “لا موجود إلّا هو” ليحصل على الحضور القلبي الدائم ويتذكر المعرفة الإلهية دائمًا، كما أنه لا يحتاج أيضًا إلى قولِ: “لا مشهود إلّا هو” كما هو الحال لدى قسم من أهل الحقيقة، لينعم بالحضور القلبي الدائم.. بل تكفيه إطلالةٌ من نافذة الحقيقة السامية:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ4﴿[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.﴾
وتوضيح هذه العبارة باختصار هو أن لكلِّ أحدٍ من هذا العالم عالمًا يخصّه، وكونًا خاصًّا به، أي كأن هناك عوالمَ وأكوانًا متداخلةً بعدد ذوي الشعور.. وأن حياة كل أحد هي عمود لدنياه الخاصة به، كما لو كان بيد كل واحد مرآة ووجهها إلى قصر عظيم، فيكون كلٌّ منهم مالكًا لذلك القصر في مرآته.
لذا يجد قسمٌ من أهل الحقيقة المعرفة الإلهية ويحصلون على حضور القلب الدائم بإنكار دنياهم الخاصة بهم، وبترك ما سوى اللّٰه، فيقولون: “لا موجود إلا هو”..
وقسم آخر من أهل الحقيقة يقولون: “لا مشهود إلا هو” بلوغًا منهم إلى معرفة اللّٰه والحضور القلبي الدائمي، فيَزجون دنياهم في سجن النسيان، ويُسدِلون عليها ستار الفناء، فيحصلون على حضور القلب، ويجعلون عمرَهم في حكم نوع من العبادة.
أما في هذا الزمان، فإن رسائل النور قد وَضّحت بالإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم سرَّ العبارة الآتية:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ
أي إن رسائل النور تبين أنه -ابتداءً من الذرات وانتهاءً إلى المجرات- هناك نافذة في كلٍّ منها تطل على التوحيد، وفي كل منها دلائلُ وإشاراتٌ تَدل مباشرة على ذات الواحد الأحد بصفاته الجليلة، فلقد أشارت إشاراتٍ مجملة “نكتة لفظ هو” إلى هذه الحقيقة السامية، حقيقةِ الإيمان وحضور القلب، بينما أثبتتْها رسائل النور إثباتًا قاطعًا واضحًا، في حين بيَّنها أهل الحقيقة سابقًا بيانًا مجملًا مختصرًا.
بمعنى أن هذا الزمان الرهيب أشدُّ حاجةً من أي وقت آخر إلى هذه الحقيقة، حتى أنعم اللّٰه على الناس، بوساطة إعجاز القرآن الكريم، وفصّلتها رسائل النور وأصبحت إحدى ناشريها.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀
المألوف المعجز
(المألوف المعجز)
﴿باسمه سبحانه﴾
﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾
إخوتي الصديقين الأعزاء..
أولًا: نهنئكم -ملءَ كياننا وأرواحنا- بالشهور الثلاثة المباركة التي تُكسِب الإنسانَ ثمانين سنة من عمر معنوي خالد.. ونبارك لياليكم الفاضلة، ليلة الرغائب، ليلة المعراج، ليلة البراءة، ليلة القدر.. راجين من رحمته تعالى أن تتقبل مكاسبَكم المعنوية وأدعيتَكم بحقّ إخوانكم، مبارِكين خدماتكم الطيبة وتوفيقكم في سبيل نشر النور.
ثانيًا: إن مصيبة النسيان التام التي ألمّت بي من جراء التسميم، قد تحولت بفضل اللّٰه إلى نعمةٍ ورحمةٍ ومفتاحٍ لكشفِ عددٍ من الحقائق، فأُعْلِمكم بهذا لئلا تتألموا كثيرًا على حالي، رغم أني أرجو دعواتكم بكل ما أملك.
نعم، لقد قرأت الآن رسالة “المناجاة” التي هي في مستهل مجموعة “سراج النور”، فلاحظتُ أن كثيرًا من الحقائق تتستر تحت حجب الألفة والعادة والاطّراد، وحيث إن الملحدين من أهل الغفلة وأهل الطبيعة والفلسفة خاصة، لا يرون كثيرًا من معجزات القدرة الإلهية المحجوبة تحت حجاب قوانين اللّٰه ونواميسه الجارية في الكون، تراهم يُسندون حقيقةً جليلة إلى سبب اعتيادي تافه، ويحملونها عليه، فيسدّون بهذا الطريق المؤدي إلى معرفة القدير سبحانه في كل شيء، بل يُعْمُون أبصارهم عن النِعم التي وضعها المُنعم في كل شيء، فلا يرونها، ويسدّون أبواب الشكر والحمد.
فمثلًا: إن القدرة الإلهية الجليلة مثلما تستنسخ كلمة واحدة مليون بل مليار مرة في آن واحد، وذلك بتجليها على صحيفة الهواء، فكلُّ كلمةٍ طيبةٍ أيضًا تُستنسخ برمز الآية الكريمة: ﴿إليه يصعد الكَلِمُ الطيب﴾ في كرة الهواء المحيطة بالأرض، وفي آنٍ واحد -في حكمِ بلا زمان- بقلم القدرة الإلهية، وقد تسترت معجزةٌ عجيبةٌ من معجزات القدرة في كُرة الهواء كأنها لوحةُ محوٍ وإثباتٍ للحقائق المقبولة المعنوية، تَستَّرتْ بستار الأُلفة عن أنظار الغافلين منذ زمن آدم عليه السلام.
وقد أثبتت تلك المعجزة نفسَها في الوقت الحاضر بوساطة جهازٍ سَمَّوهُ “الراديو”، بحيث إن تجليًا للقدرة الأزلية المطلقة التي يَضُم علمًا مطلقًا وحكمةً مطلقةً وإرادةً مطلقة، حاضرٌ وناظرٌ في كل ذرة من ذرات الهواء، إذ إن الكلمات المختلفة التي لا حدود لها تَدخل الأذنَ الصغيرةَ للذرة وتخرج من لسانها الدقيق، دون اختلاطٍ أو التباس، لا خلل ولا تحير.
بمعنى أنه إن اجتمعت الأسباب كلُّها، لم تستطع بحال من الأحوال أن تظهر تجلي القدرة الأزلية في هذه الوظيفة الفطرية لذرة واحدة.. ولمّا كانت الأسباب لا دخل لها مطلقًا في إظهار الصنعة البديعة المعجزة في آذان تلك الذرة الصغيرة التي لا تعد، وفي ألسنتها الدقيقة التي لا تحصى، فإن أهل الضلال والغفلة يسترونها تحت ستار الأُلفة والعادة والقانون والاطراد، ويضعون عليها اسمًا اعتياديًّا يخدعون به أنفسَهم مؤقتًا.
فمثلًا: مثلما ذُكر في حاشية ذيل الكلمة الرابعة عشرة، أنه إذا صَنع صَنّاعٌ ماهرٌ مائةَ أوقيةٍ من مختلف الأطعمة، ومائةَ ذراعٍ من مختلف الأقمشة، من قطعةٍ تافهةٍ لا تتجاوز قلامة أظفر، ثم قال أحدهم: إن هذه الأعمال قد نتجت من تلك القطعة الخشبية التافهة مصادفةً، وبأمور طبيعية، تهوينًا من قيمة خوارق صنعة ذلك الصناع الماهر.. كم يكون كلامه هذا هذيانًا وخرافة خرقاء وضلالة بعيدة؟
كذلك الأمر في شجرة الصنوبر أو التين وأمثالِها من أُلوفِ بدائعِ صنعِ اللّٰه الحاويةِ على معجزات قدرته سبحانه، فتراهم يبرزون حبّة البذرة قائلين: إن هذه الأشجار الضخمة قد نشأت من هذه البذور.
وكذلك الأمر في هذا الجهاز الذي جعل الهواءَ المحيطَ بالكرة الأرضية ميدانَ محاضرة، وحوَّل سطحَ الأرض إلى مدرسة وملتقى دروس المعرفة والعرفان، ويتضمن نعمًا لا حدّ لها، ينبغي الشكرُ غير المحدود عليها، وهو أنموذج معجّل لإحسانات إلهية تُنعَم على البشر في حياته الأخروية الأبدية، وهو دليلٌ لا ريب فيه وهدية رحمانية تُغدَق مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية، فإطلاق اسم “الراديو” على هذه الهدية المهداة، وإطلاق اسم الكهرباء وموجاتِ الهواء.. إنما هو إسدالُ ستارِ الكفران على تلك النعم الإلهية التي تربو على مئات الألوف -كما هو في المثال السابق- بل هو بلاهة لا منتهى لها يقترفها الماديون والضالون، بحيث تفضي بهم إلى جناية غير متناهية، تعرّضهم إلى عقاب غير متناه يستحقونه.
فيا إخوتي..
لقد قرأتُ هذا اليوم -بنيةِ التصحيح -رسالة “المناجاة” التي هي في مستهل مجموعة “سراج النور”، ولكن لما كانت قوةُ حافظتي قد وهنَتْ وضعفتْ نهائيًّا، فقد رأيتُني كأنني أتيت حديثًا إلى الدنيا تجاه تلك الحقائق في “المناجاة” رغم أني في الثمانين من العمر، فلم تعُد تلك العاداتُ المعروفة ستارًا وحجابًا أمام تأملي، لذا قرأت تلك “المناجاة” بشوقٍ كامل، واستفدتُ منها استفادةً عظيمةً بفضل اللّٰه، ووجدتُها خارقة حقًّا، وعلمتُ أن أعداءنا المتسترين يُغرِّرون ببعض الموظفين الرسميين في سبيل مصادرة “سراج النور”، محتجين بما في آخره -من بحثِ الدجال-، إلّا أن قناعتي أن سببَ ذلك هو رسالةُ “المناجاة” التي في مستهلها، كما كان سببُ هجوم الملحدين على “مرشد الشباب” بحثَ “نكتة توحيدية في لفظ هو”.
ثالثًا: نبشركم بكياننا كله يا إخوتي أن الإخلاصَ التام الذي يتحلى به طلابُ النور، والوفاءَ الحقيقي الجاد والتساند الذي لا يتزعزع الذي يحملونه: يجعل جميع المصائب التي تنزل بنا -من حيث الخدمة الإيمانية- نِعمًا عظيمة.
نعم، إن فتوحات النور تتوسع في الخفاء بما ليس بالحسبان ولا يخطر على خيال أحد، فمثلًا: لقد اضطروا إلى دفع مائة ليرة ورقية أجرةً للسيارة التي نقلتني من إسبارطة إلى المحكمة المنعقدة هنا (إسطنبول)!!
ثقوا يا إخوتي لو كنتُ أدفع مئتي ليرة لنتائج تخصّ خدمة الإيمان تنشأ من هذه المسألة فقط وتخص “مرشد الشباب” فحسب، أو مما يخصني أنا بالذات، لكنت أَعُدُّ تلك النقود المصروفة قليلةَ زهيدةً تجاه تلك النتائج الجليلة.. فكيف بالنتائج التي تعود إلى عامة الطلاب والناس عمومًا والمسائل الكلية؟!
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض الراجي دعاءكم
سعيد النورسي
❀ ❀ ❀