الملاحق

ملحق أميرداغ الأول 2/3

[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

فاحذر يا أخي الأنانية والغرور، وتجنَّب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتى من الأنانية والسمعة، فعلى كل فردٍ من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا، ويتحلى بالتواضع التام. *** في الصورة: المنزل الذي أقام فيه الأستاذ النورسي في أميرداغ جبرًا.

 

[مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3]

تأليف

بديع الزمان سعيد النّورسي

ترجمة

إحسان قاسم الصّالحي

❀   ❀   ❀

 

﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾

[إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان]

(إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان)

إخوتي الأعزاء الصادقين..

إن أعظم إحسانٍ أعدُّه في هذا الزمان وأجَلَّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه، والسعيُ لإمدادِ إيمانِ الآخرين بالقوة.

فاحذر يا أخي الأنانية والغرور، وتجنَّب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتى من الأنانية والسمعة، فعلى كل فردٍ من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا، ويتحلى بالتواضع التام.

إنه لمقامٌ عظيمٌ حفاظُكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم للّٰه تحت هذه الظروف القاسية.

نعم، إن رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر، بل أَرغَمتْ رسميًّا أعتى المعاندين لها على قبول نشرها، حتى إنه منذ سنتين، وبعد إجراء التدقيقات، صدَّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور، فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.

إن مما يُثبت أن رسائل النور معجزة معنوية للقرآن الكريم في هذا العصر هو عدم انهزام مسلك رسائل النور -كسائر المسالك والطرق الصوفية- بل انتصارُه وإدخالُه الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جدًّا.

ولقد أقنعتْنا الحوادثُ أنه لن تكون خدمةُ الدين خارجَ دائرة رسائل النور خدمةً كاملة -في الأغلب في هذه البلاد- حيث هو عملٌ خاصٌّ جزئيٌّ وحيدٌ وشخصي، أو مستترٌ منهزم، أو متساهلٌ مع البدع ضمن تحريفات بتأويلات فاسدة.

ما دمتَ يا أخي تملك همةً عالية وقوةً راسخة من الإيمان، فكن طالبًا لرسائل النور، واستمسك بها بإخلاصٍ تام وتواضعٍ تام وثباتٍ تام، كي تشارك في المغانم الأخروية لألوفٍ بل مئاتِ الألوف من الطلاب، وذلك على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال، وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسناتٍ وخيراتٍ كلية جماعيةٍ تُكسِبك تجارةً رابحة في الآخرة بعد أن كانت حسناتٍ جزئيةً فردية.

❀   ❀   ❀

[ما يدفع إلى استنساخ الرسائل]

(ما يدفع إلى استنساخ الرسائل)

إخوتي الأعزاء الصديقين..

اطَّلعتُ اليوم على مجموعة تضم أجزاءَ من الرسائل التي استنسخها أطفالٌ أبرياء وشيوخٌ كهول، وذلك ضمن المجموعات المعادة إليَّ من قِبَل المحكمة بعد إجراء التدقيقات عليها لمدة سنتين.

وبمشاهدتي هذه المجموعة الخالصة النزيهة اقتنعتُ بأن هذه المجموعة المستنسَخة من قِبَل الأبرياء من الأميين -صدًّا لشبهات الفلاسفة والضالين- أعظمُ وسيلة للنصر والظهور على العنيدين، وإرغام غير المنصفين إلى الإنصاف.

وقد جمعْنا هذه المجموعاتِ والأجزاء المستنسخة من قبل الأميين في مجلدات ثلاثة.

إن في رسائل النور أذواقًا معنوية وأنوارًا جذابة وسرورًا بالغًا يَحمِل الصغارَ على الانكباب على الاستنساخ اليدوي، بحيث يتغلب على جميع المبتكَرات والوسائل الحديثة لحث الصغار على القراءة وسَوقهم إليها، وهذا يعني أن رسائل النور تترسخ وتمدُّ جذورها في الأعماق، وستدوم في الأجيال المقبلة بحيث لا تتمكن أيةُ قوةٍ كانت أن تجتثها بإذن اللّٰه.

وكما ضُمَّتْ مستنسخاتُ هؤلاء الأطفال الأبرياء في مجلدات، كذلك ضُمَّت في مجلداتٍ مستنسخاتُ أولئك الشيوخ الذين انضموا إلى دائرة رسائل النور وباشروا بتعلم القراءة والكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر.

فهؤلاء الشيوخُ الأُمِّيون -وقسمٌ منهم رعاةٌ وبدوٌ رُحَّل- وفي هذه الظروف العصيبة يُفضِّلون السعي لرسائل النور، ويَسْعَون في خدمة الإيمان بشوقٍ رغم جميع المضايقات، مما يُظهر بوضوحٍ أن الحاجة إلى رسائل النور أكثر من الحاجة إلى الخبز، حتى إن أهل الحصاد والفلاحين والرعاة والبدو يرون العمل لرسائل النور أولى من حاجاتهم الضرورية.

وعندما كنتُ أصحح ما استنسخه الصبيانُ والشيوخ وأنا أعاني من ضيق الوقت، وَرَدَ على خاطري أنه لا داعي للضجر والضيق، فإن قراءة ما استنسخه هؤلاء تُرغِم المسرعين في القراءة إلى التأني والتروي، حتى يتمكن كلٌّ من العقل والقلب والروح والنفس والشعور من تناول حقائق رسائل النور التي هي في حكم الغذاء والطعام، وبخلافه فإن القراءة السريعة تجعل العقل وحدَه آخذًا حظَّه، بينما تظل الأخريات دون غذاء.

لذا ما ينبغي قراءة رسائل النور كسائر العلوم والكتب، لأن ما فيها من علوم الإيمان التحقيقي لا يشبه العلوم والمعارف الأخرى، فهي نورٌ وقوة مُمدِّةٌ لكثيرٍ من اللطائف الإنسانية فضلًا عن العقل.

حاصل الكلام: هناك فائدتان في الكتابة الناقصة لأولئك الأبرياء والشيوخ الأميين:

أولاها: تُلجِئ القارئَ إلى التأني والملاحظة الدقيقة.

ثانيتها: تدفع إلى تلقّي الدروس بإعجابٍ بمسائل رسائل النور الدقيقة اللطيفة اللذيذة، والاستماعِ إليها من تلك الألسنة الطيِّبة الخالصة البريئة.

الباقي هو الباقي

  أخوكم‌

  سعيد النورسي‌ 

❀   ❀   ❀

[ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟]

(ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟)

إن حسن ظنكم المفرط نحوي هو فوق حدِّي بكثير، فلا أستطيع قبوله إلّا أن يكون باسم شخص رسائل النور المعنوي، وإلّا فليس من حدِّي وطوقي أن أُظهر مزايا تلك المقامات الرفيعة.

ثم إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطرق الصوفية، بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلكٌ مقتبَس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين.

إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية، بل زمان إنقاذ الإيمان؛ وللّٰه الحمد فإن رسائل النور قد أَنجزتْ وما تزال تنجز هذه المُهمة وفي أصعب الظروف.

إن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرةُ طلاب الإمام علي والحسن والحسين والشيخ الكيلاني رضوان اللّٰه عليهم أجمعين.. إذ تَلقَّيتُ درسَ الحقيقة -على طريقةِ أويس القرني- مباشرةً من الإمام علي رضي اللّٰه عنه بوساطة الشيخ الكيلاني قُدِّس سرُّه والإمام زين العابدين والحسن والحسين رضي اللّٰه عنهم، لذا فإن دائرة عملنا وخدماتنا هي دائرتهم.

ثم إنني أعترف بأني لا أستحق -بأي وجهٍ من الوجوه- ذلك المقام الرفيع الذي يمنحني إخوتي لأتملك هذا الأثر المقبول القيم، ولكنَّ خلْقَ شجرةٍ باسقةٍ ضخمةٍ من بذرةٍ صغيرةٍ جدًّا هو من شأن القدرة الإلهية ومن سنته الجارية، وهو دليلٌ على عظمتها.

وأنا أُطَمْئِنُكم مقسِمًا باللّٰه أن قصدي من الثناء على رسائل النور إنما هو تأييد حقائق القرآن وإثباتُ أركان الإيمان ونشرُها، وإنني أشكر ربي الرحيم شكرًا لا منتهى له على أنه لم يجعلني أعجب بنفسي قط، وأنه أظهرَ لي عيوب نفسي وتقصيراتي حتى لم تبق لي أية رغبة في إظهار تلك النفس إلى الآخرين.

نعم، إن من كان واقفًا على شفير القبر، لا ينظر إلى الدنيا الفانية التي تركها وراء ظهره، وإذا ما نظر إليها فهو حماقة يرثى لها وخسارة فادحة.

اللّٰهم احفظنا من مثل هذه الخسائر آمين.

  تحياتنا إلى جميع الإخوة فردًا فردًا مقرونة بالدعاء لهم راجين دعواتهم.‌

❀   ❀   ❀ 

[الحقيقة الخالدة لا تُبنى على فانين]

(الحقيقة الخالدة لا تُبنى على فانين)

إنه يَسأل -هذه المرة- عن حقيقةٍ جليلةٍ هي فوق حدِّي ومنزلتي بألف درجة، يسألها استنادًا إلى حسن ظنه المفرط.. إنه يريد أن ينظر إليَّ من زاويةِ الوظيفة الجليلة السامية للشخص المعنوي لرسائل النور، ومن زاويةِ إحدى الوظائف الرفيعة السامية لخلافة النبوة، لرؤيته شعاعًا منها في شخصي الاعتيادي من حيث كوني أستاذَه، فيحاول أن يَنظر إلى شخصي الاعتيادي من زاويةِ تلك الوظيفة المقدسة، فيريد أن يراني مظهرًا لتلك الخلافة المعنوية!

أولًا: إن حقيقةً خالدةً دائمةً لا تُبنى على أشخاص فانين زائلين، ولو بُنيت عليهم لنَجَمَ ظلمٌ وإجحافٌ شديدان، إذ المُهمة التي لها الدوام والكمال من كل جانب لا تُربَط بأشخاصٍ معرَّضين للفناء، ومبتَلين بالإهانات.. فإنْ رُبِط الأمر بهم، تُصَبْ المهمةُ نفسها بضرر بالغ.

ثانيًا: إن رسائل النور ليست نابعةً من بنات أفكار المؤلف أو بلسان حاجته الروحية بفيض من القرآن الكريم، فهي ليست فيوضاتٍ متوجهةً إلى حاجة المؤلف واستعداده وحدَه، بل هي أيضًا نابعةٌ من طلب مخاطَبي ذلك المؤلِّف وزملائه في درس القرآن الأفاضل الخالصين الصادقين الصُّلْبين، وسؤالِهم -روحًا- تلك الفيوضاتِ وقبولها والتصديق بها وتطبيقها، فهي مستفاضة من القرآن الكريم من هذه الجهات وأمثالِها من جهاتٍ كثيرة أخرى، فهي فيوضاتٌ تَفوقُ كثيرًا استعدادَ المؤلف وقابليتَه.

فكما أن أولئك المخاطَبين أصبحوا السبب في ظهور رسائل النور، كذلك هم الذين يشكلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وطلابها؛ أما المؤلِّف فله حصةٌ من تلك الحقيقة، وقد يكون له حظُّ شرَفِ السبق إن لم يُفسده بعدم الإخلاص.

ثالثًا: إن هذا الزمان زمن الجماعة، فلو بلغ دهاء الأشخاص فردًا فردًا حدَّ الخوارق، فلربما يُغلَب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة المعنوي.

لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: إن مهمة إيمانية جليلةً بحيث تنور عالم الإسلام من جهة، وناشئةً من أنوارِ دهاءٍ قدسي، لا تُحمَّل على كاهل شخصٍ واحدٍ ضعيفٍ مغلوبٍ ظاهرًا، يتربص به أعداء لا يُعَدّون وخصماء ألِدَّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات، فلو حُمِّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الشديدة، لسقط الحملُ وتبعثر.

❀   ❀   ❀

[حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة]

(حاجة أهل الإيمان إلى حقيقةٍ نزيهة)

إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين المخلصين..

سؤالٌ في منتهى الأهمية، يَسألُنيه مَن له علاقةٌ بي، ويَرِدُ في نفسي أيضًا، فهو سؤالٌ معنويٌّ وماديٌّ في الوقت نفسه، وهو:

لِمَ تقوم بما لم يَقُم به أحدٌ من الناس، ولِمَ لا تلتفت إلى قُوًى على جانبٍ عظيم من الأهمية، تستطيع أن تعينك في أمورك، فتخالف جميعَ الناس.. بل تظهر استغناءً عن تلك القوى؟!

ثم لِمَ ترفض -بشدةٍ- مقاماتٍ معنويةً رفيعةً يَجِدُك طلابُ النور الخواصُّ أهلًا لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلًا عن أنها ستقدم خدمات جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟

الجواب: إن أهل الإيمان -في الوقت الحاضر- محتاجون أشدَّ الحاجة إلى حقيقةٍ جليلةٍ نزيهةٍ بحيث لا يمكن أن تكون وسيلةً للوصول إلى شيء، ولا تابعةً لأي شيءٍ كان، ولا سُلَّمًا للوصول إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أيُّ غرضٍ أو أيُّ قصدٍ كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها.. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النزيهة لِتُرشدَهم إلى حقائق الإيمان، حفاظًا على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولةُ الضلالة التي تراكمت شبهاتُها منذ ألف سنة.

فانطلاقًا من هذه النقطة فإن رسائل النور لا تعبأ بالذين يَمُدُّون لها يد المعاونة سواءٌ من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية، بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم؛ وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامةً وسيلةً للوصول إلى غاياتٍ دنيوية، ولن تكون إلّا وسيلةً خالصةً للحياة الخالدة الباقية، لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والرُّيُوب المهاجِمة على الإيمان.

سؤال: أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدى أهل الحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تُلحق ضررًا بإخلاصك -حتى لو قبلتَها لا يرفضون قبولك، لكثرةِ ما لديهم من حجج وبراهين عليها- إلّا أنك ترفض تلك المقامات بغضبٍ وحدَّةٍ لا تواضعًا أو تجردًا وترفعًا منك، بل حتى تجرحُ مشاعرَ إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، فتتجنبها بشدة! فلماذا؟

الجواب: كما أن شخصًا غيورًا يضحِّي بنفسه إنقاذًا لحياة أصدقائه، كذلك، لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صَولةِ أعداء خَطِرين، أُضحِّي إذا لزم الأمرُ -وهو يلزم- لا بتلك المقامات التي لا أستحقها، بل أيضًا بمقامات حقيقية لحياة أبدية.. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، ألاَ وهو الشفقة على الخلق.

نعم، إن الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذا الوقت، وبخاصةٍ عند استيلاء الغفلة التي أنشأتْها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصرٍ كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، يحاول ذوو المناصب الكبيرة دائمًا أن يجعلوا لهم كل شيء أداةً طيعة، ويستغلون كلَّ وسيلة في سبيل غاياتها، حتى إنهم يجعلون مقدساتهم وسيلةً لبلوغ مناصب دنيوية؛ ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالًا أكثر، وتُتَّخذ وسيلةً أكثر طواعيةً من غيرها؛ لذا يظل دومًا تحت ظل الاتهام، إذ يقول العوام: إنه يجعل خدماتٍ مقدَّسةً وحقائقَ ساميةً وسائلَ وسلالمَ لبلوغ مآربه، حفاظًا على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهلٌ لتلك المقامات.

وهكذا، فلئن كان قبولُ المقامات المعنوية يفيد الشخصَ والمقامَ فائدةً واحدةً، فإنه يُلحِق ألفَ ضررٍ وضررٍ بالناس عامة وبالحقائق نفسها، بما يصيبها من كسادٍ بسبب الشبهات الواردة.

حاصل الكلام: إن حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن أن يكون وسيلةً إلى كسب شهرةٍ لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.

نعم، إنه على الرغم من أن هذا يؤثر تأثيرًا سيئًا في خدمة النور، إلّا أنني أرى أن إرشاد عشرةٍ من الناس إرشادَ خادمٍ لحقائق الإيمان إرشادًا خالصًا حقيقيًّا وتعليمَهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شيء، أهمُّ من إرشادِ ألفٍ من الناس بقطبية عظيمة، لأن النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يَرَوْن تلك الحقائق أسمى من أي شيء آخر، فيَثبتون، ويمكن أن تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة.

أما أولئك الألوف، فإنهم بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفةِ وهجومها عليهم، ربما يتفرقون من حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة.

لذا أُرجِّح الاتصاف بالخدمة، على نيل المقامات، حتى إنني قلقتُ ودعوت اللّٰه ألّا يصيب شيءٌ -في هذه المرة- ذلك الشخصَ المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوهٍ من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذًا لخطط وضعها أعدائي، حيث إن المسألة انتشرت بين الناس، فخشيتُ أن يمنحوني مقامًا، فلربما يَعُدُّون حدوث شيءٍ ما نتيجةَ كرامةٍ خارقة، لذا قلت: “يا رب أصلح شأن هذا، أو جازِهِ بما يستحقه، من دون أن يكون عقابًا يومئ إلى كرامة”.

❀   ❀   ❀

[إلى السيد مدير الأمن العام في أنقرة]

إلى السيد مدير الأمن العام في أنقرة.. إن كنت تريد أن تقابل شخصًا ضعيفًا قاسى -بصورةٍ غير رسمية- السجنَ المنفرد والعزل التام طَوال عشرين سنة، ولاقى من العَنَت والضيق ما لا نظير له، ثم آثر السكوت رغم كل ذلك.. فإن كنتَ تريد مقابلته مقابلةً حقيقيةً جادة -وليست مقابلة رسمية- فها أنا أتكلم معكم قليلًا.

أولًا: بعد التدقيقات التي أجرَتْها محكمتان ودامت طَوال سنتين حول مؤلفاتي وكتاباتي التي استغرقت عشرين سنة من حياتي، لم يستطيعوا أن يعثروا على أيةِ مادةٍ تَمَسُّ الإدارة ونظام البلاد؛ وهي غير موجودة أصلًا، والدليل القاطع والحجة التي لا تُجرَح على ذلك إعادتُهم جميع الرسائل الخاصة منها والعامة.

أما حياتي السابقة لعشرين سنةً التي خَلَتْ، فأفضلُ دليلٍ على أنها مضت بتضحيةٍ وفداءٍ في سبيل هذه الأمة والبلاد، هو تقديرُ القائد العام الذي كنتُ أزاول قيادة “الأنصار” المتطوعين تحت رعايته في الحرب العالمية الأولى، وتقديرُ الرؤساء في أنقرة لخدماتي في حرب الاستقلال، وترحيبُ النواب في مجلس الأمة بي في أثناء قدومي إليهم.

بمعنى أن التعذيب الذي لاقيتُه طوال هذه السنوات العشرين كان معاملةً غير قانونية البتة، وهي معاملةٌ اعتباطيةٌ صِرفة، فلقد أمضيتُ أربعين عيدًا مباركًا طوال السنوات العشرين وأنا وحيدٌ فريد.. والآن قد بلغ السيل الزُّبى، فلا تَحملوني على النظر إلى الدنيا وأنا على شفير القبر.

ثم إنكم لكونكم تَشغلون منصب مدير الأمن العام، ينبغي لكم أن تتعاطفوا مع خدماتي، لأنه كما ثبت في المحاكم، أن دروس رسائل النور، عندما تتطلّع على الدنيا، فإنها تُرشد طلابها إلى الحفاظ على النظام بكل ما أوتوا من قوة، والحيلولةِ دون تَسَرُّب فسادِ الثورات والفوضى فيه؛ والدليل على أنهم في حكم ضباطِ أمنٍ معنويين قد أدركه ضباطُ الأمن في ثلاث ولايات.

ولقد علمتُ في الآونة الأخيرة أن كثرة تخويف الموظفين الناسَ من مقابلتي، إنما كان للتهوين من إقبال الناس عليّ وتوجههم نحوي بما هو فوق حدّي بكثير، وبما لا أستحقه من مقام.. فأنا أبين لكم بيانًا قاطعًا -مثلما كتبتُه لإخوتي الخواص في مكاتيب خاصة- أنني لا أقبل توجُّهَ الناس لشخصي وإقبالَهم عليّ، وأرفُضه رفضًا باتًّا، وذلك لمنافاته مسلكَنا وإخلاصَنا، حتى إنني جَرحتُ شعور كثيرٍ من إخوتي الخواص في هذه الناحية.

إلّا أنني كتبتُ -في المؤلفات- الإخباراتِ المستقبليةَ التي قبِلْتُها للأفاضل الذين بَيَّنوا قدرَ رسائل النور وأهميتَها، والتي هي تفسِّر القرآنَ الحكيم تفسيرًا حقيقيًّا، وأثبتُّ أنني خادمٌ بسيطٌ ليس إلّا؛ ولو افتُرض -فرْضًا مُحالًا- أنني مِلتُ إلى هذا الإقبال من الناس، فإن هذا التوجّه سيخدم استتباب النظام، وستصيبكم فائدتُه أيضًا كما تصيب أمثالَكم من المسؤولين عن النظام.

فما دام الموت لا يُقتَل، فهو إذن مسألةٌ جليلةٌ أعظمُ من الحياة نفسها، بينما تِسعون بالمئة من الناس يَسْعَون للحصول على السلامة في هذه الحياة، أما نحن طلابَ رسائل النور، فنجاهد الهجمة القوية للموت التي ستصيب كلَّ أحد من الناس.

فللّٰه الحمد والمنة، فقد استطاعت رسائل النور حتى الآن تحويل الإعدام الأبدي للموت لمئات الألوف من الناس إلى تذكرةِ تسريح، ونستطيع إبراز مئات الألوف من الشاهدين على ذلك.

فبينما ينبغي لكم ولأمثالكم من محبي الأمة والوطن أن يُشجعونا ويَحثُّونا -من زاويةِ هذه الحقيقة- فإنَّ وَضْعَنا تحت الاتهامات جريًا وراء الأوهام والشبهات، ومن ثم إزعاجَنا بالترصُّد والمراقبة المستديمة، كم هو بعيدٌ عن الإنصاف والحمية.. هذا ما نحيله إلى إنصافكم.

  سعيد النورسي‌

  المسجون في السجن المنفرد بصورة غير رسمية‌

❀   ❀   ❀

[إلى مدير الأمن لولاية أفيوُن]

(إلى مدير الأمن لولاية أفيوُن)

ثقةً مني بوجدانكم وإنسانيتكم أبيِّن لكم أموري الخاصة جدًّا، فأنتم مرتبطون بنا بروابط كثيرةٍ بحكم وظيفتكم، حيث لم تقع أيةُ حادثةٍ تُخِلُّ بالنظام، من قِبَل مئاتِ الألوف من طلاب رسائل النور وفي مدى عشرين سنة، والدليل على هذا اعترافُ كثيرٍ من ضباط الأمن بذلك، وعدمُ تسجيلهم أيَّ شيء ضدَّنا.

سمعتُ من صبيٍّ بمجيء مدير الأمن العام إلى هنا، فقلت: لا شك أنه سيستفسر عن حالي. فكتبتُ له شيئًا عوضًا عن التحدث معه، حيث أُعاني من الأمراض، ولكن إذا بي أسمع فجأة أنه غادر المدينة، لذا أرسلُ إليكم طيَّ رسالتي هذه ما كتبتُه للمدير العام، فإذا ارتأتيم أرسلوه إليه كمعلومات.

إنني لا أعلم من أمور الدنيا لعدم ملاقاتي أحدًا من الناس، فلا أحد لي هنا غيرُك كي أستشيره في الأمر.

والمسألة التي تَخُصُّ شخصي بالذات ليست ذاتَ أهمية، فهي جزئية، إلّا أن المسألة التي تخص رسائل النور لها أهميتُها بالنسبة لهذه الأمة والوطن.

إنني أبلغكم قطعًا بقناعتي الجازمة الناشئة من أمارات كثيرة: أن هذه البلاد وهذه الأمة والحكومة ستكون في أقرب وقتٍ بحاجة إلى مؤلفات من أمثال رسائل النور حاجةً ماسة تجاه العالم الإسلامي وتجاه الدنيا بأسرها، وستبين وجودَها وكرامتَها ومفاخرها التاريخية بإبراز هذه المؤلفات.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[حول صلاة الجنازة]

(حول صلاة الجنازة)

إن المقصود من الآية الكريمة: ﴿ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تَقُم على قبره﴾ هم أولئك المنافقون المعروفون بالنفاق قطعًا في ذلك الوقت، لذا لا يمكن عدم صلاة الجنازة بناءً على الظن بالنفاق، إذ لمّا كان ينطق بـ”لا إله إلا اللّٰه” فهو إذن من أهل القبلة، فيُصلَّى عليه إن تاب عن فعله ولم يَنطق بكفرٍ بواح.

ولوجود العلويين بكثرةٍ في تلك القرية “علي كوي” والتحاقِ قسمٍ منهم بالرافضة، يَلزم ألّا يَدخل أحدُهم ضمن حقيقةِ المنافقين، لأن المنافق لا إيمان له، ولا قلبَ له يخفِق بالإيمان، ولا ضمير له يتحرك، ويعادي النبي ﷺ كما هو الحال لدى زنادقة الوقت الحاضر.

أما الغلاة من العلويين والشيعة، فلا يضمرون العداء للنبي ﷺ، بل يُكِنُّون حبًّا مفرطًا لآل البيت، فهم يُفْرِطون مقابل تفريط المنافقين في حبهم.

وعندما يتجاوزون حدود الشريعة لا يكونون منافقين، بل فُسّاقًا من أهل البدع، فلا يَدخلون ضمن زمرة الزنادقة ما لم يتعرضوا للخلفاء الراشدين الثلاثة: “أبي بكر وعمر وعثمان” الذين رضي بهم بل عاونهم سيدُنا علي رضي اللّٰه عنهم أجمعين؛ ويكفي أن يحترموهم كما كان سيدُنا عليٌّ يُحبِّهم، ويؤدوا الفرائض.

ثم إن أعظم أستاذٍ لطلاب رسائل النور بعد الرسول الأعظم ﷺ هو سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه، لذا إن لم يستمع الشيعة والعلويون -الذين يَدْعون إلى محبته- إلى رسائل النور أزيدَ من أهل السنة، فإن دعوى محبتهم لآل البيت ليس في محلها.

ولقد سمعتُ -قبل سنتين- استنساخَ الصبيان الأبرياء لرسائل النور في تلك القرية، بِهمَّةٍ جادةٍ لإخوتنا الثلاثة هناك وبشوقهم العظيم، فأدخلتُ تلك القرية برُمَّتها ضمن دعواتي، فتلك الدعوات التي دعوتها بحق تلك القرية لن تذهب هباءً بفضل اللّٰه ثم بفضل مساعي إخواننا هناك، وسيتفق أهلُ السنة والعلويون هناك.

❀   ❀   ❀

[زواج الخواص]

( زواج الخواص)

يسأل أخونا صلاح الدين عن مسألةٍ خاصةٍ به، وهي رغبتُه في الزواج والدخول في الحياة الدنيوية والاجتماعية؛ فما دام أنه من خواص طلاب النور، فلا يمكنه الزواج إن كان فيه ما يضر العمل لرسائل النور، ولكن إذا عَلم أنه يستطيع أن يجعل صاحبتَه مُعينةً له في العمل -كما هو لدى بعض إخوتنا الخواص- فله أن يتزوج.

ذلك لأن حياة الطلاب الخواص تخصّ رسائلَ النور، وهي مقيَّدة بما يراه الشخص المعنوي لطلاب النور؛ وإن كانت مقرونة بموافقة الوالدين فهو أفضل، ولا يضر بإذن اللّٰه.

❀   ❀   ❀

[موقع الكرامات في الرسائل]

(موقع الكرامات في الرسائل)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾

إخوتي الأعزاء الصديقين..

لقد أُخطِر على قلبي أن أُبيّن لكم أربع مسائل:

أولاها: جوابٌ عن سؤالٍ يَرِد بلسان الحال والمقال، ومن حالاتٍ مختلفةٍ ومظاهر متباينة.

فيُقال: ما دامت رسائل النور ذات كرامة، وتورث قارئيها رُقيًّا في انكشاف حقائق الإيمان أكثر مما تورثه الطرقُ الصوفية، بل إن قسمًا من طلابها الصادقين هم أولياء صالحون من جهة، فلماذا لا تُشاهَد فيهم مظاهرُ وأذواقٌ روحية وكشفياتٌ معنوية وكراماتٌ مادية ملموسة كالأولياء، فضلًا عن أنهم لا يهتمون بمثل هذه الأمور ولا يتعقبونها، فما الحكمة في هذا؟

الجواب:‌

أولًا: سببُه سرُّ الإخلاص؛ إذ إن الأذواق والكرامات المؤقتة في الدنيا تصبح مقصودةً بالذات لدى أولئك الذين لم يتمكنوا من قهر نفوسهم الأمارة بالسوء، وتغدو لديهم هذه الأذواق داعيةً للقيام بأعمالهم الأخروية، وهذا مما يفسد الإخلاص؛ لأن الأعمال الأخروية لا يُتحرى فيها مقاصد دنيوية، ولا يُسأل فيها عن أذواق، بل لو طُلِبتْ فيها تلك الأذواق لفسد الإخلاص.

ثانيًا: إن الكرامات والكشفيات إنما هي لِبَثِّ الثقة في نفوس السالكين في الطريقة من الناس العوام الذين يملكون إيمانًا تقليديًّا ولم يبلُغوا مرتبة الإيمان التحقيقي، وهي أحيانًا لتقوية الضعفاء ممن تُساوِرُهم الشكوكُ والشبهات.

بينما الحُجَجُ التي تسوقها رسائل النور فيما يَخُص حقائقَ الإيمان لا تَدَع مجالًا -في أية جهة كانت- لدخول الشبهات والأوهام، كما لا تدع داعيًا للكرامات والكشفيات لتطمين القلب والاقتناع.

فالإيمان التحقيقي الذي تمنحه الرسائل هو أرفع بكثير من الكرامات والكشفيات والأذواق، لذا لا يَتحرى طلاب رسائل النور الحقيقيون أمثالَ هذه الكرامات.

ثالثًا: إن أساسًا من أسس رسائل النور هو معرفةُ الشخص بقصوره في قرارة نفسه، والاندفاعُ إلى خدمة الإيمان بتفانٍ ابتغاء مرضاة اللّٰه وحده دون منافسة مع الآخرين.

بينما الاختلافُ الموجود فيما بين أهل الطريقة من أصحاب الكرامات والمتلذذين من الكشفيات، ووجودُ شيءٍ من الحسد والمنافسة فيما بينهم، ولا سيما في هذا العصر الذي عمَّتْ فيه الأنانية والغرور.. كلُّ ذلك ساق أهلَ الغفلة إلى إساءة الظن بأولئك الطيبين المبارَكين واتهامِهم بأنهم أنانيون.

ومن هنا نرى لماذا لا يسأل طلاب النور الكراماتِ والكشفياتِ لشخصهم، ولماذا لا يلهثون وراء تلك الأمور، وكيف أن هذا الطَّور هو الألزمُ لهم والأوجبُ عليهم.

ثم إن في مسلك رسائل النور لا تُعطَى الأهميةُ للشخص؛ حيث يكتفي الجميع بما نالت رسائلُ النور -من حيث المشاركةُ المعنويةُ والفناءُ في الإخوان- من آلاف الكرامات العلمية ومِن يُسْرٍ في نشر الحقائق الإيمانية، وبما يجد أولئك الطلاب من بركة في معايشهم وأمثالها من الإكرامات الإلهية.. لذا لا يفتشون عن كمالات وكرامات أخرى شخصية.

رابعًا: من المعلوم أن مئاتٍ من رياض الدنيا لا توازي شجرة من أشجار الجنة، وذلك لأن الأولى فانية والثانية خالدة، وأن أحاسيس الإنسان الماديةَ هي أحاسيسُ مطموسةٌ تُعجبها اللذة العاجلة، فتُفضِّل ثمرةً حاضرةً على روضةٍ آجلة من رياض الجنة الباقية، لهذا لا يَسأل طلاب النور الأذواقَ الروحانية والكشفيات المعنوية في الدنيا، فلا تَستغل النفسُ الأمارة هذه الحالَةَ الفطرية في الإنسان.

وشبيهٌ بحالة طلاب النور هذه ما يُحكى أن وطأة العيش قد اشتدت على رجل صالح من الأولياء وعلى زوجته التقية الورعة، وكان لهما مقام عند اللّٰه، ولكن شدة ما ألمَّ بهما من الضرورة أَلجأتِ الزوجةَ الصالحةَ أن تقول لزوجها:

– إن حاجتنا لشديدة!

وإذا بهما يريان لَبِنةً من ذهبٍ خالصٍ أمامهما.

فقال الزوج لزوجته: هذه لَبِنةٌ قد أُرسِلتْ إلينا من قصرنا في الجنة.

فانبرت له زوجته الصالحة قائلة: مع أن الفاقة قد أنهكتنا، ونعاني من شظف العيش ما ترى، ولنا في الجنة كثير من مثل هذه اللبنة، ولكن أخشى أن نضيِّع لَبِنةَ الجنة في دنيا فانية، فأرجو يا زوجي العزيز أن تتضرع إلى المولى الكريم ليعيد اللبنةَ إلى موضعها في الجنة، فنحن في غنى عنها.

وإذا بهما يريان -كشفًا- عودةَ اللبنة إلى موضعها.

هكذا تُروى الحادثة.

فهذان الرائدان من أهل الحقيقة، إنما يمثلان نموذجًا جيدًا وقدوةً حسنة لطلاب النور في عدم سعيهم وراء الأذواق والكرامات في الدنيا.

❀   ❀   ❀

[ما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة]

(ما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة)

لقد سُررتُ غايةَ السرور بالرسائل الجميلة الخالصة القادمة من إخواننا في مدينة “إينبولي” وما جاور تلك المدينة التي أخذت عنوانَ “إسبارطة الصغيرة” في وقتٍ ما، وعانت أكثر من أية مدينة أخرى مصيبةَ السجن في قضيتنا السابقة.

إلّا أنني قَلِقٌ على عدم الانسجام الحاصل بين الوالد والولد انسجامًا تامًّا للاختلاف بين مشربَيهما، وهما بَطَلاَنِ من أبطال النور، فالولدُ لا بدَّ له من كسبِ رضا الوالد حتى لو كان والدُه غيرَ محق، وعلى الوالد ألّا يَحرِم ولدَه من رأفته وإن كان عاقًّا به، وحتى لو كان البَون بين الولد والوالد بعيدًا، بل لو كانا عَدُوَّين.

فلأجل رسائل النور والإيثارِ الموجود فيما بين طلاب النور، وعدمِ انتقاد بعضهم البعض الآخر، والتجاوزِ عن تقصيراته، وأمثالِها من دساتير رسائل النور تُلجئهم إلى المصالحة، فكيف بمثل هذا الوالد والولد الحاملَين للخصال الحميدة والسجايا الراقية، وهما من المتقدمين في صفوف طلاب رسائل النور؟!

فعلى أخَوَيَّ هذين ألّا يجعلا أمورًا دنيويةً جزئيةً عاطفيةً موضعَ مناقشة، وعليهم أن يتحلَّوا بما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة من الاحترام والرحمة، فضلًا عما يقتضيه التتلمذ على رسائل النور من الصفح وغضِّ النظر عن الأخطاء، فعلى أخَوَيّ الحبيبين عندي حبًّا جمًّا أن يتركا نقدَ بعضهما البعض الآخر مراعاةً لخاطري.

❀   ❀   ❀

[ميزان القناعة والحرص]

(ميزان القناعة والحرص)

إخواني الأوفياء الصادقين..

سؤال: إنك لا تريد أن ترتبط بعلاقةٍ -خارج دائرة النور- مع الذين يُحسنون الظن كثيرًا بشخصك بالذات ويمنحونك مقامًا عظيمًا، رغم أنهم وثيقو الصلة برسائل النور، وتتبادل معهم المحبة، بل تفضل المجالسة والمحاورة مع مَن لا يُفْرِط في حسن الظن بشخصك، فتنبسط لهم وتنشرح وتبدي لهم من المحبة والإكرام أكثر من أولئك، فما السبب؟

الجواب: لقد ذَكرنا في المكتوب الثاني من الكلمة الثالثة والثلاثين أن الناس في زماننا هذا يبيعون إحسانَهم إلى المحتاجين بثمن غالٍ، فمثلًا؛ يقدِّم لي رغيفًا من الخبز مقابلَ دعاء مستجاب، ظنًّا منه أني رجل صالح! فإحسانٌ كهذا وبهذا الثمن الباهظ لا أُريده، وقد بيَّنتُ هذا سببًا من أسباب ردّ الهدايا.

فالناس من غير طلاب النور الحقيقين يُبدون علاقةً قويةً نحوي واستعدادًا للخدمة بظنهم أني ذو مقام عظيم، ولكن يَطلبون عوضَها نتائج نورانية في الدنيا -كما هو لدى الأولياء- فيحسنون إليَّ إحسانًا معنويًّا بخدماتهم وعلاقاتهم؛ ولما كنت عاجزًا عن أن أكون مالكًا لما يطلبونه من ثمن تجاه هذا النوع من الإحسانات المعنوية من أمثال هؤلاء، أظل خَجِلًا منهم، وهم بدورهم عندما يرون أني لستُ على شيء، يخِيبُ ظنُّهم بي، وربما يَفتُرون عن الخدمة.

وحيث إن الحرص في الأمور الأخروية والاستزادةَ منها مقبول -من جهةٍ- إلّا أنه في مسلكنا، وفي خدمتنا، قد يكون لبعض العوارض سببًا للشكوى واليأس بدل الشكر، إذ قد يقع الحريص في خيبة الظن من عمله، لعدم رؤيته نتائجه، بل ربما يدَع خدمة الإيمان.

لذا فنحن مكلفون في مسلكنا بالقناعة، وعدم الحرص على نتائج الخدمة وثمراتها، على الرغم مما نبديه من حرصٍ شديدٍ وطلبِ المزيد في أمور الخدمة ضمن دائرة الإخلاص، وذلك لأن القناعة في النتائج تورث دائمًا الشكر والثبات والصلابة.

فمثلًا: إن ما نراه من حصيلة خدمتنا وجهودنا في ترسيخ الإيمان وتحقيقه في قلوب ألوفِ المؤمنين -حوالي ولاية إسبارطة- لَكافٍ لخدمتنا هذه، بحيث لو ظهر مَن هو بمرتبة عشرة أقطابٍ من الأولياء الصوفية، واستطاع سَوقَ ألفٍ من الناس إلى مراتب الولاية، فإن عمله هذا لا ينقص من أهمية عملنا وقيمتهِ ولا من ثمراته شيئًا.

لذا فإن طلاب رسائل النور الحقيقيين واثقون كلَّ الثقة، ومطمئنون كلَّ الاطمئنان، بمثل هذه النتائج وحصيلةِ الأعمال هذه؛ إذ إن القناعة القلبية لدى مريدي ذلك القطب العظيم يُحققها ويَضمَنُها المقامُ الرفيع لأستاذهم ومرشدهم، ويَضمنها أحكامُه في المسائل.

إلّا أن رسائل النور تنشئ لدى طلابها درجةً من القناعة أكثرَ بكثيرٍ مما عند مريدي ذلك القطب العظيم، بما فيها من حججٍ قاطعةٍ تسري إلى الآخرين فتنفعهم أيضًا، بينما تبقى قناعةُ أولئك المريدين خاصة بهم وحدهم.

إذ إن قبول أقوال الأشخاص العظام بغير دليل: لا يفيد اليقين والقطعية في علم المنطق، بل ربما تكون قضيةً مقبولةً يقتنع بها الإنسانُ بالظن الغالب، أما البرهان الحقيقي -كما هو في المنطق- فلا يَنظر إلى مكانة الشخص القائل وإنما إلى الدليل الذي لا يُجرَح.

فجميعُ حُجَج رسائل النور هي من هذا القسم، أي من “البرهان اليقيني”، لأن ما يراه أهلُ الولاية من الحقائق بالعمل وبالعبادة وبالسلوك وبالرياضة الروحية، وما يشاهدونه من حقائق الإيمان وراء الحجُب، فإن رسائل النور تشاهدها مثلهم أيضًا، إذ شَقَّت طريقًا إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحتْ سبيلًا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية وحجج علمية، وكشفتْ طريقًا مباشرًا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام وعلم العقيدة وأصول الدين؛ بحيث انتصرتْ على الضلالات الفلسفية التي تغلّبت على تيارات الحقيقة والطريقة في هذا العصر؛ والشاهد هو الواقع.

وكما أن حقيقة القرآن -التي هي في منتهى القوة وسدادِ المنطق- قد نجَّت سائرَ الأديان من صولة الفلسفة الطبيعية وتغلُّبِها عليها، وأصبح القرآنُ نقطةَ استنادٍ لتلك الأديان حتى حافظتْ -إلى حدٍّ ما- على أصولها التقليدية والخارجة عن العقل؛ فرسائل النور كذلك -ولا مشاحة في الأمثال- وهي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم، ونورٌ مفاضٌ منه في هذا الزمان، قد حافظتْ على الإيمان التقليدي لدى عوام المؤمنين من صولة تلك الضلالة العلمية المُخِيفة الناشئة من الفلسفة المادية، وأصبحتْ نقطةَ استنادٍ لأهل الإيمان كافة، وفي حكم قلعةٍ حصينةٍ لا تُقهر، للمؤمنين كافة القاصي منهم والداني على السواء، بحيث إنها تَحفظ أيضًا -في خضمِّ هذه الضلالات الرهيبة التي لا نظير لها- إيمانَ عوام المؤمنين من أن تَرِدَهم شبهاتٌ على إيمانهم وتُطفئ الشبهات الواردة على إسلاميتهم.

نعم، إن أيّ مؤمن كان في أيةِ بقعةٍ من أرجاء العالم، حتى في الهند والصين، ما إن تساوره شبهةٌ من جراء ظهور الضلالة الرهيبة في هذا العصر العجيب حتى يتساءل: تُرى هل في الإسلام شيءٌ من باطلٍ حتى آل أمرُه إلى هذا؟

إذا به يَسمع ويدرك أنه قد ظهرت رسالةٌ تثبت إثباتًا قاطعًا جميعَ حقائق الإيمان، وتَقهر الفلسفة، وتُخرِس الزندقة، وإذا بتلك الشبهة تزول نهائيًّا، فينقذ إيمانه ويقوى.

❀   ❀   ❀

[لِمَ هذا الحشد من البراهين؟]

(لِمَ هذا الحشد من البراهين؟)

…….

ثانيًا: يسأل أخونا علي الصغير ذو الروح العالية، وهو بطل الميامين، وبمنزلة عبد الرحمن ولطفي والحافظ علي، سؤالًا وردَ جوابُه في مئات من المواضع من رسائل النور.

والسؤال هو: لِمَ هذا الحشد الهائل من البراهين والأدلة حول أركان الإيمان في رسائل النور؟ فإن إيمان المؤمن العامي هو كإيمان الولي العظيم.. هكذا سمعنا من علمائنا السابقين.

فالجواب: إن مباحث المراتب الإيمانية المذكورة في رسالة “الآية الكبرى”، وكذا ما قاله مجدد الألف الثاني الإمام الرباني وقضى به: “إن أهم نتيجة للطرق الصوفية كافة هي انكشاف الحقائق الإيمانية وانجلاؤها، وإن وضوح مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ وانكشافَها لهو أرجح من ألفٍ من الكرامات”1﴿[٭]: انظر: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢١٠، ٢٦٠.﴾، وكذا ما جاء في أواخر “الآية الكبرى” المستلهَمة من الملاحق، وكذا المسألة العاشرة من رسالة الثمرة التي تبين حكمة التكرار في القرآن الكريم وسببَ إكثاره من حشد البراهين حول أركان الإيمان ولا سيما التوحيد.. تلك الحكمة القرآنية جارية أيضًا بتمامها في تفسيره الحقيقي: رسائل النور.. وهذا هو الجواب.

ثم إن أقسام الإيمان المتضمِّنة للإيمان التحقيقي والتقليدي والإجمالي والتفصيلي -وثباتَ هذا الإيمان أمام جميع الشبهات والهجمات الشرسة التي يشنها الكفر- قد تولت رسائلُ النور إيضاحَها، فذلك الإيضاح لا يدَع لنا حاجة إلى مزيد للإجابة عن سؤال أخينا العزيز.

الجهة الثانية من المسألة: إن الإيمان لا ينحصر في تصديقٍ إجمالي وتقليدي وحده، بل له انجلاءٌ ومراتبُ كثيرة جدًّا كالمراتب الموجودة بين البذرة النامية إلى الشجرة الباسقة، أو كالمراتب الموجودة بين انعكاس الضوء من المرآة الصغيرة في اليد إلى انعكاسه من سطح البحر، بل إلى انعكاسه من الشمس نفسها.

فإن للإيمان حقائقَ غزيرةً جدًّا، إذ ترتبط حقائقُ كثيرةٌ لأنوارِ ألفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الحسنى، ولسائر أركان الإيمان بحقائق الكون؛ حتى اتفق أهلُ الحقيقة على أن أجلَّ العلوم قاطبةً وقمةَ المعرفة وذروة الكمال الإنساني إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية السامية المفصَّلة والمبرهَنة النابعة من الإيمان التحقيقي.

نعم، إن الإيمان التقليدي معرَّضٌ لهجماتِ الشبهات والأوهام؛ أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع منه وأقوى وأمتن، وله مراتب كثيرة جدًّا.

ومنها: مرتبةُ علم اليقين التي تقاوِم الشبهات المهاجمة بقوةِ ما فيها من براهين، بينما الإيمان التقليدي لا يَثبت أمامَ شبهةٍ واحدة.

ومنها: مرتبةُ عين اليقين التي تضم مراتبَ كثيرةً جدًّا، بل لها مظاهرُ بعدد الأسماء الإلهية، حتى تَجعلُ الكونَ يتلو آياتِ اللّٰه كالقرآن الكريم.

ومرتبةٌ أخرى منها هي مرتبةُ حق اليقين.. وهذه تضم مراتب كثيرة جدًّا؛ فصاحبُ هذا الإيمان لا تنال منه جيوشُ الشبهات إذا هاجمتْه.

ولقد أوضح علماءُ الكلام الطريقَ العقليَّ والمبرهَن لتلك المعرفة الإيمانية، وذلك في ألوفٍ من مجلداتِ مؤلفاتهم المستندة إلى العقل والمنطق.

أما أهل الحقيقة والتصوف، فقد أوضحوا تلك المعرفة الإيمانية من جهةٍ أخرى وبشكل آخر، في مئات من كتبهم المستنِدة إلى الكشف والذوق.

أما المنهج القرآني المعجِز، ذلك المنهج الأقومُ، فقد أوضح الحقائقَ الإيمانية والمعرفة الإلهية والمقدسة إيضاحًا أرفع بكثير وأسمى بكثير وأقوى بكثير مما أوضحه أولئك العلماء والأولياء.

فرسائل النور إنما تفسِّر هذا المنهج القرآني الأقوم الجامع الرفيع، وبه تتصدى للتيارات الفاسدة المضِلَّة المدمِّرة والواردة على القرآن الكريم للإضرار -في سبيل عوالم العدم- بالإسلام وبالإنسانية منذ ألف سنة.

فلا ريب أنها -أي الرسائل- بحاجة ماسة إلى حشد براهين لا حدَّ لها أمام أولئك الأعداء غير المحدودين، كي تتمكن من أن تكون وسيلةً -بهذه البراهين المفاضة من القرآن- للحفاظ على إيمان المؤمنين.

فلقد ورد في الحديث الشريف: “فواللّٰه لأن يهدي اللّٰه بك رجلًا واحدًا خيرٌ من أن يكون لك حمر النعم”2﴿[٭]: البخاري، الجهاد ١٤٢، ١٤٣، فضائل أصحاب النبيِ ﷺ ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١٠.﴾، وأن “تفكُّر ساعةٍ خير من عبادة سنة”3﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، المصنوع ٨٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧٠.﴾، ولبلوغ هذا النوع من التفكر يُولي النقشبنديون أهميةً عظيمةً للذكر الخفي.

سلامي على جميع إخوتي الأحبة فردًا فردًا، وندعو لهم جميعًا بالخير.

الباقي هو الباقي‌

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[منع الذهاب إلى المسجد]

(منع الذهاب إلى المسجد)

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

منذ شهور والمكائد تُكاد ضدي، والآن تبيّنَتْ، ولكن بفضل العناية الإلهية مرَّتْ هيِّنة.

كنت أتردد إلى المسجد في الأوقات الخالية، وصَنَع الطلاب -بدون علمي- في المحفل غرفةً خشبيةً صغيرة لحمايتي من البرد، وقد قررتُ ألّا أذهب إلى المسجد، بعد أن رفع ضابط الأمن المعروفُ تلك الغرفة الصغيرة، وأبلغوني رسميًّا: عليك ألّا تذهب إلى المسجد. ولكنهم أثاروا ضجة بين الناس باستِهْوالِهم الأمر، جاعلين من الحبة قبة.

إن الحادثة لا أهمية لها إطلاقًا فلا تقلقوا أبدًا؛ إنني أَخالُ أنهم يهينونني -بمثل هذه الحجج التافهة- لأجل الحدِّ من توجُّهِ الناس -من كلِّ جهة- نحوي بما يفوق حدِّي بكثير.

إنهم ينظرون إلى حياتي السابقة، فيتوقعون أنني لن أتحمل إهاناتهم، علمًا أنني لو أُهِنت يوميًّا بألف إهانةٍ وإهانة -بشرط ألا تُخِلَّ بسلامة نشر رسائل النور- وشدُّوا عليّ الخناق، لشكرتُ اللّٰه كثيرًا على ذلك.

فيا إخوتي، كما لم أهتم بهذه المسألة فالطلاب هنا أيضًا لم يهتزوا، ولقد مرت الحادثة -التي كنا نتوقعها- بسلامٍ والحمد للّٰه.

تحياتنا إلى كل أخ من إخواننا مع دعواتنا لهم.

❀   ❀   ❀

[تثبيط الإخوة العاملين]

(تثبيط الإخوة العاملين)

إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء..

لقد أُخطر على قلبي إخطارًا معنويًّا قويًّا أن أكرر عليكم بيانَ مسألةٍ في غاية الأهمية، رغم أني قد بَيَّنتُها لكم مجملًا سابقًا، وهي الآتي:

إن أعداءنا المنافقين الذين يعملون من وراء ستارٍ قد جعلوا -كما هو دأبهم- دوائرَ العدل والسياسة والإدارة في الدولة أداةً طيعة للإلحاد الظاهر، فشنُّوا هجمات علينا، لكن بفضل اللّٰه باءت مؤامرتهم بالإخفاق، وعَقِمت دسائسُهم.

لذا تركوا خططَهم السابقةَ التي سبَّبتْ فتوحاتٍ لرسائل النور وبدأوا بحبك مؤامراتٍ أشدَّ خبثًا ونفاقًا من السابق، بحيث يجعل الشيطان في حيرةٍ منها، وقد ظهرت أمارات منها هنا.

إن أهم أساس في تلك الخطط الرهيبة: تثبيطُ إخواننا الطلاب الخواص الثابتين، وإلقاءُ الفتور في نفوسهم لدفعهم -إن أمكن- إلى التخلي عن رسائل النور، فاختلقوا أكاذيبَ وحاكوا دسائس يحار منها الإنسان، مما يحتِّم ثباتًا وصلابةً ووفاءً خالصًا صادقًا متينًا كالحديد، كما هو لدى أبطال إسبارطة.

وقد يَلبسون لَبوسَ الناصح الصَّديق، فيَنْبثُّون في صفوفكم، أو يُشيعون الأوهام والمخاوف إن كان التخويف مُجديًا، فيستعظمون أتفهَ الأمور كالحبَّة ويجعلونها كالقبة العظيمة، ويوصون الضعفاء: “لا تتقربوا من سعيد، فهو مراقَبٌ ومحاطٌ بجواسيس الحكومة”، ليدفعوهم إلى التخلي عن رسائل النور.

بل حتى يسلِّطون فتياتٍ يافعاتٍ على الطلاب الشباب لإثارة هَوَساتهم النفسانية!! ويبيِّنون نقائصَ وضعفَ شخصي بالذات للأركان من طلاب النور، بجنبِ أشخاصٍ ذوي دِينٍ مشهورين من أهل البدعة قائلين لهم: “ونحن أيضًا مسلمون.. فليس الدين محصورًا بمسلك سعيد”!! ويستغفلون السذج من أهل الدين والعلماء، ويجعلونهم أداة للزندقة ونشر الإرهاب والفوضى!! سيَخيب ظنُّهم، و تَبور خططُهم بإذن اللّٰه.

قولوا يا إخوتي لأمثال هؤلاء السفلة:

نحن طلاب رسائل النور، وسعيدٌ واحدٌ مثلُنا، وإن منبع رسائلِ النور وكنزَها وأساسَها هو القرآن الكريم، وقد أثبتتْ قدْرَها وظهورَها حتى على ألدِّ الأعداء مع ما بذلوا من تدقيقٍ وملاحقةٍ طوال عشرين سنة؛ وإن مؤلِّفَها وخادمَها “سعيد” حتى لو اتخذ جبهةً مضادةً لها -والعياذ باللّٰه- فلا يتزعزع وفاؤنا برسائل النور، ولا تنحلّ علاقتُنا الوثيقة بها. وبهذا النمط من الكلام تصدون الباب عليهم.

وعليكم الانشغالَ برسائل النور كتابةً وقراءةً قدرَ المستطاع، مع عدم الاكتراث بالإشاعات المضخمة، والأخذَ بالحذر التام كما هو دأبكم.

سلامنا على إخوتنا فردًا فردًا.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[لا نقاش مع العلماء]

(لا نقاش مع العلماء)

إخوتي الأعزاء الأوفياء، ويا وارثيَّ الميامين وكلائي الأمناء..

أولًا: أبلّغكم يقينًا أن عناية الرب سبحانه وتوفيقَه الصمداني مستمرٌّ بحقنا وبخدمة رسائل النور؛ فهناك تحت الأستار القبيحة ظاهرًا نتائجُ في منتهى الجمال؛ فبدلًا من ضررٍ واحدٍ يَلحَق بنا يُنعَم علينا بمئةِ نفعٍ ونفع، فلا ينبغي الاهتمام بالمضايقات العابرة والهزات المؤقتة.

ثالثًا: مع أنني أتضايق هنا كثيرًا، إلّا أنني كلما فكرتُ في سعيكم المتواصل الذي لا فتور فيه، وتسلمتُ رسائلكم المسلية: زالت تلك المضايقات، بل قد تتحول إلى أفراح ومسرات.

خامسًا: ……

إخوتي.. عليكم بمنتهى الحيطة والحذر.. وإياكم إياكم أن تفتحوا باب النقاش مع العلماء، بل يجب التعامل معهم بالحسنى والمصالحة على قدر الإمكان، فلا تتعرضوا لغرورهم العلمي حتى لو كان أحدهم ميّالًا إلى البدع ومستحدثات الأمور، لأن الزندقة الرهيبة تجاهنا، فيجب عدم دفع هؤلاء المبتدعين إلى صف الملحدين.

وإذا ما صادفتم علماءَ رسميين أُرسِلوا إليكم خاصة، فلا تفتحوا باب النزاع معهم، لأن اعتراضاتهم باسم العلم سيكون مستَنَدًا بيد المنافقين.

أنتم تَعلمون مدى الضرر الذي أحدثه الشيخ العالِم في إسطنبول، فحاوِلوا قدر المستطاع أن تحوِّلوه في صالح رسائل النور.

تحياتنا إلى إخواننا جميعهم فردًا فردًا.

❀   ❀   ❀

[رحمةٌ إلهيةٌ تحت المصائب]

(رحمةٌ إلهيةٌ تحت المصائب)

ثانيًا: إخوتي.. إن معاونتكم لي عظيمةٌ وظاهرةٌ جدًّا، وذلك بجهتين:

أُولاها: أن سعيكم المتواصل دون فتور في خدمة النور يُزيل جميع مصائبي وضوائقي، ويحوِّلها إلى سرور وفرح.

ثانيتها: اعلموا يقينًا أنه بدعواتكم يتحول ظلمُهم المعذِّب إلى رحماتٍ ذات عناية ومصالح؛ ولم تبق لي شبهة في هذا قط.

فمثلًا: إن تخويفهم الناسَ مني، وإلقاءَ الرعب في قلوب الموظفين لئلا يتقربوا مني، أنقذَني من كثيرٍ من الأخطاء والتصنُّعات، ومن حالاتٍ منافيةٍ للإخلاص، ومن ضياعِ الوقت؛ فلقد أظهر القدَرُ الإلهيُّ بحقي العدالةَ الإلهية وعنايتَها ضمن ظلم البشر.

وقياسًا على هذا، فما من مصيبةٍ تَنزل بي إلّا وتحتها رحمةٌ إلهية، فإنّ انشغالهم بي فحسبُ يُنقِذ مئاتٍ من رسائل النور ولو كان فيه ضرر واحد لي.

ولذلك فيا إخوتي لا تقلقوا عليّ أبدًا، حتى إنني كلما نويت الدعاء عليهم -لدى إهانتهم لي إهانةً شديدةً تجرح مشاعري جرحًا أليمًا- فإن الموت الذي يُعدِمهم، وتَعَرُّضَهم لعذاب القبر الذي هو سجنٌ انفراديٌّ لهم، وما يَنتج من تلك الإهانة من المصالح لي والمنافع لخدمتنا.. كل ذلك يَحُول بيني وبين الدعاء عليهم، فأتخلى عنه.

❀   ❀   ❀

[عند سماع أخبار سيئة]

(عند سماع أخبار سيئة)

عندما يسمع ذلك الأخُ أخبارًا سيئة، ليكن مثل والدي المرحوم “ميرزا” وليس مثل والدتي “نورية”؛ إذ عندما كانت تُنقل أخبارٌ سيئة إلى والدي ووالدتي، كأن يقول أحدُهم: إن ابنكم قد قُتِل أو ضُرِب أو سُجِن. كان أبي يبتهج ويضحك كلما سمع مثل هذه الأخبار، ويقول: ما شاء اللّٰه… قد كَبِر إذن ابني حتى يُظهِر بطولةً أو عملًا عظيمًا بحيث يتكلم عنه الناس.

أما والدتي فكانت تبكي بكاءً مرًّا مقابل سرور والدي.

ثم أظهر الزمان أن والدي كان محقًّا في كثير من الأحيان.

❀   ❀   ❀

[تأويل حديث شريف]

(تأويل حديث شريف)

تبدو لي حقيقةٌ إيمانيةٌ في غاية الأهمية أكثر من مئة مرة؛ وحيث إن زمن تأليف الرسائل قد انتهى، فمهما حاولتُ اقتناص تلك الحقيقة الجليلة لم أتمكن، فانتظرتُ كي أستشعرها وأتمكن من أن أُعبِّرها بوضوح، ولكن لم أوفق، والآن سأتناول تلك الحقيقة الواسعة جدًّا والطويلة جدًّا بإشارة قصيرة جدًّا وفي منتهى الاختصار.

إن الحديث الشريف: (إن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن)4﴿[٭]: انظر: الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/١٨٣؛ ابن أبي عاصم، السنة ١/٢٢٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢ /٤٣٠؛ الدارقطني، الصفات ١/٢٢٩ عن ابن عمر بلفظ: “لا تقبّحوا الوجه فإن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن عزّ وجلّ”.﴾ هو من جوامع الكَلِم، ومن الأحاديث المتشابهة كذلك؛ وقد ظهرتْ لقلبي نكتَتُه الكليَّةُ العظيمةُ جدًّا أثناء قراءتي “خلاصة الخلاصة” و”الجوشن الكبير”، وأنا لأجل ألّا تُفلِت مني تلك النكتةُ الجميلة جدًّا والعجيبة جدًّا، وضعتُ إشاراتٍ على صورةِ شِفْراتٍ في “خلاصة الخلاصة” بين المرتبة السابعة عشرة وهي شهادة لسان القرآن، والمرتبةِ الثامنة عشرة وهي شهادة الكون؛ وقد وضعتُ الإشارات ذات الشِّفرة كالآتي:

﴿لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَانيَّةِ.. الخ.﴾5﴿[٭]: لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَانيَّةِ بِكَلِماتِ حَياتِها وحِسِّيَّاتِها وسَجِيَّاتِها ومِقياسِيَّتِها ومِرآتِيَّتِها، وَبِكَلِمَاتِ صِفَاتِهَا وَأخْلاَقِهَا وَخِلاَفَتِهَا وفِهْرِسْتِيَّتِها وأنانِيَتِها، وبِكَلِماتِ مخلُوقِيَّتِها الجامِعَةِ وَعُبُودِيَّتِها المُتَنَوِّعةِ وَاِحْتِيَاجَاتِها الكَثيرةِ وَفَقْرِها وَعَجْزِهاَ وَنَقْصِهَا الْغَيرِ المَحْدُودَةِ وَاِسْتِعْدَادَاتِها الْغَيرِ المَحْصُورةِ﴾.

وسأوضِّح هذه الشِّفرة القصيرة في منتهى الاختصار، واجعلوها حاشية لخلاصة الخلاصة.

نعم، إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقةِ ذكرٍ في أثناء قراءتي لخلاصة الخلاصة، ولكن لأن لسانَ كلِّ نوعٍ من الأنواع واسعٌ جدًّا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرًا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح.

وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يُصدِّق تلك الأسماء والصفات بإيمانٍ واطمئنانٍ ووجدانٍ جازمٍ شهوديٍّ وإذعانيٍّ وبسهولةٍ ويُسر، وبمرآته الحاضرة التي بقربه دونما حاجة إلى سياحة فكرية، فيَكسب الإيمانَ التحقيقي، ويدرك المعنى الحقيقي للحديث الشريف: (إن اللّٰه خلق الإنسان على صورة الرحمن)، لأن المراد من الصورة: السيرة والأخلاق والصفات، حيث إن الصورة محالةٌ بحقه تعالى.

نعم، فكما أن أصحاب الطريقة الصوفية قد سلكوا في المعرفة الإلهية طريقين: أحدهما: السير الأَنفُسي، والآخر: السير الآفاقي. ووجدوا أن أقصرَ طريق وأيسرَها وأمتنها وأكثرها اطمئنانًا هي الطريق الأنفُسي، أي في القلب، وذلك بالذكر الخفي القلبي؛ كذلك أهل الحقيقة الرفيعون قد سلكوا طريقين اثنين ليس بالمعرفة والتصور، بل بما هو أرقى وأجدر منهما بكثير، وهو في الإيمان والتصديق.

الأول: النظر إلى الآفاق بمطالعة كتاب الكون، كما في “الآية الكبرى” و”الحزب الأكبر النوري” و”خلاصة الخلاصة” وأمثالها.

والآخر: الصعود إلى مرتبة الإيمان، الخالية من الشكوك والرُّيُوب بمطالعةِ خريطةِ الحقيقة الإنسانية وفهرسِ الأنانية البشرية وماهيتِها النفسانية، وهي أقوى مرتبةٍ وجدانيةٍ وشعوريةٍ، وشهوديةٌ -إلى حدٍّ ما- فهي بدرجة حق اليقين، بحيث إن هذه المرتبة متوجهة إلى سرِّ الأقربية الإلهية والوراثة النبوية.

هذا وقد وَضَّحتُ جزءًا من حقيقة التفكر الإيماني الأنفُسي في الكلمة الثلاثين في بحث “أنا”، وفي “نافذة الحياة” و“نافذة الإنسان” في المكتوب الثالث والثلاثين، وفي أجزاء أخرى من رسائل النور.

❀   ❀   ❀

[الرسائل تؤدي المهمة]

(الرسائل تؤدي المهمة)

إخواني الأوفياء الصادقين..

لا تقلقوا أبدًا، فإني لا أُبيّن لكم حالةَ مرضي الشديد الذي انتابني من جراء التسميم -بتدبيرٍ مقصود- إلّا لأنال دعواتِكم، فلا داعي للاضطراب والقلق، إذ -للّٰه الحمد والشكر- لم يمنعني ذلك المرضُ من قراءة أورادي ولا واجبِ تصحيح الرسائل، أسأله تعالى أن يكتب لي فيه أجرًا عظيمًا، فأنا راضٍ عن هذا المرض -من جهة- فلا تتألموا أيضًا لحالي.

ولقد أوشكتْ مُهمتي في الحياة على الانتهاء، وتستطيع كلُّ نسخةٍ من نُسَخِ رسائل النور -ولا سيما المجموعات منها- أن تؤدي وظيفتي بما يفوق حُسْنَ ظنكم في “سعيد” بكثير، بل تؤديها فعلًا، وكلُّ طالبٍ فدائيٍّ من طلاب النور الخواص يمكنه أن يقوم بوظيفة ذلك “السعيد” على أتم وجه، فلئن نَقَصَ “سعيدٌ” واحد فيما بينكم، فإن مئاتٍ السعيدين المعنويين -أي الرسائل- وألوفِ السعيدين الماديين -أي طلاب النور- يستطيعون القيام بتلك المهمة خيرَ قيام، وهم فعلًا يقومون بها.

وبناءً على هذه الحقيقة، لا تهتموا كثيرًا بشخصي ولا بالحوادث التي تجري علَيَّ، بل اسألوا اللّٰه سبحانه، وادعوه متضرعين إليه أن يثبتنا على الإخلاص، وعاونوني يا إخوتي بدعواتكم -التي لا ريب في استجابتها- لِما ألَمَّ بي من شيخوخةٍ ومن آلامٍ كثيرة.

❀   ❀   ❀

[الفلسفة التي تهاجمها الرسائل]

(الفلسفة التي تهاجمها الرسائل)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾

﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا…﴾

إخوتي الأعزاء الصديقين..

نظرًا لشروع رسائل النور بالانتشار بآلة “الرونيو” والتفافِ الكثيرين من الطلاب والمُدرسين الذين يقرأون الفلسفة الحديثة في المدارس حول رسائل النور، لَزِم بيانُ الحقيقة الآتية:

إن الفلسفة التي تهاجمها رسائلُ النور وتَصفعُها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المُضِرَّة وحدَها، وليست الفلسفةَ على إطلاقها، ذلك لأن قسمَ الحكمة من الفلسفة التي تخدُم الحياة الاجتماعية البشرية، وتُعِين الأخلاقَ والمُثل الإنسانية، وتمهِّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاقٍ ومصالحةٍ مع القرآن الكريم، بل هي خادمةٌ لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسَعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلةً للتردي في الضلالة والإلحاد، والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسانَ إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو.

وحيث إنه يعارِض بخوارقه -التي هي كالسحر- الحقائقَ المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضالِّ من الفلسفة في أغلب أجزائها، وذلك بنَصْبها موازينَ دقيقةً ودساتيرَ رصينة، وبعَقْدها موازناتٍ ومقايساتٍ معزَّزةً ببراهين دامغة، فتصفعها بصفعاتها الشديدة؛ في حين أنها لا تَمَسُّ القسمَ السديد النافع من الفلسفة.

ومن هنا لا يعترض طلاب المدارس الحديثة على رسائل النور، بل يَنضوون -وينبغي لهم أن ينضووا- تحت لوائها دونَ تردد وإحجام.

بَيد أن المنافقين المتسترين، الذين استغلوا عددًا من علماء الدين وجعلوهم في عداءٍ مع رسائل النور-لأسبابٍ تافهة جدًّا ولا معنى لها إطلاقًا- التي هي بضاعة المدارس الشرعية، وهم أصحابُها الحقيقيون، فلربما يستغلّون أيضًا الغرورَ العلمي لدى بعض أرباب الفلسفة ويثيرونهم على رسائل النور، لذا أرى من الأنسب كتابةَ هذه الحقيقة في مستهل كلٍ من مجموعة “عصا موسى” و “ذو الفقار”.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[رسالة إلى علماء الأزهر]

(رسالة إلى علماء الأزهر)

إن النسختين اللتين ستُرسَلان إلى علماء الأزهر لم تُصحَّحا من قِبَلي؛ فلا شكَّ من وقوع هفواتٍ وسهوٍ سواءٌ في ضبط الشكل أو في العبارات العربية، ولا سيما في “خلاصة الخلاصة” التي في الختام؛ فلقد شاهدتُ هفواتٍ في نُسَخٍ أخرى، ولهذا أرسِلوا نسخةً مصحَّحةً من قِبَل علماءَ في العربية -في أي وقتٍ ترونه ملائمًا- من كلٍّ مِن مجموعةِ “عصا موسى” و”ذو الفقار”، وأرفِقوا الآتيَ إليهم:

“إن مدرسة الزهراء -لرسائل النور- بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى الجامع الأزهر، كحاجةِ الطفل الصغير إلى أمه الرؤوم، فهي تَطلب دومًا أن يُسبغ شفقته عليها، إذ هي إحدى طالباته، تتلقى الدرسَ منه، وهي التي استهدفتها أعداءٌ شرسون كثيرون.

فهذه المدرسة الزهراء شعبةٌ مصغَّرة من شُعَب ذلك الجامع العظيم الذي يترأس المدارس الدينية جميعها وينوِّر بها العالم الإسلامي.

ولأجل هذا تنتظر هذه الطالبة الصغيرة عَون ذلك الأستاذِ الموقّر، وذلك الأبِ الرحيم والمرشد الكبير، وترجو أن يمدّ يده إليها”.

❀   ❀   ❀

[مكاسب العمل لرسائل النور]

(مكاسب العمل لرسائل النور)

﴿يوزَن مدادُ العلماء بدماء الشهداء﴾6﴿[٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ١/ ٦، ٨؛ ابن الجوزي، العلل المتناهية ١/١٨١؛ ابن حجر، لسان الميزان ٥/٢٢٥؛ المناوي، فيض القدير ٦/٤٦٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٦٢، ٥٤٣.﴾

﴿مَن تمسَّك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد﴾7﴿[٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٥/٣١٥؛ ابن عدي، الكامل ٢/٣٢٧؛ البيهقي، الزهد ص ١١٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٨/٢٠٠؛ المنذري، الترغيب والترهيب ١/٤١؛ المناوي، فيض القدير ٦/٢٦١.﴾

استلهامًا من هذين الحديثين الشريفين نبيِّن عددًا من الفوائد الكثيرة -الدنيوية والأخروية- الناشئةِ من استنساخ رسائل النور، والمذكورةِ في أجزائها، والثابتةِ بتجارب طلابها وتصديقهم إياها.

خمسة أنواع من العبادات:

١- إنها جهادٌ معنوي تجاه أهل الضلالة، ذلك الجهاد الأهم.

٢- إنها خدمةٌ لأستاذه ومعاوَنةٌ له على نشر الحقيقة.

٣- إنها خدمةٌ للمسلمين كافة من حيث الإيمان.

٤- إنها تحصيلٌ للعلم بالكتابة.

٥- إنها عبادةٌ فكريةٌ التي قد تكون ساعة منها بمثابة سنة من العبادة.

ولها خمسةُ أنواعٍ من الفوائد الدنيوية:

١- البركة في الرزق.

٢- الانشراح والسرور في القلب.

٣- اليُسْر في المعيشة.

٤- التوفيق في الأعمال.

٥- المشاركة في الدعوات الخاصة لجميع طلاب النور، بنَيلِه فضيلةَ طالب العلم.

نتيجتان مهمتان للعمل لرسائل النور بالقلم والتتلمذ عليها:‌

الأول: حسن الخاتمة، كما تشير إليها الآيات القرآنية الكريمة.

الثاني: الاشتراك بالمكاسب المعنوية لجميع طلاب النور، بمقتضى الاشتراك المعنوي ضمن دائرة رسائل النور، ونَيل حظه من حسناتهم جميعًا.

وكذا الدخول ضمن حظيرة طلاب العلم -في هذا الزمان الذي فُقِد فيه طالبُ العلم- ونَيلُ الاحترام اللائق بهم من قِبَل الملائكة8﴿(٭): الثابت قطعًا بمشاهدة بعض أهل الكشف من الأولياء. (المؤلف)﴾، بل نَيلُ حياةِ الشهداء في عالم البرزخ -إنْ وفِّق إلى ذلك وأوتي حظًّا عظيمًا- بمثل ما حَظِي بها طالبُ النور الشهير “الحافظ علي”، والمذكور في رسالة “الثمرة”.

❀   ❀   ❀

[هكذا تقتضي خدمة الإيمان]

(هكذا تقتضي خدمة الإيمان)

أولًا: إنه يجب عليّ المجيء إلى هنا حتى لو كنت في مكة المكرمة، وذلك إنقاذًا للإيمان وخدمة للقرآن الكريم، فالحاجة هنا شديدة جدًّا.

فلو كنت أملِك ألفَ روحٍ وروح، وابتُليت بألفِ مرضٍ ومرض، وقاسَيتُ ألوفًا من صنوف الآلام والمصاعب، فإن قراري -وقرارنا- هو البقاء هنا، خدمةً لإيمان هذه الأمة، وسعيًا لإكسابهم السعادة الأبدية؛ ذلك ما تعلمناه من دروس القرآن الكريم.

ثانيًا: تكتب إليَّ -يا أخي- عن الإهانة التي أُقابَل بها بدلًا من الاحترام والتقدير، وتقول: “لو كنتَ في مصر أو أمريكا لكنتَ تُذكر في التاريخ بإعجاب وفخر”.

أخي العزيز الفطن..

نحن نهرب هروبًا من احترام الناس إيانا وتوقيرهم لنا وحسنِ ظنهم بنا وإكرامهم لنا وإعجابهم بنا، وذلك بمقتضى مسلكنا، فاللهاث وراء الشهرة التي هي رياء عجيب، ودخولُ التاريخ بفخرٍ وبهاء، وهو عُجبٌ ذو فتنة؛ وحبُّ الظهور وكسب إعجاب الناس.. كلُّ ذلك مُنافٍ ومخالفٌ للإخلاص الذي هو أساسٌ من أسس مسلك النور وطريقِه، فنحن نَجفِل ونهرب مذعورين من هذه الأمور باعتبارنا الشخصي؛ ناهيك عن الرغبة فيها.

ولكننا نرجو من رحمة اللّٰه الواسعة إظهار رسائل النور النابعة من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعاتُ إعجازه المعنوي، ومفسِّرةُ حقائقه وكشَّافةُ أسراره.. فنرجو من رحمته تعالى الإعلانَ عن هذه الرسائل والرواجَ لها، وشعورَ الناس بحاجتهم إليها، وإظهارَ قيمتها الرفيعة جدًّا، وتقديرَ الناس لها وإعجابَهم بها، وتِبيانَ كراماتها المعنوية الظاهرة جدًّا، وإظهارَ غلبتها على الزندقة بجميع أنواعها بسر الإيمان، فنحن نريد إعلامَ هذه الأمور وإفهام الناس بها وإظهارَ تلك المزايا، ونرجو ذلك من رحمته تعالى.

❀   ❀   ❀

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى