الملاحق

مختصر ملحق أميراغ الأول 3/3

[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]

حتى إن السبب في تَركي السياسة منذ ثلاثين سنة هو أن عالمًا صالحًا قد أثنى بحرارة على منافقٍ يَحمِل فكرًا ينسجم مع فكره السياسي، وفي الوقت نفسه انتقد عالمًا صالحًا يحمل أفكارًا تخالف أفكاره انتقادًا شديدًا حتى وصمه بالفسق. بمعنى أن عِرْق المنافسة إذا اختلط معه التحيز السياسي، نشأت أخطاء عجيبة مثل هذا؛ ولهذا قلت: “أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة”، فتركتُ السياسة من ذلك الوقت. ونتيجةً لتلك الحالة -وأنتم أعلم بها- فإنني لم أقرأ منذ عشرين سنة جريدة واحدة، ولم أهتم بحوادث الحرب طَوال عشر سنوات، ولم أستمع إليها ولم أتلهف لها، بل لم أحاول أن أعرف عنها شيئًا. في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ.

[مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3]

تأليف

بديع الزمان سعيد النّورسي

ترجمة

إحسان قاسم الصّالحي

❀   ❀   ❀

 

﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾

[ذكرى وعبرة]

(ذكرى وعبرة)

في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعَنَت، أزعجتني نفسي الجزِعةُ الفارغة من الصبر، فأسكتتْها هذه الفقرةُ، وألزمتْها الحجة، ودفعتْها إلى الشكر للّٰه.

أقدم هذه الفقرة الموضوعةَ فوق رأسي طيَّ رسالتي هذه لعلها تفيدكم أيضًا.

١- يا نفسي.. لقد أخذتِ نصيبك من الأذواق -في غضون ثلاثٍ وسبعين سنة- أكثر مما أخذها تسعون بالمئة من الناس، فلم يَبق لكِ بغية فيها.

٢- أنتِ تَرومين دوامَ الأذواق وبقاءها وهي فانية آنيَّة، لذا تبكين عشر ساعاتٍ عن ضحكٍ دام دقيقة واحدة.

٣- إن المظالم التي أتت عليك، والمصائب التي نزلتْ بكِ تنطوي على عدالة القدر، فيظلمونك لِما لم ترتكبيه، بينما القدر يؤدبك بيد تلك المصيبة -بناءً على أخطاء خفية- ويكفِّر عن خطاياك.

٤- يا نفسي الجزعة.. لقد اقتنعتِ قناعةً تامة -بمئاتٍ من تجاربكِ- أن المصائب الظاهرية ونتائجها تنشق عن ثمرات عنايةٍ إلهيةٍ في منتهى اللذة، فالآية الكريمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ تُلَقِّن درسَ حقيقةٍ يقينية.. تَذكَّري دائمًا هذا الدرس القرآني.

ثم إن الناموس الإلهي الذي يدير عجلة الكون، ذلك القانون القدري الواسع العظيم: لا يُبَدَّل لأجلك.

٥- اتخذي هذا الدستور السامي دليلًا: “مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدَر“، ولا تلهثي وراء لذائذ مؤقتة تافهة كالطفل الغَرير.

فكِّري دومًا أن الأذواق الفانية تورث فيك حسراتٍ وآلامًا معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوِبة أخروية؛ فإن لم تكوني بَلْهَاءَ، يمكنك أن تتحري عن الأذواق المؤقتة للشكر وحده، وما أُعطيتِ اللذاتُ إلّا للشكر.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[حوار مع النفس]

(حوار مع النفس)

إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء..

أولًا: لقد خطر على بالي أن أكتب لكم، لأُطْلِعكم على ما جرى من مناظرةٍ خاصةٍ مع نفسي، وهي الآتية:

إن اللوحة المعلقة فوق رأسي -المعروفة لديكم- تُخرِس نفسي الأمارة وتُلزمها الحجةَ تمامًا، ولكني -في هذه الليلة- تعرضت لهجوم شنَّته دوافعُ مشاعري وأحاسيسي العمياء التي تستعمل سلاح النفس الأمارة بالسوء بإصرارٍ أكثر، فأثّرت تأثيرًا بالغًا في عروقي وأعصابي، وأنا أعاني من حالة عجيبة تولدَت من آلام الأمراض وتألمات التسمم والأسقام ورهافة الحس، فضلًا عن إلقاءات الشيطان وإيحاءاته، وحبّ الحياة المغروز في الفطرة.

ففي خضمِّ هذه الحالات هاجمتْ تلك الأحاسيسُ والمشاعرُ العمياء -وهي في حكم النفس الأمَّارة الثانية– قلبي وروحي، موحيةً باحتمال وفاتي ومغادرتي الحياة الدنيا، فنشرتْ يأسًا قاتمًا وتألُّمًا عميقًا وحرصًا شديدًا على الحياة مع استمراءٍ لها وتلذذٍ بها.

فقالت تلك النفس الأمَّارة الثانية مع الشيطان: لِمَ لا تسعى لراحة حياتك؟ بل ترفضها! ولِمَ لا تتحرى عن حياةٍ ممتعةٍ بريئةٍ طيبةٍ تقضيها طوال عمرك ضمن دائرة النور؟ بل ترضى بالموت وتطلبه!

وعلى حين غِرةٍ ظهرتْ حقيقتان صارمتان أخرسَتا النفس الأمارة الثانية والشيطان معًا، وهما:

الحقيقة الأولى: ما دامت الوظيفة المقدَّسة الإيمانية لرسائل النور ستتوضح أكثر وتنكشف بإخلاصٍ أزيَدَ بسبب وفاتي، حيث لا تُتّهَم من أية جهةٍ كانت أنها أداةٌ لمكاسب الدنيا ووسيلةٌ للأنانية والعُجْب.. وأن الوظيفة الإيمانية ستدوم بإخلاص أكثر وأقرب إلى الكمال، إذ ليس هناك حياتي الشخصية التي تثير حسد الحاسدين.. وعلى الرغم من أن بقائي على قيد الحياة قد يتيح نوعًا من المعاونة في سير الخدمة -خدمةِ الإيمان والقرآن- فإن شخصيتي البسيطة التي لها حُسَّادٌ ونُقَّادٌ لهم شأنُهم يمكنهم أن يُلصقوا تُهَمًا على تلك الشخصية ويهاجموا -بعدم الإخلاص- رسائلَ النور، ويتجنبوها ويجنِّبوا الآخرين عنها.. ثم إن من يقوم بشيءٍ من الحراسة في دائرة، إذا ما أخذتْه الغفوةُ وغَلَب عليه النوم، فالغيورون في تلك الدائرة النورانية يَهُبُّون حذرين، فيَبرز في الميدان أُلوفُ الحراس والمرابطين بدلًا من حارسٍ واحد بسيط.. لذا، ولأجل ما سبق؛ ينبغي أن يقال للموت المقبل: أهلًا ومرحبًا.

ثم يا نفسي.. لِمَ تريدين أن تتخلفي عن الكثيرين من طلاب النور في البذل والعطاء؟! ألم يبذلوا أموالَهم وراحتهم ومُتَعَ الدنيا كلها، بل حياتهم -إن استوجب الأمر- في سبيل خدمة النور؟!

اعلمي قطعًا يا نفسي أنه لَشرفٌ عظيمٌ في منتهى اللذة: الرضى بتوديع حياة الشيخوخة الفانية المرهقة -إن لزم الأمر أو آن أوانه- في سبيل إكسابِ حياةٍ باقيةٍ لكثيرٍ من المنكوبين وإنقاذها برسائل النور لئلا تُفضي إلى العدم.

الحقيقة الثانية: لو وُضِعتْ عشرةُ أرطالٍ من الحِمل على كاهل شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ عن حَملِ رطلٍ واحد، واستعان به أصدقاؤه بدل أن يعينوه في حمله -لحُسبانهم أنه ذو قوةٍ وقدرةٍ على الحَمل لخفاء ضعفه عليهم- فسوف يحاول ذلك الشخص الضعيف أن يُظهِر نفسَه لهم بمظهر القوي جدًّا، لئلا يَسقط في نظرهم، ولئلا يخيِّب حُسنَ ظنهم به، مما يؤدي به إلى التكلف والتصنع والظهور بما ليس فيه وأمثالِها من الأمور الثقيلة المقيتة الخالية من الذوق.

فكما أن الأمر هكذا في هذا الشخص، كذلك يا نفسي الأمارة الثانية الموغلة في أعماق المشاعر العمياء.. اعلمي أن شخصيتي الاعتيادية البسيطة هذه، واستعدادي الذي لا أهمية له، كالبذرة.. إن هذا الشخص لن يكون مَصدرًا ولا منبعًا ولا مدارًا للحقائق التي تتضمنها رسائل النور النابعة من صيدلية القرآن الكريم المقدسة، والتي سُلِّمتْ إلى أيدينا برحمةٍ منه تعالى وبفضله وعنايته سبحانه في هذا العصر المظلم المثقَل بالأمراض والأسقام.

وحيث إنني فقيرٌ وضعيفٌ عاجز، وسائلٌ لدى باب القرآن ليس إلّا، ووسيلةٌ لإبلاغه إلى المحتاجين إليه، يبالغ طلابُ النور المخلصون الخالصون الصِّدِّيقون الصادقون الأصفياء الفدائيون، في حُسن ظنهم بشخصيتي الضعيفة بما يفوقني مئة درجة.

فلأجل ألّا أخيِّب ظنَّهم الحسن، ولا أَمَسَّ مشاعرهم بسوء، ولا أثبِّط شوقهم للأنوار، ولا أُظهر المستوى الواطئ لمن لقَّبوه بالأستاذ، ولا أُضطر إلى أنواع التصنع المؤلم والتكلف المقيت.. أَترُك لقاء الناس، بل أضطر إلى تركه روحيًّا، لما أشعر به من نفورٍ تَوَلَّد من العيش الانفرادي طوال عشرين سنة، بل أترك حتى اللقاء مع الأصدقاء إلّا ما يخص خدمة النور، فأدَعُ التكلف والتظاهر بما يفوق قيمتي الشخصية، وأَترُك إظهارَ نفسي أمام المُغالين في حُسْن الظن أنها ذات مقام، وأتخلى عن التكبر المنافي كليًّا للإخلاص، وأعافُ التحري عن أذواقِ الأنانية المتسترة تحت ستار الوقار.

فيا نفسي المفتونة بتلك الأذواق، ألا تُزيل هذه الحالاتُ تلك الأذواقَ كلها؟!

يا نفسي.. ويا دواعي الحسِّ الشقية العمياء، المبتلاة بالأذواق.. لو استمتعتِ بألوفِ أصنافِ المتع، وتذوقتِ ألوفَ أنواعِ الأذواق الدنيوية، فهي إلى زوال في هذا الوضع، بل يتحول ذلك الذوق ألمًا بعينه.

وما دام تسعون بالمئة من الأحباب الذين مضَوا وصاروا في طوايا الماضي كأنهم يستدعونني -بل حقيقةً- إلى عالم البرزخ، أضطر إلى الفرار من عشرةٍ أصدقاء حاليين؛ ولا جَرَمَ أن حياة البرزخ المعنوية تَفضُل ألفَ مرةٍ هذه الحياة، حياةَ الشيخوخة والانفراد.

وهكذا، أَسكتَتْ هاتان الحقيقتان إسكاتًا نهائيًّا تلك النفسَ الأمّارة الثانية، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ رضيتْ تلك النفسُ بالذوق الوارد من الروح والمنبعث من القلب.. وسكت الشيطانُ أيضًا، بل حتى المرض المادي المتوطن في عروقي قد خفَّ كثيرًا.

حاصل الكلام: إذا مِتُّ تزداد خدمة النور -للقرآن والإيمان- وتتوضح وتتبين بإخلاصٍ أتمَّ، بلا حُسَّادٍ ولا اتهامات، فضلًا عن النجاة من آلام التكلف الثقيلة المقيتة، والخلاصِ من أثقال العُجْب وأضرارِ التصنع بدلًا من ذوقٍ جزئيّ مؤقَّت لا أتحراه -في هذا الزمان- ولذةٍ ناشئةٍ من رؤية فتوحات النور بنظر الدنيا.

ثم يا نفسي.. لقد تجولتِ -أنت والروحُ والقلب- في هذه السنة ولمرةٍ واحدةٍ في أرجاء الماضي، جولاتٍ حقيقيةً وخياليةً لمشاهدة مَن تشتاقون إليه من المدن التي أمضيتُ فيها حياتي السابقة الممتعة، ولقاءِ الأحبة الذين أَنِسْتُ بهم ردحًا من الزمن، والإخوانِ الذين حزنتِ على فراقهم حزنًا أليمًا، فلَمْ تشاهدي في أوطاني المحبوبة تلك إلّا واحدًا أو اثنين من الأحبَّة، أما الباقون فقد ارتحلوا إلى عالم البرزخ، فلقد تبدلتْ لوحاتُ تلك الحياة التي كانت تطفح باللذة والمتعة إلى لوحاتٍ أليمةٍ تقطر الحزن والأسى، فلا تُراد تلك البقاعُ الخاليةُ من الأحباب ولا تُطلَب إذن.

لذا فقَبْل أن تَطردنا هذه الحياةُ وهذه الدنيا قائلةً لنا: اخرجوا عني. نقول بعزةٍ كاملة: الوداع، وفي أمانة اللّٰه وحفظه.. نعم، هكذا ينبغي أن ندَع هذه الأذواق الفانية محتفظين بكرامتنا وعزتنا.

ألف ألفِ سلامٍ ودعاءٍ لجميع إخواننا، من أخيكم المريض والمسرور سرورًا خالصًا.

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[الفرق بين الإيمان وعدم الإنكار]

(الفرق بين الإيمان وعدم الإنكار)

إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء، والأبطال الميامين لطلاب النور..

لقد أشاعوا: “أن الناس يعرفون اللّٰه، فالشخص الاعتيادي يؤمن باللّٰه كما يؤمن به وليٌّ من الصالحين”، لأجل التهوين -ولو يسيرًا- من قيمة رسائل النور العظيمة، وذلك ببيانِ عدمِ الحاجة إلى المزيد من حشد البراهين الدامغة والدلائل القيِّمة الضرورية التي تَسوقها رسائل النور وتُكثر منها، وكأن هذه الحشود من البراهين الإيمانية لا ضرورة لها، ولا داعي لها.

ففي إسطنبول يروِّج -وبأسلوبٍ رهيبٍ جدًّا- قسمٌ من المنافقين الذين تورطوا في الكفر المطلق -المشحون بالفوضوية والإرهاب- كلامًا من هذا القبيل، فيقولون: “لا داعي لنا لمزيدٍ من دروس الإيمان، لأن كلَّ أمةٍ، بل الناسُ جميعًا يعرفون اللّٰه”، وذلك محاولةً منهم لصدِّ رسائل النور وحرمان الناس من الحقائق الإيمانية التي فيها، التي يحتاجها الناس كلهم حاجتَهم إلى الماء والخبز.

والحال أن معرفة اللّٰه سبحانه تستلزم الإيمانَ بحقائق “لا إله الّا اللّٰه”، بالتصديق القلبي، والإيمان المطلق الجازم بربوبيته سبحانه وتعالى، الشاملة المحيطة بكل ما في الكون، وأن مقاليد الأمور -من الذرات إلى المجرات- بجزئياتها وكلياتها في قبضته سبحانه، ولا تُدار إلّا بقدرته، وتحت إرادته، فلا شريك له في ملكه.

أما النطق والتفوه بأن “اللّٰه موجود” ثم إسناد تصريف الأمور في ملكه إلى الأسباب التي لا عدَّ لها، وإلى “الطبيعة”، واتخاذَها شركاءَ للّٰه تعالى، ومن ثم الجهلُ بإرادته النافذة، وعلمه المطلق، ومثولِ كل شيء بين يديه، فضلًا عن عدم الاهتمام بأوامره ونواهيه، والجهلِ بصفاته الجليلة، وما أَرسَل من رسله.. لا شك أن هذا كله ليس من الإيمان في شيء.

ولا يَنطق بهذا ناطقٌ إلّا ليسلِّي به نفسَه وينجيها من التعذيب الدنيوي الروحي الذي يعذِّب به الكفرُ المطلق أصحابَه في الدنيا قبل الآخرة.

نعم، إن “عدم الإنكار” شيء، و”الإيمان” شيءٌ آخرُ تمامًا، إذ ما من ذي حسٍّ أو شعورٍ يمكنه أن ينكر الخالق ذا الجلال الذي تشهد بربوبيته جميع أجزاء الكون..  فلو حاول الإنكارَ لَحال دونه الكونُ بأجمعه، فيخرس، ويبقى وحيدًا سائبًا معزولًا شاردًا دون سند.

أما الإيمان، إنه التصديق القلبي بوجود الخالق جل وعلا بصفاته المقدسة وبأسمائه الحسنى، مستندًا إلى شهادة الكون جميعًا كما يعلمنا القرآن الحكيم.

إنه -أي الإيمان- تطبيقٌ لما جاء به الرسل الكرام -عليهم السلام- من أوامره سبحانه وتعالى ونواهيه.

وإذا سوّلتْ للإنسان نفسُه أمرًا، فدونه باب الاستغفار والإنابة.. أما أن يقترف الكبائر بلا اهتمام ولا مبالاة بالأوامر، ودون استغفارٍ وإنابة، فلا شك أن ذلك دليل خُلوِّه من الإيمان.

❀   ❀   ❀

[حول محبة آل البيت]

(حول محبة آل البيت)

أخي العزيز المحترم..

لقد قرأتُ باهتمامٍ وإنعامِ نظرٍ رسالتَكم المستفيضةَ التي هي بمثابةِ بحثٍ كامل، والغزيرةَ بالعلم ودقة الملاحظة وحرارة الشوق، فأقول مقدَّمًا:

إن الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه هو أستاذ رسائل النور، وهو الذي يولي اهتمامًا بالغًا برسائل النور في قصيدته “البديعية” بإشارات رمزية، وهو أستاذي الخاص في الحقائق الإيمانية.

وإن محبة آل البيت قد نَصَّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُل لا أسألكم عليه أجرًا إلّا المودَّة في القربى﴾.. هذه المحبة أساسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور، ويَلزم ألّا يكون لدى الطلاب الحقيقيين لرسائل النور أيُّ ميلٍ نحو معاداتها.

ولكن لأن الضلالةَ والزندقة تستغل الاختلاف في هذا العصر، حتى إن هناك تياراتٍ قويةً تجعل أهلَ الإيمان في حيرةٍ من أمرهم حيث تُبدَّل الشعائر الإسلامية ويُشَنُّ هجومٌ عنيف على القرآن والإيمان، لذا لا ينبغي فتح باب المناقشة في الأمور الفرعية الجزئية التي تسبب الاختلاف إزاء هذا العدو اللدود.

وكذا لا يلزم قطعًا ذمُّ الذين ارتحلوا وذهبوا إلى الآخرة ودار الجزاء، فليس من مقتضى محبة آل البيت -الذين أُمِرنا بحبهم- بيانُ تقصيرات أولئك بيانًا لا جدوى منه بل فيه ضرر.. لأجل كل هذا فقد مَنع أهلُ السنة والجماعة مناقشةَ الفتن التي وقعت زمن الصحابة الكرام رضي اللّٰه عنهم.

ولِاشتراك الذين بُشِّروا بالجنة كالزبير وطلحة وكذلك أُمنا عائشة الصديقة رضي اللّٰه عنهم أجمعين في واقعة الجمل، فقد حَكم أهلُ السنة والجماعة على تلك الواقعة أنها نتيجة الاجتهاد، وأن سيدنا عليًّا رضي اللّٰه عنه كان محقًّا وعلى صواب والآخرون ليس لهم الحق، ولكن لأن الأمر ناشئ من الاجتهاد فهم معفوٌّ عنهم.

ثم إنهم -أي أهل السنة والجماعة- يَرَون أن مناقشة أمر البُغاة في حرب صِفّين فيها ضرر، إذ تثير المناقشةُ نزعتين متضادتين هما: نزعة تقف ضد محبة آل البيت، وأخرى تغلو في حبهم “كالرافضة”، فيتضرر الإسلام نتيجة ذلك.

لقد قال إمام علم الكلام سعد الدين التفتازاني: إنه “يجوز لعن يزيد” وأمثالِه من الظالمين كالحَجاج والوليد، ولكن لم يقل: إن “اللعن واجب، أو فيه خير وفضيلة، أو فيه ثواب وأجر”، لأن الذين ينكرون القرآن الكريم ويجحدون بالرسول ﷺ ويرفضون صحبة الصحابة الكرام للرسول ﷺ كثيرون جدًّا لا يُعَدُّون ولا يُحصَون، وهم يصولون ويجولون أمامنا.

ومن المعلوم شرعًا أن المرء إن لم يتذكر أحدًا من الذين يستحقون اللعنة ولم يلعنهم، فليس في هذا بأس قط، لأن الذم واللعنة ليسا كالمدح والمحبة، فهما لا يَدخلان في الأعمال الصالحة، وإن كان فيهما ضرر فهو أدهى.

وفي الوقت الحاضر، استغل المنافقون بعض العلماء، فأثاروا فيهم نزعةً ضد أهل البيت، علمًا أن العلماء هم المأمورون بالحفاظ على الإسلام والحقائق الإيمانية، حتى وصل بهم الأمر إلى مهاجمة أهل الحقيقة واتهامِهم بانتحالهم نزعةَ التشيّع، ونشَب العداءُ بينهما بحيث أنزل أولئك المنافقون ضربتهم القاضية بالجهتين معًا، وذلك باستعمال كلٍّ منهما ضد الآخر ووضعِه في مجابهته.

فهؤلاء الذين يَسْعَون في إنزال الضربة القاضية بالإسلام ماثلون أمامنا.. وقد دَوَّنتَ جزءًا من هذا في رسالتك، وأنت تعلم يا أخي أن أخبث الوسائل المؤثرة على رسائل النور وعليّ بالذات -والمستعملة حاليًّا- قد وجدوها لدى العلماء.

إن بعض العلماء الذين تلوثوا بالبدع، يمكنهم أن يُنزلوا ضربتهم بك وبطلاب النور متذرعين باجتهادكم الناشئ من محبة آل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في الوقت الحاضر، فهؤلاء يتسترون بالوهابية الحاكمة على الحرمين الشريفين، حيث تُتَداول فيما بينهم -منذ أمدٍ بعيدٍ في إسطنبول- كتبٌ مُلفتة للأنظار وجذّابة لابن تيمية، وهو من العباقرة المشهورين وتلميذه ابن قيم الجوزية، ولا سيما بعد أن أُشيع أن نزعتهم ضد الأولياء ومشربهم متّسم بشيء من التسامح للبدع.

فما دام ليس هناك أمرٌ شرعي في عدم الذم وفي عدم التكفير، بينما في الذم والتكفير حكمٌ شرعي، فالذم والتكفير إن كانا على غير حق ففيهما ضرر كبير، وإن كانا على حق فلا ثواب فيهما، لأن هناك ما لا يُحَدُّ من الناس ممن يستحقون الذم والتكفير، أي إن عدم التكفير وعدم الذم ليس فيهما حكم شرعي وليس فيهما ضرر أيضًا.

ولأجل هذه الحقيقة فقد اتخذ أهلُ الحقيقة وأهلُ السنة وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت، اتخذوا لأنفسهم قاعدة سامية مستندين إلى تلك الحقيقة، فقالوا: لا يجوز مناقشة ما حدث بين المسلمين من الفتن وليس فيها نفع، بل فيها ضرر.

ثم إن هناك صحابة كرامًا قد وُجدوا -على أية حال- في كلِّ من الطرفين، فإنّ بحث تلك الفتن يورد إلى القلب شيئًا من الانحياز إلى جهة، مما يولّد اعتراضًا أو رفضًا لأولئك الصحابة العظام أمثال طلحة والزبير رضي اللّٰه عنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وحتى لو كان هناك خطأ سبب للاعتراض فهناك احتمال قوي للتوبة.

إنه لا يليق قطعًا بالمؤمن الحصيف، ولا بوظيفته المقدسة في هذا الوقت، أن يهمل الذين ينزلون ضرباتهم القاضية بالإسلام فعلًا ممن يستحقون اللعنة والذم بألوف المرات، ويَذهب إلى أزمان غابرة ليتحرى في الأحوال التي لم يأمر الشرع بالتحري فيها والتي لا جدوى منها بل فيها ضرر.

أخي.. لا أُخفي عنك أن مناقشتكم الطفيفة مع “صبري”، لها ضرر بالغ برسائل النور وبانتشار حقائق الإيمان، فلقد شعرتُ بذلك هنا، وتألّمتُ من جرائها؛ إذ في الوقت الذي كنا ننتظر منكما خدمةً إيمانيةً جليلةً بمجيء “صبري” إليكم، والذي سيكون وسيلةً جادةً لرسائل النور هناك، وأنت العالِم المحقق؛ شعرتُ -بخلاف ذلك- بضرر كبير في ثلاث جهات، بل رأيتُ ذلك الضرر، وقلتُ: ترى ما الذي أدى إلى هذا الضرر؟

تلقيتُ الخبر بعد ثلاثة أيام، من أن “صبري” قد ناقشك مناقشة لا طائل من ورائها ولا فائدة يرجى منها، وأنت بدورك قد أخذ منك الغضب والحدة مأخذًا.. فتأسفتُ قائلًا: أواه..! ودعوتُ اللّٰه: اللّٰهم يا ربنا ارفع المناقشة التي بين هذين الأخوَين القادمَين إلينا من أرضروم، ليكونا معاونَين لي في خدمتنا للإيمان.

وكما جاء في رسالة الإخلاص: “إن أهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجةٍ إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضًا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتًا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعًا لعدوهم المشترك المتعدّي”، لأن الكفر المطلق يشن هجومًا عنيفًا.

فأرجو من غَيرتك الدينية، وتجاربك في حقل العلم، وعلاقتكم القوية برسائل النور، أن تسعى لنسيان ما جرى بينكم وبين “صبري”.. اصفحْ عنه وسامحه، لأن “صبري” لم يفكر بعقله، بل بما سمع من مناقشات لا طائل من ورائها جرت بين علماء سابقين، فأنت أعلم بأن الحسنة العظيمة تُكفِّر عن سيئات كثيرة.

نعم، إن أخانا “صبري” قد خدم النور خدمة عظيمة حقًّا، وبوساطتها خَدَم الإيمانَ خدمةً جليلةً بحيث تكفِّر عنه ألفًا من أخطائه.

فأرجو أن تنظروا إلى المسألة من زاوية نجابتكم، ومن زاوية خدماته العظيمة للنور، وأن تعدوه أخًا رفيقًا في خدمة النور.

إن قسمًا من الصحابة قد ظهروا في الجهة المخالفة للإمام علي في تلك الفتن نتيجةَ الأخذ بالعدالة النسبية (الإضافية)، واتباعًا للرخصة الشرعية، بدلًا من أن يكونوا مع الإمام عليٍّ الذي ألزم نفسه الأخذ بالعدالة الحقيقية (المحضة)، والأخذَ بالعزائم الشرعية مع مسلكه المتسم بالزهد الشديد والاستغناء عن الناس والتقشف.. فأولئك الصحابة الكرام قد تركوا مسلك الإمام علي ودخلوا في الصف المخالف له نتيجة هذا الاجتهاد، حتى إن “عقيل” وهو أخو الإمام علي، و”ابن عباس” الملقب بحَبر الأمة، كانا في الصف المخالف للإمام لفترة.

ولأجل كل هذا فقد اتخذ أهلُ السنة والجماعة القاعدةَ الأساسية الشرعية، وهي عدم جواز فتح أبواب تلك الفتن، فقالوا: “من محاسن الشريعة سدُّ أبواب الفتن”: وقد طهَّر اللّٰه أيدينا فنطهِّر ألسنتنا1﴿[٭]: “طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا” من قول عمر بن عبد العزيز، انظر: الشعراني، اليواقيت والجواهر ص: ٤٤٥؛ الباجوري، شرح جوهرة التوحيد ٣٣٤.﴾.

لأنه: إن كان هناك بضعة أفرادٍ يستحقون الاعتراض عليهم، إلّا أن هذه النزعة، نزعةَ الانحياز إلى جهة، يسوق إلى الاعتراض على أجلّاء الصحابة الكرام ممن هم من العشرة المبشرين بالجنة، كالطلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم، وحتى على قسمٍ من أهل البيت ممن هم في الصف المعارض، فينتبه لدى المعترض عِرقُ العداوة والذم تجاههم؛ لهذا فأهل السنة يرجحون سد أبواب الفتن.

حتى إن سعد الدين التفتازاني -وهو من أئمة علم الكلام وأهل السنة- الذي جوَّز تلعين يزيد والوليد وتضليلَهما، قد انبرى له السيد الشريف الجرجاني وهو من أجلّة علماء أهل السنة قائلًا: “مع أن يزيد والوليد فاجران وظالمان غدّاران، إلّا أن العلم بأنهما قد رحلا إلى الآخرة على غير الإيمان: من أمور الغيب. ولأن هذا غيبٌ، ولا يُعلَم علمًا قاطعًا بأنهم قد تركوا الدنيا على غير الإيمان، وليس لنا دليلٌ قطعيٌّ ولا نصٌّ جازمٌ على ذلك، وهناك احتمالُ التوبةِ وذهابِهما من الدنيا على الإيمان، فلأجل هذا لا تجوز اللعنة بمثل هذا التخصيص والتلعين الشخصي، وإنما تجوز اللعنة إذا كانت عامة، كأن يقول: لعنة اللّٰه على الظالمين والمنافقين. وإلّا فلا ضرورة لغير هذا النوع من اللعنة، ولا لزوم لها، بل لها ضرر”.. وهكذا ردّ على سعد الدين التفتازاني.

هذا وإن سبب عدم إجابتي لرسائلك العلمية الدقيقة جوابًا مفصلًا والاقتصار على هذا القدر المستعجل، هو مرضي الشديد ومشاغلي المهمة.

الباقي هو الباقي‌

  سعيد النورسي‌

❀   ❀   ❀

[طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا]

(طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا)

أخي العزيز المحترم..

إن طرق البحث أو حتى التفكر في ذلك الجرح العميق الذي يُبكي العالمَ الإسلامي منذ ألفٍ وثلاثمئة سنة، والذي دفع أهلَ الحقيقة جميعًا إلى إطلاق الزَفَرات والحسرات: يُؤلمني ألمًا لا يطيقه مشربي الخاص، ولا سيما أن خدمة الإيمان خدمةً حقيقيةً بالإخلاص -منذ عشرين سنة- قد سحبتني كليًّا من ميدان السياسة بكافة أنواعها، ولم تدَعْني لقراءةِ جريدة واحدة طوال هذه المدة.

لذا فإني أَحمِل -مضطرًّا- حالةً روحيةً تدفعني إلى عدم الالتفات إلى الحياة السياسية، وإيثارِ حياة الأسر المعذِّب طوالَ عشرين سنة التي خلت، وعدمِ مراجعة الحكومة -سوى دفاعاتي أمام المحاكم- لئلا يَرِدَ نقصٌ إلى خدمة الإيمان وحفاظًا على الإخلاص من الانثلام، بل لم أهتم بأخبار الحرب العالمية ولم أذكِّر أحدًا بها طوال عشر سنوات، لئلا أتلوث بالسياسة.. إن هناك ضرورة الآن إنقاذ أهل الإيمان من لدغات ثعابين ماردة تهاجمهم هجومًا شرسًا من حيث حقائق الإيمان، وتنفث سمومَها القاتلة في الكثيرين أمام أنظارنا.

فما دام الوضع هكذا، فإن الانسلاخ من هذا الزمان الحالي، والذهابَ إلى عصورٍ سابقة، ومشاهدة الظلم الرهيب الواقع على أهل البيت: يسحق روحي أكثر ويَفُتّ في القوة المعنوية، ويعذّبني عذابًا لا يوصف.

إن الدستور الغادر للسياسيين الظلمة الذي هو: “يُضحَّى بالفرد لأجل الجماعة” له وقائعُ وأحداثٌ قاسيةٌ ظالمةٌ تحت اسم: “أهون الشرين” الذي اتّخذه بعضُ الحكام نوعًا من أنواع العدالة الإضافية (النسبية)، وأبرزوه لمصلحةِ إدامة حكمهم، وحتى في هذا العصر بموجب هذا الدستور الغادر يُفني أحدُهم قريةً كاملةً بخطأِ شخصٍ واحدٍ فيها، ويُهلِك أُلوفَ الناسِ لتوهُّمِ ضررٍ قد يَلحق بسياستهم من جراءِ معارضةِ عشرة أشخاص.

وحيث إن هذا الدستور الغادر للسياسة قد دخل -إلى حدٍّ ما- بين المسلمين في العصور الإسلامية، فقد آثر السلفُ الصالحون السكوتَ -مضطرين- أمام هذه الدساتير الرهيبة، فَسَدَّ أئمةُ أهل السنة والجماعة تلك الأبواب بقولهم: “طهَّرَ اللّٰه أيديَنا فنطهِّر ألسنتنا”.

وما دام الذين ظلموا أهلَ البيت يَرَوْن عقابهم الآن في الآخرة عقابًا أليمًا بما لا يدع حاجةً إلى معاونتنا بالهجوم على الظَلَمة، وينال أهلُ البيت المظلومون -ثوابَ ما قاسوا من عذابٍ مؤقت- درجةً عظيمة لا تبلغها عقولُنا لسعَتها ورفعتها، فالأَولى إذن تهنئتُهم بألوف التهاني، من حيث نيلُهم تلك الرحمة الواسعة وليس التألم لحالهم الآن؛ إذ مثلما أنهم حازوا ملايين المراتب والسعادات الباقية في الآخرة، مقابل بضعِ سنين من المتاعب والآلام، كذلك أصبح كلٌّ منهم سيدًا وسلطانًا معنويًّا وإمامًا في عالم الحقيقة، بدلًا من سلطنةٍ دنيويةٍ فانيةٍ في مدة حياتهم الدنيوية وحاكميتِها المؤقتة وسياستِها المضطربة التي لا أهمية لها، وصاروا أئمةَ الأولياء والأقطاب بدلًا من ولاة الولايات.. ففوزُهم هذا هو فوزٌ عظيم بملايين أضعاف مراتب الدنيا.

ولأجل هذا السر الدقيق فقد أخذتُ الحقيقة السابقة من أساتذةِ سعيد الجديد وهم: الإمام الرباني، الشيخ الكيلاني، الإمام الغزالي، والإمام زين العابدين رضي اللّٰه عنهم -حيث تلقيت مناجاة “الجوشن الكبير” من هذين الإمامين خاصة- وسيدنا الحسين، والإمام علي رضي اللّٰه عنهم جميعًا؛ فالدرس الذي تلقيتُه منهم لدى ارتباطي بهم ارتباطًا معنويًّا دائمًا -بواسطة الجوشن الكبير- هو تلك الحقيقة، لذا فالمشرب الحالي الوارد من رسائل النور إذن هو مشربُهم الذي ارتشفتُه من منهلهم.

لذا لا ينسجم ومشربَنا النظرُ إلى غدر الظالمين، ولا حتى التفكر فيه، حيث قد نال الظالمون عقابَهم والمظلومون ثوابَهم بما هو فوق طوق عقولنا، فالانشغال بمثل تلك المسائل يُلحق الضرر بالوظيفة القرآنية التي كُلِّفْنا بها، ولا سيما والمصائب تنزل تترى على الدين في الوقت الحاضر.

إن علماءَ علم الكلام وأئمةَ أصول الدين والمحققين الأفذاذ من علماء أهل السنة والجماعة، بعد إجراء تحقيقات وتدقيقات كثيرة حول العقائد الإسلامية، وإقامةِ المحاكمات العقلية والموازنات في ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ارتضَوا بدساتيرَ في أصول الدين، تلك الدساتير تأمر بالحفاظ على مشرب رسائل النور الحالي، وتمدُّها بالقوة.

ومن هنا لا يستطيع أيُّ أحدٍ -حتى لو كان من أهل البدع وفي أي مكان كان- الاعتراضَ على مشربنا، ولما كانت حقيقةُ الإخلاص محفوظةً فيه حفظًا تامًّا، يستطيع أيُّ نوعٍ من أنواع أهل الإسلام الدخولَ في دائرة رسائل النور، فالمتعصب في تشيعه، والمغالي في وهابيته، وأشدُّ الفلاسفة ماديةً وعمقًا في العلم، وأكثرُ العلماء أنانيةً وتزمتًا، قد بدأوا بالدخول معًا في دائرة النور، ويعيش قسمٌ منهم الآن إخوة متحابين في تلك الدائرة.. حتى إن هناك أماراتٍ بدخولِ مبشرين نصارى من الروحانيين الحقيقيين في تلك الدائرة، لِما يشعرون بضرورة الترابط والمصالحة، طارحين موادَّ المناقشة والمنازعة جانبًا.

بمعنى أن رسائل النور التي أَخبر عنها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بإشاراتٍ تبلغ حوالي الأربعين، وبدرجةِ الصراحة أحيانًا، هي ضِمادٌ لجروح هذا الزمان، ولهذا كَفَتْنا تلك الدائرةُ فلا نخرج منها.

إن التعرضَ لشخصِ سيدنا علي كرم اللّٰه وجهه، ونقْدَ حياته وسياسته الجارية على العدالة المحضة: شيء، والتعرضَ لشخصيته المعنوية ونقْدَ كمالاته العلمية ومقامِ ولايته ووراثته للنبوة، التي تفوق ألوف المرات شخصيته الظاهرية وحياته الدنيوية وسياسته الاجتماعية: شيء آخر؛ وأَنَّى لأحدٍ الدنو من التعرض لها أو نقدها، بل لم يَرِد ذلك قطعًا ولن يَرِد.

ومن هنا يبدو رهيبًا جدًّا تعرُّضُ الذين يحاولون الجمع بين الجهتين معًا، حيث يورث الحيرةَ والدهشةَ في صفوفِ أهل الإيمان من أنه: هل يمكن أن تحدث فتنةٌ كهذه بين أهل الإيمان؟

علمًا أنه عدا أشخاصٍ تافهين خبيثين كيزيد والوليد، فإن القسم الأعظم ممن تعرضوا للإمام علي رضي اللّٰه عنه تعرضوا لإدارته الخاصة ولحياته الإنسانية الاجتماعية، فأخطأوا، وليس لكمالاته وكراماته ووراثته للنبوة.

إن من الضروري تركَ العداء الصغير الطفيف الداخلي لدى هجوم الأعداء الضخام الخارجيين، إذ بخلافِ ذلك سيكون الأمر في حكم العون للعدو الكبير الخارجي.

ولهذا فعلى المنحازين من المسلمين إلى جهة من الجهات ضمن دائرة الإسلام أن يتناسوا تلك العداوات الداخلية مؤقتًا، كما تقتضيه مصلحة الإسلام.

❀   ❀   ❀

[رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري]

(رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري)

حضرة السيد حلمي أوران.. وزيرَ الداخلية السابق وسكرتير حزب “الشعب الجمهوري”2﴿[٭]: حزب الشعب الجمهوري: أسسه مصطفى كمال سنة ١٩٢٣، وظل يحكم البلاد بالقوة كحزب واحد دون معارض حتى سنة ١٩٥٠، حيث لم يَحُزْ في الانتخابات سوى ٦٩ نائبًا من بين ٤٨٧ نائبًا. من المبادئ الأساس لهذا الحزب: العلمانية والقومية. أسس المعاهد القروية ومدارس الريف في أرجاء البلاد لتخريج المعلمين لتعليم الإلحاد.﴾ حاليًّا:

أولًا: في غضون عشرين سنة كتبتُ إليكم عريضةً واحدةً فقط -يوم كنتم وزيرًا للداخلية- إلّا أنني لم أقدمها إليكم لئلا أُخِلَّ بقاعدتي التي أسير وفقها، فإن شئتم فسأقرأها لكم وأتكلم معكم بصفتكم وزيرًا سابقًا للداخلية وسكرتيرًا عامًّا للحزب؛ فاسمحوا لي بالكلام لساعةٍ أو ساعتين، إذ الذي لم يتكلم مع الحكومة منذ عشرين عامًا، لو تكلم عشر ساعاتٍ مع ركنٍ من أركان الحكومة وباسمها ولمرة واحدة، فهو قليل.

ثانيًا: أجدني مضطرًّا إلى بيانِ حقيقةٍ لكم لكونكم سكرتير الحزب حاليًّا.. والحقيقةُ هي: أن هذا الحزب -الذي تقوم أنت بمهمةِ سكرتاريته- عليه مهمة أمام الشعب، وهي أن الأمة التركية ومن معها من إخوة الدين الحاملين لراية الإسلام منذ ألف سنة، جعلوا الأمة الإسلامية قاطبة ممتنة لها ببطولتهم وصانوا الوحدة الإسلامية، ونجَّوا البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الإيمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب.

فإن لم تتبنّوا حاليًّا -ببسالةٍ كالسابق- الحقائقَ القرآنية والإيمانية، وإن لم تقوموا -وأنتم أهل الغيرة- بالحث على الحقائق القرآنية والإيمانية مباشرةً بدل قيامكم خطأً في عهدٍ سابقٍ بالدعاية للمدنية الغربية وإضعافِ الروح الدينية، فإني أحذركم وأنذركم قطعًا، وأبين ذلك بحججٍ قاطعةٍ أن العالم الإسلامي سيَنفر من هذه الأمة بدلًا من أن يوليها المحبة، بل سيُضمر العداوة لأخيه البطل: الأمة التركية، وستُقهَرون أمام الفوضى والإرهاب الذي يتستر تحت ستار الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الإسلامي، وستكونون سببًا في تشتيت هذه الأمة التركية التي هي قلعةُ العالم الإسلامي وجيشُه البطل، وستمهِّدون لاستيلاء الغول الوحش (الشيوعية) على هذه البلاد.

نعم، إن هذه الأمة البطلة لا تصمد أمام صدمات التيارَين الرهيبَين الآتيَين من الخارج إلّا بقوة القرآن، فلا يَصُدُّ هذا التيارَ الجارف، تيارَ الكفر المطلق والاستبداد المطلق وإشاعةِ السفاهة وإباحة أموال الناس، إلّا الأمة التي امتزجت روحُها بحقائق الإسلام وأصبحتْ جزءًا من كيانها، تلك الأمة التي تعتزُّ بالإسلام مجدًا لماضيها.

وسيوقف هذا التيارَ بإذن اللّٰه قيامُ أهل الغيرة والحمية لهذه الأمة ببثِّ روح الحقائق القرآنية الموغِلة في عروق هذه الأمة، وجعلِها دستورَ حياتها، بدلًا من نشر التربية المدنية الغربية.

أما التيار الثاني: فهو استمالة العدو مستعمراتِه في العالم الإسلامي وربطُهم به ربطًا وثيقًا، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنزلتِها المركزية للعالم الإسلامي، بعد وصمها باللادينية والإلحاد، والذي يفضي إلى انفصامِ العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الإسلامي، وقلبِ روحِ الأخوَّة -التي يحملها العالم الإسلامي تجاه هذه الأمة- إلى عداء.. وغيرها من أمثال هذه الخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئًا من النجاح لحدّ الآن.

ولكن إذا استرشد هذا التيارُ وبدَّل خطته الرهيبة هذه وعامَلَ الدينَ الإسلامي بالحسنى داخل البلاد، مثلما يلاطف العالَمَ الإسلامي، فإنه يَغنم كثيرًا ويكون ممن حافظ على إنجازاته، وعندئذٍ تنجو الأمة والبلاد من كارثة مدمرة.

فلو سعيتم -أنتم الذين تتولون مقام سكرتارية أهل الحمية والقومية- للحفاظ على الأسس التي تسحق المقدسات الدينية وتعمِّم المدنية الغربية، ونسبتم الحسنات الحاضرة وحسنات الانقلاب إلى إجراءاتِ قلةٍ من الأشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب، وأحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسيمة إلى الأمة، فعندئذٍ تُعمِّمون إذن ما ارتكبه أشخاصٌ قلةٌ من سيئاتٍ إلى ملايين من السيئات، فتخالفون إذن آمالَ هذه الأمة المتدينة البطلة، وتجافون جيش الإسلام، وتعارضون إذن الأمةَ جميعًا، وتديرون ظهرَكم إلى ملايين الأبطال الميامين الذين نالوا شرف الشهادة، فتعذبون أرواحهم الطيبة، وتَحُطون من شأنهم وتهوّنون من شرفهم.

وكذا إذا نُسِبتْ تلك الحسنات التي أُحرِزتْ بهمَّة الأمة وقوةِ الجيش إلى أولئك القلة القليلة من الانقلابيين، انحصرتْ ملايين الحسنات في بضع حسنات فقط، وتضاءلت وزالت، فلا تكون كفّارةً لأخطاء فاحشة.

ثالثًا: لا شك أن لكم معارضين في جهات كثيرة داخلية وخارجية، وحيث إني لا أنظر ولا أهتم بأحوال الدنيا والسياسة، فلا أعرف تلك الأمور، ولكن لأنهم ضايقوني كثيرًا في هذه السنة اضطررتُ أن أنظر إلى سبب هذه المضايقة، فعلمتُ أن معارضةً قد ظهرتْ، فلو وَجَدتْ هذه المعارضة زعيمًا كفوءًا لها، وانطلقتْ إلى الميدان باسم الحقائق الإيمانية لغلبتكم وانتصرت عليكم في الحال، ذلك لأن تسعين بالمئة من هذه الأمة مرتبط روحًا وقلبًا بالأعراف الإسلامية منذ ألف سنة، وحتى لو انقادت ظاهرًا إلى ما يخالف فطرتها فإنها لا ترتبط به قلبًا.

ثم إن المسلم يختلف عن أفراد الأمم الأخرى، إذ لو تخلَّى عن دينه فلا يكون إلّا إرهابيًّا فوضويًّا لا يقيده شيء أيًّا كان، بل لا يمكن إدارته بأيٍّ من وسائل التربية والإدارة إلّا بالاستبداد المطلق والرشوة العامة.

وهناك حجج كثيرة تثبت هذه الحقيقة وأمثلة كثيرة عليها، أختصرها محيلًا الأمر إلى فطنتكم.

لا ينبغي لكم أن تتخلّفوا عن الدول الاسكندنافية التي شعرت بحاجتها الشديدة إلى القرآن الكريم في هذا العصر، بل عليكم أن تكونوا قدوةً لها ولأمثالها من الدول؛ فلو أسندتم ذنوبَ الانقلاب التي حصلتْ حتى الآن إلى بضعة أشخاص، وسعيتم لتعمير الدمار -ولا سيما بحقِّ الأعراف الدينية- التي نجمتْ عن ظروف الحرب العالمية وانقلابات أخرى، لقلَّدكم سعيُكم هذا شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولأصبحَ كفارةً لذنوبكم العظيمة، وكنتم أهلًا لصفة أهل الحمية والغيرة على الأمة، لما تقدمون من خدمة للأمة والوطن.

رابعًا: ما دام الموتُ لا يُقتل، وبابُ القبر لا يُغلق، وأنتم ستُهرعون إلى القبر كأي إنسان آخر، وأن ذلك الموت -الذي لا مناص منه- إعدامٌ أبديٌّ لأهل الضلالة، لا تُبدِّله مئةُ ألفٍ من الدعوات الوطنية وحبِّ الدنيا والإنجازات السياسية، إلّا القرآنُ الكريم الذي يبدِّل ذلك الإعدامَ الأبديَّ إلى تذكرةِ تسريحٍ لأهل الإيمان، كما أثبتت ذلك رسائلُ النور الموجودة بين أيديكم، والتي لم يعارضها أيُّ فيلسوف ولا أي ملحد كان، بل هي التي جَذبت إلى حظيرة الإيمان كلَّ من قرأها من الفلاسفة بدقةٍ وإنعام.

وحتى في ظروف هذه السنين الأربع لم يملك الفلاسفة والعلماء الخبراء ولا محاكمُكم الأربع إلّا الإعجابَ بها وتقديرَها وتصديقَها، فلم يعترضوا عليها، لحُججها الرصينة في إثبات الحقائق الإيمانية، فضلًا عن أنها لا ضرر يَرِد منها لهذا الوطن والأمة، بل إنها سدٌّ قرآني -كسد ذي القرنين- أمام التيارات الرهيبة المهاجمة، ولي مئةُ ألفِ شاهدٍ على هذا من الأمة التركية ولا سيما من الشباب المثقف.

فلأجل هذه الأسباب المذكورة، فإن واجبكم الأساس هو تبنّي أفكاري هذه التي طرحتها لكم بجد واهتمام، فأنتم تستمعون دائمًا إلى الكثيرين من الدنيويين السياسيين، فيلزم الاستماع -ولو قليلًا- إلى ضعيف عاجز مثلي واقف على شفير القبر، يبكي على حال المواطنين، ويتكلم معكم في سبيل الآخرة.

❀   ❀   ❀

[لا أُحسن الظن بنفسي]

(لا أُحسن الظن بنفسي)

إخوتي الأوفياء الصادقين..

  جوابٌ خطر على البال لمناسبة سؤال مادي ومعنوي‌:

يقال: لِمَ لا تَقبل مقامًا ومزايا لشخصك بالذات الذي هو موضعُ حُسْن ظنٍّ مفرطٍ لطلاب النور وقناعتهم التامة بحق شخصك، علمًا أن قبولك ذلك المقام يكون مثار شوقهم للعمل في خدمة الإيمان، بل نجدك تَصرِف تلك المزايا عن شخصك إلى رسائل النور وحدها، وتُظهر نفسك خادمًا كثير الذنوب؟!

الجواب: حمدًا للّٰه وشكرًا له لا منتهى لهما، فإن لرسائل النور مرتكزاتٍ قويةً لا تتزعزع، وحججًا نافذة ساطعة لا تخبو، بحيث تستغني عما يُظَن في شخصي من مزايا وقابليات، فهي ليست كالمؤلفات والآثار الأخرى التي تبني أهميتها على قابلية مؤلفها وتَستمد قوتها وحُسنَها منه، بل هي تستند على حججها القاطعة منذ عشرين سنة، حتى أرغمتْ أعدائي الماديين والمعنويين على الاستسلام، والأمر واضح أمام الجميع.

فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهم لها، فإن أعدائي الملحدين ومعارضيَّ الظَّلَمة كان يُمْكنهم أن يُنزلوا ضربتهم القوية برسائل النور، وذلك بالنيل من شخصي المقصّر المذنب.

بينما أولئك الأعداء، لِطَيشهم وبلاهتهم، يدبرون ما وسعهم من الدسائس والوسائل للحط من قيمتي والنيل من شخصيتي، وإذ هم يَسْعَون ليَحُولوا دون توجه الناس نحوي وإقبالِهم عليّ، لا يستطيعون أن يَحُولوا دون فتوحاتِ رسائل النور الإيمانية ولا التهوين من شأنها، بل يَعجزون عن أن يجعلوا محبين جددًا يتخلون عن خدمة الإيمان، رغم ما كدَّروا من صفاء أذهانهم وقلوبهم.

فلأجل هذه الحقيقة، ولأجل طغيانِ الأنانية وهيمنتها الواسعة في هذا الزمان، أَرْفُض حُسْنَ الظن المفرط بشخصي الذي يَفوق كثيرًا حدِّي وطوقي، لأني كإخوتي، لا أحسن الظن بنفسي، فضلًا عن أن المقام الأخروي الذي منحه إخوتي أخاهم هذا الفقير إن كان مقامًا دينيًّا حقيقيًّا، وإن كنت أعلم أن نفسي أهلٌ له -حاشَ للّٰه- فهذا دليل على عدمه، وإذا كنتُ أرى نفسي فارغًا عن ذلك المقام، يَلزم إذن عدمُ قبول هداياهم ومِنَحهم كذلك، وذلك -حسب القاعدة المذكورة في المكتوب الثاني- فضلًا عن أن الذي يرى نفسه صاحب مقام فالأنانية ربما تتداخل في الأمر.

❀   ❀   ❀

[مسلك النور يحقق فوائد الطريقة]

(مسلك النور يحقق فوائد الطريقة)

إخوتي الأعزاء الأوفياء.. أخي العزيز البطل صبري..

نسأل اللّٰه أن يهيئ جنودًا مضحّين كالسيد “غالب” للجيش الإسلامي.

إن هذا الفاضل يخدُم الإيمان في الغرب والشرق كخدمةِ “خلوصي”، ويحاول جذبَ أهل الإيمان وانتشالهَم من الضلالة عن طريق التصوف.. إن هذا الفاضل قد حاول سابقًا أن يعمل في مسلك النور قبل اطلاعه على الرسائل، ويتمكن أن يعمل أكثر عندما تقوّى علاقته بالرسائل، إلّا أن أساس مسلك النور: الحقيقة، السنة النبوية الشريفة، الاهتمام بالفرائض والاجتناب عن الذنوب، ويَنظر إلى التصوف بدرجة ثانية وثالثة.

أما أخونا “غالب” فهو يعمل في صفوف “العلويين”، فيفكر أن يلقنهم دروسًا في طريقةٍ صوفيةٍ هي خلاصةُ طرق القادرية والشاذلية والرفاعية وضمن السنة النبوية بشرط عدم التعرض للخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وضمن نطاق محبة آل البيت، وهذا السلوك له فوائد مهمة عدة باسم الحقيقة وفي سبيل إنقاذ الإيمان وصيانته من البدع.

أولاها: لها فائدة جليلة في الحيلولة دون كسب التيارات الأخرى العلويين، وصونِهم من غلو الرافضة والتيار السياسي البكتاشي.

ثانيتها: أن العلويين الذين اتخذوا حبَّ آل البيت مسلكًا لهم لا يدخلون ضمن الكفر المطلق مهما أفرطوا، بل حتى لو كانوا روافض، لأنه كلما توغلت محبةُ آل البيت في قلوبهم فإنهم لا يدخلون الكفر المتضمن العداءَ للرسول الكريم ﷺ وآل البيت، بل يتمسكون بالإسلام بشدة بوساطة تلك المحبة؛ فجلبُ أمثال هؤلاء إلى دائرة السنة النبوية عن طريق الصوفية يُعَدُّ فائدةً جليلة.

ثم إن جلب العلويين إلى دائرة النور فيه مصلحةٌ عظيمة، وذلك للحيلولة دون استغلال تياراتٍ سياسيةٍ شجاعتَهم الفطرية بما يضر وحدة أهل الإيمان.

ولما كان أستاذُ طلاب رسائل النور هو الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه، وحبُّ آل البيت أساس في مسلك النور، فينبغي دخول العلويين الحقيقيين إلى دائرة النور بشوق كامل.

إن هذا الزمان زمانُ إنقاذ الإيمان، ولأن هناك مشكلاتٍ في مسلك الطريقة الصوفية بالسير والسلوك وفي زمن البدع هذا، لذا تسلك دائرة النور مسلكَ الحقيقة محقِّقة فوائدَ الطريقة الصوفية.

اكتبوا هذا إلى أخينا ذاك مع سلامي ومع تهنئتي له بشهر رمضان المبارك، وليدعُ لنا أيضًا.

❀   ❀   ❀

[قد أغلقتُ منافذ النفس]

(قد أغلقتُ منافذ النفس)

إخوتي الأوفياء الصادقين..

جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ، إلّا أنني لم أفاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلًا في شؤون الأمراض التي ألمَّت بي رغم أن الآلام كانت تعصرني وأنا في أمَسِّ الحاجة إليهم؛ فلما رأَوني لا أدير الحديثَ حول المرض قطعًا، اعتراهم قلقٌ واضطراب، لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة، أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضًا.

قلت لهم: إن أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسوء، ينقِّبان معًا -بإيحاءٍ من الشيطان- عن طبعٍ ضعيفٍ عندي وعِرقٍ واهٍ في خُلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخِلُّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة، ويعرقلوا نشر الأنوار.

حقًّا.. إن أضعفَ جانبٍ عند الإنسان، وأخطرَ مانعٍ للعمل، إنما هو المرض، لأنه إذا اهتم المريض بمرضه كثيرًا اشتدت أحاسيسُ الجسد عليه وسيطرتْ حتى يجد المريض نفسه مضطرًّا.. فتُسكت تلك الأحاسيسُ الروحَ والقلبَ عندئذ، وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجئه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته، وهذا هو الذي يُخِلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.

ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة، إلّا أنهم لم ينالوا شيئًا من هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشيء من أحكامهم حتى بإعداماتهم.

ثم إن هناك خُلقًا ضعيفًا وعِرقًا واهيًا لدى الإنسان، وهما الاهتمامُ بهموم العيش والطمعُ، فقد بحثوا عنهما كثيرًا للاستفادة منهما، ولكن لم يَجْنوا شيئًا بفضل اللّٰه من ذلك الجانب الضعيف، حتى خَلَصوا إلى أن متاع الدنيا الذي يضحُّون في سبيله بمقدساتهم، تافهٌ لا يساوي شيئًا عندنا، وقد تحقق ذلك عندهم بحوادث كثيرة، حتى إنه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا أكثر من مئة مرة استفسارًا رسميًّا من الإدارات المحلية: بِمَ يعيش؟

ثم إن طلب الشهرة والتطلعَ إلى المراتب عِرْقٌ ضعيفٌ في الإنسان وجانبٌ واهٍ فيه، فقد أَمرت -السلطات- أن يُستَغل ذلك العرق الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور، ولكنهم -بفضل اللّٰه- لم يوفَّقوا إلى شيء، وأدركوا إدراكًا قاطعًا أن ما يتطلعون إليه -لحدِّ العبادة- من الشهرة الدنيوية نعتبرها رياءً وإعجابًا بالنفس مضرًّا بالإنسان، وأن ما يُولُون من اهتمامٍ بالغٍ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنا شِرْوى نقير، بل نَعُدُّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.

ثم إن ما يعدُّ فينا -من حيث خدمتُنا- جانبًا ضعيفًا وعِرْقًا لا يقاوَم، مع أنه -من حيث الحقيقة- جانبٌ مقبول لدى الناس كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقامًا معنويًّا ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات.. فهذا الجانب رغم أنه لا ضرر فيه البتة، وليس له غير النفع، إلّا أنه في زمانٍ قد استولت فيه الأنانية وطغتْ فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حتى انحصر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه.. أقول: إن القيام بخدمة الإيمان في هذا الزمان -تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى أن تستغل لأي شيء كان- تقتضي عدم البحث عن مقاماتٍ معنوية شخصية، بل يجب ألّا تومئ حتى حركاتُ المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يَلزم عدمُ التفكير فيها أصلًا، وذلك لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.

ومن هنا أَدرك الذين يَسْعَون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديَّ بأني لا أتحرى خارج خدمة النور ما يتحراه كلُّ إنسان من كشفٍ وكراماتٍ وخوارق ومزايا أخرى روحية، فرجعوا خائبين من هذا الجانب.

تحياتنا إلى إخواننا فردًا فردًا.. ونسأله تعالى برحمته الواسعة أن يجعل ليلة القدر المقبلة بمثابة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور، ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه.

❀   ❀   ❀

[حول النظر الحرام]

(حول النظر الحرام)

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

لقد حان وقت تبيان حادثة عجيبة لحياتي، ومؤلمة ولطيفة، وفي الوقت نفسه نبيِّن ما يبثه الأعداء من افتراء شنيع لا يمكن أن يُقنع الشيطانُ نفسُه أحدًا قط، مما يتوضح كيف أن الأعداء لم يبق لديهم أي سلاح كان تجاه النور.

إنه من المعلوم لدى المطلعين على تاريخ حياتي أنني مكثتُ سنتين في مَضِيف الوالي المرحوم “عمر باشا” في بتليس بناءً على إصراره الشديد، ولفرط احترامه للعلم والعلماء.. كان له من البنات سِتٌّ؛ ثلاثٌ منهن صغيرات، وثلاثٌ بالغات كبيرات.. ومع أني كنت أعيشُ معهم في سكنٍ واحدٍ طوال سنتين، إلّا أنني لم أكن أميِّز بين الثلاث الكبيرات؛ إذ لم أكن أسدد النظر إليهن كي أعرفهن وأميّز بينهن؛ حتى نزل أحد العلماء يومًا ضيفًا عليّ، فعَرَفَهن في ظرفِ يومين فقط وميَّزَ بينهن، فأخذت الحيرةُ الذين من حولي، لعدم معرفتي إياهن، وبدؤوا بالاستفسار: “لماذا لا تنظر إليهن؟”.

فكنت أجيبهم: “صَونُ عزة العلم يمنعني من النظر الحرام”.

وفي أحد المهرجانات المقامة في إسطنبول، قبل أربعين سنة، كان الازدحام على أشده.. اصطفت ألوفٌ من نساء إسطنبول ومن الروم والأرمن الكاسيات العاريات على طرفَي الخليج (الذي يقسم جانب إسطنبول إلى قسمين).

ركبتُ مع السيد طه والسيد إلياس (وهما عضوا المجلس النيابي) في قاربٍ لينقلنا إلى نهاية الخليج، حيث الاحتفالات تقام هناك.

كان القارب يمر من أمام أولئك النساء، ولم يكن لي علم أصلًا من أن الملّا طه والحاج إلياس قد اتفقا على مراقبتي بالتناوب واختباري في النظر إلى النساء، حتى اعترفا بذلك بعد ساعةٍ كاملةٍ من التجوال في القارب وبين أولئك النساء قائلَين: لقد حَيَّرَنا أمرُك هذا.. أنك لم ترفع بصرك إليهن قط.

قلت: أنا لا أريد أذواقًا مؤقتةً تافهةً مَشُوبة بالآثام، لأن عاقبتَها آلام وحسرات.

ثم إن الذين يصادقونني يعرفون جيدًا أنني تحاشيتُ كليًّا عن قبول الهدايا والدخول تحت مِنَّة المتصدقين طوال حياتي كلها، فلأجل صيانةِ كرامةِ رسائل النور والخدمة القرآنية، وحفاظًا على سلامتها، تركتُ الاهتمام بكل ما يَمُتُّ بصِلةٍ إلى أذواق الدنيا المادية والاجتماعية والسياسية، ولم أبالِ بتهديداتِ أهل المآرب والأغراض الشخصية، بل حتى بإعدامهم، وقد ظهر هذا بجلاءٍ خلال السنوات العشرين التي قضيتُها في النفي والتشريد المعذِّب وفي السجن الرهيب وفي المحاكم.

وفي الوقت الذي أملك هذا الدستور العظيم، والذي دام طوال خمس وسبعين سنة، وإذا بموظفٍ يَشغَل منصبًا في الحكومة يُشيع فريةً شنيعةً لا تَخطر حتى ببال الشيطان، تهوينًا من شأن رسائل النور الرفيعة، حيث قال: “تتردد عليه ليلًا الفاحشاتُ مع ما لذَّ وطاب من المأكولات”، علمًا أن بابي مغلوق من الخارج ومن الداخل ليلًا، وأن هناك مَن يسهر للصباح يراقب الباب بأمرِ ذلك الموظف الشقي.. يعرف الجيرانُ والأصدقاء جيدًا أنني لا أقبل أحدًا للزيارة منذ العِشاء حتى الصباح.

فالذي يفتري هذه الفرية لا شك أنه سفيهٌ وأحمق، بل لا يورد هذا الاحتمال حتى لو أصبح حمارًا، بل حتى لو أصبح شيطانًا.

فذلك الشخص المفتري قد عَلِم خطأه فتخلى عن مثل هذه المكايد، مغادرًا هذا المكان إلى غير رجعة وبئس المصير.

❀   ❀   ❀

[وظائف السيد المهدي]

(وظائف السيد المهدي)

إخوتي الأعزاء الأوفياء..

لقد سألني -باسمِ الكثيرين- مَن له شأن وبركة من طلاب النور قائلًا:

إن قسمًا ممن لهم شأن وإخلاص من طلاب النور يظنون بك -وبإصرار- أنك المرشد العظيم من آل البيت الذي يأتي في آخر الزمان، وأنت مهما تبالغ في تجنب هذا، فهم يزيدون إلحاحًا وإصرارًا في ظنهم، وأنت بدورك تُصِرُّ على رفض فكرهم وتتحرز كثيرًا منه، فلا جرَم أنهم يملكون حقيقة ولديهم حجة قاطعة، وأنت كذلك تستند إلى حقيقة وحكمة فلا توافقهم في ظنهم!! وهذا تضادٌّ نطلب حلَّه على كل حال.

وأنا أقول جوابًا لهذا الأخ الفاضل الذي ينطوي سؤالُه على كثير من المسائل:

إن أولئك النوريين الخواص يملكون حجة، إلّا أنها تحتاج إلى تعبير وتأويل من جهتين:

الأولى: لقد أشرتُ عدة مراتٍ في رسائلي إلى أن السيد المهدي الذي يمثل الشخص المعنوي للجماعة السامية لآل محمد ﷺ له ثلاث وظائف؛ فنحن نرجو من رحمته تعالى أن تقوم جماعتُه وطائفةُ السادة الكرام بتلك الوظائف إن لم تقم القيامة فجأة، ولم تَضِلَّ البشريةُ ضلالًا بعيدًا.

ووظائفه الثلاث ستكون الآتية:

الوظيفة الأولى: إنقاذ الإيمان، وذلك بالقيام بدحض الفلسفة والفكر المادي قبل كل شيء؛ لانتشار أفكار الماديين والطبيعيين انتشارَ الطاعون في البشرية، واستيلاءِ العلوم والفلسفة المادية على الأذهان.

إن حفظ أهل الإيمان من شرور الضلالة، يقتضي إجراء تحقيقاتٍ علميةٍ واسعةٍ وأبحاثٍ متواصلةٍ دائبة، التي تتطلب التجرد من هموم الدنيا ومشاغلها تجردًا كاملًا، ولا يسمح الوقتُ والأحوال لقيام السيد المهدي بمهمته هذه بالذات، لأن أعباء الحُكم في الخلافة الإسلامية لا تدَع وقتًا له للانشغال بتلك الأمور؛ فلا بد أن تنهض بتلك المهمة قبلَه طائفةٌ في جهةٍ ما، وسيجعل السيد المهدي ما دوَّنه هؤلاء من أثرٍ منهاجًا معَدًّا له، فيكون قد أدى تلك المهمة على أتمّ وجه.

إن القوةَ التي تستند إليها هذه الوظيفة وجيشَها المعنوي، ما هم إلّا طلابٌ يتصفون اتصافًا تامًّا بالإخلاص والوفاء والترابط، فمهما كانوا قلّةً فهم يُعَدُّون بقوةِ الجيش وأهميته معنًى.

الوظيفة الثانية: إحياءُ الشعائر الإسلامية في المجتمع باسم الخلافة المحمدية، وإنقاذُ البشرية من المهالك المادية والمعنوية والغضب الإلهي، مستنِدًا إلى وحدة العالم الإسلامي.

ونقطةُ استناد هذه الوظيفة والعاملين لها يلزم أن يكون جيوشًا تعدادها الملايين.

الوظيفة الثالثة: يسعى السيد المهدي لإقامة الشريعة الإسلامية وتنفيذ أحكام القرآن بعد أن لحق العطبُ بتطبيق كثيرٍ من أحكام القرآن، وبعد أن عُطِّلت القوانين الشرعية بعضَ التعطيل من جراء الانقلابات التي حصلت بمرور الزمن؛ فيحظى لأداء مهمته الجسيمة هذه بالتأييد المعنوي من جميع المؤمنين، وبمؤازرة الوحدة الإسلامية، وبالتحاق جميع العلماء والأولياء به، ولا سيما ملايين الأبطال المضحين من آل البيت الذين يوجدون وبكثرة وقوة في كل عصر من العصور، فيَشُدُّون جميعُهم أزره ويسندون ظهره في سبيل قيامه بهذه الوظيفة العظمى..

ولما كانت حقيقة الأمر هكذا، فإن إنقاذ الإيمان وإرشاد الناس عامة إلى الإيمان إرشادًا تحقيقيًّا، بل جعْلُ إيمان العوام تحقيقيًّا، هو أُولى وظائف السيد المهدى وأرفع مسلكٍ من مسالكه، والذي يقتضي اسم المهدي والمرشد بمعناه وحقيقته. ولأن طلاب النور يرون هذه الوظيفة بتمامها في رسائل النور، تظل الوظيفتان الثانيةُ والثالثة في المرتبة الثانية والثالثة عندهم بالنسبة لهذه الوظيفة الأولى، لذا يَنظرون إلى الشخص المعنوي لرسائل النور-وهم مُحِقُّون- نظرةَ نوعٍ من المهدي، وحيث إنهم يظنون في مؤلِّف رسائل النور -هذا الضعيف- أنه ممثل ذلك الشخص المعنوي الناشئ من تَرابُط طلاب النور، لذا يطلقون أحيانًا ذلك الاسم عليه أيضًا.

وعلى الرغم من أن هذا التباسٌ وسهو، إلّا أنهم ليسوا مسؤولين عنه، لأن الإفراط في حسن الظن سارٍ منذ القِدم ولا يُعترَض عليه؛ وأنا كذلك أنظر إلى حسن الظن المفرط لإخوتي هؤلاء، كأنه دعاءٌ منهم وأُمنية، وأنه ترشُّحٌ لكمال عقيدة طلاب النور، فلا أعترض عليهم كثيرًا.

يُفهم بهذه التحقيقات تأويلُ ما شاهده بعض الأولياء السالفين في كشفياتهم أن رسائل النور مهديُّ آخر الزمان، بمعنى أن هناك التباسًا في نقطتين، فيلزم التأويل:

أولاها: الوظيفتان الأخيرتان (الثانية والثالثة) رغم أنهما ليستا في أهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن إقامة الحكم الإسلامي في الأرض بجيوش الخلافة المحمدية والوحدة الإسلامية تَظهر أوسعَ ألفَ مرةٍ من الوظيفة الأولى عند الناس، ولا سيما لدى العوام منهم ولدى أرباب السياسة، وبالذات في أفكار عصرنا هذا، حتى إذا ما أُطلق هذا الاسم “المهدي” على شخص ما، فإن هاتين الوظيفتين هما اللتان تتبادران إلى الذهن دون الأولى، مما يوحي -ذلك الاسم- إلى معنى سياسي، وربما يورد إلى الذهن معنى الإعجاب بالنفس، ولربما يُظهر رغبات الشهرة وذيوع الصيت، والتطلع إلى المقامات الرفيعة.

وقد ادَّعى قديمًا -والآن كذلك- كثيرٌ من السذج والمتطلعين إلى المقامات العليا أنهم سيكونون “المهدي”.

وعلى الرغم من أن مجددين و مرشدين يهدون الناس إلى سواء السبيل قد أتوا ويأتون، فإن أحدًا منهم لا يتخذ عنوان “السيد المهدي” الكبير الذي سيأتي في آخر الزمان، وذلك لأنه لا يؤدي سوى وظيفة واحدة من الوظائف الثلاث في جهة ما.

ثم إن الخبراء في محكمة “دنيزلي” قالوا عن طلاب النور -حسب اعتقاد بعضهم-: إذا ادّعى سعيد النورسي أنه المهدي فإن جميع طلابه يصدّقونه برحابة صدر.

وأنا قد قلت لهم في المحكمة: إنني لا أستطيع أن أعُدَّ نفسي من آل البيت، حيث إن الأنساب مختلطة في هذا الزمان بما لا يمكن تمييزها، بينما مهديُّ آخر الزمان سيكون من آل البيت.

رغم أنني بمثابة ابن معنوي لسيدنا علي كرم اللّٰه وجهه، وتلقيتُ درس الحقيقة منه، وإن معنًى من معاني آل محمد ﷺ يشمل طلاب النور الحقيقيين، فأُعَدّ أنا أيضًا من آل البيت، إلّا أن هذا الزمان هو زمان الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور -بأية جهة كانت- الرغبةُ في الأنانية وحبُّ الشخصية، والتطلع إلى المقامات والحصول على الشرف وذيوع الصيت، وكل ذلك منافٍ لسر الإخلاص تمامًا.

فأنا أشكر ربي الجليل بما لا نهاية له من الشكر أنه لم يجعلني أُعجب بنفسي، لذا لا أتطلع إلى مثل هذه المقامات الشخصية التي تفوق حدي بدرجات لا تعد ولا تحصى، بل لو أُعطيتُ مقامات رفيعة أخروية فإنني أجد نفسي مضطرًّا إلى التخلي عنها لئلا أخلّ بالإخلاص الذي في النور. هكذا قلت للخبراء وسكتوا.

❀   ❀   ❀

[لِمَ تركت السياسة؟]

(لِمَ تركت السياسة؟)

أخي العزيز الوفي السيد رأفت..

أولًا: لمناسبةِ حوادث جزئيةٍ تمسُّنا معًا أُخطر على قلبي بشدة لأبيّن حقيقة وهي الآتية:

إن طالبًا خاصًّا للنور من أمثالكم لا شك يعرف أن رسائل النور لا تكون أداة لأي شيء كان، ولا يُبتغَى منها إلّا مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى، وهي تعمل على توضيح حقائق الإيمان بالذات وقبل كل شيء، وذلك لإنقاذ إيمان الضعفاء والحاملين للشكوك والشبهات.

ثانيًا: إن أعظم قوةٍ لرسائل النور تجاه معارضيها الكثيرين، هي الإخلاص. فالرسائل مثلما لا تكون أداة لأي شيء كان في الدنيا، لا تهتم أيضًا بالتيارات التي تنبني على مشاعر الانحياز والموالاة، ولا سيما للتيارات السياسية، وذلك لأن عِرق الانحياز يفسد الإخلاص ويغيّر لون الحقيقة.

حتى إن السبب في تَركي السياسة منذ ثلاثين سنة هو أن عالمًا صالحًا قد أثنى بحرارة على منافقٍ يَحمِل فكرًا ينسجم مع فكره السياسي، وفي الوقت نفسه انتقد عالمًا صالحًا يحمل أفكارًا تخالف أفكاره انتقادًا شديدًا حتى وصمه بالفسق.

بمعنى أن عِرْق المنافسة إذا اختلط معه التحيز السياسي، نشأت أخطاء عجيبة مثل هذا؛ ولهذا قلت: “أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة”، فتركتُ السياسة من ذلك الوقت.

ونتيجةً لتلك الحالة -وأنتم أعلم بها- فإنني لم أقرأ منذ عشرين سنة جريدة واحدة، ولم أهتم بحوادث الحرب طَوال عشر سنوات، ولم أستمع إليها ولم أتلهف لها، بل لم أحاول أن أعرف عنها شيئًا.

وطَوالَ اثنتين وعشرين سنة من سني الأسر والعذاب لم أَدْنُ من الانحياز والموالاة إلى جهةٍ أو الدخول في السياسة، وذلك لئلا يتضرر الإخلاص الذي تحمله رسائل النور، فلم أراجع دوائر الدولة لأجل راحتي، سوى لعرض دفاعاتي أمام المحاكم.

ثالثًا: تعلمون أنني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكون وسيلة لأمثالها من المساعدات، لذا أبيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية، لأبتاع بثمنها -من إخوتي- كتبي التي استنسخوها، وذلك لأَحُول دون دخول منافع دنيوية في إخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر.

وليعتبر من ذلك الإخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شيء كان.

رابعًا: رسائل النور كافية لطلاب النور الحقيقيين؛ فليرضوا بها ويطمئنوا إليها، فلا يتطلعنّ أحدٌ منهم إلى مراتب أعلى وأسمى، أو منافع معنوية ومادية.

❀   ❀   ❀

[حول مصطفى كمال]

(حول مصطفى كمال)

  ذيلُ العريضة المقدَّمة إلى رئيس الجمهورية اضطررتُ إلى كتابتها

إن السبب الأساس لهجوم الحاقدين عليّ هو أنهم يسحقونني متذرعين بمودّتهم وموالاتهم لمصطفى كمال.

وأنا أقول لأولئك الحاقدين:

لقد قلتُ في حق شخصٍ مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة: “إنه سيظهر في آخر الزمان شخصٌ يُلحِق الأضرار بالقرآن الكريم”.. قلتُه قبل ثلاثين سنة استنباطًا من حديث شريف، ثم أظهر الزمانُ أن ذلك الرجل هو مصطفى كمال، وأن الحاقدين الذين يوالونه يعذبونني بحججٍ واهيةٍ منذ عشرين سنة، حيث إنني لا أُسنِد إلى مصطفى كمال -خلافًا للحقيقة- شرفَ هذا الجيش ومجدَ انتصاراته الذي تحدَّى العالمَ ببطولته وتفانيه في الحق منذ خمسمئة سنة.

نعم -وكما أثبتُّ في المحكمة- إن الشرف والحسنات والغنائم المادية والمعنوية تُسنَد إلى الجماعة وتوزَّع عليهم، بينما تُسنَد الذنوب والإجراءات الخاطئة إلى الرئيس.

ففي ضوء هذه القاعدة الحقيقية، فإن أمجاد الجيش والشرف الذي أحرزه بانتصاراته -ولا سيما الضباط الأشاوس الذين تولوا إدارته- لا تُسنَد إلى مصطفى كمال، وإنما الأخطاء والذنوب والنقائص هي التي تُسنَد إليه وحده؛ فالذين يتهمونني بعدم محبتي له إنما يقومون بإهانةِ كرامةِ الجيش وقدْحِ شرفه، لذا أنظر إلى هؤلاء أنهم خونة الأمة؛ وإني على استعدادٍ لإثبات هذه الحقيقة لأولئك العنيدين الموالين له كما أثبتُّها أمام المحكمة:

إنني أُكِنّ حبًّا لملايينِ أفراد الجيش المقدام وضباطه، جيشِ هذه الأمة الطيبة، وأسعى لصيانة عزته وكرامته وتوقيره ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، بينما معارضيَّ الحاقدون الذين يواجهونني يُهَوِّنون -ضمنًا- من شأن ملايين الأفراد بل يعادونهم في سبيل محبة شخص واحد.

نعم، لقد أدركنا بأماراتٍ عديدة، أن الذي يحرِّض الحاقدين عليّ بالهجوم، هو معارضتي لمصطفى كمال، وعدمُ مودّتي له، أما الأسباب الأخرى فهي حجج واهية ومجرد اختلاق؛ ولهذا اضطررت إلى أن أقول لأولئك المعارضين:

لقد استدعاني مصطفى كمال إلى أنقرة لأجل تكريمي وجَعْلي واعظًا عامًّا لجميع الولايات الشرقية، فذهبت إلى أنقرة، إلّا أن المواد الثلاث الآتية جعلتني أتخلّى عن محبته ومودته، فعانَيت العذاب طوال عشرين سنة في حياة الانزواء، ولم أتدخل في أمورهم الدنيوية.

المادة الأولى: لقد أظهر بأفعاله أنه هو الذي أخبر عنه الحديث الشريف الوارد حول ظهور شخص في آخر الزمان يسعى للإضرار بالأعراف الإسلامية، وفسّرتُ هذا الحديث الشريف قبل ستٍّ وثلاثين سنة، ثم ظهر معناه مطابقًا في هذا الشخص، وله إيضاح في المادة الثالثة في دفاعاتي أمام المحكمة.

المادة الثانية: إن وجود شيءٍ ما وتعميرَه وحياتَه قائمٌ بوجود جميع أركان ذلك الشيء أو شروطه، بينما عدمُه وتخريبُه وموتُه يكون بفسادِ شرطٍ واحد.

هذه قاعدة حقيقية حتى أصبحت مضرب الأمثال في ألسنة الناس: “التخريب أسهل من التعمير”.

فبناء على هذه القاعدة الرصينة، فإن النقائص الفاضحة والدمار الرهيب الظاهر نابعةٌ من أخطاء ذلك القائد، أما الانتصارات الباهرة فهي صادرةٌ من بطولة الجيش، فبينما ينبغي أن يكون الأمرُ إسنادَ السيئات إليه ومَنْحَ الحسنات إلى الجيش، إلّا أن الأمر يكون بخلافِ هذا كليًّا، إذ تُسنَد حسناتُ الجماعة إلى مَن في رأس الأمر، ويُسنَد شرُّ ذلك الشخص إلى الجماعة! وهذا ظلم شنيع.

المادة الثالثة: إن إسناد حسنات الجماعة وانتصارات الجيش إلى القائد الآمر، وإعطاءَ ذنوب ذلك الأمر إلى الجماعة بأكملها، يعني التهوينَ من شأن ألوف الحسنات وجَعْلَها حسنةً واحدة، وجَعْلَ الخطأ الواحد ألوف الأخطاء.

إذ كما أن فوجًا من الجيش لو قَتلوا عدوًّا شرسًا، فإن كل فرد من أفراد ذلك الفوج يُمنَحون مرتبة المجاهد، ولكن لو أعطيتْ تلك الرتبة إلى آمرهم فقط، فإن ألف رتبةٍ من رُتَب “المجاهد” تنزل إلى رتبة واحدة فقط.

فلو حصلت جريمةُ قتلٍ نتيجة خطأٍ ارتكبه قائد ذلك الفوج، ثم أُسندت هذه الجريمة إلى الفوج كله، فإن تلك الجريمة الواحدة تتضاعف وتكون في حكم ألوف الجرائم، فيصبح ألفُ جندي مثلًا مسؤولين عنها، ومستحقين العقاب عليها.

كذلك الأمر هنا، فإن الأخطاء الجسيمة واضحة أمام الأعين، فإن لم تُسنَد إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، وأحيلت إلى جيش عظيم كريم أَظهر جهاده في سبيل إحقاق الحق في العالم أجمع، وصدَّق بسيوفه ودمائه شهادة عزته وكرامته وإعلائه لراية القرآن منذ خمسمئة سنة بل منذ ألف سنة، فإن تلك الذنوب تزداد إلى الألوف بعدد أركان ذلك الجيش، فيلطِّخ الماضيَ المجيدَ لذلك الجيش، ويشوهه تشويها رهيبًا مسوِّدًا تاريخَه بلونٍ قاتم، مما يجعل جيشَ هذا العصر مسؤولًا، ويذوب خجلًا أمام الجيش البطل للعصور السابقة.

وكذلك لو أُسندت الانتصاراتُ الباهرة والمفاخر المستحصَلة الحاضرة إلى رجلٍ واحد، فإنها تبقى جزئية، وتصبح الحسناتُ والمجاهدات -التي هي بعدد الأركان والأفراد- في حكم شخص واحد، وينطفئ ذلك الضياء الساطع ويزول، ولا يصبح كفارة للذنوب.

فلأجل هذه الأسباب تَركتُ مودّة ذلك الرجل، وكسبتُ مودة ذلك الجيش الذي خدمتُ في صفوفه خدمةً فعلية مؤثرة، وفي زمانٍ دقيقٍ حرج، وسعيتُ برسائل النور للمحافظة على شرف ذلك الجيش الذي هو أسمى ألفَ مرةٍ من أي شخص كان.

  سعيد النورسي

في أميرداغ‌

❀   ❀   ❀

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى