الملاحق

مختصر ملحق أميرداغ الأول 1/3

[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم.في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ.
إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم. في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ.

[مختصر ملحق أميرداغ الأول 1/3]

تأليف

بديع الزمان سعيد النّورسي

ترجمة

إحسان قاسم الصّالحي

❀   ❀   ❀

 

﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾

[التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع]

(التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع)

لقد فُتحت وقُرئت من قِبَلنا محتوياتُ خمسةِ صناديقَ مملوءةٍ بالكتب، وحيث إن من صلاحيتنا تدقيقَ كل ما في الصناديق، فقد وجدناه كالآتي:

كتبٌ مطبوعة مؤلَّفة من قِبل سعيد النورسي، وأجزاءٌ غير مطبوعة من رسائل النور، ومكاتيبُ علمية ودينية لبعض من طلابه متعلقة به، ومكاتيبُ أخرى اعتيادية جرت بين الطلاب أنفسهم، أو بينهم وبين سعيد النورسي، مع مجموعة من الكليشات.

ولأجل بيان ماهية هذه كلها لا بد من تقسيمها إلى قسمين:

١- الرسائل التي كُتبت لتفسير آية كريمة أو إيضاح حديث شريف، وهي تشكّل تسعين بالمئة من المحتويات.

هذه الرسائل وُضِّحت فيها العقائد التي تخص الدين والإيمان باللّٰه والرسول والقرآن والآخرة، فوُضِّحت بجلاء، مع إيراد الأمثلة ونظرات علمية دقيقة مقرونة بنصائح أخلاقية موجهة إلى الشيوخ والشباب، مع إدراج حوادث ذات عبرة جرت في الحياة، مع ذكر أمور نافعة للأهلين ومفيدة لأرباب العمل.

والمؤلِّف في هذه الرسائل كلها لم يغادر الإخلاص، ولم يفارق التجرد والعلم، ولم يخالف قطعًا أُسسَ الدين؛ ومن الواضح البيِّن أن هذه الرسائل لا تحتوي على ما يُخلّ بنظام البلاد، ولا تستغل الدين بتشكيل الجمعيات.

أما الرسائل الاعتيادية التي جرت بين الطلاب وبين سعيد النورسي فهي أيضًا من هذا القبيل:

١. يقول سعيد النورسي بأن ما ناله من شهرةٍ أو ذُيوع صِيتٍ يومَ كان في إسطنبول ما هو إلا نومٌ عميق وكابوسٌ مؤقت وغفلةٌ عابرة، وأنه قد تَدَخَّل بعقله في السياسة لدى مكوثه في إسطنبول لسنتين.. يُصوّر هذا الأمر بموت الدنيا، ويميّز -بهذه المناسبة- بين شخصيتين له: سعيد القديم وسعيد الجديد، وهما شخصيتان متباينتان، ويَذكر أن التنزُّل إلى أمور السياسة خطأ.

٢. في قسم المناجاة لأهم كتب سعيد النورسي وهو “الحجة البالغة” ورد ما يأتي:

إن هذه الدنيا فانية، وإن أعظم دعوى فيها هي الفوز بالعالم الباقي، فإن لم تكن عقيدةُ المرء صحيحة يخسر الدعوى.. نعم، إن الدعوى الحقة هي هذه، ومن الضياع والعبث الاهتمامُ بما هو خارجَ هذه الدعوى، فالذي ينشغل بالأمور السياسية يتخلف عن الإيفاء بوظائف مهمة، ويَفقد سلامة قلبه من جراء تلهفه للصراعات السياسية.

٣. وذَكر في اللمعة السادسة والعشرين: أن مهمته الحقيقية في هذه الدنيا الهرمة هي نشر الأسرار القرآنية. ويقول: إنني مرتبط بهذه البلاد من حيث الحمية الإسلامية، وإلّا فلا دار لي ولا أولاد لي.

٤. وذَكر في اللمعة الحادية والعشرين، الدستور الأول من بين النصائح التي قدّمها لإخوانه: ابتغاء رضوان اللّٰه في عملكم، فلا تُطلب فيه منافع مادية.

ويقول أيضًا: إنني لست صوفيًّا، ومسلكنا ليس طريقة صوفية، وإن حب الجاه وجلب الأنظار إلى النفس مرضٌ روحي، ويُطلَق عليه الشرك الخفي.

ويقول: لو كان مسلكنا مشيخةً لكان المقام واحدًا، والمرشَّحون كثيرين.. إن مسلكنا: الأخوّة، فلا يكون الأخ لأخيه في مرتبة الأب، ولا يتقلد صفة المرشد.

❀   ❀   ❀

[محاورة مع نفسي]

(محاورة مع نفسي)

أُحيلُ هذه المحاورة مع نفسي إلى رأيكم لإسماعها المسؤولين في أنقرة بعد إجراء التصحيحات اللازمة فيها.

إذا كان الحاكم والمدّعي واحدًا، فإلى من تُرفَع الشكوى؟ لقد حرتُ طويلًا في هذه المشكلة!!

أجل إن حالتي اليوم، وأنا طليق مراقَب أكثرُ شدةً عليّ من الأيام التي كنت مسجونًا فيها، وإن يومًا واحدًا من هذه الحياة يضايقني أكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك.. لقد مُنعتُ من كل شيء رغم ضعفي وتقدمي في السن وفي هذا الشتاء القارس، فلا أقابِل غير صبيٍّ وشخصٍ مريض، على أنني منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد.

إن تزييدهم المضايقاتِ والمراقبةَ عليَّ وعزلي عن الناس أكثرَ من هذا الحد سَيَمَسُّ غَيرةَ اللّٰه سبحانه وتعالى وتكون العاقبة وخيمة.

إنني أقول: إن أهم وظيفة لهذه الحكومة -بمسؤولِي الأمنِ ومأموري العدل فيها- والتي تعاملني معاملة وجدانية إنسانية هي حمايتي حماية تامة، لأن الحكومة وثلاث محاكم عدلية برّأتْ ساحتنا وأفرجت عنا، بعد إجراءِ تدقيقات دامت طوال تسعة أشهر على ما كتبتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات ومكاتيب؛ ولكن المنظمة السرية التي تعمل بخفاء في خدمة الأجنبي ألقتْ في رُوع قسمٍ من الموظفين الشبهاتِ -بجعلها الحبة قبّة- طمعًا في إفساد براءتنا، وغايتُهم في ذلك هي أن ينفَدَ صبري فأقولَ: “كفى كفى!!”.

على أن سبب غضبهم عليّ في الوقت الحاضر هو سكوتي، وعدم تدخلي بأمور الدنيا، وكأنهم يريدون أن أتدخل حتى تتحقق لهم بُغيتهم.

أبيّن لكم بعض مكايدهم التي يستعملونها في بث الشكوك والشبهات في قلوب قسم من الموظفين الحكوميين؛ إذ يقولون: إن لسعيد نفوذًا في الأوساط العامة، وإن مؤلفاته كثيرة ولها تأثير بالغ في الناس، فمن يتقرب منه يصادقه، لذا يلزم كسر هذا النفوذ بتجريده من كل شيء وإهانته وعدم الاهتمام به وتجنيب الناس منه وإخافة محبيه.

وهكذا أصبحت الحكومة في حيرة من أمرها فتُشدد عليّ الخناقَ وتُضاعف المضايقاتِ.

وأنا أقول:

أيها الأخوة المحبون لهذه الأمة والبلاد.. أجل، إن هناك نفوذًا وتأثيرًا كما يقوله المنافقون، ولكن ليس لي، وإنما لرسائل النور، فرسائل النور لا تنطفئ، وكلما تعرّض لها شيءٌ قويَتْ.. ولم تُستعمل إلّا لصالح الأمة والبلاد، ولا يمكن غير ذلك.

إن قيام محكمتين عدليتين طوال عشر سنوات بتدقيقاتِ ما كتبتُه خلال عشرين سنة تدقيقًا شديدًا لم يسفر عن حجة حقيقية لإدانتنا.. وهذه حجةٌ لا تُجرح، وشاهدُ صدقٍ لدعوانا.

نعم، إن المؤلفات ذات تأثير بالغ، ولكن لمصلحة الأمة والبلاد، وذلك بإرشادها إلى الإيمان التحقيقي لمئة ألف من الناس من دون أن تمسّ أحدًا بسوء، فتأثيرها إذن هو في العمل لسعادتهم الدنيوية وحياتهم الأبدية.

إن مئات المساجين المحكومين في سجن “دنيزلي” -بعضُهم عوقبوا بعقوبات شديدة- قد أصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قراءتهم “رسالة الثمرة” وحدها، حتى الذين قَتلوا ثلاثة أشخاص تحاشَوا عن قتل بقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة.. مما دفع هذا الوضع مديرَ السجن على الإقرار بأن السجن أصبح في حُكم مدرسة تربوية.. كلُّ هذا حجةٌ قويةٌ لا تُجرح لصدق مدَّعانا.

نعم، إن تجريدي من جميع حقوقي الإنسانية بعد هذا كله إنما هو ظلم مضاعف وعذاب مضاعف وغدر وخيانة لهذه الأمة في الوقت نفسه، ذلك لأن الدليل القاطع على أن هذه الأمة المتدينة -التي لم يجد أحدٌ أيَّ ضرر مني رغم بقائي ما يقرب من أربعين سنة بين ظهرانيهم- بحاجة إلى قوة معنوية وتسَلٍّ عظيم، هو أن الأمة لا تلتفت إلى الدعايات المُغرضة المشاعة ضدي، فتتوجه في كل مكان إلى رسائل النور وتشتاق إليها.. بل أعترف أنهم يُبدون من التوقير والاحترام لي ما يفوق ما أستحقه بمئة ضعف، فأنا لست أهلًا له.

لقد سمعت أن المسؤولين عَهِدوا إلى حكومة هذه المنطقة أمر إعاشتي الدنيوية، وإنني إذ أشكر هؤلاء أعلن لهم أن حريتي في أداء واجبي هي أهم من كل شيء، فهي أول ركن من دستور حياتي، وإن سلب حريتي بحبائل الأوهام الكاذبة وتقييدها بقيود الاستبداد والطغيان يجعلني أَمَلُّ الحياةَ مللًا شديدًا، حتى أفضِّل القبرَ على هذه الحالة، فضلًا عن السجن والحبس، إلّا أن الذي يَشُدُّ أزري ويدفعني إلى التحمل والصبر هو الثواب الذي يُجزَل بحسب المشقة في سبيل خدمة الإيمان.

إن على هؤلاء الذين لا يريدون ظلمي أن يردّوا عليّ حريتي ولا يمسّوها بسوء.. إنني أتمكن أن أعيش من دون طعام، ولكني لن أعيش من دون حرية.

نعم، إن الذي عاش على مبلغٍ لم يَزد على مائتي ليرة تركية طوال تسع عشرة سنة، مع الأخذ بمنتهى الاقتصاد والقيام برياضةٍ روحيةٍ شديدة حفاظًا على حريته وعزته العلمية من دون أن يعرض نفسه إلى ذلّ الصدقة والمسألة والتوسل بالزكاة والمرتّبات والهدايا.. لا ريب أنه اليوم أحوجُ ما يكون إلى الحرية ضمن العدالة منه إلى الإعاشة.

إن ما يعوِّضُ عن عشرةٍ من الناس يُحال بيني وبينهم، أن هناك عشرات الألوف بل مئات الألوف من المسلمين يعكُفون على دراسة رسائل النور دون أن يكترثوا بالموانع والعراقيل أيًّا كانت.

إن كل نسخةٍ من ألوف نسخ رسائل النور التي انتشرت في أرجاء البلاد وفي العالم الإسلامي، تقوم مقامي في الكلام والبيان، بل أفضل مني، لما فيها من حقائق رصينة وفوائد جمة، فبسكوتي لن تَسكت تلك الرسائل، ولن تُسكتها أيةُ قوة.

❀   ❀   ❀

[محاورة مع وزير العدل والحكام الذين لهم علاقة برسائل النور‌]

(محاورة مع وزير العدل والحكام الذين لهم علاقة برسائل النور‌)

أيها السادة.. لِمَ تنشغلون بنا وبرسائل النور دون داعٍ أو سبب؟! إني أبلّغكم قطعًا ما يلي:

إنني ورسائلَ النور لا نبارزكم، بل ولا نفكر فيكم، بل نَعُدُّ ذلك خارج وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابها الحقيقيين يؤدون خدمة جليلة للجيل المقبل الذي سيأتي بعد خمسين سنة، ويَسْعَون لإنقاذهم من ورطةٍ جسيمة، ويَجِدُّون في إنقاذ هذه البلاد والأمة من خطرٍ عظيم، فمَن ينشغلْ بنا الآن فسيكون رميمًا في القبر في ذلك الوقت، بل لو افتُرِض أن عملنا -الذي هو لتحقيق السعادة والسلامة- مبارزةٌ معكم، فلا ينبغي أن يَمَسَّ الذين سيكونون ترابًا في القبر.

إن إظهار أعضاء الاتحاد والترقي شيئًا من عدم المبالاة في الحياة الاجتماعية وفي الدين وفي السجايا القومية، أدّى إلى ظهور الأوضاع الحالية بعد ثلاثين سنة تقريبًا من حيث الدين والأخلاق والعفة والشرف، فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة -البطلة المتدينة الغيورة على شرفها- بعد خمسين سنة، ولا يخفى عليكم ما سَتَؤُول إليه السجايا الدينية والأخلاقية الاجتماعية.

سيُلطخ قسمٌ من الجيل الآتي ذلك الماضيَ المجيد لهذه الأمة المضحِّية منذ ألف سنة، بلطخاتٍ رهيبة قد تقضي عليه بعد خمسين سنة.

لذا فإنّ إنقاذ قسمٍ من هذا الجيل من ذلك التردي المريع -بتزويده بالحقائق التي تحتويها رسائل النور- يُعَدُّ أفضل خدمةٍ لهذه الأمة ولهذا الوطن، فنحن لا نخاطب إنسانَ هذا الزمان، بل نفكر بإنسان ذلك الزمان.

نعم، أيها السادة.. على الرغم من أن رسائل النور لا تسدد نظرها إلّا إلى الآخرة، ولا تَهدُف غيرها، وليست لها غاية سوى رضا اللّٰه وحده وإنقاذ الإيمان، ومسعى طلابها ليس إلّا إنقاذ أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الأبدي، فإنها في الوقت نفسه تقدم خدمة جليلة أيضًا تعود فائدتها للدنيا، وإنقاذ هذه الأمة والبلاد من براثن الفوضى، وإنقاذ ضعفاء الجيل المقبل من مخالب الضلالة المطلقة، لأن المسلم لا يشبه غيره، فالذي يَحُلُّ رِبقته من الدين ليس أمامه إلّا الضلالة المطلقة، فيصبح فوضويًّا إرهابيًّا، ولا يمكن دفعه إلى الولاء للإدارة والنظام.

نعم، في الوقت الذي نجد خمسين بالمئة ممن تربَّوا بالتربية القديمة لا يكترثون بالأعراف الشعبية والإسلامية، فإنه بعد خمسين سنة يَسوق تسعون بالمئة منهم هذا الوطن والأمة -بنفوسهم الأمارة بالسوء- إلى فوضى ضاربة أطنابها.. فلا شك أن التفكر في هذا البلاء العظيم ومحاولة التحري عن أسباب لدفعه، هو الذي دفعني قبل عشرين سنة إلى ترك السياسة كليًّا وعدم الانشغال مع أَناسيِّ هذا الزمان، مثلما دفع رسائلَ النور وطلابَها إلى قطع علاقتهم مع صراعات هذا الزمان، فلا مبارزة معهم ولا انشغال بهم.

وما دامت هذه هي الحقيقة، فإن الواجب الأول لجهاز العدالة ليس اتهامي واتهامَ طلاب النور، بل القيام بحماية رسائل النور وطلابها، لكونهم يحافظون على أعظم حقٍّ من حقوق الأمة والبلاد، فإن الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة والبلاد يهاجمون رسائل النور ويدفعون أجهزة العدالة -بعد خداعها- لارتكاب أفظع المظالم وأبشع الجنايات.

سأَعرض أنموذجين صغيرين جدًّا:

الأول: رسالة لرفيقي في السجن تتضمن الاستفسار عن الأحوال، وبرفقتها عشرة “بنكنوت” ثمن رسالةٍ عربية لي لتُعطى إلى مَن دَفَع مصاريف الطبع في إسبارطة.

ضايقتني الدوائر العدلية والحكومة من جراء هذه الرسالة، وأجرت تحرّيًا في مسكنِ مَن أصبح وسيلةً للطبع.

أقول: إنّ جَعْلَ هذه الرسالة التي لا أهمية لها -حتى بقدر جناح بعوضة- والمراسلة التي لم تتم إلّا في غضون ستة أشهر.. كأنها مسألة عظيمة، لا تليق بلا شك بكرامة العدلية وشرفها.

الأنموذج الثاني: إن ترويع الناس من شخصي [أنا] الضيف، الضعيف، الغريب، الشيخ، الذي برَّأته المحاكمُ، بل حتى ترويع من يُعِينه في أموره الشخصية بإطلاق دعاياتٍ مغرضة، بصورة رسمية، ومن ثم إقحامي في وضعٍ مؤلم، لا يليق بالغَيرة القومية لحكومةِ هذه الولاية.

نعم، إن إطلاق الدعايات المغرضة، وإلقاء الرعب في قلوب الناس، وجعل ضرر موهوم لا يساوي شيئًا كأنه ضرر جسيم، والاستفسار الدائم: مع من يلتقي؟ مَن يأتيه؟ وأمثالها.. لا شك أن حكمة الحكومة وحاكميتها لا ينبغي أن تتنازلا إلى هذه الحالة العجيبة.

وعلى كل حال هناك مواد كثيرة تورث الحيرة لدى المطلعين عليها، كهذين الأنموذجين.

أيها السادة..

إنّ دفع الضلالة والفساد سهل ويسير إن كانت آتية من الجهل، بينما إزالتها عسير جدًّا إن كانت آتية من العلم.

ففي هذا الزمان تأتي الضلالة من العلم، لذا لا يمكن إزالتها وإنقاذُ من تردَّى فيها من الجيل المقبل إلّا بأن يكون لديهم مؤلَّف كامل كرسائل النور.

والدليل على أن رسائل النور لها هذه القيمة هو أنه لم يعارِض رسائلَ النور -منذ عشرين سنة- أحدٌ من معارضيَّ الأشداء الكثيرين، ولا أحدٌ من الفلاسفة المتعنتين، ولم يستطيعوا -ولا يستطيعون- جرحها.. وكذا عدم عثور ثلاث دوائر عدلية والخبراء في مركز الحكومة على مادةٍ تُديْننا بعد التحري في مئة كتاب طوال تسعة أشهر.. وكذا إيراثها القناعة التامة لألوف المدققين من طلابها.

نعم، إن عدم عثور محكمتين ومركزِ الحكومة وضباطِ أمنٍ لبضع ولاياتٍ ومحكمةِ دنيزلي على أية مادة توجب العقاب وتلحق الضرر بالأمة والوطن في جميع الرسائل الخاصة والعامة منذ عشر سنوات: يُثبت أن لرسائل النور حقوقًا عظيمةً وكليةً شاملةً في هذا الوطن.

وحيث إن واجب دوائر العدل هو الحفاظُ على الحقوق، ومنعُ المتعدين من التجاوز، فإن إهمالَ هذه الحقوق المهمة، ومصادرةَ الرسائل كأنها أوراق اعتيادية، والإجحافَ بحق الأمة والمحتاجين إلى إنقاذ الإيمان، مع وجوب الأخذ بنظر الاعتبار حقَّ شخص اعتيادي باهتمام.. ورغم ثبوت خدمة رسائل النور لسعادة مئة ألف من الناس طوال عشرين سنة.. فإننا نُذكِّركم أن هذا عمل لا ينسجم مع ماهية العدلية وحقيقة العدالة بأي شكل من الأشكال.

إننا نخشى أن يكون التعرضُ لرسائل النور وعدمُ التعرض لمؤلفات كثيرة لزنادقة كالدكتور “دوزي”، وسيلةً لنزول الغضب الإلهي.

نسأل اللّٰه أن يرزقكم الإنصافَ والرحمة ويلهمنا الصبر والتحمل. آمين.

  سعيد النورسي‌

  في الحبس الانفرادي بصورة غير رسمية‌

❀   ❀   ❀

[وشاورهم في الأمر]

(وشاوِرهم في الأمر)‌

﴿باسمه سبحانه﴾

اتباعًا للأمر الإلهي: ﴿وشاوِرهم في الأمر﴾ أجد نفسي بحاجة إلى التشاور مع إخوتي.

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

إنني الآن أمام أمرٍ واقع، حيث أمرَت السلطاتُ بتخصيصِ مبلغ قدره اثنان ونصف “بنكنوت” لمعيشتي اليومية، علاوةً على منزلٍ مؤثَّثٍ حسبما أُريده.

علمًا أن دستور حياتي الذي نفَّذتُه طَوال ما يقرب من ستين سنة يقتضي رفضَ هذا، فما قبِلتُ مرتَّبًا إلّا لمدةِ سنتين تقريبًا عندما كنت عضوًا في “دار الحكمة الإسلامية”، وهذا أيضًا صرفتُه لطبع كتبي وتوزيعِها مجانًا على الناس، فرددتُ بضاعتَهم إليهم.

ولكن لو قَبلتُ الآن ذلك المبلغ مضطرًّا فسوف أقبله لئلا يصيبكم ورسائلَ النور الضررُ، وبشرط أن أُعيده في المستقبل إلى الناس، ولا أصرف منه إلا القليل الذي تستوجبه الضرورةُ القاطعة.

وقد طَرق سمعي أنني إذا رفضتُ الأمر، فسوف يستاء إذن أولئك الذين يسعَون لصالحنا ولا سيما لإعاشتي، بينما المعارضون يقولون: إن معيشة هذا الشخص إذن تَرِدُ من مكان آخر. فما أجهَلُهَم ببركة الاقتصاد العظيمة! إنهم لم يشاهدوا أن رغيفًا بخمسة قروش يكفيني ليومين.

ولكن إذا ما قبلتُ بالأمر فستستاء سبعون سنة من العمر، فضلًا عن استياء الإمام علي رضي اللّٰه عنه الذي أخبر عن علماء السوء في زماننا هذا، الذين يجترحون السيئات ويتلوثون بالبدع إشباعًا للرغبات وطمعًا للمرتَّبات.

وهناك جهةٌ أخرى، وهي أن الإخلاص الحقيقي الصافي الذي تتمتع به رسائلُ النور سيتَّهمني بعدم الإخلاص، ولأجل هذا فأنا في حيرة من هذا الأمر.

وقد سمعتُ أيضًا أنني لو رفضت الأمر فسيزيدون مضايقاتهم عليّ، وربما يعرقلون نشر الرسائل وإطلاق حريتها كليًّا، بل علمتُ أن مضايقاتهم عليَّ إنما هي لحملي على قبول الإعاشة.

فما دام الأمر هكذا، وأن “الضرورات تبيح المحظورات”، فنسأله سبحانه وتعالى ألّا يصيبنا الضررُ إذا ما صار الأمرُ في حدِّ الضرورة.

ومع هذا رفضتُ الأمر، فأحيل الموضوع إلى مشاورتكم.

إخوتي الأعزاء..

لا تقلقوا عليّ لأنى أشاهِد في كل أمرٍ عسير أثرَ الرحمة الإلهية ولمعةَ عنايته تعالى، فلا تتضايقوا فإن سعيَكم وهمّتكم ومعاونتكم لي تزيل كلَّ ضيق وتنشر السرور والانشراح دومًا.

❀   ❀   ❀

[إننا تحت العناية الربانية]

(إننا تحت العناية الربانية)

إخوتي..

لا تقلقوا أبدًا، فقد اقتنعتُ قناعةً تامة بأننا تحت العناية الإلهية، ونُستخدَم بإرادةٍ غيبيةٍ خارجةٍ عن اختيارنا واقتدارنا، وفي عملٍ جليلٍ في منتهى الأهمية، فنحن كثيرًا ما ننال سر الآية الكريمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾.

نعم، إن في عملنا تعبًا قليلًا إلّا أن الثواب جزيل.

❀   ❀   ❀

[اقضوا ما أنتم قاضون]

(اقضوا ما أنتم قاضون)

عندما كنت أصحح الثمار الفردوسية واليوسفية للأبطال الميامين، جَلبتْ انتباهي تلك الرسالة، [رسالة] (الثمرة)، حيث بدت لي أهميتها، فصرختُ: لو تضاعفتْ متاعبُ السجن كلُّها مئة ضعفٍ فقد أدَّت هذه الرسالةُ أضعافَها من الوظائف، إذ تستقرئ نفسَها في شتى الأوساط العامة، وتسوق إلى الإيمان حتى المتعنتين.

أيها الشُّقاة.. يا من تُضَيّقون عليَّ الخِناق.. اعملوا ما شئتم، واقضوا ما أنتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كلُّ المصائب التي تنزل بنا هيِّنة تافهة، بل إنها عنايةٌ إلهية محضة ورحمةٌ بعينها.

قلتُ هذا ووجدتُ السُّلوان الكامل.

سلامنا إلى جميع طلاب النور، داعين لهم بالسلامة.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[إننا نقيم سدًّا قرآنيًّا]

(إننا نقيم سدًّا قرآنيًّا)

…..

الشكر للّٰه شكرًا لا منتهى له، فقد أحسَنَ إليَّ حالةً روحيةً بحيث أُضحِّي بألوفٍ من كرامتي وشرفي في سبيل راحةِ الضعفاء ودفعًا للبلاء النازل بهم.

فقررتُ أن أتحمّل جميعَ إهاناتهم وحقاراتهم وكل ما تنطوي عليه صدورُهم من نياتٍ فاسدة، وإني مستعدٌّ لتلقِّي كلِّ ذلك في سبيل استتباب الأمن والنظام في ربوع البلاد، ولا سيما لراحة الأطفال الأبرياء والشيوخ الموقَّرين والمرضى الضعفاء والفقراء، وسعادتهم الدنيوية والأخروية.

إننا نسعى بما أُوتينا من قوةٍ لإقامة سدٍّ قرآني شبيهٍ بسدِّ ذي القرنين أمام الفوضى والإرهاب، فالذين يتعرضون لنا إنما يهيؤون الأوساط ويمهِّدون السبيل للفوضى والشيوعية.

نعم، لو كنتُ على دأبي السابق في أن أردَّ كل إهانةٍ وتحقيرٍ حفاظًا على عزة العلم.. ولو لم تكن وظيفتي الحقيقية منحصرةً في أمور الآخرة وحدَها وموجَّهةً لإنقاذ المسلمين من الإعدام الأبدي للموت.. ولو كان سعيي هو لأجل الحصول على حطام الدنيا واللهاث وراء شؤون السياسة السلبية، كما هو الشغل الشاغل للمعترضين عليّ.. لكان هؤلاء المنافقون الذين يعملون في سبيل الفوضوية والإرهاب سببًا في حدوث عشرات الحوادث من أمثال “مَنَمَنْ” 1﴿[٭]: هي حادثةٌ مفتعَلة في الأغلب، دُبِّرت من قبل الحكومة، إذ ادَّعت ظهور تمرد إسلامي انطلق من جامعٍ في ناحية “مَنَمَنْ” كان يقوده شخص مختل العقل، وقد تم التنكيل بأهالي تلك المدينة بقسوة، واستُغِلَّت الحادثة لضرب الشعور الإسلامي.﴾ وحادثة “الشيخ سعيد”.

ولكن شخصًا مثلي واقف على عتبة القبر، لا علاقة له مع شيء من الدنيا، بل قد تجافى عنها، وفرَّ من توجه الناس وإقبالهم عليه، ولم تَبق لديه رغبةٌ في كسب الشهرة والعُجْب وأمثالهما من الرياء، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر.

ففي هذه الحالة لم تبق لإهانتهم غير القانونية لشخصي أية أهمية، أُحيل ذلك إلى العلي والقدير. فأتفكر في الذين عذبوني بناء على شكوك وظنون، وأتألم لحالهم تألمًا حقيقيًّا فأقول: يا رب أنقذ إيمان هؤلاء برسائل النور، وحوِّل موتهم -بسر القرآن- من الإعدام الأبدي إلى تذكرةِ تسريحٍ من الحياة، وأنا بدوري أُسامحهم وأصفح عنهم وأتنازل لهم عن حقي.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[لِمَ لَم يُستجب الدعاء؟]

(لِمَ لَم يُستجب الدعاء؟)

جواب عن سؤال سألَنِيه -باسمِ الكثيرين- أحدُ طلاب النور الصغار الذي يعاونني في أموري الشخصية.

سؤال: أستاذي المحترم.. لِمَ لَمْ يُستجَب الدعاء والصلاة المقامة للاستسقاء، حيث تجمَّعت السحُب عدةَ مراتٍ ثم تفرَّقتْ دون إنزالِ المطر؟

الجواب: إن انحباس المطر هو وقتُ هذا النوع من الدعاء والصلاة، وليس علّتَه وحكمتَه؛ فكما تُصلَّى صلاةُ الكسوف والخسوف عند الكسوف والخسوف، وكما تُصلَّى صلاةُ المغرب عند غروب الشمس، كذلك انحباسُ المطر والجفافُ هو وقت صلاة الاستسقاء ودعاؤه.

من المعلوم أن سبب العبادة والدعاء هو الأمر الإلهي، ونتيجتَها رضاه تعالى، وفوائدَها أخروية، فلو قُصِدتْ من الصلاة والعبادة مقاصدُ دنيوية، وأُدِّيتْ لأجلها فحسْبُ فلا تُقبَل تلك الصلاة والعبادة؛ إذ كما لا تُؤدَّى صلاةُ المغرب لأجل غروب الشمس، ولا صلاةُ الخسوف لأجل انكشاف القمر، كذلك أداءُ صلاة الاستسقاء لأجل إنزال المطر خطأٌ، إذ إنزالُه من أمر اللّٰه، وواجبُنا نحن تجاهه سبحانه العبوديةُ والدعاء من دون التدخل بما هو موكولٌ أمرُه إليه تعالى.

ولكن على الرغم من أن النتيجة الظاهرة لصلاة الاستسقاء هي نزولُ المطر، فإن نتيجتها الحقيقية والأصلية والنافعة وثمراتُها الجميلة الطيبة هي إدراك الجميع أن الذي يربِّيه ويغذِّيه ليس والديه ولا محلَّه ولا دكانَه، بل مَن يرسل السحاب الثقال بالماء الثَّجَّاج، فهو الذي يرسل إليه الرزق، وحتى الطفلُ الصغير يدرك هذا المعنى الواسع بعقله الصغير، لما هو معتاد عليه من التوسل والرجاء كلما جاع.

فالمعنى الذي ينطوي عليه الاستسقاء هو أن الذي يدبِّر أمر الدنيا الهائلة كدارٍ صغيرة، ويغذيني والأطفالَ جميعًا وأهلَ الدار، ويبعث إليهم رزقهم: إنما هو سبحانه، فلا نفع من غيره إن لم يَرزُق هو سبحانه، فما علينا إلّا أن نتوسل إليه وحده.. وبهذا يَقوى إيمانه.

[ستُّ تنبيهات]

ولهذه المناسبة ستُبيَّن ست نقاط باختصار:

[لا بد من تسديد ثمن النعمة الإلهية]

النقطة الأولى: إن ثمن النعمة الإلهية ورحمتَها هو الشكر، ولكننا لم نؤدِّ الشكر حقَّه. وكما لم نؤدِّ ثمن الرحمة بالشكر، جلبْنا الغضبَ الإلهي بظلمنا وعصياننا.

وقد جعلت البشريةُ نفسَها مستحقة للعقاب بما تقترف من ظلم ودمار وكفر وعصيان، وعوقبتْ من جراء ذلك بشتى أنواع العقاب الصارم، فلا جَرَمَ أن يكون لنا حظٌّ من ذلك العقاب.

[ظلم البشر يعمُّ الموجودات]

النقطة الثانية: ورد في حديث شريف ما معناه أنه حتى الأسماك في جوف البحر تشتكي إلى اللّٰه من الظالمين والعاصين وتقول: “ينقطع المطر، وتَقِلُّ أرزاقُنا بسبب ظلمهم”. 2﴿[٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ٢/٥٥؛ البغوي، معالم التنزيل ١/١٣٤.﴾ نعم، إن المظالم والذنوب التي تُرتكب في هذا الزمان لا تَدَعُ مجالًا لطلب الرحمة من اللّٰه، وحتى الحيوانات الأبرياء تتأذى من جرائها.

[ظلم الخاصة ومصائب عامة]

النقطة الثالثة: تقول الآية الكريمة: ﴿واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾، إذ لو نجا الأبرياءُ من مهالكِ المصيبة العامة نجاةً خارقة، لفسدت حكمةُ الدين الذي هو امتحانٌ واختبار، وعند ذلك يصدِّق الفاسدون -كأبي جهل- تصديقَ أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه؛ ولأجل هذا يقاسي الأبرياءُ أيضًا البلايا في المصيبة العامة.

[آفة اختلاط المال بالحرام]

النقطة الرابعة: إنه لِكثرة اختلاط الحرامِ في الأموال والأرزاق بسبب تفشي الحِيَل والغش والرشوة.. يُسلَب الناسُ حقَّ الترحُّم عليهم، بسبب الظلم أو عدم الشكر أو خلط الحرام بأموالهم.

[رسائل النور وسيلة لدفع البلاء]

النقطة الخامسة: إن رسائل النور في الأناضول وسيلةٌ مهمةٌ لدفع البلايا، إذ كما تَدفع الصدقةُ البلاءَ، 3﴿[٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٨/٢٠٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٢٣٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠.﴾ فإن نشر رسائل النور وقراءتَها صدقةٌ كليةٌ ووسيلةٌ لدفع بلايا سماوية وأرضية، وقد تبيَّن ذلك بأماراتٍ كثيرةٍ ووقائع كثيرة، بل تَحقَّق ذلك بإشاراتٍ من القرآن الكريم.

[ما يجب عند انحباس المطر]

النقطة السادسة: إن انقطاع المطر مصيبةٌ وبلاء، وجزاءُ عمل، فينبغي مقابلة هذا بالالتجاء إلى اللّٰه تعالى، والدعاء مع العبودية الخالصة في حالةٍ من بكاء وانكسار قلب، وحزنٍ وتضرّعٍ كامل، وندامةٍ جادة، وتوبةٍ نصوح، واستغفارٍ من كل الذنوب، وأن يجري ذلك كله ضمن دائرة السنة النبوية ومن دون تدخُّل البدع، وعلى الصورة التي تُعيِّنها الشريعة.

فأمثال هذه المصائب العامة -لكونها آتية من ذنوب معظم الناس- تندفع بقيام القسم الأعظم منهم بالتوبة والندامة والاستغفار.

❀   ❀   ❀

[لا نجعل من الدين وسيلةً لمكاسب دنيوية]

(لا نجعل من الدين وسيلةً لمكاسب دنيوية)

﴿باسمه سبحانه﴾

﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾

إخوتي الصديقين الأعزاء..

جوابٌ اضطررتُ إلى كتابته عن سؤال -مادي ومعنوي- وَرَد من عدة جهات.

سؤال: لِمَ لا تُكوِّن علاقةً ولا تَمُدُّ وشائجَ ارتباطٍ مع التيارات الجارية داخل البلاد وخارجها.. ولا سيما مع الجماعات ذات الاهتمامات السياسية، بل تَرفض ذلك وتمنع -ما وَسِعَكَ- طلابَ النور عن أي تماسٍّ كان بتلك التيارات؟!

والحال أنك لو كوَّنتَ علاقةً معهم فإن ألوف الناس سيَدخلون دائرة رسائل النور زَرافاتٍ ووُحدانًا، وسيَسْعَون لنشر حقائقها الساطعة، فضلًا عن أنك لا تكون هدفًا إلى هذا الحدِّ للمضايقات الشديدة التي لا مبرر لها؟

الجواب: إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ الاهتمام بالتيارات الجارية، هو “الإخلاص” الذي هو أساسُ مسلكنا، فالإخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولا سيما من يحمل أفكارًا موالية لجهة معينة، يحاول أن يجعل كل شيء أداة طيِّعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي.

بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شيء كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية إلّا رضى اللّٰه سبحانه.

وفي الحقيقة، إنه من الصعوبة بمكانٍ الحفاظُ على سرِّ الإخلاص في خِضَمِّ الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فإنّ أفضلَ علاجٍ لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية، وتفويضُ الأمر إلى توفيق رب العالمين، بدلًا من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.

ومن جملة الأسباب الداعية لاجتنابنا هذا هو “الشفقة” التي هي أساس من الأسس الأربعة لرسائل النور، أي عدم التلوث بظلم الآخرين وإضرارهم، إذ الإنسان -بمضمون الآية الكريمة: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾- يَرُدُّ معاملةَ المقابل له في هذا العصر بلا رحمة، وبظلمٍ شنيع، مخالفًا بذلك الآية الكريمة: ﴿ولا تَزِر وازرةٌ وزر أخرى﴾ التي هي دستورُ الإرادة الإلهية، حيث تتغلب عليه العاطفة والانحياز إلى جهة، وعندها لا يَقصُر عِداءه على المجرم وحده، ولا يأخذ بجريرته جميعَ أقاربه وحدَهم، بل أيضًا يعاقِب كلَّ مَن له صلةٌ بالمجرم من قريبٍ أو بعيد، حتى إنه إذا ما كان له سلطةٌ أو حُكم، يُبيد قريةً كاملةً بالقنابل بجريرةِ مجرمٍ واحد.

بينما الإنصاف يقتضي ألّا يُضحَّى بحقِ بريءٍ واحدٍ بسبب مئة مجرم، وأن لا يُظلَم ذلك البريء بسببهم، ولكن الوضع الحالي يخالف الآية الكريمة، فيُقحِم مئة من الأبرياء في بلايا وأضرار بسبب بضعة مجرمين.

فمثلًا: إن إهلاك والدَين عجوزَين لمن ارتكب خطأ، وتشريدَ أطفاله الصغار، ودفْعَهم جميعًا إلى هاوية الفقر والذل، ومعاداتَهم بالانحياز إلى جهةٍ ما: مُنافٍ كليًّا لأساس الشفقة على الخلق.

فمِن جرَّاء الانحياز إلى التيارات الجارية -بين المسلمين- لا ينجو الأبرياء من الظلم، بل يشيع شيوعًا كليًّا، ولا سيما بالأسباب الداعية إلى قيام الاضطرابات والثورات.

ولو كان الجهاد قائمًا -وهو جهاد إسلامي- فإن حال أطفال الكفار تبقى على وضع آبائهم، وربما يكونون من الغنائم، ويتمكن المسلمون أن يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم؛ ولكن لو ارتد أحدٌ داخل ديار المسلمين، فلا يُمتَلك أطفالُه قطعًا، ولا يجوز التجاوز على حقوقهم بأي شكلٍ من الأشكال، لأن أولئك الأبرياء إنما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين برابطة الإسلام التي انقطعت عن والدهم.

أما أولاد الكفار فرغم أنهم من أهل النجاة، فإنهم يَتْبعون والدهم في الحقوق والحياة، لذا ربما يكونون أُسراءَ أو عبيدًا في أثناء الجهاد الإسلامي.

❀   ❀   ❀

[جواب قصير حول التوافق]

(جواب قصير حول التوافق)

إذا كان في الشيء توافقٌ، فإنه يُعَدُّ أمارةً صغيرة، بمعنى أن فيه قصدًا وإرادة، ولم يَحدث مصادفةً.

وإذا حصل التوافق في عدة جهات فالأمارة تتقوى، ولا سيما إذا كان التوافق بين شيئين خاصين -من بين مئةِ احتمال- وبينهما علاقةٌ قوية، فتُصبِح الإشارة الواردة من ذلك التوافق في حكم دلالة صريحة، وأنه حصل بقصدٍ وبإرادة، ووُجِد لأجل مقصَدٍ معيَّن، فلا احتمال فيه للمصادفة.

❀   ❀   ❀

[حاجة الفطرة]

(حاجة الفطرة)

إخوتي الأعزاء الصديقين..

إن الأطفال الأبرياء هم في مقدمة الذين سيكونون طلابًا حقيقيين لرسائل النور، وذلك وفق ما تقتضيه فطرتهم وتتطلبه الأوضاع الراهنة، لأن الطفل الذي لم يتلقَّ في صغره درسًا إيمانيًّا قويًّا، يَصعب عليه بعد ذلك أن يَقرّ في روحه أركانُ الإيمان والإسلام، بل يكون ذلك عسيرًا عليه، شأنُه شأنُ تقبُّل غير المسلم الإسلام، بل يَستغرب من الإسلام أكثر منه، ولا سيما إن لم ير والدَيه على دينٍ وتقوى، ورُبِّيَ ذهنُه بالعلوم الدنيوية وحدها.

ففي هذه الحالة، يَستثقل ذلك الطفلُ والدَيه بدل أن يَبَرَّ بهما، ويكون بلاءً عليهما، ويترقب موتَهما! أما في الآخرة فلا يكون شفيعًا لهما، بل مدَّعيًا عليهما قائلًا: “لِمَ لَمْ تنقذوا إيماني بتربيتي على الإسلام؟!”.

فبناء على هذه الحقيقة، فإن أسعد الأطفال هم أولاء الذين دخلوا ضمن دائرة رسائل النور، فيكونون أبناءً برَرةً للوالدين، وخدامًا أُمناء لهم، يقومون بين يديهم بالاحترام والتوقير اللائقَين بهما، ويسجِّلون بأعمالهم الصالحة حسناتٍ في سجل حسنات والدَيهم بعد وفاتهم، وفي الآخرة يكونون لهما شفعاء، كلٌّ حسب درجته.

إن القسم الثاني من طلاب النور هم النساء اللائي يَشعرن بحاجتهن إلى رسائل النور في فطرتهن، ولا سيما مَن كان لهن شيء من التجافي عن الدنيا، وربما العزوف كليًّا عنها، حيث قد بلغن من العمر مبلغًا، فرسائل النور تكون لهنّ غذاء معنويًّا؛ لأن إحدى أسس رسائل النور، “الشفقة” التي هي من مظاهر اسم اللّٰه “الرحيم”، وهي الخميرة والجوهر الخاص المغروز في فطرة النساء وميزتهن الأصيلة.

والقسم الثالث هم المرضى والشيوخ المحتاجون إلى رسائل النور -ولو بصورة غير فطرية- كحاجتهم إلى الخبز والدواء؛ وذلك لأن رسائل النور توضِّح لهم الحياة الباقية وضوحَ الشمس في رابعة النهار، فضلًا عن بيانها ماهيةَ الحياة الدنيا من حيث فناؤها.

فالذين تأذّت حياتهم الدنيوية بالمرض أو بالشيخوخة، والذين يظنون الموتَ إعدامًا أبديًّا، بما أحاطت بهم من غفلة وضلالة.. فهؤلاء جميعًا بحاجة إلى رسائل النور، لِمَا يجدون فيها من السلوان والعزاء ونورِ الرجاء، حتى يُفضَّل لديهم المرضُ والشيخوخة على الصحة والشباب.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[نجاهد بنور القرآن]

(نجاهد بنور القرآن)

إخواني الأعزاء الصدّيقين..

إن في موسم الصيف هذا، وفي زمن الغفلة هذا، وفي فترة الانشغال بهموم العيش، وفي أوان نيل الثواب الكبير من العبادات التي تؤدَّى في هذه الشهور الثلاثة، والصراعِ السياسي العاصف الذي يعصف في أرجاء الأرض كافة، دونه الصراع بالسلاح.. في هذه الأثناء: إن لم تكن هناك صلابةٌ في منتهى القوة، وثباتٌ راسخ على أداء وظيفة النور المقدسة، فسوف يعتري فتورٌ وتعطُّلٌ وتوقفٌ في العمل، مما هو ليس بصالح رسائل النور.

إخوتي الأعزاء..

اعلموا يقينًا أن الوظيفة التي ينشغل بها طلاب رسائل النور مسألةٌ أجَلُّ وأعظمُ من أعظم مسائل الكرة الأرضية قاطبة، فلا تَفتُروا في مهمتكم الباقية، ملتفتين إلى مسائل دنيوية مثيرة للاهتمام.. اقرأوا كثيرًا “المسألة الرابعة” من رسالة “الثمرة” كيلا تَخور عزائمُكم وتضعُف قوتُكم المعنوية.

نعم، إن جميع المسائل العظمى التي ينهمك بها أهلُ الدنيا إنما تدور ضمن الدستور الظالم: دستورِ الجدال والصراع، وفي نطاق الحياة الفانية بأبشع صورها وأظلمها، حتى يضحَّى في سبيلها بالمقدسات الدينية حصولًا على حطام الدنيا، لذا يلقيهم القدَرُ الإلهيُّ في عذابِ جهنمَ معنويةٍ من خلال جرائمهم التي يرتكبونها.

أما رسائل النور وطلابُها فإن ما يسْعَون إليه وما هم مكلّفون بأدائه من مهمة إنما هو لحياةٍ باقيةٍ خالدةٍ بدلًا من هذه الفانية، وهو إظهار حقيقة الموت أنه ستارٌ أمام الحياة الباقية، ذلك الجلاد الذي يَرهبه عَبَدةُ الدنيا أشدَّ رهبة.. ومن ثم إثبات ذلك بيقينٍ جازم كمن يُثبت حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعًا، فقد أظهرتْ رسائلُ النور هذه الحقيقة إلى الآن؛ من أن الموت أو الأجل ليس إلّا ستارًا ووسائلَ لبلوغ أهل الإيمان السعادةَ الأبدية.

حاصل الكلام: إن أهل الضلالة يكافحون في سبيل حياةٍ دنيويةٍ مؤقتة، أما نحن فنجاهد الموتَ بنور القرآن، لذا فإن أعظم مسألة في نضالهم -لأنها مؤقتة- لا تعادل أصغرَ مسألةٍ من مسائلنا، لأنها متوجهةٌ إلى البقاء والخلود.

وحيث إنهم لا يتنازلون -ببلاهتهم- ويربأون بأنفسهم عن التدخل في مسائلنا العظمى، فلِمَ نتتبع بلهفة مسائلَهم الصغيرة على حساب وظيفتنا المقدسة؟!

تدبروا في هذه الآية الكريمة: ﴿لا يَضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، بمعنى أن ضلال الآخرين لا يَضُرُّ هدايتَكم، فلا تنشغلوا بها.

وتأمّلوا في الدستور المهم من دساتير أصول الشريعة: “الراضي بالضرر لا يُنظَر له“، أي: لا يُنظَر بعين العطف والشفقة لمن رضي بنفسه الضرر.

فما دامت الآيةُ الكريمة والدستورُ القويم يمنعانِنا من العطف على الراضين بالضرر على علم، فلا بد أن نحصر أوقاتنا وجميع قوتنا واهتمامنا في وظيفتنا المقدسة، ولا بد أن نعُدَّ كلَّ ما هو خارج عنها أمورًا لا تعنينا بشيء، فلا نضيّع وقتنا بها، لأننا نملك النورَ وحده، لا المطرقة والصولجان، فلا يَبدر منا تعَدٍّ على حقوق أحدٍ قطعًا، ولكن إذا ما اعتُدِيَ علينا، نُظهِرُ النور ونُبيِّنه، فنحن في حالةِ نوعٍ من دفاع نوراني.

❀   ❀   ❀

[الحقيقة القرآنية في الرسائل]

(الحقيقة القرآنية في الرسائل)

إن أجزاء رسائل النور قد حَلّتْ أكثر من مئةٍ من أسرار الدين والشريعة والقرآن الكريم، ووضَّحتها وكشفتْها، وألجَمَتْ أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتْهم، وأثبتتْ بوضوحٍ كوضوح الشمس ما كان يُظَنُّ بعيدًا عن العقل من حقائق القرآن -كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني– أثبتتها لأشد المعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة، حتى أدخلت بعضَهم إلى حظيرة الإيمان.

فرسائلُ هذا شأنها لا بد أن العالَم -وما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، ولا جَرَمَ أنها حقيقةٌ قرآنية تَشْغَل هذا العصر والمستقبل، وتأخذ جُلَّ اهتمامه، وإنها سيفٌ ألماسيٌّ بتّارٌ في قبضة أهل الإيمان.

❀   ❀   ❀

[إعذار في مسألتين]

(إعذار في مسألتين)

إخوتي الأعزاء..

إنقاذًا لطلاب رسائل النور الضعفاء أو حديثي العهد بها من الشكوك والشبهات أبيّن الآتي:

يُشيع بعضُ العلماء السذج، أو بعضُ المعارضين لرسائل النور والموالين للبدع، بما تَحِيكه منظماتٌ سريةٌ من مؤامراتٍ: نقائصَ كثيرةً وأخطاءً كثيرة -أعترف بها- صدرتْ من شخصي، تهوينًا لشأني، ليُنزلوا بها ضربتَهم القوية على رسائل النور، صدًّا للحقائق التي لا تُجرَح لرسائل النور.

فهناك عشرون حادثةً مهمةً منذ عشرين سنة تؤيد هذا، حتى أصبحوا السبب في زجِّنا السجن مرتين، ولهذا أُعلنُ لأصدقائي ولطلاب رسائل النور ما يأتي:

إني أشكر ربي كثيرًا أن جعلني لا أُعجب بنفسي -ناهيك عن الإطراء والمزايدة لنفسي- وأنْ أعلَمَني نقائصي وذنوبي، فأطلب العفو عنها والخجلُ يتملّكني، راجيًا أن يكون إخلاصُ الطلاب الميامين لرسائل النور وتفانيهم في الخدمة الإيمانية وشفاعتهم المعنوية لي كفارةً لذنوبي.

فالذين يعترضون عليَّ يجهلون عيوبي المستورة، بل يتذرعون ببعض أخطائي الظاهرة، ويظنون -ظنًّا خطأ- أن رسائل النور مُلكي، فيَرُومون إسدالَ الستار أمام أنوارها، وإعاقة انتشارها، فيقولون: إن سعيدًا لا يأتي إلى صلاة الجمعة، ولا يُطلق لحيته.. وأمثالَها من الانتقادات.

الجواب: مع اعترافي بكثير من التقصيرات والذنوب إلّا أن لي في هاتين المسألتين أعذارًا:

أولًا: إنني شافعي المذهب، وإن أحد شروط صلاة الجمعة حسب هذا المذهب هو أن يَقرأ الفاتحةَ أربعون شخصًا مأمومًا، مع شروطٍ أخرى أيضًا، لذا فلا تُفرَض عليَّ الجمعةُ هنا، إلّا أنني أقلّد المذهب الحنفي فأؤديها نافلةً.

ثانيًا: لقد منعوني لقاءَ الناس منذ عشرين سنة، حتى إنهم أوعزوا إلى المسؤولين بعدم تقرّب أحدٍ مني -منذ أربعة أشهر- فضلًا عن أني أعيش منذ خمس وعشرين سنة منزويًا ومعتكفًا؛ لهذا لا أجد الراحةَ والطمأنينة في الأماكن المزدحمة، فلا أستطيع أداء الصلاة خلف كلِّ إمامٍ حسب مذهبي، إذ لا ألحق بالقراءة خلفَه، فهو يسرع للركوع وأنا لم أُكمل بعدُ نصفَ الفاتحة، علمًا أن قراءة الفاتحة فرضٌ في هذا المذهب.

أما مسألة إطلاق اللحية: فإن إطلاق اللحية سنة نبوية، وليست خاصة بالعلماء، وقد نشأتُ منذ صغري عديم اللحية، وعشتُ في وسط أناس تسعون بالمئة منهم لا يطلقون لحاهم.

هذا، وإن الأعداء يُغيرون علينا دائمًا، وقد حلقوا لحى بعض أحبابي، فأدركتُ عندها حكمةَ عدم إطلاقي اللحية وأنه عناية ربانية، إذ لو كنت مطلِقًا اللحيةَ وحُلِقتْ، لكانت رسائل النور تتضرر ضررًا بالغًا، حيث كنت لا أتحمل ذلك فأموت.

ولقد قال بعض العلماء: “لا يجوز حلق اللحية”، وهم يقصِدون عدم حلقها بعد إطلاقها، لأن حلقها بعد إطلاقها حرام، أما إذا لم يطلقها فيكون تاركًا لسنة نبوية.

ولكن في الوقت الحاضر، لأجل اجتناب كبائر عظيمة جدًّا قضينا طوال عشرين سنة حياة أليمة أشبه بالسجن الانفرادي، نسأله تعالى أن تكون كفارة لترك تلك السنة النبوية.

وأعلنُ أيضًا إعلانًا صريحًا قاطعًا أن رسائل النور مِلك القرآن العظيم، فأنَّى لي الجرأة أن أدّعي تملُّكها؟! لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي فيها قطعًا، فأنا لست إلّا خادمًا مذنبًا لذلك النور الباهر، ودَلّالًا داعيًا في متجر المجوهرات والألماس، فأحوالي المضطربة لا تؤثر فيها ولا تَمَسُّها أصلًا.

والحقيقة أن الدرس الذي لقَّنَتْنا إياه رسائلُ النور هو التمسُّكُ بحقيقة الإخلاص، وتركُ الأنانية، ومعرفةُ أن النفس مقصرة دائمًا، والحذرُ الشديد من الإعجاب بالنفس، فنحن لا نُظهِر أنفسَنا، بل نُظهِر الشخصية المعنوية لرسائل النور ونبيِّنها.

نحن نشكر مَن يرى نقائصنا ويريها لنا -بشرط أن تكون حقيقية- ونقول له: ليرضَ اللّٰه عنك؛ إذ كما نَشكر مَن إذا وجد عقربًا في عنقنا ويرميها عنا قبل أن تؤذينا، ونقدم له أجزل الشكر والامتنان؛ كذلك نَقبل ونرضى بتبصيرنا نقائصَنا وتقصيراتنا، ونظل في شكرٍ وامتنانٍ لمن نبهنا عليها، بشرط عدم تدخُّل الأغراض الشخصية والعناد، وعدم جعله وسيلة لمعاونة أهل الضلالة والبدع.

❀   ❀   ❀

[ما تتطلبه خدمة الإيمان]

(ما تتطلبه خدمة الإيمان)

إخوتي الأعزاء الأوفياء والصامدين الثابتين المضحين الذين لا يتزعزعون..

أنتم تعلمون أن خبراء أنقرة لم يستطيعوا إنكار الكراماتِ التي تَخُص رسائل النور والإشاراتِ الغيبيةِ إليها، إلّا أنهم اعترضوا -مُخطئين- لِمَا ظنوا أن لي حظًّا في تلك الكرامات، وقالوا: يجب ألّا تُنشر مثل هذه الأمور في الكتاب، فالكرامات لا يُعلَن عنها.

وتُجاه هذا الانتقاد العابر قد قلت جوابًا لهم في الدفاعات:

إن تلك الكرامات لا تعود لي، وليس من حدِّي أن أكون صاحب تلك الكرامات، بل هي لرسائل النور التي هي ترشحاتٌ من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، ولمعاتٌ منها، وتفسيرٌ حقيقيٌّ له، متخذة شكل الكرامات، لأجل تقوية الروح المعنوية لطلاب النور، فهي من نوع الإكرامات الإلهية؛ وإظهارُ الإكرام الإلهي شكرٌ، وهو جائزٌ ومقبولٌ أيضًا.

والآن أوضح الجواب قليلًا بناءً على سبب مهم؛ وقد ورد السؤال الآتي: “لمَ أُظهر تلك الإكرامات الإلهية؟ ولِمَ أُحشِّد الكلام حولها؟ ولِمَ أُكثِر البحثَ حولها؟ حتى إن أكثر المكاتيب متوجهة إليها!!”.

الجواب: إن الخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور في هذا الوقت تجابَه بألوف المخربين، مما يَلزم أن يكون في صفِّها مئات الألوف من المعمِّرين.. ويستدعي الأمرُ أن يكون معي -في الأقل- مئاتٌ من المعاونين والكتّاب.. وتقضي الضرورة على الأمة والمسؤولين في البلاد أن يَمدّوا يد المساعدة بتقديرٍ وإعجابٍ وحضٍّ منهم على الخدمة الإيمانية، ويثمِّنوا قيمتَها ويوثقوا الصلة بها، وألا يتحرزوا من التَّماسِّ بها فينسحبوا من الميدان.. بل وتَطلب هذه الخدمة من أهل الإيمان أن يفضّلوها على مشاغل الحياة الفانية وفوائدها، إذ إنها خدمةٌ إيمانيةٌ خالصةٌ تبغي النجاة في الآخرة.

فبينما الأمور تقتضي هكذا، أجعل من نفسي مثالًا فأقول: إن منعي عن كل شيء، وحظرَ الاتصال معي، وقطعَ طريق العون عني، زِد على ذلك تهوينَ قوة زملائي المعنوية ببث الدعايات المغرضة بكل ما أوتوا من قوة، واستعمالَ شتى الوسائل ما استطاعوا إليها سبيلًا لتنفيرهم عنّي وعن رسائل النور.. أقول: في مثل هذه الظروف وضمن هذه الشروط، فإنَّ وضعَ مهمةٍ تَرزح تحتها ألوف الأشخاص، على كاهلِ شخصٍ عاجزٍ مثلي، وأنا الضعيف المريض العجوز الغريب عن بلاده، والمحروم من الأهل والأقارب، فضلًا عن تجنيب الناس الاتصال بي وكأنني مصابٌ بمرض مُعْدٍ، حتى أضطرَّ إلى الابتعاد وعدم الاختلاط.. زد على ذلك إلقاء الرعب والأوهام في قلوب الناس، وإحاطتهم بهالة من الذعر والخوف لإبعادهم عن خدمة الإيمان، وذلك للْفَتِّ بعضُدِ القوة المعنوية.. ففي مثل هذه الأحوال وتُجاه جميع تلك الموانع فإن الأمر يقتضي حشد قوى معنوية حول رسائل النور ببيانِ الإكرامات الإلهية التي هي مدار القوة المعنوية لطلاب النور، وإظهار قوتها بقوة جيشٍ عظيم لا تحتاج إلى إمداد أحد من الناس، بل هي التي تتحدى الأعداء.

فلأجل هذه الحِكَم المذكورة آنفًا كُتِّبت الإكرامات وأمثالُها، وإلّا فنحن لا نريد مزايداتٍ على أنفسنا، وجلبَ إعجابِ الناس بنا، وحضَّهم على القيام بمدحنا والثناء علينا، وذلك حفاظًا على الإخلاص الذي هو أساسٌ مهمٌّ من أسس رسائل النور.

❀   ❀   ❀

[حسٌّ مسبَق برسائل النور]

(حسٌّ مسبَق برسائل النور)

إخوتي الأعزاء..

لقد اقتنعت قناعة جازمة أن رسائل النور -قبل ظهورها بأربعين سنة- قد تظاهرت بحسٍّ مسبَقٍ إحساسًا واسعًا وبأسلوب عجيب، في نفسي، وفي قريتنا “نُورس”، وفي ناحيتنا “خِيزان”.

كنت أرغب أن أبوح بهذا السر إلى كلٍّ من “شفيق” و”عبد المجيد” من إخوتي وطلابي القدامى، والآن أبيِّنه لكم لما وهب اللّٰه سبحانه وتعالى لكم كثيرًا من أمثال عبد المجيد وعبد الرحمن.

كنت أحمل حالةً روحيةً تتسم بالفخر والاعتزاز يوم كنت في العاشرة من عمري، بل حتى أحيانًا بصورةِ حبٍّ للمدح والثناء، فكنت أتقلد طَوْرَ بطلٍ عظيمٍ ورائدٍ كبيرٍ وصاحبِ عملٍ عظيمٍ خلافَ رغبتي.

فكنت أقول لنفسي: ما هذا الظهور والاختيال -ولا سيما في الشجاعة- وأنت لا تساوي شروى نقير؟! فكنت حائرًا وجاهلًا بالجواب. ولكن منذ شهرين، أجيبت تلك الحيرة، بأن رسائل النور كانت تُشعِر بنفسها بحسٍّ مسبَق، أما أنت فلستَ إلّا بذرةً صغيرةً لا تساوي شيئًا، ولكنْ لإحساسك قبل الوقوع، تَعُدُّ تلك العناقيدَ الفردوسية (رسائل النور) كأنها ملكك، فتزهو وتتباهى.

أما قريتنا “نورس” فإن أهلها وطلابي القدامى يعرفون أن أهالينا كانوا يحبون المدح والثناء عليهم كثيرًا، لإظهارهم أنهم السابقون في الشجاعة والإقدام، فيرغبون تقلُّد طورِ البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكةً كبيرة، فكنت أعجب من نفسي ومن طورها هذا.

والآن عرفتُ السر بإخطارٍ حقيقي: أن أولئك النورسيين يتباهَون لأن قريتهم “نورس” ستكسب فخرًا عظيمًا بنور رسائل النور، حتى إن الذين لم يَسمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ؛ فهؤلاء النورسيون يُظهرون شكرانهم -بحسٍّ مسبق- لتلك النعمة الإلهية على صورةِ زُهُوٍّ وتَبَاهٍ.

نعم، إنه عندما كان جميع كردستان يتخذ وضع المفتخِر المختال بغزارةِ الطلاب والأئمة والعلماء المتخرجين بهمةِ وجهودِ “الشيخ عبد الرحمن تاغي” الشهير والملقب بـ”سيدا” 4﴿[٭]: كلمة تطلق على العلماء بمعنى الأستاذ، في المناطق الشرقية من تركيا على الأغلب.﴾ في ناحيتنا “إسباريت” التابعة لقضاء “خيزان”، كنت أشعر بينهم أيضًا ضمن تلك المناظرات العالية والهمة العالية والدائرة الواسعة العلمية والصوفية، كأن أولئك العلماء سيفتحون الأرض كلَّها.

فكنت أستمع -وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري- مناقبَ العلماء القدامى المشهورين، والأولياءِ العظام والسادةِ الأقطاب، ويَرِدُ إلى قلبي: أن هؤلاء الطلاب العلماء سيفتحون آفاقًا عظيمة في العلم والدين، إذ لو تفوق أحدُهم بشيء من الذكاء فالاهتمام يوجَّه إليه، وإن ظهر أحدُهم في مسألةٍ لدى مناظرة علمية يفتخر ويزهو كثيرًا.

فكنت أتحيّر من هذا، إذ كانت عندي تلك المشاعر أيضًا، حتى كان بين شيوخ الطرق الصوفية وضمن دائرتهم في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا مسابقةٌ تثير الحيرة لم أقف عليها في مدن أخرى إلى هذا الحد.

والآن اقتنعت أن أرواح أولئك؛ زملائي الطلاب وأساتذتي العلماء ومرشِدِيَّ الأولياء والشيوخ، قد شَعَرتْ -بحسٍّ مسبقٍ وبدون معرفةِ العقلِ- بأن نورًا ساطعًا سيظهر -في الوقت اللازم- من بين أولئك الطلاب والأساتذة ومريدي المرشدين، بحيث يُغيث ذلك النورُ أهلَ الإيمان.

فهذه النعمة الإلهية التي ستنعَم في المستقبل، ضمنَ ظروفٍ في منتهى القسوة والغرابة، وتُجاهَ معارضين ألِدَّاء لا حدَّ لهم، ومقابل الضلالة التي تشتد منذ ألف سنة وسط أعداء في منتهى الخبث والمكر والخديعة: هي رسائل النور التي تَظهر ظهورًا خارقًا بعد تدقيقاتٍ مستديمةٍ لمحكمتين عدليتين، وتتنوَّر سرًّا، وتَكسب الحرية في النشر وأنفُ أعدائها راغم، مما تُبين أن هذه الرسائل تستحق ذلك الموقع، بحيث أَحَسَّ بمجيئها أهالي قريتي وناحيتي وولايتي، فَسُرُّوا بها وانشرحوا لها.

ولقد سردتُ لكم هذا السرَّ لأني أعُدُّكم كطلابي السابقين وإخواني وكأخي عبد المجيد وكعبد الرحمن.

نعم، إنني كما أستشعر بالمطر قبل أربعٍ وعشرين ساعةً من نزوله لقوةٍ في شعوري وتحسسِ أعصابي بالرطوبة، كذلك فإني وقريتي وناحيتي قد شعرنا قبل أربع وأربعين سنة ما في رسائل النور من شآبيب الرحمة، وذلك بحسّ مسبق.

سلامنا إلى جميع إخواننا ومواطنينا وندعو لهم بالخير ونرجو دعواتهم.

❀   ❀   ❀

[تتمة الحس المسبق]

(تتمة الحس المسبق)

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

أكتب هذه التتمة لمناسبة الحس المسبق -إحساسًا كليًّا- بظهور رسائل النور، حيث يُشاهَد في نمطِ حياةِ قسمٍ من خواص طلاب رسائل النور واعترافِ بعضهم، أن حياتهم جُهِّزتْ وهُيِّئتْ لأجل القيام بهذه الخدمة الجليلة، كما هي الحال في تهيئة رسائل النور في أداء هذه الخدمة.

إن الحس المسبَق موجودٌ كليًّا أو جزئيًّا في كل شخص، بل حتى في الحيوانات، وإن قسمًا مهمًّا من الرؤيا الصادقة نوعٌ من هذا الحس المسبَق، ويرتقي عند بعضهم -من حيث قوةُ حساسيته- إلى درجة الكرامة؛ وإن إحساسي بمجيء المطر قبل أربعٍ وعشرين ساعة بما في أعصابي من إحساس بالرطوبة يمكن أن يُعَدَّ من جهةٍ إحساسًا مسبَقًا، ومن جهةٍ أخرى لا يُعدّ.

ولقد استقصيتُ نمطَ حياةِ إخوتي الذين لهم شأن في خدمة رسائل النور، فشاهدتُ أن سِيَرَ حياتهم -كما هي عندي- قد جُهِّزتْ وسِيْقَتْ لأجل إنتاجِ عملٍ عظيمٍ كالعمل لرسائل النور.

نعم، إن طراز الحياة السابقة من إخوتي “خسرو، فيضي، الحافظ علي، نظيف” قد أُعطيتْ لها أوضاعٌ لتثمر هذه الخدمة النورية، وهم أنفسُهم يَشعرون بها، مثلما أرى أنا وإخوتي الخواصِّ جدًّا -ها هنا- أن حياتهم قد نُظِّمت لتثمر مثل هذه الثمرة النورانية كما هي في طراز حياتي، فالذين لا يشعرون بها، إذا ما أنعموا النظر سيشعرون بها.

ولقد كنت أعُدُّ قسم الخوارق التي ظهرت في عهدِ حياتي السابق أنها من سلسلة كرامات الشيخ الكيلاني، بينما تَبيَّن الآن أنها كرامةٌ من سلسلة كرامات رسائل النور.

فمثلًا: في أثناء مجيئي إلى إسطنبول قبل عهد الحرية، اقتنيتُ بضعةَ كتبٍ قيِّمة تخص علم الكلام، فقرأتها بدقة، وبعد مجيئي إليها دعوتُ العلماء ومدرسي المدارس الدينية إلى المناقشة بإعلاني: “اسألوا ما شئتم”. إلّا أن الشيء المحيِّر أن المسائل التي طرحها القادمون كنت قد قرأت أجوبتها في طريقي إلى إسطنبول وظلت عالقة في ذهني، وكذا الأسئلة التي طرحها الفلاسفة هي المسائل التي ظلت عالقة في ذهني.

والآن (أي بعد حوالي خمسين سنة) تَوَضَّحَ الأمرُ، فأدركتُ أن ذلك النجاح الباهر، وذلك الإعلان وإظهار الإعجاب والفضيلة التي تَفوق حدي بكثير، إنما كان لتهيئة الوسط الملائم لقبول رسائل النور لدى إسطنبول وعلمائها ومعرفةِ أهميتها.

كنت أرفض قبول أموال الناس وهداياهم منذ نعومة أظفاري، فما كنتُ أتنازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم أنني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهدًا ولا صوفيًّا ولا صاحب رياضة روحية، فضلًا عن أنني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة.

فإزاء هذه الحالة كنت أحارُ من أمري كما كان يَحار مَن يعرفني من الأصدقاء، ولقد فهمتُ من قبْلِ بضعِ سنين حكمتَها، أنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دون مجيء اعتراضٍ على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أَنعم عليَّ الباري عز وجل تلك الحالة الروحية.. وإلا كان أعدائي الرهيبون يُنزلون بي ضربتَهم القاضية من تلك الناحية.

ومثلًا: على الرغم من أن سعيدًا القديم قد توغل كثيرًا في الأمور السياسية، وأن سعيدًا الجديد بحاجةٍ إلى من يُسنده وينحاز إليه كثيرًا، لم تشغله أعاصير السياسة أصلًا وقطعًا ولم تغلبه -بتحريك الفضول لديه- للاهتمام حتى بمعرفة هذا الطوفان البشري الجارف الذي أشغل البشرية قاطبة طوال خمس سنوات وأكثر!

فقد كنت أحارُ من هذه الحالة، كما أن الذين يعرفونني يحارون، حتى كنت أقول لنفسي: هل أنا الذي جُننتُ بحيث لا أنظر ولا أهتم بهذه الحالة التي هزَّت الدنيا أجمع؟ أم الناس أصبحوا مجانين؟

كنتُ أقول هذا وأظل محتارًا، ولكن قد تحقق الآن -بإخطارٍ معنوي وبالحسِّ المسبَق المذكور، وبتغلُّبِ رسائلِ النور وإطلاقِ حريتها- أن تلك الحالة الروحية العجيبة، قد مُنِحَتْ لأجلِ إثباتِ أن حقيقةَ الإخلاص التي تتحلى بها رسائل النور لا يمكن أن تكون تابعةً لأي شيء سوى مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى، ولا ركيزةَ لها سوى القرآن الكريم.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[ما يستحق الفضول والاهتمام]

(ما يستحق الفضول والاهتمام)

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

ذُكِر في المسألة الرابعة من رسالة الثمرة ما ملخصه:

إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم.

فيا أيها الشُّقاة الذين يتلذذون من الغفلة المسكرة الناشئة من متابعة الحوادث الخارجية نتيجةَ الفضول والاهتمام.. لو كان الفضول والاهتمام وحبُّ الاستطلاع المغروز في فطرة الإنسان هو الذي يدفعكم -من حيث الإنسانية- إلى هذا التتبع والاهتمام، وعلى حساب الوظائف الجليلة الضرورية المفروضة.. نعم، لو قلتم: إن هذه أيضًا حاجة فطرية معنوية. فأنا أقول:

كما أن الإنسان يُثار لديه الفضول وحبُّ الاستطلاع عندما يشاهِد إنسانًا ذا رأسين أو ذا ثلاثة أرجل، بينما لا يهتم بخَلْقِ الإنسان السوي الحافل بالمعجزات ولا يُنعِم النظر فيه.. كذلك الحوادث الجارية في البشرية: تَلفت نظرَ الإنسان إليها، حيث تغطي مساحة واسعة من الأخبار، بينما هي حوادثُ فانيةٌ مؤقتةٌ بل مدمِّرة في هذا العصر.

علمًا أن هناك مئةَ ألفِ أمةٍ وأمةٍ من أمثالِ نوعِ البشر تعيش معه على سطح الأرض، فلو راقبنا مثلًا أمةً واحدةً منها في فصل الربيع، ولتكن النحلَ أو العنب، لرأينا أنفسَنا أمام معجزاتٍ عظيمةٍ جدًّا تستحق أن تُلفَت إليها الأنظارُ أكثرَ مما تستحقه تلك الحوادثُ البشرية بأضعافِ أضعافِ المرات، بل هي تُحرِّك الفضولَ والاهتمامَ -لدى إنعامِ النظر فيها- وتورث الإنسانَ لذائذَ روحيةً وأذواقًا معنوية.

لذا فليس صحيحًا ألّا يُعبأ بتلك اللذائذ المعنوية الحقيقية وأن تُترك، وأن تُلتفَت إلى حوادث بشرية مضرة شريرة عرَضية غير أصيلة، ومن ثم يُلصَق بها عقلًا وروحًا، ويُبذل الاهتمامُ البالغ بها.

نعم، لا يصح ذلك قطعًا إلّا إذا كانت الدنيا خالدةً أبدية، وتلك الحوادثُ دائمةً مستمرة، والضرُّ والنفعُ يأتيان منها، والقائمون بها لهم القدرة على الإيجاد والخلق.. والحال أن تلك الحالات حالاتٌ طارئةٌ مضطربةٌ عابرةٌ كهبوب الرياح، وتأثير المسبِّبين فيها تأثيرٌ عرَضيٌّ غيرُ حقيقي، فضلًا عن أنه جزئي؛ أما منافعها وأضرارها فلا تأتي من الشرق ولا من البحر المحيط، بل ممن هو أقرب إليك من حبل الوريد، وممن يَحول بين المرء وقلبه، وممن يربِّيك ويدبر شؤونك.. ذلك الرب الجليل.. أليس من البلاهة ألّا تهتم بربوبيته وحكمته؟!

وإذا ما نظرنا إلى المسألة من زاويةِ الإيمان والحقيقة رأينا أن اهتماماتٍ من هذا القبيل تولِّد أضرارًا جسيمة، إذ تدفع الإنسان إلى ميدانٍ فسيحٍ لا ضوابطَ له حتى تورثه الغفلة، فتغرقه في أمور الدنيا، وتنسيه واجباته الحقيقية نحو الآخرة.

ولا شك أن أوسع دائرة من تلك الدوائر الواسعة هي السياسة وأحداثها، ولا سيما الحوادث العامة كالحرب، فإنها تُغرِق القلبَ في الغفلة بل تخنُقه خنقًا، حتى لا يمكن إنقاذه إلّا بإيمانٍ ساطعٍ كالشمس يَقدِر على مشاهدةِ أثرِ القَدَر الإلهي والقدرة الربانية في كل شيء، في كلِّ حال، في كل حركةٍ وسكون، كي لا يَغرق القلب في ظلامٍ دامسٍ من الظلمات، ولا ينطفئ نورُ الإيمان الوهاج، ولا يَزِلَّ العقلُ إلى مفهوم الطبيعة والمصادفة.

ومن هنا نرى أن أرباب الحقيقة يحاولون تناسي دائرة الكثرة بلوغًا إلى الحقيقة ووجدانِ طريقٍ إلى معرفة اللّٰه، وذلك لئلا يتشتت القلبُ والاهتمامُ والذوقُ والشوق، وليصرفوها جميعًا إلى ما يلزم، لا إلى ما لا يلزم من الفانيات.

ومن هذا السر الدقيق لا يكون قسمٌ من السياسيين -على الأغلب- على تقوى كاملة، ولا يكون الذين هم على تقوى وصلاح تام سياسيين، ما خلا الصحابةَ الكرام وأمثالَهم من المجاهدين من السلف الصالحين.

بمعنى أن الذين اتخذوا السياسة هدفًا لهم يأتي الدين لديهم في المرتبة الثانية، ويكون حكمُه حكمَ التابع، أما المتديِّن حقَّ التدين فيرى العبودية للّٰه تعالى أعظمَ غايته في الكون، فلا يَنظر إلى السياسة نظرَ العاشق الولهان، بل يَنظر إليها -حسب مرحلتها- في المرتبة الثانية والثالثة، ويستطيع أن يجعلها أداةً طيعةً للدين والحقيقة، إذ بخلافه يُهوِّن من قيمة الألماس الثمينة إلى قطعٍ زجاجيةٍ تافهة.

حاصل الكلام: كما أن السُّكْر يولِّد لذةً مشؤومة، ولفترة قصيرة، حيث يُنسي السكرانَ الآلامَ الناشئةَ من عدمِ أدائه الوظائف الحقيقية والحاجات الضرورية، كذلك الاهتمامُ الجادُّ بهذه المعاركِ والحروبِ الطاحنة والحوادثِ الفانية هو نوع من السُّكْر، بحيث يُنسي الإنسانَ حاجته إلى المهمات الحقيقية، والآلامَ الناشئةَ من جراء عدم القيام بها، ينسيه مؤقتًا، مانحًا لذةً مشؤومة، أو يقذف به في يأسٍ مدمِّر مخالفًا للأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿لا تقنطوا من رحمة اللّٰه﴾، وعند ذاك يكون ممن يستحق التأديب والعقاب بالزجر الإلهي الشديد: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار﴾، وذلك لمشاركته طوعًا وضمنًا في ظلم الظالمين، فينال جزاءه الذي يستحقه في الدنيا والآخرة.

❀   ❀   ❀

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى