<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>اللمعات &#8211; رسائل النور</title>
	<atom:link href="https://said-nursi.com/category/%D8%A7%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<description>بديع الزمان سعيد النورسي</description>
	<lastBuildDate>Wed, 16 Apr 2025 10:17:43 +0000</lastBuildDate>
	<language>tr</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2024/06/cropped-SAID-ALNURSI-LOGO25-32x32.png</url>
	<title>اللمعات &#8211; رسائل النور</title>
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
<site xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">234621923</site>	<item>
		<title>اللمعة الثلاثون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25ab%25d9%2588%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 16 Apr 2025 10:17:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2524</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة تتحدث عن ستةٍ من الأسماء الحسنى.. عن ضرورتها، وعن تجلياتها في سطور الكتاب المنظور (الكون)، وهذه الأسماء الستة كلٌّ منها اسمٌ أعظم، أو نورٌ من أنوار الاسم الأعظم] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة الثلاثون]   اللمعة الثلاثون‌ مِنَ المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ، وثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; وهِي &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة تتحدث عن ستةٍ من الأسماء الحسنى.. عن ضرورتها، وعن تجلياتها في سطور الكتاب المنظور (الكون)، وهذه الأسماء الستة كلٌّ منها اسمٌ أعظم، أو نورٌ من أنوار الاسم الأعظم]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2525" aria-describedby="caption-attachment-2525" style="width: 474px" class="wp-caption aligncenter"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-2525" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2f141ff915f6d72f53c03d58132c8d12.jpg" alt="وقد ثَبَت ببَراهِينَ دامِغةٍ في أَغلَبِ أَجزاءِ &quot;رَسائِلِ النُّورِ&quot; أنَّ فِعلَ التَّنظِيمِ والنِّظامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &quot;الحَكَمِ والحَكِيمِ&quot;، وأنَّ فِعلَ الوَزنِ والمِيزانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &quot;العَدْلِ والعادِلِ&quot;، وأنَّ فِعلَ التَّزيِينِ والإِحسانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &quot;الجَمِيلِ والكَرِيمِ&quot;، وأنَّ فِعلَ التَّربِيةِ والإِنعامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &quot;الرَّبِّ والرَّحِيمِ&quot;.. كلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ، هو فِعلٌ واحِدٌ، وحَقِيقةٌ واحِدةٌ، تُشاهَدُ بوُضُوحٍ في آفاقِ الكَونِ كُلِّه، فكُلٌّ مِنها يُشِيرُ إلى وُجُوبِ وُجُودِ واحِدٍ أَحَدٍ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه بجَلاءٍ." width="474" height="472" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2f141ff915f6d72f53c03d58132c8d12.jpg 474w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2f141ff915f6d72f53c03d58132c8d12-300x300.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2f141ff915f6d72f53c03d58132c8d12-150x150.jpg 150w" sizes="(max-width: 474px) 100vw, 474px" /><figcaption id="caption-attachment-2525" class="wp-caption-text">وقد ثَبَت ببَراهِينَ دامِغةٍ في أَغلَبِ أَجزاءِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; أنَّ فِعلَ التَّنظِيمِ والنِّظامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الحَكَمِ والحَكِيمِ&#8221;، وأنَّ فِعلَ الوَزنِ والمِيزانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;العَدْلِ والعادِلِ&#8221;، وأنَّ فِعلَ التَّزيِينِ والإِحسانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الجَمِيلِ والكَرِيمِ&#8221;، وأنَّ فِعلَ التَّربِيةِ والإِنعامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الرَّبِّ والرَّحِيمِ&#8221;.. كلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ، هو فِعلٌ واحِدٌ، وحَقِيقةٌ واحِدةٌ، تُشاهَدُ بوُضُوحٍ في آفاقِ الكَونِ كُلِّه، فكُلٌّ مِنها يُشِيرُ إلى وُجُوبِ وُجُودِ واحِدٍ أَحَدٍ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه بجَلاءٍ.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الثلاثون]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الثلاثون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>مِنَ المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ، وثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وهِي عِبارةٌ عن سِتِّ نِكاتٍ.</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>هذا الدَّرسُ القَيِّمُ ثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221;، وحَصِيلةُ مَدرَسَتِها اليُوسُفِيّةِ، مِثلَما كانَت &#8220;رِسالةُ الثَّمَرةِ&#8221; ثَمَرةً أَينَعَها سِجنُ &#8220;دَنِيزْلي&#8221;، وكما كانَت &#8220;رِسالةُ الحُجّةِ الزَّهراءِ&#8221; دَرسًا بَلِيغًا أَزهَرَ في سِجنِ &#8220;آفيُونَ&#8221;.</p>
<p>تَضُمُّ هذه الرِّسالةُ -وهِي اللَّمْعةُ الثَّلاثُونَ- <strong>نِكاتٍ دَقِيقةً لِسِتّةٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى</strong>.</p>
<p>قد لا يَستَطِيعُ كلُّ أَحَدٍ لِلوَهْلةِ الأُولَى أن يَستَوعِبَ المَسائِلَ العَمِيقةَ والواسِعةَ جِدًّا في القِسمِ الَّذي يَخُصُّ اسمَ اللهِ &#8220;الحَيَّ&#8221; و&#8221;القَيُّومَ&#8221; مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ، ويَتَذوَّقَها جَمِيعًا، إلّا أنَّه لا يَبقَى أَحَدٌ دُونَ نَصِيبٍ مِنها وفائِدةٍ يَغنَمُها.</p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الأولى: حول اسم &#8220;القدوس&#8221;]</h2>
<p><strong>النُّكتة الأولى</strong><strong>‌</strong><strong>: </strong>تَخُصُّ إِحدَى نِكاتِ اسمِ الله‌: (القُدُّوس).</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾</strong></p>
<p>لقد تَجَلَّت لي نُكتةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8220;، وهُو الِاسمُ الأَعظَمُ أو أَحَدُ أَنورِاه السِّتّةِ، وأنا نَزِيلُ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; أَواخِرَ شَهرِ شَعبانَ المُبارَكِ؛ فبَيَّنَ لي: الوُجُودَ الإِلٰهِيَّ بوُضُوحٍ تامٍّ، وكَشَف لي الوَحْدانيّةَ الرَّبّانيّةَ بجَلاءٍ، كما يَأتِي:</p>
<h3 style="text-align: center;">[مظاهر اسم &#8220;القدوس&#8221; تتجلى في سائر الموجودات]</h3>
<p>لقد تَراءَى لي هذا الكَونُ وهذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ كمَعمَلٍ عَظِيمٍ دائِبِ الحَرَكةِ، وشَبِيهةً بفُندُقٍ واسِعٍ، أو دارِ ضِيافةٍ تُمْلَأُ وتُخلَى بلا انقِطاعٍ، عِلمًا أنَّ مَصنَعًا ودارَ ضِيافةٍ بهذه السَّعةِ وبهذه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الغادِينَ والرّائِحِينَ، تَمتَلِئُ بالنِّفاياتِ والأَنقاضِ، ويُصابُ كلُّ شَيءٍ بالتَّلوُّثِ، وتَضِيقُ فيها أَسبابُ الحَياةِ.. فإن لم تَعمَلْ يدُ التَّنظِيفِ والتَّنسِيقِ فيها عَمَلًا دائِمًا أَدَّت تلك الأَوساخُ إلى اختِناقِ الإِنسانِ واستِحالةِ عَيشِه.</p>
<p>بَيْدَ أنَّنا لا نَكادُ نَرَى في مَعمَلِ الكَونِ العَظِيمِ هذا، وفي دارِ ضِيافةِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ هذه أَثرًا لِلنِّفاياتِ، كما أنَّه لا تُوجَدُ في أيّةِ زاوِيةٍ مِن زَواياهُما مادّةٌ غَيرُ نافِعةٍ، أو غَيرُ ضَرُورِيّةٍ، أو أُلقِيَت عَبَثًا، حتَّى إن ظَهَرَت مادّةٌ كهذه فسَرْعانَ ما تُرمَى في مَكائِنِ تَحوِيلٍ بمُجَرَّدِ ظُهُورِها، تُحِيلُها إلى مادّةٍ نَظِيفةٍ.</p>
<p>فهذا الأَمرُ الدّائِبُ يَدُلُّنا على أنَّ الَّذي يُراقِبُ هذا المَعمَلَ إنَّما يُراقِبُه بكُلِّ عِنايةٍ وإِتقانٍ، وأنَّ <strong>مالِكَه يَقُومُ بتَنظِيفِه وتَنسِيقِه وتَزيِينِه على الدَّوامِ</strong> حتَّى لا يُرَى فيه -رَغمَ ضَخامَتِه- أَثرٌ لِلقاذُوراتِ والنِّفاياتِ الَّتي تكُونُ مُتَناسِبةً معَ كِبَرِ المَعمَلِ وضَخامَتِه.. فالمُراعاةُ بالتَّطهِيرِ إِذًا مُستَمِرّةٌ، والعِنايةُ بالتَّنظِيفِ دائِمةٌ ومُتَناسِبةٌ معَ ضَخامةِ المَعمَلِ وسَعَتِه، لِأنَّ الإِنسانَ الفَردَ إن لم يَستَحِمَّ ولم يَقُم بتَنظِيفِ غُرفَتِه خِلالَ شِهرٍ، لَضاقَت علَيْه الحَياةُ.. فكَيفَ بنَظافةِ قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ؟!</p>
<p>إِذًا فالطُّهرُ والنَّقاءُ والصَّفاءُ والبَهاءُ المُشاهَدُ في قَصرِ العالَمِ البَدِيعِ هذا، ما هُو إلّا نابِعٌ مِن تَنظِيفٍ حَكِيمٍ مُستَمِرٍّ، ومِن تَطهِيرٍ دَقِيقٍ دائِمٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لولا &#8220;القدوس&#8221;!]</h3>
<p><strong>فلَوْلا</strong> هذه المُراقَبةُ المُستَدِيمةُ لِلنَّظافةِ، والعِنايةُ المُستَمِرّةُ بالطُّهرِ، لَكانَت تَختَنِقُ على سَطْحِ الأَرضِ -بأَجْوائِها المَوبُوءةِ- مِئاتُ الآلافِ مِنَ الأَحياءِ خِلالَ سَنةٍ.</p>
<p><strong>ولَوْلا</strong> تلك المُراقَبةُ الدَّقِيقةُ والعِنايةُ الفائِقةُ في أَرجاءِ الفَضاءِ الزّاخِرةِ بالكَواكِبِ والنُّجُوم والتَّوابِعِ المُعَرَّضةِ لِلمَوتِ والِاندِثارِ، لَكانَت أَنقاضُها المُتَطايِرةُ في الفَضاءِ تُحَطِّمُ رُؤُوسَنا ورُؤُوسَ الأَحياءِ الأُخرَى، بل رَأسَ الدُّنيا! ولَكانَت تُمطِرُ علَيْنا كُتَلًا هائِلةً بحَجمِ الجِبالِ، وتُرغِمُنا على الفِرارِ مِن وَطَنِنا الدُّنيَوِيِّ! بَينَما لم تَسقُط مُنذُ دُهُورٍ سَحِيقةٍ مِنَ الفَضاءِ الخارِجِيِّ -نَتِيجةَ الِاندِثارِ- سِوَى بِضْعةِ نَيازِكَ، ولم تُصِب أَحَدًا مِنَ النّاسِ، بل كانَت عِبْرةً لِمَن يَعتَبِرُ!</p>
<p><strong>ولَوْلا</strong> التَّنظِيفُ الدّائِبُ والتَّطِهيرُ الدّائِمُ في سَطحِ الأَرضِ، لَكانَتِ جَنائِزُ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أُمَمِ الحَيَواناتِ وأَنقاضُ مِئَتَي أَلفٍ مِن طَوائِفِ النَّباتاتِ، النّاتِجةُ مِن تَعاقُبِ المَوتِ والحَياةِ، تَملَأُ البَرَّ والبَحرَ مَعًا، ولَكانَتِ القَذارةُ تَصِلُ إلى حَدٍّ يَنفِرُ كلُّ مَن له شُعُورٌ أن يَنظُرَ إلى وَجْهِ الأَرضِ الدَّمِيمِ، بل كانَ يَسُوقُه إلى الفِرارِ مِنها إلى المَوتِ والعَدَمِ، ناهِيك عن حُبِّه وعِشقِه.</p>
<p>نعم، مِثلَما يُنظِّفُ الطَّيرُ أَجنِحَتَه بسُهُولةٍ تامّةٍ، أو يُطهِّرُ الكاتِبُ صَحائِفَ كِتابِه بيُسرٍ كامِلٍ، فإنَّ أَجنِحةَ هذه الأَرضِ الطاّئِرةِ -معَ الطُّيُورِ السَّماوِيّةِ في الفَضاءِ- وصَحائِفَ هذا الكِتابِ العَظِيمِ -أَعنِي الكَونَ- يُنَظَّفانِ ويُطَهَّرانِ ويُجَمَّلانِ ويُزَيَّنانِ بمِثلِ تلك السُّهُولةِ واليُسرِ؛ بل إنَّ تَطهِيرَ سَطحِ الأَرضِ هذا وتَنظِيفَه وتَنسِيقَه وتَزيِينَه هو مِن كَمالِ الإِتقانِ بحَيثُ يَجعَلُ الَّذِينَ لا يَرَوْن -بإِيمانِهِم- جَمالَ الآخِرةِ يَعشَقُونَ هذا الجَمالَ وهذه النَّظافةَ لِهَذا العالَمِ الدُّنيَوِيِّ، بل قد يَعبُدُونَه!</p>
<h3 style="text-align: center;">[جميع موجودات العالم تتلقى أوامر من اسم القدوس]</h3>
<p>إِذًا فقَصرُ العالَمِ الباذِخُ هذا، ومَعمَلُ الكَونِ الهائِلُ هذا، قد حَظِيَ بتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8221; علَيْه، حتَّى إنَّه عِندَما تَصدُرُ الأَوامِرُ الإِلٰهِيّةُ المُقدَّسةُ الخاصّةُ بالتَّطهِيرِ والتَّنظِيفِ، لا تَصدُرُ <strong>لِلحَيَواناتِ البَحرِيّةِ الكَبِيرةِ المُفتَرِسةِ</strong> المُؤَدِّيةِ وَظِيفةَ التَّنظِيفِ، والصُّقُورِ البَرِّيّةِ الجارِحةِ وَحْدَها، بل يَستَمِعُ لها أَيضًا <strong>أَنواعُ الدِّيدانِ والنَّملِ</strong> الَّتي تَجمَعُ الجَنائِزَ وتقُومُ بمُهِمّةِ مُوَظَّفِي الصِّحّةِ العامّةِ الرّاعِينَ لها في هذا العالَمِ، بل تَستَمِعُ لِهذه الأَوامِرِ التَّنظِيفِيّةِ حتَّى <strong>الكُرَيّاتُ</strong> الحُمْرُ والبِيضُ الجارِيةُ في الدَّمِ فتَقُومُ بمُهِمّةِ التَّنظِيفِ والتَّنقِيةِ في حُجَيراتِ البَدَنِ كما يقُومُ <strong>التَّنفُّسُ</strong> بتَصفِيةِ الدَّمِ، بل حتَّى <strong>الأَجفانُ</strong> الرَّقيقةُ تَستَمِعُ لها فتُطَهِّرُ العَينَ باستِمرارٍ، بل حتَّى <strong>الذُّبابُ</strong> يَستَمِعُ لها فيَقُومُ بتَنظِيفِ أَجنِحَتِه دائِمًا.</p>
<p>ومِثلَما يَستَمِعُ كلُّ ما ذَكَرْناه لِتِلك الأَوامِرِ القُدسِيّةِ بالتَّنظِيفِ، تَستَمِعُ لها أَيضًا <strong>الرِّياحُ</strong> الهُوجُ <strong>والسُّحُبُ</strong> الثِّقالُ، فتِلك تُطهِّرُ وَجهَ الأَرضِ مِنَ النِّفاياتِ، والأُخرَى تَرُشُّ رَوْضَتَها بالماءِ الطّاهِرِ فتُسَكِّنُ الغُبارَ والتُّرابَ، ثمَّ تَنسَحِبُ بسُرعةٍ ونِظامٍ حامِلةً أَدَواتِها لِيَعُودَ الجَمالُ السّاطِعُ إلى وَجهِ السَّماءِ صافِيًا مُتَلَألِئًا.</p>
<p>ومِثلَما تَستَمِعُ لتِلك الأَوامِرِ الصّادِرةِ بالتَّطهِيرِ والتَّنظِيفِ النُّجُومُ، والعَناصِرُ، والمَعادِنُ، والنَّباتاتُ، بأَشكالِها وأَنواعِها، تَستَمِعُ لها الذَّرّاتُ جَمِيعًا، حتَّى إنَّها تُراعِي النَّقاوةَ والصَّفاءَ في دَوّاماتِ تَحَوُّلاتِها المُحَيِّرةِ لِلأَلبابِ، فلا تَجتَمِعُ في زاوِيةٍ دُونَ فائِدةٍ، ولا تَزدَحِمُ في رُكنٍ دُونَ نَفعٍ، بل إن تَلوَّثَت تُنظَّفُ فَورًا وتُساقُ سَوْقًا مِن لَدُن قُدْرةٍ حَكِيمةٍ إلى أَخذِ أَطهَرِ الأَوْضاعِ وأَنظَفِها وأَسطَعِها وأَصْفاها، وأَخذِ أَجمَلِ الصُّوَرِ وأَنقاها وأَلطَفِها.</p>
<p>وهكَذا، <strong>فإِنَّ فِعلَ التَّطهِيرِ هذا الَّذي هو فِعلٌ واحِدٌ، ويُعَبِّرُ عن حَقِيقةٍ واحِدةٍ، هو تَجَلٍّ أَعظَمُ، مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;القُدُّوسِ&#8221; الأَعظَمِ</strong>، يُرَى ذلك التَّجَلِّي الأَعظَمُ حتَّى في أَعظَمِ دَوائِرِ الكَونِ وأَوسَعِها، بحَيثُ يُبيِّنُ الوُجُودَ الرَّبّانِيَّ، ويُظهِرُ وَحْدانيّةَ اللهِ معَ أَسمائِه الحُسنَى ظُهُورًا جَلِيًّا كالشَّمسِ المُنِيرةِ، فتُبصِرُه العُيُونُ النّافِذةُ النَّظَرِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[فعل التطهير والتنظيف صادرٌ عن &#8220;قدوس&#8221; واحد]</h3>
<p>وقد ثَبَت ببَراهِينَ دامِغةٍ في أَغلَبِ أَجزاءِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; أنَّ فِعلَ التَّنظِيمِ والنِّظامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>الحَكَمِ والحَكِيمِ</strong>&#8220;، وأنَّ فِعلَ الوَزنِ والمِيزانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>العَدْلِ والعادِلِ</strong>&#8220;، وأنَّ فِعلَ التَّزيِينِ والإِحسانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>الجَمِيلِ والكَرِيمِ</strong>&#8220;، وأنَّ فِعلَ التَّربِيةِ والإِنعامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>الرَّبِّ والرَّحِيمِ</strong>&#8220;.. كلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ، هو فِعلٌ واحِدٌ، وحَقِيقةٌ واحِدةٌ، تُشاهَدُ بوُضُوحٍ في آفاقِ الكَونِ كُلِّه، فكُلٌّ مِنها يُشِيرُ إلى وُجُوبِ وُجُودِ واحِدٍ أَحَدٍ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه بجَلاءٍ.</p>
<p>كَذلِك <strong>فِعلُ التَّنظِيفِ والتَّطهِيرِ</strong> الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8221; يَدُلُّ على وُجُودِ ذلك الواجِبِ، كالشَّمسِ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه كالنَّهارِ.. وكما أنَّ الأَفعالَ المَذكُورةَ مِن تَنظِيمٍ وتَقدِيرٍ وتَزيِينٍ وتَنظِيفٍ وأَمثالِها مِنَ الأَفعالِ الحَكِيمةِ تُبيِّنُ خالِقًا واحِدًا أَحَدًا، بوَحْدَتِها النَّوعِيّةِ، وبظُهُورِها في أَوسَعِ الآفاقِ الكَونِيّةِ، كَذلِك أَكثَرُ الأَسماءِ الحُسنَى، بل <strong>كلُّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى له تَجَلٍّ أَعظَمُ في أَوسَع دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الكَونِ كهَذا</strong>.. فيُظهِرُ الفِعلُ النّاتِجُ مِن ذلك التَّجَلِّي الواحِدَ الأَحَدَ ظُهُورًا جَلِيًّا يُناسِبُ سَعَةَ ذلك الفِعلِ ووُضُوحَه.</p>
<p>نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ الَّتي تُخضِعُ كلَّ شَيءٍ لِقانُونِها ونِظامِها، والعِنايةَ الشّامِلةَ الَّتي تُجَمِّلُ كلَّ شَيءٍ وتُزيِّنُه، والرَّحْمةَ الواسِعة الَّتي تُدخِلُ السُّرُورَ والبَهجةَ على كلِّ شَيءٍ وتَجعَلُه في حَمْدٍ دائِمٍ، والرِّزقَ العامَّ الَّذي يَعتاشُ علَيْه كلُّ ذِي حَياةٍ ويَتَمتَّعُ بلَذائِذِه، والحَياةَ والإِحياءَ الَّتي تَربِطُ كلَّ شَيءٍ بالأَشياءِ الأُخرَى، وتَجعَلُ الشَّيءَ يَنتَفِعُ مِن كلِّ شَيءٍ كأنَّه مالِكٌ لِلأَشياءِ.. هذه الحَقائِقُ وأَمثالُها، المَشهُودةُ بالبَداهةِ، والمُتَّسِمةُ بالوَحْدةِ، والجاعِلةُ وَجهَ الكَونِ يُشرِقُ بَهاءً، ويَستَهِلُّ بِشرًا وسُرُورًا، تَدُلُّ بَداهةً على: &#8220;<strong>الحَكِيمِ، الكَرِيمِ، الرَّحِيمِ، الرَّزّاقِ، الحَيِّ المُحيِي</strong>&#8220;، كما يَدُلُّ الضَّوءُ على الشَّمسِ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ فكُلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ الواسِعةِ الَّتي تَربُو على المِئاتِ، دَليلٌ باهِرُ الوُضُوحِ على الوَحْدانيّةِ، إن لم يُسنَد إلى &#8220;<strong>الواحِدِ الأَحَدِ</strong>&#8221; سُبحانَه، لَنَتَجَت إِذًا مِئاتُ المُحالاتِ بمِئاتٍ مِنَ الأَوْجُهِ.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنَّه لَيسَتِ الأَفعالُ كلُّها كالحِكْمةِ والعِنايةِ والرَّحْمةِ والإِعاشةِ والإِحياءِ الَّتي هي مِنَ الحَقائِقِ البَدِيهِيّةِ ومِن دَلائِلِ التَّوحِيدِ، بل حتَّى فِعلٌ واحِدٌ فقط مِنها وهُو فِعلُ التَّطهِيرِ، لو لم يُسنَد إلى رَبِّ العالَمِينَ لَلَزِمَ -في طَرِيقِ الكُفرِ والضَّلالةِ- أن يكُونَ كلُّ شَيءٍ له عَلاقةٌ بالتَّنظِيفِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ، إلى الحَشَراتِ، إلى العَناصِرِ، إلى النُّجُومِ، على عِلمٍ ومَعرِفةٍ بتَنظِيفِ هذا الكَونِ العَظِيمِ وتَزيِينِه وتَجمِيلِه ومُوازَنةِ ما فيه!! وأن يُلاحِظَ الأُمُورَ وَفْقَها، ويَقدِرَ على التَّحَرُّكِ.. أو يَلزَمُ أن يتَّصِفَ كلٌّ مِنها بالصِّفاتِ القُدسِيّةِ الجَلِيلةِ لِرَبِّ العالَمِينَ!! أو يَلزَمُ أن يكُونَ هُنالِك مَجلِسُ شُورَى واسِعٌ سَعَةَ الكَونِ كلِّه لِتَنظِيمِ جَمِيعِ تَزيِيناتِ الكَونِ وتَطهِيرِه وتَقدِيرِ كلِّ ما يَلِجُ فيه وما يَخرُجُ مِنه ومُوازَنَتِه، وأن يُشَكِّل هذا المَجلِسَ ما لا يُحَدُّ مِنَ الذَّرّاتِ والحَشَراتِ والنُّجُومِ!!</p>
<p>وهكَذا يَصِلُ سالِكُ طَرِيقِ الكُفرِ إلى مِئاتٍ مِن أَمثالِ هذه الخُرافاتِ السَّخِيفةِ والمُحالاتِ السُّوفْسَطائيّةِ كي يَظهَرَ التَّزيِينُ المُحِيطُ والتَّنظِيفُ الشّامِلُ الظّاهِرُ في الأَرجاءِ كافّةً. أي: لا يَنشَأُ مُحالٌ واحِدٌ بل مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُحالاتِ.</p>
<p>نعم، إن لم يُسنَد ضَوءُ النَّهارِ والشُمَيْساتُ المُتَألِّقةُ المِثاليّةُ في كلِّ شَيءٍ على سَطحِ الأَرضِ، إلى الشَّمسِ الواحِدةِ، ولم تُفسَّر على أنَّها انعِكاساتٌ لِتَجَلِّي تلك الشَّمسِ الواحِدةِ، لَلَزِمَ وُجُودُ شَمسٍ حَقِيقيّةٍ في كلِّ قَطْرةِ ماءٍ لَمّاعةٍ، وفي كلِّ قِطعةِ زُجاجٍ شَفّافةٍ، وفي كلِّ بِلَّوْرةِ ثَلجٍ مُشِعّةٍ، حتَّى في كلِّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَواءِ، كي يَظهَرَ ذلك الضَّوءُ الَّذي يَعُمُّ الوُجُودَ!!</p>
<p>وهكَذا، فالحِكْمةُ ضِياءٌ، والرَّحْمةُ الواسِعةُ ضِياءٌ، والتَّزيِينُ والمُوازَنةُ والتَّنظِيمُ والتَّنظِيفُ كلٌّ مِنها ضِياءٌ شامِلٌ مُحِيطٌ وشُعاعٌ مِن أَشِعّةِ ذلك النُّورِ الأَزَليِّ سُبحانَه. فانظُرِ الآنَ بنُورِ هذا الإِيمانِ لِتَرَى كَيفَ يَسقُطُ أَهلُ الكُفرِ والضَّلالةِ في مُستَنقَعٍ آسِنٍ لا يُمكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنه، وشاهِدْ مَدَى حَماقةِ أَهلِ الضَّلالةِ وجَهالَتِهِم! واحْمَدِ اللهَ قائِلًا: &#8220;الحَمدُ للهِ على دِينِ الإِسلامِ وكَمالِ الإِيمانِ&#8221;.</p>
<p>نعم، إنَّ هذا التَّنظِيفَ السّامِيَ الشّامِلَ المُشاهَدَ الَّذي يَجعَلُ قَصرَ العالَمِ طاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا لَهُو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;القُدُّوس&#8221; ومُقتَضًى مِن مُقتَضَياتِه.. وكما تَتَوجَّهُ تَسبِيحاتُ المَخلُوقاتِ جَمِيعِها إلى اسمِ &#8220;القُدُّوسِ&#8221; وتَرنُو إلَيْه، كَذلِك يَستَدعِي اسمُ &#8220;القُدُّوسِ&#8221; نَظافةَ تلك المَخلُوقاتِ وطَهارَتَها<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، حتَّى عَدَّ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: &#8220;<strong>النَّظافةُ مِنَ الإِيمانِ</strong>&#8221; الطُّهُورَ نُورًا مِن أَنوارِه لِارتِباطِه القُدسِيِّ هذا، وأَظهَرَتِ الآيةُ الكَرِيمةُ أنَّ الطُّهرَ مَدْعاةٌ إلى المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ ومَدارٌ لها، في قَولِه تَعالَى:</p>
<p style="text-align: center;">﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الثانية: حول اسم &#8220;العدل&#8221;]</h2>
<p><strong>النُّكتة الثانية للَّمْعة الثلاثين</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾</p>
<p>لقد تَراءَت لي نُكتةٌ لَطِيفةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ: &#8220;<strong>العَدْلِ</strong>&#8221; الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو هو نُورٌ مِن أَنوارِه السِّتّةِ.. تَراءَى لي ذلك النُّورُ مِن بَعِيدٍ -كما هي الحالُ في النُّكتةِ الأُولَى- وأنا نَزِيلُ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221;، ولِأَجلِ تَقرِيبِه إلى الأَفهامِ نَسلُكُ أَيضًا طَرِيقَ ضَربِ الأَمثالِ، فنَقُولُ:</p>
<h3 style="text-align: center;">[تجلي مظاهر اسم &#8220;العدل&#8221; في الوجود]</h3>
<p>هذا الكَونُ قَصرٌ بَدِيعٌ يَضُمُّ مَدِينةً واسِعةً تَتَداوَلُها عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتَّعمِيرِ، وفي تلك المَدِينةِ مَملَكةٌ واسِعةٌ تَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، وبَينَ جَوانِحِ تلك المَملَكةِ عالَمٌ عَظِيمٌ يَسبَحُ كلَّ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. ولكِن على الرَّغمِ مِن كلِّ مَظاهِرِ الِاضطِرابِ، <strong>فإنَّ مُوازَنةً عامّةً ومِيزانًا حَسّاسًا، وعَمَلِيّةَ وَزنٍ دَقِيقٍ تُسَيطِرُ في كلِّ جَوانِبِ القَصرِ ونَواحِي المَدِينةِ وتَسُودُ في كلِّ أَرجاءِ المَملَكةِ وأَطرافِ العالَمِ، وتُهَيمِنُ علَيْها هَيْمَنةً</strong>، بحَيثُ تَدُلُّ بَداهةً على أنَّ ما يَحدُثُ ضِمنَ هذه المَوجُوداتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ مِن تَحَوُّلاتٍ، وما يَلِجُ فيها وما يَخرُجُ مِنها <strong>لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلّا بعَمَلِيّةِ وَزنٍ وكَيلٍ</strong>، وبِمِيزانِ مَن يَرَى أَنحاءَ الوُجُودِ كلَّها في آنٍ واحِدٍ، ومَن تَجرِي المَوجُوداتُ جَمِيعُها أَمامَ نَظَرِ مُراقَبَتِه في كلِّ حِينٍ.. ذلِكُمُ الواحِدُ الأَحَدُ سُبحانَه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لولا &#8220;العدل&#8221;!]</h3>
<p>وإلّا <strong>فلو</strong> كانَتِ الأَسبابُ السّاعِيةُ إلى اختِلالِ التَّوازُنِ، سائِبةً أو مُفَوَّضةً إلى المُصادَفةِ العَشواءِ أوِ القُوّةِ العَمْياءِ أوِ الطَّبِيعةِ المُظلِمةِ البَلْهاءِ، لَكانَت بُوَيضاتُ سَمَكةٍ واحِدةٍ -وهِي تَزِيدُ على الأُلُوفِ- تُخِلُّ بتِلك المُوازَنةِ، بل بُذَيراتُ زَهرةٍ واحِدةٍ -كالخَشْخاشِ- الَّتي تَزِيدُ على عِشرِينَ أَلفًا تُخِلُّ بها؛ ناهِيك عن تَدَفُّقِ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتِ الهائِلةِ والتَّحَوُّلاتِ الضَّخْمةِ الَّتي تَحدُثُ في أَرجاءِ الكَونِ.. كلٌّ مِنها لو كانَ سائِبًا لَكانَ قَمِينًا أن يُخِلَّ بتلك المُوازَنةِ الدَّقِيقةِ المَنصُوبةِ بَينَ المَوجُوداتِ، ويُفسِدَ التَّوازُنَ الكامِلَ بَينَ أَجزاءِ الكائِناتِ خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ، بل خِلالَ يَومٍ واحِدٍ؛ ولَكُنتَ تَرَى العالَمَ وقد حَلَّ فيه الهَرْجُ والمَرْجُ.. وتَعَرَّض لِلِاضطِراباتِ والفَسادِ.. فكانَتِ البِحارُ تَمتَلِئُ بالأَنقاضِ والجُثَثِ، وتَتَعفَّنُ.. والهَواءُ يَتَسمَّمُ بالغازاتِ المُضِرّةِ الخانِقةِ، ويَفسُدُ؛ والأَرضُ تُصبِحُ مَزبَلةً ومَسلَخةً، وتَغدُو مُستَنقَعًا آسِنًا لا تُطاقُ فيه الحَياةُ.</p>
<p>فإن شِئتَ فأَنعِمِ النَّظَرَ في المَوجُوداتِ كُلِّها، ابتِداءً مِن حُجَيراتِ الجِسمِ إلى الكُرَيّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ في الدَّمِ، ومِن تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ إلى التَّناسُبِ والِانسِجامِ بَينَ أَجهِزةِ الجِسمِ، ومِن وارِداتِ البِحارِ ومَصارِيفِها إلى مَوارِدِ المِياهِ الجَوْفيّةِ وصَرفِيّاتِها، ومِن تَوَلُّداتِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ ووَفَيَاتِها إلى تَخرِيباتِ الخَرِيفِ وتَعمِيراتِ الرَّبِيعِ، ومِن وَظائِفِ العَناصِرِ وحَرَكاتِ النُّجُومِ إلى تَبَدُّلِ المَوتِ والحَياةِ، ومِن تَصادُمِ النُّورِ والظَّلامِ إلى تَعارُضِ الحَرارةِ والبُرُودةِ.. وما شابَهَها مِن أُمُورٍ، كي <strong>تَرَى أنَّ الكُلَّ يُوزَنُ ويُقدَّرُ بمِيزانٍ خارِقِ الحَساسِيّةِ، وأنَّ الجَمِيعَ يُكالُ بمِكيالٍ غايةٍ في الدِّقّةِ</strong>، بحَيثُ يَعجِزُ عَقلُ الإِنسانِ أن يَرَى إِسرافًا حَقِيقيًّا في مَكانٍ وعَبَثًا في جُزءٍ.. بل يَلمَسُ عِلمُ الإِنسانِ ويُشاهِدُ أَكمَلَ نِظامٍ وأَتقَنَه في كلِّ شَيءٍ فيُحاوِلُ أن يُظهِرَه، ويَرَى أَرْوَعَ تَوازُنٍ وأَبدَعَه في كلِّ مَوجُودٍ فيَسعَى لِإبرازِه.. فما العُلُومُ الَّتي تَوَصَّل إلَيْها الإِنسانُ إلّا تَرجَمةٌ لِذلِك النِّظامِ البَدِيعِ وتَعبِيرٌ عن ذلك التَّوازُنِ الرّائِعِ.</p>
<p><strong>فتَأَمَّلْ</strong> في المُوازَنةِ الرّائِعةِ بَينَ الشَّمسِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ الَّتي كلٌّ مِنها مُختَلِفةٌ عنِ الأُخرَى، ألا تَدُلُّ هذه المُوازَنةُ دَلالةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ نَفسِها على اللهِ سُبحانَه الَّذي هو &#8220;<strong>العَدْلُ القَدِيرُ</strong>&#8220;؟</p>
<p><strong>ثمَّ تَأمَّلْ</strong> في الأَرضِ -وهِي إِحدَى الكَواكِبِ السَّيّارةِ- هذه السَّفِينةِ الجارِيةِ السّابِحةِ في الفَضاءِ الَّتي تَجُولُ في سَنةٍ واحِدةٍ مَسافةً يُقَدَّرُ طُولُها بأَربَعٍ وعِشرِينَ أَلفَ سَنةٍ؛ ومعَ هذه السُّرعةِ المُذهِلةِ لا تُبَعثِرُ المَوادَّ المُنَسَّقةَ على سَطْحِها ولا تَضطَرِبُ بها ولا تُطلِقُها إلى الفَضاءِ.. فلو زِيدَ شَيءٌ قَلِيلٌ في سُرعَتِها أو أُنقِصَ مِنها لكانَت تَقذِفُ بقاطِنِيها إلى الفَضاءِ، ولو أَخَلَّت بمُوازَنَتِها لِدَقِيقةٍ، بل لِثانيةٍ واحِدةٍ، لَتَعثَّرَت في سَيْرِها واضْطَرَبَت، ولَرُبَّما اصْطَدَمَت بغَيرِها مِنَ السَّيّاراتِ، ولَقامَتِ القِيامةُ.</p>
<p><strong>ثمَّ تَأمَّلْ</strong> في تَوَلُّداتِ ووَفَيَاتِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ وإِعاشَتِهِما وحَياتِهِما على الأَرضِ، والَّتي يَزِيدُ عَدَدُ أَنواعِها على الأَربَعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ، تَرَ مُوازَنةً رائِعةً ذاتَ رَحْمةٍ، تَدُلُّك دَلالةً قاطِعةً على <strong>الخالِقِ العادِلِ الرَّحِيمِ</strong> جَلَّ جَلالُه، كدَلالةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ.</p>
<p><strong>ثمَّ تَأمَّلْ</strong> في أَعضاءِ كائِنٍ حَيٍّ مِنَ الأَحياءِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، ودَقِّقْ في أَجهِزَتِه وفي حَواسِّه.. تَرَ فيها مِنَ الِانسِجامِ التّامِّ والتَّناسُقِ الكامِلِ والمُوازَنةِ الدَّقِيقةِ ما يَدُلُّك بَداهةً على الصّانِعِ الَّذي هو &#8220;<strong>العَدْلُ الحَكِيمُ</strong>&#8220;.</p>
<p><strong>ثمَّ تَأمَّلْ</strong> في حُجَيراتِ جِسمِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَوعِيةِ الدَّمِ، وفي الكُرَيّاتِ السّابِحةِ في الدَّمِ، وفي ذَرّاتِ تلك الكُرَيّاتِ، تَجِدْ مِنَ المُوازَنةِ الخارِقةِ البَدِيعةِ ما يُثبِتُ لك إِثباتًا قاطِعًا أنَّه لا تَحصُلُ هذه المُوازَنةُ الرّائِعةُ ولا إِدارَتُها الشّامِلةُ، ولا تَربِيَتُها الحَكِيمةُ إلّا بمِيزانٍ حَسّاسٍ وبقانُونٍ نافِذٍ وبنِظامٍ صارِمٍ لِلخالِقِ الواحِدِ الأَحَدِ &#8220;<strong>العَدْلِ الحَكِيمِ</strong>&#8221; الَّذي بِيَدِه ناصِيةُ كلِّ شَيءٍ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، لا يُحجَبُ عنه شَيءٌ ولا يَعزُبُ، ويُدِيرُ كلَّ شَيءٍ بسُهُولةِ إِدارةِ شَيءٍ واحِدٍ.</p>
<p>إنَّ الَّذي لا يَعتَقِدُ أنَّ أَعمالَ الجِنِّ والإِنسِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ تُوزَنُ بمِيزانِ العَدلِ الإِلٰهِيِّ، ويَستَغرِبُ تلك المُوازَنةَ ويَستَبعِدُها ولا يُؤمِنُ بها، أَقُولُ: لو تَمَكَّن أن يَتَأمَّلَ فيما هو ظاهِرٌ مُشاهَدٌ مِن أَنواعِ المُوازَنةِ الكُبرَى أَمامَه في هذه الدُّنيا لَزالَ استِبعادُه واستِنكارُه حَتْمًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الاقتصاد والظهر والعدل ضرورية للوجود]</h3>
<p>أيُّها الإِنسانُ المُسرِفُ الظّالِمُ الوَسِخُ!! اِعْلَمْ، أنَّ &#8220;<strong>الِاقتِصادَ والطُّهرَ والعَدالةَ</strong>&#8221; سُنَنٌ إِلٰهِيّةٌ جارِيةٌ في الكَونِ، ودَساتِيرُ إِلٰهِيّةٌ شامِلةٌ تَدُورُ رَحَى المَوجُوداتِ علَيْها، لا يُفلِتُ مِنها شَيءٌ إلّا أنت أيُّها الشَّقِيُّ، وأنت بمُخالَفَتِك المَوجُوداتِ كُلَّها في سَيْرِها وَفقَ هذه السُّنَنِ الشّامِلةِ تَلقَى النَّفْرةَ مِنها والغَضَبَ علَيْك وأنت تَستَحِقُّها.. فعَلامَ تَستَنِدُ حتَّى تُثِيرَ غَضَبَ المَوجُوداتِ كلِّها علَيْك، فتَقتَرِفُ الظُّلمَ والإِسرافَ، ولا تَكتَرِثُ لِلمُوازَنةِ والنَّظافةِ؟</p>
<p>نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ المُهَيمِنةَ في الكَونِ، والَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ &#8220;<strong>الحَكِيمِ</strong>&#8221; إنَّما تَدُورُ حَولَ مِحْوَرِ الِاقتِصادِ وعَدَمِ الإِسرافِ، فتَأمُرُ بالِاقتِصادِ.</p>
<p>وإنَّ العَدالةَ العامّةَ الجارِيةَ في الكَونِ النّابِعةَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>العَدْلِ</strong>&#8221; إنَّما تُدِيرُ مُوازَنةَ عُمُومِ الأَشياءِ، وتَأمُرُ البَشَرِيّةَ بإِقامةِ العَدْلِ؛ وإنَّ ذِكرَ المِيزانِ أَربَعَ مَرّاتٍ في سُورةِ الرَّحمٰنِ إِشارةٌ إلى أَربَعةِ أَنواعٍ مِنَ المَوازِينِ في أَربَعِ مَراتِبَ، وبَيانٌ لِأَهَمِّيّةِ المِيزانِ البالِغةِ ولِقِيمَتِه العُظمَى في الكَونِ، وذلك في قَولِه تَعالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.</p>
<p>نعم، فكما <strong>لا إِسرافَ في شَيءٍ</strong>، <strong>فلا ظُلمَ كَذلِك ظُلمًا حَقِيقيًّا في شَيءٍ</strong>، <strong>ولا بَخْسَ في المِيزانِ قَطُّ</strong>.</p>
<p>وإنَّ التَّطهِيرَ والطُّهرَ الصّادِرَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8221; يَعرِضُ المَوجُوداتِ بأَبهَى صُورَتِها وأَبدَعِ زِينَتِها، فلا تَرَى ثَمّةَ قَذارةً في مَوجُودٍ، ولا تَجِدُ قُبحًا أَصِيلًا في شَيءٍ ما لم تَمَسَّه يَدُ البَشَرِ الوَسِخةُ.</p>
<p>فاعْلَمْ مِن هذا أنَّ &#8220;<strong>العَدالةَ والِاقتِصادَ والطُّهرَ</strong>&#8221; الَّتي هي مِن حَقائِقِ القُرآنِ ودَساتيرِ الإِسلامِ، <strong>ما أَشَدَّها إِيغالًا في أَعماقِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ! وما أَشَدَّها عَراقةً وأَصالةً</strong>! وأَدْرِكْ مِن هذا <strong>مَدَى قُوّةِ ارتِباطِ أَحكامِ القُرآنِ بالكَونِ</strong>، وكَيفَ أنَّها مَدَّت جُذُورًا عَمِيقةً في أَغوارِ الكَونِ، فأَحاطَتْه بعُرًى وَثِيقةٍ لا انفِصامَ لها، ثمَّ افْهَمْ مِنها أنَّ إِفسادَ تلك الحَقائِقِ مُمتَنِعٌ كامتِناعِ إِفسادِ نِظامِ الكَونِ والإِخلالِ به وتَشوِيهِ صُورَتِه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الاقتصاد والطهر والعدل تستلزم الآخرةَ]</h3>
<p>ومِثلَما تَستَلزِمُ هذه الحَقائِقُ المُحِيطةُ بالكَونِ، وهذه الأَنوارُ العَظِيمةُ الثَّلاثةُ &#8220;<strong>العَدالةُ والِاقتِصادُ والطُّهرُ</strong>&#8221; الحَشرَ والآخِرةَ، فإنَّ حَقائِقَ مُحِيطةً معَها: كالرَّحْمةِ والعِنايةِ والحِفظِ، وأَمثالَها مِن مِئاتِ الحَقائِقِ المُحِيطةِ والأَنوارِ العَظِيمةِ تَستَلزِمُ الحَشرَ وتَقتَضِي الحَياةَ الآخِرةَ، إذ <strong>هل يُمكِنُ أن تَنقَلِبَ مِثلُ هذه الحَقائِقِ المُهَيمِنةِ على المَوجُوداتِ والمُحِيطةِ بالكَونِ إلى أَضدادِها</strong> بعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ وبعَدَمِ إِقامةِ الآخِرةِ؟! أي إن تَنقَلِبَ الرَّحْمةُ إلى ضِدِّها وهو الظُّلمُ، وتَنقَلِبَ الحِكمةُ والِاقتِصادُ إلى ضِدِّهِما وهو فِقدانُ الحِكمةِ والإِسرافُ، ويَنقَلِبَ الطُّهرُ إلى ضِدِّه وهو العَبَثُ والفَسادُ. حاشَ للهِ!</p>
<p>إنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ، والحِكمةَ الرَّبّانيّةَ اللَّتَينِ تُحافِظانِ على حَقِّ حَياةِ بَعُوضةٍ ضَعِيفةٍ مُحافَظةً تَتَّسِمُ بالرَّحْمةِ الواسِعةِ، لا يُمكِنُ أن تُضَيِّعا -بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ- حُقُوقَ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ غَيرِ المَحدُودِينَ وتَهضِما حُقُوقًا غَيرَ مُتَناهِيةٍ لِمَوجُوداتٍ غَيرِ مَحصُورةٍ.. وإنَّ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ الَّتي تُظهِرُ دِقّةً مُتَناهِيةً وحَساسِيّةً فائِقةً -إذا جازَ التَّعبِيرُ- في الرَّحْمةِ والشَّفَقةِ والعَدالةِ والحِكمةِ، وكذا الأُلُوهِيّةُ الباسِطةُ سُلْطانَها على الوُجُودِ كُلِّه، والَّتي تُرِيدُ إِظهارَ كَمالاتِها وتَعرِيفَ نَفسِها وتَحبِيبَها بتَزيِيناتِها الكائِناتِ ببَدائِعِ صَنائِعِها وبِما أَسبَغَت علَيْها مِن نِعَمٍ، هل يُمكِنُ أن تَسمَحَ -هذه الرُّبُوبيّةُ العَظِيمةُ والأُلُوهِيّةُ الجَلِيلةُ- بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ الَّذي يُسَبِّبُ الحَطَّ مِن قِيمةِ جَمِيعِ كَمالاتِها ومِن قِيمةِ مَخلُوقاتِها قاطِبةً؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا! فمِثلُ هذا الجَمالِ المُطلَقِ لا يَرضَى -بالبَداهةِ- بمِثلِ هذا القُبحِ المُطلَقِ.</p>
<p>فالَّذي يُرِيدُ أن يُنكِرَ الآخِرةَ علَيْه أن يُنكِرَ وُجُودَ هذا الكَونِ أَوَّلًا بجَمِيعِ ما فيه مِن حَقائِقَ، وإلّا فالكائِناتُ معَ حَقائِقِها المُتَأَصِّلةِ فيها تُكَذِّبُه بأُلُوفٍ مِنَ الأَلسِنةِ، وتُثبِتُ له أنَّه الكَذّابُ الأَشِرُ.. وقد أَثبَتَت &#8220;رِسالةُ الحَشرِ&#8221; بدَلائِلَ قاطِعةٍ أنَّ وُجُودَ الآخِرةِ ثابِتٌ وقاطِعٌ لا رَيبَ فيه كوُجُودِ هذه الدُّنيا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الثالثة: حول اسم &#8220;الحَكَم&#8221;]</h2>
<p><strong>النُّـكتة الثالثة</strong><strong>‌</strong> التي تُشير إلى النور الثالث من الأنوار السِّتّة للِاسم الأعظم:‌</p>
<p style="text-align: center;">﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾</p>
<p>لقد تَراءَت لي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقِيقةِ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ &#8220;<strong>الحَكَمِ</strong>&#8221; الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو أَحَدُ أَنوارِه، في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، فكُتِبَت هذه النُّكتةُ المُشتَمِلةُ على خَمسِ نِقاطٍ على عَجَلٍ، فأَثبَتُّها على حالِها في المُسَوَّدةِ دُونَ تَنقِيحٍ أو تَغيِيرٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الأولى: كتاب الكون قرآن منظور]</h3>
<p><strong>النُّقطة الأولى للنُّكتة الثالثة:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>مِثلَما ذُكِرَ في &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ &#8220;<strong>الحَكَمِ</strong>&#8221; جَعَل هذا <strong>الكَونَ</strong> بمَثابةِ <strong>كِتابٍ</strong> عَظِيمٍ، كُتِبَت في كلِّ <strong>صَحِيفةٍ</strong> مِن صَحائِفِه مِئاتُ <strong>الكُتُبِ</strong>، وأُدرِجَت في كلِّ <strong>سَطرٍ</strong> مِنه مِئاتُ <strong>الصَّفَحاتِ</strong>، وخُطَّت في كلِّ <strong>كَلِمةٍ</strong> مِنه مِئاتُ <strong>الأَسطُرِ</strong>، وتُقرَأُ تَحتَ كلِّ <strong>حَرفٍ</strong> فيه مِئاتُ <strong>الكَلِماتِ</strong>، وحُفِظَ في كلِّ <strong>نُقطةٍ</strong> مِن نِقاطِه <strong>فِهْرِسٌ</strong> مُختَصَرٌ صَغِيرٌ يُلَخِّصُ مُحتَوَياتِ الكِتابِ كُلِّه.</p>
<p>فهذا الكِتابُ بصَحائِفِه وأَسطُرِه بل بنِقاطِه يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً ساطِعةً -بمِئاتِ الأَوجُهِ- على مُصَوِّرِه وكاتِبِه؛ حتَّى إنَّ مُشاهَدةَ الكِتابِ الكَونِيِّ العَظِيمِ هذا وَحْدَها كافِيةٌ لِلدَّلالةِ على وُجُودِ كاتِبِه، بل تَسُوقُنا إلى مَعرِفةِ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه بما يَفُوقُ دَلالةَ الكِتابِ على نَفسِه أَضعافًا مُضاعَفةً، إذ بَينَما يَدُلُّ حَرفٌ على وُجُودِه ويُعَبِّرُ عن نَفسِه بمِقدارِ حَرفٍ، فإنَّه يُعَبِّرُ عن أَوْصافِ كاتِبِه بمِقدارِ سَطرٍ.</p>
<p>نعم، إنَّ سَطْحَ الأَرضِ &#8220;<strong>صَحِيفةٌ</strong>&#8221; مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، هذه الصَّحِيفةُ تَضُمُّ كُتُبًا بعَدَدِ طَوائِفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَنظارِنا في مَوسِمِ الرَّبِيعِ في غايةِ الكَمالِ والإِتقانِ، مِن دُونِ خَطَأٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، في آنٍ واحِدٍ.</p>
<p>والبُستانُ &#8220;<strong>سَطْرٌ</strong>&#8221; مِن هذه الصَّحِيفةِ، نُشاهِدُ فيه قَصائِدَ مَنظُومةً بعَدَدِ الأَزهارِ والأَشجارِ والنَّباتاتِ وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَعيُنِنا كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، مِن دُونِ خَطَأٍ.</p>
<p>والشَّجَرةُ النّامِيةُ الزّاهِيةُ أَوْراقُها، المُفَتَّحةُ أَزهارُها، وقد أَوْشَكَت أن تَخرُجَ أَثمارُها مِن أَكمامِها، هذه الشَّجَرةُ &#8220;<strong>كَلِمةٌ</strong>&#8221; مِن ذلك السَّطرِ، فهذه الكَلِمةُ تُمَثِّلُ فِقْرةً كامِلةً ذاتَ مَغزًى تُعَبِّرُ تَعبِيرًا بَلِيغًا عن ثَنائِها وحَمْدِها ودَلالَتِها على &#8220;<strong>الحَكَمِ</strong>&#8221; ذِي الجَلالِ، بعَدَدِ أَوْراقِها المُنتَظِمةِ وأَزهارِها المُزَيَّنةِ وأَثمارِها المَوزُونةِ، حتَّى لَكَأنَّ تلك الشَّجَرةَ المُفَتَّحةَ الأَزهارِ قَصِيدةٌ عَصْماءُ تَتَغنَّى بالمَدحِ والثَّناءِ على آلاءِ بارِئِها المُصَوِّرِ الجَلِيلِ.</p>
<p>وكأنَّ &#8220;<strong>الحَكمَ</strong>&#8221; ذا الجَلالِ يُرِيدُ أن يَنظُرَ إلى ما عَرَضَه مِن بَدائِعِ آثارِه وعَجائِبِ مَخلُوقاتِه في مَعرِضِ الأَرضِ البَدِيع بأُلُوفٍ مِنَ العُيُونِ؛ وكَأنَّ تلك الهَدايا الثَّمِينةَ والأَوْسِمةَ الغالِيةَ والشّاراتِ اللَّطِيفةَ الَّتي مَنَحَها اللهُ تَعالَى لتلك الشَّجَرةِ قد أَعطَتْها مِنَ الشَّكلِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، والهَيْئةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ، والإِبانةِ الحَكِيمةِ البَلِيغةِ ما يُهَيِّئُها لِلعَرضِ أَمامَ أَنظارِ المَلِكِ العَظِيمِ في الرَّبِيعِ الَّذي هو عِيدُها الخاصُّ وعَرْضُها العامُّ.. فتَنطِقُ بالشَّهادةِ على وُجُودِ البارِئِ المُصَوِّرِ والدَّلالةِ على أَسمائِه الحُسنَى أَلسِنةٌ عَدِيدةٌ ووُجُوهٌ كَثِيرةٌ مُتَداخِلةٌ، مِن كلِّ زَهرةٍ مِن أَزهارِ الشَّجَرةِ، ومِن كلِّ ثَمَرةٍ مِن ثِمارِها.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنَّ في كلِّ زَهرةٍ وثَمَرةٍ مِيزانٌ دَقِيقٌ، وذلك المِيزانُ مُقَدَّرٌ وَفقَ تَناسُقٍ بَدِيعٍ، وذلك التَّناسُقُ يَسِيرُ مُنسَجِمًا معَ تَنظِيمٍ ومُوازَنةٍ يَتَجدَّدانِ، وذلك التَّنظِيمُ والمُوازَنةُ يَجرِيانِ في ثَنايا زِينةٍ فاخِرةٍ وصَنْعةٍ مُتقَنةٍ، وتلك الزِّينةُ والإِتقانُ يَظهَرانِ برَوائِحَ ذاتِ مَغزًى وبمَذاقاتٍ ذاتِ حِكْمةٍ.. وهكَذا تُشِيرُ كلُّ زَهرةٍ إلى الحَكَمِ ذِي الجَلالِ إِشاراتٍ، وتَدُلُّ علَيْه دَلالاتٍ، بعَدَدِ أَزهارِ تلك الشَّجَرةِ.</p>
<p><strong>والشَّجَرةُ</strong> الَّتي هي بمَثابةِ <strong>كَلِمةٍ</strong>، <strong>وثِمارُها</strong> الَّتي هي بحُكمِ <strong>حُرُوفِ</strong> تلك الكَلِمةِ، <strong>وبُذُورُ</strong> الثَّمَرِ كأنَّها <strong>نِقاطُ</strong> تلك <strong>الحُرُوفِ</strong> الَّتي تَضُمُّ <strong>فِهرِسَ</strong> الشَّجَرةِ كامِلًا وتَحمِلُ خُطّةَ أَعمالِها.. هذه الشَّجَرةُ إذا أَخَذْناها مِثالًا وقِسْنا علَيْها <strong>كِتابَ الكَونِ</strong> الكَبِيرِ، نَرَى <strong>سُطُورَه</strong> <strong>وصَحائِفَه</strong> قد صارَت بتَجَلِّي أَنوارِ اسمِ &#8220;<strong>الحَكِيم الحَكَمِ</strong>&#8221; مُعجِزةً باهِرةً، بل غَدَت كلُّ <strong>صَحِيفةٍ</strong> مِنه، وكلُّ <strong>سَطرٍ</strong> مِنه، وكلُّ <strong>كَلِمةٍ</strong>، وكلُّ <strong>حَرفٍ</strong>، وكلُّ <strong>نُقطةٍ</strong>، مُعجِزةٌ تَبلُغُ مِنَ العَظَمةِ ما لوِ اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كلُّها على أن تَأتِيَ بمِثلِ تلك <strong>النُّقطةِ</strong> -أي: <strong>البِذرةِ</strong>&#8211; أو بنَظِيرِها لا تَأتِي بمِثلِها، بل تَعجِزُ الأَسبابُ جَمِيعُها عَجْزًا مُطلَقًا عن مُعارَضَتِها.</p>
<p>نعم، إنَّ كلَّ <strong>آيةٍ كَونيّةٍ</strong> مِن آياتِ <strong>قُرآنِ الكَونِ</strong> العَظِيمِ المَنظُورِ تَعرِضُ لِلأَنظارِ مُعجِزاتٍ نَيِّراتٍ هي بعَدَدِ نِقاطِها وحُرُوفِها، فلا جَرَمَ أنَّ المُصادَفةَ العَشواءَ والقُوّةَ العَمْياءَ، والطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ البَلْهاءَ الَّتي لا هَدَفَ لها ولا مِيزانَ، لا يُمكِنُها أن تَتَدخَّلَ -في أيّةِ جِهةٍ كانَت- في هذا المِيزانِ المُتقَنِ الخاصِّ، وفي هذا الِانتِظامِ الدَّقِيقِ البَدِيعِ المُتَّسِمَينِ بالحِكمةِ والبَصِيرةِ؛ فلَوِ افتُرِضَ تَدَخُّلُها -جَدَلًا- لَظَهَر أَثَرُ التَّدخُّلِ، بَينَما لا يُشاهَدُ في أيِّ مَكانٍ تَفاوُتٌ ولا خَللٌ قَطُّ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الثانية: مسألتان]</h3>
<p>النُّقطة الثانية للنُّـكتة الثالثة: وهِي مَسأَلتانِ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الأولى: صاحب الجمال والكمال يتودد ويتعرف إليك]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الأُولَى</strong>: مِثلَما وُضِّحَ في &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; أنَّه مِنَ القَواعِدِ الأَساسِيّةِ الرَّصِينةِ: أنَّ <strong>الجَمالَ</strong> الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ جَمالَه، وأنَّ <strong>الكَمالَ</strong> الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ كَمالَه؛ فبِناءً على هذا الدُّستُورِ العامِّ فإنَّ <strong>البارِئَ المُصَوِّرَ</strong> سُبحانَه الَّذي أَبدَع كِتابَ الكَونِ العَظِيمِ هذا <strong>يُعرِّفُ جَمالَ كَمالِه وكَمالَ جَمالِه ويُحَبِّبُه بأَلسِنةِ مَخلُوقاتِه</strong> -ابتِداءً مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَرِ كُلِّيٍّ- فيُعرِّفُ سُبحانَه ذاتَه المُقدَّسةَ، ويُفهِّمُ كَمالَه السّامِيَ، ويُظهِرُ جَمالَه البَدِيعَ: بهذا الكَونِ الرّائِعِ، وبكُلِّ صَحِيفةٍ فيه، وبكُلِّ سَطرٍ فيه، وبكُلِّ كَلِمةٍ فيه، بل حتَّى بكُلِّ حَرفٍ وبكُلِّ نُقطةٍ مِن كِتابِه العَظِيمِ هذا.</p>
<p>فيا أيُّها الغافِلُ، إنَّ هذا &#8220;<strong>الحَكِيمَ الحَكَمَ الحاكِمَ</strong>&#8221; ذا الجَلالِ والجَمالِ، إذ يُعرِّفُ نَفسَه لك ويُحَبِّبُها إلَيْك بكُلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه، وبهذه الصُّورةِ الرّائِعةِ وبهذه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الوَسائِلِ البَدِيعةِ، <strong>إن لم تُقابِل تَعرِيفَه هذا بالإِيمانِ به ولم تَعرِفه</strong>، <strong>وإن لم تُقابِل تَحبِيبَه هذا بالعِبادةِ له ولم تُحَبِّب نَفسَك إلَيْه</strong>، فما أَعظَمَ جَهْلَك إِذًا، وما أَفدَحَ خَسارَتَك!. اِحذَرْ!. اِنتَبِهْ!.. وأَفِقْ مِن غَفلَتِك!</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الثانية: لا مجال للشِّرك في هذا الوجود]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الثَّانيةُ</strong>: إنَّه لا مَكانَ لِلشِّركِ قَطُّ في هذا الكَونِ الشّاسِعِ العَظِيمِ الَّذي أَبدَعَه الصّانِعُ القَدِيرُ الحَكِيمُ بقُدرَتِه وحِكمَتِه، لِأنَّ <strong>وُجُودَ مُنتَهَى النِّظامِ في كلِّ شَيءٍ لن يَسمَحَ بالشِّركِ أَبدًا</strong>، فلو تَدَخَّلَت أَيدٍ مُتَعدِّدةٌ في خَلقِ شَيءٍ ما لَبَانَ التَّفاوُتُ والِاختِلالُ في ذلك الشَّيءِ، مِثلَما تَختَلِطُ الأُمُورُ إذا ما وُجِدَ سُلطانانِ في بلَدٍ، ومَسؤُولانِ في مَدِينةٍ، ومُدِيرانِ في قَصَبةٍ، ومِثلَما يَرفُضُ أَبسَطُ مُوَظَّفٍ تَدَخُّلَ أَحَدٍ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِه الَّتي تَخُصُّ وَظِيفَتَه.</p>
<p>كلُّ ذلك دَلالةٌ على أنَّ <strong>الخاصّةَ الأَساسِيّةَ لِلحاكِمِيّةِ إنَّما هي: &#8220;الِاستِقلالُ&#8221; و&#8221;الِانفِرادُ&#8221;،</strong> <strong>فالِانتِظامُ يَقتَضِي الوَحْدةَ كما أنَّ الحاكِمِيّةَ تَقتَضِي الِانفِرادَ</strong>؛ فإذا كانَ ظِلٌّ باهِتٌ زائِلٌ لِلحاكِمِيّةِ لَدَى هذا الإِنسانِ العاجِزِ المُحتاجِ إِلى العَونِ يَرُدُّ المُداخَلةَ بقُوّةٍ، فكيف بالحاكِمِيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي هي في مَرتَبةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ لَدَى القَدِيرِ المُطلَقِ سُبحانَه؟ ألا تَرُدُّ الشِّركَ وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا؟</p>
<p>فلوِ افتُرِضَ التَّدخُّلُ -ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ- لَاختَلَطَ الِانتِظامُ والتَّناسُقُ واختَلَّ النِّظامُ والمِيزانُ! معَ العِلمِ أنَّ هذا الكَونَ قد أُبدِعَ إِبداعًا رائِعًا إلى حَدٍّ يَلزَمُ لِخَلقِ بِذرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ على خَلقِ شَجَرةٍ كامِلةٍ، ويَلزَمُ لِخَلقِ شَجَرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ لِإبداعِ الكَونِ كُلِّه؛ وإذا ما افتُرِضَ وُجُودُ شَرِيكٍ في الكَونِ كُلِّه وَجَب أن يُظهِرَ نَصِيبَهُ في التَّدخُّلِ لِخَلقِ أَصغَرِ بِذرةٍ أيضًا، إذِ البِذرةُ نَمُوذَجُ الكائِناتِ، وعِندَئِذٍ يَلزَمُ استِقرارُ رُبُوبيَّتَينِ -لا يَسَعُهُما الكَونُ العَظِيمُ- في بِذرةٍ صَغِيرةٍ، بل في ذَرّةٍ!! وهذا مِن أَسخَفِ المُحالاتِ والخَيالاتِ الباطِلةِ وأَبعَدِها عنِ المَنطِقِ والعَقلِ.</p>
<p>فاعْلَمْ مِن هذا ما أَتفَهَ الشِّركَ والكُفرَ مِن خُرافةٍ! وما أَكذَبَهُما مِن كَلِمةٍ! وما أَفظَعَهُما مِنِ افتِراءٍ! إذ يَقتَضِيانِ عَجْزَ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يُمسِكُ السَّماواتِ والأَرضَ أن تَزُولا، والَّذي بِيَدِه مَقاليدُ السَّماواتِ والأَرضِ يُدِيرُهُما بمِيزانِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه.. يَقتَضِيانِ عَجْزَه سُبحانَه حتَّى في بِذرةٍ صَغِيرةٍ!!</p>
<p>واعْلَمْ! ما أَصوَبَ التَّوحِيدَ مِن حَقٍّ وحَقِيقةٍ! وما أَعدَلَه مِن صِدقٍ وصَوابٍ! أَدْرِكْ هذا وذاك وقُلِ: الحَمدُ للهِ على الإِيمانِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الثالثة: كل العلوم تُعرِّف بـ&#8221;الحَكَم&#8221;]</h3>
<p><strong>النُّقطةُ الثَّالثةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[الحكمة مندرجةٌ في كل موجود]</h4>
<p>إنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه &#8220;الحَكَمِ والحَكِيمِ&#8221; <strong>قد أَدرَجَ في هذا العالَمِ أُلُوفَ العَوالِمِ</strong> المُنتَظِمةِ البَدِيعةِ، وبَوَّأ <strong>الإِنسانَ</strong> -الَّذي هو أَكثَرُ مَن يُمَثِّلُ الحِكَمَ المَقصُودةَ في الكَونِ وأَفضَلُ مَن يُظهِرُها- مَوقِعَ الصَّدارةِ، وجَعَلَه بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها؛ إذ يَتَطلَّعُ أَهَمُّ ما فيها مِن حِكَمٍ ومَصالِحَ إلى الإِنسانِ.. وجَعَل الرِّزقَ بمَثابةِ المَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ، فتَجِدُ أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ والغاياتِ وأَغلَبَ المَصالِحِ والفَوائِدِ -ضِمنَ عالَمِ الإِنسانِ- تَتَوجَّهُ إلى ذلك الرِّزقِ وتَتَّضِحُ به، لِذا فإنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الحَكِيمِ&#8221; تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها مِن خِلالِ مَشاعِرِ الإِنسانِ، والذَّوقِ في الرِّزقِ، حتَّى غَدا كلُّ عِلمٍ -مِن مِئاتِ العُلُومِ الَّتي تَوَصَّل الإِنسانُ إلى كَشْفِها بما يَملِكُ مِن شُعُورٍ- يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الحَكَمِ&#8221; في نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ.</p>
<p>فمَثلًا: لو سُئِلَ عِلمُ <strong>الطِّبِّ</strong>: ما هذه الكائِناتُ؟ لَأَجابَ بأنَّها صَيدَليّةٌ كُبْرَى أُحضِرَت فيها بإِتقانٍ جَمِيعُ الأَدوِيةِ وادُّخِرَت.</p>
<p>وإذا ما سُئِل عِلمُ <strong>الكِيمياءِ</strong>: ما هذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ؟ لَأَجابَ بأنَّها مُختَـبَـرُ كِيمياءٍ مُنتَظِمٌ بَدِيعٌ كامِلٌ.</p>
<p>على حِينِ يُجِيبُ عِلمُ <strong>المَكائِنِ</strong>: بأنَّها مَعمَلٌ مُنسَّقٌ كامِلٌ لا تَرَى فيه نَقصًا.</p>
<p>كما يُجِيبُ عِلمُ <strong>الزِّراعةِ</strong>: بأنَّها حَدِيقةٌ غَنَّاءُ ومَزرَعةٌ مِعطاءُ، تُستَنبَتُ فيها أَنواعُ المَحاصِيلِ، كلٌّ في أَوانِه.</p>
<p>ولَأَجابَ عِلمُ <strong>التِّجارةِ</strong>: بأنَّها مَعرِضٌ تِجارِيٌّ فَخمٌ، وسُوقٌ في غايةِ الرَّوعةِ والنِّظامِ، ومَحَلٌّ تِجارِيٌّ يَحوِي أَنفَسَ البَضائِعِ المَصنُوعةِ وأَجوَدَها.</p>
<p>ولَأَجابَ عِلمُ <strong>الإِعاشةِ</strong>: بأنَّها مُستَودَعٌ ضَخمٌ يَضُمُّ الأَرزاقَ كُلَّها بأَنواعِها وأَصنافِها.</p>
<p>ولَأَجابَ عِلمُ <strong>التَّغذِيةِ</strong>: بأنَّها مَطبَخٌ رَبّانِيٌّ وقِدْرٌ رَحمانِيٌّ تُطبَخُ فيه مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَطعِمةِ الشَّهِيّةِ اللَّذِيذةِ جَنبًا إلى جَنبٍ بنِظامٍ في غايةِ الإِتقانِ والكَمالِ.</p>
<p>ولو سُئِلَ عِلمُ <strong>العَسكَرِيّةِ</strong> عنِ الأَرضِ لَأَجابَ: بأنَّها مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ يُساقُ إلَيْه في كلِّ رَبِيعٍ جُنُودٌ مُسَلَّحُون جُدُدٌ يُؤَلِّفُون أُمَمًا مُختَلِفةً مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ يَبلُغُ تَعدادُها أَكثَرَ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفِ أُمّةٍ، فتُنصَبُ خِيَمُهُم في أَرجاءِ سَطحِ الأَرضِ.. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ أَرزاقَ كلِّ أُمّةٍ تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى، ومَلابِسَها مُتَغايِرةٌ وأَسلِحَتَها مُتَبايِنةٌ، وتَعلِيماتِها مُختَلِفةٌ، ورُخَصَها مُتَفاوِتةٌ، إلّا أنَّ أُمُورَ الجَمِيعِ تَسِيرُ بانتِظامٍ رائِعٍ، ولَوازِمَ الجَمِيعِ تُهَيَّأُ دُونَ نِسيانٍ ولا التِباسٍ، وذلك بأَمرٍ مِنَ اللهِ تعالى وبفَضلِ رَحمَتِه السّابِغةِ صادِرًا مِن خَزِينَتِه الواسِعةِ.</p>
<p>وإذا ما سُئِلَ عِلمُ <strong>الكَهرَباءِ</strong> لَأَجابَ: بأنَّ سَقفَ قَصرِ الكَونِ البَدِيعِ هذا قد زُيِّن بمَصابِيحَ مُتَلألِئةٍ لا حَدَّ لِكَثرَتِها ولا مُنتَهَى لِرَوعَتِها وتَناسُقِها، حتَّى إنَّ النِّظامَ البَدِيعَ والتَّناسُقَ الرّائِعَ الَّذي فيها يَحُولانِ دُونَ انفِجارِ تلك المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَوهِّجةِ دَوْمًا -وهِي تَكبُرُ الأَرضَ أَلفَ مَرّةٍ وفي مُقدِّمَتِها الشَّمسُ- ودُونَ انتِقاصِ تَوازُنِها أو نُشُوبِ حَرِيقٍ فيما بَينَها..</p>
<p>تُرَى! مِن أيِّ مَصدَرٍ تُغَذَّى تلك المَصابِيحُ ذاتُ الِاستِهلاكِ غَيرِ المَحدُودِ ولِمَ لا يَنفَدُ وَقُودُها؟! ولِمَ لا يَختَلُّ تَوازُنُ الِاحتِراقِ؟ عِلمًا أنَّ مِصباحًا زَيتِيًّا صَغِيرًا إن لم يُراعَ ويُعتَنَ به باستِمرارٍ يَنطَفِئْ نُورُه ويَخْبُ.. فسُبحانَه مِن قَدِيرٍ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ! كيف يُوقِدُ الشَّمسَ الَّتي هي أَضخَمُ مِنَ الأَرضِ بمِليُونِ مَرّةٍ ومَضَى على عُمُرِها أَكثَرُ مِن مِليُونِ سَنةٍ -حَسَبَ ما تَوَصَّل إلَيْه عِلمُ الفَلَكِ- دُونَ أن تَنطَفِئَ ومِن دُونِ وَقُودٍ أو زَيتٍ!!<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>
<p>تَأمَّلْ في هذا وسَبِّح بِاسمِ ربِّك العَظِيمِ وقُل: &#8220;ما شاءَ اللهُ، تَبارَك اللهُ، لا إِلٰهَ إلّا اللهُ&#8221;.. قُلْها بعَدَدِ عاشِراتِ الدَّقائِقِ الَّتي مَرَّت على عُمُرِ الشَّمسِ.. فلا شَكَّ أنَّ نِظامًا بَدِيعًا صارِمًا هو الَّذي يُهَيمِنُ على هذه المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَلألِئةِ، ولا بُدَّ أنَّ رِعايَتَها ومُراقبَتَها دَقِيقةٌ، حتَّى كأنَّ مَصدَرَ الحَرارةِ والمِرجَلَ البُخارِيَّ لِتلك الكُتَلِ النّارِيّةِ الَّتي هي في مُنتَهَى الضَّخامةِ وفي غايةِ الكَثْرةِ، إنَّما هي جَهَنَّمُ لا تَنفَدُ حَرارَتُها، وتُرسِلُها إلى الكُلِّ مُظلِمةً قاتِمةً بلا نُورٍ.. وكأنَّ ماكِينةَ تلك المَصابِيحِ المُنَوَّرةِ والقَنادِيلِ المُضِيئةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى هي جَنّةٌ دائِمةٌ تَمنَحُها النُّورَ والضِّياءَ، فيَستَمِرُّ اشتِعالُها المُنتَظِمُ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;الحَكَمِ والحَكِيمِ&#8221;.</p>
<p>وهكذا قِياسًا على هذه الأَمثِلةِ، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِن مِئاتِ العُلُومِ يَشهَدُ قَطعًا أنَّ هذا الكَونَ قد زُيِّن بحِكَمٍ ومَصالِحَ شَتَّى ضِمنَ انتِظامٍ كامِلٍ لا نَقصَ فيه، وأنَّ تلك الأَنظِمةَ البَدِيعةَ والحِكَمَ السّامِيةَ النّابِعةَ مِن تلك الحِكمةِ المُعجِزةِ المُحِيطةِ بالكَونِ قد أُدرِجَت بمِقياسٍ أَصغَرَ، حتَّى في أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَصغَرِ بِذْرةٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الحكمةُ دالّةٌ على الحكيم]</h4>
<p>ومِنَ المَعلُومِ بَداهةً أنَّ تَتبُّعَ الغاياتِ وإِردافَ الحِكَمِ والفَوائِدِ بانتِظامٍ، لا يَحصُلُ إلّا بالإِرادةِ والِاختِيارِ والقَصدِ والمَشِيئةِ، وإلّا فلا؛ فكما أنَّ هذا العَمَلَ البَدِيعَ ليس هو مِن شَأنِ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ -اللَّتَينِ لا تَملِكانِ إِرادةً ولا اختِيارًا ولا قَصْدًا ولا شُعُورًا- فلن يكُونَ لَهُما تَدَخُّلٌ فيه كَذلِك؛ لِذا فما أَجهَلَ مَن لا يَعرِفُ أو لا يُؤمِنُ بالفاعِلِ المُختارِ وبالصّانِعِ الحَكِيمِ الَّذي تَدُلُّ علَيْه هذه الأَنظِمةُ البَدِيعةُ والحِكَمُ الرَّفيعةُ الَّتي لا حَدَّ لها وهِي مَبثُوثةٌ في مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً.</p>
<h4 style="text-align: center;">[نفي الوجود أسهل من نفي الخالق]</h4>
<p>نعم، إنْ كانَ هناك شَيءٌ يُستَغرَبُ مِنه ويُثيرُ عِندَ الإِنسانِ العَجَبَ في هذه الدُّنيا، فإنَّما هو: إِنكارُ وُجُودِه سُبحانَه، لِأنَّ الِانتِظامَ بأَنواعِه البَدِيعةِ الَّتي لا تُعَدُّ، والحِكَمَ بأَشكالِها السّامِيةِ الَّتي لا تُحصَى، والمُندَرِجةَ في كلِّ مَوجُودٍ في الكَونِ، شَواهِدُ صادِقةٌ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه.. فبُعدًا لِعَمًى ما بَعدَه عَمًى! وسُحقًا لِجَهلٍ ما بَعدَه جَهلٌ لِمَن لا يَرَى هذا الرَّبَّ الحَكِيمَ سُبحانَه! حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّ السُّوفْسَطائيِّينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ حَمْقَى لِإنكارِهِم وُجُودَ الكَونِ، هم أَعقَلُ أَهلِ الكُفرِ، لِأنَّ الِاعتِقادَ بوُجُودِ الكَونِ ومِن بَعدِه إِنكارَ خالِقِه -وهُو اللهُ سُبحانَه- غَيرُ مُمكِنٍ قَطعًا، ولا يُقبَلُ أَصلًا، لِذا بَدَؤُوا بإِنكارِ الكَونِ وأَنكَرُوا وُجُودَهُم أَيضًا، وقالُوا: لا شَيءَ مَوجُودٌ على الإِطلاقِ. فأَبطَلُوا عُقُولَهُم، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم باقتِرابِهِم شَيئًا إلى العَقلِ مِن مَتاهةِ الحَماقةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلمُنكِرِينَ الجاحِدِينَ الحَمقَى المُتَستِّرِينَ تَحتَ سِتارِ العَقلِ!</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الرابعة: الحكمة تستلزم الآخرة]</h3>
<p><strong>النُّقطةُ الرَّابعة:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>مِثلَما أُشِيرَ في &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; إلى أنَّه: إذا ما شَيَّد مِعمارِيٌّ بارِعٌ حَكِيمٌ قَصرًا مُنِيفًا، وأَوْدَع في كلِّ حَجَرٍ مِن أَحجارِه مِئاتِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والفَوائِدِ، فلا يَتَصوَّرُ مَن له شُعُورٌ ألّا يَبنِيَ له سَقفًا يَحفَظُه مِنَ البِلَى والفَسادِ، لِأنَّ هذا يَعنِي تَعرِيضَ البِناءِ لِلعَدَمِ والتَّلَفِ، وضَياعَ تلك الفَوائِدِ والحِكَمِ الَّتي كانَ يَرعاها ويَتَولّاها؛ وهذا ما لا يَرضَى به ذُو شُعُورٍ..</p>
<p>أو أنَّ حَكِيمًا مُطلَقًا يُنشِئُ مِن دِرهَمٍ مِنَ البُذُورِ مِئاتِ الأَطنانِ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ والغاياتِ، ويَتَعقَّبُها ويُدِيرُها، لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له عَقلٌ صُدُورَ العَبَثِ والإِسرافِ المُنافيَينِ كُلِّـيًّا لِلحِكمةِ المُطلَقةِ مِن ذلك الحَكِيمِ المُطلَقِ، بِأَن يُقَلِّدَ الشَّجَرةَ الضَّخمةَ فائِدةً جُزئيّةً وغايةً تافِهةً وثَمَرةً قَلِيلةً، عِلمًا أنَّه يُنفِقُ لِإنشائِها وإِثمارِها الكَثِيرَ!</p>
<p>نعم، فكما لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّر هذا أو ذاك عاقِلٌ قَطُّ، كَذلِك لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له مُسكةُ عَقلٍ أن يَصدُرَ مِنَ الصَّانِعِ الحَكِيمِ العَبَثُ والإِسرافُ بعَدَمِ إِتيانِ الآخِرةِ وبعَدَمِ إِقامَتِه الحَشرَ والقِيامةَ بعدَ أن قلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ في قَصرِ الكَونِ هذا مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه بمِئاتِ الوَظائِفِ -حتَّى إنَّه قلَّدَ كلَّ شَجَرةٍ حِكَمًا بعَدَدِ ثِمارِها ووَظائِفَ بعَدَدِ أَزهارِها- فلا يُمكِنُ أن يَتَوارَد على خاطِرِ عاقِلٍ أن يُضَيِّع هذا الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَمِيعَ هذه الحِكَمِ والمَقاصِدِ وجَمِيعَ هذه الوَظائِفِ بعَدَمِ إِقامَتِه القِيامةَ والآخِرةَ، إذ يَعنِي هذا إِسنادَ العَجزِ التّامِّ إلى قُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ، وتَنسِيبَ العَبَثِ والضَّياعِ إلى الحِكمةِ البالِغةِ لِلحَكِيمِ المُطلَقِ، وإِرجاعَ القُبحِ المُطلَقِ إلى جَمالِ رَحمةِ الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وإِسنادَ الظُّلمِ المُطلَقِ إلى العَدالةِ التّامّةِ لِلعادِلِ المُطلَقِ، أي: إِنكارَ كلٍّ مِنَ الحِكمةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ الظّاهِرةِ المُشاهَدةِ، إِنكارَها كُلِّـيًّا مِنَ الوُجُودِ! وهذا مِن أَعجَبِ المُحالاتِ وأَشَدِّها سُخفًا وأَكثَرِها بُطلانًا!</p>
<p>فلْيَأْتِ أَهلُ الضَّلالةِ، ولْيَنظُرُوا إلى ضَلالَتِهِم كيف أنَّها مُظلِمةٌ مَلِيئةٌ بالعَقارِبِ والحَيَّاتِ كقُبُورِهِمُ الَّتي سيَصِيرُونَ إلَيْها! ولْيُدرِكُوا أنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ بالآخِرةِ مُنوَّرٌ جَمِيلٌ كالجَنّةِ فلْيَسلُكُوه وليَنعَمُوا بالإِيمانِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الخامسة: مسألتان]</h3>
<p><strong>النُّقطةُ الخامسةُ</strong>: وهِي مَسأَلتانِ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الأولى: لا إسراف في الفطرة]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الأُولَى</strong>: إنَّ تَعَقُّبَ الصّانِعِ الجَلِيلِ -بمُقتَضَى اسمِ &#8220;الحَكِيمِ&#8221;- لِأَلطَفِ صُورةٍ في كلِّ شَيءٍ وأَقصَرِ طَرِيق، وأَسهَلِ طِرازٍ، وأَنفَعِ شَكلٍ.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ <strong>الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ</strong>، <strong>فما مِن شَيءٍ إلّا وفيه نَفعُه وجَدْواه</strong>، وأنَّ الإِسرافَ مِثلَما يُنافِي اسمَ &#8220;<strong>الحَكِيمِ</strong>&#8221; فالِاقتِصادُ لازِمُه ومُقتَضاه ودُستُورُه الأَساسُ.</p>
<p>فيا أيُّها المُسرِفُ المُبَذِّرُ، اِعلَمْ مَدَى مُجانَبَتِك الحَقِيقةَ بقُعُودِك عن تَطبِيقِ أَعظَمِ دُستُورٍ لِلكَونِ أَلا وهُو الِاقتِصادُ، وتَدَبَّرِ الآيةَ الكَرِيمةَ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ لِتَعلَمَ مَدَى رُسُوخِ الدُّستُورِ الواسِعِ الشّامِلِ الَّذي تُرشِدُ إلَيْه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الثانية: اسم &#8220;الحكم والحكيم&#8221; يستلزم نبوة سيدنا محمد ﷺ]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الثّانيةُ</strong>: يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ اسمَ اللهِ &#8220;<strong>الحَكَمُ والحَكِيمُ</strong>&#8221; يَقتَضِيانِ بَداهةً نُبُوّةَ مُحمَّدٍ ﷺ ورِسالَتَه، ويَدُلّانِ علَيْها ويَستَلزِمانِها.</p>
<p>نعم، ما دامَ <strong>الكِتابُ</strong> البَلِيغُ بمَعانِيه ومَرامِيه، يَقتَضِي بالضَّرُورةِ مُعَلِّمًا بارِعًا لِتَدرِيسِه.. <strong>والجَمالُ</strong> الفائِقُ يَقتَضِي مِرآةً يَتَراءَى فيها، ويُرِي بها جَمالَه وحُسنَه.. <strong>والصَّنعةُ</strong> البَدِيعةُ تَستَدعِي مُنادِيًا داعِيًا إلَيْها.. فلا بُدَّ أن يُوجَد <strong>بينَ بَنِي البَشَرِ</strong> الَّذي هو مَوضِعُ خِطابِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ المُتَضمِّنِ مِئاتِ المَعانِي البَلِيغةِ والحِكَمِ الدَّقِيقةِ في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه، أَقُولُ: لا بُدَّ أن يُوجَدَ <strong>رائِدٌ أَكمَلُ، ومُعلِّمٌ أَكبَرُ</strong>، <strong>لِيُرشِدَ</strong> النّاسَ إلى ما في ذلك الكِتابِ الكَبِيرِ مِن حِكَمٍ مُقَدَّسةٍ حَقِيقيّةٍ.. <strong>ولِيُعلِّمَ</strong> وُجُودَ الحِكَمِ المَبثُوثةِ في أَرجائِه ويَدُلَّ علَيْها.. <strong>ولِيَكُونَ</strong> مَبعَثَ ظُهُورِ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ في خَلقِ الكَونِ، بلِ السَّببَ في حُصُولِها.. <strong>ولِيُرشِدَ</strong> إلى ما يُرِيدُ الخالِقُ إِظهارَه مِن كَمالِ صَنعَتِه البَدِيعةِ، وجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، <strong>فيكُونَ</strong> كالمِرآةِ الصّافِيةِ لِذلِك الكَمالِ البَدِيعِ والجَمالِ الفائِقِ.. <strong>ولِيَنهَضَ</strong> بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ -بِاسمِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً- تِجاهَ مَظاهِرِ الرُّبُوبيّةِ الواسِعةِ، مُثِيرًا الشَّوقَ وناثِرًا الوَجْدَ في الآفاقِ بَرًّا وبَحرًا، لافِتًا أَنظارَ الجَمِيعِ إلى الصّانِعِ الجَلِيلِ بدَعوةٍ ودُعاءٍ، وتَهلِيلٍ وتَسبِيحٍ وتَقدِيسٍ، تَرِنُّ به أَرجاءُ السَّماواتِ والأَرضِ.. <strong>ولِيَقرَعَ</strong> أَسماعَ جَمِيعِ أَربابِ العُقُولِ بما يُلَقِّنُه مِن دُرُوسٍ مُقدَّسةٍ سامِيةٍ وإِرشاداتٍ حَكِيمةٍ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ.. <strong>ولِيُبيِّنَ</strong> بأَجمَلِ صُورةٍ وأَجلاها بالقُرآنِ العَظِيمِ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ لِذلِك الصّانِعِ الحَكَمِ الحَكِيمِ.. <strong>ولِيَستَقبِلَ</strong> بأَكمَلِ مُقابَلةٍ وأَتَمِّها مَظاهِرَ الحِكْمةِ البالِغةِ والجَمالِ والجَلالِ المُتَجَلِّيةَ في الآفاقِ.. فإِنسانٌ هذه مُهِمَّتُه، ضَرُورِيٌّ وُجُودُه، بل يَستَلزِمُه هذا الكَونُ، كضَرُورةِ الشَّمسِ ولُزُومِها له.</p>
<p>فالَّذي يُؤَدِّي هذه المُهِمّاتِ، ويُنجِزُ هذه الوَظائِفَ على أَتَمِّ صُورةٍ ليس إلّا الرَّسُولَ الأَكرَمَ ﷺ كما هو مُشاهَدٌ، لِذا <strong>فكما تَستَلزِمُ الشَّمسُ الضَّوءَ، ويَستَلزِمُ الضَّوءُ النَّهارَ، فالحِكَمُ المَبثُوثةُ في آفاقِ الكَونِ وجَنَباتِه تَستَلزِمُ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ ﷺ ورِسالَتَه</strong>.</p>
<p>نعم، مِثلَما يَقتَضِي التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ &#8220;<strong>الحَكَمِ والحَكِيمِ</strong>&#8221; -في أَوسَعِ مَداه- الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ، فإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى مِثلَ: &#8220;<strong>اللهُ، الرَّحمٰنُ، الرَّحِيمُ، الوَدُودُ، المُنعِمُ، الكَرِيمُ، الجَمِيلُ، الرَّبُّ</strong>&#8220;، يَستَلزِمُ كُلٌّ مِنها الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ في أَعظَمِ تَجَلِّياتِها وإِحاطَتِها بالكَونِ كُلِّه، استِلزامًا قاطِعًا لا رَيبَ فيه.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنَّ <strong>الرَّحمةَ</strong> الواسِعةَ الَّتي هي تَجَلِّي اسمِ &#8220;<strong>الرَّحم</strong>ٰنِ&#8221; تَظهَرُ بوُضُوحٍ بمَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.</p>
<p>وإنَّ <strong>التَّحَبُّبَ</strong> الإِلٰهِيَّ <strong>والتَّعرُّفَ</strong> الرَّبّانِيَّ -اللَّذَينِ هما مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;<strong>الوَدُودِ</strong>&#8220;- يُفضِيانِ إلى نَتِيجَتِهِما ويَجِدانِ المُقابَلةَ بحَبِيبِ رَبِّ العالَمِينَ.</p>
<p>وإنَّ جَمِيعَ أَنواعِ <strong>الجَمالِ</strong> -جَمالِ الذّاتِ وجَمالِ الأَسماءِ، وجَمالِ الصَّنعةِ والإِتقانِ، وجَمالِ المَصنُوعاتِ والمَخلُوقاتِ.. كلِّ أَنواعِ الجَمالِ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ <strong>الجَمِيلِ</strong>&#8211; تُشاهَدُ في تلك المِرآةِ الأَحمَدِيّةِ، وتُشهَدُ بها.. بل حتَّى تَجَلِّياتُ عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ، وهَيمَنةُ سَلطَنةِ الأُلُوهِيّةِ إنَّما تُعرَفُ برِسالةِ هذا الدّاعِيةِ العَظِيمِ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ وتَتَبيَّنُ بها، وتُفهَمُ عنها، وتُصَدَّقُ بها.</p>
<p>وهكذا <strong>فأَغلَبُ الأَسماءِ الحُسنَى إنَّما هي بُرهانٌ باهِرٌ على الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ</strong> كما مَرَّ آنِفًا.</p>
<p><strong>نَحصُلُ مِمّا سَبَق</strong> أنَّه ما دامَ الكَونُ مَوجُودًا بالفِعلِ ولا يُمكِنُ إِنكارُه، فلا يُمكِنُ أن يُنكَر كَذلِك ما هو بمَثابةِ أَلوانِه وزِينَتِه، وضِيائِه وإِتقانِه، وأَنواعِ حَياتِه، وأَشكالِ رَوابِطِه مِنَ الحَقائِقِ المَشهُودةِ، كالحِكمةِ، والعِنايةِ، والرَّحمةِ، والجَمالِ، والنِّظامِ، والمِيزانِ، والزِّينةِ، وأَمثالِها مِنَ الحَقائِقِ.. فما دامَ لا يُمكِنُ إِنكارُ هذه <strong>الصِّفاتِ والأَفعالِ</strong>، فلا يُمكِنُ إِنكارُ مَوصُوفِ تلك الصِّفاتِ، ولا يُمكِنُ إِنكارُ فاعِلِ تلك الأَفعالِ وشَمسِ تلك الأَضواءِ، أَعنِي ذاتَ اللهِ الأَقدَسِ جَلَّ جَلالُه الواجِبِ الوُجُودِ، الَّذي هو &#8220;<strong>الحَكِيمُ، الرَّحِيمُ، الجَمِيلُ، الحَكَمُ، العَدْلُ</strong>&#8220;..</p>
<p>وكذا لا يُمكِنُ إِنكارُ مَن هو مَدارٌ لِظُهُورِ تلك الصِّفاتِ والأَفعالِ، بل مَن هو مَدارٌ لِعَرضِ كَمالاتِها، بل تَحَقُّقِ تَجَلِّياتِها، ذلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ مُحَمَّدٌ ﷺ، الرّائِدُ الأَكبَرُ، والمُعلِّمُ الأَكمَلُ، والدّاعِيةُ الأَعظَمُ، وكَشّافُ طِلَّسمِ الكائِناتِ، والمِرآةُ الصَّمَدانيّةُ، وحَبِيبُ الرَّحمٰنِ.. فلا يُمكِنُ إِنكارُ رِسالَتِه قَطْعًا، لِأنَّها أَسطَعُ نُورٍ في هذا الكَونِ كسُطُوعِ ضِياءِ عالَمِ الحَقِيقةِ ونُورِ حَقِيقةِ الكائِناتِ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿علَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ عاشِراتِ الأَيَّامِ وذَرَّاتِ الأَنامِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الرابعة: حول اسم &#8220;الفرد&#8221;]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>النُّكتة الرابعة للَّمْعة الثلاثين</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾</p>
<p>بَينَما أنا نَزِيلُ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; في شَهرِ شَوّالٍ، إذ تَراءَت لي نُكتةٌ دَقيقةٌ مِنَ النِّكاتِ اللَّطِيفةِ لِهذه الآيةِ الجَلِيلةِ، ولَاح لي قَبَسٌ مِن أَنوارِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ: &#8220;<strong>الفَرْدُ</strong>&#8221; أو هو أَحَدُ أَنوارِه السِّتّةِ- الَّذي يَتَضمَّنُ اسمَيِ &#8220;<strong>الواحِدِ والأَحَدِ</strong>&#8221; مِنَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى.</p>
<p>سنُبيِّنُ هنا باختِصارٍ شَدِيدٍ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ الَّذي يُظهِرُه التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ: &#8220;<strong>الفَرْدُ</strong>&#8220;، وذلك في سَبعِ إِشاراتٍ مُوجَزةً، ونُحِيلُ تَفاصِيلَ الجَلْوةِ الأَعظَمِ إلى رَسائِلِ النُّورِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة الأولى: خاتَم &#8220;الفرد&#8221; منقوش على سائر الموجودات]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الأُولَى:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد وَضَع اسمُ اللهِ الأَعظَمُ &#8220;الفَرْدُ&#8221; بتَجَلِّيه الأَعظَمِ على الكَونِ كلِّه بَصَماتِ التَّوحِيدِ، وأَختامَ الوَحدانيّةِ الواضِحةِ، على مَجمُوعِ الكَونِ، وعلى كلِّ نَوعٍ فيه، وعلى كلِّ فَردٍ فيه؛ ولَمّا كانَتِ &#8220;الكَلِمةُ الثّانيةُ والعِشرُونَ&#8221; و&#8221;المَكتُوبُ الثّالثُ والثَّلاثُونَ&#8221; قد تَناوَلا بَيانَ ذلك التَّجَلِّي بشَيءٍ مِنَ التَّفصِيلِ، نَكتَفِي بالإِشارةِ فقط إلى ثَلاثِ بَصَماتٍ وأَختامٍ مِنها دالّةٍ على التَّوحِيدِ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[الختم الأول: خاتم الوحدانية]</h4>
<p><strong>الخَتمُ الأوَّلُ</strong>: إنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِلفَردِيّةِ قد طَبَع على وَجهِ &#8220;الكَونِ&#8221; كلِّه خَتْمًا واضِحًا <strong>لِلوَحدانيّةِ</strong> وُضُوحًا حَوَّل الكَونَ كلَّه بحُكمِ &#8220;<strong>الكُلِّ</strong>&#8221; الَّذي لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ مُطلَقًا، بحَيثُ إنَّ مَن لا يَقْدِر على أن يَتَصرَّفَ في الكَونِ كلِّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ مالِكًا مُلكًا حَقِيقيًّا لِأَيِّ جُزءٍ مِنه.. ولْنُوَضِّحْ هذا الخَتْمَ:</p>
<p>إنَّ مَوجُوداتِ الكَونِ بأَنواعِها المُختَلِفةِ، <strong>تَتعَاوَنُ</strong> فيما بَينَها <strong>تَعاوُنًا</strong> وَثيقًا، ويَسعَى كلُّ جُزءٍ مِنها لِتَكمِلةِ مُهِمّةِ الآخَرِ، وكأنَّها تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها وأَجزائِها تُرُوسَ مَعمَلٍ بَدِيعٍ ودَوالِيبَه -الَّذي يُشاهَدُ فيه هذا التَّعاوُنُ بوُضُوحٍ- فهذا <strong>التَّسانُدُ</strong>، وهذا <strong>التَّعاوُنُ</strong> بينَ الأَجزاءِ، وهذه <strong>الِاستِجابةُ</strong> في <strong>إِسعافِ</strong> كلٍّ مِنها لِطَلَبِ الآخَرِ، <strong>وإِمدادُ</strong> كلِّ جُزءٍ لِلجُزءِ الآخَرِ، بل هذا <strong>التَّعانُقُ</strong> <strong>والِاندِماجُ</strong> بينَ الأَجزاءِ، <strong>يَجعَلُ مِن أَجزاءِ الكَونِ كُلِّه وَحْدةً مُتَّحِدةً تَستَعصِي على الِانقِسامِ والِانفِكاكِ،</strong> يُشبِهُ في هذا وَحْدةَ أَعضاءِ جِسمِ الإِنسانِ الَّذي لا يُمكِنُ فَكُّ بَعضِها عنِ بَعضٍ.</p>
<p>فالَّذي يُمسِكُ زِمامَ عُنصُرٍ واحِدٍ في الوُجُودِ، إنْ لم يَكُن زِمامُ جَمِيعِ العَناصِرِ بِيَدِه لا يَستَطِيعُ أن يُسَيطِرَ على ذلك العُنصُرِ الواحِدِ أَيضًا.. إِذًا فـ&#8221;<strong>التَّعاوُنُ</strong>&#8221; و&#8221;<strong>التَّسانُدُ</strong>&#8221; و&#8221;<strong>التَّجاوُبُ</strong>&#8221; و&#8221;<strong>التَّعانُقُ</strong>&#8221; الواضِحةُ على وَجهِ الكَونِ، إنَّما هي أَختامٌ كُبرَى وبَصَماتٌ ساطِعةٌ لِلتَّوحِيدِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الختم الثاني: خاتَم الأحدية]</h4>
<p><strong>الخَتمُ الثّاني</strong>: إنَّ التَّجَلِّيَ الباهِرَ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; يَجعَلُنا نُشاهِدُ -على وَجهِ الأَرضِ ولا سِيَّما في الرَّبِيعِ- خَتمًا لامِعًا <strong>لِلأَحَدِيّةِ</strong>، وآيةً جَلِيّةً لِلوَحدانيّةِ بحَيثُ إنَّ مَن لا يُدِيرُ جَمِيعَ الأَحياءِ على وَجهِ الأَرضِ كُلِّها بأَفرادِها وأَحوالِها وشُؤُونِها كافّةً، والَّذي لا يَرَى ولا يَخلُقُ ولا يَعلَمُ جَمِيعَها معًا، لا يُمكِنُ أن يكُونَ له تَدَخُّلٌ في أيِّ شَيءٍ مِن حَيثُ الإِيجادُ.</p>
<p>فلنُوَضِّحْ هذا الخَتمَ:</p>
<p>تَأمَّلْ في هذه البُسُطِ المَفرُوشةِ على الأَرضِ الَّتي لُحْمَتُها وسَداها مِئَتا أَلفِ طائِفةٍ ونَوعٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ وطَوائِفِ النَّباتاتِ بأَفرادِها المُتَنوِّعةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، والَّتي تُضفِي الزِّينةَ وتَنثُرُ البَهجةَ على نَسِيجِ الحَياةِ على سَطحِ الأَرضِ -وبخاصّةٍ في الرَّبِيعِ- تَأمَّلْها جَيِّدًا وأَدِمِ النَّظَرَ فيها، فإنَّها معَ اختِلافِ أَشكالِها، وتَبايُنِ وَظائِفِها، واختِلافِ أَرزاقِها وتَنَوُّعِ أَجهِزَتِها، وامتِزاجِ بَعضِها ببَعضٍ تُشاهِدُ أنَّ رِزقَ كلِّ ذِي حَياةٍ يَأتِيه رَغَدًا مِن كلِّ مَكانٍ ومِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، بلا سَهوٍ ولا نِسيانٍ، بلا انشِغالٍ ولا ارتِباكٍ، بلا خَطَأٍ ولا التِباسٍ.. فيُعطَى بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسّاسٍ كلَّ ما يَحتاجُه الفَردُ، في وَقتِه المُناسِبِ، مِن دُونِ تكَلُّفٍ ولا تَكلِيفٍ، معَ تَميِيزٍ لِكُلٍّ مِنها، وهُو يَمُوجُ في هذا الِامتِزاجِ الهائِلِ وفي هذا الخِضَمِّ مِنَ المَوجُوداتِ المُتَداخِلةِ، فَضْلًا عمّا يُخَبِّئُ باطِنُ الأَرضِ مِن آياتِ التَّوحِيدِ الرّائِعةِ المُتَلمِّعةِ مِنِ انتِظامِ المَعادِنِ والعَناصِرِ الجامِدةِ.</p>
<p>لِذا فإنَّ هذا &#8220;<strong>التَّدبِيرَ والإِدارةَ</strong>&#8221; المُشاهَدَ في هذا الأَمرِ الدّائِبِ على وَجهِ الأَرضِ وباطِنِها إنَّما هو آيةٌ ساطِعةٌ <strong>لِلأَحَدِيّةِ</strong>، وخَتمٌ واضِحٌ <strong>لِلوَحدانيّةِ</strong>، بحَيثُ إنَّ مَن لم يَكُن خالِقًا لِجَمِيعِ تلك المَوجُوداتِ مِنَ العَدَمِ، ومُدَبِّرًا لِجَمِيعِ شُؤُونِها في آنٍ واحِدٍ، لا يَقدِرُ على التَّدَخُّلِ -مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ والإِيجادُ- في شَيءٍ مِنها، لِأنَّه لو تَدَخَّلَ لَأَفسَدَ تلك الإِدارةَ المُتَوازِنةَ الواسِعةَ.. إلّا ما يُؤَدِّيه الإِنسانُ مِن وَظِيفةٍ ظاهِرِيّةٍ -بإِذنٍ إِلٰهِيٍّ أَيضًا- لِحُسنِ سَيرِ تلك القَوانينِ الرَّبّانيّةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الختم الثالث: خاتَم التوحيد]</h4>
<p><strong>الخَتمُ الثَّالثُ</strong>: في وَجهِ الإنسانِ:</p>
<p>إنَّ شِعارَ <strong>التَّوحِيدِ</strong> وخَتمَه واضِحٌ وُضُوحًا بَيِّنًا لِكُلِّ مَن يَتَأمَّلُ وَجهَ أيِّ إِنسانٍ كانَ، وذلك أنَّ لِكُلِّ إِنسانٍ عَلامةً فارِقةً في وَجهِه تُمَيِّزُه عن غَيرِه.. فالَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَضَع تلك العَلاماتِ في كلِّ وَجهٍ، ولا يكُونُ مُطَّلِعًا على جَمِيعِ الوُجُوهِ السّابِقةِ واللّاحِقةِ مُنذُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام إلى يَومِ القِيامةِ، لا يُمكِنُه أن يَمُدَّ يَدَه مِن حَيثُ الخَلقُ والإِيجادُ لِيَضَعَ تلك الفَوارِقَ المُمَيِّزةَ الهائِلةَ في ذلك الوَجهِ الصَّغِيرِ لِإنسانٍ واحِدٍ.</p>
<p>نعم، إنَّ الَّذي وَضَع في وَجهِ الإِنسانِ ذلك الطّابَعَ المُمَيِّـزَ وتلك الآيةَ الجَلِيّةَ بتلك العَلاماتِ الفاِرقةِ، لا بُدَّ أنَّ أَفرادَ البَشَرِ كافّةً هم تحتَ نَظَرِه وشُهُودِه، وضِمنَ دائِرةِ عِلمِه حتَّى يَضَعَ ذلك الخَتمَ <strong>للتَّوحِيدِ</strong> في ذلك الوَجهِ، بحَيثُ إنَّه معَ التَّشابُهِ الظّاهِرِ بينَ الأَعضاءِ الأَساسِ -كالعُيُونِ والأُنُوفِ وغَيرِها مِنَ الأَعضاءِ- لا تَتَشابَهُ تَشابُهًا تامًّا، بسَبَبِ عَلاماتٍ فارِقةٍ في كلٍّ مِنها؛ فكَما أنَّ <strong>تَشابُهَ الأَعضاءِ</strong> -مِن عُيُونٍ وأُنُوفٍ- في وُجُوهِ البَشَرِ كافّةً دَلِيلٌ قاطِعٌ على وَحدانيّةِ خالِقِ البَشَرِ سُبحانَه وتَعالَى، كَذلِك فإنَّ <strong>العَلاماتِ الفارِقةَ</strong> المَوضُوعةَ على كلِّ وَجهٍ -لِصِيانةِ حُقُوقِ كلِّ فَردٍ في المُجتَمَعِ، ولِمَنعِ الِالتِباسِ، ولِلتَّميِيزِ، ولِحِكَم أُخرَى كَثِيرةٍ- هي الأُخرَى دَلِيلٌ واضِحٌ على الإِرادةِ المُطلَقةِ والمَشِيئةِ الكامِلةِ لِذلِك الخالِقِ الواحِدِ سُبحانَه وتَعالَى، وآيةٌ بَدِيعةٌ جَلِيّةٌ أَيضًا لِلأَحَدِيّةِ، بحَيثُ إنَّ مَن لا يَقدِرُ على خلَقِ جَمِيعِ البَشَرِ والحَيَواناتِ والنَّباتاتِ بل جَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه أن يَضَع تلك السِّمةَ المُمَيِّزةَ في أَحَدٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة الثانية: الموجودات معًا كلٌّ لا يقبل التجزئة]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الثَّانية</strong>:‌</p>
<p>إنَّ عَوالِمَ الكائِناتِ المُختَلِفةَ وأَنواعَها المُتَنوِّعةَ وعَناصِرَها المُتَبايِنةَ قدِ اندَمَجَتِ اندِماجًا كُلِّـيًّا وتَداخَلَ بَعضُها معَ بَعضٍ، بحَيثُ إنَّ مَن لم يكُن مالِكًا لِجَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه أن يَتَصرَّفَ بنَوعٍ مِنه أو عُنصُرٍ فيه تَصَرُّفًا حَقِيقيًّا، لِأنَّ تَجَلِّيَ نُورِ التَّوحِيدِ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; قد أَضاءَ أَرجاءَ الكَونِ كُلِّه، فضَمَّ أَجزاءَها كافّةً في وَحدةٍ مُتَّحِدةٍ، وجَعَل كلَّ جُزءٍ مِنه يُعلِنُ تلك <strong>الوَحدانيّةَ</strong>.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: كما أنَّ كَونَ الشَّمسِ مِصباحًا واحِدًا لِهذه الكائِناتِ يُشِيرُ إلى أنَّ الكائِناتِ بأَجمَعِها مُلكٌ لِواحِدٍ، فإنَّ كَونَ الهَواءِ هَواءً واحِدًا يَسعَى لِخِدمةِ الأَحياءِ كلِّها، وكَونَ النّارِ نارًا واحِدةً تُوقَدُ بها الحاجاتُ كلُّها، وكَونَ السَّحابِ واحِدًا يَسقِي الأَرضَ، وكَونَ الأَمطارِ واحِدةً تَأتِي لِإغاثةِ الأَحياءِ كافّةً، وانتِشارَ أَغلَبِ الأَحياءِ مِن نباتاتٍ وحَيَواناتٍ انتِشارًا طَلِيقًا في أَرجاءِ الأَرضِ كافّةً معَ وَحدةِ نَوعِيَّتِها، ووَحدةِ مَسكَنِها.. كلُّ ذلك إِشاراتٌ قاطِعةٌ وشَهاداتٌ صادِقةٌ على أنَّ تلك المَوجُوداتِ ومَساكِنَها ومَواضِعَها إنَّما هي <strong>مُلكٌ لِمالِكٍ واحِدٍ أَحَدٍ</strong>.</p>
<p>ففي ضَوءِ هذا وقِياسًا علَيْه نَرَى أنَّ تَداخُلَ الأَنواعِ المُختَلِفةِ لِلكائِناتِ واندِماجَها الشَّدِيدَ ببَعضِها قد جَعَل مَجمُوعَها بمَثابةِ <strong>كلٍّ واحِدٍ لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ قَطعًا مِن حَيثُ الإِيجادُ</strong>؛ فالَّذي لا يَستَطِيعُ أن يُنفِذَ حُكمَه على جَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه -مِن حَيثُ الخَلقُ والرُّبُوبيّةُ- أن يُخضِعَ لِرُبُوبيَّتِه أيَّ شَيءٍ فيه، حتَّى لو كانَ ذلك الشَّيءُ ذَرّةً أو أَصغَرَ مِنها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة الثالثة: الكون مكاتيب صمدانية]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الثَّالثة</strong>:‌</p>
<p>لقد تَحَوَّل <strong>الكَونُ</strong> كلُّه بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; إلى ما يُشبِهُ <strong>رَسائِلَ صَمَدانيّةٍ ومَكاتِيبَ رَبّانيّةٍ</strong> مُتَداخِلٍ بَعضُها في بَعضٍ، تَزخَرُ كلُّ رِسالةٍ مِنها بآياتِ الوَحدانيّةِ وأَختامِ التَّوحِيدِ، وتَحمِلُ كلُّ رِسالةٍ بَصَماتِ الأَحَدِيّةِ بعَدَدِ كَلِماتِها، بل إنَّ كلَّ كَلِمةٍ فيها تُفصِحُ عن وَحدانيّةِ كاتِبِها، إذ كما يَدُلُّ الخَتمُ أوِ التَّوقِيعُ في الرِّسالةِ على كاتِبِها، فإنَّ كلَّ زَهرةٍ وكلَّ ثَمَرةٍ، وكلَّ عُشبٍ، وكلَّ حَيَوانٍ، وكلَّ شَجَرٍ، إنَّما يُمثِّلُ خَتمَ <strong>الأَحَدِيّةِ</strong> وطُغْراءَ <strong>الصَّمَدانيّةِ</strong> وكأنَّها أَختامٌ لِمَواضِعِها الَّتي تَتَّخِذُ هَيئةَ الرَّسائِلِ فتُبيِّنُ كاتِبَها.</p>
<p>فزَهرةٌ صَفراءُ -مَثلًا- في حَدِيقةٍ مّا، هذه الزَّهرةُ هي بمَثابةِ خَتمٍ يَدُلُّ بوُضُوحٍ على مُصَوِّرِ الحَدِيقةِ، فمَن كانَ مالِكًا لِذلِك الخَتمِ -الزَّهرةِ- فهُو مالِكٌ لِجَمِيعِ أَنواعِ تلك الزَّهرةِ ومَثِيلاتِها المَبثُوثةِ على الأَرضِ كافّةً، ويَدُلُّ أَيضًا على أنَّ تلك الحَدِيقةَ كِتابتُه؛ أي إنَّ كلَّ شَيءٍ يُسنِدُ جَمِيعَ الأَشياءِ إلى خالِقِه ويُشِيرُ إلى تَجَلٍّ باهِرٍ عَظِيمٍ لِوَحدانيَّتِه سُبحانَه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة الرابعة: تجلي اسم &#8220;الفرد&#8221; ظاهر كالشمس]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الرّابعة</strong>:‌</p>
<p>لقد أَوضَحَت &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; في أَجزائِها الكَثِيرةِ ببَراهِينَ مُتَعدِّدةٍ أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; معَ أنَّه واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ، فهُو <strong>مَقبُولٌ</strong> في الأَعماقِ إلى حَدِّ <strong>السُّهُولةِ</strong> <strong>المُطلَقةِ</strong>، وهُو مُستَساغٌ عَقلًا ومَنطِقًا إلى حَدِّ <strong>الوُجُوبِ والبَداهةِ</strong>؛ وبعَكسِه الشِّركُ المُنافِي لِذلِك التَّجَلِّي، فهُو <strong>مُعَقَّدٌ</strong> إلى أَقصَى حُدُودِ التَّعقِيدِ، <strong>وغَيرُ مَنطِقِيٍّ</strong> إِطلاقًا، وهُو بَعِيدٌ جِدًّا عنِ المَعقُولِ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ.</p>
<p>سنُبيِّنُ هنا ثَلاثَ نِقاطٍ مِن تلك الأَدِلّةِ فقط، ونُحِيلُ تَفاصِيلَها إلى الرَّسائِلِ الأُخرَى.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النقطة الأولى: بالوحدانية يكون الانتساب]</h4>
<p><strong>النُّقطةُ الأُولَى</strong>: لقد أَثبَتْنا ببَراهِينَ قاطِعةٍ في خِتامِ &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; وخِتامِ &#8220;الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ&#8221; إِثباتًا مُجمَلًا، وفي خِتامِ &#8220;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221; مُفَصَّلًا أنَّه مِنَ السُّهُولةِ واليُسرِ على قُدرةِ &#8220;<strong>الأَحَدِ الفَردِ</strong>&#8221; سُبحانَه، خَلْقُ أَعظَمِ جِرمٍ، وخَلقُ أَصغَرِ شَيءٍ على حَدٍّ سَواءٍ، فهُو سُبحانَه يَخلُقُ الرَّبِيعَ الشّاسِعَ بيُسرِ خَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، ويُحدِثُ في كلِّ رَبِيعٍ بسُهُولةٍ بالِغةٍ آلافًا مِن نَماذِجِ الحَشرِ والنُّشُورِ -كما هو مُشاهَدٌ- ويَرعَى ويُدِيرُ شَجَرةً ضَخْمةً باسِقةً بيُسرِ رِعايَتِه وإِدارَتِه فاكِهةً صَغِيرةً.. فلو أُسنِد أيٌّ مِن ذلك إلى الأَسبابِ المُتَعدِّدةِ، لَأَصبَحَ في خَلْقِ كلِّ زَهرةٍ فيه مِنَ المُشكِلاتِ ما لِلرَّبِيعِ الشّاسِعِ، وخَلْقِ كلِّ ثَمَرةٍ فيه مِنَ الصُّعُوباتِ ما لِلشَّجَرةِ الباسِقةِ.</p>
<p>نعم، إِنَّ تَجهِيزَ جَيشٍ بأَكمَلِه بالمُؤَنِ والعَتادِ بأَمرٍ إِن صَدَرَ مِن قائِدٍ واحِدٍ، مِن مَصدَرٍ واحِدٍ، يَكُونُ سَهلًا وبَسِيطًا كتَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ، بَينَما يكُونُ صَعبًا بل مُمتَنِعًا إِن جُهِّزَ كلُّ جُندِيٍّ مِن مَعامِلَ مُتَفرِّقةٍ وتَلَقَّى الأَوامِرَ مِن إِداراتٍ مُتَعدِّدةٍ كَثِيرةٍ، إذ عِندَئِذٍ يَحتاجُ كلُّ جُندِيٍّ إلى مَعامِلَ بِقَدْرِ أَفرادِ الجَيشِ بأَكمَلِه!!</p>
<p>فكما أنَّ الأَمرَ يَسهُلُ <strong>بالوَحدةِ</strong> ويَصعُبُ <strong>بالكَثرةِ</strong> هكذا، كَذلِك إذا أُسنِد الخَلقُ والإِيجادُ إلى &#8220;<strong>الفَرْدِ الأَحَدِ</strong>&#8221; جَلَّ وعَلا، فإنَّ خَلقَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِنَوعٍ واحِدٍ يكُونُ سَهلًا كخَلقِ فَردٍ واحِدٍ، بَينَما لو أُسنِدَ إلى الأَسبابِ، فإنَّ خَلقَ كلِّ فَردٍ يكُونُ مُعضِلًا وصَعبًا كخَلقِ النَّوعِ الواسِعِ الكَثِيرِ.</p>
<p>أَجَل، إنَّ الوَحْدانيّةَ والتَّفرُّدَ تَجعَلُ كلَّ شَيءٍ <strong>مُنتَسِبًا ومُستَنِدًا</strong> إلى الذّاتِ الإِلٰهِيّةِ الواحِدةِ، ويُصبِحُ هذا <strong>الِانتِسابُ والِاستِنادُ</strong> قُوّةً لا حَدَّ لها لِذلِك الشَّيءِ، حتَّى يُمكِنُه أن يُنجِزَ مِنَ الأَعمالِ الجَسِيمةِ، ويُوَلِّدَ مِنَ النَّتائِجِ العَظِيمةِ ما يَفُوقُ قُوَّتَه الذّاتيّةَ أُلُوفَ المَرّاتِ مُعتَمِدًا على سِرِّ ذلك الِاستِنادِ والِانتِسابِ.. أمّا الَّذي لا يَستَنِدُ ولا يَنتَسِبُ إلى صاحِبِ تلك القُوّةِ العُظمَى ومالِكِها &#8220;الفَردِ الأَحَدِ&#8221; فسيُنجِزُ مِنَ الأَعمالِ ما تَتَحمَّلُه قُوَّتُه الذّاتيّةُ المَحدُودةُ جِدًّا، وتَنحَسِرُ نَتائِجُه تَبَعًا لِذلِك.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنَّ الَّذي انتَسَب إلى قائِدٍ عَظِيمٍ واستَنَد إلَيْه بصِفةِ الجُندِيّةِ، يُصبِحُ له هذا الِانتِسابُ والِاستِنادُ بمَثابةِ قُوّةٍ مُمِدّةٍ لا تَنفَدُ، فلا يُضطَرُّ إلى حَملِ ذَخِيرَتِه وعَتادِه مَعَه، لِذا قد يُقدِمَ على أَسرِ قائِدِ جَيشِ العَدُوِّ المَغلُوبِ معَ آلافٍ مِمَّن مَعَه؛ بَينَما السّائِبُ الَّذي لم يَنخَرِط في الجُندِيّةِ، مُضطَرٌّ إلى حَملِ ذَخِيرَته وعَتادِه مَعَه، ومَهْما بَلَغ مِنَ الشَّجاعةِ فلا يَستَطِيعُ أن يُقاوِمَ بتلك القُوّةِ إلّا بِضعةَ أَفرادٍ مِنَ العَدُوِّ، وقد لا يَثبُتُ أَمامَهُم إلّا لِبُرهٍة قَلِيلةٍ.</p>
<p>ومِن هنا نَرَى أنَّ قُوّةَ الِاستِنادِ والِانتِسابِ -الَّتي في الفَردِيّةِ والوَحدانيّةِ- تَجعَلُ النَّملةَ الصَّغِيرةَ تُقدِمُ على إِهلاكِ فِرعَونٍ عَنِيدٍ، وتَجعَلُ البَعُوضةَ الرَّقيقةَ تُجهِزُ على نُمرُودٍ طاغِيةٍ، وتَجعَلُ المَيكرُوبَ البَسِيطَ يُدَمِّرُ باغِيًا أَثِيمًا.. كما تُمِدُّ البِذْرةَ الصَّغِيرةَ لِتَحمِلَ على ظَهرِها شَجَرةَ صَنَوبَرٍ باسِقةً شاهِقةً.. كلُّ ذلك <strong>بِقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ وبسِرِّ ذلك الِاستِنادِ</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّ قائِدًا عَظِيمًا شَهْمًا يَستَطِيعُ أن يَستَنفِرَ جَمِيعَ جُنُودِه ويَحشُدَهُم لِإنقاذِ جُندِيٍّ واحِدٍ وإِمدادِه، والجُندِيُّ بدَورِه يَستَشعِرُ كأنَّ جَيشًا جَرّارًا يُسنِدُه ويَمُدُّه بقُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ عالِيةٍ حتَّى تُمَكِّنَه مِن أن يَنهَضَ بأَعمالٍ جِسامٍ بِاسمِ القائِدِ؛ فاللهُ سُبحانَه وتَعالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ لِأنَّه <strong>فَردٌ واحِدٌ أَحَدٌ</strong>، يَستَنفِرُ المَوجُوداتِ كلَّها لِإِمدادِ كُلِّ شَيءٍ وإِسنادِه -إِنِ افتُرِضَتِ الحاجةُ، والحالُ أنَّه لا احتِياجَ- ويَحشُدُ سُبحانَه الكَونَ كلَّه لِأَجلِه، ويَستَنِدُ كلُّ شَيءٍ إلى قُوّةٍ عَظِيمةٍ هائِلةٍ تَملِكُ مَقالِيدَ الكَونِ بأَسرِه، ويَغدُو كُلُّ شَيءٍ في حُكمِ قُوّةِ ذلك السُّلطانِ الفَردِ تِجاهَ أَيِّ شَيءٍ كانَ، إِنِ افتُرِضَتِ الحاجةُ لِذَلِك.</p>
<p>فلَوْلا &#8220;<strong>الفَردِيّةُ</strong>&#8221; لَفَقَد كلُّ شَيءٍ هذه القُوّةَ الجَبّارةَ، ولَسَقَط إلى العَدَمِ وتَلاشَت نَتائِجُه؛ فما تَراه مِن ظُهُورِ نَتائِجَ عَظِيمةٍ هائِلةٍ مِن أَشياءَ بَسِيطةٍ تافِهةٍ، تُرشِدُنا بالبَداهةِ إلى الفَردِيّةِ والأَحَدِيّةِ؛ ولَوْلاها لَبَقِيَت نَتائِجُ كلِّ شَيءٍ وثِمارُه مُنحَصِرةً في قُوَّتِه ومادَّتِه الضَّئِيلةِ، وتَصغُرُ عِندَئذٍ النَّتائِجُ بل تَزُولُ.. ألا تَرَى الأَشياءَ الثَّمِينةَ النَّفِيسةَ كالفَواكِهِ والخُضَرِ وغَيرِها مَبذُولةً ومُتَوافِرةً أَمامنا؟ ما ذلك إلّا بسِرِّ الفَردِيّةِ والأَحَدِيّةِ، فلَوْلا &#8220;الفَردِيّةُ&#8221; لَمَا كُنّا نُحَصِّلُ بآلافِ الدَّراهِمِ ما نُحَصِّلُه اليَومَ مِن بِطِّيخٍ أو رُمّانٍ بدَراهِمَ مَعدُودةٍ.. فكُلُّ ما نُشاهِدُه مِن بَساطةِ الأُمُورِ والأَشياءِ وسُهُولَتِها ورُخْصِها وتَوَفُّرِها إنَّما هي مِن نَتائِجِ الوَحدانيّةِ وتَشهَدُ بالفَردِيّةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النقطة الثانية: بالوحدانية يكون الإبداع]</h4>
<p><strong>النُّقطةُ الثّانية</strong>: إنَّ المَوجُوداتِ تُخلَقُ وتَظهَرُ إلى الوُجُودِ بوَجهَينِ:</p>
<p><strong>الأوَّل</strong>: الخَلقُ مِنَ العَدَمِ، وهُو ما يُعَبَّرُ عنه بـ&#8221;<strong>الإِبداعِ والِاختِراعِ</strong>&#8220;.</p>
<p><strong>الثّاني</strong>: إِنشاؤُها مِن عَناصِرَ مَوجُودةٍ، وتَركِيبُها ومَنحُ الوُجُودِ لها مِن أَشياءَ حاضِرةٍ، أي: بـ&#8221;<strong>التَّركِيبِ والإِنشاءِ</strong>&#8220;.</p>
<p>فإذا نَظَرْنا إلى المَوجُوداتِ مِن زاوِيةِ سِرِّ الأَحَدِيّةِ وتَجَلِّي الفَردِيّةِ، نَرَى أنَّ خَلْقَها وإِيجادَها يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا إلى حَدِّ الوُجُوبِ والبَداهةِ، بَينَما إن لم يُفوَّض أَمرُ الخَلقِ والإِيجادِ إلى الفَردِيّةِ والوَحدانيّةِ، فستَتَعقَّدُ الأُمُورُ وتَتَشابَكُ، وتَظهَرُ أُمُورٌ غَيرُ مَعقُولةٍ وغَيرُ مَنطِقِيّةٍ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ؛ وحَيثُ إنَّنا نَرَى المَوجُوداتِ قاطِبةً تَظهَرُ إلى الوُجُودِ مِن دُونِ صُعُوبةٍ وتَكَلُّفٍ، ومِن غَيرِ عَناءٍ، وعلى أَتَمِّ صُورةٍ وكَيفِيّةٍ، يَثبُتُ لنا بَداهةً إِذًا تَجَلِّي الفَردِيّةِ، ويَتَبيَّنُ لنا أنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ إنَّما هو مِن إِبداعِ &#8220;الأَحَدِ الفَرْدِ&#8221; ذِي الجَلالِ والإِكرامِ.</p>
<p>نعم، إنْ أُسنِدَ أَمرُ الخَلقِ إلى &#8220;<strong>الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ</strong>&#8221; يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ بِسُهُولةٍ ويُسْرٍ كلَمْحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ العَظِيمةِ بآثارِها المَشهُودةِ؛ ويُقدِّرُ لِكُلِّ شَيءٍ بعِلمِه المُحِيطِ المُطلَقِ ما يُشبِهُ قَوالِبَ مَعنَوِيّةً وتَصامِيمَ غَيبِيّةً.. فكُلُّ شَيءٍ عِندَه بمِقْدارٍ.</p>
<p>فكما أنَّ الجُنُودَ المُطِيعِينَ في الجَيشِ المُنَظَّمِ يُساقُونَ لِأَخذِ مَواضِعِهِم بأَمرٍ مِنَ القائِدِ وحَسَبَ خُطَّتِه المَوضُوعةِ في عِلمِه، كَذلِك الذَّرّاتُ المُطِيعةُ لِلأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ فإنَّها تُساقُ بالقُدرةِ الرَّبّانيّةِ -بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ- لِتَأخُذَ مَواقِعَها وتُحافِظَ علَيْها حَسَبَ تَصمِيمٍ مَوجُودٍ، وصُورةٍ مَوجُودةٍ، في مِرآةِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ الأَزَليِّ؛ حتَّى لو لَزِمَ جَمعُ الذَّرّاتِ مِنَ الأَنحاءِ المُختَلِفةِ، فإنَّ جَمِيعَ الذَّرّاتِ المُرتَبِطةِ بقانُونِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ المُحِيطِ، والمَوثُوقةِ الصِّلةِ بدَساتِيرِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، تُصبِحُ بمَثابةِ الجُنُودِ المُنقادِينَ في الجَيشِ المُنَظَّمِ، فتَأتِي مُسرِعةً بذلك القانُونِ وبسَوقِ القُدرةِ لِأَخذِ مَواقِعِها في ذلك القالَبِ العِلمِيِّ والمِقدارِ القَدَرِيِّ المُحِيطَينِ بوُجُودِ ذلك الشَّيءِ.</p>
<p>بل كما تَظهَرُ الصُّورةُ المِثاليّةُ المُتَمثِّلةُ في المِرآةِ على الوَرَقةِ الحَسّاسةِ في آلةِ التَّصوِيرِ، وتَلبَسُ وُجُودًا مَحسُوسًا خارِجِيًّا؛ وكما تَظهَرُ وتُشاهَدُ الكِتابةُ المَخفِيّةُ السِّرِّيّةُ بإِمرارِ مادّةٍ كِيماوِيّةٍ علَيْها.. كَذلِك الأَمرُ في صُورةِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ، وماهِيّةِ جَمِيعِ الأَشياءِ المَوجُودةِ في مِرآةِ العِلمِ الأَزَلِيِّ لِلفَردِ الأَحَدِ، فإنَّ القُدرةَ الإِلٰهِيّةَ المُطلَقةَ تُلبِسُها -بكلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ- وُجُودًا خارِجِيًّا مَحسُوسًا، فتَظهَرُ لِلعِيانِ في عالَمِ الشَّهادةِ، بعدَ أن كانَت في عالَمِ المَعنَى والغَيبِ.</p>
<p>ولكِن إن لم يُسنَد أَمرُ الخَلقِ إلى الفَردِ الأَحَدِ فعِندَئِذٍ يَلزَمُ لِخَلقِ ذُبابةٍ واحِدةٍ مَسحُ سَطحِ الأَرضِ وتَفتِيشُها وغَربَلةُ عَناصِرِها جَمِيعًا وذَرّاتِها المُعَيَّنةَ لِوُجُودٍ مُعَيَّنٍ ثمَّ وَزنُها بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسّاسٍ، لِوَضعِ كلِّ ذَرّةٍ في مَوضِعِها المُخَصَّصِ لها، حَسَبَ قَوالِبَ مادِّيّةٍ بعَدَدِ أَجهِزَتِها وأَعضائِها المُتقَنةِ، وذلك لِكَي يَأخُذَ كلُّ شَيءٍ مَكانَه اللّائِقَ به، فَضلًا عن جَلبِ المَشاعِرِ والأَحاسِيسِ الرُّوحِيّةِ الدَّقِيقةِ واللَّطائِفِ المَعنَوِيّةِ مِنَ العَوالِمِ المَعنَوِيّةِ والرُّوحِيّةِ بعدَ وَزنِها أَيضًا بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسَبَ حاجةِ الذُّبابةِ!!</p>
<p>ألا يكُونُ -بهذا الِاعتِبارِ- خَلقُ ذُبابةٍ واحِدةٍ صَعبًا مُمتَنِعًا كإِيجادِ جَمِيعِ الكائِناتِ؟! أَلَيسَ فيه الصُّعُوباتُ تِلْوَ الصُّعُوباتِ والمُحالاتُ ضِمنَ المُحالاتِ؟! ذلك أنَّه قدِ اتَّفَق جَمِيعُ أَهلِ الإِيمانِ والعِلمِ أنَّه لا يَخلُقُ مِنَ العَدَمِ إلّا الخالِقُ الفَردُ سُبحانَه وتَعالَى.. ولِهذا لو فُوِّضَ الأَمرُ إلى الأَسبابِ والطَّبِيعةِ لَاستَلزَمَ لِوُجُودِ شَيءٍ واحِدٍ الجَمعُ مِن أَكثَرِ الأَشياءِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النقطة الثالثة: بالوحدانية تكون السهولة]</h4>
<p><strong>النُّقطةُ الثَّالثة</strong>: لقد أَوْرَدْنا أَمثِلةً كَثِيرةً في رَسائِلَ شَتَّى تُشِيرُ إلى أنَّ إِسنادَ الخَلقِ إلى &#8220;<strong>الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ</strong>&#8221; يَجعَلُ خَلقَ جَمِيعِ الأَشياءِ سَهلًا كالشَّيءِ الواحِدِ، وبعَكسِه إذا أُسنِدَ إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فخَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ يكُونُ صَعبًا مُمتَنِعًا كخَلقِ جَمِيعِ الأَشياءِ.</p>
<p>نَقتَصِرُ مِنها هنا على ثَلاثةِ أَمثِلةٍ فقط:</p>
<h5 style="text-align: center;">[مثال أول: القائد والجند]</h5>
<p><strong>المِثالُ الأوَّلُ</strong>: إذا أُحِيلَت إِدارةُ أَلفِ جُندِيٍّ إلى ضابِطٍ واحِدٍ، وأُحِيلَت إِدارةُ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى عَشَرةِ ضُبّاطٍ، فإنَّ إِدارةَ هذا الجُندِيِّ تكُونُ ذاتَ مُشكِلاتٍ وصُعُوباتٍ بمِقدارِ عَشَرةِ أَضعافِ إِدارةِ تلك الفِرقةِ مِنَ الجُنُودِ، وذلك لِأنَّ الأُمَراءَ العَدِيدِينَ سيُعادِي بَعضُهُم بَعضًا، وستَتَعارَضُ أَوامِرُهُم حَتْمًا، فلا يَجِدُ ذلك الجُندِيُّ راحةً بينَ مُنازَعةِ أُمَرائِه.. بعَكسِه تَمامًا ذلك الضَّابِطُ الَّذي يُدِيرُ بأَوامِرِه فِرقةً كامِلةً مِنَ الجُنُودِ وكأنَّه يُدِيرُ جُندِيًّا واحِدًا، ويُنَفِّذُ خُطَّتَه وما يُرِيدُه مِنَ الفِرقةِ بتَدبِيرِه كلَّ شَيءٍ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ، عِلْمًا أنَّ الوُصُولَ إلى هذه النَّتِيجةِ إذا تُرِك الأَمرُ إلى جُنُودٍ سائِبِينَ لا قادةَ لَهُم، لا يتَحَقَّقُ إلّا بشَكلٍ يَسِيرٍ وبَعدَ نِقاشاتٍ طَوِيلةٍ وبصُورةٍ ناقِصةٍ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[مثال ثانٍ: البنَّاء والأحجار]</h5>
<p><strong>المِثالُ الثَّاني</strong>: إذا سُلِّم أَمرُ بِناءِ قُبّةِ جامِعِ &#8220;أَيا صُوفْيا&#8221; إلى بَنّاءٍ ماهِرٍ، فإنَّه يقُومُ به بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، بَينَما إذا سُلِّم بِناؤُها إلى أَحجارِها، لَزِمَ أن يكُونَ كلُّ حَجَرٍ حاكِمًا مُطلَقًا على سائِرِ الأَحجارِ، ومَحكُومًا لها في الوَقتِ نَفسِه كي تَأخُذَ القُبّةُ المُعَلَّقةُ الشّامِخةُ شَكلَها! فبَينَما كانَ البَنّاءُ الماهِرُ يَصرِفُ جُهدًا قَلِيلًا -لِسُهُولةِ الأَمرِ لَدَيْه- يَصرِفُ الآنَ مِئاتٌ مِنَ البَنّائِينَ -الأَحجارِ- أَضعافَ أَضعافِ ذلك الجُهدِ، وبالكادِ يَحصُلُونَ على ذاتِ النَّتِيجةِ!!</p>
<h5 style="text-align: center;">[مثال ثالث: كرة الأرض]</h5>
<p><strong>المِثالُ الثَّالثُ</strong>: إنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ مَأمُورةٌ ومُوَظَّفةٌ مِن لَدُنِ &#8220;الفَرْدِ الواحِدِ&#8221; سُبحانَه، وهِي كالجُندِيِّ المُطِيعِ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ، فحِينَما تَستَلِمُ الأَمرَ الواحِدَ، الصّادِرَ مِن آمِرِها الأَحَدِ، تَهُبُّ مُنتَشِيةً بِأَمرِ مَوْلاها وتَنغَمِرُ في جَذَباتِ وَظِيفَتِها في شَوقٍ عارِمٍ، وتَدُورُ كالمُرِيدِ المَولَوِيِّ العاشِقِ -عِندَ قِيامِه لِلسَّماعِ- فتكُونُ وَسِيلةً لِحُصُولِ المَواسِمِ الأَربَعةِ، واختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وظُهُورِ الحَرَكاتِ الرَّفِيعةِ العَظِيمةِ، والكَشفِ عن مَناظِرَ خَلّابةٍ لِقُبّةِ السَّماءِ المَهِيبةِ وتَبدِيلِها باستِمرارٍ كتَبَدُّلِ المَشاهِدِ السِّينِمائيّةِ.. وتكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ أَمثالِ هذه النَّتائِجِ الجَلِيلةِ، حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ هي القائِدُ لِتِلك المُناوَرةِ العَسكَرِيّةِ المَهِيبةِ بينَ نُجُومِ الكَونِ.</p>
<p>ولكِن إنْ لم يُسنَدِ الأَمرُ إلى &#8220;<strong>الفَردِ الأَحَدِ</strong>&#8221; الَّذي أَحاطَ بحاكِمِيّةِ أُلُوهِيَّتِه وسُلطانِ رُبُوبيَّتِه الكَونَ كُلَّه، والَّذي يَنفُذُ حُكمُه وأَمرُه في كلِّ صَغِيرةٍ وكَبِيرةٍ في الوُجُودِ، فعِندَئذٍ يَلزَمُ أن تَسِيرَ مَلايِينُ النُّجُومِ الَّتي تَكبُرُ الأَرضَ بأُلُوفِ المَرّاتِ في مَدارٍ أَكبَرَ وأَوسَعَ بمَلايِينِ المَرّاتِ مِن مَدارِ الأَرضِ كي تَظهَرَ تلك المُناوَرةُ السَّماوِيّةُ والأَرضِيّةُ وتلك النَّتائِجُ نَفسُها الَّتي تَتَولَّدُ مِن حَرَكَتَيِ الأَرضِ السَّنَوِيّةِ واليَومِيّةِ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.</p>
<p>وهكذا، فإنَّ حُصُولَ هذه النَّتائِجِ الجَلِيلةِ النّاشِئةِ مِن حَرَكَتَيِ الأَرضِ حَولَ مِحوَرِها ومَدارِها -حَرَكةً تُشبِهُ حَرَكاتِ المَوْلَوِيِّ العاشِقِ- يُظهِرُ لنا مَدَى السُّهُولةِ والفِطرِيّةِ والبَساطةِ في &#8220;الأَحَدِيّةِ والفَردِيّةِ&#8221;، ويُبيِّنُ لنا في الوَقتِ نَفسِه أنَّ طَرِيقَ الشِّركِ والكُفرِ كم هي مَملُوءةٌ بالمُحالاتِ الَّتي لا حَدَّ لها وبالأُمُورِ الباطِلةِ غَيرِ المَعقُولةِ.</p>
<p>وبَعدُ.. فانظُرْ إِلى عُبّادِ الأَسبابِ و المُتَشدِّقِينَ بالطَّبِيعةِ مِن خِلالِ هذا المِثالِ: إِنَّ الظَّنَّ أَنَّ صانِعًا يُعِدُّ بِصَنعَتِه الفائِقةِ تُرُوسَ مَصنَعٍ أو ساعةٍ، وأَركانَ قَصرٍ مَشِيدٍ، أو كِتابٍ رائِعٍ، بِصُورةٍ مُنتَظِمةٍ لِأَقصَى حَدٍّ، ثُمَّ لا يُرَكِّبُ هو بِنَفسِه الأَجزاءَ والتُّرُوسَ، ولا يُشَغِّلُها بِسُهُولةٍ، بل يَجعَلُ كُلَّ جُزءٍ وكُلَّ تُرسٍ مِنها حتَّى الوَرَقَ والقَلَمَ ماكِينةً بَدِيعةً بِنَفَقاتٍ طائِلةٍ، لِتَعمَلَ تلك الأَجزاءُ والتُّرُوسُ بِنَفسِها، وتَبنِيَ المَصنَعَ والقَصرَ، وتُرَكِّبَ السّاعةَ، وتَكتُبَ الكِتابَ، بَدَلًا عنِ الصّانِعِ، فيُحِيلُ إلى تلك الأَجزاءِ والتُّرُوسِ مَهارَتَه وصَنعَتَه اللَّتَينِ هُما وَسِيلَتانِ لِإظهارِ جَمِيعِ بَراعَتِه وكَمالاتِه الَّتي يَتُوقُ كَثِيرًا لِإشهارِها.. حِينَئذٍ تُدرِكُ كم هو جَهلٌ وبُعدٌ عنِ العَقلِ مِثلُ هذا الظَّنِّ!</p>
<p>فالَّذِينَ يُحِيلُونَ أَمرَ الخَلقِ والإِيجادِ في هذا الكَونِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يَهوُونَ في جَهلٍ مُرَكَّبٍ سَحِيقٍ كهذا، وذلك لِأنَّ مَظاهِرَ الإِبداعِ واضِحةٌ على الأَسبابِ والطَّبِيعةِ نَفسِها، فهِي مَخلُوقةٌ كسائِرِ المَخلُوقاتِ؛ فالَّذي خَلَقها -على هذه الصُّورةِ البَدِيعةِ- هو الَّذي يَخلُقُ آثارَها ونَتائِجَها أَيضًا، ويُظهِرُها معًا.. فالَّذي خَلَق البِذْرةَ هو الَّذي أَنشَأ علَيْها شَجَرَتَها، وهُو الَّذي يُخرِجُ أَثمارَها وأَزهارَها مِن أَكمامِها.. بَينَما إن لم يُسنَد خَلقُ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ معَ آثارِهِما إلى &#8220;الواحِدِ الأَحَدِ&#8221;، يَلزَمْ لِوُجُودِ أَنواعِ الأَسبابِ وأَنماطِ الطَّبِيعةِ المُختَلِفةِ، أَنواعٌ مِنَ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ المُنتَظِمةِ المُنَسَّقةِ المُختَلِفةِ.. وهكذا تَستَمِرُّ سِلسِلةٌ مَوهُومةٌ مُمتَنِعةٌ لا مَعنَى لها ولا نِهايةَ! وهذا مِن أَعجَبِ عَجائِبِ الجَهلِ وأَتعَسِه!!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة الخامسة: الحاكمية تستلزم الانفراد]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الخامسةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد أَثبَتْنا في مَواضِعَ مُتَعدِّدةٍ مِنَ الرَّسائِلِ وببَراهِينَ دامِغةٍ أنَّ <strong>الِاستِقلالَ والِانفِرادَ مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الحاكِمِيّةِ</strong>، حتَّى إنَّ هذا الإِنسانَ الَّذي هو عاجِزٌ عَجْزًا شَدِيدًا، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ سِوَى ظِلٍّ باهِتٍ، نَراه يَرُدُّ بكُلِّ قُوّةٍ أيَّ فُضُولٍ كانَ مِنَ الآخَرِينَ، ويَرفُضُ بكُلِّ شِدّةٍ أيَّ تَدَخُّلٍ كانَ مِنهُم في شُؤُونِه، صَوْنًا مِنه لِاستِقلالِه وانفِرادِه في الأَمرِ.. بل ذُكِر في التّارِيخِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلاطِينِ قد سَفَكُوا دِماءً زَكِيّةً لِأَبنائِهِمُ الأَبرِياءِ وإِخوانِهِمُ الطَّيِّبِينَ حِينَما شَعَرُوا بتَدَخُّلٍ مِنهُم في شُؤُونِهِم.</p>
<p>إذًا، فالِاستِقلالُ والِانفِرادُ ورَفضُ مُداخَلةِ الآخَرِينَ هي مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الحاكِمِيّةِ الحَقّةِ، لا فِكاكَ لها عنها، بل هي لازِمُها ومُقتَضاها الدّائِمُ؛ <strong>فالحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ الَّتي هي بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ المُطلَقةِ تَرُدُّ بكلِّ شِدّةٍ الشِّركَ والِاشتِراكَ مَهْما كانَ نَوعُه</strong>، ولا تَقبَلُ تَدَخُّلًا مِن سِواها قَطُّ؛ ومِن هنا نَرَى القُرآنَ الكَرِيمَ يُفِيضُ في بَيانِ التَّوحِيدِ الخالِصِ ويَرُدُّ الشِّركَ والمُشارَكةَ بأُسلُوبٍ شَدِيدٍ وبتَهدِيدٍ مُرَوِّعٍ.. فكما اقتَضَتِ الحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ في الرُّبُوبيّةِ التَّوحِيدَ والوَحْدانيّةَ بقَطْعِيّةٍ تامّةٍ، وأَظهَرَت مُقتَضًى شَدِيدًا وداعِيًا قَوِيًّا لها، كَذلِك النِّظامُ المُتقَنُ والِانسِجامُ البَدِيعُ المُشاهَدانِ في الكَونِ -ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ والنَّباتاتِ والحَيَواناتِ والأَرضِ والمَعادِنِ، وانتِهاءً بالجُزئيّاتِ والأَفرادِ والذَّرّاتِ- كلٌّ مِنهُما شاهِدُ عَدْلٍ، وبُرهانٌ باهِرٌ على تلك الوَحْدانيّةِ والفَردِيّةِ، فلا يُسمَحُ قَطُّ لِرِيبةٍ أو لِشُبهةٍ، إذ لو كانَ ثمّةَ تَدَخُّلٌ مِمّا سِوَى الواحِدِ الأَحَدِ، لَفَسَد هذا النِّظامُ البَدِيعُ الرَّصِينُ، واختَلَّ هذا التَّوازُنُ المُحكَمُ المُشاهَدُ في جَمِيعِ أَجزاءِ الكَونِ، فصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ الَّذي قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.</p>
<p>نعم، لو كانَ هُنالِك أيُّ تَدَخُّلٍ مَهْما كانَ لَظَهَرَت آثارُه بادِيةً، إلّا أنَّ الدَّعوةَ الصَّرِيحةَ في الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ تُرِيك هذا النِّظامَ البَدِيعَ بكُلِّ وُضُوحٍ وجَلاءٍ حتَّى لا تَرَى ثَغرةً ولا لَبْسًا ولا نَقْصًا في جِهةٍ مِنَ الجِهاتِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ.</p>
<p>إذًا، فالنِّظامُ الرَّصِينُ في الكَونِ، والِانتِظامُ الرّائِعُ في المَخلُوقاتِ كافّةً، والمُوازَنةُ الدَّقِيقةُ بينَ المَوجُوداتِ.. تُظهِرُ لنا التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ الفَردِ، وتَشهَدُ شَهادةً واضِحةً على الوَحْدانيّةِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ <strong>أيَّ مَخلُوقٍ مَهْما كانَ صَغِيرًا، إنَّما هو مِثالٌ مُصَغَّرٌ لِلكَونِ كُلِّه ونَمُوذَجُه</strong>، وفِهرِسُه المُختَصَرُ، بمُقتَضَى تَجَلِّي الأَحَدِيّةِ؛ فلا يكُونُ مالِكًا لِذلِك المَخلُوقِ الحَيِّ الصَّغِيرِ إلّا مَن كانَ بِيَدِه زِمامُ الكَونِ كُلِّه وله الأَمرُ جَمِيعًا.. وحَيثُ إنَّ كلَّ بِذْرةٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ لَيسَت بأَقلَّ إِبداعًا في الخَلقِ مِن شَجَرةٍ ضَخْمةٍ، وكلَّ شَجَرةٍ باسِقةٍ تُضاهِي في خَلقِها خَلقَ الكائِناتِ، وكلَّ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ إنَّما هو بحُكمِ عالَمٍ مُصَغَّرٍ وكَونٍ صَغِيرٍ، فإنَّ تَجَلِّيَ الأَحَدِيّةِ هذا يَجعَلُ الشِّركَ والِاشتِراكَ مُحالًا مُمتَنِعًا.</p>
<p>فهَذا الكَونُ في ضَوءِ هذا السِّرِّ -سِرِّ <strong>الأَحَدِيّةِ</strong>&#8211; ليس كُلًّا يَستَعصِي على التَّجزِئةِ وَحْدَها، بل أَيضًا هو كُلِّيٌّ مِن حَيثُ الماهِيّةُ، لا يَقبَلُ الِانقِسامَ والِاشتِراكَ والتَّجزِئةَ وتَدَخُّلَ الأَيدِي المُتَعدِّدةِ قَطُّ؛ فإنَّ كلَّ جُزءٍ فيه بحُكمِ جُزئِيٍّ وفَردٍ مِنه، وكلَّ الكَونِ هو بحُكمِ الكُلِّيِّ، فلَيسَ فيه مَوضِعٌ لِلِاشتِراكِ في أيّةِ جِهةٍ كانَت.</p>
<p>فهذا التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; يُثبِتُ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ بهذا السِّرِّ <strong>لِلأَحَدِيَّةِ</strong>، بدَرَجةِ البَداهةِ.</p>
<p>نعم، كما أنَّ اندِماجَ أَنواعِ الكائِناتِ واندِغامَها فيما بَينَها، وتَوَجُّهَ وَظِيفةِ كلٍّ مِنها إلى عُمُومِ الكائِناتِ، مِثلَما يَجعَلُ الكَونَ كُلًّا واحِدًا يَستَعصِي على التَّجزِئةِ قَطعًا، مِن حَيثُ الخَلقُ والرُّبُوبيّةُ، كَذلِك الأَفعالُ العُمُومِيّةُ المُحِيطةُ بالكائِناتِ والَّتي تَظهَرُ آثارُها وفَعّاليّاتُها في الكائِناتِ عُمُومًا، تَجعَلُ الكَونَ أَيضًا كُلًّا واحِدًا -مِن حَيثُ تَداخُلُها ببَعضِها- حتَّى يَرفُضَ التَّجزِئةَ ويَرُدَّها رَدًّا قَوِيًّا.. ولِتَوضِيحِ ذلك نَسُوقُ المِثالَ الآتِيَ:</p>
<p>حالَما تُوهَبُ الحَياةُ لِلكائِنِ يَظهَرُ فِعلُ الإِعاشةِ والإِرزاقِ فيه مُباشَرةً، وضِمنَ أَفعالِ الإِعاشةِ والإِحياءِ هذه، يُشاهَدُ مُباشَرةً فِعلُ تَنظِيمِ جَسَدِ ذلك الكائِنِ وتَنسِيقِ أَعضائِه، وتَجهِيزِه بما يَحتاجُ.. وحِينَما تَظهَرُ أَفعالُ الإِعاشةِ والإِحياءِ والتَّنظِيمِ والتَّجهِيزِ يَفعَلُ التَّصوِيرُ والتَّربِيةُ والتَّدبِيرُ فِعلَه في الوَقتِ نَفسِه.. وهكذا.</p>
<p>فتَداخُلُ أَمثالِ هذه الأَفعالِ المُحِيطِ بَعضُها ببَعضٍ عامّةً، واتِّحادُها ببَعضِها، وامتِزاجُها كامتِزاجِ الأَلوانِ السَّبعةِ في الطَّيفِ الشَّمسِيِّ، ثمَّ إِحاطةُ كلِّ فِعلٍ مِن تلك الأَفعالِ وشُمُولُه -معَ وَحْدَتِه مِن حَيثُ الماهِيّةُ- لِلمَوجُوداتِ كلِّها في وَحْدةٍ واحِدةٍ، وكَونُ كلِّ فِعلٍ مِنها فِعلًا وَحْدانيًّا.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ فاعِلَه واحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ..</p>
<p>وكما أنَّ استِيلاءَ كلِّ فِعلٍ -مِن تلك الأَفعالِ- وهَيمَنَتَه على الكائِناتِ قاطِبةً، واتِّحادَه معَ سائِرِ الأَفعالِ في تَعاوُنٍ وَثِيقٍ، يَجعَلُ الكَونَ كُلًّا غَيرَ قابِلٍ لِلتَّجزِئةِ.. كَذلِك فإنَّ كلَّ مَخلُوقٍ حَيٍّ مِن حَيثُ كَونُه بمَثابةِ بِذْرةِ الكَونِ وفِهرِسِه ونَمُوذَجِه يَجعَلُ الكَونَ كُلِّـيًّا غَيرَ قابِلٍ لِلِانقِسامِ والتَّجزِئةِ -مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ- بل يَجعَلُ انقِسامَه مُحالًا وخارِجًا عنِ الإِمكانِ، أي إنَّ الكَونَ بهذا هو كُلٌّ لا يَتَجَزَّأُ، فلا يكُونُ إِذًا رَبُّ الجُزءِ إلّا مَن كانَ رَبًّا لِلكُلِّ، وهُو كُلِّيٌّ أَيضًا بحَيثُ يكُونُ كلُّ جُزءٍ مِنه بحُكمِ فَردٍ، فلا يكُونُ رَبًّا لِلفَردِ الواحِدِ إلّا مَن كانَ زِمامُ ذلك الكُلِّيِّ بِيَدِه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة السادسة: الإيمان بالوحدانية أمنٌ وسلوان]</h3>
<p><strong>الإشارةُ السَّادسةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كما أنَّ الفَردِيّةَ الرَّبّانِيّةَ والوَحْدةَ الإِلٰهِيّةَ هي أَساسُ جَمِيعِ الكَمالاتِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> ومَنشَأُ المَقاصِدِ السّامِيةِ، ومَنبَعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، كَذلِك هي المَنبَعُ الأَصلِيُّ والوَسِيلةُ الوَحِيدةُ لِحُصُولِ رَغَباتِ كُلِّ ذِي شُعُورٍ وذِي عَقلٍ ولا سِيَّما الإِنسانِ، فلَوْلا &#8220;الفَردِيّةُ&#8221; لَانطَفَأَت شُعلةُ رَغَباتِه ومَطالِبِه كلِّها، وانمَحَت جَمِيعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، وتَلاشَت أَكثَرُ الكَمالاتِ المَوجُودةِ والثّابِتةِ وانعَدَمَت.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنَّ رَغبةَ حُبِّ البَقاءِ بل عِشقَه، عَمِيقةٌ في الإِنسانِ.. هذه الرَّغبةُ العَرِيقةُ لا يُحَقِّقُها ولا يُسَكِّنُها ويُطَمْئِنُها إلّا مَن هو مالِكٌ لِمَقالِيدِ الكَونِ، الذي يَفتَحُ بابَ البَقاءِ السَّرمَدِيِّ أَمامَ الإِنسانِ بالآخِرةِ، بعدَ أن يُنهِيَ هذه الدُّنيا الفانيةَ ويُغلِقَ أَبوابَها كسُهُولةِ غَلقِ غُرفةٍ وفَتحِ أُخرَى.</p>
<p>وهُنالِك رَغَباتٌ أُخرَى كَثِيرةٌ جِدًّا لِلإِنسانِ أَمثالَ هذه الرَّغبةِ، كلُّها مُمتَدّةٌ إلى غَيرِ نِهايةٍ مَعلُومةٍ، ومُتَشعِّبةٌ في ثَنايا الكائِناتِ جَمِيعًا.. فهذه الرَّغَباتُ جَمِيعُها مُرتَبِطةٌ ارتِباطًا وَثِيقًا بحَقِيقةِ التَّوحِيدِ، ومَشدُودةٌ معَ سِرِّ &#8220;<strong>الفَردِيّةِ</strong>&#8220;؛ فلَوْلا ذلك السِّرُّ لَبَقِيَت هذه الرَّغَباتُ عَقِيمةً دُونَ نَتائِجَ، قاصِرةً عن بُلُوغِ مَداها، مَبتُورةً مُنكَمِشةً؛ ولَوْلا تَصَرُّفُ الواحِدِ الأَحَدِ في الكَونِ كُلِّه لَمَا اطمَأَنَّت ولا حَصَلَت تلك الرَّغَباتُ، ولو حَصَلَت حَصَلَت مَبتُورةً.</p>
<p>فالإِيمانُ بالوَحْدانيّةِ، وبقُدرةِ &#8220;الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ&#8221; المُطلَقةِ هو وَحْدَه الكَفِيلُ بإِحلالِ الطُّمَأنينةِ والسُّكُونِ في تلك الرَّغَباتِ المُتَأجِّجةِ لَدَى الإِنسانِ؛ مِن أَجلِ هذا السِّرِّ العَظِيمِ نَرَى القُرآنَ الكَرِيمَ يَذكُرُ التَّوحِيدَ والوَحدانيّةَ بكلِّ حَرارةٍ وشَوقٍ، ويُكرِّرُها بكلِّ حَلاوةٍ وذَوقٍ، وأنَّ الأَنبِياءَ عَلَيهِم السَّلَام والأَصفِياءَ والعُلَماءَ والأَولِياءَ الصَّالِحِينَ يَجِدُونَ بُغيَتَهُم وذَوقَهُمُ السّامِيَ، بل مُنتَهَى سَعادَتِهِم في أَفضَلِ ما قالُوه: &#8220;<strong>لا إِلٰهَ إلّا هُو</strong>&#8220;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الإشارة السابعة: دلائل التوحيد دلائل على صدق النبي ﷺ]</h3>
<p><strong>الإشارةُ السَّابعةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ هذا التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ بجَمِيعِ مَراتِبِه، وبِأَتَمِّ صُورَتِه الكامِلةِ، قد أَثبَتَه وأَعلَنَه وفَهَّمَه وبَلَّغَه مُحَمَّدٌ ﷺ، فلا بُدَّ أنَّ رِسالَتَه ثابِتةٌ وقاطِعةٌ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ التَّوحِيدِ نَفسِه، لِأنَّه لَمّا كانَ التَّوحِيدُ هو أَعظَمَ حَقِيقةٍ في عالَمِ الوُجُودِ، وأنَّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ ﷺ هو الَّذي تَوَلَّى تَبلِيغَه وتَعلِيمَه بجَمِيعِ حَقائِقِه، فلا بُدَّ أنَّ جَمِيعَ البَراهِينِ الَّتي تُثبِتُ التَّوحِيدَ، تكُونُ بدَوْرِها بَراهِينَ لِإثباتِ رِسالَتِه، وأَدِلّةً على صِدقِ نُبُوَّتِه وأَحَقِّيّةِ دَعوَتِه ﷺ، فرِسالةٌ كهذه الرِّسالةِ العُظمَى الَّتي تَضُمُّ أُلُوفًا مِن أَمثالِ هذه الحَقائِقِ السّامِيةِ، وتَكشِفُ عن حَقِيقةِ التَّوحِيدِ وتُرشِدُ إلَيْه وتُلَقِّنُه، لا شَكَّ أنَّها رِسالةٌ يَقتَضِيها ذلك التَّوحِيدُ وتلك الفَردِيّةُ.. فمَن ذا غَيرُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذي أَدَّى الأَمانَة على أَفضَلِ وَجهٍ وبَلَّغ الرِّسالةَ على أَجمَلِ صُورةٍ؟!</p>
<p>سنَذكُرُ ثَلاثةَ نَماذِجَ، مِثالًا لِتِلك الأَدِلّةِ الكَثِيرةِ والأَسبابِ العَدِيدةِ الَّتي تَشهَدُ على عَظَمةِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ لِهذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ، وتَدُلُّ على عُلُوِّ مَنزِلَتِه الرَّفِيعةِ، وتُبيِّنُ أنَّه السِّراجُ المُنِيرُ لِهذه الكائِناتِ وشَمسُها السّاطِعةُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل الأول: حسنات أمته في صحيفته ﷺ]</h4>
<p><strong>الدَّليلُ الأوَّلُ</strong>: إنَّ ثَوابَ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَنالُها جَمِيعُ أَفرادِ الأُمّةِ، وعلى مَدَى جَمِيع العُصُورِ، مَكتُوبٌ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه ﷺ، إذ هو السَّبَبُ في نَيلِ كلِّ ثَوابٍ تَنالُه أُمَّتُه إلى يَومِ القِيامةِ، حَيثُ &#8220;السَّبَبُ كالفاعِلِ&#8221;.</p>
<p>تَأَمَّلْ في هذا ثمَّ فَكِّرْ في المَقامِ المُعَظَّمِ اللّائِقِ الَّذي يَقتَضِيه مَجمُوعُ الأَدعِيةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِنَ الصَّلَواتِ المَقبُولةِ المَرفُوعةِ يَومِيًّا مِنَ الأُمّةِ كافّةً.. تُدرِكْ عِندَئِذٍ دَرَجَتَه العالِيةَ الرَّفيعةَ، وتَفْهَمْ أنَّ شَخصِيَّتَه المَعنَوِيّةَ شَمسُ الكائِناتِ والسِّراجُ المُنِيرُ لِلخَلقِ أَجمَعِينَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل الثاني: كلمات العبادات والأذكار النبوية السامية]</h4>
<p><strong>الدَّليلُ الثَّاني</strong>: إنَّ بِذْرةَ الشَّجَرةِ الوارِفةِ لِلإِسلامِ، ومَنشَأَها، وحَياتَها، ومَنبَعَها إنَّما هي حَقِيقةُ الماهِيّةِ المُحَمَّدِيّةِ، بما تَملِكُ مِن فِطرةٍ سامِيةٍ، وخِلقةٍ كامِلةٍ؛ فتَذَكَّرْ هذا ثمَّ فَكِّرْ في الرُّقيِّ الرُّوحِيِّ لِهذا الرَّسُولِ الحَبِيبِ ﷺ النَّابِعِ مِنِ استِشعارِه الكامِلِ الأَتَمِّ لِجَمِيعِ مَعانِي العِباداتِ، والأَذكارِ، والكَلِماتِ الشَّرِيفةِ ومَراتِبِها، والَّتي تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها رُوحَ الإِسلامِ وحَقِيقَتَه، لِتَعلَمَ مَدَى عُلُوِّ مَرتَبةِ وِلايةِ عُبُودِيَّتِه ﷺ المُرتَقِيةِ إلى الدَّرَجةِ الرَّفِيعةِ، دَرَجةِ الحَبِيبِيّةِ، وافْهَمْ مَبلَغَ سُمُوِّها.</p>
<p>ولقد فَتَح اللهُ عَلَيَّ يَومًا في سَجدةٍ في صَلاةٍ، بَعضَ المَعانِي والأَنوارِ المُشِعّةِ مِن كَلِمةِ &#8220;<strong>سُبحانَ رَبِّي الأَعلَى</strong>&#8221; بما يَقرُبُ مِن فَهمِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ مِن هذه الكَلِمةِ المُقَدَّسةِ، فتَبيَّنَ لي يَقِينًا أنَّها خَيرٌ مِن عِبادةِ شَهرٍ، فأَدرَكتُ بها المَنزِلةَ العَظِيمةَ والدَّرَجةَ العاليةَ الَّتي يَحظَى بها الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ.</p>
<p>نعم، إنَّ الأَنوارَ الَّتي تُشِعُّها <strong>الكَلِماتُ المُقدَّسةُ</strong> <strong>وفُيُوضاتُها</strong> في بَدءِ الإِسلامِ لها مَزايا خاصّةٌ، وذلك لِجِدَّتِها، ولها مِنَ اللَّطافةِ والطَّراوةِ واللَّذّةِ ما يَتَناقَصُ بمُرُورِ الزَّمَنِ وتَتَستَّرُ تَحتَ سِتارِ الغَفْلةِ.</p>
<p>والآنَ، وفي ضَوءِ ما سَبَق، تَأمَّلْ مَكانةَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ الَّذي تَناوَلَ الكَلامَ المُقدَّسَ، ورَشَفَه مِنَ المَنبَعِ الأَقدَسِ، واستَوعَبَ أَنوارَه بالوَحيِ الإِلٰهِيِّ بكامِلِ جِدَّتِه وطَراوَتِه ولَطافَتِه، بِما فُطِرَ علَيْه مِنِ استِعدادٍ كامِلٍ.. فالأَنوارُ والفُيُوضاتُ الكامِنةُ في تَسبِيحةٍ واحِدةٍ مِنه ﷺ هي خَيرٌ وأَعَمُّ مِن جَمِيعِ الأَنوارِ الَّتي تَملَأُ أَرجاءَ عِبادةِ سَنةٍ كامِلةٍ عِندَ غَيرِه.!</p>
<p>قِسْ على هذا المِنوالِ، كي تَعلَمَ كم بَلَغ رَسُولُنا الحَبِيبُ ﷺ مِن دَرَجاتِ الكَمالِ الَّتي لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل الثالث: الحبيب ﷺ هو مخاطَب الحق تعالى]</h4>
<p><strong>الدَّليلُ الثَّالثُ</strong>: إنَّ الإِنسانَ يُمثِّلُ أَعظَمَ مَقصَدٍ مِنَ المَقاصِدِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ، وهُو المُؤهَّلُ لِإدراكِ الخِطابِ الرَّبّانِيِّ، وقدِ اختارَه سُبحانَه مِن بينِ مَخلُوقاتِه، واصطَفَى مِن بينِ الإِنسانِ المُكَرَّمِ مَن هو أَكمَلُ وأَفضَلُ وأَعظَمُ إِنسانٍ بأَعمالِه وآثارِه الكامِلةِ، لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه الجَلِيلِ بِاسمِ النَّوعِ الإِنسانِيِّ كافّةً، بل بِاسمِ الكائِناتِ جَمِيعًا.. فلا رَيبَ أنَّ اللهَ سُبحانَه <strong>الفَرْدَ الجَلِيلَ</strong> الَّذي هَيَّأ رَسُولَه الحَبِيبَ ﷺ لِهذه المَرتَبةِ قد مَنَحَه مِنَ الأَنوارِ والكَمالاتِ ما لا يُحَدُّ بحُدُودٍ.</p>
<p>وهكذا، وبمِثلِ هذه الدَّلائِلِ الثَّلاثةِ ودَلائلَ أُخرَى كَثِيرةٍ يَثبُتُ لَدَيْنا يَقِينًا أنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ، شَمسٌ مَعنَوِيّةٌ ساطِعةٌ لِلكائِناتِ، وسِراجٌ مُنِيرٌ لامِعٌ لها، كما أنَّها الآيةُ العُظمَى مِن قُرآنِ الكَونِ، والِاسمُ الأَعظَمُ لِذلِك الفُرَقانِ الأَعظَمِ، ومِرآةٌ صافِيةٌ لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِأَنوارِ اسمِ &#8220;الفَرْدِ&#8221; عَزَّ وجَلَّ.</p>
<p>فاللَّهُمَّ يا أَحَدُ، يا فَردُ، يا صَمَدُ، أَنزِلْ مِن بَرَكاتِ خَزِينةِ رَحمَتِك الَّتي لا تَنفَدُ، صَلَواتٍ وسَلامًا على تلك الذّاتِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ، بعَدَدِ ذَرّاتِ الكَونِ مَضرُوبًا بعَدَدِ عاشِراتِ جَمِيعِ أَزمِنةِ الكَونِ.‌</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الخامسة: حول اسم &#8220;الحي&#8221;]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>النُّكتة الخامسة للَّمْعة الثلاثين</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾</strong></p>
<p>لقد تَراءَت في أُفُقِ عَقلِي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقيقةِ لِلآيتَينِ المَذكُورَتَينِ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ نُورِ الِاسمِ الأَعظَمِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8221; أو أَحَدِ نُورَيه، أو أَحَدِ أَنوارِه السِّتّةِ، وذلك في شَهرِ شَوّالٍ عِندَما كُنتُ في سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221;، فلم أَتَمكَّن مِن تَوثِيقِها في حِينِه، ولم أَستَطِع أن أَقتَنِصَ ذلك الطّائِرَ السّامِيَ، ولكِن بَعدَما تَباعَد ذلك القَبَسُ الوَضِيءُ اضطُرِرتُ إلى الإِشارةِ إلَيْه بوَضعِ رُمُوزٍ تَرمُزُ إلى أَشِعّةِ تلك الحَقِيقةِ الكُبْرَى، وذلك النُّورِ الأَعظَمِ؛ وسأُشِيرُ إلَيْها هنا باختِصارٍ:</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرمز الأول: ما هي الحياة؟]</h3>
<p><strong>الرَّمزُ الأوَّلُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>ما الحَياةُ الَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ اللهِ <strong>الحَيِّ المُحيِي</strong>؟ وما ماهِيَّتُها؟ وما مُهِمَّتُها؟</p>
<p>جَوابُ هذا السُّؤالِ نُدرِجُه على صُورةِ فِهرِسٍ، على النَّحوِ الآتِي:</p>
<p>الحَياةُ هي لِهذه الكائِناتِ:</p>
<p>أَهَمُّ غايةٍ..</p>
<p>وأَعظَمُ نَتِيجةٍ..</p>
<p>وأَسطَعُ نُورٍ..</p>
<p>وأَلطَفُ خَمِيرةٍ..</p>
<p>وأَصفَى خُلاصةٍ..</p>
<p>وأَكمَلُ ثَمَرةٍ..</p>
<p>وأَسمَى كَمالٍ..</p>
<p>وأَزهَى جَمالٍ..</p>
<p>وأَبهَى زِينةٍ..</p>
<p>وهِي سِرُّ وَحدَتِها..</p>
<p>ورابِطةُ اتِّحادِها..</p>
<p>ومَنشَأُ كَمالاتِها..</p>
<p>وهِي أَبدَعُ ذاتِ رُوحٍ فيها، مِن حَيثُ الإِتقانُ والماهِيّةُ..</p>
<p>وهِي حَقِيقَتُها المُعجِزةُ، تُصَيِّرُ أَصغَرَ مَخلُوقٍ عالَمًا بحَدِّ ذاتِه..</p>
<p>وهِي أَروَعُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، بجَعلِها الكائِنَ الحَيَّ بمَثابةِ كَونٍ مُصَغَّرٍ، فكَأنَّها -أي: الحَياةَ- وَسِيلةٌ لِانطِواءِ الكائِناتِ في ذلك الكائِنِ الحَيِّ الصَّغِيرِ؛ بما تُظهِر فيه ما يُشبِهُ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ، كما تَجعَلُه في رِباطٍ وَثِيقٍ معَ مُعظَمِ المَوجُوداتِ..</p>
<p>وهِي صَنعةٌ إِلٰهِيّةٌ خارِقةٌ، تُكبِّرُ الجُزءَ الضَّئِيلَ إلى أَكبَرِ كُلٍّ، حتَّى إنَّها تَجعَلُ الفَردَ بحُكمِ العالَمِ وكأنَّه كُلِّيٌّ؛ وتَعرِضُ الكَونَ -مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ- في حُكمِ الكُلِّ والكُلِّيِّ الَّذي لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ والِاشتِراكَ والِانقِسامَ..</p>
<p>وهِي أَسطَعُ بُرهانٍ ضِمنَ ماهِيَّاتِ الكائِناتِ، وأَثبَتُه وأَكمَلُه، يَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه، وعلى أنَّه &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221;، ويَدُلُّ على وَحْدَتِه وأَحَدِيَّتِه جلَّ وعَلا..</p>
<p>وهِي أَبلَغُ صُورةٍ لِصَنعةٍ رَبّانيّةٍ حَكِيمةٍ -ضِمنَ المَصنُوعاتِ الإِلٰهِيّةِ- وأَخفاها وأَظهَرُها وأَثمَنُها وأَزهَدُها وأَنزَهُها وأَلمَعُها..</p>
<p>وهِي أَلطَفُ تَجَلٍّ لِلرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ وأَرَقُّها وأَدَقُّها، تَجعَلُ المَوجُوداتِ خادِمةً لها.. وهِي أَجمَعُ مِرآةٍ تَعكِسُ الشُّؤُونَ الإِلٰهِيّةَ لِلأَنظارِ..</p>
<p>وهِي أُعجُوبةُ الخِلقةِ الرَّبّانيّةِ، إذ تَجمَعُ تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الرَّحمٰنِ، الرَّزّاقِ، الرَّحِيمِ، الكَرِيمِ، الحَكِيمِ&#8221; وأَمثالِها مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وتَجعَلُ الحَقائِقَ الكَثِيرةَ والمُشاهَدةَ كالرِّزقِ والحِكمةِ والعِنايةِ والرَّحمةِ تابِعةً لها، فتَقُودُها، مِثلَما هي مَنشَأُ جَمِيعِ المَشاعِرِ ومَعدِنُ جَمِيعِ الحَواسِّ كالبَصَرِ والسَّمعِ والشُّعُورِ..</p>
<p>وهِي ماكِينةُ تَنظِيفٍ عَظِيمةٌ، وجِهازُ استِحالةٍ عَجِيبٌ في مَصنَعِ الكائِناتِ، حيثُ تَقُومُ بالتَّصفِيةِ والتَّطهيرِ في كلِّ نَواحِيه، فتُطَهِّرُ الشَّيءَ وتَمنَحُه الرُّقِيَّ وتُنَوِّرُه، وكأنَّ الجَسَدَ -الَّذي هو عُشُّ الحَياةِ- دارُ ضِيافةٍ لِقَوافِلِ الذَّرّاتِ ومَدرَسَتُها ومُعَسكَرُها؛ تَتَعلَّمُ فيه وَظائِفَها، وتَتَدرَّبُ على أَعمالِها، فتَتَنوَّرُ وتُضِيءُ..</p>
<p>وهِي وَسِيلةٌ يُنوِّرُ بها &#8220;الحَيُّ المُحيِي&#8221; سُبحانَه عالَمَ الدُّنيا المُظلِمَ الفانِيَ السّافِلَ ويَمنَحُه نَوعًا مِنَ البَقاءِ، ويَجعَلُه بماكِينةِ الحَياةِ لَطِيفًا مُهَيَّأً لِلمُضِيِّ إلى العالَمِ الباقِي..</p>
<p>ثمَّ إنَّ وَجهَيِ الحَياةِ -أي: المُلكَ والمَلَكُوتَ- صافِيانِ طاهِرانِ لا نَقصَ فِيهِما، سامِيانِ؛ وهِي مَخلُوقٌ خاصٌّ مُتَميِّزٌ عن كلِّ خَلقٍ آخَرَ، لم تُوضَع لها الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ حُجُبًا لِتَصَرُّفاتِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ -كما هي في سائِرِ الأَشياءِ- وذلك لِيَكُونَ أَمرُ صُدُورِها مِن يَدِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ مُباشَرةً دُونَ حُجُبٍ أو وَسائِطَ..</p>
<p>وحَقِيقةُ الحَياةِ تَتَطلَّعُ إلى الأَركانِ الإِيمانيّةِ السِّتّةِ وتُثبِتُها مَعنًى ورَمزًا، أي إنَّها تُثبِتُ وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه وحَياتَه السَّرمَدِيّةَ؛ والدّارَ الآخِرةَ وحَياتَها الدّائِمةَ؛ ووُجُودَ المَلائِكةِ.. وتَتَوجَّهُ تَوَجُّهًا كامِلًا إلى إِثباتِ سائِرِ الأَركانِ الإِيمانيّةِ وتَقتَضِيها..</p>
<p>وهِي أَصفَى خُلاصةٍ مُتَرشِّحةٍ مِنَ الكائِناتِ كُلِّها، كما أنَّها أَعظَمُ سِرٍّ يُولِّدُ الشُّكرَ والعِبادةَ والحَمدَ والمَحَبّةَ الَّتي هي أَهَمُّ المَقاصِدِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ، وأَهَمُّ نَتِيجةٍ لِخَلقِ العالَمِ هذا.</p>
<p>تَأمَّلْ هذه الخَصائِصَ المُهِمّةَ القَيِّمةَ لِلحَياةِ، والبالِغةَ <strong>تِسعًا وعِشرِينَ خاصِّيّةً</strong>، ودَقِّقِ النَّظَرَ في مُهِمّاتِها السّامِيةِ الشّامِلةِ، ثمَّ انظُرْ مِن وَراءِ اسمِ &#8220;<strong>المُحيِي</strong>&#8221; إلى عَظَمةِ اسمِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8220;، وأَدرِكْ كيف أنَّ اسمَ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8221; هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ مِن حَيثُ هذه الخَصائِصُ العَظِيمةُ لِلحَياةِ، ومِن حَيثُ ثِمارُها ونَتائِجُها؛ وافْهَمْ أَيضًا أنَّه لا بُدَّ أَن تكُونَ لِهَذِه الحَياةِ غايةٌ كُبْرَى كِبَرَ الكَونِ ونَتِيجةً عُظمَى بعَظَمَتِه ما دامَت هي أَعظَمَ نَتِيجةٍ لِهذه الكائِناتِ وأَعظَمَ غايةٍ وأَثمَنَ ثَمَرةٍ؟ لِأنَّ الثَّمَرةَ مِثلَما هي نَتِيجةُ الشَّجَرةِ، فنَتِيجةُ الثَّمَرةِ شَجَرةٌ قادِمةٌ بواسِطةِ بِذْرَتِها.</p>
<p>نعم، إنَّ غايةَ هذه الحَياةِ ونَتيجَتَها هي الحَياةُ الأَبدِيّةُ، كما أنَّ ثَمَرةً مِن ثِمارِها هي الشُّكرُ والعِبادةُ والحَمدُ والمَحَبّةُ تِجاهَ واهِبِ الحَياةِ &#8220;الحَيِّ المُحيِي&#8221;، وإنَّ هذا الشُّكرَ والمَحَبّةَ والحَمدَ والعِبادةَ هي ثَمَرةُ الحَياةِ كما أنَّها غايةُ الكائِناتِ.</p>
<p>فاعْلَمْ مِن هذا أنَّ الَّذِينَ يَحصُرُونَ غايةَ هذه الحَياةِ في: &#8220;عَيشٍ بِرَفاهٍ، وتَمَتُّعٍ بغَفْلةٍ، وتَنَعُّمٍ بِهَوًى&#8221; إنَّما يَستَخِفُّونَ -بجَهلٍ مُستَهجَنٍ قَبِيحٍ- بهذه النِّعمةِ الغالِيةِ الكُبْرَى، نِعمةِ الحَياةِ، وهَدِيّةِ الشُّعُورِ، وإِحسانِ العَقلِ، ويُحَقِّرُونَها ويُنكِرُونَها، بل يَكفُرُونَ بها، فيَرتَكِبُونَ كُفرانًا عَظِيمًا وإِثمًا مُبِينًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرمز الثاني: وجه الحياة ظاهر لا تحجبه الأسباب]</h3>
<p><strong>الرَّمزُ الثَّاني:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>الحَياةُ الَّتي هي أَعظَمُ تَجَلٍّ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8221; وأَلطَفُ تَجَلٍّ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>المُحيِي</strong>&#8221; يُحتاجُ في بَيانِ مَراتِبِها وصِفاتِها ووَظائِفِها -المَذكُورِ فِهرِسْتُها في الرَّمزِ الأوَّلِ- إلى كِتابةِ رَسائِلَ عِدّةٍ بعَدَدِ تلك المَزايا والخَصائِصِ؛ لِذا سنُشِيرُ إِشارةً مُختَصَرةً إلى بِضعٍ مِنها مُحِيلِينَ تَفاصِيلَها إلى أَجزاءِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، حَيثُ بَيَّنَت قِسمًا مِن تلك الخَصائِصِ والمَراتِبِ والمُهِمّاتِ.. فلَقَد ذُكِرَ في الخاصِّيّةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ مِنَ الخَصائِصِ التِّسعةِ والعِشرِينَ لِلحَياةِ <strong>أنَّ وَجْهَيِ الحَياةِ صافِيانِ، شَفّافانِ، رائِقانِ</strong>.. فلمْ تَضَعِ القُدرةُ الرَّبّانيّةُ أَسبابًا ظاهِرِيّةً لِتَصرُّفاتِها فيها؛ وسِرُّ هذه الخاصِّيّةِ هو ما يَأتِي:</p>
<p>إنَّ كلَّ شَيءٍ في الكَونِ يَنطَوِي على خَيرٍ، وفيه جَمالٌ وحُسنٌ، أمّا الشَّرُّ والقُبحُ فهُما جُزئيّانِ جِدًّا، وهُما بحُكمِ وَحْدَتَينِ قِياسِيَّتَينِ، أي إنَّهُما وُجِدا لِإظهارِ ما في الخَيرِ وما في الجَمالِ مِن مَراتِبَ كَثِيرةٍ وحَقائِقَ عَدِيدةٍ؛ لِذا يُعَدُّ الشرُّ خَيرًا والقُبحُ حُسنًا مِن هذه الزّاوِيةِ، أي: مِن زاوِيةِ كَونِهِما وَسائِلَ لِإبرازِ المَراتِبِ والحَقائِقِ، ولكِن ما يَبدُو لِذَوِي الشُّعُورِ مِن مَظاهِرِ القُبحِ والشَّرِّ والبَلاءِ والمَصائِبِ، قد تَدفَعُهُم إلى السُّخطِ والشَّكوَى والِامتِعاضِ، فوُضِعَتِ الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ سِتارًا لِتَصَرُّفِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، لِئَلّا تَتَوجَّه تلك الشَّكاوَى الظَّالِمةُ والسُّخطُ الباطِلُ إلى &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221; جلَّ وعَلا..</p>
<p>زِدْ على ذلك: فإنَّ العَقلَ أَيضًا بنَظَرِه الظّاهِرِيِّ القاصِرِ، قد يَرَى مُنافاةً بينَ أُمُورٍ يَراها خَسِيسةً، خَبِيثةً، قَبِيحةً، وبينَ مُباشَرةِ يَدِ القُدرةِ المُنَزَّهةِ المُقَدَّسةِ لها، فوُضِعَتِ الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ سِتارًا لِتَصَرُّفِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ لِتُنَزِّهَ عِزّةَ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ عن تلك المُنافاةِ الظّاهِرِيّةِ.</p>
<p>عِلمًا أنَّ تلك الأَسبابَ لا يُمكِنُها أن تُوجِدَ شَيئًا بحَدِّ ذاتِها قَطُّ، بل هي مَوضُوعةٌ لِصِيانةِ عِزّةِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ وتَنزِيهِها، ولِتَظَلَّ هي هَدَفًا مُباشَرًا لِلشَّكاوَى الظّالِمةِ والِاعتِراضاتِ الباطِلةِ.</p>
<p>ولقد ذَكَرْنا في مُقدِّمةِ المَقامِ الثّاني مِنَ &#8220;الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِينَ&#8221; أنَّ مَلَكَ المَوتِ &#8220;عَزرائِيلَ&#8221; عَلَيهِ السَّلَام وَجَد أنَّ مُهِمّةَ قَبضِ الأَرواحِ الَّتي أُوكِلَت إلَيْه مُهِمّةٌ بَغِيضةٌ لِبَني آدَمَ، وسيَكُونُ مِن جَرّائِها مَوضِعَ سُخْطِهِم ومَثارَ امتِعاضِهِم، فناجَى رَبَّ العِزّةِ بشَأنِ مُهِمَّتِه قائِلًا:</p>
<p>يا رَبِّ إنَّ عِبادَك سيَسخَطُونَ عَلَيَّ!‌</p>
<p>وجاءَه الجَوابُ:‌</p>
<p>سأَضَعُ سِتارَ الأَمراضِ وحِجابَ المَصائِبِ بينَ مُهِمَّتِك وبَينَهُم، فلا تُصَوَّبُ سِهامُ الشَّكاوَى والِاعتِراضاتِ إلَيْك، بل إلى الحُجُبِ.</p>
<p>فحَسَبَ مَضمُونِ هذه المُناجاةِ نقُولُ: إنَّ الَّذِينَ لا يَرَونَ الوَجهَ الصَّبُوحَ الحَقِيقيَّ لِلمَوتِ المُتَوجِّهِ إلى أَهلِ الإِيمانِ، ولا يُدرِكُونَ ما فيه مِن رَحمةٍ مُدَّخَرةٍ، يُبدُونَ اعتِراضاتٍ وشَكاوَى، فتَبْرُزُ أَمامَهُم مُهِمّةُ عَزرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام حِجابًا وسِتارًا، فلا تَتَوجَّهُ تلك الشَّكاوَى الباطِلةُ والِاعتِراضاتُ المُجحِفةُ إلى الذّاتِ المُقدَّسةِ لِلحَيِّ القَيُّومِ.. ومِثلَما أنَّ مُهِمّةَ عَزرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام سِتارٌ، فإنَّ الأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ الأُخرَى هي أَيضًا حُجُبٌ وأَستارٌ.</p>
<p>نعم، إنَّ العِزّةَ والعَظَمةَ تَقتَضِيانِ أن تكُونَ الأَسبابُ حُجُبًا بينَ يَدَيِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ أَمامَ نَظَرِ العَقلِ، إلّا أنَّ الجَلالَ والوَحدانيّةَ يَقتَضِيانِ أن تَسحَبَ الأَسبابُ أَيدِيَها وتَرفَعَها عنِ التَّأثيرِ الحَقِيقيِّ.</p>
<p>أمّا وَجْهَا الحَياةِ الظَّاهِرُ والباطِنُ: المُلكُ والمَلَكُوتُ، فهُما صافِيانِ كامِلانِ مُبَرَّآن مِنَ النَّقصِ والتَّقصِيرِ، فمِثلَما لا يُوجَدُ فِيهِما ما يَستَدعِي الشَّكوَى أوِ الِاعتِراضَ، فلَيسَ فِيهِما كَذلِك ما يُنافِي عِزّةَ القُدرةِ ونَزاهَتَها مِن دَنَسٍ مُستَهجَنٍ أو قُبحٍ ظاهِرٍ؛ لِذا فقد سُلِّمَ وَجْهاها مُباشَرةً إلى اسمِ &#8220;المُحيِي&#8221; لِذاتِ اللهِ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221; مِن دُونِ إِسدالِ أَستارِ الأَسبابِ وحُجُبِها.</p>
<p>ومِثلُ الحَياةِ: النُّورُ، وكَذلِك الوُجُودُ والإِيجادُ.. وعلَيْه نَرَى أنَّ الإِيجادَ والخَلقَ يَتَوجَّهانِ مُباشَرةً مِن دُونِ حُجُبٍ وأَستارٍ إلى قُدرةِ الخالِقِ سُبحانَه، بل حتَّى المَطَرُ -وهُو نَوعٌ مِنَ الحَياةِ ورَحمةٌ مُهداةٌ مِنه سُبحانَه- فلا يَحكُمُه قانُونٌ مُطَّرِدٌ يُحَدِّدُ وَقتَ نُزُولِه، وذلك لِئَلّا تُحرَمَ أَكُفُّ الضَّراعةِ أَمامَ بابِ الرَّحمةِ مِنَ الرَّجاءِ والِاستِرحامِ وَقتَ الحاجةِ، إذ لو كانَ المَطَرُ يَنزِلُ حَسَبَ قانُونٍ مُطَّرِدٍ -بمِثلِ شُرُوقِ الشَّمسِ وغُرُوبِها- لَمَا كانَ الخَلقُ يَتَوسَّلُونَ ويَستَغِيثُونَ كلَّ حِينٍ استِنزالًا لِنِعمةِ الحَياةِ تلك.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرمز الثالث: الحياة نتيجة الكائنات، والشمر نتيجة الحياة]</h3>
<p><strong>الرَّمزُ الثَّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد ذُكِرَ في الخاصِّيّةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ: كما أنَّ <strong>الحَياةَ نَتِيجةُ الكائِناتِ</strong>، كَذَلِك <strong>الشُّكرُ والعِبادةُ هما نَتِيجةُ الحَياةِ</strong>، وسَبَبُ خَلقِ الكائِناتِ، وعِلَّتُها الغائِيّةُ، ونَتِيجَتُها المَقصُودةُ.</p>
<p>نعم، إنَّ خالِقَ الكَونِ سُبحانَه &#8220;<strong>الحَيُّ القَيُّومُ</strong>&#8221; إذ يُعَرِّفُ نَفسَه لِذَوِي الحَياةِ ويُحَبِّبُها إلَيْهِم بنِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَطلُبُ مِنهُم شُكرَهُم تِجاهَ تلك النِّعَمِ، ومَحَبَّتَهُم إِزاءَ تَحَبُّبِه إِلَيْهِم، وثَناءَهُم واستِحسانَهُم مُقابِلَ بَدائِعِ صُنعِه، وطاعَتَهُم وعُبُودِيَّتَهُم تِجاهَ أَوامِرِه الرَّبّانيّةِ؛ فيكُونُ الشُّكرُ والعِبادةُ -حَسَبَ سِرِّ الرُّبُوبيّةِ هذا- أَعظَمَ غايةٍ لِجَمِيعِ أَنواعِ الحَياةِ، ومِن ثَمَّ أَعظَمَ غايةٍ لِلكَونِ بأَسْرِه..</p>
<p>ومِن هنا نَرَى أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَحُثُّ بحَرارةٍ ويَسُوقُ برِفقٍ وعُذُوبةٍ إلى الشُّكرِ والعِبادةِ؛ فيُكَرِّرُ كَثِيرًا ويُبيِّنُ ويُوضِّحُ أنَّ العِبادةَ خاصّةٌ للهِ وَحدَه، وأنَّ الشُّكرَ والحَمدَ لا يَلِيقانِ حَقًّا إلّا به سُبحانَه، وأنَّ ما في الحَياةِ مِن شُؤُونٍ وأُمُورٍ هي في قَبْضةِ تَصَرُّفِه وَحدَه، فيَنفِي بهذا وبِصَراحةٍ تامّةٍ الوَسائِطَ والأَسبابَ، مُسَلِّمًا الحَياةَ بما فِيها إلى يَدِ القُدرةِ لِلحَيِّ القَيُّومِ، فيقُولُ مَثلًا:</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾</p>
<p>نعم، إنَّ الَّذي يَدعُو إلى الشُّكرِ والحَمدِ والِامتِنانِ، والَّذي يُثِيرُ الشُّعُورَ إلى المَحَبّةِ والثَّناءِ -بَعدَ نِعمةِ الحَياةِ- إنَّما هو الرِّزقُ والشِّفاءُ والغَيثُ، وأَمثالُها مِن دَواعِي الشُّكرِ والحَمدِ.. فهَذِه الوَسائِلُ أَيضًا مَحصُورةٌ كُلِّـيًّا بِيَدِ الرَّزّاقِ الشّافِي سُبحانَه، فلَيسَتِ الأَسبابُ إلّا أَستارًا وحُجُبًا ووَسائِطَ فحَسْبُ، إذ إنَّ عَلامةَ الحَصرِ والتَّخصِيصِ -حَسَبَ قَواعِدِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ- &#8220;هو الرَّزّاقُ&#8221;، &#8220;هو الَّذي&#8221;، واضِحةٌ في الآياتِ الكَرِيمةِ الآتِيةِ:</p>
<p style="text-align: center;">﴿<strong>هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ</strong>﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿<strong>وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ</strong>﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿<strong>وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا</strong>﴾</p>
<p>فهذه الآياتُ الكَرِيمةُ وأَمثالُها تُبيِّنُ أنَّ الرِّزقَ والشِّفاءَ والغَيثَ خاصّةٌ به سُبحانَه وتَعالَى، وتَنحَصِرُ كُلِّـيًّا بِيَدِ قُدرةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فالَّذي وَهَب خَواصَّ الأَدوِيةِ والعِلاجِ هو ذلك الشّافِي الحَقِيقيُّ سُبحانَه الَّذي خَلَقَها وليس غَيرُه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرمز الرابع: الحياة تُثبِت أركان الإيمان الستة]</h3>
<p><strong>الرَّمزُ الرّابع:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد بَيَّنتُ في الخاصّةِ الثّامِنةِ والعِشرِينَ مِنَ الحَياةِ:</p>
<p>أنَّ الحَياةَ تُثبِتُ أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ، وتَتَوَجَّهُ نَحوَها وتُشِيرُ إلى تَحقِيقِها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالآخرة]</h4>
<p>نعم، فما دامَتِ &#8220;الحَياةُ&#8221; هي حِكمةَ خَلْقِ الكائناتِ، وأَهَمَّ نَتِيجَتِها وجَوهَرَها، فلا تَنحَصِرُ تلك الحَقيقةُ السّامِيةُ في هذه الحَياةِ الدُّنيا الفانِيةِ القَصيرةِ النّاقِصةِ المُؤلِمةِ، بل إنَّ الخَواصَّ التِّسعَ والعِشرِين للحَياةِ وعَظَمةَ ماهِيَّتِها، وما يُفهَمُ مِن غايةِ شَجَرَتِها ونَتيجَتِها، وثَمَرتِها الجَديرةِ بعَظَمةِ تلك الشَّجَرةِ، ما هي إلَّا الحَياةُ الأَبَديّةُ والحَياةُ الآخِرةُ والحَياةُ الحَيّةُ بحَجَرِها وتُرابِها وشَجَرِها في دار السَّعادةِ الخالِدةِ؛ وإلَّا يَلزَمُ أن تَظَلَّ شَجَرةُ الحَياةِ المُجَهَّزةُ بهذه الأَجهِزةِ الغَزِيرةِ المُتَنوِّعةِ دُونَ حَقِيقةٍ ولا ثَمَرةٍ ولا فائِدةٍ تَعُودُ إلى ذَوِي الشُّعُورِ، ولا سِيَّما الإنسانِ، ولَظَلَّ الإنسانُ تَعِسًا وشَقِيًّا وذَليلًا وأَحَطَّ مِنَ العُصفُورِ بعِشرين دَرَجةً، مِن حَيثُ سَعادةُ الحَياةِ، معَ أنَّه أَسمَى مَخلُوقٍ وأَكرَمُ ذَوِي الحَياةِ وأَرفَعُ مِنَ العُصفُورِ بعِشرِين دَرَجةً، بلِ العَقلُ الَّذي هو أَثمَنُ نِعمةٍ يُصبِحُ بَلاءً ومُصيبةً على الإنسانِ بتَفَكُّرِه في أَحزانِ الزَّمانِ الغابِرِ ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، فيُعذِّبُ قَلْبَه دائمًا مُعَكِّرًا صَفْوَ لَذّةٍ واحِدةٍ بتِسعةِ آلامٍ!. ولا شَكَّ أنَّ هذا باطلٌ بمِئةِ دَرَجةٍ.</p>
<p>فهذه الحَياةُ الدُّنيا إذًا تُثبِتُ رُكْنَ &#8220;<strong>الإيمانِ بالآخِرةِ</strong>&#8221; إثباتًا قاطِعًا، وتُظهِرُ لنا في كلِّ رَبيعٍ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَمُوذَجٍ مِن نَماذِجِ الحَشرِ.</p>
<p>فيا تُرَى هل يُمكِنُ لِرَبٍّ قَديرٍ، يُهيِّئُ ما يَلزَمُ حَياتَك مِنَ الحاجاتِ المُتَعلِّقةِ بها جَميعًا، ويُوَفِّرُ لك أَجهِزَتَها كلَّها سَواءٌ في جِسمِك أو في حَدِيقَتِك أو في بلَدِك، ويُرسِلُه في وَقتِه المُناسِبِ بحِكمةٍ وعِنايةٍ ورَحمةٍ، حتَّى إنَّه يَعلَمُ رَغبةَ مَعِدَتِك فيما يَكفُلُ لك العَيشَ والبَقاءَ، ويَسمَعُ ما تَهتِفُ به مِنَ الدُّعاءِ الخاصِّ الجُزئيِّ للرِّزقِ، مُبدِيًا قَبُولَه لذلك الدُّعاءِ بما بَثَّ مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ غيرِ المَحدُودةِ ليُطَمْئِنَ تلك المَعِدةَ! فهل يُمكِنُ لِهذا المُدَبِّرِ القَديرِ ألّا يَعْرِفَك؟ ولا يَراك؟ ولا يُهيِّئَ الأَسبابَ الضَّرُورِيّةَ لِأَعظَمِ غايةٍ للإنسانِ وهي الحَياةُ الأَبَديّةُ؟ ولا يَستَجِيبَ لِأَعظَمِ دُعاءٍ وأَهَمِّه وأَعَمِّه، وهو دُعاءُ البَقاءِ والخُلُودِ؟ ولا يَقبَلَه بإنشاءِ الحَياةِ الآخِرةِ وإيجادِ الجَنّةِ؟ ولا يَسمَعَ دُعاءَ هذا الإنسانِ وهو أَسمَى مَخلُوقٍ في الكَونِ بل هو سُلطانُ الأَرضِ ونَتيجَتُها.. ذلك الدُّعاءَ العامَّ القَوِيَّ الصَّادِرَ مِنَ الأَعماقِ، والَّذي يَهُزُّ العَرْشَ والفَرْشَ! فهل يُمكِنُ ألّا يَهتَمَّ به اهتِمامَه بدُعاءِ المَعِدةِ الصَّغيرةِ ولا يُرضِيَ هذا الإنسانَ؟ ويُعَرِّضَ حِكمَتَه الكامِلةَ ورَحمَتَه المُطلَقةَ للإنكارِ؟! كلَّا.. ثمَّ كلَّا أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ كلَّا.</p>
<p>وهل يُعقَلُ أن يَسمَعَ أَخْفَتَ صَوْتٍ لِأَدنَى جُزئيٍّ مِنَ الحَياةِ فيَستَمِعَ لِشَكواه ويُسعِفَه، ويَحْلُمَ عليه ويُرَبِّيَه بعِنايةٍ كامِلةٍ ورِعايةٍ تامّةٍ وباهتِمامٍ بالِغٍ، مُسَخِّرًا له أَكبَرَ مَخلُوقاتِه في الكَوْنِ، ثمَّ لا يَسمَعَ صَوتًا كهَزِيمِ السَّماءِ لِأَعظَمِ حَياةٍ وأَسماها وأَلطَفِها وأَدْوَمِها؟ وهل يُعقَلُ ألَّا يَهتَمَّ بدُعائِه المُهِمِّ وهو دُعاءُ البَقاءِ، وألَّا يَنظُرَ إلى تَضَرُّعِه ورَجائِه وتَوَسُّلِه؟ ويكونَ كمَن يُجَهِّزُ بعِنايةٍ كامِلةٍ جُندِيًّا واحِدًا بالعَتادِ، ولا يَرعَى الجَيشَ الجَرّارَ المُوالِيَ له!! وكمَن يَرَى الذَّرّةَ ولا يَرَى الشَّمسَ! أو كمَن يَسمَعُ طَنِينَ الذُّبابِ ولا يَسمَعُ رُعُودَ السَّماءِ! حاشَ لله مِئةَ أَلفِ مرّةٍ حاشَ للهِ.</p>
<p>وهل يَقبَلُ العَقلُ -بوَجهٍ مِنَ الأَوجُهِ- أنَّ القَديرَ الحَكِيمَ ذا الرَّحمةِ الواسِعةِ وذا المَحَبّةِ الفائِقةِ وذا الرَّأْفةِ الشّامِلةِ والَّذي يُحِبُّ صَنْعَتَه كَثيرًا، ويُحَبِّبُ نَفسَه بها إلى مَخلُوقاتِه وهو أَشَدُّ حُبًّا لِمَن يُحِبُّونه.. فهل يُعقَلُ أن يُفنِيَ حَياةَ مَن هو أَكثَرُ حُبًّا له، وأَهلٌ للحُبِّ، وعابِدٌ لِخالِقِه فِطرةً؟ ويُفنيَ كذلك لُبَّ الحَياةِ وجَوْهَرَها وهو الرُّوحُ، بالمَوتِ الأَبَدِيِّ والإعدامِ النِّهائيِّ، ويُوَلِّدَ جَفْوةً بينَه وبينَ مُحِبِّيه ويُؤْلِمَهم أشَدَّ الإيلامِ، فيَجعَلَ سِرَّ رَحمَتِه ونُورَ مَحَبَّتِه مُعَرَّضًا للإنكارِ! حاشَ لله أَلفَ مَرّةٍ حاشَ لله..</p>
<p>فالجَمالُ المُطلَقُ الَّذي زَيَّن بتَجَلِّيه هذا الكَونَ وجَمَّلَه، والرَّحمةُ المُطلَقةُ الَّتي أَبهَجَتِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً وزَيَّنَتها، لا شكَّ أنَّهما مُنَزَّهَتانِ ومُقَدَّسَتانِ بلا نهايةٍ ولا حَدٍّ عن هذه القَساوةِ، وعن هذا القُبحِ المُطلَقِ والظُّلمِ المُطلَقِ.</p>
<p><strong>النتيجةُ</strong>: ما دامَت في الدُّنيا حَياةٌ، فلا بُدَّ أنَّ الَّذين يَفهَمُون سِرَّ الحَياةِ مِنَ البَشَرِ، ولا يُسِيئُون استِعمالَ حَياتِهم، يكُونُون أَهلًا لِحَياةٍ باقِيةٍ، في دارٍ باقِيةٍ، وفي جَنّةٍ باقِيةٍ.. آمَنّا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالحي القيوم]</h4>
<p>ثمَّ، إنَّ تَلَأْلُؤَ المَوادِّ اللَّمَّاعةِ على سَطْحِ الأَرضِ، وتَلَمُّعَ الفُقاعاتِ والحَبابِ والزَّبَدِ على سَطْحِ البَحْرِ، ثمَّ انطِفاءَ ذلك التَّلَألُؤِ والبَريقِ بزَوالِ الفُقاعاتِ، ولَمَعانَ الَّتي تَعقُبُها كأنَّها مَرايا لشُمَيْساتٍ خَيالِيّةٍ، يُظهِرُ لنا بَداهةً أنَّ تلك اللَّمَعاتِ ما هي إلَّا تَجَلِّي انعِكاسِ شَمْسٍ واحِدةٍ عالِيةٍ؛ وتَذكُرُ بمُختَلِفِ الأَلسِنةِ وُجُودَ الشَّمسِ، وتُشِيرُ إلَيها بأَصابِعَ مِن نُورٍ.. وكذلك الأَمرُ في تَلَألُؤِ ذَوِي الحَياةِ على سَطْحِ الأَرضِ وفي البَحْرِ، بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، وبتَجَلِّي اسمِ &#8220;المُحيِي&#8221; للحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُه، واختِفائِها وَراءَ سِتارِ الغَيبِ لِفَسْحِ المَجالِ للَّذي يَخلُفُها بعدَ أن رَدَّدَت: &#8220;<strong>يا حَيُّ</strong>&#8220;، ما هي إلَّا شَهاداتٌ وإشاراتٌ للحَياةِ السَّرمَدِيّةِ، ولِوُجُوبِ وُجُودِ الحَيِّ القَيُّومِ سُبحانَه وتَعالَى.</p>
<p>وكذا، فإنَّ جَميعَ الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ على <strong>العِلمِ الإِلٰهِيِّ</strong> الَّذي تُشاهَدُ آثارُه مِن تَنظِيمِ المَوجُوداتِ، وجَميعَ البَراهِينِ الَّتي تُثبِتُ <strong>القُدرةَ</strong> المُتَصرِّفةَ في الكَوْنِ، وجَميعَ الحُجَجِ الَّتي تُثبِتُ <strong>الإرادةَ والمَشِيئةَ</strong> المُهَيمِنةَ على إدارةِ الكَونِ وتَنظِيمِه، وجَميعَ العَلاماتِ والمُعجِزاتِ الَّتي تُثبِتُ <strong>الرِّسالاتِ</strong> الَّتي هي مَدارُ الكَلامِ الرَّبّانيِّ والوَحْيِ الإِلٰهِيِّ.. جَميعَ هذه الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ وتَدُلُّ على الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ السَّبعِ الجَلِيلةِ، تَدُلُّ وتَشهَدُ أيضًا بالاتِّفاقِ على حَياةِ &#8220;<strong>الحَيِّ القَيُّومِ</strong>&#8221; سُبحانَه؛ لأنه لو وُجِدَتِ <strong>الرُّؤيةُ</strong> في شيءٍ فلا بُدَّ أنَّ له <strong>حياةً</strong> أيضًا، ولو كان له <strong>سَمْعٌ</strong> فذلك عَلامةُ <strong>الحَياةِ</strong>، ولو وُجِدَ الكَلامُ فهو إشارةٌ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ولو كان هناك الِاختِيارُ والإرادةُ فتلك مَظاهِرُ الحَياةِ.. وهكذا، فإنَّ جَميعَ دَلائلِ الصِّفاتِ الجَليلةِ الَّتي تُشاهَدُ آثارُها ويُعلَمُ بَداهةُ وُجُودِها الحَقيقيِّ، أَمثالَ القُدرةِ المُطلَقةِ، والإرادةِ الشَّامِلةِ، والعِلمِ المُحِيطِ، تَدُلُّ على حَياةِ &#8220;<strong>الحَيِّ القَيُّومِ</strong>&#8220;، ووُجُوبِ وُجُودِه، وتَشهَدُ على حَياتِه السَّرمَدِيّةِ الَّتي نَوَّرَتْ بشُعاعٍ مِنها جَميعَ الكَوْنِ، وأَحْيَت بتَجَلٍّ مِنها الدّارَ الآخِرةَ كُلَّها بذَرّاتِها معًا..</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالملائكة]</h4>
<p>والحَياةُ كذلك تَنظُرُ وتَدُلُّ على الرُّكنِ الإيمانِيِّ: &#8220;<strong>الإيمانُ بالمَلائكةِ</strong>&#8220;، وتُثْبِتُه رَمْزًا.</p>
<p>إذ ما دامَتِ الحَياةُ هي أَهَمَّ نَتِيجةٍ للكَوْنِ، وأنَّ ذَوِي الحَياةِ لِنَفاسَتِهم هم أَكثَرُ انتِشارًا وتَكاثُرًا، وهُمُ الَّذين يَتَتابَعُون إلى دارِ ضِيافةِ الأَرضِ قافِلةً إِثْرَ قافِلةٍ، فتَعْمُرُ بهم وتَبتَهِجُ؛ وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ هي مَحَطُّ هذا السَّيلِ مِن ذَوِي الحَياةِ، فتُملَأُ وتُخلَى بحِكمةِ التَّجدِيدِ والتَّكاثُرِ باستِمرارٍ، ويُخلَقُ في أَخَسِّ الأَشياءِ والعُفُوناتِ ذَوُو حَياةٍ بغَزارةٍ، حتَّى أَصبَحَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ مَعرِضًا عامًّا للأَحياءِ؛ وما دامَ يُخلَقُ بكَثرةٍ هائلةٍ على الأَرضِ أَصفَى خُلاصةٍ لِتَرَشُّحِ الحَياةِ وهو الشُّعورُ والعَقلُ وجَوهَرُها اللَّطيفُ الثّابتُ وهو الرُّوحُ، فكأَنَّ الأَرضَ تَحيا وتَتَجمَّلُ بالحَياةِ والعَقلِ والشُّعورِ والأَرواحِ.. فلا يُمكِنُ أن تكُونَ الأَجرامُ السَّماوِيّةُ الَّتي هي أَكثَرُ لَطافةً وأَكثَرُ نُورًا وأَعظَمُ أَهَمِّيّةً مِنَ الأَرضِ جامِدةً بلا حَياةٍ وبلا شُعُورٍ. فالَّذين سيَعْمُرُون السَّماواتِ إذًا يَعْمُرُونها ويُبهِجُون الشُّمُوسَ والنُّجُومَ، ويَهَبُون لها الحَيَويّةَ، ويُمَثِّلون نَتيجةَ خَلْقِ السَّماواتِ وثَمَرَتَها، والَّذين سيَتَشرَّفُون بالخِطاباتِ السُّبحانيّةِ، هم ذَوُو شُعُورٍ وذَوُو حَياةٍ مِن سُكّانِ السَّماواتِ وأَهالِيها المُتَلائِمِين معَها حيثُ يُوجَدُون هناك بسِرِّ الحَياةِ، وهُمُ المَلائكةُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالرسل والكتب]</h4>
<p>وكذلك يَنظُرُ سِرُّ الحَياةِ وماهِيَّتُها ويَتَوَجَّهُ إلى &#8220;<strong>الإيمانِ بالرُّسُلِ</strong>&#8221; ويُثْبِتُه رَمْزًا.</p>
<p>نعم، ما دامَ الكَونُ قد خُلِقَ لِأَجلِ الحَياةِ، وأنَّ الحَياةَ هي أَعظَمُ تَجَلٍّ وأَكمَلُ نَقْشٍ وأَجمَلُ صَنْعةٍ للحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُه، وما دامَت حَياتُه السَّرمَدِيّةُ الخالِدةُ تُظهِرُ وتَكشِفُ عن نَفسِها <strong>بإرسالِ الرُّسُلِ</strong> <strong>وإنزالِ الكُتُب</strong>، إذ لو لم تَكُن هناك &#8220;<strong>رُسُلٌ</strong>&#8221; ولا &#8220;<strong>كُتُبٌ</strong>&#8221; لَما عُرِفَت تلك الحَياةُ الأَزَليّةُ، فكما أنَّ تَكَلُّمَ الفَرْدِ يُبيِّنُ حَيَويَّتَه وحَياتَه، كذلك الأَنبِياءُ والرُّسُلُ عَلَيهِم السَّلَام والكُتُبُ المُنزَّلةُ عليهم يُبيِّنُون ويَدُلُّون على ذلك المُتكَلِّمِ الحَيِّ الَّذي يَأمُرُ ويَنهَى بكَلِماتِه وخِطاباتِه مِن وَراءِ الغَيبِ المَحجُوبِ وَراءَ سِتارِ الكَونِ؛ فلا بُدَّ أنَّ الحَياةَ الَّتي في الكَوْنِ كما تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على &#8220;الحَيِّ الأَزَليِّ&#8221; سُبحانَه وتَعالَى، وعلى وُجُوبِ وُجُودِه، كَذلِك تَدُلُّ أَركانُ الإيمانِ مِثلَ &#8220;إرسالِ الرُّسُلِ&#8221; و&#8221;إنزالِ الكُتُبِ&#8221;، تلك الأَركانُ الَّتي هي شُعاعاتُ الحَياةِ الأَزَليّةِ وتَجَلِّياتُها وتُثبِتُهما رَمْزًا، ولا سيَّما &#8220;<strong>الرِّسالةُ المُحمَّديّةُ</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الوَحْيُ</strong> <strong>القُرآنِيُّ</strong>&#8220;، إذ يَصِحُّ القَولُ: إنَّهما ثابِتانِ قاطِعانِ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ الحَياةِ، حيث إنَّهما بمَثابةِ رُوحِ الحَياةِ وعَقلِها.</p>
<p>نعم، كما أنَّ الحَياةَ هي خُلاصةٌ مُتَرَشِّحةٌ مِن هذا الكَونِ، والشُّعُورَ والحِسَّ مُتَرَشِّحانِ مِنَ الحَياةِ، فهما خُلاصَتُها، والعَقلَ مَتَرَشِّحٌ مِنَ الشُّعُورِ والحِسِّ، فهو خُلاصةُ الشُّعُورِ، والرُّوحَ هي الجَوهَرُ الخالِصُ الصّافي للحَياةِ، فهي ذاتُها الثّابِتةُ المُستَقِلّةُ؛ كذلك الحَياةُ المُحَمَّديّةُ المادِّيّةُ والمَعنَويّةُ مُتَرَشِّحةٌ مِنَ الحَياةِ ومِن رُوحِ الكَونِ، فهي خُلاصةُ خُلاصَتِها، والرِّسالةُ المُحمَّديّةُ مُتَرَشِّحةٌ مِن حِسِّ الكَونِ وشُعُورِه وعَقلِه، فهي أَصفَى خُلاصَتِه، بل إنَّ حَياةَ مُحمَّدٍ ﷺ المادِّيّةَ والمَعنَويّةَ بشَهادةِ آثارِها حَياةٌ لِحَياةِ الكَونِ، والرِّسالةَ المُحمَّديّةَ شُعُوٌر لِشُعُورِ الكَونِ ونُورٌ له؛ والوَحْيَ القُرآنِيَّ بشَهادةِ حَقائقِه الحَيَويّةِ رُوحٌ لِحَياةِ الكَونِ وعَقلٌ لِشُعُورِه.. أجل.. أجل.. أجل.</p>
<p>فإذا ما فارَقَ نُورُ الرِّسالةِ المُحمَّديّةِ الكَونَ وغادَرَه، ماتَ الكَونُ وتُوُفِّيَتِ الكائِناتُ، وإذا ما غابَ القُرآنُ وفارَقَ الكَونَ، جُنَّ جُنُونُه وفَقَدَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ صَوابَها، وزُلزِلَ عَقلُها، وظَلَّت بلا شُعُورٍ، واصطَدَمَت بإحدَى سَيّاراتِ الفَضاءِ، وقامَتِ القِيامةُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالقَدَر]</h4>
<p>والحَياةُ كذلك، تَنظُرُ إلى الرُّكنِ الإيمانِيِّ &#8220;القَدَر&#8221;، وتَدُلُّ عليه وتُثبِتُه رَمْزًا.</p>
<p>إذ ما دامَتِ الحَياةُ ضِياءً لِعالَمِ الشَّهادةِ وقدِ استَوْلَت عليه وأَحاطَت به، وهي نَتِيجةُ الوُجُودِ وغايَتُه، وأَوسَعُ مِرآةٍ لِتَجَلِّياتِ خالِقِ الكَونِ، وأَتَمُّ فِهرِسٍ ونَمُوذَجٍ للفَعّالِيّةِ الرَّبّانيّةِ، حتَّى كأنَّها بمَثابةِ نَوعٍ مِن خُطَّتِها ومَنهَجِها -إذا جازَ التَّشبيهُ- فلا بُدَّ أنَّ سِرَّ الحَياةِ يَقتَضي أن يكُونَ عالَمُ الغَيبِ أيضًا -وهو بمَعنَى الماضي والمُستَقبَلِ، أي: المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والقابِلةُ- في نِظامٍ وانتِظامٍ، وأن يكُونَ مَعلُومًا ومَشهُودًا ومُتَعيِّنًا ومُتَهَيِّئًا لِامتِثالِ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ، أي: كأَنَّه في حَياةٍ مَعنَويّةٍ؛ مَثَلُها كمَثَلِ تلك البِذرةِ الأَصليّةِ للشَّجَرةِ وأُصُولِها، والنَّوَى في أَثمارِها الَّتي في مُنتَهاها، الَّتي تَتَميَّزُ بمَزايا نَوْعٍ مِنَ الحَياةِ كالشَّجرةِ نَفسِها، بل قد تَحمِلُ تلك البُذُورُ قَوانينَ حَياتيّةً أَدَقَّ مِن قَوانينِ حَياةِ الشَّجَرةِ.</p>
<p>فكما أنَّ البُذُورَ والأُصُولَ الَّتي خَلَّفَها الخَريفُ الماضي وسيَخْلُفُها هذا الرَّبيعُ، تَحمِلُ نُورَ الحَياةِ وتَسِيرُ وَفْقَ قَوانينَ حَياتيّةٍ، مِثلَ ما يَحمِلُه هذا الرَّبيعُ مِن حَياةٍ، كذلك شَجَرةُ الكائناتِ، وكلُّ غُصْنٍ مِنها وكلُّ فَرْع له ماضِيه ومُستقبَلُه، وله سِلسِلةٌ مُؤلَّفةٌ مِنَ الأَطوارِ والأَوضاعِ، القابِلةِ والماضِيةِ، ولكلِّ نَوعٍ ولِكلِّ جُزءٍ مِنه وُجُودٌ مُتَعدِّدٌ بأَطوارٍ مُختَلِفةٍ في العِلمِ الإِلٰهِيِّ، مُشَكِّلًا بذلك سِلسِلةَ وُجُودٍ عِلْمِيٍّ؛ والوُجُودُ العِلمِيُّ هذا -كالوُجُودِ الخارِجِيِّ- مَظهَرٌ لِتَجَلٍّ مَعنَوِيٍّ للحَياةِ العامّةِ، حيثُ تُؤخَذُ المُقَدَّراتُ الحَياتيّةُ مِن تلك الأَلواحِ القَدَرِيّةِ الحَيّةِ ذاتِ المَغزَى العَظيمِ.</p>
<p>نعم، إنَّ امتِلاءَ عالَمِ الأَرواحِ -وهو نَوعٌ مِن عالَمِ الغَيبِ- بالأَرواحِ الَّتي هي عَينُ الحَياةِ ومادَّتُها، وجَوهَرُها وذَواتُها، يَستَلزِمُ أن يكُونَ الماضي والمُستَقبَلُ -وهما نَوعانِ مِن عالَمِ الغَيبِ وقِسمٌ ثانٍ مِنه- مُتَجَلِّيةً فيهما الحَياةُ.. وكذا فإنَّ الِانتِظامَ التّامَّ والتَّناسُقَ الكامِلَ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ لِأَوْضاعٍ ذاتِ مَعانٍ لَطِيفةٍ لِشَيءٍ مّا ونَتائجَه وأَطوارَه الحَيَوِيّةَ، لَيُبيِّنُ أنَّ له أَهلِيّةً لِنَوعٍ مِنَ الحَياةِ المَعنَويّةِ.</p>
<p>نعم، إنَّ مِثلَ هذا التَّجَلِّي -تَجَلِّي الحَياةِ الَّذي هو ضِياءُ شَمسِ الحَياةِ الأَزَليّةِ- لن يَنحَصِرَ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا فقط، ولا في هذا الزَّمانِ الحاضِرِ، ولا في هذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، بل لا بُدَّ أنَّ كُلَّ عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ مَظهَرٌ مِن مَظاهِرِ تَجَلِّي ذلك الضِّياءِ حَسَبَ قابِلِيَّتِه؛ فالكَوْنُ إذًا بجَميعِ عَوالِمِه حَيٌّ ومُشِعٌّ مُضِيءٌ بذلك التَّجَلِّي، وإلَّا لَأَصبَحَ كُلٌّ مِنَ العَوالِمِ -كما تَراه عَينُ الضَّلالةِ- جِنازةً هائلةً مُخِيفةً تحتَ هذه الحَياةِ المُؤقَّتةِ الظّاهِرةِ، وعالَمًا خَرِبًا مُظلِمًا.</p>
<p>وهكذا يُفهَمُ وَجهٌ مِن أَوْجُهِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ مِن سِرِّ الحَياةِ ويَثبُتُ به ويَتَّضِحُ، أي: كما تَظهَرُ حَيَويّةُ عالَمِ الشَّهادةِ والمَوجُوداتِ الحاضِرةِ بانتِظامِها وبنَتائِجِها، كذلك المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والآتِيةُ الَّتي تُعَدُّ مِن عالَمِ الغَيبِ لها وُجُودٌ مَعنَوِيٌّ، ذُو حَياةٍ مَعنًى، ولها ثُبُوتٌ عِلمِيٌّ ذُو رُوحٍ بحَيثُ يَظهَرُ باسمِ المُقَدَّراتِ أَثَرُ تلك الحَياةِ المَعنَويّةِ بوَساطةِ لَوْحِ القَضاءِ والقَدَرِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرمز الخامس: جامعية الحياة]</h3>
<p><strong>الرَّمزُ الخامِسُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد ذُكِر في الخاصِّيّةِ السّادِسةَ عَشْرةَ مِن خَصائِصِ الحَياةِ أنَّه ما إن تَنفُذُ الحَياةُ في شَيءٍ حتَّى تُصَيِّرَه عالَمًا بحَدِّ ذاتِه، إذ <strong>تَمنَحُه مِنَ الجامِعِيّةِ</strong> ما يَجعَلُه كُلًّا إن كانَ جُزءًا، وما يَجعَلُه كُلِّـيًّا إن كانَ جُزئِيًّا؛ فالحَياةُ لها مِنَ الجامِعِيّةِ بحَيثُ تَعرِضُ في نَفسِها أَغلَبَ الأَسماءِ الحُسنَى المُتَجلِّيةِ على الكائِناتِ كُلِّها، وكأنَّها مِرآةٌ جامِعةٌ تَعكِسُ تَجَلِّياتِ الأَحَدِيّةِ، <strong>فحالَما تَدخُلُ الحَياةُ في جِسمٍ تَعمَلُ على تَحوِيلِه إلى عالَمٍ مُصَغَّرٍ</strong>، لَكَأنَّها تُحِيلُه بمَثابةِ بِذْرةٍ حامِلةٍ لِفِهرِسِ شَجَرةِ الكائِناتِ، وكما لا يُمكِنُ أن تكُونَ البِذرةُ إلّا أَثَرَ قُدرةِ خالِقِ شَجَرتِها، كَذلِك الَّذي خَلَق أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ لا بُدَّ أنَّه هو خالِقُ الكَونِ كُلِّه.</p>
<p>فهذه الحَياةُ بجامِعِيَّتِها هذه تُظهِرُ في نَفسِها أَخفَى أَسرارِ الأَحَدِيّةِ وأَدَقَّها، أي: كما أنَّ الشَّمسَ العَظِيمةَ تُوجَدُ بضِيائِها وأَلوانِها السَّبعةِ وانعِكاساتِها فيما يُقابِلُها مِن قَطرةِ ماءٍ أو قِطعةِ زُجاجٍ، كَذلِك الأَمرُ في كلِّ ذِي حَياةٍ الَّذي تَتَجلَّى فيه جَمِيعُ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى وأَنوارُ الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ المُحِيطةِ بالكَونِ؛ فالحَياةُ -مِن هذه الزّاوِيةِ- تَجعَلُ الكَونَ مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ والإِيجادُ بحُكمِ الكُلِّ الَّذي لا يَقبَلُ الِانقِسامَ والتَّجزِئةَ، وتَجعَلُه بحُكمِ الكُلِّيِّ الَّذي تَمتَنِعُ علَيْه التَّجزِئةُ والِاشتِراكُ.</p>
<p>نعم، إنَّ الخَتمَ الَّذي وَضَعَه الخالِقُ سُبحانَه على وَجهِك يَدُلُّ بالبَداهةِ على أنَّ الَّذي خَلَقَك هو خالِقُ بَنِي جِنسِك كلِّهِم، ذلك لِأنَّ الماهِيّةَ الإِنسانيّةَ واحِدةٌ، فانقِسامُها غَيرُ مُمكِنٍ؛ وكَذلِك الأَمرُ في أَجزاءِ الكائِناتِ، إذ تَتَحوَّلُ بواسِطةِ الحَياةِ كأنَّها أَفرادُ الكائِناتِ، والكائِناتُ كأنَّها نَوعٌ لِتِلك الأَفرادِ.. فكما تُظهِرُ الحَياةُ خَتمَ الأَحَدِيّةِ على مَجمُوعِ الكَونِ، فإنَّها <strong>تَرُدُّ الشِّركَ والِاشتِراكَ</strong> وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا بإِظهارِها خَتمَ الأَحَدِيّةِ نَفسِه وخَتمَ الصَّمَدِيّةِ على كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الكَونِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ في الحَياةِ مِن خَوارِقِ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ ومُعجِزاتِ الإِبداعِ الباهِرِ بحَيثُ إنَّه مَن لم يكُن قادِرًا على خَلقِ الكَونِ يَعجِزُ كُلِّـيًّا عن خَلقِ أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ فيه.</p>
<p>نعم، إنَّ القَلَمَ الَّذي كَتَب فِهرِسَ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ ومُقَدَّراتِها في بِذرَتِها الصَّغِيرةِ -ككِتابةِ القُرآنِ مَثلًا على حَبّةِ حِمِّصٍ- هو ذلك القَلَمُ نَفسُه الَّذي رَصَّع صَحائِفَ السَّماءِ بلَآلِئِ النُّجُومِ؛ وإنَّ الَّذي أَدرَج في رَأسِ النَّحلِ الصَّغِيرِ استِعدادًا يُمَكِّنُها مِن مَعرِفةِ أَزهارِ حَدائِقِ العالَمِ كُلِّه، وتَقدِرُ على الِارتِباطِ معَ أَغلَبِها بوَشائِجَ، ويَجعَلُها قادِرةً على تَقدِيمِ أَلَذِّ هَدِيّةٍ مِن هَدايا الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ -وهِي العَسَلُ- ويَدفَعُها إلى مَعرِفةِ شَرائِطِ حَياتِها مُنذُ أوَّلِ قُدُومِها إلى الحَياةِ، لا شَكَّ أنَّه هو خالِقُ الكَونِ كُلِّه، وهُو الَّذي أَودَع هذا الِاستِعدادَ الواسِعَ والقابِلِيّةَ العَظِيمةَ والأَجهِزةَ الدَّقيقةَ فيها.</p>
<p><strong>الخُلاصةُ</strong>: إنَّ الحَياةَ آيةُ تَوحِيدٍ ساطِعةٌ تَسطَعُ على وَجهِ الكائِناتِ، وإنَّ كلَّ ذِي رُوحٍ -مِن جِهةِ حَياتِه- آيةٌ لِلأَحَدِيّةِ، وإنَّ الصَّنعةَ المُتقَنةَ المَوجُودةَ على كلِّ فَردٍ مِنَ الأَحياءِ خَتمٌ لِلصَّمَدِيّةِ؛ وبهذا فجَمِيعُ ذَوِي الحَياةِ يُصَدِّقُونَ ببَصَماتِ حَياتِهِم رِسالةَ الكَونِ هذه، ويُعلِنُونَ أنَّها مِنَ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ الواحِدِ الأَحَدِ&#8221;.. فكُلٌّ مِنها خَتمٌ لِلوَحْدانيّةِ في تلك الرِّسالةِ فَضْلًا عن أنَّها خَتمٌ لِلأَحَدِيّةِ وعَلامةُ الصَّمَدِيّةِ، فكما أنَّ الأَمرَ هكذا في الحَياةِ، فكُلُّ كائِنٍ حَيٍّ أَيضًا خَتمٌ لِلوَحدانيّةِ في كِتابِ الكَونِ؛ كما قد وُضِع على وَجهِه وسِيماه خَتمُ الأَحَدِيّةِ.</p>
<p>وكَما أنَّ الحَياةَ -بعَدَدِ جُزئيّاتِها وبعَدَدِ أَفرادِها الحَيّةِ- أَختامٌ وبَصَماتٌ حَيّةٌ تَشهَدُ على وَحدانيّةِ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221;، فكَذَلِك فِعلُ البَعثِ -الإِحياءُ- أَيضًا يَختِمُ بأَختامِ التَّصدِيقِ على التَّوحِيدِ بعَدَدِ أَفرادِهِ؛ فإِحياءُ الأَرضِ الَّذي هو مِثالٌ واحِدٌ على البَعثِ هو شاهِدُ صِدقٍ ساطِعٌ على التَّوحِيدِ كالشَّمسِ، لِأنَّ بَعْثَ الأَرضِ في الرَّبِيعِ وإِحياءَها يَعنِي بَعثَ أَفرادٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى لِأَنواعِ الأَحياءِ الَّتي تَربُو على ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ، فتُبعَثُ جَمِيعًا مَعًا مِن دُونِ نَقصٍ ولا قُصُورٍ بَعثًا مُتَداخِلًا مُتَكامِلًا مُنتَظِمًا.. فالَّذي يَفعَلُ بهذا الفِعلِ أَفعالًا مُنتَظِمةً لا حُدُودَ لها فإنَّه هو خالِقُ المَخلُوقاتِ جَمِيعِها، وإنَّه &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221; الَّذي يُحيِي ذَوِي الحَياةِ قاطِبةً، وأنَّه الواحِدُ الأَحَدُ الَّذي لا شَرِيكَ له في رُبُوبيَّتِه قَطُّ.</p>
<p>اكتَفَيْنا بهذا القَدْرِ القَلِيلِ المُختَصَرِ مِن بَسطِ خَواصِّ الحَياةِ، مُحِيلِينَ بَيانَ الخَواصِّ الأُخرَى وتَفصِيلاتِها إلى أَجزاءِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; وفي وَقتٍ آخَرَ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خاتمة: الاسم الأعظم ليس واحدًا]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>الخاتِمةُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ الِاسمَ الأَعظَمَ ليس واحِدًا لِكُلِّ أَحَدٍ، بل يَختَلِفُ ويَتَبايَنُ، فمَثلًا: هو لَدَى الإمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ سِتّةُ أَسماءٍ حُسنَى هي: &#8220;<strong>فَردٌ، حَيٌّ، قَيُّومٌ، حَكَمٌ، عَدْلٌ، قُدُّوسٌ</strong>&#8220;، ولَدَى أَبي حَنِيفةَ النُّعمانِ رَضِيَ الله عَنهُ اسمانِ هُما: &#8220;<strong>حَكَمٌ عَدْلٌ</strong>&#8220;، ولَدَى الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّه هو اسمٌ واحِدٌ: &#8220;<strong>يا حَيُّ</strong>&#8220;، ولَدَى الإمامِ الرَّبّانِيِّ أَحمَدَ الفارُوقيِّ السِّرهِندِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ هو: &#8220;<strong>القَيُّومُ</strong>&#8220;، وهكذا.. فلَدَى الكَثِيرِينَ مِنَ العُظَماءِ الأَفذاذِ أَسماءٌ أُخرَى هي الِاسمُ الأَعظَمُ عِندَهُم.‌</p>
<p>ولَمَّا كانَت هذه النُّـكتةُ الخامِسةُ تَخُصُّ اسمَ اللهِ &#8220;<strong>الحَيَّ</strong>&#8220;، وقد أَظهَر الرَّسُولُ الأَعظَمُ ﷺ في مُناجاتِه الرَّفيعةِ المُسَمّاةِ بـ&#8221;الجَوشَنِ الكَبِيرِ&#8221; مَعرِفَتَه الجامِعةَ السّامِيةَ للهِ إِظهارًا يَلِيقُ به وَحدَه؛ لِذا نَذكُرُ مِن تلك المُناجاةِ شاهِدًا ودَليلًا وحُجّةً، وتَبَـرُّكًا ودُعاءً مَقبُولًا، وخاتِمةً حَسَنةً لِهذه الرِّسالةِ، فنَذهَبُ خَيالًا إلى ذلك الزَّمانِ ونقُولُ: آمِينَ.. آمِينَ، على ما يَقُولُه الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ، فنُرَدِّدُ المُناجاةَ نَفسَها على أَصداءِ ذلك القَولِ النَّبوِيِّ الكَرِيمِ:</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا حَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ * يَا حَيُّ بَعدَ كُلِّ حَيٍّ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا حَيُّ الَّذي لا يُشْبِهُهُ شَيءٌ * يَا حَيُّ الَّذي لَيسَ كَمِثلِهِ حَيٌّ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا حَيُّ الَّذي لا يُشَارِكُهُ حَيٌّ * يَا حَيُّ الَّذي لا يَحتَاجُ إلى حَيٍّ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا حَيُّ الَّذي يُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ * يَا حَيُّ الَّذي يَرْزُقُ كُلَّ حَيٍّ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا حَيُّ الَّذِي يُحْيِي المَوتَى * يَا حَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ يَا لَا إِلٰهَ إلّا أنْتَ.. الأَمَانَ الأَمَانَ.. نَجِّنَا مِنَ النَّارِ آمِينَ﴾.</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة السادسة: حول اسم &#8220;القيوم&#8221;]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>النُّـكتة السَّادسة للَّمْعة الثلاثين‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">تتطلَّع إلى اسم الله‌ (<strong>القَيُّوم</strong><strong>‌</strong>)</p>
<p>لقد أَصبَحَتِ الخُلاصةُ المُقتَضَبةُ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8221; ذَيلًا لِرسالة &#8220;مَنبَع النُّورِ&#8221;، كما ارْتُئِيَ أن تكُونَ هذه النُّكتةُ الَّتي تَخُصُّ اسمَ اللهِ &#8220;القَيُّومَ&#8221; ذَيلًا لِلكَلِمةِ الثَّلاثِينَ.</p>
<p><strong>اعتِذارٌ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ هذه المَسائِلَ البالِغةَ الأَهَمِّيّةِ، والتَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>القَيُّومِ</strong>&#8221; العَمِيقِ الواسِعِ، لم تَتَوارَد إلى القَلبِ تَوارُدًا مُتَعاقِبًا مُنتَظِمًا، الواحِدةَ تِلوَ الأُخرَى، بل سَطَعَت على صُورةِ لَمَعاتٍ مُتَفرِّقةٍ، فدَوَّنتُها كما خَطَرَت لي ولم أُجْرِ علَيْها أيَّ تَعدِيلٍ أو تَغيِيرٍ أو تَشذِيبٍ.. فلا جَرَمَ أن يَعتَوِرَها شَيءٌ مِنَ الخَلَلِ في الأَداءِ البَيانِيِّ والسَّبكِ البَلاغِيِّ.. فأَرجُو أن تَتَكرَّمُوا بالصَّفحِ عمّا تُشاهِدُونَه مِن قُصُورٍ في الشَّكلِ لِأَجلِ جَمالِ المَضمُونِ وحُسنِ مُحتَواه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[تنبيه]</h3>
<p><strong>تنبيهٌ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ المَسائِلَ اللَّطِيفةَ والنِّكاتِ الدَّقيقةَ الَّتي تَخُصُّ الِاسمَ الأَعظَمَ هي عَظِيمةُ السَّعةِ، عَمِيقةُ الأَغوارِ، ولا سِيَّما المَسائِلُ الَّتي تَخُصُّ اسمَ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221;، وبخاصّةٍ الشُّعاعَ الأوَّلَ مِنها، الَّذي وَرَد وُرُودًا أَعمَقَ مِن غَيرِه لِتَوجُّهِه مُباشَرةً إلى المادِّيِّينَ<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p>لِذا فلَيسَ الجَمِيعُ سَواءً في إِدراكِهِم لِمَسائِلِه كُلِّها، ورُبَّما صَعُب على البَعضِ الإِحاطةُ ببَعضٍ مِنها، وفاتَه إِدراكُ جُزءٍ هنا وجُزءٍ هُناك، إلّا أنَّنا مُطمَئِنُّونَ إلى أنَّ أَحَدًا لن يَخرُجَ مِنَ النَّظَرِ فيها، مِن غَيرِ أن يَستَفِيدَ شَيئًا، بل سيَنالُ -بلا شَكٍّ- حَظَّه المَقسُومَ له مِن كلِّ مَسأَلةٍ مِنها، &#8220;فما لا يُدرَكُ كُلُّه، لا يُتْرَكُ كُلُّه&#8221; كما تَقُولُ القاعِدةُ السَّارِيةُ؛ فلَيسَ صَوابًا أن يَدَعَ أَحَدٌ هذه الرَّوضةَ المَعنَوِيّةَ المَلِيئةَ بالثَّمَراتِ بحُجّةِ عَجزِه عن جَنيِ جَمِيعِ ثَمَراتِها! فما قَطَفَه مِنها وحَصَل علَيْه فهُو كَسْبٌ ومَغنَمٌ.</p>
<p>ومِثلَما أنَّ مِنَ المَسائِلِ الَّتي تَخُصُّ الِاسمَ الأَعظَمَ ما هو واسِعٌ جِدًّا لِدَرَجةٍ تَتَعذَّرُ معَها الإحاطةُ الكُلِّيّة به، فإنَّ فيها أَيضًا مَسائِلَ لها مِنَ الدِّقّةِ ما تَنِدُّ بها عن بَصَرِ العَقلِ، ولا سِيَّما رُمُوزُ الحَياةِ إلى أَركانِ الإِيمانِ الَّتي هي في اسمِ اللهِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8220;، وإِشاراتُ الحَياةِ فيه إلى الإِيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، والشُّعاعُ الأوَّلُ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>القَيُّومِ</strong>&#8220;.. ولكِن معَ هذا لا يَبقَى أَحَدٌ دُونَ الأَخذِ بحَظٍّ مِنها، بل تَشُدُّ إِيمانَه وتَزِيدُه سَعةً ومَدًى على أَقَلِّ تَقدِيرٍ، ولا غَرْوَ فإنَّ زِيادةَ الإِيمانِ الَّذي هو مِفتاحُ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ إنَّما هو على جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الأَهَمِّيّةِ، فزِيادَتُه ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ كَنزٌ عَظِيمٌ، كما يقُولُ الإمامُ الرَّبّانِيُّ أَحمَدُ الفارُوقِيُّ السِّرهِندِيُّ: &#8220;إنَّ انكِشافَ مَسأَلةٍ صَغِيرةٍ مِن مَسائِلِ الإِيمانِ لَهُو أَفضَلُ في نَظَرِي مِن مِئاتٍ مِنَ الأَذواقِ والكَراماتِ&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾</p>
<p>لقد تَراءَى لِعَقلِي في شَهرِ ذِي القَعدةِ وأنا نَزِيلُ سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; تَجَلٍّ عَظِيمٌ مِن أَنوارِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ &#8220;<strong>القَيُّومِ</strong>&#8221; الَّذي هو الِاسمُ الأَعظَمُ وثانِي اثنَينِ مِن نُورَيهِ، أوِ السّادِسُ مِنَ الأَنوارِ السِّتّةِ لِلِاسمِ الأَعظَمِ؛ كما تَراءَت نُكتةٌ مِن نِكاتِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُشِيرةِ إلى القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.</p>
<p>بَيدَ أنَّ ظُرُوفَ السِّجنِ المُحِيطةَ بي تَحُولُ دُونَ أن أُوفِيَ حَقَّ هذه الأَنوارِ مِنَ البَيانِ، وحَيثُ إنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ قد أَبرَزَ الِاسمَ الأَعظَمَ في قَصِيدَتِه المُسَمّاةِ بأُرجُوزةِ &#8220;السَّكِينةِ&#8221; لَدَى بَيانِه لِسائِرِ الأَسماءِ الجَلِيلةِ مِن قَصِيدَتِه &#8220;البَدِيعِيّةِ&#8221;، يُولِي أَهَمِّيّةً خاصّةً لِتِلك الأَسماءِ السِّتّةِ، فَضلًا عَمّا يَمنَحُه لنا -بكَرامةٍ مِنَ اللهِ- مِنَ السُّلوانِ والعَزاءِ أَثناءَ بَحثِه لِتِلك الأَسماءِ، لِذا سنُشِيرُ بإِشاراتٍ مُختَصَرةٍ إلى بَيانِ هذا النُّورِ الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ &#8220;القَيُّومِ&#8221; -كما فَعَلْنا معَ الأَسماءِ الخَمسةِ الأُخرَى- وسنَجعَلُ تلك الإِشاراتِ في خَمسةِ أَشِعّةٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الشعاع الأول: الكون قائم بالقيوم سبحانه]</h3>
<p><strong>الشُّعاعُ الأوَّلُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ خالِقَ هذا الكَونِ ذا الجَلالِ قَيُّومٌ، أي إنَّه قائِمٌ بذاتِه، دائِمٌ بذاتِه، باقٍ بذاتِه، وجَمِيعُ الأَشياءِ والمَوجُوداتِ قائِمةٌ به، تَدُومُ به، تَبقَى في الوُجُودِ به، وتَجِدُ البَقاءَ به؛ <strong>فلَوِ انقَطَع هذا الِانتِسابُ لِلقَيُّومِيّةِ مِنَ الكَونِ بأَقَلَّ مِن طَرفةِ عَينٍ يُمحَى الكَونُ كُلُّه</strong>.</p>
<p>ثمَّ إنَّ ذلك الجَلِيلَ معَ <strong>قَيُّومِيَّتِه</strong> ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما وَصَفَه القُرآنُ الكَرِيمُ، أي: لا نَظِيرَ له ولا مَثِيلَ ولا شَبِيهَ ولا شَرِيكَ: في ذاتِه.. في صِفاتِه.. وفي أَفعالِه.</p>
<p>نعم، إنَّ الَّذي <strong>يُمسِكُ الكَونَ كلَّه أن يَزُولَ</strong> في قَبضةِ رُبُوبيَّتِه، ويُدِيرُ جَمِيعَ شُؤُونِه، ويُدَبِّرُ جَمِيعَ أَحوالِه وكَيفِيّاتِه بكَمالِ الِانتِظامِ ومُنتَهَى التَّدبِيرِ وغايةِ الرِّعايةِ، وفي سُهُولةٍ مُطلَقةٍ كإِدارةِ قَصرٍ أو بَيتٍ.. مُحالٌ أن يكُونَ له مِثلٌ أو مَثِيلٌ أو شَرِيكٌ أو شَبِيهٌ.</p>
<p>نعم، إنَّ مَن كانَ خَلْقُ النُّجُومِ سَهلًا علَيْه وهَيِّنًا كخَلقِ الذَّرّاتِ، ويُسَخِّرُ أَعظَمَ شَيءٍ في الوُجُودِ كأَصغَرِه ضِمنَ قُدرَتِه المُطلَقةِ، ولا يَمنَعُ شَيءٌ شَيئًا عنه، ولا فِعلٌ فِعلًا، فالأَفرادُ غَيرُ المَحدُودِينَ نُصْبَ نَظَرِه كالفَردِ الواحِدِ، والأَصواتُ جَمِيعُها يَسمَعُها مَعًا، ويُوفِي حاجاتِ الكُلِّ في آنٍ واحِدٍ ودُفعةً واحِدةً، ولا يَخرُجُ شَيءٌ مَهْما كانَ ولا حالةٌ مَهْما كانَت مِن دائِرةِ مَشِيئَتِه ونِطاقِ إِرادَتِه، بشَهادةِ الأَنظِمةِ والمَوازِينِ الجارِيةِ في الكَونِ، وكما أنَّه لا يَحُدُّه مَكانٌ فهُو بقُدرَتِه وبعِلمِه حاضِرٌ في كلِّ مَكانٍ، وكما أنَّ كلَّ شَيءٍ بَعِيدٌ عنه بُعدًا مُطلَقًا، فهُو أَقرَبُ إلَيْه مِن أيِّ شَيءٍ.. فهذا &#8220;<strong>الحَيُّ القَيُّومُ</strong>&#8221; ذُو الجَلالِ، لا بُدَّ أنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فلا نَظِيرَ له ولا شَرِيكَ ولا وَزِيرَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ.. بل مُحالٌ في حَقِّه كلُّ ذلك.</p>
<p>أمّا شُؤُونُه المُنزَّهةُ الحَكِيمةُ، فيُمكِنُ أن يُنظَرَ إلَيْها بمِنظارِ المَثَلِ والتَّمثِيلِ (وجَمِيعُ أَنواعِ الأَمثالِ والتَّمثِيلاتِ والتَّشبِيهاتِ الوارِدةِ في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; إنّما هي مِن هذا النَّوعِ مِنَ المَثَلِ والتَّمثِيلِ).</p>
<h4 style="text-align: center;">[الطبيعة عاجزة عن القيام بنفسها]</h4>
<p>فهذا الذَّاتُ الأَقدَسُ الَّذي لا مَثِيلَ له، وهُو الواجِبُ الوُجُودِ، والمُجَرَّدُ عنِ المادّةِ، المُنزَّهُ عنِ المَكانِ، المُحالُ علَيْه التَّجَزُّؤُ والِانقِسامُ، والمُمتَنِعُ علَيْه التَّغيُّـرُ والتَّبدُّلُ، والَّذي لا يُمكِنُ أن يُتَصوَّرَ عَجزُه واحتِياجُه أَبدًا.. هذا الذّاتُ الأَقدَسُ قد أَعطَى قِسمٌ مِن أَهلِ الضَّلالةِ أَحكامَ أُلُوهِيَّتِه العَظِيمةِ إلى بَعضِ مَخلُوقاتِه، وذلك بتَوَهُّمِهِم أنَّ تَجَلِّياتِه سُبحانَه المُتَجلِّيةَ في صَفَحاتِ الكَونِ وطَبَقاتِ المَوجُوداتِ هي الذّاتُ الأَقدَسُ نَفسُه، ففَوَّضَ قِسمٌ مِن هَؤُلاءِ بعضَ آثارِ تَجَلِّياتِه سُبحانَه إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، والحالُ أنَّه قد ثَبَت ببَراهِينَ مُتَعدِّدةٍ ناصِعةٍ وفي عَدِيدٍ مِن &#8220;رَسائِل النُّورِ&#8221; أنَّ الطَّبِيعةَ ما هي إلّا صَنعةٌ إِلٰهِيّةٌ ولا تكُونُ صانِعًا، وهِي كِتابٌ رَبّانِيٌّ ولا تكُونُ كاتِبًا، وهِي نَقْشٌ بَدِيعٌ ومُحالٌ أن تكُونَ نَقَّاشًا مُبدِعًا، وهِي كُرَّاسٌ ولا تكُونُ واضِعةَ القَوانِينِ وصاحِبةَ الكُرَّاسِ، وهِي قانُونٌ ولا تكُونُ قُدرةً، وهِي مِسطَرٌ ولا تكُونُ مَصدَرًا لِلوُجُودِ، وهِي شَيءٌ مُنفَعِلٌ ولا تكُونُ فاعِلًا، وهِي نِظامٌ ومُحالٌ أن تكُونَ ناظِمًا، وهِي شَرِيعةٌ فِطرِيّةٌ ومُمتَنِعٌ أن تكُونَ شارِعًا مُشَرِّعًا.</p>
<p>ولوِ افتُرِضَ مُحالًا وأُحِيلَ خَلقُ أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ إلى الطَّبِيعةِ، وقِيلَ لها فَرْضًا: هَيّا أَوجِدِي هذا الكائِنَ -مَثلًا- فيَنبَغِي لِلطَّبِيعةِ عِندَئِذٍ أن تُهيِّئَ قَوالِبَ -مادِّيّةً ومَكائِنَ- بعَدَدِ أَعضاءِ ذلك الكائِنِ لِكَي تَستَطِيعَ أن تُؤدِّيَ ذلك العَمَلَ!! وقد أَثبَتْنا مُحاليّةَ هذا الفَرْضِ في مَواضِعَ كَثِيرةٍ مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;.</p>
<p>ثمَّ إنَّ قِسمًا مِن أَهلِ الضَّلالةِ الَّذِينَ يُطلَقُ علَيْهِمُ &#8220;المادِّيُّونَ&#8221; يَشعُرُونَ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِلخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ في تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ المُنتَظِمةِ، ولكِنَّهُم يَجهَلُونَ مَصدَرَ ذلك التَّجَلِّي، ويَعجِزُونَ عن أن يُدرِكُوا مِن أَينَ تُدارُ تلك القُوّةُ العامّةُ النَّابِعةُ مِن تَجَلِّي القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ.. فلِأَنَّهُم يَجهَلُونَ كلَّ ذلك فقد شَرَعُوا بإِسنادِ آثارِ الأُلُوهِيّةِ إلى الذَّرّاتِ نَفسِها وإلى حَرَكاتِها، فتَوَهَّمُوا أَزَليّةَ المادّةِ والقُوّةِ.</p>
<p>فسُبحانَ اللهِ!! أَفيُمكِنُ لِإنسانٍ أن يَتَردَّى إلى هذا الدَّرَكِ السَّحِيقِ مِنَ الجَهالةِ والخُرافةِ المَحضةِ، فيُسنِدَ الآثارَ البَدِيعةَ لِلخالِقِ البَدِيعِ والأَفعالَ الحَكِيمةَ لِلعَلِيمِ البَصِيرِ، والَّتي يُظهِرُها ويقُومُ بِها بِهَيئةٍ ووَضعِيّةٍ تَنِمُّ عن مَعرِفَتِه ورُؤيَتِه وإِدارَتِه لِكُلِّ شَيءٍ عِندَ خَلقِ وإِيجادِ أَيِّ مَخلُوقٍ في أَيِّ مَكانٍ معَ تَنَزُّهِه عنِ المَكانِ.. يُسنِدَها إلى ذَرّاتٍ مُضطَرِبةٍ بتَيّاراتِ المُصادَفاتِ، جامِدةٍ عَمْياءَ غَيرِ شاعِرةٍ، لا حَولَ لها ولا قُوّةَ، وإلى حَرَكاتِها!!</p>
<p>أَفيُمكِنُ أن يُقِرَّ بهذا أَحَدٌ؟! فمَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ لا بُدَّ أن يَحكُمَ بأنَّ هذا جَهلٌ ما بَعدَه جَهلٌ، وخُرافةٌ ما بَعدَها خُرافةٌ.. إنَّ هَؤُلاءِ التُّعَساءَ قد وَقَعُوا في عِبادةِ آلِهةٍ كَثِيرةٍ لِأنَّهُم أَعرَضُوا عنِ الوَحدانيّةِ المُطلَقةِ؛ أي: لِأنَّهُم لم يُؤمِنُوا بإلٰهٍ واحِدٍ، أَصبَحُوا مُضطَرِّينَ إلى قَبُولِ ما لا نِهايةَ له مِنَ الآلِهةِ! أي: لِأنَّهُم لم يَستَوعِبُوا بعُقُولِهِمُ القاصِرةِ أَزِليّةَ الذّاتِ الأَقدَسِ وخَلّاقيَّتَه -وهُما صِفَتانِ لازِمَتانِ ذاتيَّتانِ له سُبحانَه- فقد أَصبَحُوا بحُكمِ مَسلَكِهِمُ الضّالِّ مُضطَرِّينَ إلى قَبُولِ أَزَليّةِ ذَرّاتٍ جامِدةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، بل إلى قَبُولِ أُلُوهِيّةِ الذَّرّاتِ! فتَأمَّلْ مَبلَغَ الحَضِيضِ الَّذي سَقَطُوا فيه، وسَحِيقَ الدَّرَكِ الأَسفَلِ مِنَ الجَهلِ الَّذي تَرَدَّوا فيه!</p>
<p>نعم، إنَّ التَّجَلِّيَ الظّاهِرَ &#8220;لِلحَيِّ القَيُّومِ&#8221; في الذَّرّاتِ قد حَوَّلَها إلى ما يُشبِهُ الجَيشَ المَهِيبَ المُنَظَّمَ بحَولِ اللهِ وقُوَّتِه وأَمرِه، فلو سُحِبَ أَمرُ القائِدِ الأَعظَمِ لِأَقلَّ مِن طَرْفةِ عَينٍ مِن تلك الَّتي لا تُحَدُّ مِنَ الذَّرّاتِ الجامِدةِ الَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، لَظَلَّت سائِبةً، بل مُحِيَت نِهائيًّا مِنَ الوُجُودِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ هُنالِك مَن يَتَظاهَرُونَ بِبُعدِ النَّظَرِ، فيَسُوقُونَ فِكرًا أَجهَلَ مِنَ السَّابِقِ وأَوغَلَ في الخُرافةِ مِنه، حَيثُ يَتَوهَّمُونَ أنَّ <strong>مادّةَ الأَثيرِ</strong> هي المَصدَرُ وهِي الفاعِلُ، لقِيامِها بمُهِمّةِ المِرآةِ العاكِسةِ لِتَجَلِّياتِ رُبُوبيّةِ الخالِقِ سُبحانَه! عِلمًا أنَّها أَلطَفُ وأَرَقُّ وأَطوَعُ صَحِيفةٍ مِن صَحائِفِ إِجراءاتِ الصّانِعِ الجَلِيلِ وأَكثَرُها تَسخِيرًا وانقِيادًا، وهِي وَسِيلةٌ لِنَقلِ أَوامِرِه الجَلِيلةِ، وهِي المِدادُ اللَّطِيفُ لِكِتاباتِه، والحُلّةُ القَشِيبةُ الشَّفِيفةُ لِإيجاداتِه، والخَمِيرةُ الأَساسُ لِمَصنُوعاتِه، والأَرضُ الخِصبةُ لِحَبّاتِه.</p>
<p>فلا شَكَّ أنَّ هذا الجَهلَ العَجِيبَ المُرعِبَ يَستَلزِمُ مُحالاتٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، وذلك لِأنَّ مادّةَ الأَثيرِ هي أَلطَفُ مِن مادّةِ الذَّرّاتِ الَّتي غَرِق بها المادِيُّونَ في مُستَنقَعِ الضَّلالةِ، وهِي أَكثَفُ مِنَ الهَيُولَى الَّتي ضَلَّ فيها الفَلاسِفةُ القُدَماءُ وتاهُوا؛ وهِي مادّةٌ جامِدةٌ لا إِرادةَ لها ولا اختِيارَ ولا شُعُورَ، فإِسنادُ الأَفعالِ والآثارِ إلى هذه المادّةِ القابِلةِ لِلِانقِسامِ والتَّجَزُّؤِ والمُجَهَّزةِ لِلقِيامِ بوَظِيفةِ النَّقل وخاصّةً الِانفِعالَ، وإلى ذَرّاتِها الَّتي هي أَصغَرُ مِنَ الذَّرّاتِ، لا شَكَّ أنَّه <strong>جَرِيمةٌ وخَطَأٌ فاحِشٌ بعَدَدِ ذَرّاتِ الأَثيرِ</strong>، لِأنَّ تلك الأَفعالَ والآثارَ الرَّبّانيّةَ لا يُمكِنُ أن تَحدُثَ إلّا بإِرادةِ مَن يَقدِرُ على رُؤيةِ كلِّ شَيءٍ في أيِّ شَيءٍ كانَ، ومَن يَملِكُ عِلمًا مُحِيطًا بكلِّ شَيءٍ. نعم، إنَّ فِعلَ الإِيجادِ المَشهُودَ في المَوجُوداتِ يتَّسِمُ بكَيفِيّةٍ مُعيَّنةٍ وأُسلُوبٍ مُنفَرِدٍ، بحَيثُ يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ المُوجِدَ هو صاحِبُ قُدرةٍ قادِرةٍ واختِيارٍ طَلِيقٍ، يَرَى أَكثَرَ الأَشياءِ، بلِ الكَونَ كُلَّه لَدَى إِيجادِه أيَّ شَيءٍ كانَ، ولا سِيَّما الكائِنَ الحَيَّ، ويَعلَمُ كلَّ ما يَرتَبِطُ به مِنَ الأَشياءِ، أي إنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ الجاهِلةَ لا يُمكِنُ أن تكُونَ بحالٍ مِنَ الأَحوالِ فاعِلًا له.</p>
<p>نعم، إنَّ فِعلًا إِيجادِيًّا -مَهْما كانَ جُزئيًّا- يَدُلُّ دَلالةً عَظِيمةً -بسِرِّ القَيُّوميّةِ- على أنَّه فِعلُ خالِقِ الكَونِ فِعلًا مُباشَرًا؛ فالفِعلُ المُتَوجِّهُ إلى إِيجادِ نَحلةٍ -مَثلًا- يَدُلُّنا بجِهَتَينِ على أنَّه يَخُصُّ خالِقَ الكَونِ ورَبَّ العالَمِينَ.</p>
<p><strong>الجِهةُ الأُولَى</strong>: أنَّ مَظهَرِيّةَ تلك النَّحلةِ معَ مَثِيلاتِها في جَمِيعِ الأَرضِ لِلفِعلِ نَفسِه في الوَقتِ نَفسِه يَدُلُّنا على أنَّ هذا الفِعلَ الجُزئيَّ الَّذي نُشاهِدُه في نَحلةٍ واحِدةٍ إنَّما هو طَرَفٌ لِفِعلٍ يُحِيطُ بسَطحِ الأَرضِ كلِّه، أي إنَّ مَن كانَ فاعِلًا لِذلِك الفِعلِ العَظِيمِ الواسِعِ ومالِكًا له فهُو صاحِبُ ذلك الفِعلِ الجُزئيِّ.</p>
<p><strong>الجِهةُ الثّانيةُ</strong>: لِأَجلِ أن يكُونَ أَحَدٌ فاعِلًا لِهذا الفِعلِ الجُزئيِّ المُتَوجِّهِ إلى خَلقِ هذه النَّحلةِ الماثِلةِ أَمامَنا، يَنبَغِي أن يكُونَ الفاعِلُ عالِمًا بشُرُوطِ حَياةِ تلك النَّحلةِ، وأَجهِزَتِها، وعَلاقاتِها معَ الكائِناتِ الأُخرَى، وكَيفِيّةِ ضَمانِ حَياتِها ومَعِيشَتِها؛ فيَلزَمُ إِذًا أن يكُونَ ذا حُكمٍ نافِذٍ على الكَونِ كلِّه كي يتَمَكَّنَ مِنَ القِيامِ بِذَلِك الفِعلِ على أَ كمَلِ وَجْهٍ، أي إنَّ أَصغَرَ فِعلٍ جُزئيٍّ يَدُلُّ مِن جِهَتَينِ على أنَّه يَخُصُّ خالِقَ كلِّ شَيءٍ..</p>
<p>ولكِن أَكثَرُ ما يُحَيِّرُ الإنسانَ ويَجلُبُ انتِباهَه هو أنَّ الأَزَليّةَ والسَّرمَدِيّةَ الَّتي هي مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الأُلُوهِيّةِ، وأَلزَمُ صِفةٍ لِلذّاتِ الأَقدَسِ المالِكِ لِأَقوَى مَرتَبةٍ في الوُجُودِ وهُو الوُجُوبُ، وأَثبَتِ دَرَجةٍ في الوُجُودِ وهُو التَّجرُّدُ مِنَ المادّةِ، وأَبعَدِ طَوْرٍ عنِ الزَّوالِ وهُو التَّنزُّهُ عنِ المَكانِ، وأَسلَمِ صِفةٍ مِن صِفاتِ الوُجُودِ وأَقدَسِها عنِ التَّغيُّرِ والعَدَمِ وهُو الوَحْدةُ.. أَقُولُ: إنَّ الَّذي يُحيِّرُ الإنسانَ ويُثيرُ قَلَقَه، ويَجلُبُ انتِباهَه إنَّما هو إِسنادُ صِفةِ الأَزَليّةِ والسَّرمَدِيّةِ إلى الأَثيرِ والذَّرّاتِ وما شابَهَها مِنَ المَوادِّ المادِّيّةِ الَّتي لها أَضعَفُ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ، وأَدَقُّ دَرَجةٍ فيه، وأَكثَرُ أَطوارِه تَغيُّرًا وتَحَوُّلًا، وأَعمُّها انتِشارًا في المَكانِ، ولها الكَثرةُ الَّتي لا تُحَدُّ.. فإِسنادُ الأَزَليّةِ إلى هذه المَوادِّ وتَصَوُّرُها أَزَليّةً، وتَوَهُّمُ نُشُوءِ قِسمٍ مِنَ الآثارِ الإِلٰهِيّةِ مِنها، ما هو إلّا مُجافاةٌ وأيُّ مُجافاةٍ لِلحَقِيقةِ وأَمرٌ مُنافٍ أيَّ مُنافاةٍ لِلواقِعِ، وبَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن مَنطِقِ العَقلِ، وباطِلٌ واضِحُ البُطلانِ.. وقد أَثبَتْنا هذا في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ ببَراهِينَ رَصِينةٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الشعاع الثاني: مسألتان حول القيومية]</h3>
<p><strong>الشُّعاعُ الثّاني</strong>: وهو مَسأَلتانِ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الأولى: معنى القيومية وتقريبها بمثال]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الأُولَى</strong>:‌</p>
<p>قالَ تَعالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الَّتي تَتَضمَّنُ حَقِيقةً عُظمَى تُشِيرُ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ &#8220;القَيُّومِ&#8221;.. سنُورِدُ وَجهًا واحِدًا مِن تلك الحَقِيقةِ، وهُو الآتي:</p>
<p>إنَّ قِيامَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ في هذا الكَونِ ودَوامَها وبَقاءَها إنَّما هو مَشدُودٌ بسِرِّ القَيُّوميّةِ، فلو صَرَف سِرُّ القَيُّوميّةِ وتَجَلِّيه وَجهَه -ولو لِأقلَّ مِن دَقيقةٍ- لَتَبعثَرَت تلك الأَجرامُ الَّتي تَفُوقُ ضَخامةُ بَعضِها ضَخامةَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، ولَانتَثَرَت مَلايِينُ الأَجرامِ في فَضاءٍ غَيرِ مُتَناهٍ، ولَاصطَدَم بَعضُها ببعضٍ، ولَهَوَت إلى سَحِيقِ العَدَمِ؛ لِنُوضِّح ذلك بمِثالٍ:</p>
<p>إنَّنا مِثلَما نَفهَمُ قُدرةَ قَيُّوميّةِ مَن يُسَيِّرُ أُلُوفَ قُصُورٍ ضَخمةٍ في السَّماءِ بَدَلَ الطّائِراتِ بمِقدارِ ثَباتِ تلك الكُتَلِ الهائِلةِ الَّتي في السَّماءِ ودَوامِها، وبمَدَى انتِظامِ دَوَرانِها وانقِيادِها في جَريِها.. نَفهَمُ أَيضًا: تَجَلِّيَ الِاسمِ الأَعظَمِ: &#8220;القَيُّومِ&#8221; مِن مَنحِ القَيُّومِ ذِي الجَلالِ قِيامًا وبَقاءً ودَوامًا -بسِرِّ القَيُّوميّةِ- لِأَجرامٍ سَماوِيّةٍ لا حَدَّ لها في أَثيرِ الفَضاءِ الواسِعِ، وجَرَيانِها في مُنتَهَى الِانقِيادِ والنِّظامِ والتَّقدِيرِ، وإِسنادِها وإِدامَتِها وإِبقائِها دُونَ عَمَدٍ ولا سَنَدٍ، معَ أنَّ قِسمًا مِنها أَكبَرُ مِنَ الأَرضِ أُلُوفَ المَرّاتِ، وقِسمًا مِنها مَلايِينَ المَرّاتِ، فَضلًا عن تَسخِيرِ كلٍّ مِنها وتَوظِيفِها في مُهِمّةٍ خاصّةٍ، وجَعلِها جَمِيعًا كالجَيشِ المَهِيبِ، مُنقادةً خاضِعةً خُضُوعًا تامًّا لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِمَّن يَملِكُ أَمرَ كُن فيكُونُ.. فكما أنَّ ذلك يُمكِنُ أن يكُونَ مِثالًا قِياسِيًّا لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;القَيُّومِ&#8221;، كَذلِك ذَرّاتُ كلِّ مَوجُودٍ -الَّتي هي كالنُّجُومِ السّابِحةِ في الفَضاءِ- فإنَّها قائِمةٌ أَيضًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ، وتَجِدُ دَوامَها وبَقاءَها بذلك السِّرِّ.</p>
<p>نعم، إنَّ بَقاءَ ذَرَّاتِ جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ دُونَ أن تَتَبعثَرَ، وتَجَمُّعَها على هَيئةٍ مُعيَّنةٍ وتَركِيبٍ مُعَيَّنٍ وشَكلٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما يُناسِبُ كلَّ عُضوٍ مِن أَعضائِه، عَلاوةً على احتِفاظِها بكِيانِها وهَيئَتِها أَمامَ سَيلِ العَناصِرِ الجارِفةِ دُونَ أن تَتَشتَّتَ، واستِمرارِها على نِظامِها المُتقَنِ.. كلُّ ذلك لا يَنشَأُ -كما هو مَعلُومٌ بَداهةً- مِنَ الذَّرّاتِ نَفسِها، بل هو مِن سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي يَنقادُ لها كلُّ فَردٍ حَيٍّ انقِيادَ الطّابُورِ في الجَيشِ، ويَخضَعُ لها كلُّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الأَحياءِ خُضُوعَ الجَيشِ المُنَظَّمِ.. فمِثلَما يُعلِنُ بَقاءُ الأَحياءِ والمُرَكَّباتِ ودَوامُها على سَطحِ الأَرضِ وسِياحةُ النُّجُومِ وتَجْوالُها في الفَضاءِ سِرَّ القَيُّوميّةِ، تُعلِنُه هذه الذَّرّاتُ أَيضًا بألسِنةٍ غَيرِ مَعدُودةٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الثانية: غاية كل مخلوق لها ثلاث جهات]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الثّانيةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هذا المَقامُ يَقتَضِي الإِشارةَ إلى قِسمٍ مِن فَوائِدِ الأَشياءِ وحِكَمِها المُرتَبِطةِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ:</p>
<p>إنَّ حِكمةَ وُجُودِ كلِّ شَيءٍ، وغايةَ فِطرَتِه، وفائِدةَ خَلقِه، ونَتِيجةَ حَياتِه، إنَّما هي على <strong>أَنواعٍ ثَلاثةٍ</strong>:</p>
<p><strong>النَّوعُ الأوَّل</strong>: يتَوَجَّهُ <strong>إلى نَفسِه</strong> وإلى الإِنسانِ ومَصالِحِه.</p>
<p><strong>النَّوعُ الثّاني</strong>: (وهُو الأَهَمُّ مِنَ الأوَّلِ): هو أنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ <strong>بمَثابةِ آيةٍ جَلِيلةٍ، ومَكتُوبٍ رَبّانِيٍّ،</strong> وكِتابٍ بَلِيغ، وقَصِيدةٍ رائِعةٍ، يَستَطِيعُ كلُّ ذِي شُعُورٍ أن يُطالِعَها ويَتَعرَّفَ مِن خِلالِها على تَجَلِّي أَسماءِ الفاطِرِ الجَلِيلِ؛ أي إنَّ كلَّ شَيءٍ يُعبِّرُ عن مَعانِيه الغَزِيرةِ لِقُرّائِه الَّذِينَ لا يُحصِيهِمُ العَدُّ.</p>
<p><strong>النَّوعُ الثّالثُ</strong>: <strong>يَخُصُّ الصّانِعَ الجَلِيلَ</strong>، ويتَوَجَّهُ إلَيْه سُبحانَه، فلو كانَت فائِدةُ خَلقِ الشَّيءِ المُتَوَجِّهةِ إلى نَفسِه واحِدةً، فالَّتي تَتَطلَّعُ مِنها إلى البارِي الجَلِيلِ هي مِئاتٌ مِنَ الفَوائِدِ، حَيثُ إنَّه سُبحانَه يَجعَلُه مَوضِعَ نَظَرِه إلى بَدائِعِ صُنعِه، ومَحَطَّ مُشاهَدةِ تَجَلِّي أَسمائِه الحُسنَى فيه.. فضِمنَ هذا النَّوعِ الثّالِثِ العَظِيمِ مِن حِكمةِ الوُجُودِ يَكفِي العَيشُ لِثانيةٍ واحِدةٍ.. هذا وسيُوضَّحُ في الشُّعاعِ الثّالِثِ سِرٌّ مِن أَسرارِ القَيُّوميّةِ يَقتَضِي وُجُودَ كلِّ شَيءٍ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[تأمُّل: لماذا تأتي الموجودات ثم ترحل؟]</h5>
<p>تَأمَّلتُ ذاتَ يَومٍ في فَوائِدِ المَوجُوداتِ وحِكَمِها مِن زاوِيةِ انكِشافِ طِلَّسمِ الكائِناتِ ولُغزِ الخَلقِ، فقُلتُ في نَفسِي: لِماذا يا تُرَى، تَعرِضُ هذه الأَشياءُ نَفسَها وتُظهِرُها ثمَّ لا تَلبَثُ أن تَختَفِيَ وتَرحَلَ مُسرِعةً؟.. أَنظُرُ إلى أَجسامِها وشُخُوصِها، فإذا كلٌّ مِنها مُنَظَّمٌ مُنَسَّقٌ قد أُلبِسَ وُجُودًا على قَدِّه وقَدْرِه بحِكمةٍ واضِحةٍ، وزُيِّنَ بأَجمَلِ زِينةٍ وأَلطَفِها، وأُرسِلَ بشَخصِيّةٍ ذاتِ حِكمةٍ وجِسمٍ مُنَسَّقٍ لِيُعرَضَ أَمامَ المُشاهِدِينَ في هذا المَعرِضِ الواسِعِ.. ولكِن ما إن تَمُرُّ بِضْعةُ أيّامٍ -أو بِضعُ دَقائِقَ- إلّا وتَراه يَتَلاشَى ويَختَفِي مِن دُونِ أن يَترُكَ فائِدةً أو نَفعًا!! فقُلتُ: تُرَى! ما الحِكمةُ وَراءَ هذا الظُّهُورِ لنا لِمُدّةٍ قَصِيرةٍ كهذه؟..كُنتُ في لَهْفةٍ شَدِيدةٍ لِلوُصُولِ إلى مَعرِفةِ السِّرِّ.</p>
<p>فأَدرَكَنِي لُطفُ الرَّبِّ الجَلِيلِ سُبحانَه.. فوَجَدتُ في ذلك الوَقتِ <strong>حِكمةً مُهِمّةً مِن حِكَمِ مَجِيءِ المَوجُوداتِ -ولا سِيَّما الأَحياءِ- إلى مَدرَسةِ الأَرضِ</strong>.. والحِكمةُ هي أنَّ كلَّ شَيءٍ -ولا سِيَّما الأَحياءُ- إنَّما هي <strong>كَلِمةٌ إِلٰهِيّةٌ</strong> <strong>ورِسالةٌ رَبّانيّةٌ</strong> <strong>وقَصِيدةٌ عَصْماءُ</strong>، <strong>وإِعلانٌ صَرِيحٌ في مُنتَهَى البَلاغةِ والحِكمةِ</strong>، فبَعدَ أن يُصبِحَ ذلك الشَّيءُ مَوضِعَ مُطالَعةِ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ، ويَفِيَ بجَمِيعِ مَعانيه لهم ويَستَنفِدَ أَغراضَه، تَتَلاشَى صُورَتُه الجَسَدِيّةُ وتَختَفِي مادَّتُه، تلك الَّتي هي بحُكمِ لَفظِ الكَلِمةِ وحُرُوفِها، تارِكةً مَعانيَها في الوُجُودِ..</p>
<p>لقد كَفَتْنِي مَعرِفةُ هذه الحِكمةِ طَوالَ سَنةٍ، ولكِن بعدَ مُضِيِّها انكَشَفَت أَمامِي المُعجِزاتُ الدَّقيقةُ في المَصنُوعاتِ والإِتقانُ البَدِيعُ فيها ولا سِيَّما الأَحياءِ؛ فتَبيَّنَ لي أنَّ هذا الإِتقانَ البَدِيعَ جِدًّا والدَّقيقَ جِدًّا في جَمِيعِ المَصنُوعاتِ ليس لِمُجَرَّدِ إِفادةِ المَعنَى أَمامَ أَنظارِ ذَوِي الشُّعُورِ، إذ رَغمَ أنَّ ما لا يُحَدُّ مِن ذَوِي الشُّعُورِ يُطالِعُونَ كلَّ مَوجُودٍ، إلّا أنَّ مُطالَعَتَهُم -مَهْما كانَت- هِي مَحدُودةٌ، فَضلًا عن أنَّه لا يَستَطِيعُ كلُّ ذِي شُعُورٍ أن يَنفُذَ إلى دَقائِقِ الصَّنعةِ وإِبداعِها في الكائِنِ الحَيِّ، ولا يَقدِرُ على اكتِناهِ جَمِيعِ أَسرارِها.</p>
<p><strong>فأَهَمُّ نَتِيجةٍ إِذًا في خَلقِ الأَحياءِ، وأَعظَمُ غايةٍ لِفِطرَتِها إنَّما هي: عَرْضُ بَدائِعِ صُنعِ القَيُّومِ الأَزَليِّ أَمامَ نَظَرِه سُبحانَه، وإِبرازُ هَدايا رَحمَتِه وآلائِه العَمِيمةِ الَّتي وَهَبَها لِلأَحياءِ، أَمامَ شُهُودِه جَلَّ وعَلا</strong>.. لقد مَنَحَتْنِي هذه الغايةُ اطمِئْنانًا كافِيًا واقتِناعًا تامًّا لِزَمَنٍ مَدِيدٍ، وأَدرَكتُ مِنها أنَّ وُجُودَ دَقائِقِ الصُّنعِ وبَدائِعِ الخَلقِ في كلِّ مَوجُودٍ -ولا سِيَّما الأَحياءِ- بما يَفُوقُ الحَدَّ، إنَّما هو لِعَرْضِها أَمامَ القَيُّومِ الأَزَليِّ، أي إنَّ حِكمةَ الخَلقِ هي: مُشاهَدةُ القَيُّومِ الأَزَليِّ لِبَدائِعِ خَلقِه بنَفسِه.. وهذه المُشاهَدةُ تَستَحِقُّ هذا البَذْلَ العَمِيمَ وهذه الوَفْرةَ الهائِلةَ في المَخلُوقاتِ.</p>
<p>ولكِن بعدَ مُضِيِّ مُدّةٍ.. رَأَيتُ أنَّ دَقائِقَ الصُّنعِ والإِتقانِ البَدِيعِ في شُخُوصِ المَوجُوداتِ وفي صُورَتِها الظّاهِرةِ لا تَدُومُ ولا تَبقَى، بل تَتَجدَّدُ بسُرعةٍ مُذهِلةٍ، وتَتَبدَّلُ آنًا بعدَ آنٍ، وتَتَحوَّلُ ضِمنَ خَلقٍ مُستَمِرٍّ مُتَجدِّدٍ وفَعّاليّةٍ مُطلَقةٍ.. فأَخَذتُ أُوغِلُ في التَّفكِيرِ مُدّةً مِنَ الزَّمَنِ، وقُلتُ: لا بُدَّ أنَّ حِكمةَ هذه الخَلّاقيّةِ والفَعّاليّةِ عَظِيمةٌ عِظَمَ تلك الفَعّاليّةِ نَفسِها.. وعِندَها بَدَتِ الحِكمَتانِ السّابِقَتانِ ناقِصَتَينِ وقاصِرَتَينِ عنِ الإِيفاءِ بالغَرَضِ، وبَدَأتُ أَتَحرَّى حِكمةً أُخرَى بِلَهفةٍ عارِمةٍ، وأَبحَثُ عنها باهتِمامٍ بالِغٍ..</p>
<p>وبعدَ مُدّةٍ -وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ- تَراءَت لي <strong>حِكمةٌ عَظِيمةٌ لا حَدَّ لِعَظَمَتِها</strong> وغايةٌ جَلِيلةٌ لا مُنتَهَى لِجَلالِها، تَراءَت لي مِن خِلالِ فَيضِ نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ ونَبَعَت مِن سِرِّ القَيُّوميّةِ.. فأَدرَكتُ بها سِرًّا إِلٰهِيًّا عَظِيمًا في الخَلقِ، ذلك الَّذي يُطلَقُ علَيْه طِلَّسمُ الكائِناتِ ولُغزُ المَخلُوقاتِ!</p>
<p>سنَذكُرُ في الشُّعاعِ الثَّالثِ هنا بِضعَ نِقاطٍ مِن هذا السِّرِّ ذِكرًا مُجمَلًا، حَيثُ إنَّه قد فُصِّلَ تَفصِيلًا كافِيًا في &#8220;المَكتُوبِ الرّابِعِ والعِشرِينَ&#8221; مِنَ &#8220;المَكتُوباتِ&#8221;.</p>
<p>نعم، اُنظُرُوا إلى تَجَلِّي سِرِّ القَيُّوميّةِ مِن هذه الزَّاوِيةِ وهي أنَّ اللهَ أَخرَج المَوجُوداتِ مِن ظُلُماتِ العَدَمِ ووَهَب لها الوُجُودَ، ومَنَحَها القِيامَ والبَقاءَ في هذا الفَضاءِ الواسِعِ، وبَوَّأ المَوجُوداتِ مَوقِعًا لائِقًا لِتَنالَ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ سِرِّ القَيُّوميّةِ كما بَيَّنَتْه الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، فلَوْلا هذه الرَّكِيزةُ العَظِيمةُ وهذا المُستَنَدُ الرَّصِينُ لِلمَوجُوداتِ، فلا بَقاءَ لِشَيءٍ، بل لَتَدَحرَجَ كلُّ شَيءٍ في خِضَمِّ فَراغٍ لا حَدَّ له، ولَهَوَى إلى العَدَمِ.</p>
<p>وكما تَستَنِدُ جَمِيعُ المَوجُوداتِ إلى القَيُّومِ الأَزَليِّ ذِي الجَلالِ في وُجُودِها وفي قِيامِها وبَقائِها، وكما أنَّ قِيامَ كلِّ شَيءٍ به سُبحانَه.. كَذلِك جَمِيعُ أَحوالِ المَوجُوداتِ قاطِبةً وأَوضاعُها كافّةً وكَيفِيّاتُها المُتَسَلسِلةُ كلُّها مُرتَبِطةٌ بِداياتُها ارتِباطًا مُباشَرًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ، كما تُوضِّحُها الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾، إذ لَوْلا استِنادُ كلِّ شَيءٍ إلى تلك النُّقطةِ النُّورانيّةِ، لَنَتَج ما هو مُحالٌ لَدَى أَربابِ العَقلِ مِن أُلُوفِ الدَّورِ والتَّسَلسُلِ، بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ.. ولنُوَضِّح ذلك بمِثالٍ:</p>
<p>إنَّ الحِفظَ، أوِ النُّورَ، أوِ الوُجُودَ، أوِ الرِّزقَ أو ما شابَهَه مِن أيِّ شَيءٍ كانَ، إنَّما يَستَنِدُ -مِن جِهةٍ- إلى شَيءٍ آخَرَ، وهذا يَستَنِدُ إلى آخَرَ، وهذا إلى آخَرَ وهكذا.. فلا بُدَّ مِن نِهايةٍ له، إذ لا يُعقَلُ ألّا يَنتَهِيَ بشَيءٍ؛ فمُنتَهَى أَمثالِ هذه السَّلاسِلِ كلِّها إنَّما هو في سِرِّ القَيُّوميّةِ، وبعدَ إِدراكِ هذا السِّرِّ -سِرِّ القَيُّوميّةِ- لا يَبقَى مَعنًى لِاستِنادِ أَفرادِ تلك السَّلاسِلِ المَوهُومةِ بَعضِها إلى بَعضٍ، بل تُرفَعُ نِهائيًّا وتُزالُ، فيكُونُ كلُّ شَيءٍ مُتَوجِّهًا تَوَجُّهًا مُباشَرًا إلى سِرِّ القَيُّوميّةِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الشعاع الثالث: سرٌّ من أسرار الخلَّاقية المستمرة]</h3>
<p><strong>الشُّعاعُ الثّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>سنُشِيرُ في مُقدِّمةٍ أو مُقدِّمتَينِ إلى طَرَفٍ مِنِ انكِشافِ سِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي تَتَضمَّنُه الخَلَّاقيّةُ الإِلٰهِيّةُ والفَعَّاليّةُ الرَّبّانيّةُ كما تُشِيرُ إلَيْها أَمثالُ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.</p>
<p>حِينَما نَنظُرُ إلى الكائِناتِ بعَينِ التَّأمُّلِ، نَرَى أنَّ المَخلُوقاتِ تَضطَرِبُ في خِضَمِّ سَيلِ الزَّمانِ وتَتَعاقَبُ قافِلةً إِثرَ قافِلةٍ؛ فقِسمٌ مِنها لا يَلبَثُ ثانيةً ثمَّ يَغِيبُ، وطائِفةٌ مِنها تَأتِي لِدَقيقةٍ واحِدةٍ ثمَّ تَمضِي إلى شَأنِها، ونَوعٌ مِنها يَمُرُّ إلى عالَمِ الشَّهادةِ مَرَّ الكِرامِ، ثمَّ يَلِجُ في عالَمِ الغَيبِ بعدَ ساعةٍ، وقِسمٌ مِنها يَحُطُّ رَحْلَه في يَومٍ ثمَّ يُغادِرُ، وقِسمٌ مِنها يَمكُثُ سَنةً ثمَّ يَمضِي، وقِسمٌ يَمضِي عَصرًا ثمَّ يَرحَلُ، وآخَرُ يَقضِي عُصُورًا ثمَّ يَتْرُكُ هذا العالَمَ.. وهكذا، <strong>فكُلٌّ يَأتِي ثمَّ يُغادِرُ بعدَ أَداءِ مُهِمَّتِه المَوكُولةِ إلَيْه</strong>.</p>
<p>فهذه السِّياحةُ المُذهِلةُ لِلعُقُولِ، وذلك <strong>السَّيلُ الجارِي لِلمَوجُوداتِ</strong> والسَّفَرُ الدَّائِبُ لِلمَخلُوقاتِ، إنَّما تَتِمُّ بنِظامٍ مُتقَنٍ ومِيزانٍ دَقِيقٍ وحِكمةٍ تامّةٍ، والَّذي يَقُودُ هذه الرِّحلةَ المُستَمِرّةَ ويُمسِكُ بزِمامِها، يَقُودُها ببَصِيرةٍ ويُسَيِّـرُها بحِكمةٍ، ويَسُوقُها بتَدبِيرٍ، بحَيثُ لوِ اتَّحَدَت جَمِيعُ العُقُولِ وأَصبَحَت عَقلًا واحِدًا لَمَا بَلَغ مَعرِفةَ كُنهِ هذه الرِّحلةِ، ولا يَصِلُ إلى إِدراكِ حِكمَتِها، ناهِيك عن أن يَجِدَ فيها نَقصًا أو قُصُورًا.</p>
<p>وهكذا ضِمنَ هذه الخَلّاقيّةِ الرَّبّانيّةِ <strong>يَسُوقُ الخالِقُ تلك المَصنُوعاتِ اللَّطِيفةَ المَحبُوبةَ إلَيْه -ولا سِيَّما الأَحياءُ- إلى عالَمِ الغَيبِ دُونَ أن يُمهِلَها لِتَتَفسَّحَ في هذا العالَمِ،</strong> ويُعفِيها مِن مُهِمّاتِها في حَياتِها الدُّنيَوِيّةِ دُونَ أن يَدَعَها تَنشَرِحُ وتَنبَسِطُ؛ فيَملَأُ دارَ ضِيافَتِه هذه بالضُّيُوفِ ويُخْلِيها مِنهُم باستِمرارٍ دُونَ رِضاهم، جاعِلًا مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ ما يُشبِهُ لَوحةَ كِتابةٍ -كالسُّبُّورةِ- يَكتُبُ فيها باستِمرارٍ قَلمُ القَضاءِ والقَدَرِ كِتاباتِه ويُجَدِّدُها، ويُبدِّلُها، بتَجَلِّياتِ مَن: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.</p>
<p>وهكذا، فإنَّ <strong>سِرًّا مِن أَسرارِ</strong> هذه <strong>الفَعّاليّةِ الرَّبّانيّةِ</strong> وهذه <strong>الخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ</strong>، ومُقتَضِيًا أَساسًا مِن مُقتَضِياتِها وسَبَبًا مِنَ الأَسبابِ الدَّاعِيةِ لها إنَّما هو حِكمةٌ عَظِيمةٌ لا حَدَّ لها ولانِهايةَ؛ هذه الحِكمةُ تَتَشعَّبُ إلى ثَلاثِ شُعَبٍ مُهِمّةٍ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[الشعبة الأولى: الفعالية لذة]</h4>
<p><strong>فالشُّعبةُ الأُولَى مِن تلك الحِكمةِ</strong> هي أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الفَعّاليّةِ -جُزئيًّا كانَ أم كُلِّـيًّا- يُورِثُ <strong>لَذّةً</strong>، بل إنَّ <strong>في كلِّ فَعّاليّةٍ لَذّةً</strong>، بلِ <strong>الفَعّاليّةُ نَفسُها هي عَينُ اللَّذّةِ</strong>، بلِ الفَعّاليّةُ هي تَظاهُرُ الوُجُودِ الَّذي هو عَينُ اللَّذّةِ، وهُو انتِفاضةٌ بالتَّباعُدِ عنِ العَدَمِ الَّذي هو عَينُ الأَلَمِ.</p>
<p>أَجَل، إنَّ <strong>صاحِبَ كلِّ قابِلِيّةٍ يَرقُبُ بلَهْفةٍ ولَذّةٍ انكِشافَ قابِلِيّاتِه بفَعّاليّةٍ ما،</strong> وإنَّ تَظاهُرَ كلِّ استِعدادٍ بفَعّاليّةٍ إنَّما هو ناشِئٌ مِن لَذّةٍ مِثلَما يُوَلِّدُ لَذّةً، وإنَّ صاحِبَ كلِّ كَمالٍ أَيضًا يُتابعُ بلَهْفةٍ ولَذّةٍ تَظاهُرَ كَمالاتِه بالفَعّاليّةِ، فإذا كانَ في كلِّ فَعّاليّةٍ لَذّةٌ كامِنةٌ مَطلُوبةٌ كَهذِه وكَمالٌ مَحبُوبٌ كهذا، والفَعّاليّةُ نَفسُها كَمالٌ، وتُشاهَدُ في عالَمِ الأَحياءِ تَجَلِّياتٌ أَزَليّةٌ لِرَحمةٍ واسِعةٍ ومَحَبّةٍ لا نِهايةَ لها نابِعةٍ مِن حَياةٍ سَرمَدِيّةٍ.. فلا شَكَّ أنَّ تلك التَّجَلِّياتِ تَدُلُّ على أنَّ الَّذي يُحَبِّبُ نَفسَه إلى مَخلُوقاتِه، ويُحِبُّهُم ويَرحَمُهُم بإِسباغِ نِعَمِه وأَلطافِه علَيْهِم على هذه الصُّورةِ المُطلَقةِ، تَقتَضِي حَياتُه السَّرمَدِيّةُ <strong>عِشقًا مُطلَقًا لاهُوتيًّا</strong> &#8211;<strong>إذا جازَ التَّعبِيرُ</strong>&#8211; <strong>ومَحَبّةً مُقدَّسةً مُطلَقةً، ولَذّةً مُنزَّهةً سامِيةً</strong>.. وأَمثالَها مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ اللَّائِقةِ بقُدسِيَّتِه والمُناسِبةِ لِوُجُوبِ وُجُودِه.. فتلك الشُّؤُونُ الإِلٰهِيّةُ بِهذِه الفَعَّاليّةِ الَّتي لا حَدَّ لها، وبِهذِه الخَلّاقيّةِ الَّتي لا نِهايةَ لها، تُجَدِّدُ العالَمَ وتُبدِّلُه وتَخُضُّه خَضًّا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الشعبة الثانية: الموجودات لوحات تعرض تجليات الأسماء الحسنى]</h4>
<p><strong>الشُّعبة الثّانية مِن حِكمة الفَعّاليّة الإِلٰهِيّة</strong> المُطلَقة المُتَوجِّهةِ إلى سِرِّ القَيُّوميّة: هذه الحِكمةُ تُطِلُّ على الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى.</p>
<p>مِنَ المَعلُومِ أنَّ صاحِبَ كلِّ جَمالٍ يَرغَبُ أن يَرَى جَمالَه ويُرِيَه الآخَرِينَ، ويَوَدُّ صاحِبُ المَهارةِ أن يَلفِتَ الأَنظارَ إلَيْها بعَرضِ مَهاراتِه وإِعلانِه عنها؛ والحَقِيقةُ الجَمِيلةُ الكامِنةُ، والمَعنَى الجَمِيلُ المَخبُوءُ يَتَطلَّعانِ إلى الِانطِلاقِ واستِقطابِ الأَنظارِ.</p>
<p>ولَمّا كانَت هذه القَواعِدُ الرَّصِينةُ سارِيةً في كلِّ شَيءٍ، كلٌّ حَسَبَ دَرَجتِه، فلا بُدَّ أنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى لِلجَمِيلِ المُطلَقِ ولِلقَيُّومِ ذِي الجَلالِ، يَنطَوِي على حُسنٍ حَقِيقيٍّ، وكَمالٍ حَقِيقيٍّ، وجَمالٍ حَقِيقيٍّ، وحَقِيقةٍ جَمِيلةٍ باهِرةٍ بشَهادةِ الكائِناتِ كُلِّها، وتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ الظّاهِرةِ علَيْها، وإِشاراتِ نُقُوشِها البَدِيعةِ فيها، بل إنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى فيها مِنَ الحُسنِ والجَمالِ والحَقائِقِ الجَمِيلةِ ما لا يَحصُرُه حَدٌّ.</p>
<p>وحَيثُ إنَّ هذه المَوجُوداتِ وهذه الكائِناتِ هي مَرايا عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ جَمالِ هذه الأَسماءِ المُقدَّسةِ.. <strong>وهِي لَوْحاتٌ بَدِيعةٌ تُعرَضُ فيها نُقُوشُ تلك الأَسماءِ الجَمِيلةِ</strong>.. وهِي صَحائِفُها الَّتي تُعبِّرُ عن حَقائِقِها الجَمِيلةِ؛ فلا بُدَّ أنَّ تلك الأَسماءَ الدّائِمةَ الخالِدةَ ستَعرِضُ تَجَلِّياتِها غَيرَ المَحدُودةِ، وتُبْرِزُ نُقُوشَها الحَكِيمةَ غَيرَ المَعدُودةِ، وتُشهِرُ صَحائِفَ كُتُبِها أَمامَ نَظَرِ مُسَمَّاها الحَقِّ وهُو &#8220;القَيُّومُ&#8221; ذُو الجَلالِ؛ فَضْلًا عن عَرضِها أَمامَ أَنظارِ ما لا يُعَدُّ مِن ذَوِي الأَرواحِ وذَوِي الشُّعُورِ لِمُطالَعَتِها والتَّأمُّلِ فيها؛ ولا بُدَّ أنَّها تُجَدِّدُ الكائِناتِ عامّةً وعلى الدَّوامِ بتَجَلِّياتِها وتُبدِّلُها استِنادًا إلى ذلك العِشقِ الإِلٰهِيِّ المُقدَّسِ، وبِناءً على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ، وذلك لِأَجلِ إِبرازِ لَوْحاتٍ لا نِهايةَ لها مِن شَيءٍ مَحدُودٍ، وعَرضِ شُخُوصٍ لا حَدَّ لها مِن شَخصٍ واحِدٍ، وإِظهارِ حَقائِقَ كَثِيرةٍ جِدًّا مِن حَقِيقةٍ واحِدةٍ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>[الشعبة الثالثة: هي الشعاع التالي: الشعاع الرابع]</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[الشعاع الرابع: الأسماء الإلهية تقتضي خلاقية مستمرة]</h3>
<p><strong>الشُّعاع الرّابع:</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>الشُّعبةُ الثَّالثةُ مِن حِكْمةِ الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ المُحَيِّرةِ في الكَونِ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هي أنَّ كلَّ <strong>ذِي رَحْمةٍ</strong> يُسَرُّ بإِرضاءِ الآخَرِينَ، وكلَّ <strong>ذِي رَأفةٍ</strong> يَنشَرِحُ إذا ما أَدخَلَ السُّرُورَ إلى قُلُوبِ الآخَرِينَ، وهكذا يَبتَهِجُ <strong>ذُو المَحَبّةِ</strong> بإِبهاجِ مَخلُوقاتِه الجَدِيرةِ بالبَهْجةِ، كما يَسعَدُ كلُّ <strong>ذِي هِمّةٍ</strong> عاليةٍ وصاحِبِ غَيرةٍ وشَهامةٍ بإِسعادِه الآخَرِينَ، ومِثلَما يَفرَحُ <strong>كلُّ عادِلٍ</strong> بجَعلِ أَصحابِ الحُقُوقِ يَنالُونَ حَقَّهُم ويَشكُرُونَه لِوَضعِ الحَقِّ في نِصابِه وإِنزالِ العِقابِ على المُقَصِّرِينَ، يَزهُو <strong>كلُّ صَنّاعٍ</strong> ماهِرٍ ويَفتَخِرُ بعَرضِ صَنْعَتِه وإِشهارِ مَهارَتِه لَدَى قِيامِ مَصنُوعاتِه بإِنتاجِ ما كان يَتَوقَّعُه على أَتَمِّ وَجهٍ يَتَصوَّرُه.. فكُلٌّ مِن هذه الدَّساتيرِ المَذكُورةِ آنِفًا، قاعِدةٌ أَساسِيّةٌ عَمِيقةٌ راسِخةٌ جارِيةٌ في الكَونِ كُلِّه مِثلَما تَجرِي في عالَمِ الإِنسانِ.</p>
<p>ولقد وَضَّحْنا في &#8220;المَوقِفِ الثَّاني مِنَ الكَلِمةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِينَ&#8221; أَمثِلةً ثَلاثةً تُبيِّنُ جَرَيانَ هذه القَواعِدِ الأَساسِيّةِ في <strong>تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى</strong>، نَرَى مِنَ المُناسِبِ اختِصارَها هنا فنَقُولُ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[مثال: ذو الرحمة والفضل]</h4>
<p>إنَّ الَّذي يَملِكُ رَحمةً فائِقةً وهِمّةً عاليةً معَ مُنتَهَى الكَرَمِ والسَّخاءِ، يُسعِدُه جِدًّا أن يُغدِقَ على فُقَراءَ مُدقِعِينَ ومَحاوِيجَ مُضطَرِّينَ، ويَتَفضَّلَ علَيْهِم بكَرَمِه وجُودِه، فيُعِدُّ لَهُم مَوائِدَ وَلائِمَ فاخِرةٍ ومَأكُولاتٍ نَفِيسةٍ على مَتنِ سَفِينةٍ عامِرةٍ تَجرِي بهم في بِحارِ الأَرضِ لِيُدخِلَ البَهجةَ والسُّرُورَ في قُلُوبِهم ضِمنَ سِياحةٍ جَمِيلةٍ ونُزهةٍ لَطِيفةٍ.. فهذا الشَّخصُ يَستَمتِعُ مِن مَظاهِرِ الشُّكرِ المُنبَعِثةِ مِن أُولَئِك الفُقَراءِ، ويَنشَرِحُ صَدرُه انشِراحًا عَظِيمًا وهُو يُشاهِدُ تَمَتُّعَهُم بمَباهِجِ النِّعمِ والآلاءِ، ويَفتَخِرُ بسُرُورِهِم ويَزهُو بفَرَحِهِم.. كلُّ ذلك بمُقتَضَى ما أَوْدَع اللهُ في فِطْرَتِه مِن سَجايا سامِيةٍ وصِفاتٍ رَفيعةٍ.</p>
<p>فالإِنسانُ الَّذي هو بمَثابةِ أَمِينٍ على وَدائِعِ الخالِقِ الكَرِيمِ ومُوَظَّفٍ لِلتَّوزِيعِ ليس إلّا، إذا كان يَستَمتِعُ ويَنشَرِحُ ويَتَلذَّذُ إلى هذا القَدْرِ لَدَى إِكرامِه الآخَرِينَ في ضِيافةٍ جُزئيّةٍ، فكَيفَ إِذًا يا تُرَى بـ&#8221;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221; -﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾- الَّذي تَنطَلِقُ إلَيْه آياتُ الحَمدِ والشُّكرِ، وتُرفَعُ إلَيْه أَكُفُّ الثَّناءِ والرِّضَا بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ مِن مَخلُوقاتٍ لا حَدَّ لَهُم مِنَ الأَحياءِ إلى الإِنسانِ والمَلائِكةِ والجِنِّ والأَرواحِ، الَّذِينَ حَمَلَهُم في سَفِينةِ الرَّحمٰنِ -الأَرضِ- وأَسبَغَ علَيْهِم نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً بأَنواعِ مَطعُوماتِه المُنسَجِمةِ تَمامًا معَ ما غَرَز فِيهِم مِن أَذواقٍ وأَرزاقٍ، وتَفَضَّل علَيْهِم بهذه السِّياحةِ الرَّبّانيّةِ في أَرجاءِ الكَونِ.</p>
<p>فَضْلًا عن جَعلِه كلَّ جَنّةٍ مِن جِنانِه في دار الخُلُودِ دارَ ضِيافةٍ دائِمةٍ، مُعَدًّا فيها كلُّ ما تَشتَهِيه الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعيُنُ&#8230; فجَمِيعُ آياتِ الشُّكرِ والحَمدِ والرِّضَا المُنطَلِقةِ مِن جَمِيعِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً، والمُنبَعِثةِ مِن سُرُورِهِم وفَرَحِهِم وابتِهاجِهِم بالنِّعَمِ والآلاءِ العَمِيمةِ علَيْهِم، والمُتَوجِّهةِ كلِّها إلى &#8220;<strong>الحَيِّ القَيُّومِ</strong>&#8220;، تُولَّدُ مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ الَّتي تَقتَضِي هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ والخَلّاقيّةَ المُستَمِرّةَ، تلك الشُّؤُونِ الَّتي يَعجِزُ التَّعبِيرُ عنها ولم يُؤذَن لنا بالإِفصاحِ عنها، بل رُبَّما يُشارُ إلَيْها بأَسماءِ: الرِّضَا المُقَدَّسِ والِافتِخارِ المُقَدَّسِ واللَّذّةِ المُقَدَّسةِ وما شابَهَها مِنَ الأَسماءِ الَّتي نُعبِّرُ بها -نَحنُ البَشَرَ- عن مَعانِي الرُّبُوبيّةِ المُنزَّهةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[مثال: الصانع الماهر]</h4>
<p><strong>ومِثالٌ آخَرُ</strong>: إذا قامَ صَنّاعٌ ماهِرٌ، بصُنعِ حاكٍ -بلا أُسطُوانةٍ- يُعَبِّرُ عَمّا يُرِيدُه مِنه، ويَعمَلُ على أَفضَلِ صُورةٍ يَرغَبُها هو، كم يكُونُ ذلك الصَّنّاعُ مُفتَخِرًا؟ وكم يكُونُ مُتَلذِّذًا مِن رُؤيةِ صَنْعتِه على هذه الصُّورةِ؟ وكم يكُونُ مَسرُورًا؟ حتَّى يُرَدِّدُ في نَفسِه: &#8220;ما شاءَ الله!&#8221;؟</p>
<p>فإذا كانَت صَنْعةٌ صَغِيرةٌ صُورِيّةٌ -مِن دُونِ إِيجادٍ حَقِيقيٍّ- تُثِيرُ في رُوحِ صانِعِها إلى هذه الدَّرَجةِ مِن مَشاعِرِ الِافتِخارِ والرِّضَا، فكَيفَ بالصّانِعِ الحَكِيمِ الَّذي أَوْجَد هذه المَوجُوداِت كُلَّها، وجَعَلَها مُوسِيقَى إِلٰهِيّةً تُعبِّرُ عن شُكرِها وتَسبِيحِها وتَقدِيسِها بأَنواعٍ مِنَ النَّغَماتِ وأَنواعٍ مِنَ الكَلامِ، كما جَعَلَها مَصْنَعًا عَجِيبًا، فَضْلًا عمّا أَسبَغ على كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الكائِناتِ، وكلِّ عالَمٍ مِن عَوالِمِ الكَونِ مِن صَنعةٍ مُتقَنةٍ بَدِيعةٍ مُتَبايِنةٍ مُعجِزةٍ بخَوارِقِها.. أَضِف إلى ذلك المَكائِنَ الكَثِيرةَ الَّتي أَودَعَها في رُؤُوسِ ذَوِي الحَياةِ الشَّبِيهةِ بالحاكِي وآلاتِ التَّصوِيرِ وأَجهِزةِ البَثِّ والِاستِقبالِ، بل أَودَعَ أَعجَبَ مِن هذه الأَجهِزةِ المُعجِزةِ حتَّى في رَأسِ أَصغَرِ حَيَوانٍ! بل لم يُوْدِعْ في رَأسِ الإِنسانِ مُجَرَّدَ حاكٍ بلا أُسطُوانةٍ، ولا آلةَ تَصوِيرٍ بلا عَدَسةٍ، ولا هاتِفًا بلا سِلكٍ، بل مَكائِنَ أَعجَبَ بكَثِيرٍ وخَوارِقَ أَعظَمَ وأَعظَمَ مِمّا ذُكِر بكَثِيرٍ.</p>
<p>فما يُنشِئُه عَمَلُ هذه المَكائِنِ -العامِلةِ وَفقَ إِرادَتِه، والمُودَعةِ في رَأسِ الإِنسانِ المَخلُوقِ في أَحسَنِ تَقوِيمٍ- مِن مَعانِي الِافتِخارِ المُقدَّسِ والرِّضَا المُقدَّسِ، وأَمثالِها مِنَ المَعانِي الجَلِيلةِ والشُّؤونِ المُقدَّسةِ لِلرُّبُوبيّةِ -الَّتي هي مِن هذا النَّوعِ- يَستَلزِمُ حَتْمًا هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ المُشاهَدةَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[مثال: الحاكم العادل]</h4>
<p><strong>ومَثلًا</strong>: إنَّ الحاكِمَ العادِلَ يَجِدُ لَذّةً ومُتعةً ورِضًا عِندَما يَأخُذُ حَقَّ المَظلوُمِ مِنَ الظَّالِمِ ويُوفِي الحَقَّ نِصابَه، ويَفتَخِرُ لَدَى صِيانَتِه الضُّعَفاءَ مِن شُرُورِ الأَقوِياءِ، ويُسَرُّ لَدَى مَنحِه كلَّ فَردٍ ما يَستَحِقُّه مِن حُقُوقٍ.. كلُّ ذلك مِن مُقتَضَياتِ الحاكِمِيّةِ والعَدالةِ وقَواعِدِهِما الأَساسِ؛ فلا بُدَّ أنَّ الحاكِمَ الحَكِيمَ العادِلَ الَّذي هو &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221; بمَنحِه شَرائِطَ الحَياةِ في صُورةِ حُقُوقِ الحَياةِ لِلمَخلُوقاتِ كافّةً ولا سِيَّما الأَحياءِ.. وبإِحسانِه إلَيْهِم بأَجهِزةٍ تُحافِظُ على حَياتِهِم.. وبحِمايَتِه الضُّعَفاءَ مِن شُرُورِ الأَقوِياءِ بكُلِّ رَحمةٍ ورَأفةٍ.. وبتَوَلِّيه إِظهارَ سِرِّ العَدالةِ في الكَونِ بإِعطاءِ كلِّ ذِي حَقٍّ مِنَ الأَحياءِ حَقَّه كامِلًا.. وبإِنزالِ شَيءٍ مِنَ العُقُوبةِ بالظّالِمِينَ -في هذه الدُّنيا- وبخاصّةٍ ما يَحصُلُ مِنَ التَّجَلِّي الكامِلِ لِلعَدالةِ العُظمَى في المَحكَمةِ الكُبرَى لِيَومِ الحَشرِ الأَعظَمِ.. يَحصُلُ مِن كلِّ هذا ما نَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عنه مِن شُؤُونٍ رَبّانيّةٍ ومَعانٍ قُدسِيّةٍ جَلِيلةٍ هي الَّتي تَقتَضِي هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ في الكَونِ.</p>
<p>وهكذا في ضَوءِ هذه الأَمثِلةِ الثَّلاثةِ.. فإنَّ <strong>الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ</strong> عامّةً، وكلَّ اسم مِنها خاصّةً، <strong>يَقتَضِي هذه الخَلّاقيّةَ الدّائِمةَ</strong>، حَيثُ يكُونُ مِحْوَرًا لِقِسمٍ مِن هذه الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ وأَمثالِها ضِمنَ هذه الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الربوبية تقصد إطلاق القابليات وترقية الموجودات]</h4>
<p>وحَيثُ إنَّ كلَّ قابِليّةٍ وكلَّ استِعدادٍ يُورِثُ فَرَحًا وانشِراحًا ولَذّةً، بمَنحِها الثِّمارَ والفَوائِدَ لَدَى انبِساطِها وانكِشافِها.. وإنَّ كلَّ مُوَظَّفٍ يَشعُرُ -عِندَ إِتمامِ الوَظِيفةِ وإِنهائِها على الوَجهِ المَطلُوبِ- براحةٍ وأَيِّ راحةٍ.. وإنَّ جَنْيَ ثَمَراتٍ كَثِيرةٍ مِن بِذْرةٍ واحِدةٍ، واغتِنامَ رِبحِ مِئاتِ الدَّراهِمِ مِن دِرهَمٍ واحِدٍ، هي حالاتٌ مُفرِحةٌ جِدًّا لِأَصحابِها، وتُعَدُّ تِجارةً رابِحةً لَهُم..</p>
<p>فلا بُدَّ أن يُفهَم مَدَى أَهَمِّيّةِ المَعانِي المُقدَّسةِ، <strong>وشُؤُونِ الرُّبُوبيّةِ الإِلٰهِيّةِ</strong> النّاشِئةِ مِنَ الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ، والخَلّاقيّةِ الرَّبّانيّةِ الَّتي <strong>تَكشِفُ عن جَمِيعِ الِاستِعداداتِ</strong> الَّتي لا تُحَدُّ، <strong>وجَمِيعِ القابِلِيّاتِ</strong> الَّتي لا تُعَدُّ، لِجَمِيعِ المَخلُوقاتِ غَيرِ المَحدُودةِ.. والَّتي تُنهِي وَظِيفةَ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ بَعدَ أن تَستَخدِمَها في وَظائِفَ جَسِيمةٍ <strong>وتُرَقِّيَها</strong> بهذا التَّسرِيحِ إلى مَراتِبَ أَسمَى وأَعلَى -كَأَن تُرَقِّيَ العَناصِرَ إلى مَرتَبةِ المَعادِنِ، والمَعادِنَ إلى حَياةِ النَّباتاتِ، والنَّباتاتِ إلى دَرَجةِ حَياةِ الحَيَواناتِ بِواسِطةِ الرِّزقٍ، والحَيَواناتِ إلى مَرتَبةِ الإِنسانِ الشّاعِرةِ والعاليةِ بالشُّكرِ والحَمدِ- والَّتي تَجعَلُ كلَّ كائِنٍ يُخَلِّفُ أَنواعًا مِنَ الوُجُودِ كرُوحِه وماهِيَّتِه وهُوِيَّتِه وصُورَتِه بَعدَ زَوالِ ظاهِرِ وُجُودِه لِتُؤدِّيَ المُهِمّةَ نَفسَها كما وُضِّحَ في &#8220;المَكتُوبِ الرّابعِ والعِشرِينَ&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ردٌّ على سؤال: إن الذي يُغيِّر يلزم أن يكون متغيِّرًا]</h4>
<p><strong>جَوابٌ قاطِعٌ على سُؤالٍ مُهِمٍّ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>يقُولُ قِسمٌ مِن أَهلِ الضَّلالةِ: إنَّ الَّذي يُغَيِّرُ الكائِناتِ بفَعّاليّةٍ دائِمةٍ ويُبَدِّلُها، يَلزَمُ أن يكُونَ هو مُتَغيِّرًا ومُتَحوِّلًا أَيضًا.</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: <strong>كلَّا ثمَّ كلَّا</strong>. حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ حاشَ للهِ!</p>
<p>إنَّ تَغيُّرَ أَوجُهِ المَرايا في الأَرضِ، لا يَدُلُّ على تَغيُّرِ الشَّمسِ في السَّماءِ، بل يَدُلُّ على إِظهارِ تَجَدُّدِ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ؛ فكَيفَ بالَّذي هو <strong>أَزَليٌّ وأَبدِيٌّ وسَرمَدِيٌّ</strong>، وفي <strong>كَمالٍ مُطلَقٍ</strong> وفي <strong>استِغناءٍ مُطلَقٍ</strong> (عنِ الخَلقِ)، وهُو الكَبِيرُ المُتَعالِ المُقَدَّسُ عنِ المادّةِ والمَكانِ والحُدُودِ، والمُنزَّهُ عنِ الإِمكانِ والحُدُوثِ، فتَغيُّرُ هذا الذّاتِ الأَقدَسِ مُحالٌ بالمَرّةِ.</p>
<p>ثمَّ <strong>إنَّ تَغيُّرَ الكائِناتِ، ليس دَلِيلًا على تَغيُّرِه هو،</strong> بل هو دَلِيلٌ على عَدَمِ تَغيُّرِه، وعَدَمِ تَحَوُّلِه سُبحانَه وتَعالَى، لِأنَّ الَّذي يُحَرِّكُ أَشياءَ عَدِيدةً بانتِظامٍ دَقِيقٍ ويُغيِّرُها لا بُدَّ ألّا يكُونَ مُتَغيِّرًا وألّا يَتَحرَّكَ..</p>
<p><strong>مِثالُ ذلك</strong> أنَّك إذا كُنتَ تُحرِّكُ كُراتٍ كَثِيرةً مُرتَبِطةً بعِدّةِ خُيُوطٍ، حَرَكةً مُنتَظِمةً ودائِمةً، وتَضَعُها في أَوضاعٍ مُنتَظِمةٍ، يَنبَغِي أن تكُونَ أنت ثابِتًا في مَكانِك دُونَ أن تَتَحوَّلَ عنه، وإلّا اختَلَّ الِانتِظامُ.</p>
<p>ومِنَ القَواعِدِ المَشهُورةِ: &#8220;إنَّ الَّذي يُحَرِّكُ بانتِظامٍ لا يَنبَغِي أن يَتَحرَّك، والَّذي يُغيِّرُ باستِمرارٍ لا يَنبَغِي أن يكُونَ مُتَغيِّرًا&#8221;، كي يَستَمِرَّ ذلك العَمَلُ في انتِظامِه.</p>
<p><strong>ثانيًا</strong>: إنَّ التَّغيُّـرَ والتَّبدُّلَ ناشِئٌ مِنَ الحُدُوثِ، ومِنَ التَّجدُّدِ بقَصدِ الوُصُولِ إلى الكَمالِ، ومِنَ الحاجةِ، ومِنَ المادِّيّةِ، ومِنَ الإِمكانِ؛ أمّا الذَّاتُ الأَقدَسُ، فهُو قَدِيمٌ أَزَليٌّ، وفي كَمالٍ مُطلَقٍ، وفي استِغناءٍ مُطلَقٍ، مُنزَّهٌ عنِ المادّةِ، وهُو الواجِبُ الوُجُودِ، فلا بُدَّ أنَّ التَّبدُّلَ والتَّغيُّـرَ مُحالٌ في حَقِّه وغَيرُ مُمكِنٍ أَصلًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الشعاع الخامس: تجلي اسم &#8220;القيوم&#8221;]</h3>
<p><strong>الشُّعاع الخامس:</strong><strong>‌</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الأولى: كيف نرى التجلي الأعظم لاسم &#8220;القيوم&#8221;؟]</h4>
<p><strong>المَسأَلةُ الأُولَى</strong>: إذا أَرَدْنا أن نَرَى التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>القَيُّومِ</strong>&#8220;، فما عَلَيْنا إلّا أن نَجعَلَ خَيالَنا واسِعًا جِدًّا بحَيثُ يُمكِنُه أن يُشاهِدَ الكَونَ بأَسرِه، فنَجعَلَ مِنه نَظّارَتَينِ إِحداهُما تَرَى أَبعَدَ المَسافاتِ كالمَرصَدِ، والأُخرَى تُشاهِدُ أَصغَرَ الذَّرّاتِ؛ فإذا ما نَظَرْنا بالمِنظارِ الأَوَّلِ نَرَى أنَّ مَلايِينَ الكُراتِ الضَّخْمةِ والكُتَلِ الهائِلةِ الَّتي مِنها ما هو أَكبَرُ مِنَ الأَرضِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، قد رُفِعَت بتَجَلِّي اسمِ &#8220;القَيُّومِ&#8221; بغَيرِ عَمَدٍ نَراها، وهِي تَجرِي ضِمنَ أَثِيرٍ لَطِيفٍ أَلطَفَ مِنَ الهَواءِ، وتُسَخَّرُ لِأَجلِ القِيامِ بمَهامَّ عَظِيمةٍ في حَرَكاتِها وفي ثَباتِها الظّاهِرِ.</p>
<p>لِنَرجِعِ الآنَ إلى المِنظارِ الآخَرِ.. لِنَرَى أَصغَرَ الأَشياءِ، فإذا بِنا أَمامَ ذَرّاتٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ تُشكِّلُ أَجسامَ الأَحياءِ -بسِرِّ القَيُّومِيّةِ- وهِي تَأخُذُ أَوْضاعًا مُنتَظِمةً جِدًّا كالنُّجُومِ، وتَتَحرَّكُ وَفقَ نِظامٍ مُعَيَّنٍ وتَناسُقٍ مُخَصَّصٍ، مُنجِزةً بها وَظائِفَ جَمّةً، فإن شِئتَ فانظُر إلى الكُرَيَّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ تَرَهُما تَتَحرَّكانِ حَرَكاتٍ خاصّةً شَبِيهةً بحَرَكاتِ المَوْلَوِيّةِ لِإنجازِ مُهِمّاتٍ جَسِيمةٍ في الجِسمِ وهُما تَجرِيانِ في السَّيلِ الدّافِقِ لِلدَّمِ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[خلاصة الخلاصة في اجتماع الأسماء الستة]</h5>
<p><strong>خُلاصة الخُلاصة</strong><strong>‌</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>
<p>لقدِ ارْتَأَينا أن نُدرِجَ هنا خُلاصةً تُبيِّنُ الضِّياءَ المُقدَّسَ الحاصِلَ مِنِ امتِزاجِ أَنوارِ الأَسماءِ السِّتّةِ لِلِاسمِ الأَعظَمِ، كامتِزاجِ الأَلوانِ السَّبعةِ لِضَوءِ الشَّمسِ -﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾- ولِأَجلِ مُشاهَدةِ هذا النُّورِ المُقدَّسِ نَسُوقُ هذه الخُلاصةَ:</p>
<p>تَأمَّلْ في مَوجُوداتِ الكَونِ كلِّه، وانظُرْ إلَيْها مِن وَراءِ هذا التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;القَيُّومِ&#8221; الَّذي مَنَحَ البَقاءَ والدَّوامَ والقِيامَ لها، تَرَ أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ &#8220;الحَيِّ&#8221; قد جَعَل تلك المَوجُوداتِ الحَيّةَ ساطِعةً مُنَوَّرةً بتَجَلِّيه الباهِرِ، وجَعَل الكائِناتِ كلَّها مُنَوَّرةً بنُورِه الزّاهِرِ، حتَّى يُمكِنُ مُشاهَدةُ لَمَعانِ نُورِ الحَياةِ على الأَحياءِ كافّةً.</p>
<p>والآنَ انظُرْ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; مِن وَراءِ اسمِ &#8220;<strong>الحَيِّ</strong>&#8220;، تَرَه قد ضَمَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بأَنواعِها وأَجزائِها ضِمنَ وَحْدةٍ واحِدةٍ، فهُو يَطبَعُ على جَبْهةِ كلِّ شَيءٍ خَتْمَ الوَحدانيّةِ، ويَضَعُ على وَجهِ كلِّ شَيءٍ خَتْمَ الأَحَدِيّةِ، فيَجعَلُ كلَّ شَيءٍ يُعلِنُ تَجَلِّيَه بأَلسِنةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.</p>
<p>ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ &#8220;<strong>الفَرْدِ</strong>&#8221; إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>الحَكَمِ</strong>&#8220;، تَرَ أنَّه قد ضَمَّ المَوجُوداتِ كلَّها مِن أَعظَمِ دائِرةٍ فيها إلى أَصغَرِها كُلِّـيًّا كانَ أم جُزئيًّا -ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ وانتِهاءً بالذَّرّاتِ- مَنَحَ كلَّ مَوجُودٍ ما يَستَحِقُّ مِن نِظامٍ مُثمِرٍ، وما يُلائِمُه مِنِ انتِظامٍ حَكِيمٍ، وما يُوافِقُه مِنِ انسِجامٍ مُفِيدٍ.. فلَقَد زَيَّن اسمُ &#8220;الحَكَمِ&#8221; الأَعظَمُ المَوجُوداتِ كُلَّها ورَصَّعَها بتَجَلِّيه السَّاطِعِ.</p>
<p>ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>الحَكَمِ</strong>&#8221; إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ &#8220;<strong>العَدْلِ</strong>&#8221; -كما أَوْضَحْناه في النُّكتةِ الثّانيةِ- تَرَه يُدِيرُ جَمِيعَ الكائِناتِ بمَوجُوداتِها ضِمنَ فَعّاليّةٍ دائِمةٍ، بمَوازِينِه الدَّقيقةِ ومَقايِيسِه الحَسّاسةِ ومَكايِيلِه العادِلةِ، بحَيثُ يَجعَلُ العُقُولَ في حَيرةٍ وإِعجابٍ، فلو فَقَدَ نَجمٌ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ تَوازُنَه لِثانيةٍ واحِدةٍ، أي: إذا انفَلَت مِن تَجَلِّي اسمِ &#8220;<strong>العَدْلِ</strong>&#8221; لَحَلَّ الهَرْجُ والمَرْجُ في النُّجُومِ كلِّها، ولَأَدَّى -لا مَحالةَ- إلى حُدُوثِ القِيامةِ.</p>
<p>وهكذا، فكُلُّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الوُجُودِ وكلُّ مَوجُودٍ مِن مَوجُوداتِها ابتِداءً مِنَ الدَّوائِرِ العَظِيمةِ -المُسَمّاةِ بدَرْبِ التَّبّانةِ- إلى حَرَكاتِ أَصغَرِ المَوجُوداتِ في الجِسمِ مِن كُرَيّاتٍ حُمْرٍ وبِيضٍ، كلٌّ مِنها قد فُصِّلَ تَفصِيلًا خاصًّا، وقُدِّر تَقدِيرًا دَقِيقًا، وقِيسَ بمَقايِيسَ حَسّاسةٍ، ومُنِحَ شَكلًا مُعيَّنًا ووَضْعًا مَخصُوصًا بحَيثُ يُظهِرُ -كلٌّ مِنها- الطّاعةَ التّامّةَ والِانقِيادَ المُطلَقَ لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنَ الَّذي يَملِكُ أَمرَ &#8220;كُن فيكُونُ&#8221;، ابتِداءً مِن جُيُوشِ النُّجُومِ الهائِلةِ المُتَلَألِئةِ في الفَضاءِ، إلى جُيُوشِ الذَّرّاتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ.</p>
<p>فانظُرِ الآنَ مِن خَلفِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>العَدْلِ</strong>&#8221; ومِن خِلالِه، وشاهِدِ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8221; -الَّذي وَضَّحْناه في النُّكتةِ الأُولَى- تَرَ أنَّ هذا التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ &#8220;<strong>القُدُّوسِ</strong>&#8221; قد جَعَل مَوجُوداتِ الكائِناتِ نَظِيفةً، نَقِيّةً طاهِرةً، بَرّاقةً، صافيةً، زَكِيّةً، مُزَيَّنةً، وجَمِيلةً؛ وحَوَّلَها إلى ما يُشبِهُ مَرايا جَمِيلةً مَجلُوّةً لائِقةً لِإظهارِ الجَمالِ البَدِيعِ المُطلَقِ، وتُناسِبُ عَرْضَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.</p>
<p>نَحصُلُ مِمّا تَقدَّمَ أنَّ <strong>هذه الأَسماءَ والأَنوارَ السِّتّةَ لِلِاسمِ الأَعظَمِ، قد عَمَّتِ الكَونَ كُلَّه وغَطَّتِ المَوجُوداتِ قاطِبةً،</strong> ولَفَّعَتْها بأَستارٍ مُزَرْكَشةٍ مُلَوَّنةٍ بأَزهَى الأَلوانِ المُتَنوِّعةِ وأَبدَعِ النُّقُوشِ المُختَلِفةِ وأَروَعِ الزِّيناتِ المُتَبايِنةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[المسألة الثانية: مجلى القيومية في الإنسان]</h4>
<p><strong>المَسألةُ الثّانيةُ مِن الشُّعاع الخامِس:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ جَلْوةً مِن تَجَلِّياتِ <strong>القَيُّوميّةِ</strong> على الكَونِ، وشُعاعًا مِن نُورِها مِثلَما يَعُمُّ الكَونَ بمَظاهِرِ الواحِدِيّةِ والجَلالِ، فإنَّه يُبْرِزُ على هذا الإِنسانِ -الَّذي يُمَثِّلُ مِحوَرَ الكَونِ وقُطْبَه وثَمَرَتَه الشّاعِرةَ- مَظاهِرَ الأَحَدِيّةِ والجَمالِ؛ وهذا يَعنِي أنَّ الكائِناتِ الَّتي هي قائِمةٌ بسِرِّ <strong>القَيُّوميّةِ</strong>، تَقُومُ هي أَيضًا -مِن جِهةٍ- بالإِنسانِ الَّذي يُمَثِّلُ أَكمَلَ مَظهَرٍ مِن مَظاهِرِ تَجَلِّي اسمِ &#8220;القَيُّومِ&#8221;، أي إنَّ <strong>القَيُّوميّةَ</strong> <strong>تَتَجلَّى في الإِنسانِ تَجَلِّيًا يَجعَلُ مِنه عَمُودًا سانِدًا لِلكائِناتِ جَمِيعًا</strong>، بمَعنَى أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ الظّاهِرةِ في الكائِناتِ وأَغلَبَ مَصالِحِها وغاياتِها <strong>تَتَوجَّهُ إلى الإِنسانِ</strong>.</p>
<p>نعم، يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ &#8220;<strong>الحَيَّ القَيُّومَ</strong>&#8221; سُبحانَه <strong>قد أَرادَ وُجُودَ الإِنسانِ في هذا الكَونِ، فخَلقَ الكَونَ لِأَجلِه،</strong> وذلك لِأنَّ الإِنسانَ يُمكِنُه أن يُدرِكَ جَمِيعَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى ويَتَذوَّقَها بما أَودَعَ اللهُ فيه مِن مَزايا وخَصائِصَ جامِعةٍ؛ فهُو يُدرِكُ -مَثلًا- كَثِيرًا مِن مَعانِي تلك الأَسماءِ بما يَتَذوَّقُ مِن لَذائِذِ الأَرزاقِ المُنهَمِرةِ علَيْه، بَينَما لا تَبلُغُ المَلائِكةُ إِدراكَ تلك الأَسماءِ بتلك الأَذْواقِ الرِّزقيّةِ.</p>
<p>فلِأَجلِ جامِعِيّةِ الإِنسانِ المُهِمّةِ يُشعِرُ &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221; الإِنسانَ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ويُعرِّفُه بجَمِيعِ أَنواعِ إِحسانِه، ويُذِيقُه طُعُومَ آلائِه، فمَنَحَه مَعِدةً مادِّيّةً يَستَطِيعُ بها أن يَتَذوَّقَ ما أَغدَق علَيْه مِن نِعمٍ لَذِيذةٍ قد بَسَطَها في سُفرةٍ واسِعةٍ سَعةَ الأَرضِ؛ ثمَّ وَهَب له حَياةً، وجَعَل هذه الحَياةَ كتِلك المَعِدةِ المادِّيّةِ تَستَطِيعُ أن تَتَنعَّمَ بأَنواعٍ مِنَ النِّعَمِ المُعَدّةِ على سُفرةٍ واسِعةٍ مَفرُوشةٍ أَمامَها وتَتَلذَّذُ بها بما زَوَّدَها -سُبحانَه- مِن مَشاعِرَ وحَواسَّ لها القُدرةُ أن تَمتَدَّ -كالأَيدِي- إلى كلِّ نِعمةٍ مِن تلك النِّعَمِ، فتُؤدِّي عِندَ ذلك حَقَّها مِن أَنواعِ الشُّكرِ والحَمدِ؛ ثمَّ وَهَب له -فَوقَ مَعِدةِ الحَياةِ هذه- مَعِدةَ الإِنسانيّةِ، وهذه المَعِدةُ تَطلُبُ رِزقًا ونِعَمًا أَيضًا.. فجَعَل العَقلَ والفِكرَ والخَيالَ بمَثابةِ أَيدِي تلك المَعِدةِ، لها القُدرةُ على بُلُوغِ آفاقٍ أَوسَعَ مِن مَيادِينِ الحَياةِ المَشهُودةِ، وعِندَها تَستَطِيعُ الحَياةُ الإِنسانيّةُ أن تُؤَدِّيَ ما علَيْها مِن شُكرٍ وحَمدٍ تِجاهَ بارِئِها، حَيثُ تَمتَدُّ أَمامَها سُفرةُ النِّعَمِ العامِرةُ الَّتي تَسَعُ السَّماواتِ والأَرضَ.</p>
<p>ثمَّ لِأَجلِ أن يَمُدَّ أَمامَ الإِنسانِ سُفرةَ نِعَمٍ أُخرَى عَظِيمةً، جَعَل عَقائِدَ الإِسلامِ والإِيمانِ بمَثابةِ مَعِدةٍ مَعنَوِيّةٍ تَطلُبُ أَرزاقًا مَعنَوِيّةً كَثِيرةً، فمَدَّ سُفرةً مَلِيئةً بالرِّزقِ المَعنَوِيِّ لِهذه المَعِدةِ الإِيمانيّةِ، وبَسَطَها خارِجَ المُمكِناتِ المُشاهَدةِ، فضَمَّ الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ في تلك السُّفرةِ العَظِيمةِ.. ولِهذا يَستَشعِرُ الإِنسانُ -بتلك المَعِدةِ المَعنَوِيّةِ- ويَتَمتَّعُ بأَذواقٍ رَفِيعةٍ لا مُنتَهَى لها، نابِعةٍ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ &#8220;الرَّحمٰنِ&#8221; واسمِ &#8220;الحَكِيمِ&#8221; حتَّى يُرَدِّدُ: &#8220;الحَمدُ للهِ على رَحمانيَّتِه وحَكِيميَّتِه&#8221;..</p>
<p>وهكذا مَكَّن الخالقُ المُنعِمُ الإِنسانَ بهذه المَعِدةِ المَعنَوِيّةِ العُظمَى لِيَستَفِيدَ ويَغنَمَ نِعَمًا إِلٰهِيّةً لا حَدَّ لها، ولا سِيَّما أَذواقُ المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ، في تلك المَعِدةِ، لها آفاقٌ لا تُحَدُّ ومَيادِينُ لا تُحصَرُ.</p>
<p>وهكذا جَعَل &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221; سُبحانَه الإِنسانَ مَركَزًا لِلكَونِ، ومِحوَرًا له، بل سَخَّر الكَونَ له، فمَدَّ أَمامَه سُفرةً عَظِيمةً عِظَمَ الكَونِ لِتَتلَذَّذ أَنواعُ مَعِداتِه المادِّيةُ والمَعنَوِيّةُ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[ثلاث وظائف للإنسان في الكون]</h5>
<p>أمَّا حِكمةُ قِيام الكَونِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي نالَه بِالإِنسانِ -مِن جِهةٍ- فهِي الوَظائِفُ المُهِمّةُ الثَّلاثُ الَّتي أُنِيطَت بالإِنسانِ:</p>
<p><strong>الأُولَى</strong>: تَنظِيمُ جَمِيعِ أَنواعِ النِّعَمِ المَبثُوثةِ في الكائِناتِ بالإِنسانِ، ورَبطُها بأَواصِرِ المَنافِعِ الَّتي تَخُصُّ الإِنسانَ، كما تُنظَمُ خَرَزاتُ المِسبَحةِ بالخَيطِ، فتُربَطُ رُؤُوسُ خُيُوطِ النِّعَمِ بالإِنسانِ ومَصالِحِه ومَنافِعِه، فيكُونُ الإِنسانُ بما يُشبِهُ فِهرِسًا لِأَنواعِ ما في خَزائِنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ ونَمُوذَجًا لِمُحتَوَياتِها.</p>
<p><strong>الوَظيفةُ الثّانيةُ</strong>: كَونُ <strong>الإنسانِ مَوضِعَ خِطابِه سُبحانَه</strong> بما أَودَعَ فيه مِن خَصائِصَ جامِعةٍ أَهَّلَتْه لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه سُبحانَه وتَعالَى، ومُقَدِّرًا لِبَدائِعِ صَنائِعِه ومُعجَبًا بها، ونُهُوضُه بتَقدِيمِ جَمِيعِ أَنواعِ الشُّكرِ والثَّناءِ والحَمدِ الشُّعُورِيِّ على ما بُسِطَ أَمامَه مِن أَنواعِ النِّعَمِ والآلاءِ العَمِيمةِ.</p>
<p><strong>الوَظيفةُ الثّالثةُ</strong>: <strong>قِيامُ الإِنسانِ بحَياتِه بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِشُؤُونِ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221;</strong> ولِصفاتِه الجَلِيلةِ المُحِيطةِ، وذلك <strong>بثَلاثةِ وُجُوهٍ</strong>:</p>
<p><strong>الوَجهُ الأوَّلُ</strong>: هو شُعُورُ الإِنسانِ بقُدرةِ خالِقِه سُبحانَه المُطلَقةِ ودَرَجاتِها غَيرِ المَحدُودةِ بما هو علَيْه مِن عَجزٍ مُطلَقٍ، فيُدرِكُ مَراتِبَ تلك القُدرةِ المُطلَقةِ بما يَحمِلُ مِن دَرَجاتِ العَجزِ؛ ويُدرِكُ كَذلِك رَحمةَ خالِقِه الواسِعةِ ودَرَجاتِها بما لَدَيْه مِن فَقرٍ؛ ويَفهَمُ أَيضًا قُوّةَ خالِقِه العَظِيمةِ بما يَكمُنُ فيه مِن ضَعفٍ.. وهكذا.</p>
<p>وبذلك يكُونُ الإِنسانُ مُؤَدِّيًا مُهِمّةَ مِرآةٍ قِياسِيّةٍ صَغِيرةٍ لِإِدراكِ صِفاتِ خالِقِه الكامِلةِ، وذلك بما يَملِكُ مِن صِفاتٍ قاصِرةٍ ناقِصةٍ؛ إذ كما أنَّ الظَّلامَ كُلَّما اشتَدَّ سَطَعَ النُّورُ أَكثَرَ، فيُؤدِّي هذا الظَّلامُ مُهِمّةَ إِراءةِ المَصابِيحِ، فالإِنسانُ أَيضًا يُؤدِّي مُهِمّةَ إِراءةِ كَمالاتِ صِفاتِ بارِئِه سُبحانَه بما لَدَيْه مِن صِفاتٍ ناقِصةٍ مُظلِمةٍ.</p>
<p><strong>الوَجهُ الثّاني</strong>: إنَّ ما لَدَى الإِنسانِ مِن إِرادةٍ جُزئيّةٍ وعِلمٍ قَلِيل وقُدرةٍ ضَئِيلةٍ وتَمَلُّكٍ في ظاهِرِ الحالِ، وقابِليّةٍ على إِعمارِ بَيتِه بنَفسِه، يَجعَلُه يُدرِكُ بهذه الصِّفاتِ الجُزئيّةِ خالِقَ الكَونِ العَظِيمِ، ويَفهَمُ مَدَى مالِكِيَّتِه الواسِعةِ وعَظِيمِ إِتقانِه وسَعةِ إِرادتِه وهَيمَنِة قُدرَتِه وإِحاطةِ عِلمِه.. فيُدرِكُ أنَّ كُلًّا مِن تلك الصِّفاتِ إنَّما هي صِفاتٌ مُطلَقةٌ وعَظِيمةٌ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.. وبهذا يكُونُ الإِنسانُ مُؤَدِّيًا مُهِمّةَ مِرآةٍ لِإظهارِ تلك الصِّفاتِ وإِدراكِها.</p>
<p><strong>أمَّا الوَجهُ الثَّالثُ</strong>: مِن قِيامِ الإِنسانِ بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِكَمالاتِ الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ فله وَجهانِ:</p>
<p><strong>[الوجه الأول:]</strong> إِظهارُه بَدائِعَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى المُتَنوِّعةِ وتَجَلِّياتِها المُختَلِفةَ في ذاتِه، لِأنَّ الإِنسانَ بمَثابةِ فِهرِسٍ مُصَغَّرٍ لِلكَونِ كلِّه -بما يَملِكُ مِن صِفاتٍ جامِعةٍ- وكأنَّه مِثالُه المُصَغَّرُ، لِذا فتَجَلِّياتُ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ عامّةً نَراها تَتَجلَّى في الإِنسانِ بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ.</p>
<p><strong>الوَجهُ الثّاني</strong>: أَداؤُه مُهِمّةَ المِرآةِ العاكِسةِ لِلشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ، أي إنَّ الإِنسانَ كما يُشِيرُ بحَياتِه إلى حَياةِ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221;، فإنَّه بواسِطةِ ما يَنكَشِفُ في حَياتِه الذّاتيّةِ مِن حَواسَّ كالسَّمعِ والبَصَرِ وأَمثالِها يَفهَمُ -ويُبيِّنُ لِلآخَرِينَ- صِفاتِ السَّمعِ والبَصَرِ وغَيرَها مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ المُطلَقةِ &#8220;لِلحَيِّ القَيُّومِ&#8221;.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِنسانَ يَملِكُ مَشاعِرَ دَقِيقةً جِدًّا وكَثِيرةً جِدًّا غَيرَ مُنكَشِفةٍ، وإِنَّما تَفُورُ في صُورةِ حَواسَّ ومَشاعِرَ، فتَظهَرُ تلك المَشاعِرُ بأَشكالٍ مُتَنوِّعةٍ وانفِعالاتٍ مُختَلِفةٍ، فإنَّه بواسِطةِ هذه المَشاعِرِ الدَّقِيقةِ والمَعانِي العَمِيقةِ يُؤَدِّي مُهِمّةَ عَرضِ الشُّؤُونِ الذّاتيّةِ &#8220;لِلحَيِّ القَيُّومِ&#8221;؛ فمَثلًا: الحَبُّ والِافتِخارُ والرِّضا والِانشِراحُ والسُّرُورُ وما شابَهَها مِنَ المَعانِي الَّتي تَتَفجَّرُ لَدَى الإِنسانِ في ظُرُوفٍ خاصّةٍ، يُؤَدِّي الإِنسانُ بها مُهِمّةَ الإِشارةِ إلى هذه الأَنواعِ مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ بما يُناسِبُ قُدسِيّةَ الذّاتِ الإِلٰهِيّةِ وغِناه المُطلَقَ، وبما يَلِيقُ به سُبحانَه وتَعالَى.</p>
<p>وكما أنَّ الإِنسانَ وَحْدةُ قِياسٍ -بما يَملِكُ مِن جامِعِيّةِ حَياتِه- لِمَعرِفةِ صِفاتِ اللهِ الجَلِيلةِ، وشُؤُونِه الحَكِيمةِ، وفِهرِسٌ لِتَجَلِّي أَسمائِه الحُسنَى، ومِرآةٌ ذاتُ شُعُورٍ بجِهاتٍ عِدّةٍ لِذاتِ &#8220;الحَيِّ القَيُّومِ&#8221;.. كَذلِك الإِنسانُ هو وَحْدةُ قِياسٍ أَيضًا لِمَعرِفةِ حَقائِقِ الكَونِ هذا، وفِهرِسٌ له ومِقياسٌ ومِيزانٌ؛ فمَثلًا: إنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ على وُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظِ في الكَونِ يَتَمثَّلُ في نَمُوذَجِه المُصَغَّرِ وهو القُوّةُ الحافِظةُ لَدَى الإِنسانِ.. والدَّلِيلُ القاطِعُ على وُجُودِ عالَمِ المِثالِ نَلمَسُه في نَمُوذَجِه المُصَغَّرِ، وهُو قُوّةُ الخَيالِ لَدَى الإِنسانِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>، والدَّلِيلُ القاطِعُ على وُجُودِ الرُّوحانيّاتِ في الكَونِ نُدرِكُه ضِمنَ نَمُوذَجِها المُصَغَّرِ، وهُو لَطائِفُ الإِنسانِ وقُواه.. وهكَذا يكُونُ الإِنسانُ مِقياسًا مُصَغَّرًا يُظهِرُ عِيانًا الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ في الكَونِ بدَرَجةِ الشُّهُودِ.</p>
<p>وهُناك مُهِمّاتٌ ووَظائِفُ وخِدْماتٌ كَثِيرةٌ أُخرَى لِلإِنسانِ فَضْلًا عَمّا ذَكَرناه، إذ هو: مِرآةٌ لِتَجَلِّي الجَمالِ الباقِي، وداعٍ إلى الكَمالِ السَّرمَدِيِّ ودالٌّ علَيْه، ومُحتاجٌ شاكِرٌ لِأَنعُمِ الرَّحمةِ الواسِعةِ الأَبدِيّةِ.</p>
<p>فما دامَ الجَمالُ باقِيًا والكَمالُ سَرمَدِيًّا والرَّحمةُ أَبدِيّةً، فلا بُدَّ أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو المِرآةُ المُشتاقةُ لِذلِك الجَمالِ الباقِي والدّاعِي العاشِقُ لِذلِك الكَمالِ السَّرمَدِيِّ والمُحتاجُ الشّاكِرُ لِتِلك الرَّحمةِ الأَبدِيّةِ سيُبعَثُ إلى دارِ بَقاءٍ أَبدِيّةٍ لِيَخلُدَ فيها دائِمًا، ولا بُدَّ أنَّه سيَذهَبُ إلى الأَبدِ لِيُرافِقَ الباقِينَ الخالِدِينَ هناك، ويُرافِقَ ذلك الجَمالَ الباقِيَ وذلك الكَمالَ السَّرمَدِيَّ وتلك الرَّحمةَ الأَبدِيّةَ في أَبَدِ الآبادِ؛ بل يَلزَمُ ذلك قَطْعًا لِأنَّ: الجَمالَ الأَبدِيَّ لا يَرضَى بمُشتاقٍ فانٍ ومُحِبٍّ زائِلٍ، إذِ الجَمالُ يَطلُبُ مَحَبّةً تِجاهَه مِثلَما يُحِبُّ نَفسَه، بَينَما الزَّوالُ والفَناءُ يَحُولانِ دُونَ تلك المَحَبّةِ ويُبدِلانِها إلى عَداءٍ.</p>
<p>فلو لم يَرحَلِ الإِنسانُ إلى الأَبدِ، ولم يَبقَ هُناك خالِدًا مُخَلَّدًا، فسيَجِدُ في فِطْرَتِه عَداءً شَدِيدًا لِما يَحمِلُ مِن سِرٍّ مَغرُوزٍ فيه وهُو المَحَبّةُ العَمِيقةُ نحوَ الجَمالِ السَّرمَدِيِّ؛ مِثلَما بَيَّنّا ذلك في حاشِيةٍ في &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; (رِسالةِ الحَشرِ): أنَّ حَسناءَ بارِعةَ الجَمالِ عِندَما طَرَدَت -ذاتَ يَومٍ- أَحَدَ عُشّاقِها مِن مَجلِسِها، انقَلَب عِشقُ الجَمالِ لَدَى العاشِقِ المَطرُودِ قُبحًا وكُرهًا حتَّى بَدَأ يُسَلِّي نَفسَه بقَولِه: تَبًّا لها ما أَقبَحَها! فأَنكَرَ الجَمالَ وسَخِطَ علَيْه.</p>
<p>نعم، فكما أنَّ الإِنسانَ يُعادِي ما يَجهَلُه، فإنَّه يَتَحرَّى النَّقصَ والقُصُورَ فيما تَقصُرُ يَدُه عنه، ويَعجِزُ عنِ الِاحتِفاظِ به ومَسْكِه.. بل تَراه يَتَحرَّى فيه عنِ القُصُورِ بشَيءٍ مِن عَداءٍ وحِقدٍ يُضمِرُه، بل يَتَّخِذُ ما يُشبِهُ العَداءَ له.</p>
<p>فما دامَ الكَونُ يَشهَدُ بأنَّ المَحبُوبَ الحَقِيقيَّ والجَمِيلَ المُطلَقَ سُبحانَه يُحَبِّبُ نَفسَه إلى الإِنسانِ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ويَطلُبُ مِنه مُقابِلَ ذلك حُبًّا عَظِيمًا له؛ فلا بُدَّ أنَّه سُبحانَه لا يَدَعُ هذا الإِنسانَ الَّذي هو مَحبُوبُه وحَبِيبُه يَسخَطُ علَيْه، فلا يُودِعُ في فِطرَتِه ما يُثيرُ عَداءً نَحوَه -أي: بعَدَمِ إِحداثِ الآخِرةِ- ولا يَغرِزُ في فِطرةِ هذا المَخلُوقِ -المُكَرَّمِ المُمتازِ المَحبُوبِ لَدَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ والمَخلُوقِ أَصلًا لِلقِيامِ بعِبادَتِه- ما هو مُنافٍ كُلِّـيًّا لِفِطرَتِه مِن عَداءٍ خَفِيٍّ، ولا يُمكِنُ أن يُحَمِّلَ رُوحَه سَخَطًا علَيْه سُبحانَه قَطُّ، لِأنَّ الإِنسانَ لا يُمكِنُه أن يُداوِيَ جُرحَه الغائِرَ النّاشِئَ مِن فِراقِه الأَبدِيِّ عن جَمالٍ مُطلَقٍ يُحِبُّه ويُقدِّرُه إلّا بالعَداءِ نَحوَه، أوِ السَّخَطِ علَيْه، أو إِنكارِه.. وكَونُ الكُفّارِ أَعداءَ اللهِ نابِعٌ مِن هذه الزّاوِيةِ.. لِأَجلِ هذا فسيَجعَلُ ذلك الجَمالُ الأَزليُّ حَتْمًا هذا الإِنسانَ الَّذي هو مِرآةٌ مُشتاقةٌ إلَيْه مَبعُوثًا إلى طَرِيقِ أَبَدِ الآبادِ، لِيُرافِقَ ذلك الجَمالَ المُطلَقَ والبَقاءَ والخُلُودَ، ولا رَيبَ أنْ سيَجعَلُه يَنالُ حَياةً باقِيةً في دارٍ باقِيةٍ خالِدةٍ.</p>
<p>وما دامَ الإِنسانُ مُشتاقًا فِطرةً لِجَمالٍ باقٍ وقد خُلقَ مُحِبًّا لِذلِك الجَمالِ.. وأنَّ الجَمالَ الباقِيَ لا يَرضَى بمُشتاقٍ زائِلٍ.. وأنَّ الإِنسانَ يُسَكِّنُ آلامَه وأَحزانَه النّاجِمةَ عَمّا لا تَصِلُ إلَيْه يَدُه أو يَعجِزُ عنِ الِاحتِفاظِ به أو يَجهَلُه بتَحَرِّي القُصُورِ فيه، بل يُسَكِّنُها بعَداءٍ خَفِيٍّ نَحوَه، مُسَلِّيًا نَفسَه بهذا العَداءِ.. وما دامَ الكَونُ قد خُلِقَ لِأَجلِ هذا الإِنسانِ، والإِنسانُ مَخلُوقًا لِلمَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ ولِمَحَبَّتِه سُبحانَه وتَعالَى.. وما دام خالِقُ الكَونِ سَرمَدِيًّا بأَسمائِه الحُسنَى وتَجَلِّياتُه باقِيةً دائِمةً.. فلا بُدَّ أنَّ هذا الإِنسانَ سيُبعَثُ إلى دارِ البَقاءِ والخُلُودِ، ولا بُدَّ أن يَنالَ حَياةً باقِيةً دائِمةً. هذا، وإنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ ﷺ وهُو الإِنسانُ الأَكمَلُ والدَّليلُ الأَعظَمُ على اللهِ قد أَظهَر جَمِيعَ ما بَيَّنّاه مِن كَمالاتِ الإِنسانِ وقِيمَتِه ومُهِمَّتِه ومُثُلِه، فأَظهَر تلك الكَمالاتِ في نَفسِه، وفي دِينِه، بأَوضَحِ صُورةٍ وأَكمَلِها، مِمّا يَدُلُّنا على أنَّ الكائِناتِ مِثلَما خُلِقَت لِأَجلِ الإِنسانِ، أي إنَّه المَقصُودُ الأَعظَمُ مِن خَلقِها والمُنتَخَبُ مِنها، فإنَّ أَجَلَّ مَقصُودٍ مِن خَلقِ الإِنسانِ أَيضًا وأَفضَلَ مُصطَفًى مِنه، بل أَروَعَ وأَسطَعَ مِرآةٍ لِلأَحَدِ الصَّمَدِ إنَّما هو مُحمَّدٌ علَيْه وعلى آلِه وأَصحابِه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ حَسَناتِ أُمَّتِه&#8230;</p>
<p style="text-align: center;">فيا اَللهُ يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ، يا فَردُ يا حَيُّ ياقَيُّومُ، يا حَكَمُ يا عَدْلُ يا قُدُّوسُ</p>
<p style="text-align: center;">نَسأَلُك بحَقِّ فُرقانِك الحَكِيمِ، وبحُرمةِ حَبِيبِك الأَكرَمِ ﷺ وبحَقِّ أَسمائِك الحُسنَى، وبحُرمةِ اسمِك الأَعظَمِ احفَظَنا مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ. آمِينَ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;يَجِبُ ألّا نَنسَى أنَّ الخِصالَ القَبِيحةَ، والِاعتِقاداتِ الباطِلةَ، والذُّنُوبَ والآثامَ، والبِدَعَ، كلُّها مِنَ الأَوساخِ المَعنَوِيّةِ.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إذا ما حُسِبَ ما يَلزَمُ مِدفأةَ قَصرِ الكَونِ ومِصباحَه وهو الشَّمسُ، كم تَحتاجُ يوميًّا مِنَ الوَقُودِ ومِن الزَّيتِ؟ نَرَى أنَّها بحِسابِ الفلَكيِّين بحاجةٍ إلى مِليونِ ضِعفِ حَجمِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ مِنَ الوَقُودِ وأُلُوفِ الأَضعافِ مِن حَجمِ البِحارِ مِن الزُّيُوتِ.<br /><br />
فتَأمَّلْ في عَظَمةِ الخالقِ القَدِيرِ ذي الجَلالِ الذي يُوقِدُ تلك المِدْفأةَ ويُشعِلُ ذلك السِّراجَ الوَهّاجَ مِن دُونِ وَقُودٍ ولا زَيتٍ، ويُشعِلُها بلا انقِطاعٍ.. تَدبَّـرْ في سَعةِ حِكمَتِه وطَلاقةِ قُدرَتِه، وقُلْ: سُبحانَ اللهِ.. ما شاءَ اللهُ.. تَبارَك اللهُ!! بعَدَدِ ذَرّاتِ الشَّمسِ.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حتَّى إنَّ التَّوحيدَ هو نَفسُه أَوضَحُ بُرهانٍ، وأَسطَعُ دليلٍ على الكَمالِ والجَمالِ الإِلٰهِيِّ، لِأنَّه إذا عُرِف أنَّ صانِعَ الكَونِ واحدٌ أَحَدٌ، فستُعرَفُ جَمِيعُ أَنواعِ الكَمالِ والجَمالِ المُشاهَدةِ في الوُجُودِ، بأنَّها ظِلالٌ وتَجَلِّياتٌ وعَلاماتٌ لِأنواعِ الكَمالِ المُقدَّسِ وأَنماطِ الجَمالِ المُنزَّهِ لذلك الصَّانِع الواحِدِ الأَحَدِ لذلك الكَمالِ المُقدَّسِ والجَمالِ المُنزَّه، بينما إذا لم يُعرَفِ الصّانِعُ الواحِدُ، فستُحالُ تلك الكمالاتُ وأنواعُ الجَمالِ إلى الأسبابِ التي لا شُعُورَ لها وإلى مَخلُوقاتٍ عاجِزةٍ، وعِندَها يَحارُ العَقلُ البَشَرِيُّ أمامَ خَزائِنِ الكَمالِ والجَمالِ السَّرمَدِيَّينِ، لِأنَّه فَقَدَ مِفتاحَ تلك الكُنُوزِ الخالِدةِ.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن لم يكُن قارِئُ هذه الرِّسالةِ على اطِّلاعٍ واسعٍ على العُلُومِ، فعلَيْه ألّا يَقرَأ هذا الشُّعاعَ، أو أن يَقرَأَه في الخِتامِ، وليَشرَع مِنَ الشُّعاعِ الثّاني.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه الخُلاصةُ هي الأَساسُ الَّذي تَستَنِد إليه الرَّسائلُ الصَّغيرةُ لِلَّمعةِ الثَّلاثينَ، وهي زُبدةُ مَوضُوعاتِها الَّتي تَحمِلُ أَسرارَ الأَسماءِ السِّتّة الحُسنَى لِلِاسمِ الأَعظَم.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، إنَّ عَناصِرَ الإنسانِ مِثلَما تُشِيرُ إلى عَناصِر الكَونِ وعِظامِه تُنبِئُ عن أَحجارِه وصُخُورِه، وأَشعارُه تُوحِي إلى نَباتاتِه وأَشجاِره، والدَّمُ الجاري في جِسمِه والسَّوائلُ المُختلِفةُ المُتَرشِّحةُ مِن عُيُونِه وأَنفِه وفَمِه تُخبِرُ عن عُيُونِ الأرضِ ويَنابِيعِها ومِياهِها المَعدِنيّة، كذلك تُخبِرُ رُوحُ الإنسانِ عن عالَمِ الأَرواحِ وحافِظتُه عن اللَّوحِ المَحفُوظِ وقُوّةُ خَيالِه عن عالَمِ المِثالِ.. وهكذا يُخبِرُ كلُّ جِهازٍ عن عالَمٍ ويَشهَدُ على وُجُودِه شَهادةً قاطِعةً.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2524</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة التاسعة والعشرون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b3%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d8%25a7%25d8%25b3%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b3%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 16 Apr 2025 09:58:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2521</guid>

					<description><![CDATA[[الأذكار المأثورة -كالتسبيح والتحميد والتهليل.. الخ- لها معانٍ لا تُحصى عددًا، ومراتب لا تتناهى سموًّا، وفي هذه اللمعة يَعرِض الأستاذ النورسي بعضَ مراتب الكلمة القدسية: «الله أكبر»] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة التاسعة والعشرون]   اللمعة التاسعة والعشرون‌ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [مقدمة] إفادة المرام‌ لَقَدِ امتَزَجَ قَلبِي بعَقلِي مُنذُ ثَلاثةَ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[الأذكار المأثورة </strong><strong>-كالتسبيح والتحميد والتهليل.. الخ- لها معانٍ لا تُحصى عددًا، ومراتب لا تتناهى سموًّا، وفي هذه اللمعة يَعرِض الأستاذ النورسي بعضَ مراتب الكلمة القدسية: «الله أكبر»]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2522" aria-describedby="caption-attachment-2522" style="width: 736px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2522" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/e4aac92a82d9476e74b788cdc9ae4b78.jpg" alt="فكَما لا شُرَكاءَ لَه، كذَلِك لا مُعِينَ ولا وُزَراءَ لَهُ؛ وما الأَسبابُ إلّا حِجابٌ رَقِيقٌ على تَصَرُّفِ القُدْرةِ الأَزَلِيّةِ، فلَيسَ لَها تاثِيرٌ إِيجادِيٌّ في نَفسِ الأَمرِ، إذ أَشْرَفُ الأَسبابِ وأَوْسَعُها اختِيارًا هُوَ الإِنسانُ، مَعَ أنَّه لَيسَ في يَدِه مِن أَظْهَرِ أَفْعالِه الِاختِياريّةِ كَـ&quot;الأَكْلِ والكَلامِ والفِكْرِ&quot; مِن مِئاتِ أَجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ واحِدٌ مَشْكُوكٌ.. فإذا كانَ السَّبَبُ الأَشْرَفُ والأَوْسَعُ اختِيارًا مَغْلُولَ الأَيْدِي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقِيقيِّ كَما تَرَى؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن تَكُونَ البَهِيماتُ والجَماداتُ شَرِيكةً في الإِيجادِ والرُّبُوبِيّةِ لِخالِقِ الأَرضِ والسَّماواتِ؟! " width="736" height="628" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/e4aac92a82d9476e74b788cdc9ae4b78.jpg 736w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/e4aac92a82d9476e74b788cdc9ae4b78-300x256.jpg 300w" sizes="(max-width: 736px) 100vw, 736px" /><figcaption id="caption-attachment-2522" class="wp-caption-text">فكَما لا شُرَكاءَ لَه، كذَلِك لا مُعِينَ ولا وُزَراءَ لَهُ؛ وما الأَسبابُ إلّا حِجابٌ رَقِيقٌ على تَصَرُّفِ القُدْرةِ الأَزَلِيّةِ، فلَيسَ لَها تاثِيرٌ إِيجادِيٌّ في نَفسِ الأَمرِ، إذ أَشْرَفُ الأَسبابِ وأَوْسَعُها اختِيارًا هُوَ الإِنسانُ، مَعَ أنَّه لَيسَ في يَدِه مِن أَظْهَرِ أَفْعالِه الِاختِياريّةِ كَـ&#8221;الأَكْلِ والكَلامِ والفِكْرِ&#8221; مِن مِئاتِ أَجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ واحِدٌ مَشْكُوكٌ.. فإذا كانَ السَّبَبُ الأَشْرَفُ والأَوْسَعُ اختِيارًا مَغْلُولَ الأَيْدِي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقِيقيِّ كَما تَرَى؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن تَكُونَ البَهِيماتُ والجَماداتُ شَرِيكةً في الإِيجادِ والرُّبُوبِيّةِ لِخالِقِ الأَرضِ والسَّماواتِ؟!</figcaption></figure>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة التاسعة والعشرون]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة التاسعة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مقدمة]</h2>
<p><strong>إفادة المرام</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لَقَدِ امتَزَجَ قَلبِي بعَقلِي مُنذُ ثَلاثةَ عَشَرَ عامًا ضِمنَ انتِهاجِ مَسلَكِ التَّفكُّرِ الَّذي يَأمُرُ به القُرآنُ المُعجِزُ البَيانِ كقَولِه تَعالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الَّتي تَحُثُّ على التَّفكُّرِ مِثلَما يَحُثُّ علَيْه حَثًّا عَظِيمًا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ كقَولِه ﷺ: (تَفكُّرُ ساعةٍ خَيرٌ مِن عِبادةِ سَنةٍ).‌</p>
<p>ولَقَد تَوارَدَت في غُضُونِ هذه السَّنَواتِ الثَّلاثِينَ على عَقلِي وقَلبِي -ضِمنَ انتِهاجِ مَسلَكِ التَّفكُّرِ- أَنوارٌ عَظِيمةٌ وحَقائِقُ مُتَسَلسِلةٌ طَوِيلةٌ، فوَضَعتُ بِضْعَ كَلِماتٍ مِن قَبِيلِ الإِشاراتِ، لا لِلدَّلالةِ على تلك الأَنوارِ، بل لِلإِشارةِ إلى وُجُودِها ولِتَسهِيلِ التَّفكُّرِ فيها ولِلمُحافَظةِ على انتِظامِها.</p>
<p>وكُنتُ أُرَدِّدُ بَينِي وبينَ نَفسِي تلك الكَلِماتِ لِسانًا <strong>بعِباراتٍ عَرَبيّةٍ</strong> في غايةِ الِاختِلافِ، وعلى الرَّغمِ مِن تَكرارِي لها آلافَ المَرّاتِ خِلالَ هذه المُدّةِ الطَّوِيلةِ وأنا أَنتَهِجُ هذا التَّفكُّرَ، <strong>لم يَطْرَأ عَلَيَّ السَّأَمُ، ولم يَعتَرِ تَذَوُّقَها النَّقصُ،</strong> ولم تَنتَفِ حاجةُ الرُّوحِ إلَيْها، لِأنَّ ذلك التَّفكُّرَ لَمَعاتٌ تَلَمَّعَت مِن آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتَمَثَّلَت فيه جَلْوةٌ مِن خَصائِصِ الآياتِ، تلك هي عَدَمُ الِاستِشعارِ بالسَّأَمِ والمَلَلِ، والحِفاظُ على حَلاوَتِها وطَراوَتِها.</p>
<p>وقد رَأَيتُ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ أنَّ العُقدةَ الحَياتيّةَ القَوِيّةَ والأَنوارَ السّاطِعةَ الَّتي تَحتَوِيها أَجزاءُ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; ما هِي إلّا لَمَعاتُ سِلسِلةِ ذلك التَّفكُّرِ، فنَوَيتُ كِتابةَ مَجمُوعِها في أُخرَياتِ أَيّامِ عُمُرِي، على أَمَلِ تَأثِيرِها في غَيرِي مِثلَما أَثَّرَت فِيَّ.. وسيَكُونُ لِمَجمُوعِها قُوّةٌ وقِيمةٌ أُخرَى وإِن أُدرِجَت أَهَمُّ أَجزائِها في الرَّسائِلِ.</p>
<p>ولَمّا كانَ آخِرُ المَطافِ في رِحلةِ العُمُرِ غَيرَ مُعيَّنٍ، وأنَّ أَوْضاعِي في سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; قد بَلَغَت حَدًّا أَشَدَّ مِنَ المَوتِ بكَثِيرٍ، فقد كَتَبتُ تلك السِّلسِلةَ مِنَ التَّفكُّرِ دُونَ انتِظارٍ لِآخِرِ الحَياةِ، ودُونَ تَغيِيرٍ فيها، وبِناءً على رَغبةِ إِخوةِ النُّورِ وإِصرارِهِم بقَصدِ استِفادَتِهِم.. وجَعَلتُها في سَبعةِ أَبوابٍ.</p>
[الأبواب هي:</p>
<p>الباب الأول: في «سبحان الله».</p>
<p>الباب الثاني: في «الحمد لله».</p>
<p>الباب الثالث: في مراتب «الله أكبر».</p>
<p>الباب الرابع: في مرتبةٍ من مراتب معرفة الله.</p>
<p>الباب الخامس: في «حسبنا الله ونعم الوكيل».</p>
<p>الباب السادس: في «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».</p>
<p>الباب السابع: في شهادةِ: «نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».]
<p>(باقِي الأَبوابِ السِّتّةِ لِهذِه اللَّمْعةِ نُشِرَت في مَجمُوعةِ &#8220;اللَّمَعات&#8221; بِاللُّغةِ العُثمانيّةِ).</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مراتب &#8220;الله أكبر»]</h2>
<p><strong>الباب الثالث: </strong><strong>في مراتب «الله أكبر».</strong></p>
<p>&#8220;سنَذكُرُ سَبْعًا مِن ثَلاثٍ وثَلاثِينَ مَرتَبةً لِهذا البابِ، حَيثُ قد ذُكِرَ قِسمٌ مُهِمٌّ مِن تلك المَراتِبِ في المَقامِ الثّاني مِنَ (المَكتُوبِ العِشرِينَ)، وفي نِهايةِ المَوقِفِ الثّاني مِنَ (الكَلِمةِ الثّانِيةِ والثَّلاثِينَ)، وفي بِدايةِ المَوقِفِ الثّالِثِ مِنها.. فمَن شاءَ أن يَطَّلِعَ على حَقِيقةِ هذه المَراتِبِ، فليُراجِعْ تلك الرَّسائِلَ&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة الأولى: العالَم الصغير والعالَم الكبير]</h3>
<p><strong>المَرتبةُ الأُولَى:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا.﴾ لَبَّيك وسَعْدَيك..</p>
<p>جلَّ جَلالُه اللهُ أَكْبَرُ مِن كُلِّ شيءٍ قُدرةً وعِلمًا، إذ هُوَ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ الَّذي صَنَعَ <strong>الإنسانَ</strong> بقُدرَتِه كالكائِناتِ، وكَتَبَ <strong>الكائِناتِ</strong> بقَلَمِ قَدَرِه كَما كَتَبَ الإنسانَ بذَلِك القَلَمِ؛ إذ ذاك <strong>العالَمُ الكَبِيرُ</strong> كهَذا <strong>العالَمِ الصَّغِيرِ</strong> مَصنُوعُ قُدرَتِه مَكتُوبُ قَدَرِهِ..</p>
<p>إبداعُه لِذاك صَيَّـرَه مَسْجِدًا.. إِيجادُه لهذا صَيَّـرَه ساجِدًا.</p>
<p>إنْشاؤُه لِذاك صَيَّـرَ ذاك مُلكًا.. بِناؤُه لِهذا صَيَّـرَه مَمْلُوكًا.</p>
<p>صَنْعَتُه في ذاك تَظاهَرَتْ كِتابًا.. صِبْغَتُه في هَذا تَزاهَرَتْ خِطابًا.</p>
<p>قُدرَتُه في ذاك تُظهِرُ حِشمَتَهُ.. رَحْمَتُه في هَذا تَنظِمُ نِعْمَتَهُ.</p>
<p>حِشمَتُه في ذاك تَشْهَدُ هُوَ الواحِدُ.. نِعْمَتُه في هَذا تُعلِنُ هُوَ الأَحَدُ.</p>
<p>سِكَّتُه في ذاك في الكُلِّ والأَجْزاءِ سُكُونًا حَرَكةً.. خاتَمُه في هَذا في الجِسمِ والأَعْضاءِ حُجَيْرةً ذَرّةً.</p>
<p>فانْظُرْ إلى آثارِه المُتَّسِقةِ كَيفَ تَرَى -كالفَلَقِ- سَخاوةً مُطْلَقةً مَعَ انْتِظامٍ مُطْلَقٍ.. في سُرْعةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ اتِّزانٍ مُطْلَقٍ.. في سُهُولةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ إتْقانٍ مُطْلَقٍ.. في وُسْعةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ حُسْنِ صُنْعٍ مُطْلَقٍ.. في بُعْدَةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ اتِّفاقٍ مُطْلَقٍ.. في خِلْطةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ امْتِيازٍ مُطْلَقٍ.. في رُخْصةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَق!!</p>
<p>فهَذِه الكَيْفيّةُ المَشْهُودةُ شاهِدةٌ للعاقِلِ المُحَقِّقِ، مُجْبِرةٌ لِلأَحْمَقِ المُنافِقِ على قَبُولِ الصَّنْعةِ والوَحْدةِ لِلحَقِّ ذِي القُدْرةِ المُطْلَقةِ، وهُوَ العَلِيمُ المُطْلَقُ.</p>
<p>وفي الوَحْدةِ سُهُولةٌ مُطْلَقةٌ، وفي الكَثْرةِ والشِّرْكةِ صُعُوبةٌ مُنغَلِقةٌ:</p>
<p>إنْ أُسْنِدَ كُلُّ الأَشياءِ لِلواحِدِ، فالكائِناتُ كالنَّخْلةِ، والنَّخْلةُ كالثَّمَرةِ سُهُولةً في الِابْتِداعِ؛ وإنْ أُسْنِدَ للِكَثْرةِ فالنَّخْلةُ كالكائِناتِ، والثَّمَرةُ كالشَّجَراتِ صُعُوبةً في الامْتِناعِ، إذِ الواحِدُ بِالفِعْلِ الواحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجةً ووَضْعِيّةً لِلكَثيرِ بِلا كُلْفةٍ ولا مُباشَرةٍ؛ لَوْ أُحِيلَتْ تِلْك الوَضْعيّةُ والنَّتِيجةُ إلى الكَثْرةِ لا يُمكِنُ أن تَصِلَ إلَيْها إلّا بِتَكَلُّفاتٍ ومُباشَراتٍ ومُشاجَراتٍ كالأَمِيرِ مَعَ النَّفَراتِ، والبانِي مَعَ الحَجَراتِ، والأَرضِ مَعَ السَّيّاراتِ، والفَوّارةِ مَعَ القَطَراتِ، ونُقطةِ المَرْكَزِ مَعَ النُّقَطِ في الدّائِرةِ.</p>
<p>بِسِرِّ أنَّ في الوَحْدةِ يَقُومُ الِانتِسابُ مَقامَ قُدْرةٍ غَيْرِ مَحْدُودةٍ، ولا يَضْطَرُّ السَّبَبُ لِحَمْلِ مَنابعِ قُوَّتِه، ويَتَعاظَمُ الأثَرُ بالنِّسْبةِ إلى المُسْنَدِ إلَيهِ.. وفي الشِّرْكةِ يَضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنابعِ قُوَّتِهِ؛ فيَتَصاغَرُ الأثَرُ بِنِسْبةِ جِرْمِهِ. ومِن هُنا غَلَبَتِ النَّمْلةُ والذُّبابةُ على الجَبابِرةِ، وحَمَلَتِ النُّواةُ الصَّغِيرةُ شَجَرةً عَظِيمةً. وبِسِرِّ أنَّ في إِسنادِ كُلِّ الأَشياءِ إلى الواحِدِ لا يَكُونُ الإِيجادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، بل يَكُونُ الإِيجادُ عَيْنَ نَقلِ المَوجُودِ العِلمِيِّ إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ، كنَقْلِ الصُّورةِ المُتَمَثِّلةِ في المِرآةِ إلى الصَّحِيفةِ الفُوطُوغْرافِيّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خارِجِيٍّ لَها بِكَمالِ السُّهُولةِ، أو إِظهارِ الخَطِّ المَكتُوبِ بِمِدادٍ لا يُرى، بِواسِطةِ مادّةٍ مُظهِرةٍ للِكِتابةِ المَسْتُورةِ؛ وفي إِسنادِ الأَشياءِ إلى الأَسبابِ والكَثْرةِ يَلْزَمُ الإِيجادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، وهُوَ إنْ لَم يَكُنْ مُحالًا يَكُونُ أَصْعَبَ الأَشْياءِ.. فالسُّهُولةُ في الوَحْدةِ واصِلةٌ إلى دَرَجةِ الوُجُوبِ، والصُّعُوبةُ في الكَثْرةِ واصِلةٌ إلى دَرَجةِ الِامتِناعِ، وبِحِكْمةِ أنَّ في الوَحْدةِ يُمْكِنُ الإِبْداعُ وإِيجادُ &#8220;الأَيْسِ مِنَ اللَّيْسِ&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، يَعْنِي إِبْداعَ المَوْجُودِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مُدّةٍ ولا مادّةٍ، وإِفراغَ الذَّرّاتِ في القالَبِ العِلْمِيِّ بلا كُلْفةٍ ولا خِلْطةٍ. وفي الشِّرْكةِ والكَثْرةِ لا يُمْكِنُ الإِبْداعُ مِنَ العَدَمِ بِاتِّفاقِ كُلِّ أَهلِ العَقْلِ.</p>
<p>فلا بُدَّ لِوُجودِ ذي حَياةٍ جَمْعُ ذَرَّاتٍ مُنْتَشِرةٍ في الأَرضِ والعَناصِرِ؛ وبِعَدَمِ القالَبِ العِلْميِّ يَلْزَمُ لِمُحافَظةِ الذَّرَّاتِ في جِسْمِ ذِي الحَياةِ وُجُودُ عِلْمٍ كُلِّيٍّ، وإِرادةٍ مُطْلَقةٍ في كُلِّ ذَرّةٍ؛ ومَعَ ذلِك إنَّ الشُّركاءَ مُسْتَغْنِيةٌ عنها ومُمْتَنِعةٌ بالذَّاتِ وتَحَكُّمِيّةٌ مَحْضةٌ، لا أَمارةَ علَيْها ولا إِشارةَ إلَيْها في شَيءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ، إذ خِلْقةُ السَّماواتِ والأَرضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرةً كامِلةً غَيْرَ مُتَناهِيةٍ بالضَّرُورةِ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الشُّرَكاءِ؛ وإلَّا لَزِمَ تَحْدِيدُ وانْتِهاءُ قُدْرةٍ كامِلةٍ غَيْرِ مُتَناهِيةٍ في وَقْتِ عَدَمِ التَّناهِي بِقُوّةٍ مُتَناهِيةٍ بِلا ضَرُورةٍ، مَعَ الضَّرُورةِ في عَكْسِه؛ وهُوَ مُحالٌ في خَمْسةِ أَوْجُهٍ.. فامْتَنَعَتِ الشُّرَكاءُ، مَعَ أنَّ الشُّرَكاءَ المُمتَنِعةَ بِتِلك الوُجُوه لا إِشارةَ إلى وُجُودِها، ولا أَمارةَ على تَحَقُّقِها في شَيءٍ مِنَ المَوجُوداتِ.</p>
<p>فقدِ استَفسَرْنا عن هذه المَسأَلةِ في &#8220;المَوقِفِ الأَوَّلِ مِنَ الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِينَ&#8221; مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، وفي &#8220;المَوقِفِ الثّاني&#8221; مِنَ السَّماواتِ إلى التَّشَخُّصاتِ الوَجْهِيّةِ، فأَعطَت جَمِيعُها جَوابَ رَدِّ الشِّركِ بإِراءةِ سِكّةِ التَّوحِيدِ.</p>
<p>فكَما لا شُرَكاءَ لَه، كذَلِك لا مُعِينَ ولا وُزَراءَ لَهُ؛ وما الأَسبابُ إلّا حِجابٌ رَقِيقٌ على تَصَرُّفِ القُدْرةِ الأَزَلِيّةِ، فلَيسَ لَها تاثِيرٌ إِيجادِيٌّ في نَفسِ الأَمرِ، إذ أَشْرَفُ الأَسبابِ وأَوْسَعُها اختِيارًا هُوَ الإِنسانُ، مَعَ أنَّه لَيسَ في يَدِه مِن أَظْهَرِ أَفْعالِه الِاختِياريّةِ كَـ&#8221;الأَكْلِ والكَلامِ والفِكْرِ&#8221; مِن مِئاتِ أَجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ واحِدٌ مَشْكُوكٌ.. فإذا كانَ السَّبَبُ الأَشْرَفُ والأَوْسَعُ اختِيارًا مَغْلُولَ الأَيْدِي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقِيقيِّ كَما تَرَى؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن تَكُونَ البَهِيماتُ والجَماداتُ شَرِيكةً في الإِيجادِ والرُّبُوبِيّةِ لِخالِقِ الأَرضِ والسَّماواتِ؟!</p>
<p>فكَما لا يُمكِنُ أن يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذي وَضَعَ السُّلطانُ فيه الهَدِيّةَ، أوِ المِندِيلُ الَّذي لَفَّ فيه العَطِيّةَ، أوِ النَّفَرُ الَّذي أَرسَلَ على يَدِه النِّعْمةَ إلَيْك، شُرَكاءَ للِسُّلْطانِ في سَلْطَنَتِهِ؛ كذَلِك لا يُمكِنُ أن تَكُونَ الأَسبابُ المُرْسَلةُ على أَيْدِيها النِّعَمُ إلَيْنا، والظُرُوفُ الَّتي هي صَنادِيقُ للِنِّعَمِ المُدَّخَرةِ لَنا، والأَسْبابُ الَّتي الْتَفَّتْ على عَطايا إِلٰهِيّةٍ مُهْداةٍ إلَيْنا، شُرَكاءَ أَعْوانًا أو وَسائِطَ مُؤَثِّرةً.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة الثانية: موجودات الأرض والسموات]</h3>
<p><strong>المَرتبةُ الثّانيةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلْمًا، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ الصّانِعُ الحَكِيمُ الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ الَّذي هذِه <strong>المَوجُوداتُ الأَرضِيّةُ</strong> <strong>والأَجْرامُ العُلوِيّةُ</strong> في بُسْتانِ الكائِناتِ مُعجِزاتُ قُدْرةِ خَلّاقٍ عَلِيمٍ بِالبَداهة.</p>
<p>وهذه <strong>النَّباتاتُ</strong> المُتَلَوِّنَة المُتَزَيِّنةُ المَنْثُورةُ، وهَذِه <strong>الحَيَواناتُ</strong> المُتَنَوِّعةُ المُتَبَرِّجةُ المَنْشُورةُ في حَدِيقةِ الأَرضِ خَوارِقُ صَنْعةِ صانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورةِ، وهذه <strong>الأَزْهارُ</strong> المُتَبَسِّمةُ <strong>والأَثْمارُ</strong> المُتَزَيِّنةُ في جِنانِ هذِه الحَديقةِ هَدايا رَحْمةِ رَحْمٰنٍ رَحِيمٍ بالمُشاهَدةِ..</p>
<p>تَشْهَدُ هاتِيك وتُنادِي تاك وتُعْلِنُ هذِه بِأَنَّ خَلّاقَ هاتيك ومُصَوِّرَ تاك وواهِبَ هذِه على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ وبِكُلِّ شيءٍ عَليمٌ، قَد وسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمةً وعِلْمًا، تَتَساوَى بِالنِّسْبةِ إلى قُدْرَتِه الذَّرّاتُ والنُّجُومُ والقَلِيلُ والكَثِيرُ والصَّغِيرُ والكَبِيرُ والمُتَناهِي وغَيرُ المُتَناهِي.</p>
<p>وكُلُّ <strong>الوُقُوعاتِ الماضِيةِ</strong> وغَرائِبُها مُعْجِزاتُ صَنْعةِ صانِعٍ حَكِيمٍ تَشْهَدُ على أنَّ ذلك الصَّانِعَ قَدِيرٌ على كُلِّ <strong>الإِمْكاناتِ الِاستِقبالِيّةِ</strong> وعَجائِبِها، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ والعَزِيزُ الحَكِيمُ.</p>
<p>فسُبْحانَ مَن جَعَلَ حَدِيقةَ أَرضِه مَشْهَرَ صَنْعَتِه، مَحْشَرَ فِطْرَتِه، مَظْهَرَ قُدرَتِه، مَدارَ حِكْمَتِه، مَزْهَرَ رَحْمَتِه، مَزْرَعَ جَنَّتِه؛ مَمَرَّ المَخْلُوقاتِ، مَسِيلَ المَوجُوداتِ، مَكِيلَ المَصْنُوعاتِ.</p>
<p>فمُزَيَّنُ الحَيَواناتِ، مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ، مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ، مُزَهَّرُ النَّباتاتِ: مُعْجِزاتُ عِلمِه؛ خَوارِقُ صُنْعِه، هَدايا جُودِه، بَراهِينُ لُطْفِه.</p>
<p>تَبَسُّمُ الأَزهارِ مِن زِينةِ الأَثْمارِ، تَسَجُّعُ الأَطيارِ في نَسَمةِ الأَسْحارِ، تَهَزُّجُ الأَمطارِ على خُدُودِ الأزهارِ، تَرَحُّمُ الوالِداتِ على الأَطفالِ الصِّغارِ: تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمٰنٍ، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلجِنِّ والإِنسانِ، والرُّوحِ والحَيَوانِ، والمَلَكِ والجانِّ.</p>
<p>والبُذُورُ والأَثْمارُ، والحُبُوبُ والأَزهارُ: مُعجِزاتُ الحِكمةِ، خَوارِقُ الصَّنْعةِ، هَدايا الرَّحْمةِ، بَراهِينُ الوَحْدةِ، شَواهِدُ لُطْفِه في دارِ الآخِرةِ، شَواهِدُ صادِقةٌ بأنَّ خَلّاقَها على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، وبِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.</p>
<p>قد وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ بِالرَّحْمةِ والعِلْمِ والخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والصُّنْعِ والتَّصْوِيرِ؛ فالشَّمْسُ كالبِذْرةِ والنَّجْمُ كالزَّهْرةِ والأَرضُ كالحَبّةِ لا تَثْقُلُ علَيْه بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والصُّنعِ والتَّصْوِيرِ؛ فالبُذُورُ والأَثْمارُ مَرايا الوَحْدةِ في أَقطارِ الكَثْرةِ: إِشاراتُ القَدَرِ، رُمُوزاتُ القُدْرةِ بِأنَّ تِلك الكَثْرةَ مِن مَنْبَعِ الوَحْدةِ، تَصْدُرُ شاهِدةً لِوَحْدةِ الفاطِرِ في الصُّنْعِ والتَصْويرِ.. ثُمَّ إلى الوَحْدةِ تَنْتَهي ذاكِرةً لِحِكْمةِ الصّانِعِ في الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ.. وتَلْوِيحاتُ الحِكْمةِ بأنَّ خالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنْظُرُ ثُمَّ إلى جُزْئِه؛ إذْ إنْ كانَ ثَمَرًا فهُوَ المَقْصُودُ الأَظهَرُ مِن خَلقِ هَذا الشَّجَرِ، <strong>فالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِه الكائِناتِ</strong>، فهُوَ المَقْصُودُ الأَظْهَرُ لِخالِقِ المَوْجُوداتِ، والقَلبُ كالنَّواةِ، فهُوَ المِرآةُ الأَنْوَرُ لِصانِعِ المَخْلُوقاتِ، ومِن هذِه الحِكْمةِ <strong>فالإِنسانُ الأَصْغَرُ في هذِه الكائِناتِ هُوَ المَدارُ الأَظْهَرُ لِلنَّشْرِ والمَحشْرِ في هذِه المَوجُوداتِ</strong>، والتَّخْرِيبِ والتَّبْدِيلِ والتَّحوِيلِ والتَّجْدِيدِ لِهَذِه الكائِناتِ.</p>
<p style="text-align: center;">اللهُ أَكبَرُ يا كَبِيرُ، أَنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِه.‌</p>
<p style="text-align: center;">كِه لا إِلٰهَ إلّا هُوَ بَرابَرْ مِيزَنَنْدْ هَرْ شيء</p>
<p style="text-align: center;">دَمادَم جُو يَدَنْدْ: &#8220;ياحَقْ&#8221; سَراسَرْ كُوَيَدَنْدْ: &#8220;يا حَيّ&#8221;</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة الثالثة: حقائق الموجودات والكائنات]</h3>
<p><strong>المَرتبةُ الثّالثة</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup><strong>: </strong></p>
<p>إِيضاحُها في رَأسِ &#8220;المَوقِفِ الثّالِثِ&#8221; مِنَ &#8220;الرِّسالةِ الثّانِيةِ والثَّلاثِينَ&#8221;.</p>
<p>اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلمًا، إذ هُوَ القَدِيرُ المُقَدِّرُ العَلِيمُ الحَكِيمُ المُصَوِّرُ الكَرِيمُ اللَّطِيفُ المُزَيِّنُ المُنْعِمُ الوَدُودُ المُتَعَرِّفُ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ المُتَحَنِّنُ الجَمِيلُ ذُو الجَمالِ والكَمالِ المُطْلَقِ، النَّقّاشُ الأَزَليُّ الَّذي ما <strong>حَقائِقُ هَذِه الكائِناتِ</strong> كُلًّا وأَجزاءً وصَحائِفَ وطَبَقاتٍ، وما <strong>حَقائِقُ هذِه المَوجُوداتِ</strong> كُلِّـيًّا وجُزئِيًّا ووُجُودًا وبَقاءً:</p>
<p>إلّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه بِتَنْظِيمٍ وتَقدِيرٍ وعِلْمٍ وحِكْمةٍ.</p>
<p>وإلّا نُقُوشُ بَرْكارِ عِلْمِه وحِكْمَتِه بِصُنْعٍ وتَصوِيرٍ.</p>
<p>وإلّا تَزْيِيناتُ يَدِ بَيْضاءِ صُنْعِه وتَصوِيرِه وتَزْيِينِه وتَنْوِيرِه بِلُطْفٍ وكَرَمٍ.</p>
<p>وإلّا أَزاهِيرُ لَطائِفِ لُطْفِه وكَرَمِه وتَعَرُّفِه وتَوَدُّدِه بِرَحْمةٍ ونِعْمةٍ.</p>
<p>وإلّا ثَمَراتُ فيّاضِ عَيْنِ رَحْمَتِه ونِعْمَتِه وتَرَحُّمِه وتَحَنُّنِه بِجَمالٍ وكَمالٍ.</p>
<p>وإلّا لَمَعاتُ جَمالٍ سَرْمَديٍّ وكَمالٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهادةِ تَفانِيةِ المَرايا وسَيّالِيّةِ المَظاهِرِ، مَعَ دوام تَجَلِّي الجَمالِ على مَرِّ الفُصُولِ والعُصُورِ والأَدْوارِ، ومَعَ دَوامِ الإِنعامِ على مَرِّ الأَنامِ والأَيّامِ والأَعْوامِ.</p>
<p>نَعَم، تَفانِي المِرْآةِ.. زَوالُ المَوجُوداتِ مَعَ التَّجَلِّي الدّائِم مَعَ الفَيضِ المُلازِم: مِن أَظْهَرِ الظَّواهِرِ مِن أَبْهَرِ البَواهِرِ على أنَّ الجَمالَ الظّاهِرَ أنَّ الكَمالَ الزّاهِرَ لَيْسَا مُلْكَ المَظاهِر.. مِن أَفصَحِ تِبيانٍ مِن أَوضَحِ بُرْهانٍ للِجَمالِ المُجَرَّدِ لِلإِحسانِ المُجَدَّدِ لِلواجِبِ الوُجُودِ لِلباقِي الوَدُودِ.</p>
<p>نَعَم، فالأَثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالبَداهةِ على الفِعْلِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورةِ على الِاسمِ المُكَمَّلِ والفاعِلِ المُكَمَّل، ثمَّ الِاسمُ المُكمَّلُ يَدُلُّ بِلا رَيبٍ على الوَصْفِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الوَصْفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلا شَكٍّ على الشَّأنِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الشَّأنُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقينِ على كَمالِ الذّاتِ بِما يَلِيقُ بِالذّاتِ وهُوَ الحَقُّ اليَقِينُ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة الرابعة: مشهد التربية والتدبير]</h3>
<p><strong>المَرتبةُ الرّابعةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ إذ هُوَ العَدْلُ العادِلُ الحَكَمُ الحاكِمُ الحَكِيمُ الأزَليُّ الَّذي أَسَّسَ بُنْيانَ شَجَرةِ هذِه الكائِناتِ في سِتّةِ أَيّامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِه وحِكْمَتِه، وفَصَّلَها بِدَساتِيرِ قَضائِه وقَدَرِه، ونَظَّمَها بِقَوانِينِ عادَتِه وسُنَّتِه، وزَيَّنَها بِنَوامِيسِ عِنايَتِه ورَحْمَتِه، ونَوَّرَها بِجَلَواتِ أَسمائِه وصِفاتِه بِشَهاداتِ انْتِظاماتِ مَصنُوعاتِه وتَزَيُّناتِ مَوجُوداتِه وتَشابُهِها وتَناسُبِها وتَجاوُبِها وتَعاوُنِها وتَعانُقِها، وإِتقانِ الصَّنعةِ الشُّعُورِيّةِ في كُلِّ شَيءٍ على مِقْدارِ قامةِ قابِلِيَّتِه المُقَدَّرةِ بِتَقْدِيرِ القَدَرِ.</p>
<p>فالحِكْمةُ العامّةُ في تَنْظِيماتِها.. والعِنايةُ التّامّةُ في تَزيِيناتِها.. والرَّحْمةُ الواسِعةُ في تَلطِيفاتِها.. والأَرزاقُ والإِعاشةُ الشّامِلةُ في تَربِيَتِها.. والحَياةُ العَجِيبةُ الصَّنعةِ بِمَظْهَرِيَّتِها للِشُّؤونِ الذّاتِيّةِ لِفاطِرِها.. والمَحاسِنُ القَصْدِيّةُ في تَحْسِيناتِها.. ودَوامُ تَجَلِّي الجَمالِ المُنْعَكِسِ مَعَ زَوالِها.. والعِشْقُ الصّادِقُ في قَلْبِها لِمَعبُودِها.. والِانجِذابُ الظّاهِرُ في جَذْبَتِها.. واتِّفاقُ كُلِّ كُمَّلِها على وَحْدةِ فاطِرِها.. والتَّصَرُّفُ لِمَصالِحَ في أَجزائِها.. والتَّدْبِيرُ الحَكِيمُ لِنَباتاتِها.. والتَّربِيةُ الكَرِيمةُ لِحَيَواناتِها.. والِانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغيُّراتِ أَركانِها.. والغاياتُ الجَسِيمةُ في انتِظامِ كُلِّـيَّتِها.. والحُدُوثُ دَفْعةً مَعَ غايةِ كَمالِ حُسنِ صَنْعَتِها بِلا احتِياجٍ إلى مُدّةٍ ومادّةٍ.. والتَّشَخُّصاتُ الحَكِيمةُ مَعَ عَدَمِ تَحْدِيدِ تَرَدُّدِ إِمكاناتِها.. وقَضاءُ حاجاتِها على غايةِ كَثْرَتِها وتَنَوُّعِها في أَوْقاتِها اللّائِقةِ المُناسِبةِ، مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ ومِن حَيثُ لا يُشْعَرُ مَعَ قِصَرِ أَيْدِيها عن أَصغَرِ مَطالِبِها.. والقُوّةُ المُطلَقةُ في مَعْدِنِ ضَعْفِها.. والقُدْرةُ المُطلَقةُ في مَنبَعِ عَجْزِها.. والحَياةُ الظّاهِرةُ في جُمُودِها.. والشُّعُورُ المُحِيطُ في جَهْلِها.. والِانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغَيُّراتِها المُسْتَلزِمُ لِوُجُودِ المُغَيِّرِ الغَيرِ المُتَغَيِّر.. والِاتِّفاقُ في تَسْبِيحاتِها كالدَّوائِرِ المُتَداخِلةِ المُتَّحِدةِ المَرْكَزِ.. والمَقبُولِيّةُ في دَعَواتِها الثَّلاثِ &#8220;بِلِسانِ استِعدادِها، وبِلِسانِ احتِياجاتِها الفِطْرِيّةِ، وبِلِسانِ اضْطِرارِها&#8221;.. والمُناجاةُ والشُّهوداتُ والفُيُوضاتُ في عِباداتِها.. والِانتظامُ في قَدَرَيْها.. والِاطْمِئْنانُ بِذِكرِ فاطِرِها.. وكَونُ العِبادةِ فيها خَيْطَ الوُصْلةِ بَينَ مُنْتَهاها ومَبْدَئِها.. وسَببَ ظُهُورِ كَمالِها ولِتَحَقُّقِ مَقاصِدِ صانِعِها..</p>
<p>وهكَذا بِسائِرِ شُؤُوناتِها وأَحْوالِها وكَيفِيّاتِها شاهِداتٌ بِأنَّها كُلَّها بِتَدبِيرِ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ واحِدٍ.. وفي تَربِيةِ مُرَبٍّ كَرِيمٍ أَحَدٍ صَمَدٍ.. وكُلُّها خُدّامُ سَيِّدٍ واحِدٍ.. وتَحتَ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ واحِدٍ.. ومَصدَرُها قُدْرةُ واحِدٍ الَّذي تَظاهَرَتْ وتَكاثَرَتْ خَواتِيمُ وَحْدَتِه على كُلِّ مَكتُوبٍ مِن مَكتُوباتِه في كُلِّ صَفْحةٍ مِن صَفَحاتِ مَوجُوداتِه.</p>
<p>نَعَمْ: فكُلُّ زَهرةٍ وثَمَرٍ، وكُلُّ نَباتٍ وشَجَرٍ، بَل كُلُّ حَيَوانٍ وحَجَرٍ، بَل كُلُّ ذَرٍّ ومَدَرٍ، في كُلِّ وادٍ وجَبَلٍ، وكُلِّ بادٍ وقَفْرٍ خاتَمٌ بَيِّنُ النَّقشِ والأثَر، يُظْهِرُ لِدِقّةِ النَّظرِ بِأنَّ ذا ذاك الأَثرَ هُوَ كاتِبُ ذاك المَكانِ بِالعِبَرِ؛ فهُوَ كاتِبُ ظَهْرِ البَرِّ وبَطْنِ البَحْرِ؛ فهُوَ نَقّاشُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في صَحيفةِ السَّماواتِ ذاتِ العِبَرِ. جَلَّ جَلالُ نَقّاشِها! الله أكْبَرُ!</p>
<p style="text-align: center;">كِه لا إِلٰهَ إلّا هُو بَرابَرْ مِيزَنَدْ عالَم</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة الخامسة: مشهد العظمة والعزة]</h3>
<p><strong>المَرتبةُ الخامِسةُ</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup><strong>: </strong></p>
<p>اللهُ أَكبَرُ إذ هُوَ الخَلّاقُ القَدِيرُ المُصَوِّرُ البَصِيرُ الَّذي هذِه الأَجرامُ العُلوِيّةُ والكَواكِبُ الدُّرِّيّةُ نَيِّراتُ بَراهِينِ أُلُوهِيَّتِه وعَظَمَتِه، وشُعاعاتُ شَواهِدِ رُبُوبِيَّتِه وعِزَّتِهِ؛ تَشْهَدُ وتُنادِي على شَعْشَعةِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِه، وتُنادِي على وُسْعةِ حُكْمِه وحِكْمَتِه، وعلى حِشْمةِ عَظَمةِ قُدْرَتِه.. فاسْتَمِعْ إلى آيةِ:</p>
<p>﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، ثُمَّ انظُرْ إلى وَجْهِ السَّماءِ، كَيفَ تَرَى سُكُوتًا في سُكُونةٍ، حَرَكةً في حِكْمةٍ، تَلَألُؤًا في حِشْمةٍ، تَبَسُّمًا في زِينةٍ مَعَ انتَظامِ الخِلقةِ مَعَ اتِّزانِ الصَّنْعةِ.</p>
<p>تَشَعْشُعُ سِراجِها لِتَبدِيل المَواسِمِ، تَهَلهُلُ مِصْباحِها لِتَنوِيرِ المَعالِمِ، تَلألُؤُ نُجُومِها لِتَزيِينِ العَوالِمِ.. تُعْلِنُ لِأَهلِ النُّهَى سَلْطَنةً بلا انتِهاءٍ لِتَدبيرِ هذا العالَمِ.</p>
<p>فذَلِك الخَلّاقُ القَديرُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، ومُرِيدٌ بِإِرادةٍ شامِلةٍ ما شاءَ كانَ وما لَم يَشَأْ لَم يَكُنْ؛ وهُوَ قَدِيرٌ على كُلِّ شَيءٍ بِقُدْرةٍ مُطْلَقةٍ مُحِيطةٍ ذاتِيّةٍ.. وكَما لا يُمكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ هذِه الشَّمسِ في هذا اليَومِ بِلا ضِياءٍ ولا حَرارةٍ، كذَلِك لا يُمْكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ إلٰهٍ خالِقٍ للِسَّماواتِ بِلا عِلْمٍ مُحِيطٍ، وبِلا قُدرةٍ مُطلَقةٍ، فهُوَ بِالضَّرُورةِ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِعِلمٍ مُحِيطٍ لازِمٍ ذاتِيٍّ لِلذّاتِ، يَلزَمُ تَعَلُّقُ ذلِك العِلمِ بِكُلِّ الأَشياءِ لا يُمكِنُ أن يَنْفَكَّ عَنْه شَيءٌ بِسِرِّ الحُضُورِ والشُّهُودِ والنُّفُوذِ والإِحاطةِ النُّورانِيّةِ.</p>
<p>فما يُشاهَدُ في جَمِيعِ المَوجُوداتِ مِنَ الِانْتِظاماتِ المَوزُونةِ، والِاتِّزاناتِ المَنْظُومةِ، والحِكَمِ العامّةِ، والعِناياتِ التّامّةِ، والأَقْدارِ المُنْتَظَمةِ، والأَقْضِيةِ المُثْمِرةِ، والآجالِ المُعَيَّنةِ، والأَرزاقِ المُقَنَّنةِ، والإِتقاناتِ المُفَنَّنةِ، والِاهتِماماتِ المُزَيَّنةِ، وغايةِ كَمالِ الِامتِيازِ والِاتِّزانِ والِانتِظامِ والإِتقانِ، والسُّهُولةِ المُطلَقةِ، شاهِداتٌ على إِحاطةِ عِلمِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِكُلِّ شَيءٍ.</p>
<p>وإنَّ آيةَ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ تَدُلُّ على أنَّ الوُجُودَ في الشَّيءِ يَسْتَلزِمُ العِلمَ بِه، ونُورَ الوُجُودِ في الأَشياءِ يَستَلزِمُ نُورَ العِلمِ فيها.</p>
<p>فنِسبةُ دَلالةِ حُسنِ صَنْعةِ الإِنسانِ على شُعُورِه، إلى نِسبةِ دَلالةِ خِلْقةِ الإِنسانِ على عِلمِ خالِقِه، كنِسبةِ لُمَيْعةِ نُجَيْمةِ الذُّبَيْبةِ في اللَّيلةِ الدَّهْماءِ إلى شَعشَعةِ الشَّمْسِ في نِصفِ النَّهارِ على وَجهِ الغَبْراءِ.</p>
<p>وكَما أنَّه عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فهُو مُرِيدٌ لكُلِّ شَيء، لا يُمكِنُ أن يَتَحَقَّقَ شَيءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِه، وكما أنَّ القُدْرةَ تُؤَثِّرُ، وأنَّ العِلمَ يُمَيِّـزُ؛ كذَلِك إنَّ الإِرادةَ تُخَصِّصُ، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الأَشياءِ. فالشَّواهِدُ على وُجُودِ إِرادَتِه تَعالَى واختِيارِه سُبحانَه بِعَدَدِ كَيفِيّاتِ الأَشياءِ وأَحوالِها وشُؤُوناتِها.</p>
<p>نَعَم، فتَنْظِيمُ المَوجُوداتِ وتَخْصِيصُها بِصِفاتِها مِن بَينِ الإِمكاناتِ الغَيرِ المَحْدُودةِ، ومِن بَينِ الطُّرُقِ العَقِيمةِ، ومِن بَينِ الِاحتِمالاتِ المُشَوَّشةِ، وتَحتَ أَيدِي السُّيُولِ المُتَشاكِسةِ، بِهَذا النِّظامِ الأَدَقِّ الأَرَقِّ، وتَوْزِينُها بِهذا المِيزانِ الحَسّاسِ الجَسّاسِ المَشْهُودَينِ؛ وأنَّ خَلْقَ المَوجُوداتِ المُختَلِفاتِ المُنتَظَماتِ الحَيَويّةِ مِنَ البَسائِطِ الجامِدةِ -كالإِنسانِ بِجِهازاتِه مِنَ النُّطفةِ، والطَّيْرِ بِجَوارِحِه مِنَ البَيضةِ، والشَّجَرِ بأَعْضائِه المُتَنَوِّعةِ مِنَ النَّواةِ- تَدُلُّ على أنَّ تَخَصُّصَ كُلِّ شَيءٍ وتَعَيُّنَه بإرادَتِه واختِيارِه ومَشِيئَتِه سُبْحانَهُ.</p>
<p>فكما أنَّ تَوافُقَ الأَشياءِ مِن جِنْسٍ، والأَفرادِ مِن نَوعٍ في أَساساتِ الأَعْضاءِ، يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على أنَّ صانِعَها واحِدٌ أَحَدٌ؛ كَذلِك أنَّ تَمايُزَها في التَّشَخُّصاتِ الحَكِيمةِ المُشتَمِلةِ على عَلاماتٍ فارِقةٍ مُنْتَظَمةٍ، تَدُلُّ على أنَّ ذلك الصّانِعَ الواحِدَ الأَحَدَ هُوَ فاعِلٌ مُختارٌ مُرِيدٌ يَفعَلُ ما يَشاءُ ويَحكُمُ ما يُريدُ.. جَلَّ جَلالُهُ.</p>
<p>وكما أنَّ ذلِك الخَلّاقَ العَلِيمَ المُرِيدَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، ومُرِيدٌ لِكُلِّ شَيءٍ، لَه عِلمٌ مُحِيطٌ، وإِرادةٌ شامِلةٌ، واختِيارٌ تامٌّ؛ كَذلِك لَه قُدرةٌ كامِلةٌ ضَرُوريّةٌ ذاتِيّةٌ ناشِئةٌ مِنَ الذّاتِ ولازِمةٌ للِذّاتِ.. فمُحالٌ تَداخُلُ ضِدِّها، وإلّا لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ المُحالُ بالِاتِّفاقِ.</p>
<p>فلا مَراتِبَ في تِلك القُدْرةِ، فتَتَساوَى بِالنِّسبةِ إلَيْها الذَّرّاتُ والنُّجُومُ، والقَلِيلُ والكَثِيرُ، والصَّغِيرُ والكَبِيرُ، والجُزئيُّ والكُلِّيُّ، والجُزءُ والكُلُّ، والإِنسانُ والعالَمُ، والنَّواةُ والشَّجَرُ:</p>
<p>بِسِرِّ النُّورانيّةِ والشَّفّافيّةِ والمُقابَلةِ والمُوازَنةِ والِانتِظامِ والِامتِثالِ.</p>
<p>بِشَهادةِ الِانتِظامِ المُطلَقِ والِاتِّزانِ المُطلَقِ والِامتِيازِ المُطلَقِ في السُّرعةِ والسُّهُولةِ والكَثرةِ المُطلَقاتِ.</p>
<p>بِسِرِّ إِمدادِ الواحِديّةِ ويُسْرِ الوَحْدةِ وتَجَلِّي الأَحَديّةِ. بِحِكمةِ الوُجُوبِ والتَّجَرُّدِ ومُبايَنةِ الماهِيّةِ.</p>
<p>بِسِرِّ عَدَمِ التَّقَيُّدِ وعَدَمِ التَّحَيُّزِ وعَدَمِ التَّجَزُّءِ.</p>
<p>بِحِكمةِ انقِلابِ العَوائِقِ والمَوانِع إلى الوَسائِلِ في التَّسْهيلِ إنِ احْتيجَ إلَيْه، والحالُ أنَّه لا احتِياجَ، كأَعْصابِ الإِنسانِ، والخُطُوطِ الحَدِيدِيّةِ لِنَقلِ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ.</p>
<p>بِحِكْمةِ أنَّ الذَّرّةَ والجُزءَ والجُزئيَّ والقَلِيلَ والصَّغِيرَ والإِنسانَ والنَّواةَ لَيسَتْ بِأَقَلَّ جَزالةً مِنَ النَّجْمِ والنَّوعِ والكُلِّ والكُلِّيِّ والكَثِيرِ والكَبِيرِ والعالَمِ والشَّجَرِ.</p>
<p>فمَن خَلَقَ هَؤُلاءِ لا يُسْتَبعَدُ مِنه خَلْقُ هذِه، إذِ المُحاطاتُ كالأَمثِلةِ المَكتُوبةِ المُصَغَّرةِ، أو كالنُّقَطِ المَحلُوبةِ المُعَصَّرةِ.. فلا بُدَّ بالضَّرُورةِ أن يَكُونَ المُحِيطُ في قَبْضةِ تَصَرُّفِ خالِقِ المُحاطِ، لِيُدْرِجَ مِثالَ المُحِيطِ في المُحاطاتِ بِدَساتِيرِ عِلمِه، وأن يَعْصُرَها مِنه بِمَوازِينِ حِكْمَتِه.. فالقُدرةُ الَّتي أَبرَزَت هاتِيكَ الجُزئيّاتِ لا يَتَعسَّرُ علَيْها إِبرازُ تاكَ الكُلِّيّاتِ.</p>
<p>فكما أنَّ <strong>نُسخةَ قُرآنِ الحِكْمةِ</strong> المَكتُوبةَ على الجَوهَرِ الفَردِ بِذَرّاتِ الأَثِيرِ لَيسَت بِأَقَلَّ جَزالةً مِن <strong>نُسْخةِ قُرآنِ العَظَمةِ</strong> المَكتُوبةِ على صَحائِفِ السَّماواتِ بِمِدادِ النُّجُومِ والشُّمُوسِ، كذَلِك لَيسَتْ خِلْقةُ نَحْلةٍ ونَمْلةٍ بِأقَلَّ جَزالةً مِن خِلقةِ النَّخلةِ والفِيلِ؛ ولا صَنْعةُ وَردِ الزَّهْرةِ بِأَقَلَّ جَزالةً مِن صَنْعةِ دُرِّيِّ نَجمِ الزُّهْرةِ.. وهكَذا فقِسْ.</p>
<p>فكَما أنَّ غايةَ كَمالِ السُّهُولةِ في إِيجادِ الأَشياءِ أَوْقَعَتْ أَهلَ الضَّلالةِ في الْتِباسِ التَّشكِيلِ بالتَّشَكُّلِ المُستَلزِمِ لِلمُحالاتِ الخُرافِيّةِ الَّتي تَمُجُّها العُقُولُ، بَل تَتَنَفَّرُ عَنْها الأَوْهامُ؛ كَذلِك أَثْبَتَتْ بِالقَطْعِ والضَّرُورةِ لِأَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ تَساوِيَ السَّيّاراتِ مَعَ الذَّرّاتِ بالنِّسبةِ إلى قُدْرةِ خالِقِ الكائِناتِ.</p>
<p style="text-align: center;">جَلَّ جَلالُه وعَظُمَ شأنُه ولا إِلٰهَ إلّا هُوَ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة السادسة: مشهد العدل والميزان]</h3>
<p><strong>المَرتَبةُ السّادسةُ</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup><strong>: </strong></p>
<p>جَلَّ جَلالُه وعَظُمَ شَأْنُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلمًا، إذ هُوَ العادِلُ الحَكِيمُ القادِرُ العَلِيمُ الواحِدُ الأَحَدُ السُّلطانُ الأَزَليُّ الَّذي هذِه العَوالِمُ كُلُّها في تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظامِه ومِيزانِه وتَنْظِيمِه وتَوزِينِه وعَدْلِه وحِكْمَتِه وعِلمِه وقُدرَتِه، ومَظهَرُ سِرِّ واحِدِيَّتِه وأَحَديَّتِه بِالحَدْسِ الشُّهُوديِّ بَل بِالمُشاهَدةِ، إذْ لا خارِجَ في الكَونِ مِن دائِرةِ النِّظامِ والمِيزانِ والتَّنظِيمِ والتَّوزِينِ، وهُما بابانِ مِنَ &#8220;الإِمامِ المُبِينِ&#8221; و&#8221;الكِتابِ المُبِينِ&#8221;، وهُما عُنوانانِ لِعِلمِ العَلِيمِ الحَكِيمِ وأَمْرِه وقُدْرةِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ وإِرادَتِه.. فذَلِك النِّظامُ مَعَ ذلك المِيزانِ، في ذلك الكِتابِ مَعَ ذلك الإِمامِ بُرهانانِ نَيِّرانِ لِمَن لَه في رَأسِه إذعانٌ، وفي وَجْهِه العَينانِ، أنْ لا شَيْءَ مِنَ الأَشياءِ في الكَونِ والزَّمانِ يَخرُجُ مِن قَبْضةِ تَصَرُّفِ رَحمٰنٍ، وتَنْظِيمِ حَنّانٍ، وتَزيِينِ مَنّانٍ، وتَوزِينِ دَيّانٍ.</p>
<p><strong>الحاصِلُ</strong>: أنَّ تَجَلِّيَ الِاسمِ &#8220;الأَوَّلِ والآخِرِ&#8221; في الخَلّاقِيّةِ، النّاظِرَينِ إلى المَبدَأِ والمُنتَهَى والأَصلِ والنَّسلِ والماضِي والمُستَقبَلِ والأَمرِ والعِلمِ، مُشِيرانِ إلى &#8220;الإِمامِ المُبِينِ&#8221;؛ وتَجَلِّيَ الِاسمِ &#8220;الظّاهِرِ والباطِنِ&#8221; على الأَشياءِ في ضِمنِ الخَلّاقِيّةِ يُشِيرانِ إلى &#8220;الكِتابِ المُبِينِ&#8221;.</p>
<p>فالكائِناتُ كشَجَرةٍ عَظِيمةٍ، وكُلُّ عالَمٍ مِنها أَيضًا كالشَّجَرةِ.. فنُمَثِّلُ شَجَرةً جُزئِيّةً لِخِلقةِ الكائِناتِ وأَنواعِها وعَوالِمِها؛ وهَذِه الشَّجَرةُ الجُزئِيّةُ لها أَصلٌ ومَبدَأٌ وهُوَ النَّواةُ الَّتي تَنبُتُ عَلَيْها، وكَذا لها نَسْلٌ يُدِيمُ وَظِيفَتَها بَعدَ مَوتِها وهُوَ النَّواةُ في ثَمَراتِها.</p>
<p>فالمَبدَأُ والمُنتَهَى مَظْهَرانِ لِتَجَلِّي الِاسمِ &#8220;الأَوَّلِ والآخِرِ&#8221;، فكَأنَّ المَبدَأَ والنَّواةَ الأَصلِيّةَ بِالِانتِظامِ والحِكمةِ، فِهرِستةٌ وتَعرِفةٌ مُرَكَّبةٌ مِن مَجمُوعِ دَساتِيرِ تَشَكُّلِ الشَّجَرةِ.. والنَّواتاتِ في ثَمَراتِها الَّتي في نِهاياتِها مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ &#8220;الآخِرِ&#8221;. فتِلك النَّواتاتُ في الثَّمَراتِ بِكَمالِ الحِكْمةِ، كأنَّها صُنَيدِقاتٌ صَغِيرةٌ أُودِعَتْ فيها فِهرِستةٌ وتَعرِفةٌ لتَشَكُّلِ ما يُشابِه تِلك الشَجَرةَ، وكأنَّها كُتِبَ فيها بِقَلَمِ القَدَرِ دَساتِيرُ تَشكُّلِ شَجَراتٍ آتِيةٍ.</p>
<p>وظاهِرُ الشَّجَرةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ &#8220;الظَّاهِرِ&#8221;، فظاهِرُها بِكَمالِ الِانتِظامِ والتَّزيِينِ والحِكمةِ، كأنَّها حُلّةٌ مُنتَظَمةٌ مُزَيَّنةٌ مُرَصَّعةٌ قد قُدَّتْ على مِقدارِ قامَتِها بِكَمالِ الحِكمةِ والعِنايةِ.</p>
<p>وباطِنُ تِلك الشَّجَرةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ &#8220;الباطِنِ&#8221;، فبِكَمالِ الِانتِظامِ والتَّدبِيرِ المُحَيِّرِ للِعُقُولِ، وتَوزِيعِ مَوادِّ الحَياةِ إلى الأَعضاءِ المُختَلِفةِ بِكَمالِ الِانتِظامِ، كأنَّ باطِنَ تِلك الشَّجَرةِ ماكِينةٌ خارِقةٌ في غايةِ الِانتِظامِ والِاتِّزانِ.</p>
<p>فكَما أنَّ أَوَّلَها تَعرِفةٌ عَجِيبةٌ، وآخِرَها فِهرِستةٌ خارِقةٌ تُشِيرانِ إلى &#8220;الإِمامِ المُبِينِ&#8221;؛ كذَلِك إنَّ ظاهِرَها كحُلّةٍ عَجِيبةِ الصَّنْعةِ، وباطِنَها كَماكِينةٍ في غايةِ الِانتِظامِ، تُشِيرانِ إلى &#8220;الكِتابِ المُبِينِ&#8221;.</p>
<p>فكَما أنَّ القُوَّاتِ الحافِظاتِ في الإِنسانِ تُشِيرُ إلى &#8220;اللَّوحِ المَحفُوظِ&#8221; وتَدُلُّ عَلَيهِ، كَذلِك إنَّ النَّواتاتِ الأَصلِيّةَ والثَّمَراتِ تُشِيرانِ في كُلِّ شَجَرةٍ إلى &#8220;الإِمامِ المُبِينِ&#8221;؛ و&#8221;الظَّاهِرُ والباطِنُ&#8221; يَرمُزانِ إلى &#8220;الكِتابِ المُبِينِ&#8221;، فقِسْ على هذِه الشَّجَرةِ الجُزئِيّةِ شَجَرةَ الأَرضِ بِماضِيها ومُستَقبَلِها، وشَجَرةَ الكائِناتِ بِأوائِلِها وآتِيها، وشَجَرةَ الإِنسانِ بِأَجْدادِها وأَنسالِها. وهَكَذا&#8230;</p>
<p style="text-align: center;">جَلَّ جَلالُ خالِقِها ولا إِلٰهَ إلّا هُوَ!</p>
<p>يا كَبِيرُ أنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِوَصفِ عَظَمَتِه، ولا تَصِلُ الأَفْكارُ إلى كُنْهِ جَبَرُوتِه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرتبة السابعة: مشهد القدرة والقَدَر]</h3>
<p><strong>المَرتَبةُ السّابعةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدرةً وعِلمًا، إذ هُوَ<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup> الخَلّاقُ الفَتّاحُ الفَعّالُ العَلّامُ الوَهّابُ الفَيّاضُ شَمسُ الأزَلِ الَّذي هذِه الكائِناتُ بِأنواعِها ومَوجُوداتِها ظِلالُ أَنوارِه، وآثارُ أَفعالِه، وأَلوانُ نُقُوشِ أَنواعِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه، وخُطُوطُ قَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه، ومَرايا تَجَلِّياتِ صِفاتِه وجَمالِه وجَلالِه وكَمالِه..</p>
<p>بِإجماعِ الشَّاهِدِ الأَزَليِّ بِجَمِيعِ كُتُبِه وصُحُفِه وآياتِه التَّكوِينيّةِ والقُرآنيّةِ..</p>
<p>وبإِجماعِ الأَرضِ مَعَ العالَمِ بِافتِقاراتِها واحتِياجاتِها في ذاتِها وذَرّاتِها مَعَ تَظاهُرِ الغَناءِ المُطلَقِ والثَّروةِ المُطلَقةِ عَلَيْها..</p>
<p>وبإِجماعِ كُلِّ أَهلِ الشُّهُودِ مِن ذَوِي الأَرواحِ النَّـيِّرةِ والقُلُوبِ المُنَوَّرةِ والعُقُولِ النُّورانيّةِ مِنَ الأنبِياءِ والأولِياءِ والأَصفياءِ بِجَمِيعِ تَحقِيقاتِهِم وكُشُوفاتِهِم وفُيُوضاتِهِم ومُناجاتِهِم..</p>
<p>قَدِ اتَّفَقَ الكُلُّ مِنهُم، ومِنَ الأَرضِ والأَجرامِ العُلوِيّةِ والسُّفلِيّةِ بِما لا يُحَدُّ مِن شَهاداتِهِمُ القَطْعِيّةِ وتَصدِيقاتِهِمُ اليَقِينيّةِ بِقَبُولِ شَهاداتِ الآياتِ التَّكْوِينيّةِ والقُرآنيّة، وشَهاداتِ الصُّحُفِ والكُتُبِ السَّماوِيّة، الَّتي هيَ شَهادةُ الواجِبِ الوُجُودِ، على أنَّ هذِه المَوجُوداتِ آثارُ قُدْرَتِه ومَكْتُوباتُ قَدَرِه ومَرايا أَسمائِه وتَمَثُّلاتُ أَنوارِه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>جَلَّ جَلالُه ولا إِلٰهَ إلّا هُو.</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الأَيْس: أي مَوجُود. واللَّيْس: أي: عدمٌ صِرف.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه المَرتَبةُ الثّالثةُ تَأخُذ بعَينِ الِاعتِبارِ زَهرةً جُزئيّةً وحَسناءَ جَمِيلةً، فالرَّبيعُ الزّاهرُ كتلك الزَّهرةِ والجَنّةُ العَظِيمةُ مِثلُها، إذ هُما مَظهَرانِ مِن مَظاهِرِ تلك المَرتَبةِ، كما أنَّ العالَمَ إِنسانٌ جَمِيلٌ وعَظِيمٌ، وكذا الحُورُ العِينُ والرُّوحانيّاتُ وجِنسُ الحَيَوانِ وصِنفُ الإِنسانِ.. كلٌّ مِنها كأنَّه في هَيْئةِ إِنسانٍ جَمِيلٍ يَعكِسُ بصَفَحاتِه هذه الأَسماءَ الَّتي تَعكِسُها هذه المَرتَبةُ.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد وُضِّحَت هذه المَرتَبةُ في ذَيلِ المَوقِفِ الأوَّلِ مِنَ &#8220;الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِينَ&#8221;، وفي المَقامِ الثّاني مِنَ &#8220;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221;.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لو كُتِبَت هذه المَرتَبةُ السّادِسةُ كسائِرِ المَراتِبِ لَطالَت جِدًّا، لِأنَّ &#8220;الإِمامَ المُبِينَ&#8221; و&#8221;الكِتابَ المُبِينَ&#8221; لا يُمكِنُ بَيانُهُما باختِصارٍ، وحيثُ إنَّنا ذَكَرْنا نُبذةً مِنهُما في &#8220;الكَلِمةِ الثَّلاثِينَ&#8221; فقد أَجمَلْنا هنا، إلّا أنَّنا سَرَدْنا بعضَ الإِيضاحاتِ أَثناءَ الدَّرسِ.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;يُمكِنُ الِانتِقالُ إلى المُسمَّى ذِي الجَلالِ والإِكرامِ إذا ما نُظِر بمِنظارِ هذه الأَسماءِ المُبارَكةِ إلى مَظاهِرِ الأَفعالِ والآثارِ الإِلٰهِيّةِ وَراءَ هذه المَوجُوداتِ.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b3%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2521</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الثامنة والعشرون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2585%25d9%2586%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 16 Apr 2025 09:09:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2517</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة تحتوي على مباحث إيمانية متنوعة تفسِّر بعض الآيات القرآنية وترفع بعض الإشكالات الواردة على الفهم] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة الثامنة والعشرون] &#160; اللمعة الثامنة والعشرون‌ نُشِرَت هذه الرِّسالةُ كامِلةً في مَجمُوعةِ &#8220;اللَّمَعات&#8221; بِاللُّغةِ العُثمانيّةِ، وقد أُدرِجَ هنا بَعضٌ مِنها.‌ [في تفسير: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة تحتوي على مباحث إيمانية متنوعة تفسِّر بعض الآيات القرآنية وترفع بعض الإشكالات الواردة على الفهم]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2518" aria-describedby="caption-attachment-2518" style="width: 735px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2518" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/4a85df22b3df055e56f384766dd4fc08.jpg" alt="الإِنسانُ مُغرَمٌ بالرِّزقِ كَثِيرًا، ويَتَوهَّمُ أنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، فلِأَجلِ دَفعِ هذا التَّوَهُّمِ، ولِكَيلا يُتَّخَذَ ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وتَحصُرُ الغايةَ مِنَ الخَلقِ في العُبُودِيّةِ للهِ، وأنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ -مِن حَيثُ الأَمرُ الإِلٰهِيُّ- عُبُودِيّةٌ للهِ أَيضًا." width="735" height="579" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/4a85df22b3df055e56f384766dd4fc08.jpg 735w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/4a85df22b3df055e56f384766dd4fc08-300x236.jpg 300w" sizes="(max-width: 735px) 100vw, 735px" /><figcaption id="caption-attachment-2518" class="wp-caption-text">الإِنسانُ مُغرَمٌ بالرِّزقِ كَثِيرًا، ويَتَوهَّمُ أنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، فلِأَجلِ دَفعِ هذا التَّوَهُّمِ، ولِكَيلا يُتَّخَذَ ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وتَحصُرُ الغايةَ مِنَ الخَلقِ في العُبُودِيّةِ للهِ، وأنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ -مِن حَيثُ الأَمرُ الإِلٰهِيُّ- عُبُودِيّةٌ للهِ أَيضًا.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الثامنة والعشرون]</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الثامنة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">نُشِرَت هذه الرِّسالةُ كامِلةً في مَجمُوعةِ &#8220;اللَّمَعات&#8221; بِاللُّغةِ العُثمانيّةِ، وقد أُدرِجَ هنا بَعضٌ مِنها.‌</p>
<h2 style="text-align: center;">[في تفسير: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>النُّـكتة الثانية</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾</strong></p>
<p>إنَّ ظاهِرَ مَعنَى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ -بِحَسَبِ ما وَرَد في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ- لا يُبيِّنُ الأُسلُوبَ الرَّفيعَ المُنسَجِمَ معَ بَلاغةِ القُرآنِ المُعجِزةِ؛ لِذا كانَ يَشغَلُ فِكرِي في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيانِ.. <strong>فنُبيِّنُ ثَلاثةَ أَوجُهٍ إِجمالًا</strong>، مِن بَينِ المَعانِي الجَمِيلةِ الرَّفيعةِ الَّتي ورَدَت مِن فَيضِ القُرآنِ الكَرِيمِ.</p>
<p><strong>الوَجهُ الأوَّلُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اللهَ سُبحانَه يُسنِدُ أَحيانًا إلى نَفسِه ما يُمكِنُ أن يَعُودَ إلى رَسُولِه الكَرِيمِ ﷺ مِن حالاتٍ، وذلك تَكرِيمًا له وتَشرِيفًا؛ فها هُنا كَذلِك، إذِ المَعنَى المُرادُ مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، لا بُدَّ أن يكُونَ الإِطعامَ والإِرزاقَ الَّذي يَعُودُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، أي إنَّ رَسُولي في أَدائِه مُهِمّةَ الرِّسالةِ وتَبلِيغِه العُبُودِيّةَ للهِ، لا يُرِيدُ مِنكُم أَجرًا ولا أُجرةً ولا جَزاءً ولا إِطعامًا.. وإلّا إن لم يَكُنِ المُرادُ هذا المَعنَى لَكانَ إِعلامًا لِمَعلُومٍ في مُنتَهَى البَداهةِ، مِمّا لا يَنسَجِمُ وبَلاغةَ القُرآنِ المُعجِزةَ.</p>
<p><strong>الوَجهُ الثَّاني:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>الإِنسانُ مُغرَمٌ بالرِّزقِ كَثِيرًا، ويَتَوهَّمُ أنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، فلِأَجلِ دَفعِ هذا التَّوَهُّمِ، ولِكَيلا يُتَّخَذَ ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وتَحصُرُ الغايةَ مِنَ الخَلقِ في العُبُودِيّةِ للهِ، وأنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ -مِن حَيثُ الأَمرُ الإِلٰهِيُّ- عُبُودِيّةٌ للهِ أَيضًا.</p>
<p>أمَّا إِحضارُ الرِّزقِ لِمَخلُوقاتِي ولِأَنفُسِكُم وأَهلِيكُم وحتَّى رِزقُ حَيَواناتِكُم، فأَنا الكَفِيلُ به، فأَنتُم لم تُخلَقُوا له، فكُلُّ ما يَخُصُّ الرِّزقَ والإِطعامَ يَخُصُّني أنا، وأنا الرَّزّاقُ ذُو القُوّةِ المَتِينُ.. فلا تَتْرُكُوا العِبادةَ بِهذِه الذَّرِيعةِ، فأَنا الَّذي أُرسِلُ رِزقَ مَن يَتَعلَّقُ بكُم مِن عِبادِي..</p>
<p>ولو لم يَكُن هذا المَعنَى هو المُرادَ، لَكانَ مِن قَبِيلِ إِعلامِ المَعلُومِ، لِأنَّ رِزقَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى وإِطعامَه مُحالٌ بَدِيهِيٌّ ومَعلُومٌ واضِحٌ.. وهُنالِك قاعِدةٌ مُقرَّرةٌ في عِلمِ البَلاغةِ تُفِيدُ: <strong>إنْ كانَ مَعنَى الكَلامِ مَعلُومًا وبَدِيهِيًّا، فلا يكُونُ هذا المَعنَى مُرادًا، بلِ المُرادُ لازِمُه أو تابِعٌ مِن تَوابِعِه</strong>.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: إنْ قُلتَ لِأَحَدِهِم وهُو حافِظٌ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ: أنت حافِظٌ. فهذا الكَلامُ إِعلامٌ بما هو مَعلُومٌ لَدَيْه، فإِذًا المُرادُ مِنه هو: إِنَّني أَعلَمُ أنَّك حافِظٌ لِلقُرآنِ، أي: أُعلِمُه بما لا يَعلَمُه، وهُو عِلمِي أنَّه حافِظٌ لِلقُرآنِ.</p>
<p>فبِناءً على هذه القاعِدةِ يكُونُ مَعنَى الآيةِ الَّتي هي كِنايةٌ عن نَفيِ رِزقِ اللهِ وإِطعامِه هو: إنَّكُم لم تُخلَقُوا لِإِيصالِ الرِّزقِ إلى مَخلُوقاتِي الَّتي تَعَهَّدتُ أنا برِزقِهِم، فالرِّزقُ أنا به زَعِيمٌ؛ فواجِبُكُمُ الأَساسُ هو العُبُودِيّةُ، والسَّعيُ على وَفقِ أَوامِرِي لِلحُصُولِ على الرِّزقِ، هو بذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ.</p>
<p><strong>الوَجهُ الثَّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ المَعنَى الظَّاهِرِيَّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ في سُورةِ الإِخلاصِ، مَعلُومٌ وبَدِيهِيٌّ؛ فيكُونُ المَقصُودُ لَازِمًا مِن لَوازِمِ ذلك المَعنَى، أي: أنَّ الَّذِينَ لَهُم والِدةٌ ووَلَدٌ لا يكُونُونَ إِلٰهًا قَطْعًا.</p>
<p>فيَقضِي سُبحانَه وتَعالَى بقَولِه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ الَّذي هو بَدِيهِيٌّ ومَعلُومُ ويَعنِي أنَّه أَزَليٌّ وأَبدِيٌّ، لِأَجلِ نَفيِ الأُلُوهِيّةِ عن سَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام وعُزَيرٍ عَلَيهِ السَّلَام والمَلائِكةِ والنُّجُومِ والمَعبُوداتِ الباطِلةِ.</p>
<p>فكَما أنَّ هذه الآيةَ هكَذا، فهُنا أَيضًا يكُونُ مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾: أنَّ كلَّ ما يُرزَقُ ويُطعَمُ وله استِعدادٌ لِلرِّزقِ والإِطعامِ لا يُمكِنُ أن يكُونَ إِلٰهًا، فلا تَلِيقُ الأُلُوهِيّةُ بمَن هو مُحتاجٌ إلى الرِّزقِ والإِطعامِ.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[في تفسير: أو هم قائلون]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾</strong></p>
<p>لَقدِ اهتَمَّ &#8220;رَأفَت&#8221; بمَعنَى كَلِمةِ ﴿قَائِلُونَ﴾ الوارِدةِ في الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فكُتِبَ هذا البَحثُ لِمُناسَبةِ استِفسارِه عنها، ولِئَلّا يُعَطِّلَ قلَمَه الأَلماسِيَّ بما يُصِيبُه مِنِ خُمُولٍ في الجِسمِ بسَبَبِ نَومِه بعدَ صَلاةِ الفَجرِ كالآخَرِينَ مَعَه في السِّجنِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النوم على ثلاثة أنواع]</h3>
<p>النَّومُ على أَنواعٍ ثَلاثةٍ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[الغيلولة]</h4>
<p><strong>الأوَّلُ: الغَيلُولةُ</strong>: وهِي <strong>النَّومُ بعدَ الفَجرِ حتَّى انتِهاءِ وَقتِ الكَراهةِ</strong>.</p>
<p>هذا النَّومُ مُخالِفٌ لِلسُّنّةِ المُطَهَّرةِ، إذ يُورِثُ نُقصانَ الرِّزقِ، وزَوالَ بَرَكتِه، كما هو وارِدٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ حَيثُ إنَّ أَفضَلَ وَقتٍ لِتَهيِئةِ مُقدِّماتِ السَّعيِ لِكَسبِ الرِّزقِ هو في الجَوِّ اللَّطِيفِ، عَقِبَ الفَجرِ؛ ولكِن بعدَ مُضِيِّه يَطرَأُ على الإِنسانِ خُمُولٌ وانحِلالٌ، مِمّا يَضُرُّ بسَعيِه في ذلك اليَومِ، وبِدَورِه يَضُرُّ بالرِّزقِ، كما يُسَبِّبُ زَوالَ بَرَكتِه.. وقد ثَبَت هذا بتَجارِبَ كَثِيرةٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الفيلولة]</h4>
<p><strong>الثَّاني: الفَيلُولةُ</strong>: <strong>وهِي النَّومُ بعدَ صَلاةِ العَصرِ حتَّى المَغرِبِ</strong>، هذا النَّومُ يُسبِّبُ نُقصانَ العُمُرِ، أي: يَتَناقَصُ عُمُرُ الإِنسانِ مادِّيًّا في اليَومِ الَّذي يَشُوبُه النَّومُ المُوَرِّثُ لِلغَفْلةِ، إذْ يَبدُو ذلك اليَومُ قَصِيرًا ناقِصًا مِثلَما يكُونُ قَضاءُ وَقتِ العَصرِ بالنَّومِ في حُكمِ عَدَمِ رُؤيةِ نَتائِجَ مَعنَوِيّةٍ لِذَلِك اليَومِ، تلك النَّتائِجِ الَّتي تَتَظاهَرُ على الأَغلَبِ في ذلك الوَقتِ.. فيكُونُ الإِنسانُ كأنَّه لم يَعِشْ ذلك اليَومَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[القيلولة]</h4>
<p><strong>الثَّالثُ: القَيلُولةُ</strong>: وهي <strong>سُنّةٌ نَبوِيّةٌ شَرِيفةٌ</strong>، ويَبدَأُ وَقتُها <strong>مِنَ الضُّحَى إلى ما بَعدَ الظُّهرِ بقَلِيلٍ؛</strong> ومعَ كَونِ هذا النَّومِ مِنَ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ، فإنَّه <strong>يُعِينُ على قِيامِ اللَّيلِ</strong>، وقد رَسَّخَت هذه السُّنّةُ النَّبوِيّةُ ما اعتادَ علَيْه أَهلُ الجَزِيرةِ العَرَبيّةِ مِن تَعطِيلٍ نِسبِيٍّ لِلأَعمالِ عِندَ اشتِدادِ الحَرِّ مِنَ الظُّهرِ حَسَبَ مُحِيطِهِم؛ <strong>وهذا النَّومُ يُطِيلُ العُمُرَ ويَزِيدُ الرِّزقَ</strong>، لِأنَّ <strong>نِصفَ ساعةٍ مِنَ القَيلُولةِ يُعادِلُ ساعَتَينِ مِن نَومِ اللَّيلِ</strong>، أي: إنَّه يَزِيدُ عُمُرَ يَومِه ساعةً ونِصفَ السّاعةِ، ويُنقِذُ ساعةً ونِصفَ السَّاعةِ أَيضًا مِنَ النَّومِ الَّذي هو صِنْوُ المَوتِ، ويُحيِيها بتَزيِيدِ وَقتِ عَمَلِه كَسْبًا لِلرِّزقِ، فيُطِيلُ زَمَنَ السَّعيِ والعَمَلِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[من معاني الصلاة على النبي ﷺ]</h2>
<p>وهذه خاطرة جميلة‌</p>
<p>حِينَما كُنتُ أَقرَأُ جُملةَ &#8220;<strong>أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ</strong>&#8221; عَقِبَ الصَّلاةِ، تَراءَت لي مِن بَعِيدٍ خاطِرةٌ لَطِيفةٌ انكَشَفَت مِن تلك الصَّلَواتِ، إلّا أنَّني لم أَتمَكَّن مِنِ اقتِناصِها كامِلةً، ولكِن سأُشِيرُ إلى بَعضِ جُمَلِها:</p>
<p>رَأَيتُ أنَّ <strong>عالَمَ اللَّيلِ</strong> شَبِيهٌ بمَنزِلٍ جَدِيدٍ يُفتَحُ لِدارِ الدُّنيا.. دَخَلتُ ذلك العالَمَ في صَلاةِ العِشاءِ، ومِنِ انبِساطٍ فَوقَ العادةِ لِلخَيالِ وبحُكمِ ارتِباطِ ماهِيّةِ الإِنسانِ معَ الدُّنيا قاطِبةً، رَأَيتُ أنَّ هذه الدُّنيا العَظِيمةَ قد أَصبَحَت في ذلك اللَّيلِ مَنزِلًا صَغِيرًا جِدًّا حتَّى لا يَكادُ يُرَى ما فيه مِن بَشَرٍ وذَوِي حَياةٍ؛ ورَأَيتُ -خَيالًا- أنْ <strong>ليس هُنالِك مَن يُنوِّرُ ذلك المَنزِلَ إلَّا الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لِلرَّسُولِ ﷺ</strong> حتَّى امتَلَأَت أَرجاؤُه بَهْجةً وأُنسًا وسُرُورًا.</p>
<p>وكَما يَبدَأُ الشَّخصُ بالسَّلامِ عِندَ دُخُولِه المَنزِلَ، كَذلِك وَجَدتُ في نَفسِي شَوْقًا هائِلًا ورَغبةً جَيَّاشةً إلى القَولِ: أَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ الله<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>..</p>
<p>ومِن هُنا وَجَدتُ نَفسِي <strong>كأنَّني أُسَلِّمُ علَيْه بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ</strong>، وأُعبِّرُ بسَلامِي هذا عن <strong>تَجدِيدِ البَيعةِ له والرِّضا برِسالَتِه وقَبُولِها مِنه وإِطاعةِ القَوانِينِ الَّتي أَتَى بها، والتَّسلِيمِ لِأَوامِرِه وسَلامَتِه مِن بَلايانا</strong>..</p>
<p>أي كأنَّني أُقدِّمُ هذا السَّلامَ -ناطِقًا بتلك المَعانِي- بِاسمِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ عالَمِي وهُم ذَوُو الشُّعُورِ مِن جِنٍّ وإِنسٍ، وجَمِيعِ المَخلُوقاتِ.</p>
<p>وكَذا، فإنَّ ما جاءَ به مِنَ النُّورِ العَظِيم والهَدِيّةِ الغالِيةِ يُنَوِّرُ عالَمِي الخاصَّ هذا كما يُنَوِّرُ العالَمَ الخاصَّ لِكُلِّ أَحَدٍ في هذه الدُّنيا، فيُحَوِّلُ عالَمَنا إلى عالَمٍ زاخِرٍ بالنِّعَمِ. فقُلتُ تِجاهَ هذه النِّعمةِ الهائِلةِ: &#8220;<strong>اللَّهُمَّ أَنزِل أَلفَ صَلاةٍ علَيْه</strong>&#8221; عَلَّها تكُونُ <strong>شُكرانًا وعِرْفانًا لِلجَمِيلِ على ذلك النُّورِ الحَبِيبِ والهَدِيّةِ الغالِيةِ</strong>، إذ إِنَّنا <strong>لا نَستَطِيعُ أن نَرُدَّ جَمِيلَه وإِحسانَه إلَيْنا أَبدًا</strong>، فأَظهَرْنا تَضَرُّعَنا إلى اللهِ جَلَّ وعَلا بالدُّعاءِ والتَّوَسُّلِ كي يُنزِلَ مِن خَزائِنِ رَحمَتِه رَحمةً علَيْه بعَدَدِ أَهلِ السَّماواتِ جَمِيعًا.. <strong>هكذا أَحسَسْتُ خَيالًا</strong>.</p>
<p>فهُو ﷺ يَطلُبُ &#8220;<strong>صَلاةً</strong>&#8221; بمَعنَى الرَّحمةِ مِن حَيثُ إنَّه &#8220;<strong>عَبدٌ</strong>&#8221; ومُتَوجِّهٌ مِنَ الخَلقِ إلى الحَقِّ سُبحانَه.</p>
<p>ويَستَحِقُّ &#8220;<strong>السَّلامَ</strong>&#8221; مِن حَيثُ إنَّه &#8220;<strong>رَسُولٌ</strong>&#8221; مِنَ الحَقِّ سُبحانَه إلى الخَلقِ.</p>
<p>وكما أنَّنا نَرفَعُ إلَيْه سَلامًا بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ، ونُجَدِّدُ له البَيعةَ العامّةَ بعَدَدِها أَيضًا، فإنَّه ﷺ يَستَحِقُّ أَيضًا صَلاةً مِن خَزائِنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ بعَدَدِ أَهلِ السَّماواتِ، وبِاسمِ كلِّ واحِدٍ مِنهُم، ذلك لِأنَّ النُّورَ الَّذي جاءَ به هو الَّذي يُظهِرُ كَمالَ كلِّ شَيءٍ في الوُجُودِ، ويُبْرِزُ قِيمةَ كلِّ مَوجُودٍ، وتُشاهَدُ به الوَظِيفةُ الرَّبّانيّةُ لِكُلِّ مَخلُوقٍ، وتَتَجلَّى به المَقاصِدُ الإِلٰهِيّةُ مِن كلِّ مَصنُوعٍ.. لِذلِك لو كانَ لِكُلِّ شَيءٍ لِسانٌ لَكانَ يُرَدِّدُ قَولًا كما يُرَدِّدُ حالًا: الصَّلاةُ والسَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ.. فنَحنُ بدَوْرِنا نقُولُ بَدَلًا عنِ المَخلُوقاتِ كافّةً:</p>
<p style="text-align: center;">﴿أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيك يا رَسُولَ اللهِ، بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ، وبعَدَدِ المَلَكِ والنُّجُومِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿فيَكْفِيكَ أنَّ اللهَ صَلَّى بنَفْسِه وأَمْلاكَهُ صَلَّتْ عَلَيْه وسَلَّمَتْ﴾</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول وحدة الوجود]</h2>
<p>أَخِي العَزِيزَ:‌</p>
<p>تَطلُبُونَ شَيئًا مِنَ الإِيضاحِ حَولَ &#8220;<strong>وَحْدةِ الوُجُودِ</strong>&#8220;، ففي إِحدَى لَمَعاتِ &#8220;المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ&#8221; جَوابٌ شافٍ وقَوِيٌّ واضِحٌ إِزاءَ رَأيِ &#8220;مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ&#8221; في هذه المَسأَلةِ.</p>
<p>أمَّا هُنا فنَكتَفِي بهذا القَدْرِ ونقُولُ: إنَّ تَلقِينَ مَسأَلةِ &#8220;وَحْدةِ الوُجُودِ&#8221; في الوَقتِ الحاضِرِ لِلنّاسِ يَضُرُّهُم ضَرَرًا بالِغًا، إذ كما أنَّ التَّشبِيهاتِ والتَّمثِيلاتِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> إذا خَرَجَت مِن أَيدِي الخَواصِّ ودَخَلَت أَيدِيَ العَوامِّ وسَرَت مِن يَدِ العِلمِ إلى يَدِ الجَهلِ تُتَلَقَّى حَقائِقَ؛ كَذلِك حَقائِقُ وَحْدةِ الوُجُودِ وأَمثالُها مِنَ الحَقائِقِ العالِيةِ، إذا ما دَخَلَت بينَ العَوامِّ الغافِلِينَ السّارِحِينَ في تَأثِيرِ الأَسبابِ، يَتَلقَّونَها &#8220;طَبِيعةً&#8221;، وتُولِّدُ ثَلاثَ مَضارَّ مُهِمّةٍ.</p>
<p><strong>الأوَّلُ</strong>: أنَّ مَشرَبَ وَحْدةِ الوُجُودِ، معَ أنَّه في حُكمِ إِنكارِ وُجُودِ الكائِناتِ إِزاءَ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه، إلَّا أنَّه كُلَّما دَخَل بينَ العَوامِّ يَمضِي بهم إلى أن يَصِلَ في فِكرِ الغافِلِينَ مِنهُم -ولا سِيَّما المُلَوَّثينَ بالمادِّيّاتِ- إلى إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ إِزاءَ الكَونِ والمادِّيّاتِ.</p>
<p><strong>الثَّاني</strong>: أنَّ مَشرَبَ وَحْدةِ الوُجُودِ، يَرُدُّ رَدًّا شَدِيدًا رُبُوبيّةَ ما سِوَى اللهِ تَعالَى، حتَّى إنَّه يُنكِرُ ما سِواه تَعالَى ويَرفَعُ الثُّنائيّةَ، فلا يَرَى وُجُودًا مُستَقِلًّا لِلنَّفسِ الأَمّارةِ ولا لِأَيِّ شَيءٍ كانَ، ولكِن في هذا الزَّمانِ الَّذي استَوْلَت فيه مَفاهِيمُ الطَّبِيعةِ وتَفَرعَنَت نُفُوسٌ أَمّارةٌ وبخاصّةٍ مَن له استِعدادٌ لِيَتَّخِذَ نَفسَه مَعبُودَه مِن دُونِ اللهِ، ونَفَخَ الغُرُورُ والأَنانيّةُ في أَوْداجِه، فَضْلًا عن نِسيانِ الخالِقِ والآخِرةِ إلى حَدٍّ مّا.. فتَلقِينُ هَؤُلاءِ وَحْدةَ الوُجُودِ يُطْغِي نُفُوسَهُم حتَّى لا يَسَعَها شَيءٌ، والعِياذُ باللهِ.</p>
<p><strong>الثّالثُ</strong>: أنَّه <strong>يُورِثُ أَفكارًا وتَصَوُّراتٍ لا تَلِيقُ بوُجُوبِ وُجُودِ الذّاتِ الجَلِيلةِ</strong>، المُنَزَّهةِ المُبَرَّأةِ المُتَعالِيةِ المُقَدَّسةِ عنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ والتَّجَزُّؤِ والتَّحَيُّزِ، ولا تُلائِمُ تَنَزُّهَه وتَقَدُّسَه سُبحانَه بحالٍ؛ فيَكُونُ بذلك سَبَبًا لِتَلقِيناتٍ باطِلةٍ.</p>
<p>نعم، إنَّ مَن يَتَكلَّمُ عن وَحْدةِ الوُجُودِ، علَيْه أن يَعرُجَ فِكْرًا مِنَ الثَّرَى إلى الثُّرَيّا، تارِكًا الكائِناتِ وَراءَه ظِهْرِيًّا، مُحَدِّقًا بنَظَرِه إلى العَرشِ الأَعلَى، عادًّا الكائِناتِ مَعدُومةً في حالةِ الِاستِغراقِ، فيُمكِنُه أن يَرَى بقُوّةِ الإِيمانِ أنَّ كلَّ شَيءٍ مِنَ الواحِدِ الأَحَدِ سُبحانَه مُباشَرةً؛ وإلّا فإنَّ مَن يَقِفُ وَراءَ الكائِناتِ ويَنظُرُ إلَيْها ويَرَى الأَسبابَ أَمامَه ويَنظُرُ مِنَ الأَرضِ، فإنَّه يَحتَمِلُ أن يَغرَقَ في تَأثِيرِ الأَسبابِ ويَقَعَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ؛ بَينَما الَّذي يَعرُجُ فِكْرًا إلى العَرشِ كجَلالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ يَستَطِيعُ أن يقُولَ: &#8220;افْتَحْ سَمْعَك فإنَّك تَستَطِيعُ أن تَسمَعَ مِن كلِّ أَحَدٍ -كأنَّه حاكٍ فِطْرِيٌّ- ما تَسمَعُه مِنَ الحَقِّ تَعالَى&#8221;، وإلّا فمَن لا يَستَطِيعُ العُرُوجَ مِثلَه إلى هذه المَرتَبةِ الرَّفيعةِ ولا يَرَى المَوجُوداتِ مِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ على صُورةِ مَرايا (لِتَجَلِّياتِه)؟!</p>
<p>إن قُلتَ له: &#8220;أَصْغِ إلى كلِّ أَحَدٍ، تَسمَعْ مِنه كَلامَ اللهِ&#8221;، فإنَّه يُبتَلَى بتَصَوُّراتٍ باطِلةٍ مُخالِفةٍ لِلحَقِيقةِ كَمَن يَهوِي مَعنًى مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ما لِلتُّرابِ ولِرَبِّ الأَربابِ!</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبحانَ مَن تَقَدَّسَت عنِ الأَشباهِ ذاتُه، وتَنَزَّهَت عن مُشابَهةِ الأَمثالِ صِفاتُه، وشَهِدَ على رُبُوبيَّتِه آياتُه، جَلَّ جَلالُه ولا إِلٰهَ إلّا هُو﴾</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول مصطفى صبري وموسى باكوف]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>جواب عن سؤال</strong></p>
<p>لا يَسَعُنِي الوَقتُ الكافِي لِعَقدِ مُوازَنةٍ بينَ أَفكارِ كلٍّ مِن &#8220;<strong>مُصطَفَى صَبْرِي</strong>&#8221; و&#8221;<strong>مُوسَى باكُوف</strong>&#8220;، إلّا أنَّني أَكتَفِي بالقَولِ الآتِي:</p>
<p>إنَّ أَحَدَهُما قد أَفْرَط والآخَرَ يُفَرِّطُ.. فمَعَ أنَّ مُصطَفَى صَبْرِي مُحِقٌّ في دِفاعاتِه بالنِّسبةِ إلى &#8220;مُوسَى باكُوف&#8221;، إلّا أنَّه ليس له حَقُّ تَزيِيفِ شَخصِ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ الَّذي هو خارِقةٌ مِن خَوارِقِ العُلُومِ الإِسلامِيّةِ.</p>
<p>نعم، <strong>إنَّ مُحيِيَ الدِّينِ بنَ عَرَبيٍّ مُهتَدٍ ومَقبُولٌ، ولكِنَّه ليس بمُرشِدٍ ولا هادٍ وقُدوةٍ في جَمِيعِ كِتاباتِه،</strong> إذ يَمضِي غالِبًا دُونَ مِيزانٍ في الحَقائِقِ، فيُخالِفُ القَواعِدَ الثّابِتةَ لِأَهلِ السُّنّةِ، ويُفِيدُ بَعضُ أَقوالِه -ظاهِرًا- الضَّلالةَ غيرَ أنَّه بَرِيءٌ مِنَ الضَّلالةِ، إذِ الكَلامُ قد يَبدُو كُفرًا بظاهِرِه، إلّا أنَّ قائِلَه لا يكُونُ كافِرًا.</p>
<p><strong>فمُصطَفَى صَبْرِي</strong> لم يُراعِ هذه النِّقاطَ بنَظَرِ الِاعتِبارِ، ففَرَّط في بَعضِ النِّقاطِ لِتَعَصُّبِه لِقَواعِدِ أَهلِ السُّنّة، أمّا <strong>مُوسَى باكُوف</strong> فهُو يُخطِئُ كَثِيرًا بأَفكارِه الَّتي تُماشِي التَّمَدُّنَ والمُنحازةِ شَدِيدًا لِلتَّجَدُّدِ، إذ يُحَرِّفُ بعضَ الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ بتَأوِيلاتٍ خاطِئةٍ، ويَتَّخِذُ شَخْصًا مَردُودًا كأَبي العَلاءِ المَعَرِّي في مُستَوًى أَعلَى مِن عُلَماءِ الإِسلامِ المُحَقِّقِينَ، وقد غالَى كَثِيرًا لِانحِيازِه الشَّدِيدِ إلى تلك المَسائِلِ الَّتي خالَفَ فيها مُحيِي الدِّينِ أَهلَ السُّنّةِ والَّتي تَنسَجِمُ معَ أَفكارِه.</p>
<p>ولَقَد قال مُحيِي الدِّينِ: &#8220;<strong>تَحرُمُ مُطالَعةُ كُتُبِنا على مَن ليس مِنّا</strong>&#8220;، أي: على مَن لا يَعرِفُ مَقامَنا.</p>
<p>نعم، إنَّ قِراءةَ كُتُبِ مُحيِي الدِّينِ -ولا سِيَّما مَسائِلِه الَّتي تَبحَثُ في وَحْدةِ الوُجُودِ- مُضِرّةٌ في هذا الزَّمانِ.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ضَحِكٌ يدعو إلى البكاء!]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</p>
<p>عِندَما كُنتُ أَنظُرُ مِن نافِذةِ السِّجنِ إلى ضَحِكاتِ البَشَرِيّةِ المُبكِيةِ، في مِهرَجانِ اللَّيلِ البَهِيجِ، أَنظُرُ إلَيْها مِن خِلالِ عَدَسةِ التَّفكُّرِ في المُستَقبَلِ والقَلَقِ علَيْه، انكَشَف أَمامَ نَظَرِ خَيالي هذا الوَضعُ الَّذي أُبيِّنُه:</p>
<p>مِثلَما تُشاهَدُ في السِّينِما أَوْضاعُ الحَياةِ لِمَن هُمُ الآنَ راقِدُونَ في القَبرِ، كَأنَّني شاهَدتُ أَمامِي الجَنائِزَ المُتَحرِّكةَ لِمَن سيَكُونُونَ في المُستَقبَلِ القَرِيبِ مِن أَصحابِ القُبُورِ.. بَكَيتُ على أُولَئِك الضّاحِكِينَ الآنَ، فانتابَنِي شُعُورٌ بالوَحشةِ والأَلَمِ.. راجَعتُ عَقلِي، وسَأَلتُ عنِ الحَقِيقةِ قائِلًا: ما هذا الخَيالُ؟</p>
<p>قالَتِ الحَقِيقةُ: إنَّ خَمْسةً مِن كلِّ خَمسِينَ مِن هَؤُلاءِ البائِسِينَ الضّاحِكِينَ الآنَ والَّذِينَ يَمرَحُونَ في نَشْوةٍ وبَهْجةٍ سيَكُونُونَ كُهُولًا بعدَ خَمسِينَ عامًا، وقدِ انحَنَت مِنهُمُ الظُّهُورُ وناهَزَ العُمُرُ السَّبعِينَ، وإنَّ الخَمْسةَ والأَربَعِينَ الباقِينَ يَرِمُّونَ في القُبُورِ؛ فتِلك الوُجُوهُ المِلاحُ، وتلك الضَّحِكاتُ البَهِيجةُ، تَنقَلِبُ إلى أَضدادِها؛ وحَسَبَ قاعِدةِ &#8220;كلُّ آتٍ قَرِيبٌ&#8221; فإنَّ مُشاهَدةَ ما سيَأتِي كأنَّه آتٍ الآنَ تَنطَوِي على حَقِيقةٍ، فما شاهَدتُه إِذًا ليس خَيالًا.</p>
<p>فما دامَت ضَحِكاتُ الدُّنيا المُتَّسِمةُ بالغَفْلةِ مُؤَقَّتةً ومُعَرَّضةً لِلزَّوالِ، وهِي تَستُرُ مِثلَ هذه الأَحوالِ المُؤلِمةِ المُبكِيةِ، <strong>فلا بُدَّ أنَّ ما يَسُرُّ قَلبَ الإِنسانِ البائِسِ العاشِقِ لِلخُلُودِ، ويُفرِحُ رُوحَه الوَلْهانَ بعِشقِ البَقاءِ، هو ذلك اللَّهوُ البَرِيءُ والمُتعةُ النَّزِيهةُ وأَفراحٌ ومَسَرَّاتٌ تَخلُدُ مِن جِهةِ الثَّوابِ، ضِمنَ نِطاقِ الشَّرعِ، معَ أَداءِ الشُّكرِ بِاطمِئنانِ القَلبِ وحُضُورِه بَعِيدًا عنِ الغَفْلةِ</strong>؛ ولِئَلّا تَقْوَى الغَفْلةُ في النُّفُوسِ في الأَعيادِ، وتَدفَعَ الإِنسانَ إلى الخُرُوجِ عن دائِرةِ الشَّرعِ، وَرَد في الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ تَرغِيبٌ قَوِيٌّ وكَثِيرٌ في الشُّكرِ وذِكرِ اللهِ في تلك الأَيّامِ، وذلك لِتَنقَلِبَ نِعَمُ الفَرَحِ والسُّرُورِ إلى شُكرٍ يُدِيمُ تلك النِّعمةَ ويَزِيدُها، إذِ الشُّكرُ يَزِيدُ النِّعَمَ ويُزِيلُ الغَفْلةَ.</p>
<p style="text-align: left;">سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[في تفسير: إن النفس لأمَّارةٌ بالسوء]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p>نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، والحَدِيثِ الشَّرِيفِ: &#8220;أَعدَى أَعدائِك نَفسُك الَّتي بينَ جَنبَيْك&#8221;.‌</p>
<p>نعم، <strong>إنَّ الَّذي يُحِبُّ نَفسَه الأَمَّارةَ بالسُّوءِ غَيرَ المُزَكَّاةِ ويُعجَبُ بها، هو في الحَقِيقةِ لا يُحِبُّ أَحَدًا غَيرَها،</strong> وحتَّى لو أَبدَى لِلغَيرِ حُبًّا فلا يُحِبُّه مِن صَمِيمِ قَلبِه، بل رُبَّما يُحِبُّ مَنفَعَتَه ولَذَّتَه الَّتي يَراها عِندَه، ولِما يَتَوقَّعُ مِنه مِن مَتاعٍ؛ فهُو في مُحاوَلةٍ دائِمةٍ لِتَحبِيبِ نَفسِه لِلآخَرِينَ، وفي سَعيٍ مُتَواصِلٍ لِإِثارةِ إِعجابِهِم به، يَصرِفُ كلَّ قُصُورٍ عن نَفسِه فلا يُحَمِّلُها أيَّ نَقصٍ كانَ، بل يُدافِعُ دِفاعَ المُحامِي المُخلِصِ لِإِبراءِ ساحَتِها، ويَمدَحُها بمُبالَغاتٍ بل بِأَكاذِيبَ لِيُنزِّهَها عن كلِّ عَيبٍ أو قُصُورٍ، حتَّى يُقرِّبُها إلى التَّقدِيسِ، بل يَبلُغُ به الأَمرُ أن يكُونَ مِصداقَ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.</p>
<p>عِندَها تَتَوالَى علَيْه صَفَعاتُ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ حَسَبَ دَرَجَتِه، فيَنقَلِبُ مَدحُه إلى إِعراضِ النّاسِ عنه، ويَتَحوَّلُ تَحبِيبُ نَفسِه إلَيْهِم إلى استِثقالِهِم له، فيَجِدُ عَكْسَ ما كانَ يَرُومُ، فَضْلًا عن أنَّه <strong>يُضَيِّعُ الإِخلاصَ، لِما يَخلِطُ مِن رِياءٍ وتَصَنُّع في أَعمالِه الأُخرَوِيّةِ،</strong> فيَكُونُ مَغلُوبًا على أَمرِه أَمامَ شَهَواتِه وهَواه ومَشاعِرِه، تلك الَّتي لا تُبصِرُ العُقبَى ولا تُفكِّرُ في النَّتائِجِ، والمُغرَمةُ بالتَّلَذُّذِ الآنِيِّ.. بل قد تُبَـرِّرُ له أَهواؤُه الضّالّةُ أُمُورًا يَرتَكِبُها لِأَجلِ مُتعةٍ لا تَدُومُ ساعةً تُفضِي به أن يُلقَى في السِّجنِ لِسَنةٍ كامِلةٍ؛ وقد يُقاسِي عَشرَ سَنَواتٍ مِنَ الجَزاءِ العادِلِ لِأَجلِ تَسكِينِ رُوحِ الثَّأرِ لَدَيْه وشَهْوةِ الغُرُورِ الَّتي لا تَستَغرِقُ دَقِيقةً واحِدةً.</p>
<p>فيَكُونُ مَثَلُه كمَثَلِ ذلك الطِّفلِ الأَبلَهِ الَّذي لا يُقدِّرُ قِيمةَ جُزءِ المُصحَفِ الشَّرِيفِ الَّذي يَتلُوه ويَدرُسُه، فيَبِيعُه بقِطْعةِ حَلْوَى رَخِيصةٍ، إذ يَصرِفُ حَسَناتِه الَّتي هي أَغلَى مِنَ الأَلماسِ ويُبَدِّلُها بما يُشبِهُ في تَفاهَتِها قِطَعَ الزُّجاجِ، تلك هي حِسِّيّاتُه وهَواه وغُرُورُه.. فيَخسَرُ خَسارةً جَسِيمةً فيما كانَ يَنبَغِي له أن يَربَحَ رِبحًا عَظِيمًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿اللَّهُمَّ احْفَظْنا مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ﴾.</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[كيف يعاقَب على كفرٍ مؤقت بعذاب مؤبَّد؟]</h2>
<p><strong>سؤال: </strong>كيفَ يكُونُ البَقاءُ في سِجنِ جَهَنَّمَ بَقاءً خالِدًا جَزاءً عادِلًا لِكُفرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ؟</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: إنَّ القَتلَ الَّذي يَحصُلُ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ يُعاقَبُ علَيْه بسَبعِ مَلايِينَ وثَمانِ مِئةٍ وأَربَعٍ وثَمانِينَ أَلفًا مِنَ الدَّقائِقِ -على اعتِبارِ أنَّ السَّنةَ ثَلاثُ مِئةٍ وخَمسةٌ وسِتُّونَ يَومًا- فإِنْ كانَ هذا قانُونًا عَدْلًا، فالَّذي يَقضِي عِشرِينَ سَنةً مِن عُمُرِه في أَحضانِ الكُفرِ ويَمُوتُ علَيْه يَستَحِقُّ جَزاءً بمُقتَضَى هذا القانُونِ العادِلِ لِلبَشَرِ سِجْنًا يَدُومُ سَبعةً وخَمسِينَ ترِلْيُونًا وواحِدًا ومِئَتَيْ مِلْيارٍ ومِئَتَيْ مِليُونٍ مِنَ السِّنِينَ، باعتِبارِ أنَّ دَقِيقةً مِنَ الكُفرِ تُعادِلُ أَلفَ قَتلٍ؛ ويُمكِنُ أن يُفهَمَ مِن هذا وَجْهُ الِانسِجامِ معَ عَدالةِ قَولِه تَعالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.</p>
<p>إنَّ سِرَّ العَلاقةِ بَينَ العَدَدَينِ المُتَباعِدَينِ جِدًّا عن بَعضِهِما، هو أنَّ <strong>الكُفرَ والقَتلَ تَخرِيبٌ وتَعَدٍّ على الآخَرِينَ، ولَهُما تَأثِيرٌ في الآخَرِينَ، فالقَتلُ الَّذي يَحصُلُ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ يَسلُبُ خَمسَ عَشْرةَ سَنةً في الأَقَلِّ مِن حَياةِ المَقتُولِ، حَسَبَ ظاهِرِ الحالِ، لِذا يُسجَنُ القاتِلُ بَدَلًا مِنه.</strong></p>
<p>فدَقِيقةٌ واحِدةٌ في الكُفرِ الَّذي هو إِنكارٌ لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى وتَزيِيفٌ لِنُقُوشِها البَدِيعةِ، واعتِداءٌ على حُقُوقِ الكائِناتِ، وإِنكارٌ لِكَمالاتِها، وتَكذِيبٌ لِدَلائِلِ الوَحْدانيّةِ الَّتي لا تُحَدُّ ورَدٌّ لِشَهاداتِها.. تُلقِي بالكافِرِ في أَسفَلِ سافِلِينَ لِأَكثَرَ مِن أَلفِ سَنةٍ، فتَسجُنُه في قَولِه تَعالَى: ﴿خَالِدِينَ﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[توافقٌ لطيف]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>توافقٌ لطيف ذو مغزًى</strong></p>
<p>إنَّ المادّةَ (١٦٣) مِنَ القانُونِ الَّتي يُتَّهَمُ بمُوجَبِها طُلّابُ النُّورِ، ويُطالَبُ بها إِنزالُ العُقُوبةِ علَيْهِم. هذا الرَّقْمُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ النُّوّابِ الَّذِينَ وافَقُوا على لائِحةِ البَرلَمانِ الخاصّةِ بمَنحِ مِئةٍ وخَمسِينَ أَلفَ لَيرةٍ لِبِناءِ مَدرَسةِ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ، وقد كانُوا (١٦٣) نائِبًا مِن بَينِ (٢٠٠) نائِبًا في مَجلِسِ الأُمّةِ التُّركِيِّ.</p>
<p>هذا التَّوافُقُ يقُولُ مَعنًى: إنَّ تَواقِيعَ (١٦٣) نائِبًا مِن نُوّابِ حُكُومةِ الجُمهُورِيّةِ على وَجهِ التَّقدِيرِ والإِعجابِ بخِدمَتِه، يُبطِلُ حُكمَ المادّةِ (١٦٣) بحَقِّه.</p>
<p>وكذا مِن بَينِ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ ذاتِ المَغزَى: أنَّه كانَ القَبضُ على مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ وطُلّابِه واعتِقالُهُم في ٢٧/نَيسانَ/١٩٣٥، بَينَما كانَ قَرارُ المَحكَمةِ بحَقِّهِم في ١٩/آب/١٩٣٥، أي: بَعدَ (١١٥) يَومًا.. هذا الرَّقْمُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ كُتُبِ رَسائِلِ النُّورِ وهُو (١١٥) كِتابًا يَضُمُّ (١٢٨) رِسالةً. كما أنَّه يُوافِقُ عَدَدَ المُتَّهَمِينَ المِئةِ والخَمسةَ عَشَرَ مِن طُلّابِ النُّورِ الَّذِينَ استُجْوِبُوا واتُّهِمُوا.</p>
<p>فهذا التَّوافُقُ يَدُلُّ على أنَّ المُصِيبةَ الَّتي ابتُلِيَ بها مُؤلِّفُ رَسائِلِ النُّورِ وطُلّابُها، إنَّما تُنَظَّمُ بِيَدٍ مِنَ العِنايةِ (الإِلٰهِيّةِ)<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[كرامتان لرسائل النور]</h2>
<p>لَمّا كانَ الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ قد أَشارَ في مُقدِّمةِ هذه اللَّمْعةِ إلى رَسائِلِ النُّورِ، فإِنَّ أَحَدَ إِخوانِنا مِن شِدّةِ فَرَحِه وسُرُورِه قامَ بإِطلاقِ اسمِ &#8220;النُّور والأَلماس والجَواهِر&#8221; على رَسائِلِ النُّورِ، وذَكَر ذلك مَرَّاتٍ عِدّةً في رِسالَتِه، لِذا وَجَدْنا مِنَ المُناسِبِ إِدراجَها في نِهايةِ هذه اللَّمْعةِ:</p>
<p>كَيفَ يُمكِنُ لِطالِبٍ بَلَغ مَرتَبةَ التَّقوَى أن يُفارِق رَسائِلَ النُّورِ ويَتَخلَّى عن نُورِ أَلماساتِها الثَّمِينةِ حتَّى لو كانَ مَجنُونًا؟! لا أَظُنُّ أنَّ أَحَدًا حَظِي بكَرامةِ رَسائِلِ النُّورِ ونالَ مِن فَضلِها وذاقَ لَذائِذَها وجَنَى ثَمَراتِها الطَّيبةَ مِثلَ طالِبِكُمُ العاجِزِ هذا.</p>
<p>إِنَّني أَشكُر فَضِيلَتَكم على حُسنِ تَوَجُّهِكُم لِي أنا العَبدَ العاجِزَ رَغمَ عَدَمِ التِزامِي بخِدمةِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِناءً على هذا التَّوجُّهِ لا يُمكِنُني بل لا يُمكِنُ لِأَحَدٍ مِن طُلّابِكُم أن يُفارِقَ رَسائِلَ النُّورِ، وأن يَهجُرَ هذا الأَلماسَ وتلك اللَّذائِذَ المُبارَكةَ.</p>
<p>اسمَحُوا لي أن أَتَحدَّثَ عن <strong>ظُهُورِ كَرامَتَينِ لِرَسائِلِ النُّورِ</strong> أَثناءَ حَمْلةِ التَّفتِيشِ الأَخِيرةِ:</p>
[الكرامة الأولى:] عِندَما أَجْرَت قُوَى الأَمنِ والشُّرطةُ العَسكَرِيّةُ وحُرّاسُ السِّجنِ تَفتِيشًا دَقِيقًا داخِلَ السِّجنِ، قامَ ابنُ أُختِي -وهُو ابنُ سَبعٍ أو ثَمانِ سَنَواتٍ- في تلك الأَثناءِ ودُونَ أن يَراه أَحَدٌ بوَضْعِ نُسَخِ رَسائِلِ النُّورِ في حَقِيبَتِه المَدرَسِيّةِ وإِبعادِها؛ ففي أَثناءِ تَفتِيشِ غُرفَتِي دَخَل الغُرفةَ ورَأَى الِاضطِرابَ الحاصِلَ فِيها، فتَناوَلَ رَسائِلَ النُّورِ المَوضُوعةَ في جانِبٍ مِن غُرفَتِي على حِدَةٍ، وأَدرَجَها في حَقِيبَتِه دُونَ أن يَراه القائِمُونَ على التَّفتِيشِ أو يُخاطِبُوه بشَيءٍ، وانطَلَق هذا الطِّفلُ الشُّجاعُ مُسرِعًا بها إلى والِدَتِه، وخاطَبَها قائِلًا: &#8220;لقد أَحضَرتُ رَسائِلَ النُّورِ الَّتي كانَ خالِي يَقرَؤُها لنا على الدَّوام، كانُوا يُرِيدُونَ أَخْذَها، فالتَقَطْتُها في زَحْمةِ انشِغالِهِم بتَفتِيشِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ الأُخرَى دُونَ أن يَتَنبَّهُوا، وأَخفَيتُها في حَقِيبَتِي، فاحتَفِظِي بها في مَكانٍ (آمِنٍ)، واعتَنِي بها.. إِنَّني أُحِبُّ مُطالَعةَ هذه الكُتُبِ، فقد كُنتُ أَشعُرُ كُلَّما قَرَأَها خالي لنا بتَغيُّرِ أَحوالِي!&#8221;، ثُمَّ عادَ إلى مَدرَسَتِه! وبِهذِه الوَسِيلةِ فَشِلَتْ مُحاوَلةُ مُصادَرةِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ.</p>
<p>فإِن لم تَكُن هذه كَرامةً فما هيَ إِذًا؟ وإِن لم تَكُن تلك مُعجِزةً قُرآنيّةً فما تَكُونُ إِذًا؟ وفي أَيِّ مُؤَلَّفٍ يُوجَدُ هذا القَدْرُ مِنَ الفَضِيلةِ واللَّذّةِ والجَواهِرِ والأَلماسِ؟ وأيُّ شَخصٍ فاضِلٍ ذاك الَّذي نَطَق بمِثلِ هذا النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ؟! إِنَّني على استِعدادٍ في كلِّ لَحْظةٍ وفي كُلِّ دَقِيقةٍ وبِكامِلِ السُّرُورِ، لا لِدُخُولِ السِّجنِ فحَسْبُ، بل لِلقِيامِ بتَضحِياتٍ كَثِيرةٍ في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ؛ وإِنَّ ابنِي &#8220;أَمِين&#8221; على استِعدادٍ لِلتَّضحِيةِ مِن بَعدِي بحَياتِه كُلِّها في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ.</p>
<p>أمّا <strong>الكَرامةُ الثَّانيةُ</strong> لِلنُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، فلَسَوفَ أُثبِتُ حِينَ حَدِيثي عنها استِعدادَ وَلَدِي وأَقارِبِي مِن سِنِّ الثَّالِثةِ حتَّى الثّامِنةِ -ودُونَ أَيِّ تَرَدُّدٍ أو تَفكِيرٍ- لِلتَّضحِيةِ بحَياتِهِم في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ..</p>
<p>كُنتُ يَومًا أَقرَأُ النُّورَ والأَلماسَ والجَواهِرَ، فإِذا بالأَطفالِ يَجتَمِعُونَ حَوْلِي، فما كانَ مِنِّي إِلّا أَن لَاطَفتُهُم قَلِيلًا وقَدَّمتُ لَهُمُ الشّايَ، ثُمَّ أَكمَلتُ قِراءةَ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، وإِذا بالكُلِّ يَسأَلُونَ مَعًا: ما هذا؟ ما هذه الكِتابةُ الغَرِيبةُ؟ فقُلتُ لَهُم: إِنَّها النُّورُ والأَلماسُ والجَواهِرُ. وشَرَعتُ بقِراءَتِها لَهُم، ومَضَتِ السّاعاتُ وأَنا أَقرَأُ لَهُمُ &#8220;الكَلِمةَ العاشِرةَ&#8221;، وكانَ الأَطفالُ يَسأَلُونَنِي عنِ المَواضِعِ الَّتي يُشكِلُ فَهمُها علَيهِم، فكُنتُ أَشرَحُها لَهُم بطَرِيقةٍ تُمَكِّنُهُم مِن فَهمِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، وكُنتُ أَجِدُ وُجُوهَهُم تَتَغيَّرُ أَلوانُها إلى أَلوانٍ أُخرَى، وكُلَّما نَظَرتُ في مُحَيَّاهُم أَجِدُ في وَجْهِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم وَجْهَ &#8220;سَعِيدٍ&#8221; المُنَوَّرِ!</p>
<p>كانُوا يَتَساءَلُونَ: أَينَ النُّورُ؟ وأَينَ الأَلماسُ؟ وأَينَ الجَواهِرُ؟ فأُجِيبُهُم: أَجَل، النُّورُ أَن تَقرَؤُوا هذا الكِتابَ، انظُرُوا، لقد ظَهَرَت حُسنًا وجَمالًا ورَوْنَقًا على وُجُوهِكُم. فنَظَر كلُّ واحِدٍ في وَجهِ الآخَرِ وصادَقُوا الأَمرَ.</p>
<p>وأَمّا الأَلماسُ فهِي في كِتابةِ هذه الكَلِماتِ، فحِينَ كِتابَتِها تُصبِحُ كِتاباتُكُم ثَمِينةً كالأَلماسِ. فصادَقُوا على ذلك أَيضًا.</p>
<p>وأَمّا الجَواهِرُ فهِي الإِيمانُ الَّذي تَنالُونَه مِن هذا المُؤلَّفِ. فإِذا بِهِم جَمِيعًا يَنطِقُونَ كَلِمَتَيِ الشَّهادةِ! وقدِ استَغرَقَ مَجلِسُنا هذا ثَلاثَ أو أَربَعَ ساعاتٍ دُونَ أن نَشعُرَ بذلك! فهذه هيَ النُّورُ والأَلماسُ والجَواهِرُ. فصادَقُوا الأَمرَ.</p>
<p>وكانُوا جَمِيعًا يَنظُرُونَ إِلَيَّ ويَسأَلُونَ: مَن أَلَّف هذا الكِتابَ؟!</p>
<p style="text-align: left;"><strong>طالبُكُم العاجِزُ: شَفِيق</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رؤيا مبشِّرة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>رُؤيا ذَكائي</strong><strong>‌</strong></p>
<p>رَأَيتُ هذا الصَّباحَ في المَنامِ أَنَّني على شاطِئِ بَحرٍ نَظِيفٍ صافٍ أَشبَهَ بساحِلِ &#8220;طُوب خانَهْ&#8221; في إِسطَنبُولَ.. والوَقتُ -في تَقدِيرِي- وَقتُ الضُّحَى، فضِياءُ الشَّمسِ يُضفِي بَرِيقًا ولَمَعانًا جَمِيلًا على وَجهِ ذلك البَحرِ الكَبِيرِ، وكُنتُ مُستَقبِلًا جِهةَ البَحرِ.. وإِذا بشابٍّ يَقتَرِبُ سِباحةً مِن وَسَطِ البَحرِ وجَنُوبِه إلى الشّاطِئِ، فرَفَع المِحراثَ الَّذي كانَ يَحمِلُه على كاهِلِه، ورَمَى به في السّاحِلِ.. وبَينَما كانُوا يَستَقبِلُونَ جَمِيعَ إِخوانِي بَعدَ الإِفراجِ عَنهُم إِذا برَجُلَينِ يَمتَطِيانِ الفَرَسَ قادِمَينِ بسُرعةٍ مِن جِهةِ الغَربِ، فقالُوا: &#8220;الأُستاذُ قادِمٌ&#8221;، فشَقَّ هذان الفارِسانِ المَهِيبانِ الأَسمَرانِ الِازدِحامَ وانطَلَقا بَعِيدًا في جِهةِ الشَّرقِ مُسرِعَينِ دُونَ تَوَقُّفٍ.. وحِينَ هَمَمتُ بخَوضِ البَحرِ استَيقَظتُ مِن مَنامِي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>ذَكائي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسائل النور نور]</h2>
<p>رَدًّا على الكلمات الموجَّهة ضد رسائل النور والتي تنمُّ عن التحيُّز والمنافسة:‌</p>
<p>إن كانَ قَصدُكُم مَدْحَ أَنفُسِكُم والمُفاخَرةَ..</p>
<p>فأَنتُم بالكادِ ذَيلُ أَخفَتِ شُهُبِ رَسائِلِ النُّورِ ضياءً..</p>
<p>لا تَظُننَّ رَسائِلَ النُّورِ مُجَرَّدَ كَوكَبٍ يَظهَرُ في النَّهارِ..</p>
<p>فحَتَّى الشَّمسُ -ولَيسَ الأَرضُ فَقَط- تَستَمِدُّ مِن ضِيائِها النُّورَ..</p>
<p>عَمَّا قَرِيبٍ ستَسطَعُ شَمسُ رَسائِلِ النُّورِ على وَجْهِ الأَرضِ..</p>
<p>فهِي لا تَنطَفِئُ، بل تَختَفِي، إِذ هِي نُورٌ على نُورٍ..</p>
<p>هي نُورٌ أَشبَهُ ببَحرِ الحَقِيقةِ ومَحضِ الهِدايةِ..</p>
<p>اِقرَأْ: ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.</p>
<p>لا يَجُوزُ التَّشَكِّي مِنَ اللهِ، بل مَقصَدُنا التَّحَدُّثُ..</p>
<p>فعِندَما كانَت الشَّرِيعةُ تُهاجَمُ كانَ اللهُ على عِلمٍ..</p>
<p>أنَّ رَسائِلَ النُّورِ كانَت على رَأسِ الخِدمةِ..</p>
<p>رَسائِلُ النُّورِ مَعلُومةٌ لَدَى عَلِيٍّ المُرتَضَى والغَوثِ الأَعظَمِ..</p>
<p>أَشارا إِلَيْها في القَصِيدةِ البَدِيعِيّةِ وغَيرِها مِنَ القَصائِدِ..</p>
<p>رَسائِلُ النُّورِ عُرْوةٌ وُثقَى لا انفِصامَ لَها..</p>
<p>تَمَسَّكتُ بها لِأنَّها الهِدايةُ وعَينُ الحَقِيقةِ..</p>
<p>فأَلقَوْا بِنا حَيثُ كانَ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَام..</p>
<p>وكانَ حَضْرةُ الأُستاذِ مَعَنا..</p>
<p style="text-align: left;"><strong>خليل إبراهيم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[في تفسير: وجعلناها رجومًا للشياطين]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>النُّكتة الثامنة والعِشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>للَّمعة الثّامنة والعشرين</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p>﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾</p>
<p>سنُبيِّنُ نُكتةً مُهِمّةً مِن نِكاتِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ لِمُناسَبةِ اعتِراضٍ يَرِدُ مِن أَهلِ الضَّلالةِ على وَجهِ النَّقدِ:</p>
<p>تُفِيدُ هذه الآياتُ الكَرِيمةُ أنَّ جَواسِيسَ الجِنِّ والشَّياطِينِ يَستَرِقُونَ السَّمْعَ إلى أَخبارِ السَّماواتِ، ويَجلُبُونَ مِنها الأَخبارَ الغَيبِيّةَ إلى الكُهّانِ والمادِّيِّينَ، والَّذِينَ يَعمَلُونَ في تَحضِيرِ الأَرواحِ؛ فحِيلَ بَينَ هذه الأَخبارِ وبَينَ التَّجَسُّسِ الدّائِمِيِّ لِأُولَئِك الجَواسِيسِ، ورُجِمُوا بالشُّهُبِ في تلك الحِقْبةِ بِدايةَ الوَحيِ أَزيَدَ مِن سائِرِ الأَوقاتِ، وذلك لِئَلّا يَلتَبِسَ شَيءٌ على الوَحيِ.</p>
<p>نُبيِّنُ جَوابًا في غايةِ الِاختِصارِ عن سُؤالٍ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، وهُو ذُو ثُلاثِ شُعَبٍ.</p>
<p><strong>سُؤالٌ</strong>: يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ أنَّه لِأَجلِ استِراقِ السَّمعِ وتَلقِّي الخَبَرِ الغَيبِيِّ حتَّى في الحَوادِثِ الجُزئيّةِ -بل حَوادِثَ شَخصِيّةٍ أَحيانًا- تَقتَحِمُ جَواسِيسُ الشَّياطِينِ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ.. لَكَأنَّ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ هي مَوضِعُ بَحثٍ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ تلك المَملَكةِ الواسِعةِ، ويُمكِنُ لِأَيِّ شَيطانٍ كان، ومِن أيِّ مَكانٍ دَخَل إلى السَّماواتِ، التَّصَنُّتُ -ولو بصُورةٍ مُرَقَّعةٍ- إلى ذلك الخَبَرِ، وجَلبُه هكذا إلى الأَرضِ.. هذا المَعنَى الَّذي يُفهَمُ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ لا يَقبَلُ به العَقلُ والحِكمةُ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ قِسمًا مِنَ الأَنبِياءِ -وهُم أَهلُ الرِّسالةِ- والأَولِياءِ -وهُم أَهلُ الكَرامةِ- تَسَلَّمُوا ثِمارَ الجَنّةِ الَّتي هي فَوقَ السَّماواتِ العُلا -بنَصِّ الآيةِ- وكَأنَّهُم يَأخُذُونَها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وأَحيانًا يُشاهِدُونَ الجَنّةَ مِن قَرِيبٍ. هذه المَسأَلةُ تَعنِي (<strong>نِهايةَ البُعدِ في نِهايةِ القُربِ</strong>)، بحَيثُ لا يَسَعُها عَقلُ هذا العَصرِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ حالةً مِن أَحوالٍ جُزئيّةٍ لِشَخصٍ جُزئيٍّ يكُونُ مَوضِعَ ذِكرٍ وكَلامٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى في السَّماواتِ العُلا الواسِعةِ جِدًّا، هذه المَسأَلةُ لا تُوافِقُ إِدارةَ الكَونِ الَّتي تَسِيرُ في مُنتَهَى الحِكمةِ.</p>
<p>عِلْمًا أنَّ هذه المَسائِلَ الثَّلاثَ تُعَدُّ مِنَ الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ.</p>
<p><strong>الجَوابُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>أوَّلًا</strong>: إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ تُفِيدُ أنَّ جَواسِيسَ الشَّياطِينِ الَّتي تُحاوِلُ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ لِلتَّجَسُّسِ تُطرَدُ بِالنُّجُومِ.. فقد بُحِثَت هذه المَسأَلةُ بَحْثًا جَيِّدًا في &#8220;الكَلِمةِ الخامِسةَ عَشْرةَ&#8221;، وأُثبِتَت إِثباتًا يُقنِعُ حتَّى أَعتَى المادِّيِّينَ، بل يُلجِئُهُم إلى السُّكُوتِ والقَبُولِ، وذلك بسَبعِ مُقدِّماتٍ قاطِعةٍ هي بمَثابةِ سَبعِ مَراتِبَ لِلصُّعُودِ إلى فَهمِ الآيةِ الكَرِيمةِ.</p>
<p><strong>ثانيًا</strong>: نُشِيرُ إلى هذه الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ الثَّلاثِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها بَعِيدةٌ (عنِ العَقلِ) بِتَمثِيلٍ، وذلك لِتَقرِيبِها إلى الأَذهانِ القاصِرةِ الضَّيِّقةِ.</p>
<p>هَبْ أنَّ الدّائِرةَ العَسكَرِيّةَ لِحُكُومةٍ تَقَعُ في شَرقِيِّ البِلادِ، ودائِرَتَها العَدْليّةَ في الغَربِ، ودائِرةَ المَعارِفِ في الشَّمالِ، ودائِرةَ الشُّؤُونِ الدِّينيّةِ (المَشْيَخةَ) في الجَنُوبِ، ودائِرةَ المُوَظَّفِينَ الإِدارِيِّينَ في الوَسَطِ، وهكذا.. فعَلَى الرَّغمِ مِنَ البُعدِ بينَ دَوائِرِ هذه الحُكُومةِ، إلّا أنَّ كلَّ دائِرةٍ لوِ استَخبَرَتِ الأَوضاعَ فيما بَينَها بالهاتِفِ أوِ المُراسَلةِ ارتِباطًا تامًّا: عِندَها تكُونُ البِلادُ كُلُّها كأنَّها دائِرةٌ واحِدةٌ هي دائِرةُ العَدْلِ، أوِ الدّائِرةُ العَسكَرِيّةُ أوِ الدِّينيّةُ، أوِ الإِدارِيّةُ، وهكذا.</p>
<p><strong>مِثالٌ آخَرُ</strong>: يَحدُثُ أَحيانًا أنَّ دُوَلًا مُتَعدِّدةً ذاتَ عَواصِمَ مُختَلِفةٍ، تَشتَرِكُ معًا في مَملَكةٍ واحِدةٍ، بسُلُطاتٍ مُتَبايِنةٍ، مِن حَيثُ مَصالِحُها الِاستِعمارِيّةُ فيها، أو لِوُجُودِ امتِيازاتٍ خاصّةٍ بها، أو مِن حَيثُ المُعامَلاتُ التِّجارِيّةُ وغَيرُها؛ فكُلُّ حُكُومةٍ عِندَئِذٍ تَرتَبِطُ بعَلاقةٍ معَ تلك الرَّعِيّةِ مِن حَيثُ امتِيازاتُها.. فرَغمَ أنَّها رَعِيّةٌ واحِدةٌ وأُمّةٌ واحِدةٌ، إلّا أنَّ مُعامَلاتِ تلك الحُكُوماتِ المُتَبايِنةَ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ، تَتَماسُّ وتَتَقارَبُ كُلٌّ مِنها معَ الأُخرَى في البَيتِ الواحِدِ، بل تَشتَرِكُ في كلِّ إِنسانٍ، حتَّى تُشاهَدُ مَسائِلُها الجُزئيّةُ في الدَّوائِرِ الجُزئيّةِ وهِي نِقاطُ التَّماسِّ والتَّقارُبِ، ولا تُؤخَذُ كلُّ مَسأَلةٍ جُزئيّةٍ مِنَ الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ؛ ولكِن عِندَما تُبحَثُ تلك المَسائِلُ الجُزئيّةُ، تُبحَثُ كأنَّها أُخِذَت مِنَ الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ، وذلك لِارتِباطِها بالقَوانِينِ الكُلِّيّةِ لِتِلك الدّائِرةِ، وتُعطَى لها صُورةٌ كأنَّها مَسأَلةٌ أَصبَحَت مَوضِعَ بَحثٍ في تلك الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ.</p>
<p>وهكَذا، ففي ضَوءِ هذَينِ المِثالَينِ:</p>
<p>إنَّ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ، مِن حَيثُ العاصِمةُ والمَركَزُ، لها هَواتِفُ مَعنَوِيّةٌ تَمتَدُّ مِنها إلى قُلُوبِ النّاسِ في مَملَكةِ الأَرضِ؛ فَضْلًا عن أنَّ عالَمَ السَّماواتِ لا يُشرِفُ على العالَمِ الجِسمانِيِّ وَحْدَه، بل يَتَضمَّنُ عالَمَ الأَرْواحِ وعالَمَ المَلَكُوتِ؛ لِذا <strong>فعالَمُ السَّماواتِ يُحِيطُ بجِهةٍ بعالَمِ الشَّهادةِ تَحتَ سِتارٍ</strong>.</p>
<p>وكَذلِك <strong>الجَنّةُ</strong> الَّتي هي مِنَ العَوالِمِ الباقِيةِ، وهِي دارُ البَقاءِ؛ <strong>فمَعَ أنَّها في غايةِ البُعدِ، إلّا أنَّ دائِرةَ تَصَرُّفاتِها تَمتَدُّ امتِدادًا نُورانِيًّا</strong>، وتَنتَشِرُ إلى كلِّ جِهةٍ تَحتَ سِتارِ عالَمِ الشَّهادةِ.</p>
<p>فكَما أنَّ حَواسَّ الإِنسانِ الَّتي أَوْدَعَها الصّانِعُ الحَكِيمُ الجَلِيلُ بحِكمَتِه وبقُدرَتِه في رَأسِ الإِنسانِ، رَغمَ أنَّ مَراكِزَها مُختَلِفةٌ، إلّا أنَّ كُلًّا مِنها تُسَيطِرُ على الجِسمِ كُلِّه، وتَأخُذُه ضِمنَ دائِرةِ تَصَرُّفِها.. كَذلِك الكَونُ الَّذي هو إِنسانٌ أَكبَرُ يَضُمُّ أُلُوفَ العَوالِمِ الشَّبِيهةِ بالدَّوائِرِ المُتَداخِلةِ؛ فالأَحوالُ الجارِيةُ في تلك العَوالِمِ، والحَوادِثُ الَّتي تَقَعُ فيها، تكُونُ مَوضِعَ النَّظَرِ مِن حَيثُ جُزئيّاتُها وكُلِّيّاتُها، وخُصُوصِيّاتُها وعَظَمَتُها، بمَعنَى أنَّ الجُزئيّاتِ تُشاهَدُ في الأَماكِنِ الجُزئيّةِ والقَرِيبةِ، بَينَما الكُلِّيّاتُ والأُمُورُ العَظِيمةُ تُرَى في المَقاماتِ الكُلِّيّةِ والعَظِيمةِ.</p>
<p>ولكِن قد تَستَولِي حادِثةٌ جُزئيّةٌ خُصُوصِيّةٌ على عالَمٍ عَظِيمٍ، فأَينَما يُلقَى السَّمْعُ تُسمَعُ تلك الحادِثةُ؛ وأَحيانًا تُحَشَّدُ الجُنُودُ الهائِلةُ إِظهارًا لِلعَظَمةِ والهَيْبةِ ولَيسَ لِقُوّةِ العَدُوِّ؛ فمَثلًا: إنَّ حادِثةَ الرِّسالةِ المُحَمَّدِيّةِ، ونُزُولِ الوَحيِ القُرآنِيِّ، لِكَونِها حادِثةً جَلِيلةً، فإنَّ عالَمَ السَّماواتِ كُلَّه، بل حتَّى كلُّ زاوِيةٍ مِن زَواياه مُتَأَهِّبٌ، وقد صُفَّت فيه الحُرّاسُ، في تلك البُرُوج العَظِيمةِ، مِن تلك السَّماواتِ العالِيةِ الرَّفِيعةِ والبَعِيدةِ بُعْدًا عَظِيمًا؛ ويَقذِفُونَ مِنَ النُّجُومِ بالمَجانِيقِ، طَرْدًا لِجَواسِيسِ الشَّياطِينِ ودَفْعًا بِهِم عنِ السَّماواتِ؛ فالآيةُ الكَرِيمةُ عِندَما تُبرِزُ المَسأَلةَ هكذا بِرَجْمِ الشَّياطِينِ بكَثرةٍ هائِلةٍ والقَذفِ بالشُّهُبِ ولا سِيَّما في بِدايةِ الوَحيِ في ذلك الوَقتِ.. تُبيِّنُ إِشارةً رَبّانيّةً إلى الإِعلانِ عن دَرَجةِ عَظَمةِ الوَحيِ القُرآنِيِّ وشَعْشَعةِ سُلطانِه، وإلى دَرَجةِ أَحَقِّيَّتِه وصَوابِه الَّذي لا يَأتِيه الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيْه ولا مِن خَلفِه.. وهكَذا يُتَرجِمُ القُرآنُ الكَرِيمُ ذلك الإِعلانَ الكَونِيَّ العَظِيمَ ويُشِيرُ إلى هذه الإِشاراتِ السَّماوِيّةِ.</p>
<p>نعم، إنَّ إِظهارَ هذه الإِشاراتِ العَظِيمةِ السَّماوِيّةِ، وإِبرازَ مُبارَزةِ الشَّياطِينِ لِلمَلائِكةِ، معَ إِمكانِ طَردِ جَواسِيسِ الشَّياطِينِ بنَفخٍ مِن مَلَكٍ، إنَّما هو لِإِظهارِ عَظَمةِ الوَحيِ القُرآنِيِّ وعُلُوِّه ورِفعَتِه.</p>
<p>ثمَّ إنَّ هذا البَيانَ القُرآنِيَّ المَهِيبَ، وإِظهارَ الحُشُودِ السَّماوِيّةِ العَظِيمةِ، ليس تَعبِيرًا عن أنَّ لِلجِنِّ والشَّياطِينِ قُوّةً واقتِدارًا بحَيثُ تَسُوقُ أَهلَ السَّماواتِ إلى المُبارَزةِ والمُدافَعةِ مَعَهُم، بل هي إِشارةٌ إلى أنَّه لا دَخْلَ لِلشَّياطِينِ والجِنِّ في أيِّ مَوضِعٍ مِن مَواضِعِ هذا الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ المُمتَدِّ مِن قَلبِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ ﷺ إلى عالَمِ السَّماواتِ إلى العَرشِ الأَعظَمِ.</p>
<p>وبهذا يُعبِّـرُ القُرآنُ الكَرِيمُ عن أنَّ الوَحيَ القُرآنِيَّ حَقِيقةٌ جَلِيلةٌ حَقِيقٌ أن يكُونَ مَوضِعَ ذِكرٍ وبَحثٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى والمَلائِكةِ كُلِّهِم في تلك السَّماواتِ الهائِلةِ، بحَيثُ يُضطَرُّ الشَّياطِينُ إلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ لِيَنالُوا شَيئًا مِن أَخبارِها، فيُرجَمُونَ ولا يَنالُونَ شَيئًا..</p>
<p>فيُشِيرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بهذا الرَّجْمِ إلى أنَّ الوَحيَ القُرآنِيَّ النّازِلَ على قَلبِ مُحمَّدٍ ﷺ، وجِبْرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام الَّذي نَزَل إلى مَجلِسِه، والحَقائِقَ الغَيبِيّةَ المَشهُودةَ لِنَظَرِه، سَلِيمةٌ، صائِبةٌ، صَحِيحةٌ، لا تَدخُلُ فيها شُبْهةٌ قَطُّ وفي أيِّ جِهةٍ مِنها قَطُّ.. وهكَذا يُعبِّـرُ القُرآنُ الكَرِيمُ عن هذه المَسأَلةِ بإِعجازِه البَلِيغِ.</p>
<p>أمّا <strong>مُشاهَدةُ الجَنّةِ</strong> في أَقرَبِ الأَماكِنِ وقَطْفُ الثِّمارِ مِنها أَحيانًا، معَ كَونِها بَعِيدةً كلَّ البُعدِ عَنّا وكَونِها مِن عالَمِ البَقاءِ، فبِدَلالةِ التَّمثِيلَينِ السّابِقَينِ يُفهَمُ: أنَّ هذا العالَمَ الفانِيَ -عالَمَ الشَّهادةِ- حِجابٌ لِعالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَقاءِ.. وأنَّه يُمكِنُ رُؤيةُ الجَنّةِ في كلِّ جِهةِ معَ أنَّ مَركَزَها العَظِيمَ في مَكانٍ بَعِيدٍ جِدًّا، وذلك بواسِطةِ مِرآةِ عالَمِ المِثالِ؛ ويُمكِنُ أَيضًا بواسِطةِ الإِيمانِ البالِغِ دَرَجةَ حَقِّ اليَقِينِ أن تكُونَ لِلجَنّةِ دَوائِرُ ومُستَعمَراتٌ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) في هذا العالَمِ الفانِي، ويُمكِنُ أن تكُونَ هُناك مُخابَراتٌ واتِّصالاتٌ مَعَها بالأَرواحِ الرَّفِيعةِ وبِهاتِفِ القَلبِ، ويُمكِنُ أن تَرِدَ مِنها الثِّمارُ.</p>
<p>أمّا <strong>انشِغالُ دائِرةٍ كُلِّيّةٍ بحادِثةٍ شَخصِيّةٍ جُزئيّةٍ</strong>، أي: ما وَرَد في التَّفاسِيرِ مِن أنَّ الشَّياطِينَ يَصعَدُونَ إلى السَّماواتِ ويَستَرِقُونَ السَّمْعَ هُناك ويَأتُونَ بأَخبارٍ غَيبِيّةٍ مُلَفَّقةٍ لِلكُهّانِ، فيَنبَغِي أن تكُونَ حَقِيقَتُه هكَذا: إنَّه لا صُعُودَ إلى عاصِمةِ عالَمِ السَّماواتِ لِتَلَقِّي ذلك الخَبَرِ الجُزئِيِّ، بل هو صُعُودٌ إلى بَعضِ المَواقِعِ الجُزئيّةِ في جَوِّ الهَواءِ -الَّذي يَشمَلُه مَعنَى السَّماواتِ- والَّذي فيه مَواضِعُ بمَثابةِ مَخافِرَ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) لِلسَّماواتِ، وتَقَعُ عَلاقاتٌ في هذه المَواقِعِ الجُزئيّةِ معَ مَملَكةِ الأَرضِ.. فالشَّياطِينُ يَستَرِقُونَ السَّمْعَ في تلك المَواقِعِ الجُزئيّةِ لِتَلَقِّي الأَحداثِ الجُزئيّةِ، حتَّى إنَّ قَلبَ الإِنسانِ هو أَحَدُ تلك المَقاماتِ حَيثُ يُبارِزُ فيه مَلَكُ الإِلهامِ الشَّيطانَ الخاصَّ.</p>
<p>أمّا حَقائِقُ القُرآنِ والإِيمانِ وحَوادِثُ الرَّسُولِ ﷺ، فمَهْما كانَت جُزئيّةً فهِي بمَثابةِ أَعظَمِ حادِثةٍ وأَجَلِّها في دائِرةِ السَّماواتِ وفي العَرشِ الأَعظَمِ.. حتَّى كأنَّها تُنشَرُ في الصُّحُفِ المَعنَوِيّةِ لِلمُقَدَّراتِ الإِلٰهِيّةِ الكَونيّةِ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) بحَيثُ يُتَحدَّثُ عن مَسائِلِها في كلِّ زاوِيةٍ مِن زَوايا السَّماواتِ، حَيثُ إنَّه ابتِداءً مِن قَلبِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ وانتِهاءً إلى دائِرةِ العَرشِ الأَعظَمِ، مَصُونٌ مِن أيِّ تَدَخُّلٍ كانَ مِنَ الشَّياطِينِ.</p>
<p>فإنَّ القُرآنَ معَ بَيانِه لِهذا إنَّما يُعبِّرُ بتلك الآياتِ الجَلِيلةِ أنَّه: لا حِيلةَ ولا وَسِيلةَ لِلشَّيطانِ لِتَلَقِّي أَخبارِ السَّماواتِ إلّا استِراقُ السَّمْعِ.</p>
<p>فيُبيِّنُ القُرآنُ بهذا بَيانًا مُعجِزًا بَلِيغًا: ما أَعظَمَ الوَحيَ القُرآنِيَّ وما أَعظَمَ قَدَرَه! وما أَصدَقَ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ ﷺ وما أَصْوَبَها! حتَّى لا يُمكِنُ الدُّنُوُّ إلَيْهِما بأيِّ شُبهةٍ كانَت وبأيِّ شَكلٍ مِنَ الأَشكالِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ذلك لِأنَّ الرَّحمةَ النّازِلةَ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ هي مُتَوجِّهةٌ لِحاجةِ الأُمّةِ قاطِبةً في زَمَنٍ أَبدِيٍّ، لِذا فالصَّلاةُ غيرُ المُتَناهِيةِ الَّتي تُهدَى إلَيْه مُنسَجِمةٌ جِدًّا.<br /><br />
فلو دَخَل شَخصٌ بَيتًا خاليًا مُظلِمًا مُوحِشًا كالدُّنيا المُظلِمةِ المُوحِشةِ بالغَفلةِ، كم سيَأخُذُه الرُّعبُ والدَّهشةُ والِاضطِرابُ؟<br /><br />
ولكِن كم يَسُرُّه ويُؤنِسُه ويُفرِحُه ويُنوِّرُه لو أنَّه رَأَى شَخصًا قد تَصَدَّر ذلك البَيتَ يُعَرِّفُه بجَمِيعِ ما فيه؟ فما بالُك لو كانَ هذا الشَّخصُ هو الحَبِيبَ المَحبُوبَ والأَنيسَ المَأنُوسَ وهُو الرَّسُولُ العَظِيمُ ﷺ، مُتَصدِّرُ بَيتِ العالَمِ، يُعَرِّفُ لنا المالِكَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ بما فيه -أي: بَيتِ العالَمِ- مِن أَشياءَ؟!<br /><br />
قِسْ هكذا لِكَي تُقدِّرَ بنَفسِك قِيمةَ الصَّلَواتِ علَيْه ولَذَّتَها.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;كالمَلَكَينِ العَظِيمَينِ المُسَمَّيَينِ بالثَّورِ والحُوتِ، انقَلَبا بسِرِّ التَّشبِيهِ عِندَ العَوامِّ إلى صُورةِ ثَورٍ ضَخمٍ وحُوتٍ كَبِيرٍ.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لهذه الفقرة أيضًا فائدة للجميع.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إنَّه جَدِيرٌ بالمُلاحَظةِ أنَّه بَدَأ القَبضُ على قِسمٍ مِن طُلّابِ النُّورِ واعتُقِلُوا في ٢٥/نيسان/١٩٣٥، وكان عددُ الَّذين اتُّهِمُوا بقَرارِ المَحكَمةِ (١١٧) شَخصًا حيثُ كُرِّر اسمُ اثنَينِ مِنهُم، فيَتَوافَقُ بهذا عددُ الطُّلّابِ (١١٧) طالبًا معَ عددِ أيّامِ الِاعتِقالِ البالِغِ (١١٧) يومًا اعتِبارًا مِنِ اعتِقالِ ذلك القِسمِ مِنَ الطُّلّابِ إلى يومِ قَرارِ المَحكَمةِ؛ فيَمزُجُ هذا التَّوافُقُ لَطافةً أُخرَى إلى لَطافةِ التَّوافُقاتِ السّابِقةِ.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2517</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة السادسة والعشرون: رسالة الشيوخ</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%ae/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d8%25a7%25d8%25af%25d8%25b3%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d9%258a%25d9%2588%25d8%25ae</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%ae/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Apr 2025 15:31:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2513</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة عبارةٌ عن سلوانٍ معنويٍّ لكل من تقدم به العمر وبات قريبًا من باب القبر يتحسر على سنوات الشباب وفَوت السنين] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة السادسة والعشرون: رسالة الشيوخ] &#160; اللمعة السادسة والعشرون‌ رسالة الشيوخ‌ (هذه اللَّمعة عبارةٌ عن سِتّة وعشرين نورَ رَجاءٍ وضِياءَ تَسَلٍّ)‌ [تنبيه حول هذه &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة عبارةٌ عن سلوانٍ معنويٍّ لكل من تقدم به العمر وبات قريبًا من باب القبر يتحسر على سنوات الشباب وفَوت السنين]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2514" aria-describedby="caption-attachment-2514" style="width: 735px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2514" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/a3bb9c2e95854d958c190292723c1edd.jpg" alt="يا مَن بَلَغتُم سِنَّ الكَمالِ، أيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ الأَعِزّاءُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ المُحتَرَماتُ.. إنَّني مِثلُكُم شَيخٌ كَبِيرٌ، سأَكتُبُ لَكُم بَعضَ ما مَرَّ علَيَّ مِن أَحوالٍ، وما وَجَدتُه بَينَ حَينٍ وآخَرَ مِن أَبوابِ الأَمَلِ وبَوارِقِ الرَّجاءِ في عَهدِ الشَّيخُوخةِ، لَعَلَّكُم تُشارِكُونَني في أَنوارِ السَّلْوةِ المُشِعّةِ مِن تِلكُمُ الرَّجايا والآمالِ.. إنَّ ما رَأَيتُه مِنَ الضِّياءِ، وما فَتَحَه اللهُ علَيَّ مِن أَبوابِ النُّورِ والرَّجاءِ، إنَّما شاهَدتُه حَسَبَ استِعدادِي النّاقِصِ وقابِلِيّاتِي المُشَوَّشةِ، وستَجعَلُ استِعداداتُكُمُ الخالِصةُ الصّافِيةُ -بإِذنِ اللهِ- ذلك الضِّياءَ أَسطَعَ وأَبهَرَ مِمّا رَأَيتُه، وذلِكُمُ الرَّجاءَ أَقوَى وأَمتَنَ مِمّا وَجَدتُه." width="735" height="500" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/a3bb9c2e95854d958c190292723c1edd.jpg 735w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/a3bb9c2e95854d958c190292723c1edd-300x204.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/a3bb9c2e95854d958c190292723c1edd-220x150.jpg 220w" sizes="(max-width: 735px) 100vw, 735px" /><figcaption id="caption-attachment-2514" class="wp-caption-text">يا مَن بَلَغتُم سِنَّ الكَمالِ، أيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ الأَعِزّاءُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ المُحتَرَماتُ.. إنَّني مِثلُكُم شَيخٌ كَبِيرٌ، سأَكتُبُ لَكُم بَعضَ ما مَرَّ علَيَّ مِن أَحوالٍ، وما وَجَدتُه بَينَ حَينٍ وآخَرَ مِن أَبوابِ الأَمَلِ وبَوارِقِ الرَّجاءِ في عَهدِ الشَّيخُوخةِ، لَعَلَّكُم تُشارِكُونَني في أَنوارِ السَّلْوةِ المُشِعّةِ مِن تِلكُمُ الرَّجايا والآمالِ.. إنَّ ما رَأَيتُه مِنَ الضِّياءِ، وما فَتَحَه اللهُ علَيَّ مِن أَبوابِ النُّورِ والرَّجاءِ، إنَّما شاهَدتُه حَسَبَ استِعدادِي النّاقِصِ وقابِلِيّاتِي المُشَوَّشةِ، وستَجعَلُ استِعداداتُكُمُ الخالِصةُ الصّافِيةُ -بإِذنِ اللهِ- ذلك الضِّياءَ أَسطَعَ وأَبهَرَ مِمّا رَأَيتُه، وذلِكُمُ الرَّجاءَ أَقوَى وأَمتَنَ مِمّا وَجَدتُه.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة السادسة والعشرون: رسالة الشيوخ]</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة السادسة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الشيوخ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>(هذه اللَّمعة عبارةٌ عن سِتّة وعشرين نورَ رَجاءٍ وضِياءَ تَسَلٍّ)</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تنبيه حول هذه الرسالة]</h2>
<p><strong>تنبيهٌ</strong>: إنَّ السَّبَبَ الَّذي دَعانِي إلى تَسجِيلِ ما كُنتُ أُعانيه مِن آلامٍ مَعنَوِيّةٍ في مُستَهَلِّ كلِّ رَجاءٍ بأُسلُوبٍ مُؤَثِّرٍ جِدًّا إلى حَدٍّ يُثِيرُ فيكُمُ الأَلَمَ أَيضًا، إنَّما هو لِبَيانِ مَدَى قُوّةِ مَفعُولِ العِلاجِ الوارِدِ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وشِدّةِ تَأْثيرِه الخارِقِ.</p>
<p>بَيْدَ أنَّ هذه &#8220;اللَّمْعةَ&#8221; الَّتي تَخُصُّ الشُّيُوخَ لم تُحافِظ على حُسنِ البَيانِ، وجَمالِ الإِفادةِ لِعِدّةِ أَسبابٍ:</p>
<p><strong>أوَّلُها</strong>: لِأنَّها تَخُصُّ أَحداثَ حَياتِي الشَّخصِيّةِ ووَقائِعَها، فالذَّهابُ عَبْرَ الخَيالِ إلى تلك الأَزمِنةِ، ومُعايَشةُ أَحداثِها، ومِن ثَمَّ تَناوُلُها بالكِتابةِ بتلك الحالةِ، سَبَّب عَدَمَ المُحافَظةِ على الِانتِظامِ في البَيانِ والتَّعبِيرِ.</p>
<p><strong>ثانيها</strong>: اعتَرَى البَيانَ شَيءٌ مِنَ الِاضطِرابِ، لِأنَّ الكِتابةَ كانَت بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ، حَيثُ كُنتُ أَشعُرُ حِينَها بتَعَبٍ وإِنهاكٍ شَدِيدَينِ، فَضْلًا عنِ الِاضطِرارِ إلى الإِسراعِ في الكِتابةِ.</p>
<p><strong>ثالثُها</strong>: لم يَكُن لَدَيْنا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقتِ لِلقِيامِ بالتَّصحِيحِ الكامِلِ، فالكاتِبُ الَّذي مَعِي كانَ مُرهَقًا بأَربَعةِ أو خَمْسةِ تَكالِيفَ تخصُّ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، وكَثِيرًا ما كانَ يَعتَذِرُ عنِ الحُضُورِ، مِمّا أَفقَدَ المَضمُونَ التَّناسُقَ المَطلُوبَ.</p>
<p><strong>رابعُها</strong>: لم نَستَطِع إلّا الِاكتِفاءَ بالتَّصحِيحاتِ والتَّعدِيلاتِ العابِرةِ دُونَ التَّوَغُّلِ في أَعماقِ المَعانِي؛ لِمَا كُنّا نُحِسُّ به مِن تَعَبٍ ونَصَبٍ عَقِبَ التَّأليفِ، فلا جَرَمَ أنْ رافَقَ المَوضُوعَ شَيءٌ مِنَ التَّقصِيرِ في التَّعبِيرِ والأَداءِ.</p>
<p>لِذا نُهِيبُ بالشُّيُوخِ الكِرامِ أن يَنظُرُوا بعَينِ الصَّفْحِ والسَّماحِ إلى قُصُورِي في الأَداءِ، وأن يَجعَلُونِي ضِمنَ دَعَواتِهِم عِندَما يَرفَعُونَ أَكُفَّهُم مُتَضَرِّعِينَ إلى اللهِ الرَّحِيمِ الَّذي لا يَرُدُّ دَعَواتِ الشُّيُوخِ الطَّيِّبِينَ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ستة وعشرون رجاء لكل من تقدمت به السن]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾</p>
<p style="text-align: center;">(هذه اللَّمعة عبارة عن سِتّة وعشرين رجاءً)‌</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الأول: نور في زمن الشيخوخة]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الأوَّل</strong><strong>‌</strong></p>
<p>يا مَن بَلَغتُم سِنَّ الكَمالِ، أيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ الأَعِزّاءُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ المُحتَرَماتُ.. <strong>إنَّني مِثلُكُم شَيخٌ كَبِيرٌ</strong>، سأَكتُبُ لَكُم بَعضَ ما مَرَّ علَيَّ مِن أَحوالٍ، وما وَجَدتُه بَينَ حَينٍ وآخَرَ مِن أَبوابِ الأَمَلِ وبَوارِقِ الرَّجاءِ في عَهدِ الشَّيخُوخةِ، لَعَلَّكُم تُشارِكُونَني في أَنوارِ السَّلْوةِ المُشِعّةِ مِن تِلكُمُ الرَّجايا والآمالِ.. إنَّ ما رَأَيتُه مِنَ الضِّياءِ، وما فَتَحَه اللهُ علَيَّ مِن أَبوابِ النُّورِ والرَّجاءِ، إنَّما شاهَدتُه حَسَبَ استِعدادِي النّاقِصِ وقابِلِيّاتِي المُشَوَّشةِ، وستَجعَلُ استِعداداتُكُمُ الخالِصةُ الصّافِيةُ -بإِذنِ اللهِ- ذلك الضِّياءَ أَسطَعَ وأَبهَرَ مِمّا رَأَيتُه، وذلِكُمُ الرَّجاءَ أَقوَى وأَمتَنَ مِمّا وَجَدتُه.</p>
<p>ولا رَيبَ أنَّ مَنبَعَ ما سنَذكُرُه مِنَ الأَضواءِ ومَصدَرَ ما سنُورِدُه مِنَ الرَّجايا ما هو إلّا &#8220;الإِيمانُ&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الثاني: الشيخوخة أوان الرحمة الإلهية]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الثَّاني</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما شارَفتُ على الشَّيخُوخةَ، وفي أَحَدِ أَيّامِ الخَرِيفِ، وفي وَقتِ العَصرِ، نَظَرتُ إلى الدُّنيا مِن فَوقِ ذِرْوةِ جَبَلٍ، فشَعَرتُ فَجْأةً حالةً في غايةِ الرِّقّةِ والحُزنِ معَ ظَلامٍ يَكتَنِفُها، تَدِبُّ في أَعماقِي.. رَأَيتُ نَفسِي: أنَّني بَلَغتُ مِنَ العُمُرِ عِتِيًّا، والنَّهارُ قد غَدا شَيْخًا، والسَّنةُ قدِ اكتَهَلَت، والدُّنيا قد هَرِمَت.. فهَزَّنِي هذا الهَرَمُ الَّذي يَغشَى كلَّ شَيءٍ حَوْلي هَزًّا عَنِيفًا.. فلَقَد دَنا أَوانُ فِراقِ الدُّنيا، وأَوْشَك أَوانُ فِراقِ الأَحبابِ أن يَحُلَّ.. وبَينَما أَتَمَلمَلُ يائِسًا حَزِينًا إذا بالرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ تَنكَشِفُ أَمامي انكِشافًا حَوَّل ذلك الحُزنَ المُؤلِمَ إلى فَرْحةٍ قَلبِيّةٍ مُشرِقةٍ، وبَدَّل ذلك الفِراقَ المُؤلِمَ لِلأَحبابِ إلى عَزاءٍ يُضِيءُ جَنَباتِ النَّفسِ كُلَّها.</p>
<p>نعم يا أَمثالِي مِنَ الشُّيُوخِ، إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي يُقدِّمُ ذاتَه الجَلِيلةَ إلَيْنا، ويُعرِّفُها لنا في أَكثَرَ مِن مِئةِ مَوضِعٍ في القُرآنِ الكَرِيمِ، بصِفةِ &#8220;الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ&#8221;.. والَّذي يُرسِلُ رَحْمَتَه بما يُسبِغُ على وَجهِ الأَرضِ دَوْمًا من النِّعَم، مَدَدًا وعَوْنًا لِمَن استَرحَمَه مِن ذَوِي الحَياةِ، والَّذي يَبعَثُ بهَداياه مِن عالَمِ الغَيبِ فيَغمُرُ الرَّبِيعَ كلَّ سَنةٍ بنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَبعَثُها إلَيْنا نَحنُ المُحتاجِينَ إلى الرِّزقِ، مُظهِرًا بها بجَلاءٍ تَجَلِّياتِ رَحْمَتِه العَمِيمةِ، وَفقَ مَراتِبِ الضَّعفِ ودَرَجاتِ العَجزِ الكامِنةِ فينا.. فرَحْمةُ خالِقِنا الرَّحِيمِ هذه أَعظَمُ رَجاءٍ، وأَكبَرُ أَمَلٍ في عَهدِ شَيخُوخَتِنا هذه، بل هي أَسطَعُ نُورٍ لنا.</p>
<p>إنَّ إِدراكَ تلك الرَّحْمةِ والظَّفَرَ بها إنَّما يكُونُ بالِانتِسابِ إلى ذلك &#8220;الرَّحمٰنِ&#8221; بالإِيمانِ، وبالطَّاعةِ له سُبحانَه بأَداءِ الفَرائِضِ والواجِباتِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الثالث: نحن راحلون إلى عالَم النور ومجمع الأحباب]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الثّالثُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما أَفَقتُ على صُبْحِ المَشِيبِ، مِن نَومِ لِيلِ الشَّبابِ، نَظَرتُ إلى نَفسِي مُتَأمِّلًا فيها، فوَجَدتُها كأَنَّها تَنحَدِرُ نُزُولًا مِن عَلٍ إلى سَواءِ القَبْرِ، مِثلَما وَصَفَها نِيازِي المِصرِيُّ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>بِناءُ العُمرِ يَذْوِي حَجَرًا إِثرَ حَجَر</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>غافِلًا، تَغرَقُ الرُّوحُ وبِناؤُه قدِ اندَثَر</strong><strong>‌</strong></p>
<p>فجِسمِي الَّذي هو مَأْوَى رُوحِي، بَدَأ يَتَداعَى ويَتَساقَطُ حَجَرًا إِثرَ حَجَرٍ على مَرِّ الأَيّامِ.. وآمالي الَّتي كانَت تَشُدُّني بقُوّةٍ إلى الدُّنيا، بَدَأَت أَوْثاقُها تَنفَصِمُ وتَنقَطِعُ؛ فدَبَّ فِيَّ شُعُورٌ بدُنُوِّ وَقتِ مُفارَقةِ ما لا يُحصَى مِنَ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ، فأَخَذتُ أَبحَثُ عن ضِمادٍ لِهذا الجُرحِ المَعنَوِيِّ الغائِرِ، الَّذي لا يُرجَى له دَواءٌ ناجِعٌ كما يَبدُو! فلم أَستَطِع أن أَعثُرَ له على عِلاج، فقُلتُ أَيضًا كما قال نِيازِي المِصرِيُّ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>حِكْمةُ الإِلٰهِ تَقضِي فَناءَ الجَسَدْ   *   والقَلبُ تَوّاقٌ إلى الأَبَدْ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>لَهْفَ نَفسِي مِن بَلاءٍ وكَمَدْ   *   حارَ لُقْمانُ في إِيجادِ الضَّمَدْ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>وبَينَما كُنتُ في هذه الحالةِ، إذا بنُورِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ﷺ) الَّذي هو رَحْمةُ اللهِ على العالَمِينَ، ومِثالُها الَّذي يُعِبِّرُ عنها، والدّاعِي إلَيْها، والنّاطِقُ بها، وإذا بشَفاعَتِه، وبما أَتَى به مِن هَدِيّةِ الهِدايةِ إلى البَشَرِيّةِ، يُصبِحُ بَلْسَمًا شافِيًا، ودَواءً ناجِعًا لِذَلِك الدّاءِ الوَخِيمِ الَّذي ظَنَنتُه بلا دَواءٍ، ويُبَدِّلُ ذلك اليَأْسَ القاتِمَ الَّذي أَحاطَ بي إلى نُورِ الرَّجاءِ السّاطِعِ.</p>
<p>أَجَل، أيُّها الشُّيُوخُ وأَيَّتُها العَجائِزُ المُوَقَّرُونَ، ويا مَن تَشعُرُونَ كُلُّكُم بالشَّيخُوخةِ مِثلِي! إِنَّنا راحِلُونَ ولا مَناصَ مِن ذلك.. ولن يُسمَحَ لنا بالمُكُوثِ هُنا بمُخادَعةِ النَّفسِ وإِغماضِ العَينِ، فنَحنُ مُساقُونَ إلى المَصِيرِ المَحتُومِ؛ ولكِنَّ عالَمَ البَرزَخِ ليس هو كما يَتَراءَى لنا بظُلُماتِ الأَوْهامِ النّاشِئةِ مِنَ الغَفْلةِ، وبما قد يُصَوِّرُه أَهلُ الضَّلالةِ، فلَيسَ هو بعالَمِ الفِراقِ، ولا بعالَمٍ مُظلِمٍ، <strong>بل هو مَجمَعُ الأَحبابِ، وعالَمُ اللِّقاءِ معَ الأَحِبّةِ والأَخِلّاءِ، وفي طَلِيعَتِهِم حَبِيبُ رَبِّ العالَمِينَ وشَفِيعُنا عِندَه يَومَ القِيامةِ علَيْه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّ مَن هو سُلْطانُ ثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ مِليُونًا مِنَ النّاسِ في كلِّ عَصرٍ، عَبْرَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ سَنةً وهُو مُرَبِّي أَرْواحِهِم، ومُرشِدُ عُقُولِهِم، ومَحبُوبُ قُلُوبِهِم، والَّذي يُرفَعُ إلى صَحِيفةِ حَسَناتِه يَومِيًّا أَمثالُ ما قَدَّمَت أُمَّتُه مِن حَسَناتٍ، إذِ &#8220;السَّبَبُ كالفاعِلِ&#8221;، والَّذي هو مَدارُ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ، ومِحْوَرُ الغاياتِ الإِلٰهِيّةِ السّامِيةِ في الكَونِ، والَّذي هو السَّبَبُ لِرُقيِّ قِيمةِ المَوجُوداتِ وسُمُوِّها، ذلك الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ﷺ)، فكما أنَّه قال في الدَّقائِقِ الأُولَى الَّتي تَشَرَّفَ العالَمُ به: &#8220;أُمَّتِي.. أُمَّتِي..&#8221; كما وَرَد في الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ والكَشْفِيّاتِ الصّادِقةِ، فإنَّه (ﷺ) يَقُولُ في المَحشَرِ أَيضًا: &#8220;أُمَّتِي.. أُمَّتِي..&#8221;، ويَسعَى بشَفاعَتِه إلى إِمدادِ أُمَّتِه وإِغاثَتِها بأَعظَمِ رَحْمةٍ وأَسماها وأَقدَسِها وأَعلاها، في الوَقتِ الَّذي يَقُولُ كلُّ فَردٍ مِنَ الجُمُوعِ العَظِيمةِ: &#8220;نَفسِي.. نَفسِي&#8221;.</p>
<p><strong>فنَحنُ إِذًا ذاهِبُونَ إلى العالَمِ الَّذي ارتَحَل إلَيْه هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ، راحِلُونَ إلى العالَمِ الَّذي استَنَارَ بنُورِ ذلك السِّراجِ المُنِيرِ وبمَن حَوْلَه مِن نُجُومِ الأَصفِياءِ والأَوْلياءِ الَّذِينَ لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ</strong>.</p>
<p>نعم، إِنَّ اتِّباعَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ﷺ) هو الَّذي يَقُودُ إلى الِانضِواءِ تَحتَ لِواءِ شَفاعَتِه والِاقتِباسِ مِن أَنوارِه، والنَّجاةِ مِن ظُلُماتِ البَرزَخِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الرابع: في القرآن نور ودواء ورجاء]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الرَّابعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما وَطِئَتْ قَدَمايَ عَتَبةَ الشَّيخُوخةِ، كانَت صِحَّتِي الجَسَدِيّةُ الَّتي تُرخِي عِنانَ الغَفْلةِ وتُمِدُّها قدِ اعتَلَّت أَيضًا، فاتَّفَقَتِ الشَّيخُوخةُ والمَرَضُ مَعًا على شَنِّ الهُجُومِ عَلَيَّ، وما زالا يَكِيلانِ على رَأْسِي الضَّرَباتِ تِلْوَ الضَّرَباتِ حتَّى أَذهَبَا نَوْمَ الغَفْلةِ عَنِّي؛ ولم يَكُن لي ثَمّةَ ما يَربِطُني بالدُّنيا مِن مالٍ وبَنِينَ وما شابَهَهُما، فوَجَدتُ أنَّ عُصارةَ عُمُرِي الَّذي أَضَعتُه بغَفْلةِ الشَّبابِ، إنَّما هي آثامٌ وذُنُوبٌ، فاستَغَثتُ صائِحًا مِثلَما صاحَ نِيازِي المِصرِيُّ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>ذَهَب العُمُرُ هَباءً.. لم أَفُز فيه بشَيء</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ولَقَد جِئتُ أَسِيرُ الدَّرْبَ، لَكِنْ</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رَحَل الرَّكبُ بَعِيدًا.. وبَقِيت</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ذلك النّائي الغَرِيب.. وبَكَيت</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>هِمْتُ وَحْدِي تائِهًا أَطْوِي الطَّرِيق.. وبعَينَيَّ يَنابِيعُ الدُّمُوع</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وبصَدْرِي حُرْقةُ الشَّوق.. حارَ عَقْلِي..! </strong></p>
<p>كُنتُ حِينَها في غُربةٍ مُضنِيةٍ، فشَعَرتُ بحُزنٍ يائِسٍ، وأَسَفٍ نادِمٍ، وحَسْرةٍ مُلْتاعةٍ على ما فاتَ مِنَ العُمُرِ.. صَرَختُ مِن أَعماقي أَطلُبُ إِمدادَ العَوْنِ، وضِياءَ الرَّجاءِ.. وإذا بالقُرآنِ الحَكِيمِ المُعجِزِ البَيانِ يُمِدُّني، ويُسعِفُني، ويَفتَحُ أَمامي بابَ رَجاءٍ عَظِيمٍ، ويَمنَحُني نُورًا ساطِعًا مِنَ الأَمَلِ والرَّجاءِ يَستَطِيعُ أن يُزِيلَ أَضعافَ أَضعافِ يَأْسِي، ويُمكِنُه أن يُبَدِّدَ تلك الظُّلُماتِ القاتِمةَ مِن حَوْلي.</p>
<p>نعم، أيُّها الشُّيُوخُ وأيَّتُها العَجائِزُ المُحتَرَمُونَ، يا مَن بَدَأَت أَوْثاقُ صِلَتِهِم بالِانفِصامِ عنِ الدُّنيا مِثلِي! إنَّ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ الَّذي خَلَق هذه الدُّنيا أَكمَلَ مَدِينةٍ وأَنظَمَها، حتَّى كأَنَّها قَصرٌ مُنِيفٌ، هل يُمكِنُ لهذا الخالِقِ الكَرِيمِ ألّا يَتَـكلَّمَ معَ أَحِبَّائِه وأَكرَمِ ضُيُوفِه في هذه المَدِينةِ أو في هذا القَصْرِ؟ وهل يُمكِنُ ألّا يُقابِلَهُم؟!</p>
<p>فما دامَ قد خَلَق هذا القَصْرَ الشّامِخَ بعِلم، ونَظَّمَه بإِرادةٍ، وزَيَّنَه باختِيارٍ، فلا بُدَّ أنَّه يَتَكلَّمُ؛ إذ كما أنَّ البانِيَ يَعلَمُ، فالعالِمُ يَتَكلَّمُ.. وما دامَ قد جَعَل هذا القَصْرَ دارَ ضِيافةٍ جَمِيلةٍ بَهِيجةٍ، وهذه المَدِينةَ مَتْجَرًا رائِعًا، فلا بُدَّ أنْ يكُونَ له كُتُبٌ وصُحُفٌ يُبيِّنُ فيها ما يُرِيدُه مِنّا، ويُوضِّحُ عَلاقاتِه مَعَنا.</p>
<p>ولا شَكَّ أنَّ أَكمَلَ كِتابٍ مِن تلك الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الَّتي أَنزَلَها، إنَّما هو القُرآنُ الحَكِيمُ المُعجِزُ، الَّذي ثَبَت إِعجازُه بأَربَعِينَ وَجْهًا مِن وُجُوهِ الإِعجازِ، والَّذي يُتلَى في كلِّ دَقِيقةٍ بأَلسِنةِ مِئةِ مِليُونِ شَخصٍ في الأَقلِّ، والَّذي يَنشُرُ النُّورَ ويَهْدِي السَّبِيلَ، والَّذي في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه عَشرُ حَسَناتٍ، وعَشرُ مَثُوباتٍ في الأَقلِّ، وأَحيانًا عَشَرةُ آلافِ حَسَنةٍ، بل ثَلاثُونَ أَلفَ حَسَنةٍ، كما في لَيْلةِ القَدْرِ.. وهكذا يَمنَحُ مِن ثِمارِ الجَنّةِ ونُورِ البَرزَخِ ما شاءَ اللهُ أن يَمنَح.. فهل في الكَونِ أَجمَعَ كِتابٌ يُناظِرُه في هذا المَقامِ؟ وهل يُمكِنُ أن يَدَّعِيَ ذلك أَحَدٌ قَطُّ؟</p>
<p>فما دامَ هذا القُرآنُ الكَرِيمُ الَّذي بَينَ أَيدِينا هو كَلامَ رَبِّ العالَمِينَ، وهُو أَمرُه المُبَلَّغُ إلَيْنا، وهُو مَنبَعُ رَحْمَتِه الَّتي وَسِعَت كلَّ شَيءٍ، وهُو صادِرٌ مِن خالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ ذي الجَلالِ، مِن جِهةِ رُبُوبيَّتِه المُطلَقةِ، ومِن جِهةِ عَظَمةِ أُلُوهِيَّتِه، ومِن جانِبِ رَحْمَتِه المُحِيطةِ الواسِعةِ، فاستَمْسِكْ به واعتَصِمْ، ففِيه دَواءٌ لِكُلِّ داءٍ، ونُورٌ لِكُلِّ ظَلامٍ، ورَجاءٌ لِكُلِّ يَأْسٍ.. وما مِفتاحُ هذه الخَزِينةِ الأَبَدِيّةِ إلّا الإِيمانُ والتَّسلِيمُ، والِاستِماعُ إلَيْه، والِانقِيادُ له، والِاستِمتاعُ بتِلاوَتِه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الخامس: الشيخوخة علامة انتهاء واجبات الحياة]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الخامِسُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>في بِدايةِ شَيخُوخَتِي ومُستَهَلِّها، ورَغبةً مِنِّي في الِانزِواءِ والِاعتِزالِ عنِ النّاسِ، بَحثَتْ رُوحِي عن راحةٍ في الوَحْدةِ والعُزْلةِ على تلِّ &#8220;يُوشَع&#8221; المُطِلِّ على &#8220;البُوسفُور&#8221;، فلَمّا كُنتُ -ذاتَ يَومٍ- أَسرَحُ بنَظَرِي إلى الأُفُقِ مِن على ذلك التَّلِّ المُرتَفِعِ، رَأَيتُ بنَذِيرِ الشَّيخُوخةِ لَوْحةً مِن لَوْحاتِ الزَّوالِ والفِراقِ تَتَقطَّرُ حُزنًا ورِقّةً، حَيثُ جُلْتُ بنَظَرِي مِن قِمّةِ شَجَرةِ عُمُرِي، مِنَ الغُصنِ الخامِسِ والأَربَعِينَ مِنها، إلى أنِ انتَهَيتُ إلى أَعماقِ الطَّبَقاتِ السُّفلَى لِحَياتي، فرَأَيتُ أنَّ في كلِّ غُصنٍ مِن تلك الأَغصانِ الكائِنةِ هُناك ضِمنَ كلِّ سَنةٍ، جَنائِزَ لا تُحصَرُ مِن جَنائِزِ أَحبابِي وأَصدِقائِي وكلِّ مَن له عَلاقةٌ مَعِي، فتَأَثَّرتُ بالِغَ التَّأثُّرِ مِن فِراقِ الأَحبابِ وافتِراقِهِم، وتَرَنَّمتُ بأَنينِ &#8220;فُضُولِي البَغدِاديّ&#8221; عِندَ مُفارَقَتِه الأَحبابَ قائِلًا:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>كُلَّما حَنَّ الوِصال عَذُبَ دَمعِي ما دامَ الشَّهِيق</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد بَحَثتُ مِن خِلالِ تلك الحَسَراتِ الغائِرةِ عن بابِ رَجاءٍ، وعن نافِذةِ نُورٍ، أُسَلِّي بها نَفسِي، فإذا بنُورِ الإِيمانِ بالآخِرةِ يُغِيثُني ويُمِدُّني بنُورٍ باهِرٍ.. لقد مَنَحَنِي نُورًا لا يَنطَفِئُ أَبدًا، ورَجاءً لا يَخِيبُ مُطْلَقًا.</p>
<p>أَجَل يا إِخوانِي الشُّيُوخَ ويا أَخَواتِي العَجائِزَ، ما دامَتِ الآخِرةُ مَوجُودةً، وما دامَت هي باقِيةً خالِدةً، وما دامَت هي أَجمَلَ مِنَ الدُّنيا، وما دامَ الَّذي خَلَقَنا حَكِيمًا ورَحِيمًا، فما عَلَيْنا إِذًا إلّا عَدَمُ الشَّكْوَى مِنَ الشَّيخُوخةِ، وعَدَمُ التَّضَجُّرِ مِنها؛ ذلك لِأنَّ الشَّيخُوخةَ المُشْرَبةَ بالإِيمانِ والعِبادةِ، والمُوصِلةَ إلى سِنِّ الكَمالِ، ما هي إلّا عَلامةُ انتِهاءِ واجِباتِ الحَياةِ ووَظائِفِها، وإِشارةُ ارتِحالٍ إلى عالَمِ الرَّحْمةِ لِلخُلُودِ إلى الرّاحةِ.. فلا بُدَّ إِذًا مِنَ الرِّضَا بها أَشَدَّ الرِّضَا.</p>
<p>نعم، إنَّ إخبارَ مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرين أَلفًا مِنَ المُصطَفَينَ الأَخيارِ وهُمُ الأَنبِياءُ والمُرسَلُون عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كما نصَّ عليه الحَديثُ- إخبارًا بالإجماعِ والتَّواتُرِ مُستَنِدين إلى الشُّهُودِ عندَ بَعضِهم وإلى حَقِّ اليَقينِ عندَ آخَرين، عن وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ، وإعلانَهم بالإجماعِ أنَّ النّاسَ سيُساقُون إلَيها، وأنَّ الخالِقَ سُبحانَه وتَعالَى سيَأتي بالدّارِ الآخِرةِ بلا رَيبٍ، مِثلَما وَعَد بذلك وَعدًا قاطِعًا.</p>
<p>وإنَّ تَصدِيقَ مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرين مِليُونًا مِنَ الأَولياءِ كَشْفًا وشُهُودًا ما أَخبَرَ به هؤلاء الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام، وشَهادَتَهم على وُجُودِ الآخِرةِ بعِلمِ اليَقينِ، دَليلٌ قاطِعٌ وأيُّ دَليلٍ على وُجُودِ الآخِرةِ..</p>
<p>وكذا، فإن تَجَلِّياتِ جَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى لِخالِقِ الكَوْنِ المُتَجَلِّيةِ في أَرجاءِ العالَمِ كلِّه، تَقتَضِي بالبَداهةِ وُجُودَ عالَمٍ آخَرَ خالِدٍ، وتَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على وُجُودِ الآخِرةِ.</p>
<p>وكذا القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ وحِكمَتُها المُطلَقةُ، الَّتي لا إسرافَ فيها ولا عَبَثَ، والَّتي تُحيِي جَنائِزَ الأَشجارِ المَيِّتةِ وهَياكِلَها المُنتَصِبةَ، تُحيِيها وهي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ رَبيعٍ، وفي كلِّ سنةٍ، بأَمرِ: &#8220;كُنْ فيَكُونُ&#8221; وتَجعَلُها علامةً على &#8220;البَعثِ بعدَ المَوتِ&#8221;، فتَحشُرُ ثلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وتَنشُرُها، مُظهِرةً بذلك مِئاتِ الأُلُوفِ مِن نَماذِجِ الحَشرِ والنُّشُورِ ودَلائلِ وُجُودِ الآخِرةِ.</p>
<p>وكذا الرَّحمةُ الواسِعةُ الَّتي تُدِيمُ حَياةَ جَميعِ ذَوِي الأَرواحِ المُحتاجةِ إلى الرِّزقِ، وتُعِيشُها بكَمالِ الرَّأفةِ عِيشةً خارِقةً للغايةِ؛ والعِنايةُ الدّائمةُ الَّتي تُظهِرُ أَنواعَ الزِّينةِ والمَحاسِنِ بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، في مُدّةٍ قَصيرةٍ جِدًّا في كلِّ رَبيعٍ.. لا شَكَّ أنَّهما تَستَلزِمانِ وُجُودَ الآخِرةِ بَداهةً.</p>
<p>وكذا عِشقُ البَقاءِ، والشَّوقُ إلى الأَبَديّةِ وآمالُ السَّرمَدِيّةِ الشَّديدةُ المَغرُوزةُ غَرْزًا لا انفِصامَ له في فِطرةِ هذا الإنسانِ الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَرةٍ لهذا الكَونِ، وأَحَبُّ مَخلُوقٍ إلى خالِقِ الكَونِ، وهو أَوْثَقُ صِلةً معَ مَوجُوداتِ الكَونِ كُلِّه، لا شَكَّ أنَّه يُشِيرُ بالبَداهةِ إلى وُجُودِ عالَم باقٍ بعدَ هذا العالَم الفاني، وإلى وُجُودِ عالَمِ الآخِرةِ ودارِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ.</p>
<p>فجَميعُ هذه الدَّلائلِ تُثبِتُ بقَطعِيّةٍ تامّةٍ -إلى حَدٍّ يَستَلزِمُ القَبُولَ- وُجُودَ الآخِرةِ بمِثلِ بَداهةِ وُجُودِ الدُّنيا<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p>فما دامَ أَهَمُّ دَرسٍ يُلَقِّنُنا القُرآنُ إيّاه هو &#8220;الإيمانَ بالآخِرة&#8221;، وهذا الإِيمانُ رَصينٌ ومَتينٌ إلى هذه الدَّرَجةِ، وفي ذلك الإيمانِ نُورٌ باهِرٌ ورَجاءٌ شَديدٌ وسُلوانٌ عَظِيمٌ ما لوِ اجْتَمَعَت مِئةُ أَلفِ شَيخُوخةٍ في شَخصٍ واحِدٍ لكَفاها ذلك النُّورُ، وذلك الرَّجاءُ، وذلك السُّلْوانُ النّابِعُ مِن هذا الإيمانِ؛ لذا عَلَينا نحنُ الشُّيُوخَ أن نَفرَحَ بشَيخُوخَتِنا ونَبتَهِجَ قائِلِين: &#8220;الحَمدُ للهِ على كَمالِ الإيمانِ&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء السادس: لا غربة مع الإيمان بالخالق]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ السَّادِسُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما كُنتُ في مَنْفايَ -ذلك الأَسْرِ الأَلِيمِ- بَقِيتُ وَحْدِي مُنفَرِدًا مُنعَزِلًا عنِ النّاسِ على قِمّةِ جَبَلِ &#8220;چام&#8221; المُطِلّةِ على مَراعِي &#8220;بارْلا&#8221;.. كُنتُ أَبحَثُ عن نُورٍ في تلك العُزْلةِ؛ وذاتَ لَيْلةٍ، في تلك الغُرفةِ الصَّغِيرِة غَيرِ المُسَقَّفةِ، المَنصُوبةِ على شَجَرةِ صَنَوبَرٍ عالِيةٍ على قِمّةِ ذلك المُرتَفَعِ، إذا بشَيخُوخَتِي تُشعِرُني بأَلوانٍ وأَنواعٍ مِنَ الغُرْبةِ المُتَداخِلةِ -كما جاءَ ذلك في &#8220;المَكتُوبِ السّادِسِ&#8221; بوُضُوحٍ- ففي سُكُونِ تلك اللَّيْلةِ حَيثُ لا أَثَرَ ولا صَوْتَ سِوَى ذلك الصَّدَى الحَزِينِ لِحَفِيفِ الأَشجارِ وهَمْهَمَتِها.. أَحسَسْتُ بأنَّ ذلك الصَّدَى الأَلِيمَ قد أَصابَ صَمِيمَ مَشاعِرِي، ومَسَّ أَعماقَ شَيخُوخَتِي وغُربَتِي، فهَمَسَتِ الشَّيخُوخةُ في أُذُني مُنذِرةً:</p>
<p>كما أنَّ النَّهارَ قد تَبَدَّلَ إلى هذا القَبْرِ الحالِكِ، ولَبِسَتِ الدُّنيا كَفَنَها الأَسوَدَ، فسَوفَ يَتَبدَّلُ نَهارُ عُمُرِك إلى لَيلٍ، وسَوفَ يَنقَلِبُ نَهارُ الدُّنيا إلى لَيلِ البَرزَخِ، وسَوفَ يَتَحوَّلُ نَهارُ صَيفِ الحَياةِ إلى لَيلِ شِتاءِ المَوتِ.</p>
<p>فأَجابَتْها نَفسِي على مَضَضٍ:</p>
<p>نعم، كما أنَّني غَرِيبةٌ هُنا عن بَلدَتي ونائِيةٌ عن مَوطِنِي، فإنَّ مُفارَقَتِي لِأَحِبّائي الكَثِيرِينَ خِلالَ عُمُرِي الَّذي ناهَزَ الخَمسِينَ ولا أَملِكُ سِوَى تَذْرافِ الدُّمُوعِ وَراءَهُم، هي غُرْبةٌ تَفُوقُ غُرْبَتي عن مَوطِنِي.. وإنِّي لَأَشعُرُ في هذه اللَّيْلةِ غُرْبةً أَكثَرَ حُزنًا وأَشَدَّ أَلَمًا مِن غُربَتِي على هذا الجَبَلِ الَّذي تَوَشَّح بالغُرْبةِ والحُزْنِ، فشَيخُوخَتِي تُنذِرُني بدُنُوِّي مِن مَوعِدِ فِراقٍ نِهائِيٍّ عنِ الدُّنيا وما فيها، ففي هذه الغُرْبةِ المُكْتَنِفةِ بالحُزْنِ، ومِن خِلالِ هذا الحُزْنِ الَّذي يُمازِجُه الحُزنُ، بَدَأتُ أَبحَثُ عن نُورٍ، وعن قَبَسِ أَمَلٍ، وعن بابِ رَجاءٍ، وسَرْعانَ ما جاءَ &#8220;الإِيمانُ باللهِ&#8221; لِنَجْدَتِي ولِشَدِّ أَزْرِي، ومَنَحَني أُنسًا عَظِيمًا بحَيثُ لو تَضاعَفَتْ آلامِي ووَحْشَتِي أَضْعافًا مُضاعَفةً لَكانَ ذلك الأُنسُ كافِيًا لِإِزالَتِها.</p>
<p>نعم، أَيُّها الشُّيُوخُ، ويا أَيَّتُها العَجائِزُ.. <strong>فما دامَ لَنا خالِقٌ رَحِيمٌ، فلا غُرْبةَ لنا إِذًا أَبَدًا</strong>.. <strong>وما دامَ سُبحانَه مَوجُودًا فكُلُّ شَيءٍ لنا مَوجُودٌ إِذًا</strong>.. وما دامَ هو مَوجُودًا ومَلائِكتُه مَوجُودةً، فهذه الدُّنيا إِذًا لَيسَت خالِيةً لا أَنِيسَ فيها ولا حَسِيسَ، وهذه الجِبالُ الخاوِيةُ وتلك الصَّحارَى المُقفِرةُ كُلُّها عامِرةٌ ومَأْهُولةٌ بعِبادِ اللهِ المُكْرَمِينَ، بالمَلائِكةِ الكِرامِ.</p>
<p><strong>نعم، إنَّ نُورَ الإِيمانِ باللهِ سُبحانَه، والنَّظْرةَ إلى الكَونِ لِأَجْلهِ، يَجعَلُ الأَشجارَ بل حتَّى الأَحجارَ كأَنَّها أَصدِقاءُ مُؤْنِسُونَ فَضْلًا عن ذَوِي الشُّعُورِ مِن عِبادِه، حَيثُ يُمكِنُ لِتِلك المَوجُوداتِ أن تَتَكلَّمَ مَعَنا -بلِسانِ الحالِ- بما يُسَلِّينا ويُرَوِّحُ عَنّا</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّ الدَّلائِلَ على وُجُودِه سُبحانَه بعَدَدِ مَوجُوداتِ هذا الكَونِ، وبعَدَدِ حُرُوفِ كِتابِ العالَمِ الكَبِيرِ هذا، وهُناك دَلائِلُ وشَواهِدُ على رَحْمَتِه بعَدَدِ أَجهِزةِ ذَوِي الأَرْواحِ وما خَصَّهُم مِن نِعَمِه ومَطعُوماتِه الَّتي هي مِحْوَرُ الشَّفَقةِ والرَّحْمةِ والعِنايةِ، فجَمِيعُها تَدُلُّ على بابِ خالِقِنا الرَّحِيمِ والكَرِيمِ، وصانِعِنا الأَنِيسِ، وحامِينا الوَدُودِ؛ ولا شَكَّ أنَّ العَجْزَ والضَّعْفَ هُما أَرجَى شَفِيعَينِ عِندَ ذلك البابِ السّامِي، وأنَّ عَهْدَ الشَّيْبِ أَوانُهُما، ووَقتُ ظُهُورِهِما، فعَلَيْنا إِذًا أن نَوَدَّ الشَّيخُوخةَ، وأن نُحِبَّها، لا أن نُعرِضَ عَنْها؛ إذ هي شَفِيعٌ مُرتَجًى أَمامَ ذلك البابِ الرَّفِيعِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء السابع: ظلمات من الجهات الست يبددها نور الإيمان]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ السَّابعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما تَبَدَّلَت نَشْوةُ &#8220;سَعِيدٍ القَدِيمِ&#8221; وابتِساماتُه إلى نَحِيبِ &#8220;سَعِيدٍ الجَدِيدِ&#8221; وبُكائِه، وذلك في بِدايةِ المَشِيبِ، دَعاني أَرْبابُ الدُّنيا في &#8220;أَنقَرةَ&#8221; إلَيْها، ظَنًّا مِنهُم أَنَّني &#8220;سَعِيدٌ القَدِيمُ&#8221;، فاستَجَبتُ لِلدَّعْوةِ.</p>
<p>فذاتَ يَومٍ مِنَ الأَيّامِ الأَخِيرةِ لِلخَرِيفِ، صَعِدتُ إلى قِمّةِ &#8220;قَلْعةِ أَنقَرةَ&#8221; الَّتي أَصابَها الكِبَرُ والبِلَى أَكثَرَ مِنِّي، فتَمَثَّلَتْ تلك القَلْعةُ أَمامِي كأَنَّها حَوادِثُ تارِيخِيّةٌ مُتَحَجِّرةٌ، واعْتَراني حُزنٌ شَدِيدٌ وأَسًى عَمِيقٌ مِن شَيْبِ السَّنةِ في مَوْسِمِ الخَرِيفِ، ومِن شَيْبِي أنا، ومِن هَرَمِ القَلْعةِ، ومِن هَرَمِ البَشَرِيّةِ، ومِن شَيْخُوخةِ الدَّوْلةِ العُثْمانيّةِ العَلِيّةِ، ومِن وَفاةِ سَلْطَنةِ الخِلافةِ، ومِن شَيْخُوخةِ الدُّنيا.. فاضْطَرَّتْني تلك الحالةُ إلى النَّظَرِ مِن ذِرْوةِ تلك القَلْعةِ المُرتَفِعةِ إلى أَوْدِيةِ الماضِي وشَواهِقِ المُستَقبَلِ، أُنقِّبُ عن نُورٍ، وأَبحَثُ عن رَجاءٍ وعَزاءٍ يُنِيرُ ما كُنتُ أُحِسُّ به مِن أَكثَفِ الظُّلُماتِ الَّتي غَشِيَت رُوحِي هُناك وهِي غارِقةٌ في لَيْلِ هذا الهَرَمِ المُتَداخِلِ المُحِيطِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>.</p>
<p>فحِينَما نَظَرتُ إلى <strong>اليَمِينِ</strong> الَّذي هو الماضِي باحِثًا عن نُورٍ ورَجاءٍ، بَدَت لي تلك الجِهةُ مِن بَعِيدٍ على هَيْئةِ مَقبَرةٍ كُبْرَى لِأَبي وأَجْدادِي والنَّوعِ الإِنسانِيِّ، فأَوْحَشَتْني بَدَلًا مِن أن تُسَلِّيَني.</p>
<p>ثمَّ نَظَرتُ إلى <strong>اليَسارِ</strong> الَّذي هو المُستَقبَلُ مُفَتِّشًا عنِ الدَّواءِ، فتَراءَى لي على صُورةِ مَقبَرةٍ كُبْرَى مُظلِمةٍ لي ولِأَمثالي ولِلجِيلِ القابِلِ، فأَدْهَشَني عِوَضًا مِن أن يُؤْنِسَني.</p>
<p>ثمَّ نَظَرتُ إلى <strong>زَمَنِي الحاضِرِ</strong> بَعدَ أنِ امْتَلَأ قَلبِي بالوَحْشةِ مِنَ اليَمِينِ واليَسارِ، فبَدا ذلك اليَومُ لِنَظَرِي الحَسِيرِ ونَظْرَتي التّارِيخِيّةِ على شَكْلِ نَعْشٍ لِجِنازةِ جِسمِي المُضطَرِبِ كالمَذبُوحِ بَينَ المَوتِ والحَياةِ.</p>
<p>فلَمّا يَئِستُ مِن هذه الجِهةِ أَيضًا، رَفَعتُ رَأْسِي ونَظَرتُ إلى <strong>قِمّةِ شَجَرةِ عُمُرِي</strong>، فرَأَيتُ أنَّ على تلك الشَّجَرةِ ثَمَرةً واحِدةً فقط، وهِي تَنظُرُ إِليَّ، تلك هي جِنازَتي، فطَأْطَأْتُ رَأْسِي ناظِرًا إلى <strong>جُذُورِ شَجَرةِ عُمُرِي</strong>، فرَأَيتُ أنَّ التُّرابَ الَّذي هُناك ما هو إلّا رَمِيمُ عِظامِي، وتُرابُ مَبدَأِ خِلْقَتِي قدِ اختَلَطا مَعًا وامْتَزَجا، وهُما يُداسانِ تَحتَ الأَقدامِ، فأَضافا إلى دائِي داءً مِن دُونِ أن يَمنَحانِي دَواءً.</p>
<p>ثمَّ حَوَّلتُ نَظَرِي على مَضَضٍ إلى <strong>ما وَرائي</strong>، فرَأَيتُ أنَّ هذه الدُّنيا الفانِيةَ الزّائِلةَ تَتَدحرَجُ في أَوْدِيةِ العَبَثِ، وتَنحَدِرُ في ظُلُماتِ العَدَمِ، فسَكَبَتْ هذه النَّظْرةُ السُّمَّ على جُرُوحِي بَدَلًا مِن أن تُواسِيَها بالمَرْهَمِ والعِلاجِ الشَّافي.</p>
<p>ولَمَّا لم أَجِد في تلك الجِهةِ خَيْرًا ولا أَمَلًا، وَلَّيْتُ وَجْهِي شَطْرَ <strong>الأَمامِ</strong> ورَنَوْتُ بنَظَرِي بَعِيدًا، فرَأَيتُ أنَّ القَبْرَ واقِفٌ لي بالمِرصادِ على قارِعةِ الطَّرِيقِ، فاغِرًا فاهُ، يُحدِقُ بي، وخَلْفَه الصِّراطُ المُمتَدُّ إلى حَيثُ الأَبَدُ، وتَتَراءَى القَوافِلُ البَشَرِيّةُ السّائِرةُ على ذلك الصِّراطِ مِن بَعِيدٍ؛ ولَيسَ لي مِن نُقطةِ استِنادٍ أَمامَ هذه المَصائِبِ المُدهِشةِ الَّتي تَأْتِيني مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، ولا أَملِكُ سِلاحًا يَدفَعُ عَنِّي غَيرَ جُزءٍ ضَئِيلٍ مِنَ الإِرادةِ الجُزئيّةِ.. فلَيسَ لي إِذًا أَمامَ كلِّ أُولَئِك الأَعداءِ الَّذِينَ لا حَصْرَ لَهُم، والأَشياءِ المُضِرّةِ غَيرِ المَحصُورةِ، سِوَى السِّلاحِ الإِنسانِيِّ الوَحِيدِ، وهُو الجُزءُ الِاختِيارِيُّ.</p>
<p>ولكِن لَمَّا كان هذا السِّلاحُ ناقِصًا وقاصِرًا وعاجِزًا، ولا قُوّةَ له على إِيجادِ شَيءٍ، ولَيسَ في طَوْقِه إلّا الكَسْبُ فحَسْبُ، حَيثُ لا يَستَطِيعُ أن يَمضِيَ إلى الزَّمانِ الماضِي كي يَذُبَّ عَنِّي الأَحْزانَ ويُسكِتَها، ولا يُمكِنُه أن يَنطَلِقَ إلى المُستَقبَلِ حتَّى يَمنَعَ عَنِّي الأَهوالَ والمَخاوِفَ الوارِدةَ مِنه، أَيقَنتُ أن لا جَدْوَى مِنه فيما يُحِيطُ بي مِن آلامِ الماضِي وآمالِ المُستَقبَلِ.</p>
<p>وبَينَما كُنتُ مُضطَرِبًا وَسْطَ <strong>الجِهاتِ السِّتِّ</strong>، تَتَوالَى عَلَيَّ مِنها صُنُوفُ الوَحْشةِ والدَّهْشةِ واليَأْسِ والظُّلْمةِ، إذا بأَنوارِ الإِيمانِ المُتَألِّقةِ في وَجْهِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، تُمِدُّني وتُضِيءُ تلك الجِهاتِ السِّتَّ وتُنَوِّرُها بأَنوارٍ باهِرةٍ ساطِعةٍ ما لو تَضاعَفَ ما انْتابَنِي مِن صُنُوفِ الوَحْشةِ وأَنواعِ الظُّلُماتِ مِئةَ مَرّةٍ، لَكانَت تلك الأَنوارُ كافِيةً ووافِيةً لِإِحاطَتِها.</p>
<p>فبَدَّلَت -تلك الأَنوارُ- السِّلسِلةَ الطَّوِيلةَ مِنَ الوَحْشةِ إلى سُلْوانٍ ورَجاءٍ، وحَوَّلَت كلَّ المَخاوِفِ إلى أُنسِ القَلْبِ، وأَمَلِ الرُّوحِ، الواحِدةَ تِلْوَ الأُخرَى.</p>
<p>نعم، إنَّ الإِيمانَ قد مَزَّق تلك الصُّورةَ الرَّهِيبةَ <strong>لِلماضِي</strong> وهِي كالمَقبَرةِ الكُبْرَى، وحَوَّلَها إلى مَجلِسٍ مُنَوَّرٍ مُؤْنِسٍ، وإلى مُلتَقَى الأَحبابِ، وأَظهَرَ ذلك بعَينِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ..</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد أَظهَرَ بعِلمِ اليَقِينِ أنَّ <strong>المُستَقبَلَ</strong> الَّذي يَتَراءَى لَنا بنَظَرِ الغَفْلةِ كقَبْرٍ واسِعٍ كَبِيرٍ، مّا هو إلّا مَجلِسُ ضِيافةٍ رَحْمانيّةٍ أُعِدَّت في قُصُورِ السَّعادةِ الخالِدةِ. ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد حَطَّم صُورةَ التّابُوتِ والنَّعْشِ لِلزَّمَنِ الحاضِرِ الَّتي تَبدُو هكَذا بنَظَرِ الغَفْلةِ، وأَشْهَدَني أنَّ اليَومَ الحاضِرَ إنَّما هو مَتْجَرٌ أُخرَوِيٌّ، ودارُ ضِيافةٍ رائِعةٌ لِلرَّحمٰنِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانِ قد بَصَّرَني بعِلمِ اليَقِينِ أنَّ ما يَبدُو بنَظَرِ الغَفْلةِ مِنَ الثَّمَرةِ الوَحِيدةِ الَّتي هي <strong>فَوقَ شَجَرةِ العُمُرِ</strong> على شَكْلِ نَعشٍ وجِنازةٍ: أنَّها لَيسَت كَذَلِك، وإنَّما هي انطِلاقٌ لِرُوحِي الَّتي هي مُؤَهَّلةٌ لِلحَياةِ الأَبَدِيّةِ ومُرَشَّحةٌ لِلسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، مِن وَكْرِها القَدِيمِ إلى حَيثُ آفاقُ النُّجُومِ لِلسِّياحةِ والِارْتِيادِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد بَيَّن بأَسرارِه أنَّ <strong>عِظامِي ورَمِيمَها وتُرابَ بِدايةِ خِلْقَتِي</strong>، لَيسَا عِظامًا حَقِيرةً فانِيةً تُداسُ تَحتَ الأَقدامِ، وإنَّما ذلك التُّرابُ بابٌ لِلرَّحْمةِ، وسِتارٌ لِسُرادِقِ الجَنّةِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانَ أَراني بفَضْلِ أَسرارِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ أَحْوالَ الدُّنيا وأَوْضاعَها المُنهارةَ في ظُلُماتِ العَدَمِ بنَظَرِ الغَفْلةِ، لا تَتَدحْرَجُ هكَذا في غَياهِبِ العَدَمِ -كما ظُنَّ في بادِئِ الأَمرِ- بل إِنَّها نَوعٌ مِن رَسائِلَ رَبّانيّةٍ ومَكاتِيبَ صَمَدانيّةٍ، وصَحائِفِ نُقُوشٍ لِلأَسماءِ السُّبْحانيّةِ قد أَتمَّت مَهامَّها، وأَفادَت مَعانيَها، وأَخْلَفَت عنها نَتائِجَها في الوُجُودِ، فأَعْلَمَني الإِيمانُ بذلك ماهِيّةَ الدُّنيا عِلمَ اليَقِينِ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد أَوْضَحَ لي بِنُورِ القُرآنِ أنَّ ذلك القَبْرَ الَّذي أَحدَقَ بي ناظِرًا ومُنتَظِرًا لَيسَ هو بفَوْهةِ بِئرٍ، وإِنَّما هو بابٌ لِعالَمِ النُّورِ، وأنَّ ذلك الطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إلى الأَبَدِ لَيسَ طَرِيقًا مُمْتَدًّا ومُنتَهِيًا بالظُّلُماتِ والعَدَمِ، بل إنَّه سَبِيلٌ سَوِيٌّ إلى عالَمِ النُّورِ، وعالَمِ الوُجُودِ وعالَمِ السَّعادةِ الخالِدةِ.. وهكَذا أَصبَحَت هذه الأَحوالُ دَواءً لِدائِي، ومَرهَمًا له، حَيثُ قد بَدَت واضِحةً جَلِيّةً فأَقنَعَتْني قَناعةً تامّةً.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِيمانَ يَمنَحُ ذلك الجُزءَ الضَّئِيلَ مِنَ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ الَّذي يَملِكُ كَسْبًا جُزئِيًّا لِلغايةِ، وَثِيقةً يَستَنِدُ بها إلى قُدرةٍ مُطلَقةٍ، ويَنتَسِبُ بها إلى رَحْمةٍ واسِعةٍ، ضِدَّ تلك الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الأَعداءِ والظُّلُماتِ المُحِيطةِ، بل إنَّ الإِيمانَ نَفسَه يكُونُ وَثيقةً بِيَدِ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ؛ ثمَّ إنَّ هذا الجُزءَ الِاختِيارِيَّ الَّذي هو السِّلاحُ الإِنسانِيُّ، وإن كانَ في حَدِّ ذاتِه ناقِصًا عاجِزًا قاصِرًا، إلّا أنَّه إذا استُعْمِلَ بِاسمِ الحَقِّ سُبحانَه، وبُذِلَ في سَبِيلِه، ولِأَجلِه، يُمكِنُ أن يُنالَ به -بمُقتَضَى الإِيمانِ- جَنّةٌ أَبَدِيّةٌ بسَعَةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ، مَثَلُ المُؤمِنِ في ذلك مَثَلُ الجُندِيِّ إذا استَعمَلَ قُوَّتَه الجُزئيّةَ بِاسمِ الدَّوْلةِ فإنَّه يَسهُلُ علَيْه أن يُؤَدِّيَ أَعمالًا تَفُوقُ قُوَّتَه الشَّخصِيّةَ بأُلُوفِ المَرّاتِ.</p>
<p>وكما أنَّ الإِيمانَ يَمنَحُ الجُزءَ الِاختِيارِيَّ وَثيقةً، فإنَّه يَسلُبُ زِمامَه مِن قَبْضةِ الجِسمِ الَّذي لا يَستَطِيعُ النُّفُوذَ في الماضِي ولا في المُستَقبَلِ، ويُسَلِّمُه إلى القَلبِ والرُّوحِ، ولِعَدَمِ انحِصارِ دائِرةِ حَياةِ الرُّوحِ والقَلبِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ كما هو في الجَسَدِ، ولِدُخُولِ سَنَواتٍ عِدّةٍ مِنَ الماضِي وسَنَواتٍ مِثلِها مِنَ المُستَقبَلِ في دائِرةِ تلك الحَياةِ، فإنَّ ذلك الجُزءَ الِاختِيارِيَّ يَنبَثِقُ مِنَ الجُزئيّةِ مُكتَسِبًا الكُلِّيّةَ.. فكَما أنَّه يَدخُلُ بقُوّةِ الإِيمانِ في أَعمَقِ أَوْدِيةِ الماضِي مُبَدِّدًا ظُلُماتِ الأَحْزانِ، كَذلِك يَصعَدُ مُحَلِّقًا بنُورِ الإِيمانِ إلى أَبعَدِ شَواهِقِ المُستَقبَلِ، مُزِيلًا أَهْوالَه ومَخاوِفَه.</p>
<p>فيا أيُّها الإِخوانُ الشُّيُوخُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ، ويا مَن تَتَألَّمُونَ مِثلِي مِن تَعَبِ المَشِيبِ.. ما دُمْنا والحَمدُ للهِ مِن أَهلِ الإِيمانِ، والإِيمانُ فيه خَزائِنُ حُلْوةٌ نَيِّرةٌ لَذِيذةٌ مَحبُوبةٌ إلى هذا الحَدِّ، وأنَّ شَيْبَنا يَدفَعُنا إلى هذه الخَزائِنِ دَفْعًا أَكثَرَ، فلَيسَ لنا التَّشَكِّي مِنَ الشَّيخُوخةِ إِذًا، بل يَجِبُ علَيْنا أن نُقَدِّمَ أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأن نَحمَدَه تَعالَى على شَيْبِنا المُنَوَّرِ بالإِيمانِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الثامن: المشيب صرخة تنبيه من غفلة الشباب]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الثَّامِنُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما خالَطَ بَعضَ شَعَراتِ رَأْسِي <strong>البَياضُ الَّذي هو عَلامةُ الشَّيخُوخةِ</strong>، وكانَت أَهْوالُ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى وما خَلَّفَه الأَسْرُ لَدَى الرُّوسِ مِن آثارٍ عَمِيقةٍ في حَياتِي عَمَّقَت فِيَّ نَومَ غَفْلةِ <strong>الشَّبابِ</strong>؛ وتَلا ذلك استِقبالٌ رائِعٌ عِندَ عَوْدَتِي مِنَ الأَسْرِ إلى إسطَنبُولَ، سَواءٌ مِن قِبَلِ الخَلِيفةِ أو شَيخِ الإِسلامِ، أوِ القائِدِ العامِّ، أو مِن قِبَل طَلَبةِ العُلُومِ الشَّرعِيّةِ، وما قُوبِلتُ به مِن تَكرِيمٍ وحَفاوةٍ أَكثَرَ مِمّا أَستَحِقُّ بكَثِيرٍ.. كلُّ ذلك وَلَّد عِندِي حالةً رُوحِيّةً فَضْلًا عن <strong>سَكْرةِ الشَّبابِ وغَفْلَتِه</strong>، وعَمَّقَتْ فِيَّ ذلك <strong>النَّومَ</strong> أَكثَرَ، حتَّى تَصَوَّرتُ مَعَها أنَّ الدُّنيا دائِمةٌ باقِيةٌ، ورَأَيتُ نَفسِي في حالةٍ عَجِيبةٍ مِنَ الِالتِصاقِ بالدُّنيا كأَنَّني لا أَمُوتُ.</p>
<p>ففي هذا الوَقْتِ، ذَهَبتُ إلى جامِع &#8220;بايَزِيدَ&#8221; في إسطَنبُولَ، وذلك في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ لِأَستَمِعَ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ مِنَ الحُفّاظِ المُخلِصِينَ، فاستَمَعتُ مِن لِسانِ أُولَئِك الحُفّاظِ ما أَعلَنَه القُرآنُ المُعجِزُ بقُوّةٍ وشِدّةٍ، بخِطابِه السَّماوِيِّ الرَّفِيعِ في مَوتِ الإِنسانِ وزَوالِه، ووَفاةِ ذَوِي الحَياةِ ومَوتِهِم، وذلك بنَصِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، نَفَذَ هذا الإِعلانُ الدّاوِي صِماخَ أُذُني مُختَرِقًا ومُمَزِّقًا طَبَقاتِ <strong>النَّومِ والغَفْلةِ والسَّكْرةِ الكَثِيفةِ الغَلِيظةِ</strong> حتَّى استَقَرَّ في أَعماقِ أَعماقِ قَلبِي.. فخَرَجتُ مِنَ الجامِعِ، ورَأَيتُ نَفسِي لِبِضْعةِ أَيّامٍ، كأنَّ إِعصارًا هائِلًا يَضطَرِمُ في رَأْسِي بما بَقِيَ مِن آثارِ ذلك النَّومِ العَمِيقِ المُستَقِرِّ فِيَّ مُنذُ أَمَدٍ طَوِيلٍ، ورَأَيتُني كالسَّفِينةِ التّائِهةِ بَينَ أَمواجِ البَحرِ.. كانَت نَفسِي تَتَأجَّجُ بنارٍ ذاتِ دُخانِ كَثِيفٍ، وكُلَّما كُنتُ أَنظُرُ إلى المِرآةِ، كانَت تلك <strong>الشَّعَراتُ البَيضاءُ</strong> تُخاطِبُني قائِلةً: <strong>انتَبِهْ</strong>!!</p>
<p>نعم، إنَّ الأُمُورَ تَوَضَّحَت عِندِي بظُهُورِ تلك <strong>الشَّعَراتِ البَيْضاءِ</strong> وتَذكِيرِها إِيّايَ، حَيثُ شاهَدتُ أنَّ <strong>الشَّبابَ</strong> الَّذي كُنتُ أَغتَرُّ به كَثِيرًا، بل كُنتُ مَفتُونًا بأَذْواقِه يقُولُ لي: الوَداعَ! وأنَّ الحَياةَ الدُّنيا الَّتي كُنتُ أَرتَبِطُ بحُبِّها بَدَأَت بالِانطِفاءِ رُوَيدًا رُوَيدًا، وبَدَت لي الدُّنيا الَّتي كُنتُ أَتَشبَّثُ بها، بل كُنتُ مُشتاقًا إِلَيْها وعاشِقًا لها، رَأَيتُها تَقُولُ لي: الوَداعَ!! الوَداعَ!! مُشعِرةً إِيّايَ بأَنَّني سأَرحَلُ مِن دارِ الضِّيافةِ هذه، وسأُغادِرُها عَمّا قَرِيبٍ؛ ورَأَيتُها -أي: الدُّنيا- هي الأُخرَى تَقُولُ: الوَداعَ! وتَتَهيَّأُ لِلرَّحِيلِ.. وانفَتَح لِلقَلبِ مِن كُلِّيّةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ومِن إِشاراتِها هذا المَعنَى:</p>
<p><strong>إِنَّ البَشَرِيّةَ قاطِبةً إنَّما هي كالنَّفسِ الواحِدةِ</strong>، فلا بُدَّ أنَّها ستَمُوتُ كي تُبعَثَ مِن جَدِيدٍ؛ وإنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ كَذلِك نَفسٌ، فلا بُدَّ أنَّها سَوفَ تَمُوتُ ويُصِيبُها البَوارُ كي تَتَّخِذَ صُورةً باقِيةً؛ وإنَّ الدُّنيا هي الأُخرَى نَفسٌ وسَوفَ تَمُوتُ وتَنقَضِي كي تَتَشكَّلَ بصُورةِ &#8220;الآخِرةِ&#8221;.</p>
<p>فَكَّرتُ فيما أنا فيه.. فرَأَيتُ أنَّ <strong>الشَّبابَ</strong> الَّذي هو مَدارُ الأَذْواقِ واللَّذائِذِ، ذاهِبٌ نَحوَ الزَّوالِ، تارِكٌ مَكانَه <strong>لِلشَّيخُوخةِ</strong> الَّتي هي مَنشَأُ الأَحزانِ؛ وأنَّ الحَياةَ السّاطِعةَ الباهِرةَ لَفِي ارْتِحالٍ، ويَتَهيَّأُ المَوتُ المُظلِمُ المُخِيفُ -ظاهِرًا- لِيَحُلَّ مَحَلَّها.</p>
<p>ورَأَيتُ الدُّنيا الَّتي هي مَحبُوبةٌ وحُلْوةٌ ومَعشُوقةُ الغُفَاةِ ويُظَنُّ أنَّها دائِمةٌ، رَأَيتُها تَجرِي مُسرِعةً إلى الفَناءِ؛ ولِكَي أَنغَمِسَ في الغَفْلةِ وأُخادِعَ نَفسِي وَلَّيتُ نَظَرِي شَطْرَ أَذْواقِ المَنزِلةِ الِاجتِماعِيّةِ ومَقامِها الرَّفِيعِ الَّذي حَظِيتُ به في إسطَنبُولَ والَّذي خُدِعَت به نَفسِي وهُو فَوقَ حَدِّي وطَوْقي، مِن حَفاوةٍ وإِكرامٍ وسُلْوانٍ وإِقبالٍ وإِعجابٍ.. فرَأَيتُ أنَّ جَمِيعَها <strong>لا تُصاحِبُني إلّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ</strong> القَرِيبِ مِنِّي، وعِندَه تَنطَفِئُ.</p>
<p>ورَأَيتُ أنَّ رِياءً ثَقِيلًا، وأَثَرَةً بارِدةً وغَفْلةً مُؤَقَّتةً، تَكمُنُ تَحتَ السِّتارِ المُزَرْكَشِ لِلسُّمْعةِ والصِّيتِ، الَّتي هي المَثَلُ الأَعلَى لِأَربابِ الشُّهْرةِ وعُشّاقِها، ففَهِمتُ أنَّ هذه الأُمُورَ الَّتي خَدَعَتْني حتَّى الآنَ لن تَمنَحَنِي أيَّ سُلْوانٍ، ولا يُمكِنُ أن أَتلَمَّسَ فيها أيَّ قَبَسٍ مِن نُورٍ.</p>
<p>ولِكَي أَستَيقِظَ مِن غَفْلَتِي مَرّةً أُخرَى وأَنتَبِهَ مِنها نِهائِيًّا، بَدَأتُ بالِاستِماعِ كَذلِك لِأُولَئِك الحُفّاظِ الكِرامِ في جامِعِ &#8220;بايَزِيدَ&#8221; لِأَتلَقَّى الدَّرسَ السَّماوِيَّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ.. وعِندَها سَمِعتُ بِشاراتِ ذلك الإِرشادِ السَّماوِيِّ مِن خِلالِ الأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ المُقَدَّسةِ في قَولِه تَعالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا&#8230;.﴾</p>
<p>وبالفَيضِ الَّذي أَخَذتُهُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ تَحَرَّيتُ عنِ السَّلْوةِ والرَّجاءِ والنُّورِ في تلك الأُمُورِ الَّتي أَدْهَشَتْني وحَيَّرَتْني وأَوْقَعَتْني في يَأْسٍ ووَحْشةٍ، دُونَ البَحثِ عنها في غَيرِها مِنَ الأُمُورِ.. فأَلفُ شُكرٍ وشُكرٍ لِلخالِقِ الكَرِيمِ على ما وَفَّقَني لِأَنْ أَجِدَ الدَّواءَ في الدّاءِ نَفسِه، وأن أَرَى النُّورَ في الظُّلْمةِ نَفسِها، وأَنْ أَشعُرَ بالسُّلْوانِ في الأَلَمِ والرُّعبِ ذاتِهِما.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الموت بمنظار القرآن]</h4>
<p>فنَظَرتُ أَوَّلَ ما نَظَرتُ إلى ذلك الوَجْهِ الَّذي يُرعِبُ الجَمِيعَ ويُتَوَهَّمُ أنَّه مُخِيفٌ جِدًّا &#8211;<strong>وهُو وَجْهُ &#8220;المَوتِ&#8221;</strong>&#8211; فوَجَدتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ <strong>الوَجْهَ الحَقِيقيَّ لِلمَوتِ بالنِّسبةِ لِلمُؤمِنِ صَبُوحٌ مُنَوَّرٌ</strong>، على الرَّغمِ مِن أنَّ حِجابَه مُظلِمٌ والسِّترَ الَّذي يُخفِيه يَكتَنِفُه السَّوادُ القَبِيحُ المُرعِبُ.. وقد أَثْبَتْنا وأَوْضَحْنا هذه الحَقِيقةَ بصُورةٍ قاطِعةٍ في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ وبخاصّةٍ في &#8220;الكَلِمةِ الثّامِنةِ&#8221; و&#8221;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221; <strong>أنَّ المَوتَ لَيسَ إِعدامًا، ولا هو فِراقٌ أبديٌّ، وإنَّما مُقدِّمةٌ وتَمهِيدٌ لِلحَياةِ الأَبدِيّةِ وبِدايةٌ لها، وهُو إِنهاءٌ لِأَعباءِ مُهِمّةِ الحَياةِ ووَظائِفِها ورُخْصةٌ مِنها وراحةٌ وإِعفاءٌ، وهو تَبدِيلُ مَكانٍ بمَكانٍ، وهُو وِصالٌ ولِقاءٌ مَعَ قافِلةِ الأَحبابِ الَّذِينَ ارتَحَلُوا إلى عالَمِ البَرزَخِ</strong>.. وهكذا، بمِثلِ هذه الحَقائِقِ شاهَدتُ وَجْهَ المَوتِ المَلِيحِ الصَّبُوحِ.. فلا غَرْوَ لم أَنظُر إلَيْه خائِفًا وَجِلًا، وإنَّما نَظَرتُ إلَيْه بشَيءٍ مِنَ الِاشتِياقِ -مِن جِهةٍ- وعَرَفتُ في حِينِها سِرًّا مِن أَسرارِ &#8220;رابِطةِ المَوتِ&#8221; الَّتي يُزاوِلُها أَهلُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الشباب والمشيب بمنظار الإيمان]</h4>
<p>ثمَّ تَأَمَّلتُ في &#8220;<strong>عَهْدِ الشَّبابِ</strong>&#8221; الَّذي يُحزِنُ الجَمِيعَ بزَوالِه، ويَجعَلُ الكُلَّ يَشتاقُونَ إلَيْه ويَنبَهِرُونَ به، والَّذي يَمُرُّ بالغَفْلةِ والآثام، وقد مَرَّ شَبابِي هكذا! فرَأَيتُ أنَّ ثَمّةَ وَجْهًا دَمِيمًا جِدًّا وسَكرانَ طائِشًا تَحتَ الحُلَّةِ القَشِيبةِ الفَضْفاضةِ المُلْقـاةِ علَيْه، فلو لم أَكُن مُدرِكًا كُنهَه لَكانَ يُبكِينِي ويُحزِنُني طَوالَ حَياتِي الدُّنيا، حتَّى لو عَمَرتُ مِئةَ سَنةٍ حِيالَ بِضعِ سِنِينَ تَمضِي بنَشْوةٍ وابتِسامةٍ، كما قالَ الشّاعِرُ الباكِي على شَبابِه بحَسْرةٍ مَرِيرةٍ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>فيا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَومًا   *   فأُخبِرَه بِما فَعَل المَشِيبُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>نعم، إنَّ الَّذِينَ لم يَتَبيَّنُوا سِرَّ <strong>الشَّبابِ</strong> وماهِيَّتَه مِنَ الشُّيُوخ يَقضُونَ <strong>شَيخُوخَتَهُم</strong> بالحَسْرةِ والنَّحِيبِ على عَهدِ شَبابِهِم كَهذا الشّاعِرِ؛ والحالُ أنَّ فُتُوّةَ الشَّبابِ ونَضارَتَه إذا ما حَلَّت في المُؤمِنِ المُطْمَئِنِّ الحَصِيفِ ذِي القَلبِ السَّاكِنِ الوَقُورِ، وإذا ما صُرِفَت طاقةُ الشَّبابِ وقُوَّتُه إلى العِبادةِ والأَعمالِ الصَّالِحةِ والتِّجارةِ الأُخرَوِيّةِ، فإِنَّها تُصبِحُ أَعظَمَ قُوّةٍ لِلخَيرِ، وتَغدُو أَفضَلَ وَسِيلةٍ لِلتِّجارةِ، وأَجمَلَ وَاسِطةٍ لِلحَسَناتِ بل أَلَذَّها.</p>
<p>نعم، إنَّ <strong>عَهْدَ الشَّبابِ</strong> نَفِيسٌ حَقًّا وثَمِينٌ جِدًّا، وهُو نِعمةٌ إِلٰهِيّةٌ عُظمَى، ونَشْوةٌ لَذِيذةٌ لِمَن عَرَف واجِبَه الدِّينِيَّ ولِمَن لم يُسِئِ استِعمالَه؛ ولكِنَّ الشَّبابَ إن لم تَصحَبْه الِاستِقامةُ، ولم تُرافِقْه العِفّةُ والتَّقوَى، فدُونَه المَهالِكُ الوَبِيلةُ، إذ يُصَدِّعُ طَيْشُه ونَزَواتُه سَعادةَ صاحِبِه الأَبدِيّةَ، وحَياتَه الأُخرَوِيّةَ، ورُبَّما يُحَطِّمُ حَياتَه الدُّنيا أَيضًا، فيُجَرِّعُه الآلامَ غُصَصًا طَوالَ مَرحَلةِ <strong>الهَرَمِ</strong> <strong>والشَّيخُوخةِ</strong> لِمَا أَخَذَه في بِضعِ سِنِينَ مِن أَذْواقٍ ولَذائِذَ.</p>
<p>ولَمَّا كانَ عَهدُ <strong>الشَّبابِ</strong> لا يَخلُو مِنَ الضَّرَرِ عِندَ أَغلَبِ النّاسِ، فعَلَيْنا إِذًا -نَحنُ <strong>الشُّيُوخَ</strong>&#8211; أن نَشكُرَ اللهَ شُكْرًا كَثِيرًا على ما نَجَّانا مِن <strong>مَهالِكِ الشَّبابِ</strong> وأَضْرارِه.. هذا وإنَّ لَذّاتِ الشَّبابِ زائِلةٌ لا مَحالةَ، كما تَزُولُ جَمِيعُ الأَشْياءِ.. فلَئِن صُرِفَ عَهدُ الشَّبابِ لِلعِبادةِ، وبُذِلَ لِلخَيرِ والصَّلاحِ لَكانَ دُونَه ثِمارُه الباقِيةُ الدّائِمةُ، ولَأَصبَحَ وَسِيلةً لِلفَوزِ بشَبابٍ دائِمٍ وخالِدٍ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدنيا بمنظار القرآن]</h4>
<p>ثمَّ نَظَرتُ إلى &#8220;الدُّنيا&#8221; الَّتي عَشِقَها أَكثَرُ النّاسِ، وابتُلُوا بها، فرَأَيتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ هُنالك <strong>ثَلاثَ دُنًى</strong> كُلِّيّةٍ قد تَداخَلَ بَعضُها في بَعضٍ:</p>
<p><strong>الأُولَى</strong>: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ إلى الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى، فهِي مِرآةٌ لَها.</p>
<p><strong>الثَّانيةُ</strong>: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ نَحوَ الآخِرةِ، فهِي مَزرَعَتُها.</p>
<p><strong>الثّالثةُ</strong>: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ إلى أَربابِ الدُّنيا وأَهلِ الضَّلالةِ، فهِي مَلعَبُ أَهلِ الغَفْلةِ ولَهْوُهُم.</p>
<h4 style="text-align: center;">[لكل فردٍ دنياه الخاصة]</h4>
<p>ورَأَيتُ كَذلِك أنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ في هذه الدُّنيا دُنيا عَظِيمةً خاصّةً به، فهُنالك إِذًا دُنًى مُتَداخِلةٌ بعَدَدِ البَشَرِ؛ غَيرَ أنَّ دُنيا كلِّ شَخصٍ قائِمةٌ على حَياتِه الشَّخصِيّةِ، فمَتَى انْهارَ جِسمُه فإنَّ دُنياه تَتَهدَّمُ وقِيامَتَه تَقُومُ.. وحَيثُ إنَّ الغافِلِينَ لا يُدرِكُونَ انْهِدامَ دُنياهُمُ الخاصّةِ بهذه السُّرعةِ الخاطِفةِ، فهُم يُفتَنُونَ بها، إِذ يَظُنُّونَها كالدُّنيا العامّةِ المُستَقِرّةِ مِن حَوْلِهِم.</p>
<p>فتَأَمَّلتُ قائِلًا: لا شَكَّ أنَّ لي أَيضًا دُنيا خاصّةً -كدُنيا غَيرِي- تَتَهدَّمُ بسُرعةٍ، فما فائِدةُ هذه الدُّنيا الخاصّةِ إِذًا في عُمُرِي القَصِيرِ جِدًّا؟!</p>
<p>فرَأَيتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ هذه الدُّنيا بالنِّسبةِ لي ولِغَيرِي <strong>ما هِي إلّا</strong> مَتْجَرٌ مُؤَقَّتٌ، ودارُ ضِيافةٍ تُملَأُ كلَّ يَومٍ وتُخْلَى، <strong>وهِي</strong> سُوقٌ مُقامةٌ على الطَّرِيقِ لِتِجارةِ الغادِينَ والرّائِحِينَ، <strong>وهِي</strong> كِتابٌ مَفتُوحٌ يَتَجدَّدُ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ، فيَمحُو فيه ما يَشاءُ ويُثْبِتُه بحِكْمةٍ؛ وكُلُّ رَبِيعٍ فيها رِسالةٌ مُرَصَّعةٌ مُذَهَّبةٌ، وكلُّ صَيفٍ فيها قَصِيدةٌ مَنظُومةٌ رائِعةٌ، <strong>وهِي</strong> مَرايا تَتَجدَّدُ مُظهِرةً تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى لِلصّانِعِ الجَلِيلِ، <strong>وهِي</strong> مَزرَعةٌ لِغِراسِ الآخِرةِ، وهِي مَزهَرةُ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ، <strong>وهِي</strong> مَصنَعٌ مُوَقَّتٌ لِتَجهِيزِ اللَّوْحاتِ الرَّبّانيّةِ الخالِدةِ الَّتي ستَظهَرُ في عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ.. فشَكَرتُ اللهَ الخالِقَ الكَرِيمَ أَجزَلَ شُكرٍ على خَلْقِه الدُّنيا بهذه الصُّورةِ..</p>
<p>بَيْدَ أنَّ الإِنسانَ الَّذي مُنِحَ حُبًّا مُقبِلًا إلى وَجْهَيِ الدُّنيا الحَقِيقِيَّينِ المَلِيحَينِ المُتَوجِّهَينِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى وإلى الآخِرةِ، أَخْطَأَ المَرمَى وجانَبَ الصَّوابَ عِندَما استَعمَلَ تلك المَحَبّةَ في غَيرِ مَحَلِّها، فصَرَفَها إلى الوَجْهِ الفانِي القَبِيحِ ذِي الغَفْلةِ والضَّرَرِ حَتَّى حَقَّ علَيْه الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: &#8220;حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئةٍ&#8221;.‌</p>
<p>فيا أَيُّها الشُّيُوخُ، ويا أَيَّتُها العَجائِزُ..</p>
<p>إِنَّني رَأَيتُ هذه الحَقِيقةَ بنُورِ القُرآنِ الحَكِيمِ، وبتَذكِيرٍ مِن شَيخُوخَتِي، وبما مَنَحَنِي الإِيمانُ مِن بَصِيرةٍ، وقد أَثبَتُّها في رَسائِلَ كَثِيرةٍ معَ بَراهِينَ دامِغةٍ.. رَأَيتُ أنَّ هذه الحَقِيقةَ هي السُّلوانُ الحَقِيقيُّ لي، وهِي الرَّجاءُ القَوِيُّ والضِّياءُ السّاطِعُ.. <strong>فرَضِيتُ بشَيخُوخَتِي وهَرَمِي</strong>، وسُرِرتُ مِن رَحِيلِ <strong>الشَّبابِ</strong>.</p>
<p>فلا تَحزَنُوا إِذًا، ولا تَبكُوا يا إِخوَتِي الشُّيُوخَ على شَيخُوخَتِكُم، بلِ احْمَدُوا اللهَ واشْكُرُوه؛ وما دُمتُم تَملِكُونَ الإِيمانَ، والحَقِيقةُ هي هكَذا، فلْيَبْكِ أُولَئِك الغافِلُونَ، ولْيَحْزَنِ الضّالُّونَ ولْيَنتَحِبُوا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء التاسع: العجز والضعف وسيلتان لاستدرار الرحمة الإلهية]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ التَّاسِعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كُنتُ أَسِيرًا في أَثناءِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى في مَدِينةٍ قَصِيّةٍ، في شَمالِ شَرقِيِّ رُوسْيا تُدعَى &#8220;قُوصْتْرُوما&#8221;، كان هُناك جامِعٌ صَغِيرٌ لِلتَّتارِ على حافّةِ نَهرِ &#8220;فُولْغَا&#8221; المَشهُورِ.. كُنتُ ضَجِرًا بَينَ زُمَلائِي الضُّبَّاطِ الأَسْرَى، فآثَرتُ العُزْلةَ، إلّا أنَّه لم يَكُن يُسمَحُ لي بالتَّجوالِ في الخارِجِ دُونَ إِذنٍ ورُخْصةٍ، ثمَّ سُمِحَ لي بأَن أَظلَّ في ذلك الجامِعِ بضَمانةِ أَهلِ حَيِّ التَّتارِ وكَفالَتِهِم، فكُنتُ أَنامُ فيه وَحِيدًا، وقدِ اقْتَرَب الرَّبِيعُ، وكانَتِ اللَّيالِي طَوِيلةً جِدًّا في تلك البُقْعةِ النّائيةِ..</p>
<p>كان الأَرَقُ يُصِيبُني كَثِيرًا في تلك اللَّيالي الحالِكةِ السَّوادِ، المُتَسَربِلةِ بأَحزانِ الغُربةِ القاتِمةِ، حَيثُ لا يُسمَعُ إلّا الخَرِيرُ الحَزِينُ لِنَهرِ &#8220;فُولْغَا&#8221;، والأَصْواتُ الرَّقيقةُ لِقَطَراتِ الأَمطارِ، ولَوْعةُ الفِراقِ في صَفِيرِ الرِّياحِ.. كلُّ ذلك أَيقَظَنِي -مُؤَقَّتًا- مِن نَومِ الغَفْلةِ العَمِيقِ..</p>
<p>ورَغمَ أنَّني لم أَكُن أَعُدُّ نَفسِي شَيخًا بَعدُ، ولكِن مَن يَرَى الحَربَ العالَمِيّةَ يَشِيخُ، حَيثُ أيّامُها يَشِيبُ مِن هَوْلِها الوِلْدانُ، وكأَنَّ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ قد سَرَى فيها! ومعَ أنَّني كُنتُ قَرِيبًا مِنَ الأَربَعِينَ إلّا أنَّني وَجَدتُ نَفسِي كأَنَّني في الثَّمانِينَ مِن عُمُرِي..</p>
<p>في تلك اللَّيالِي المُظلِمةِ الطَّوِيلةِ الحَزِينةِ، وفي ذلك الجَوِّ الغامِرِ بأَسَى الغُرْبةِ، ومِن واقِعِي المُؤلِمِ الأَليمِ، جَثَم على صَدْرِي يَأْسٌ ثَقِيلٌ نَحوَ حَياتِي ومَوطِنِي، فكُلَّما الْتَفَتُّ إلى عَجْزِي وانفِرادِي انقَطَعَ رَجائِي وأَمَلِي؛ ولكِن جاءَني المَدَدُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ.. فرَدَّدَ لِسانِي: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.</p>
<p>وقالَ قَلبِي باكِيًا:</p>
<p style="text-align: center;">أنا غَرِيبٌ.. أنا وَحِيدٌ.. أنا ضَعِيفٌ.. أنا عاجِزٌ.. أَنشُدُ الأَمانَ.. أَطلُبُ العَفْوَ.. أَخطُبُ العَوْنَ.. في بابِك يا إِلٰهِي.</p>
<p>أمّا رُوحِي الَّتي تَذَكَّرَت أَحبابِي القُدامَى في بَلَدِي، وتَخَيَّلَت مَوتِي في هذه الغُربةِ، فقد تَمَثَّلَت بأَبياتِ نِيازِي المِصرِيّ، وهِي الَّتي تَبحَثُ عن صَدِيقٍ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>مَرَرتُ بأَحزانِ الدُّنيا، وأَطلَقتُ جَناحِي لِلحِرمانِ..</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>طائِرًا في شَوقٍ، صائِحًا في كلِّ لَحْظةٍ:</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>صَدِيق!.. صَدِيق..!</strong></p>
<p>على أَيّةِ حالٍ.. فقد أَصبَحَ &#8220;عَجْزِي&#8221; و&#8221;ضَعْفِي&#8221; في تلك اللَّيالي المُحزِنةِ الطَّوِيلةِ والحالِكةِ بالفُرقةِ والرِّقّةِ والغُربةِ وَسِيلَتَينِ لِلتَّقَرُّبِ إلى عَتَبةِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ، وشَفِيعَينِ لَدَى الحَضْرةِ الإِلٰهِيّة، حتَّى إنَّني لا أَزالُ مُندَهِشًا كَيفَ استَطَعتُ الفِرارَ بَعدَ أيّامٍ قَلِيلةٍ، وقَطَعتُ بصُورةٍ غَيرِ مُتَوقَّعةٍ مَسافةً لا يُمكِنُ قَطْعُها مَشْيًا على الأَقدامِ إلّا في عامٍ كامِلٍ، ولم أَكُن مُلِمًّا باللُّغةِ الرُّوسِيّةِ، فلَقَد تَخَلَّصتُ مِنَ الأَسرِ بصُورةٍ عَجِيبةٍ مُحَيِّرةٍ، بفَضْلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي أَدْرَكَتْني بِناءً على عَجْزِي وضَعْفِي، ووَصَلتُ إِسطَنبُولَ مارًّا بـ&#8221;وارْسُو&#8221; و&#8221;فيينّا&#8221;.. وهكَذا نَجَوتُ مِن ذلك الأَسْرِ بسُهُولةٍ تَدعُو إلى الدَّهشةِ، حَيثُ أَكمَلتُ سِياحةَ الفِرارِ الطَّوِيلةَ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كَبِيرَينِ، بحَيثُ لم يَكُن لِيُنجِزَها أَشجَعُ الأَشخاصِ وأَذكاهُم وأَمكَرُهُم ومِمَّن يُلِمُّونَ باللُّغةِ الرُّوسِيّةِ.</p>
<p>ولكِنَّ حالَتِي في تلك اللَّيلةِ الَّتي قَضَيتُها في الجامِعِ على ضِفافِ &#8220;فُولْغَا&#8221; قد أَلهَمَتْني هذا القَرارَ:</p>
<p>&#8220;سأَقْضِي بَقِيّةَ عُمُرِي في الكُهُوفِ والمَغاراتِ مُعتَزِلًا النّاسِ.. كَفانِي تَدَخُّلًا في أُمُورِهِم! ولَمّا كانَت نِهايةُ المَطافِ دُخُولَ القَبْرِ مُنفَرِدًا وَحِيدًا، فسأَختارُ الِانفِرادَ والعُزْلةَ مِنَ الآنَ، لِأُعَوِّدَ نَفسِي علَيْها!&#8221;.</p>
<p>نعم، هكَذا قَرَّرتُ.. ولكِن -ويا لَلأَسَف!- فإنَّ أَحبابِي الكَثِيرِينَ المُخلِصِينَ في إسطَنبُولَ، والحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ البَهِيجةَ البَرّاقةَ فيها، ولا سِيَّما ما لا طائِلَ مِنه مِن إِقبالِ النّاسِ والشُّهْرةِ والصِّيتِ.. كلُّ ذلك أَنسانِي قَرارِي ذاك لِمُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ فكَأنَّ لَيْلةَ الغُرْبةِ تلك هي السَّوادُ المُنَـوِّرُ البَصِيرُ لِعَينِ حَياتِي، وكَأنَّ النَّهارَ البَهِيجَ لِحَياةِ إِسطَنبُولَ هي البَياضُ غَيرُ البَصِيرِ لِعَينِ حَياتِي؛ فلم تَتَمكَّن تلك العَينُ مِن رُؤْيةِ البَعِيدِ، بل غَطَّت ثانيةً في نَومٍ عَمِيقٍ، حتَّى فَتَحَها الشَّيخُ الكَيْلانِيُّ بكِتابِه &#8220;فُتُوح الغَيبِ&#8221; بَعدَ سَنَتَينِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[العاجز والضعيف أجدر بنَيل الرحمة]</h4>
<p>وهكَذا أيُّها الشُّيُوخُ، وأَيَّتُها العَجائِزُ.. اعْلَمُوا أنَّ ما في الشَّيخُوخةِ مِنَ العَجْزِ والضَّعْفِ لَيْسا إِلّا وَسِيلَتَينِ لِدَرِّ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّة وجَلْبِ العِنايةِ الرَّبّانيّةِ.. فإِنَّني شاهِدٌ على هذه الحَقِيقةِ في كَثِيرٍ مِن حَوادِثِ حَياتِي، وإنَّ تَجَلِّيَ الرَّحْمةِ على سَطْحِ الأَرضِ يُظهِرُها كَذلِك بشَكلٍ واضِحٍ أَبلَجَ، لِأنَّ أَعجَزَ الحَيَواناتِ وأَضعَفَها هي صِغارُها، والحالُ أنَّ أَلطَفَ حالاتِ الرَّحْمةِ وأَلَذَّها وأَجمَلَها تَتَجلَّى في تلك الصِّغارِ، فعَجْزُ الفَرْخِ السّاكِنِ في عُشِّه على شَجَرةٍ باسِقةٍ، يَستَخدِمُ والِدَتَه -بتَجَلِّي الرَّحْمةِ- كأَنَّها جُندِيّةٌ تَنتَظِرُ الأَوامِرَ، فتَحُومُ حَولَ الزُّرُوعِ الخُضْرِ لِتَجلُبَ الرِّزقَ الوَفِيرَ لِفَرخِها الصَّغِيرِ، ولكِن ما إن يَنسَى الفَرخُ الصَّغِيرُ عَجْزَه -بنُمُوِّ جَناحَيْه وتَكامُلِه- حتَّى تَقُولَ له والِدَتُه: علَيْك أن تَبحَثَ عن رِزقِك بنَفسِك. فلا تَعُودُ لإِجابةِ نِدائِه بَعدَ ذلك.</p>
<p>فكَما يَجرِي سِرُّ الرَّحْمةِ هذا على هذه الصُّورةِ بحَقِّ الصِّغارِ، يَجرِي كَذلِك مِن زاوِيةِ الضَّعفِ والعَجزِ بحَقِّ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَصبَحُوا في حُكْمِ الصِّغارِ.</p>
<p>ولَقَد أَورَثَتْني تَجارِبِي الخاصَّةُ القَناعةَ التَّامَّةَ أنَّ رِزقَ الصِّغارِ مِثلَما يَأْتِي بِناءً على عَجْزِهِم، وتُرسِلُه الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ لَهُم بشَكلٍ خارِقٍ، فتُفَجِّرُ يَنابِيعَ الأَثداءِ وتُسِيلُها لَهُم سَيْلًا، فإنَّ رِزقَ الشُّيُوخِ المُؤمِنينَ الَّذِينَ اكتَسَبُوا العِصْمةَ يُرسَلُ إلَيْهِم مِن قِبَلِ الرَّحْمةِ على صُورةِ بَرَكةٍ، وأنَّ عَمُودَ البَرَكةِ لِأَيِّ بَيتٍ وسَنَدَها إنَّما هو أُولَئِك الشُّيُوخُ الَّذِينَ يَأْهَلُونَه، وأنَّ الَّذي يَحفَظُ ذلك البَيتَ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ إنَّما هم أُولَئِك الشُّيُوخُ الرُّكَّعُ الَّذِينَ يَعمُرُونَه.. يُثبِتُ هذه الحَقِيقةَ إِثباتًا كامِلًا جُزءٌ مِن حَدِيثٍ شَرِيفٍ: &#8220;لَوْلا الشُّيُوخُ الرُّكَّعُ لَصُبَّ علَيْكُمُ البَلاءُ صَبًّا&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<p>وهكَذا، فما دامَ الضَّعفُ والعَجزُ اللَّذانِ في الشَّيخُوخةِ يُصبِحانِ مِحْوَرَينِ لِجَلْبِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ الواسِعةِ، وأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَدعُو الأَولادَ إلى الِاحتِرامِ والرَّأفةِ بالوالِدَينِ في خَمسِ مَراتِبَ، وبأُسلُوبٍ في غايةِ الإِعجازِ، في قَولِه تَعالَى:</p>
<p>﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾</p>
<p>وما دامَ الإِسلامُ يَأمُرُ بتَوقِيرِ الشُّيُوخِ والرَّحْمةِ بهم، والفِطْرةُ الإِنسانيّةُ تَقضِي الِاحتِرامَ والرَّحْمةَ تِجاهَ الشُّيُوخِ.. فلا بُدَّ لنا -نَحنُ الشُّيُوخَ- ألّا نَستَبدِلَ شَيخُوخَتَنا هذه بمِئةِ عَهدٍ مِن عُهُودِ الشَّبابِ، ذلك لأنَّ لنا فيها أَذْواقًا مَعنَوِيّةً دائِمةً جَدِيرةً، بَدَلًا مِنَ الذَّوقِ المادِّيِّ النّاشِئِ مِن نَزْوةِ الشَّبابِ، حَيثُ نَأخُذُ أَذْواقًا رُوحِيّةً نابِعةً مِنَ الرَّحْمةِ الصّادِرةِ مِنَ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ، ومِنَ الِاحتِرامِ النّابِعِ مِن فِطْرةِ الإِنسانيّةِ.</p>
<p>نعم، إنِّي أُطَمْئِنُكُم بأنَّه لو أُعطِيتُ عَشرَ سَنَواتٍ مِن عَهدِ شَبابِ &#8220;سَعِيدٍ القَدِيمِ&#8221; فلن أَستَبدِلَها بسَنةٍ واحِدةٍ مِن شَيبِ &#8220;سَعِيدٍ الجَدِيدِ&#8221;، فأنا راضٍ عن شَيخُوخَتِي، فارْضَوْا عنها أَنتُم كَذلِك.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء العاشر: الوجه الجميل للموت]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ العاشِرُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>بَعدَما رَجَعتُ مِنَ الأَسرِ، سَيطَرَتِ الغَفْلةُ عَلَيَّ مَرّةً أُخرَى طَوالَ سَنَتَينِ مِن حَياتِي في إِسطَنبُولَ، حَيثُ الأَجواءُ السِّياسِيّةُ وتَيّاراتُها صَرَفَت نَظَرِي عنِ التَّأمُّلِ في نَفسِي، وأَحدَثَت تَشتُّتًا في ذِهنِي وفِكرِي.</p>
<p>فحِينَما كُنتُ جالِسًا ذاتَ يَومٍ في مَقبَرةِ أبي أيُّوبَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ وعلى مُرتَفَع مُطِلٍّ على وادٍ سَحِيقٍ، مُستَغرِقًا في تَأمُّلِ الآفاقِ المُحِيطةِ بِإسطَنبُولَ، إذا بي أَرَى كأنَّ دُنيايَ الخاصّةَ أَوشَكَت على الوَفاةِ، حتَّى شَعَرتُ -خَيالًا- كأنَّ الرُّوحَ تَنسَلُّ مِنها انسِلالًا مِن بَعضِ نَواحِيَّ، فقُلتُ: تُرَى! هلِ الكِتاباتُ المَوجُودةُ على شَواهِدِ هذه القُبُورِ هي الَّتي دَعَتْني إلى هذا الخَيالِ؟</p>
<p>أَشَحْتُ نَظَرِي عنِ الخارِجِ، وأَنعَمتُ النَّظَرَ في المَقبَرةِ دُونَ الآفاقِ البَعِيدةِ، فأُلقِيَ في رُوعِي: &#8220;أنَّ هذه المَقبَرةَ المُحِيطةَ بك تَضُمُّ مِئةَ إِسطَنبُولَ! حَيثُ إنَّ إِسطَنبُولَ قد أُفرِغَت فيها مِئةَ مَرّةٍ، فلن تُستَثْنَى أَنتَ وَحْدَك مِن حُكمِ الحاكِمِ القَدِيرِ الَّذي أَفرَغَ جَمِيعَ أَهالي إِسطَنبُولَ هنا، فأَنتَ راحِلٌ مِثلَهُم لا مَحالةَ..!&#8221;.</p>
<p>غادَرتُ المَقبَرةَ وأنا أَحمِلُ هذا الخَيالَ المُخِيفَ، ودَخَلتُ الغُرفةَ الصَّغِيرةَ في مَحفِلِ جامِعِ أبي أيُّوبَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ والَّتي كُنتُ أَدخُلُها مِرارًا في السّابِقِ، فاستَغرَقتُ في التَّفكِيرِ في نَفسِي: إنَّما أنا ضَيفٌ! وضَيفٌ مِن ثَلاثةِ أَوجُهٍ؛ إذ كما أنَّني ضَيفٌ في هذه الغُرفةِ الصَّغِيرةِ، فأنا ضَيفٌ كَذلِك في إِسطَنبُولَ، بل أنا ضَيفٌ في الدُّنيا وراحِلٌ عنها كَذلِك، وعلى المُسافِرِ أن يُفكِّرَ في سَبِيلِه ودَربِه.</p>
<p>نعم، كما أنَّني سَوفَ أَخرُجُ مِن هذه الغُرفةِ وأُغادِرُها، فسَوفَ أَترُكُ إِسطَنبُولَ ذاتَ يَومٍ وأُغادِرُها، وسَوفَ أَخرُجُ مِنَ الدُّنيا كَذلِك.</p>
<p>وهكَذا جَثَمَتْ على قَلبِي وفِكرِي وأنا في هذه الحالةِ، حالةٌ أَلِيمةٌ مُحزِنةٌ مُكَدِّرةٌ، فلا غَرْوَ أنَّني لا أَترُكُ أَحبابًا قَلِيلينَ وَحْدَهُم، بل سأُفارِقُ أَيضًا آلافَ الأَحِبّةِ في إِسطَنبُولَ، بل سأُغادِرُ إِسطَنبُولَ الحَبِيبةَ نَفسَها، وسأَفتَرِقُ عن مِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَحِبّةِ كما أَفتَرِقُ عنِ الدُّنيا الجَمِيلةِ الَّتي ابتُلِيتُ بِها.</p>
<p>ذَهَبتُ إلى المَكانِ المُرتَفِعِ نَفسِه في المَقبَرةِ مَرّةً أُخرَى، فبَدا لي أَهالي إسطَنبُولَ جِنائزَ يَمشُونَ قائِمِينَ مِثلَما يَظهَرُ الَّذِينَ ماتُوا شُخُوصًا مُتَحرِّكةً في الأَفلامِ السِّينِمائيّةِ، فقد كُنتُ أَترَدَّدُ إلَيْها أَحْيانًا لِلعِبرةِ! فقالَ لي خَيالي: ما دامَ قِسمٌ مِنَ الرّاقِدِينَ في هذه المَقبَرةِ يُمكِنُ أن يَظهَرُوا مُتَحرِّكينَ كالشُّخُوصِ السَّينِمائيّةِ، ففَكِّر في هَؤُلاءِ النّاسِ الَّذِينَ سيَدخُلُونَ هذه المَقبَرةِ حَتْمًا، واعتَبِرهُم داخِلِينَ فيها مِنَ الآنَ، فإنَّهُم جَنائِزُ أَيضًا يَتَحرَّكُونَ.</p>
<p>وبَينَما كُنتُ أَتَقلَّبُ في تلك الحالةِ المُحزِنةِ المُؤلِمةِ، إذا بنُورٍ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وبإِرشادٍ مِنَ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) يَقلِبُ تلك الحالةَ المُحزِنةَ ويُحَوِّلُها إلى حالةٍ مُفرِحةٍ مُبهِجةٍ، ذاتِ نَشْوةٍ ولَذّةٍ، حَيثُ ذَكَّرَني النُّورُ القادِمُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ ونبَّهَني إلى ما يَأْتِي:</p>
<p>كانَ لك صَدِيقٌ أو صَدِيقانِ مِنَ الضُّبّاطِ الأَسرَى عِندَ أَسْرِك في &#8220;قُوصْتْرُوما&#8221; في شَمالِ شَرقيِّ رُوسْيا، وكُنتَ تَعلَمُ حَتْمًا أنَّهُما سيَرجِعانِ إلى إِسطَنبُولَ؛ ولو خَيَّرك أَحدُهُم قائِلًا: أَتَذهَبُ إلى إِسطَنبُولَ أم تُرِيدُ أن تَبقَى هُنا؟ فلا جَرَمَ أنَّك كُنتَ تَختارُ الذَّهابَ إلى إِسطَنبُولَ بفَرَحٍ وسُرُورٍ لو كانَ لك مُسْكةٌ مِن عَقلٍ، حَيثُ إنَّ تِسعَ مِئةٍ وتِسعةً وتِسعِينَ مِن أَلفِ حَبِيبٍ وحَبِيبٍ لك هُمُ الآنَ في إِسطَنبُولَ، ولَيسَ لك هُنا إلّا واحِدٌ أوِ اثنانِ، وهُم بدَوْرِهِم سيَرحَلُونَ إلى هُناك.</p>
<p>فالذَّهابُ إلى إِسطَنبُولَ بالنِّسبةِ لك إِذًا ليس بفِراقٍ حَزِينٍ، ولا بافتِراقٍ أَليمٍ.. وها أَنتَ ذا قد أَتَيتَ إلَيْها، ألم تُصبِح راضِيًا شاكِرًا؟ فلَقَد نَجَوتَ مِن بَلَدِ الأَعداءِ، مِن لَيالِيها الطِّوالِ السَّوداءِ، ومِن شِتائِها القارِسِ العاصِفِ، وقَدِمتَ إِسطَنبُولَ الزّاهِيةَ الجَمِيلةَ، كأنَّها جَنّةُ الدُّنيا! وهكَذا الأَمرُ حَيثُ إنَّ تِسعًا وتِسعِينَ مِن مِئةِ شَخصٍ مِمَّن تُحِبُّهُم مُنذُ صِغَرِك حتَّى الآنَ، قدِ ارتَحَلُوا إلى المَقبَرةِ، تلك الَّتي تَبدُو لك مُوحِشةً مُدهِشةً، ولم يَظَلَّ مِنهُم في هذه الدُّنيا إلّا واحِدٌ أوِ اثنانِ، وهُم في طَرِيقِهِم إلَيْها كَذلِك؛ فوَفاتُك في الدُّنيا إِذًا لَيسَت بفِراقٍ، ولا بافتِراقٍ، وإنَّما هي وِصالٌ ولِقاءٌ معَ أُولَئِك الأَحِبّةِ الأَعِزّاءِ.</p>
<p>نعم، إنَّ أُولَئِك -أي: الأَرواحَ الباقيةَ- قد تَرَكُوا مَأْواهُم وعُشَّهُمُ المُندَرِسَ تَحتَ الأَرضِ، فيَسرَحُ قِسمٌ مِنهُم في النُّجُومِ، وقِسمٌ آخَرُ في طَبَقاتِ عالَمِ البَرزَخِ.. وهكَذا ذَكَّرَني ذلك النُّورُ القُرآنِيُّ.</p>
<p>ولَقَد أَثبَتَ هذه الحَقِيقةَ إِثباتًا قاطِعًا كلٌّ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، والإِيمانِ، بحَيثُ إنَّ مَن لم يَفقِد قَلبَه ورُوحَه، أو لم تُغرِقْه الضَّلالةُ، لا بُدَّ أن يُصَدِّق بها كأنَّه يَراها، ذلك لِأنَّ الَّذي زَيَّن هذه الدُّنيا بأَنواعِ أَلطافِه الَّتي لا تُحَدُّ وبأَشكالِ آلائِه الَّتي لا تُعَدُّ، مُظهِرًا بها رُبُوبيَّتَه الكَرِيمةَ الشَّفِيقةَ، حَفِيظًا حتَّى على الأَشياءِ الصَّغِيرةِ الجُزئيّةِ جِدًّا -كالبُذُورِ مَثلًا- ذلك الصّانِعَ الكَرِيمَ الرَّحِيمَ، لا بُدَّ -بل بالبَداهةِ- لا يُفنِي هذا الإِنسانَ الَّذي هو أَكمَلُ مَخلُوقاتِه وأَكرَمُها وأَجمَعُها وأَهَمُّها وأَحبُّها إلَيْه، ولا يَمحُوه بالفَناءِ والإِعدامِ النِّهائيِّ، بلا رَحْمةٍ وبلا عاقِبةٍ -كما يَبدُو ظاهِرًا- ولا يُضَيِّعُه أَبدًا.. بل يَضَعُ الخالِقُ الرَّحِيمُ ذلك المَخلُوقَ المَحبُوبَ تَحتَ التُّرابِ الَّذي هو بابُ الرَّحْمةِ مُوَقَّتًا، كي يُعطِيَ ثِمارَه في حَياةٍ أُخرَى، كما يَبذُرُ الفَلّاحُ البُذُورَ على الأَرضِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p>وبَعدَ أن تَلقَّيتُ هذا التَّنبِيهَ القُرآنِيَّ، باتَت تلك المَقبَرةُ عِندِي مُؤنِسةً أَكثرَ مِن إسطَنبُولَ نَفسِها، وأَصبَحَتِ الخَلوةُ والعُزلةُ عِندِي أَكثرَ لَطافةً مِنَ المُعاشَرةِ والمُؤانَسةِ، مِمّا حَدا بي أن أَجِدَ مَكانًا لِلعُزلةِ في &#8220;صارِى يَرْ&#8221; على البُوسفُور؛ وغَدا الشَّيخُ الكَيْلانِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ أُستاذًا لي وطَبِيبًا ومُرشِدًا بكِتابِه &#8220;فُتُوحُ الغَيبِ&#8221;، وصارَ الإِمامُ الرَّبّانِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ كَذلِك بمَثابةِ أُستاذٍ أَنيسٍ ورَؤُوفٍ شَفِيقٍ بكِتابِه &#8220;مَكتُوباتٌ&#8221;، فأَصبَحتُ راضِيًا كُلِّـيًّا ومُمتَنًّا مِن دُخُولي المَشِيبَ، ومِن عُزُوفي عن مَظاهِرِ الحَضارةِ البَرّاقةِ ومُتَعِها الزّائِفةِ، ومِنِ انسِلالي مِنَ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ وانسِحابِي مِنها، فشَكَرتُ اللهَ على ذلك كَثِيرًا.</p>
<p>فيا مَن يَدلِفُ إلى المَشِيبِ مِثلِي.. ويا مَن يَتَذكَّرُ المَوتَ بنَذِيرِ الشَّيبِ.. إنَّ علَيْنا أن نَرضَى بالشَّيخُوخةِ وبالمَوتِ وبالمَرَضِ، ونَراها لَطِيفةً بنُورِ الإِيمانِ الَّذي أَتَى به القُرآنُ الكَرِيمُ، بل علَيْنا أن نُحِبَّها -مِن جِهةٍ- فما دُمْنا نَملِكُ إِيمانًا وهُو النِّعمةُ الكُبْرَى، فالشَّيخُوخةُ إِذًا طَيِّبةٌ والمَرَضُ طَيِّبٌ، والمَوتُ طَيِّبٌ أَيضًا.. ولَيسَ هُناك شَيءٌ قَبِيحٌ في حَقِيقةِ الأَمرِ إلَّا الإِثمَ والسَّفَهَ والبِدَعَ والضَّلالةَ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الحادي عشر: الشيخوخة صحوة]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الحادِيَ عشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>عِندَما رَجَعتُ مِنَ الأَسْرِ، كُنتُ أَسكُنُ معَ ابنِ أَخِي &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221; في قَصرٍ على قِمّةِ &#8220;چامْلِجَة&#8221; في إِسطَنبُولَ.. ويُمكِنُ أَن تُعَدَّ هذه الحَياةُ الَّتي كُنتُ أَحياها حَياةً مِثاليّةً مِنَ النّاحِيةِ الدُّنيَوِيّةِ بالنِّسبةِ لِأَمثالِنا؛ ذلك لِأنَّني كُنتُ قد نَجَوتُ مِنَ الأَسْرِ، وكانَت وَسائِلُ النَّشرِ مَفتُوحةً أَمامِي في &#8220;دارِ الحِكْمةِ الإِسلامِيّةِ&#8221; وبما يُناسِبُ مِهنَتِي العِلمِيّةَ، وأنَّ الشُّهْرةَ والصِّيتَ والإِقبالَ علَيَّ تَحُفُّ بي بدَرَجةٍ لا أَستَحِقُّها، وأنا ساكِنٌ في أَجمَلِ بُقعةٍ مِن إِسطَنبُولَ &#8220;چامْلِجَة&#8221;، وكلُّ شَيءٍ بالنِّسبةِ إلَيَّ على ما يُرامُ، حَيثُ إنَّ ابنَ أَخِي &#8220;عَبدَ الرَّحمَنِ&#8221; -رَحِمه اللهُ- مَعِي، وهُو في مُنتَهَى الذَّكاءِ والفِطْنةِ، فهُو تِلمِيذٌ ومُضَحٍّ وخادِمٌ وكاتِبٌ مَعًا، حتَّى كُنتُ أَعُدُّه ابنًا مَعنَوِيًّا لي.</p>
<p>وبَينَما كُنتُ أُحِسُّ بأَنِّي أَسعَدُ إِنسانٍ في العالَمِ، نَظَرتُ إلى المِرآةِ، ورَأَيتُ شُعَيراتٍ بَيضاءَ في رَأسِي وفي لِحيَتِي، وإذا بتِلك الصَّحْوةِ الرُّوحِيّةِ الَّتي أَحسَسْتُ بها في الأَسْرِ في جامِعِ &#8220;قُوصْتْرُوما&#8221; تَبدَأُ بالظُّهُورِ، فأَخَذتُ أُنعِمُ النَّظَرَ وأُفكِّرُ مُدَقِّقًا في تلك الحالاتِ الَّتي كُنتُ أَرتَبِطُ بها قَلبِيًّا، وكُنتُ أَظنُّها مَدارَ السَّعادةِ الدُّنيَوِيّةِ، فما مِن حالةٍ أو سَبَبٍ دَقَّقتُ النَّظَرَ فيه إلّا رَأَيتُ أنَّه سَبَبٌ تافِهٌ وخادِعٌ، لا يَستَحِقُّ التَّعلُّقَ به، ولا الِارتِباطَ مَعَه؛ فَضْلًا عن ذلك وَجَدتُ في تلك الأَثناءِ عَدَمَ الوَفاءِ وفِقدانَ الصَّداقةِ مِن صَدِيقٍ حَمِيمٍ، يُعَدُّ مِن أَوْفَى الأَصدِقاءِ لي، وبشَكلٍ غَيرِ مُتَوقَّعٍ وبصُورةٍ لا تَخطُرُ على بالٍ.. كلُّ ذلك أَدَّى إلى النَّفْرةِ والِامتِعاضِ مِنَ الحَياةِ الدُّنيا، فقُلتُ لِقَلبِي:</p>
<p>يا تُرَى! هل أنا مُنخَدِعٌ كُلِّـيًّا، فأَرَى الكَثِيرِينَ يَنظُرُونَ إلى حَياتِنا الَّتي يُرثَى لها مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ نَظَرَ الغِبْطةِ؟ فهل جُنَّ جُنُونُ جَمِيعِ هَؤُلاءِ النّاسِ؟ أم أنا في طَرِيقِي إلى الجُنُونِ، لِرُؤيَتِي هَؤُلاءِ المَفتُونينَ بالدُّنيا مَجانِينَ بُلَهاءَ؟!</p>
<h4 style="text-align: center;">[صحوة ومراجعة]</h4>
<p>وعلى كلِّ حالٍ.. فالصَّحْوةُ الشَّدِيدةُ الَّتي صَحَوتُها برُؤْيةِ الشَّيبِ جَعَلَتْني أَرَى أوَّلًا: فَناءَ ما أَرتَبِطُ به مِنَ الأَشياءِ المُعَرَّضةِ لِلفَناءِ والزَّوالِ!! ثمَّ الْتَفَتُّ إلى نَفسِي، فوَجَدتُها في مُنتَهَى العَجْزِ.. عِندَها صَرَخَت رُوحِي وهِي الَّتي تَنشُدُ البَقاءَ وتَتَشبَّثُ بالأَشياءِ الفانِيةِ مُتَوهِّمةً فيها البَقاءَ، صَرَخَت مِن أَعماقِها: &#8220;ما دُمتُ فانِيةً جِسمًا فأَيُّ فائِدةٍ أَرجُوها مِن هذه الفانِياتِ؟ وما دُمتُ عاجِزةً فماذا أَنتَظِرُ مِنَ العاجِزِينَ؟! فلَيسَ لِدائِي دَواءٌ إلّا عِندَ الباقِي السَّرمَدِيِّ، عِندَ القَدِيرِ الأَزَليِّ&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[عوائق في طريق الترقي الروحي]</h4>
<p>فبَدَأتُ أَبحَثُ وأَستَقصِي.. راجَعتُ أوَّلَ ما راجَعتُ، تلك العُلُومَ الَّتي اكتَسَبْتُها سابِقًا، أَبحَثُ فيها السَّلْوةَ والرَّجاءَ، ولكِن كُنتُ -ويا لَلأَسَفِ- إلى ذلك الوَقتِ مُغتَرِفًا مِنَ العُلُومِ الإِسلاميّةِ معَ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ ظَنًّا مِنِّي -ظَنًّا خَطَأً جِدًّا- أنَّ تلك العُلُومَ الفَلسَفِيّةَ هي مَصدَرُ الرُّقيِّ والتَّكامُلِ، ومِحْوَرُ الثَّقافةِ وتَنَوُّرِ الفِكرِ، والحالُ أنَّ تلك <strong>المَسائِلَ الفَلسَفِيّةَ</strong> كانَت <strong>قد لَوَّثَت رُوحِي كَثِيرًا، بل أَصبَحَت عائِقةً أَمامَ سُمُوِّي المَعنَوِيِّ</strong>.</p>
<p>نعم، بَينَما كُنتُ في هذه الحالةِ، إذا بحِكْمةِ القُرآنِ المُقدَّسةِ تُسعِفُني، رَحْمةً مِنَ العَلِيِّ القَدِيرِ، وفَضْلًا وكَرَمًا مِن عِندِه سُبحانَه؛ فغَسَلَتْ أَدْرانَ تلك المَسائِلِ الفَلسَفِيّةِ، وطَهَّرتُ رُوحِي مِنها -كما هو مُبيَّنٌ في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ- إذ <strong>كان الظَّلامُ الرُّوحِيُّ المُنبَثِقُ مِنَ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ يُغرِقُ رُوحِي ويَطمِسُها في الكائِناتِ</strong>، فأَينَما كُنتُ أَتَوجَّهُ بنَظَرِي في تلك المَسائِلِ لا أَرَى نُورًا ولا أَجِدُ قَبَسًا، ولم أَتَمكَّن مِنَ التَّنفُّسِ والِانشِراحِ، <strong>حتَّى جاءَ نُورُ التَّوحِيدِ السّاطِعُ النّابِعُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ</strong> الَّذي يُلقَّنُ بِجُملةِ &#8220;لا إلٰهَ إلّا هُو&#8221; فمَزَّق ذلك الظَّلامَ وبَدَّدَه، فانشَرَح صَدْرِي وتَنفَّسَ بكلِّ راحةٍ واطْمِئْنانٍ.. ولكِنَّ النَّفسَ والشَّيطانَ شَنّا هُجُومًا عَنِيفًا على العَقلِ والقَلبِ، وذلك بما أَخَذاه مِن تَعلِيماتٍ وتَلقَّياه مِن دُرُوسٍ مِن أَهلِ الضَّلالةِ والفَلسَفةِ.. فبَدَأَتِ المُناظَرةُ النَّفسِيّةُ في هذا الهُجُومِ حتَّى اختُتِمَت -وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ- بانتِصارِ القَلبِ وفَوزِه.</p>
<p>ولَمَّا كانَ قِسمٌ مِن تلك المُناظَراتِ قد وَرَد في أَغلَبِ الرَّسائِلِ، فنَحنُ نَكتَفِي به، إلّا أنَّنا نُبيِّنُ هُنا بُرهانًا واحِدًا فَقَط مِن بَينِ آلافِ البَراهِينِ، لِنُبيِّنَ انتِصارَ القَلبِ وفَوزَه على النَّفسِ والشَّيطانِ، ولِيَقُومَ ذلك البُرهانُ بتَطهِيرِ أَرواحِ أُولَئِك الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَوَّثُوا أَرواحَهُم في شَبابِهم، وأَسقَمُوا قُلُوبَهُم، وأَطغَوْا أَنفُسَهُم، حتَّى تَجاوَزَت حُدُودَها، تارةً بالضَّلالةِ، وتارةً بما لا يَعنِيهِم مِن أُمُورٍ تَتَستَّرُ تَحتَ سِتارِ العُلُومِ الأَجنَبِيّةِ والفُنُونِ الحَضارِيّةِ، ولِيَنجُوا -بإِذنِ اللهِ- في حَقِّ التَّوحِيدِ، مِن شُرُورِ النَّفسِ والشَّيطانِ.. والمُناظَرةُ هي كالآتِي:</p>
<h4 style="text-align: center;">[نموذج للمناظرة مع علوم الفلسفة]</h4>
<p>قالَت نَفسِي مُستَفسِرةً بِاسمِ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ المادِّيّةِ: &#8220;إنَّ الأَشياءَ المَوجُودةَ في الكَونِ، بطَبِيعَتِها تَتَدخَّلُ في المَوجُوداتِ، فكُلُّ شَيءٍ مُتَوجِّهٌ إلى سَبَبٍ وصادِرٌ مِنه، فالثَّمَرةُ تُؤخَذُ مِنَ الشَّجَرةِ، والحُبُوبُ تُطلَبُ مِنَ التُّرابِ، فماذا يَعنِي التَّضَرُّعُ إلى الله وطَلَبُ أَصغَرِ شَيءٍ وأَكثَرِه جُزئيّةً مِنه سُبحانَه؟!&#8221;.</p>
<p>انكَشَف حالًا سِرُّ التَّوحِيدِ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ بالصُّورةِ الآتِيةِ:</p>
<p>أَجابَ قَلبِي لِنَفسِي المُتَفَلسِفةِ: <strong>إنَّ أَصغَرَ شَيءٍ وأَكثَرَه جُزئيّةً كأَكبَرِ شَيءٍ وأَعظَمِه</strong>، يَصدُرُ مِن قُدرةِ خالِقِ الكائِناتِ مُباشَرةً، ويَأتِي مِن خَزِينَتِه سُبحانَه.. فلَيسَ هُناك صُورةٌ أُخرَى قَطُّ، وما الأَسبابُ إلّا سَتائِرُ؛ ذلك لِأنَّ أَصغَرَ المَخلُوقاتِ وأَتفَهَها -حَسَبَ ظَنِّنا- قد يكُونُ أَعظَمَ مِن أَكبَرِ المَخلُوقاتِ وأَضخَمِها، مِن حَيثُ الخِلْقةُ والصَّنْعةُ والإِتقانُ، فالذُّبابُ مَثلًا: إن لم يَكُن أَدَقَّ وأَرقَى مِن حَيثُ الصَّنْعةُ مِنَ الدَّجاجِ فلَيسَ هو بقاصِرٍ عَنْها، لِهذا لا يُمكِنُ التَّميِيزُ بَينَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِن حَيثُ الخِلْقةُ والصَّنْعةُ، فإِمّا أن يُنسَبَ خَلقُ الجَمِيعِ -صَغِيرُه وكَبِيرُه- إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، وإمّا أن يُسنَدَ الخَلقُ جَمِيعًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ؛ ومِثلَما أنَّ الشِّقَّ الأوَّلَ مُحالٌ في مُحالٍ، فإنَّ الشِّقَّ الثّانِيَ واجِبٌ الِاعتِقادُ به وضَرُورِيٌّ، لِأنَّه:</p>
<p><strong>ما دامَ</strong> عِلمُ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى -الَّذي هو ثابِتٌ وُجُودُه بشَكلٍ قاطِعٍ بانتِظامِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ والحِكَمِ الَّتي فيها- يُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ..</p>
<p><strong>وما دامَ</strong> كلُّ شَيءٍ يَتَعيَّنُ مِقدارُه في عِلمِه سُبحانَه..</p>
<p><strong>وما دامَتِ</strong> المَصنُوعاتُ والمَخلُوقاتُ وهِي في مُنتَهَى الرَّوْعةِ والإِتقانِ تَأتِي بمُنتَهَى السُّهُولةِ إلى الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ كلَّ حِينٍ كما هو مُشاهَدٌ..</p>
<p><strong>وما دامَ</strong> ذلك القَدِيرُ العَلِيمُ يَملِكُ قُدْرةً مُطلَقةً يُمكِنُه أن يُوجِدَ كلَّ شَيءٍ بأَمرِ &#8220;كُن فيَكُونُ&#8221; بِسُهُولةٍ كلَمْحِ البَصَرِ، كما بَيَّنّا ذلك في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ بدَلائِلَ قاطِعةٍ ولا سِيَّما في &#8220;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221; وخِتامِ &#8220;اللَّمْعةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ&#8221;..</p>
<p><strong>فلا بُدَّ أنَّ</strong> السُّهُولةَ المُطلَقةَ المُشاهَدةَ، والخارِقةَ لِلعادةِ، ما هي إلّا مِن تلك الإِحاطةِ العِلمِيّةِ ومِن عَظَمةِ تلك القُدْرةِ المُطلَقةِ.</p>
<p><strong>مَثلًا</strong>: كما أنَّه إذا أَمْرَرْتَ مادّةً كِيمْياوِيّةً مُعَيَّنةً على كِتابٍ كُتِبَ بحِبْرٍ كِيمْياوِيٍّ لا يُرَى، فإنَّ ذلك الكِتابَ الضَّخْمَ يَظهَرُ عِيانًا حتَّى يَستَقرِئَ كلَّ ناظِرٍ الَيْه، كَذلِك يَتَعيَّنُ مِقدارُ كلِّ شَيءٍ وصُورَتُه الخاصّةُ به في العِلمِ المُحِيطِ لِلقَدِيرِ الأَزَليِّ، فيُمَرِّرُ القَدِيرُ المُطلَقُ قُوَّتَه -الَّتي هي تَجَلٍّ مِن قُدرَتِه- بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، كإِمرارِ تلك المادّةِ في المِثالِ، على تلك الماهِيّةِ العِلمِيّةِ، يُمَرِّرُها بأَمرِ &#8220;كُنْ فيَكُونُ&#8221;، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ تلك، وبإِرادَتِه النّافِذةِ.. فيُعطِي سُبحانَه ذلك الشَّيءَ وُجُودًا خارِجِيًّا، مُظهِرًا إِيّاه أَمامَ الأَشهادِ، مِمّا يَجعَلُهُم يَقرَؤُونَ ما فيه مِن نُقُوشِ حِكْمَتِه..</p>
<p>ولكِن إنْ لم يُسنَد خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ معًا إلى العَلِيمِ المُطلَقِ وإلى القَدِيرِ الأَزلِيِّ، فإنَّ خَلقَ أَصغَرِ شَيءٍ عِندَئِذٍ -كالذُّبابِ مَثلًا- يَستَلزِمُ جَمْعَ جَمِيعِ ما له عَلاقةٌ بالذُّبابِ مِن أَكثَرِ أَنواعِ العالَمِ، جَمْعَه بمِيزانٍ خاصٍّ ودَقِيقٍ جِدًّا، أي: جَمْعَ كلِّ ذلك في جِسمِ الذُّبابِ، بل يَنبَغِي أن تكُونَ كلُّ ذَرّةٍ عامِلةٍ في جِسمِ الذُّبابِ عالِمةً تَمامَ العِلمِ بسِرِّ خَلقِ الذُّبابِ وحِكْمةِ وُجُودِه، بل يَنبَغِي أن تكُونَ مُتقِنةً لِرَوْعةِ الصَّنعةِ الَّتي فيها بدَقائِقِها وتَفاصِيلِها كافّةً.</p>
<p>ولَمّا كانَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ والطَّبِيعِيّةُ لا يُمكِنُها أن تَخلُقَ شَيئًا مِنَ العَدَمِ مُطلَقًا كما هو بَدَهِيٌّ ومُتَّفَقٌ علَيْه عِندَ أَربابِ العُقُولِ؛ لِذا فإنَّ تلك الأَسبابَ حتَّى لو تَمَكَّنَت مِنَ الإِيجادِ فإنَّها لا تَتَمكَّنُ مِن ذلك إلّا بالجَمْعِ.. فما دامَت ستَقُومُ بالجَمْعِ، وإنَّ الكائِنَ الحَيَّ -أيًّا كانَ- يَنطَوِي على أَغلَبِ نَماذِجِ ما في العالَمِ مِن عَناصِرَ وأَنواعٍ، وكأَنَّه خُلاصةُ الكائِناتِ أو بِذْرَتُها، فلا بُدَّ إِذًا مِن جَمْعِ ذَرّاتِ البِذْرةِ مِن شَجَرةٍ كامِلةٍ، وجَمْعِ عَناصِرِ الكائِنِ الحَيِّ وذَرّاتِه مِن أَرجاءِ العالَمِ أَجمَعَ، وذلك بَعدَ تَصفِيَتِها وتَنظِيمِها وتَقدِيرِها بدِقّةٍ وإِتقانٍ حَسَبَ مَوازِينَ خاصّةٍ ووَفْقَ مَصافٍ حَسّاسةٍ ودَقِيقةٍ جِدًّا.</p>
<p>ولِكَونِ الأَسبابِ المادِّيّةِ الطَّبِيعيّةِ جاهِلةً وجامِدةً، فلا عِلمَ لَها مُطلَقًا كي تُقَدِّرَ خُطّةً، وتُنَظِّمَ مِنهاجًا، وتُنَسِّقَ فِهْرِسًا، وكي تَتَعامَلَ معَ الذَّرّاتِ وَفْقَ قَوالِبَ مَعنَوِيّةٍ، مُصهِرةً إِيّاها في تلك القَوالِبِ لِتَمنَعَها مِنَ التَّفرُّقِ والتَّشَتُّتِ واختِلالِ النِّظامِ؛ بَينَما يُمكِنُ أن يكُونَ شَكلُ كلِّ شَيءٍ وهَيئَتُه ضِمنَ أَنماطٍ لا تُحَدُّ.. لِذا فإنَّ إِعطاءَ شَكلٍ مُعيَّنٍ واحِدٍ مِن بَينِ تلك الأَشكالِ غَيرِ المَحدُودةِ، وتَنظِيمَ ذلك الشَّيءِ بمِقدارٍ مُعَيَّنٍ ضِمنَ تلك المَقادِيرِ غَيرِ المَعدُودةِ، دُونَ أن تَتَبعثَرَ ذَرّاتُ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ وبانتِظامٍ كامِلٍ، ثمَّ بِناءَها وعِمارَتَها بَعضَها فَوقَ بَعضٍ بلا قَوالِبَ خاصّةٍ وبلا تَعيِينِ المَقادِيرِ، ثمَّ إِعطاءَ الكائِنِ الحَيِّ وُجُودًا مُنتَظِمًا مُنَسَّقًا.. كلُّ هذا أَمرٌ واضِحٌ أنَّه خارِجٌ عن حُدُودِ الإِمكانِ، بل خارِجٌ عن حُدُودِ العَقلِ والِاحتِمالِ! فالَّذي لم يَفقِدْ بَصِيرَتَه يَرَى ذلك بجَلاءٍ!</p>
<p>نعم، وتَوضِيحًا لِهذه الحَقِيقةِ فقد جاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، أي: إذا اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كافّةً لا يُمكِنُها أن تَجمَعَ وتُنسِّقَ جِسمَ ذُبابةٍ واحِدةٍ وأَجهِزَتَها وَفقَ مَوازِينَ دَقِيقةٍ خاصّةٍ حتَّى لو أُوتِيَت تلك الأَسبابُ إِرادةً واختِيارًا، بل حتَّى لو تَمَكَّنَت مِن تَكوِينِ جِسمِ ذُبابٍ وجَمْعِه، فإنَّها لا تَستَطِيعُ إِبقاءَه وإِدامَتَه على مِقْدارِه المُعَيَّنِ له، بل حتَّى لو تَمَكَّنَت مِن إِبقائِه بالمِقدارِ المُعيَّنِ، فلن تَستَطِيعَ أن تُحرِّكَ بانتِظامٍ تلك الذَّرّاتِ الَّتي تَتَجدَّدُ دَوْمًا وتَرِدُ إلى ذلك الوُجُودِ لِتَسعَى فيه.. لِذا فمِنَ البَداهةِ أنَّ الأَسبابَ لن تكُونَ مالِكةً لِهذِه الأَشياءِ ولن تكُونَ صاحِبَتَها مُطلَقًا، إنَّما صاحِبُها الحَقِيقيُّ هو غَيرُ الأَسبابِ.</p>
<p>نعم، إنَّ لها مالِكًا وصاحِبًا حَقِيقيًّا بحَيثُ إنَّ إِحياءَ ما على الأَرضِ مِن كائِناتٍ سَهْلٌ علَيْه ويَسِيرٌ، كإِحياءِ ذُبابةٍ واحِدةٍ؛ وإِيجادَ الرَّبِيعِ عِندَه سَهْلٌ وهَيِّنٌ كسُهُولةِ إِيجادِ زَهْرةٍ واحِدةٍ.. كما تُبيِّنُه الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ذلك لِأنَّه غَيرُ مُحتاج إلى الجَمْعِ، حَيثُ إنَّه مالِكٌ لِأَمرِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ..﴾ ولِأنَّه يَخلُقُ مِنَ العَدَمِ في كلِّ رَبِيع أَحوالَ مَوجُوداتِ الرَّبِيعِ وصِفاتِها وأَشكالَها، مِمّا سِوَى مَوادِّ عَناصِرِها.. ولِأنَّ خُطّةَ كلِّ شَيءٍ ونَمُوذَجَه وفِهرِسَه ومُخَطَّطَه مُتَعيِّنٌ في عِلْمِه سُبحانَه.. ولِأنَّ جَمِيعَ الذَّرّاتِ لا تَتَحرَّكُ إلّا ضِمنَ دائِرةِ عِلمِه وقُدرَتِه؛ لِذا فإنَّه يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ ويُوجِدُه بِسُهُولةٍ كلَمْحِ البَصَرِ وفي مُنتَهَى اليُسْرِ، ولن يَحِيدَ شَيءٌ عَمّا أُنِيطَ به في حَرَكَتِه ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ، فتَغدُو الكَواكِبُ السَّيّارةُ جَيشًا مُنَظَّمًا طائِعًا له، وتُصبِحُ الذَّرّاتُ جُنُودًا مُطِيعِينَ لِأَمرِه، وحَيثُ إنَّ الجَمِيعَ يَسِيرُونَ على وَفقِ تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ ويَتَحرَّكُونَ وَفقَ دَساتِيرِ ذلك العِلمِ الأَزَليِّ؛ لِذا فإنَّ هذه الآثارَ تَأتِي إلى الوُجُودِ حَسَبَ تلك القُدْرةِ، فلا تَصغُرُ تلك الآثارُ بالنَّظَرِ إلى شَخصِيّةِ أَسبابِها التّافِهةِ، إذِ الذُّبابةُ المُنتَسِبةُ إلى تلك القُدْرةِ تُهلِكُ نَمرُودًا، والنَّملةُ تُدمِّرُ قَصرَ فِرعَونَ، وبِذْرةُ الصَّنَوبَرِ المُتَناهِيةُ في الصِّغَرِ تَحمِلُ على أَكتافِها ثِقْلَ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ كالجَبَل.</p>
<p>فكَما أنَّنا أَثْبتَنْا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ كَثِيرةٍ، فإنَّنا نقُولُ هُنا كَذلِك: إنَّ الجُندِيَّ المُنتَسِبَ إلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ يُمكِنُه أن يقُومَ بأَعمالٍ تَفُوقُ طاقَتَه أَلفَ مَرّةٍ، كأَنْ يَأسِرَ مَثلًا قائِدًا عَظِيمًا لِلعَدُوِّ بانتِسابِه؛ كَذلِك فإنَّ كلَّ شَيءٍ بانتِسابِه إلى تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ يكُونُ مَصْدرًا لِمُعجِزاتِ الصَّنْعةِ والإِتقانِ بما يَفُوقُ تلك الأَسبابَ الطَّبِيعيّةَ بمِئةِ أَلفِ مَرّةٍ.</p>
<p><strong>الخُلاصةُ</strong>: إنَّ الصَّنْعةَ المُتقَنةَ البَدِيعةَ لِكُلِّ شَيءٍ، والسُّهُولةَ المُطلَقةَ في إِيجادِه، تُظهِرانِ مَعًا أنَّ ذلك الشَّيءَ مِن آثارِ القَدِيرِ الأَزَليِّ ذِي العِلمِ المُحِيطِ، وإلّا فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ وُرُودُ ذلك الشَّيءِ إلى الوُجُودِ، بل يكُونُ -عِندَئذٍ- خارِجًا عن دائِرةِ الإِمكانِ وداخِلًا في دائِرةِ الِامتِناعِ، بل خارِجًا مِن صُورةِ المُمكِنِ وداخِلًا في ماهِيّةِ المُمتَنِعِ، ولَن يَرِدَ شَيءٌ أَصلًا إلى الوُجُودِ، بل سيَكُونُ ظُهُورُه إلى الوُجُودِ مُحالًا.</p>
<p>وهكَذا، فإنَّ هذا البُرهانَ -وهُو في مُنتَهَى القُوّةِ والدِّقّةِ، ومُنتَهَى العُمْقِ والوُضُوحِ- قد أَسكَتَ نَفسِي الَّتي أَصبَحَت تِلمِيذةً مُؤَقَّتةً لِلشَّيطانِ، ووَكِيلةً لِأَهلِ الضَّلالةِ والفَلْسَفةِ، حتَّى آمَنَتْ -وللهِ الحَمدُ- إِيمانًا راسِخًا، وقالَت:</p>
<p>نعم، إنَّه يَنبَغِي أن يكُونَ لي رَبٌّ خالِقٌ يَعلَمُ ويَسمَعُ أَدَقَّ خَواطِرِ قَلبِي وأَخفَى رَجائِي ودُعائِي، ويكُونَ ذا قُدْرةٍ مُطلَقةٍ فيُسعِفَ أَخفَى حاجاتِ رُوحِي، ويَستَبدِلَ كَذلِك الآخِرةَ بهذه الدُّنيا الضَّخْمةِ لِيُسعِدَني سَعادةً أَبَدِيّةً فيُقِيمَ الآخِرةَ بَعدَما يَرفَعُ هذه الدُّنيا؛ وكما أنَّه يَخلُقُ الذُّبابَ فإنَّه يُوجِدُ السَّماواتِ أَيضًا، وكما أنَّه يُرَصِّعُ وَجْهَ السَّماءِ بعَينِ الشَّمسِ فإنَّه يَجعَلُ مِنَ الذَّرّةِ تَرصِيعًا في بُؤْبُؤِ عَيْني؛ وإِلّا فإنَّ الَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَخلُقَ ذُبابًا لا يُمكِنُه أن يَتَدخَّلَ في خَواطِرِ قَلبِي، ولن يَسمَعَ تَضَرُّعَ رُوحِي، وإنَّ الَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَخلُقَ السَّماواتِ لا يُمكِنُه أن يَهَبَني السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ، لِذا فإنَّ رَبِّي إنَّما هو الَّذي يَسمَعُ -بل يُصلِحُ- خَواطِرَ قَلبِي، فمِثلَما أنَّه يَملَأُ جَوَّ السَّماءِ بالغُيُومِ ويُفرِغُها مِنه خِلالَ ساعةٍ، فإنَّه سيُبَدِّلُ الآخِرةَ بهذه الدُّنيا ويُوجِدُ الجَنّةَ ويَفتَحُ أَبوابَها لي قائِلًا: هَيّا ادْخُلْ!</p>
<p>فيا إِخوَتِي الشُّيُوخَ، ويا مَن صَرَفْتُم جُزءًا مِن عُمُرِكُم بسُوءِ حَظِّ النَّفسِ وشَقائِها -مِثلَ نَفسِي- في مُغالَطاتِ العُلُومِ الأَجنَبِيّةِ والفَلسَفةِ المُظلِمةِ.. اعْلَمُوا أنَّ الَّذي يُرَدِّدُه القُرآنُ دَوْمًا مِن &#8220;لا إِلٰهَ إلّا هُو&#8221; -ذلك الأَمرَ القُدسِيَّ- رُكنٌ إِيمانِيٌّ لا يَتَزَلزَلُ ولا يَتَصدَّعُ ولا يَتَغيَّرُ أَبدًا!! فما أَقْواه وما أَصْوَبَه! حَيثُ يُبدِّدُ جَمِيعَ الظُّلُماتِ ويُضَمِّدُ الجِراحاتِ المَعنَوِيّةَ.</p>
<p>هذا، وإنَّ دَرْجَ هذه الحادِثةِ المُطَوَّلةِ ضِمنَ أَبوابِ الرَّجاءِ والأَملِ لِشَيخُوخَتِي، لم يكُن باختِيارِي، بل لم أَكُن أَرغَبُ دَرْجَها هُنا، تَحاشِيًا مِنَ المَلَلِ، إلّا أنَّني أَستَطِيعُ أن أَقُولَ: قدِ استُكْتِبتُها وأُملِيَتْ عَلَيَّ.. وعلى كلٍّ.. لِنَرجِعْ إلى المَوضُوعِ الَّذي نَحنُ بصَدَدِه:</p>
<h4 style="text-align: center;">[اللذة الحقيقية]</h4>
<p>نعم، هكَذا جاءَنِي النُّفُورُ مِن تلك الحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ البَهِيجةِ في إسطَنبُولَ الَّتي ظاهِرُها اللَّذّةُ، مِن ذلك التَّأمُّلِ والنَّظَرِ في شُعَيراتٍ بَيضاءَ لِرَأسِي ولِحيَتِي، ومِن عَدَمِ الوَفاءِ الَّذي بَدَر مِنَ الصَّدِيقِ الوَفِيِّ المُخلِصِ.. حتَّى بَدَأَتِ النَّفسُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عن أَذْواقٍ مَعنَوِيّةٍ بَدَلًا عَمّا افتُتِنَتْ به مِن أَذْواقٍ، فطَلَبَت نُورًا وسُلْوانًا في هذه الشَّيخُوخةِ الَّتي تَبدُو ثَقِيلةً ومُزعِجةً ومَقِيتةً في نَظَرِ الغافِلِينَ.. فلِلَّهِ الحَمدُ والمِنّةُ وأَلفُ شُكرٍ وشُكرٍ له سُبحانَه أن وَفَّقَني لِوِجْدانِ تلك الأَذْواقِ الإِيمانيّةِ الحَقِيقيّةِ الدّائِمةِ في &#8220;لا إِلٰهَ إلّا هو&#8221;، وفي نُورِ التَّوحِيدِ بَدَلًا مِن تلك الأَذْواقِ الدُّنيَوِيّةِ الَّتي لا حَقِيقةَ لها ولا لَذّةَ فيها، بل لا خَيرَ في عُقْباها؛ وله الحَمدُ أن وَفَّقَني كَذلِك لِأَجِدَ الشَّيخُوخةَ خَفِيفةَ الظِّلِّ أَتَنعَّمُ بدِفئِها ونُورِها بخِلافِ ما يَراه أَهلُ الغَفْلةِ مِن ثِقَلٍ وبُرُودةٍ.</p>
<p>نعم يا إِخوَتِي، فما دُمتُم تَملِكُونَ الإِيمانَ، وما دامَت لَدَيكُمُ الصَّلَواتُ والدُّعاءُ اللَّذانِ يُنَوِّرانِ الإِيمانَ، بل يُنَمِّيانِه ويَصقُلانِه.. فإنَّكُم تَستَطِيعُونَ إِذًا أن تَنظُرُوا إلى شَيخُوخَتِكُم كأنَّها شَبابٌ دائِمٌ، إذ يُمكِنُكُم أَن تَنالُوا بِها شَبابًا أَبدِيًّا، أَمّا الشَّيخُوخةُ البارِدةُ حَقًّا، والثَّقِيلةُ جِدًّا، والقَبِيحةُ، بلِ المُظلِمةُ والمُؤلِمةُ تَمامًا، فلَيسَت إلّا شَيخُوخةَ أَهلِ الضَّلالةِ، بل رُبَّما عَهْدُ شَبابِهِم كَذلِك.. فلْيَبكِ هَؤُلاءِ.. ولْيَنتَحِبُوا.. ولْيَقُولُوا: وا أَسَفاهْ.. وا حَسْرَتاهْ!!</p>
<p>أمّا أَنتُم أيُّها الشُّيُوخُ المُؤمِنُونَ المُوَقَّرُونَ، فعَلَيكُم أن تَشكُرُوا رَبَّكُم بكلِّ فَرَحٍ وسُرُورٍ قائِلِينَ: &#8220;الحَمدُ للهِ على كلِّ حالٍ!&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الثاني عشر: سلوان من فقد الأحبة]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الثَّانِيَ عشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>بَينَما كُنتُ وَحِيدًا بلا مُعِينٍ في &#8220;بارْلا&#8221; تلك النّاحِيةِ التّابِعةِ لِمُحافَظةِ &#8220;إِسبارْطةَ&#8221; أُعانِي الأَسْرَ المُعَذِّبَ المُسَمَّى بالنَّفيِ، مَمنُوعًا مِنَ الِاختِلاطِ بالنَّاسِ، بل حتَّى مِنَ المُراسَلةِ معَ أيٍّ كانَ، فَوقَ ما كُنتُ فيه مِنَ المَرَضِ والشَّيخُوخةِ والغُرْبةِ.. فبَينَما كُنتُ أَضطَرِبُ مِن هذه الحالةِ وأُقاسِي الحُزنَ المَرِيرَ إذا بنُورٍ مُسَلٍّ يُشِعُّ مِنَ الأَسرارِ اللَّطِيفةِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ ومِن نِكاتِه الدَّقيقةِ، يَتَفضَّلُ الحَقُّ سُبحانَه به عَلَيَّ برَحْمَتِه الكامِلةِ الواسِعةِ، فكُنتُ أَعمَلُ جاهِدًا بذَلِك النُّورِ لِتَناسِي ما أنا فيه مِنَ الحالةِ المُؤلِمةِ المُحزِنةِ، حتَّى استَطَعتُ نِسيانَ بَلدَتِي وأَحِبَّتي وأَقارِبِي.. ولكِن -يا حَسْرَتاهْ- لم أَتَمكَّن مِن نِسيانِ واحِدٍ مِنهُم أَبدًا وهُو ابنُ أَخِي، بلِ ابنِي المَعنَوِيُّ، وتِلمِيذِي المُخلِصُ وصَدِيقِي الشُّجاعُ &#8220;عَبدُ الرَّحمَنِ&#8221; -تَغَمَّدَه اللهُ برَحْمَتِه- الَّذي فارَقَنِي قَبلَ حَوالَيْ سَبعِ سَنَواتٍ، ولا أَعلَمُ حالَه كي أُراسِلَه وأَتَحَدَّثَ مَعَه ونَتَشارَكَ في الآلامِ، ولا هو يَعلَمُ مَكانِي كي يَسعَى لِخِدمَتِي وتَسلِيَتِي.. نعم، لقد كُنتُ في أَمَسِّ الحاجةِ -ولا سِيَّما في الشَّيخُوخةِ هذه- إلى مَن هو مِثلُ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221;.. ذلك الفِدائِيِّ الصّادِقِ..</p>
<p>وذاتَ يَومٍ وفَجْأةً سَلَّمَني أَحَدُهُم رِسالةً، ما إن فَتَحتُها حتَّى تَبيَّنَ لي أنَّها رِسالةٌ تُظهِرُ شَخصِيّةَ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221; تَمامًا، وقد أُدرِجَ قِسمٌ مِن تلك الرِّسالةِ ضِمنَ فِقْراتِ &#8220;المَكتُوبِ السّابِعِ والعِشرِينَ&#8221; بما يُظهِرُ ثَلاثَ كَراماتٍ واضِحة.</p>
<p>لقد أَبكَتْنِي تلك الرِّسالةُ كَثِيرًا ولا تَزالُ تُبكِينِي، حَيثُ يُبيِّنُ فيها &#8220;عبدُ الرَّحمَنِ&#8221; بكُلِّ صِدقٍ وجِدٍّ أنَّه قد عَزَف عُزُوفًا تامًّا عنِ الأَذْواقِ الدُّنيَوِيّةِ وعن لَذائِذِها، وأنَّ أَقصَى ما يَتَمنّاه هو الوُصُولُ إِلَيَّ لِيَقُومَ برِعايَتِي في شَيخُوخَتِي هذه مِثلَما كُنتُ أَرعاه في صِغَرِه، وأن يُساعِدَنِي بقَلَمِه السَّيّالِ في وَظِيفَتِي ومُهِمَّتِي الحَقِيقيّةِ في الدُّنيا، وهِي نَشرُ أَسرارِ القُرآنِ الكَرِيمِ، حتَّى إنَّه كانَ يقُولُ في رِسالَتِه: ابْعَثْ إِلَيَّ ما يَقرُبُ مِن ثَلاثِينَ رِسالةً كي أَكتُبَ وأَستَكْتِبَ مِن كلٍّ مِنها ثَلاثِينَ نُسخةً.</p>
<p>لقد شَدَّتْنِي هذه الرِّسالةُ إلى الدُّنيا بأَمَلٍ قَوِيٍّ شَدِيدٍ، فقُلتُ في نَفسِي: ها قد وَجَدتُ تِلمِيذِي المُخلِصَ الشُّجاعَ، ذا الذَّكاءِ الخارِقِ، وذا الوَفاءِ الخالِصِ، والِارتِباطِ الوَثيقِ الَّذي يَفُوقُ وَفاءَ الِابنِ الحِقِيقيِّ وارتِباطَه بوالِدِه! فسَوفَ يَقُومُ -بإِذنِ اللهِ- برِعايَتِي وخِدْمَتِي، بل حتَّى إِنَّني بهذا الأَمَلِ نَسِيتُ ما كُنتُ فيه مِنَ الأَسْرِ المُؤلِمِ ومِن عَدَمِ وُجُودِ مُعِينٍ لي، بل نَسِيتُ حتَّى الغُرْبةَ والشَّيخُوخةَ! وكأَنَّ &#8220;عَبدَ الرَّحْمَنِ&#8221; قد كَتَب تلك الرِّسالةَ بإِيمانٍ في مُنتَهَى القُوّةِ وفي غايةِ اللَّمَعانِ وهُو يَنتَظِرُ أَجَلَه، إذِ استَطاعَ أن يَحصُلَ على نُسخةٍ مَطبُوعةٍ مِنَ &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; الَّتي كُنتُ قد طَبَعتُها وهِي تَبحَثُ عنِ الإِيمانِ بالآخِرةِ؛ فكانَت تلك الرِّسالةُ بَلْسَمًا شافِيًا له حَيثُ ضَمَّدَت جَمِيعَ جِراحاتِه المَعنَوِيّةِ الَّتي عاناها عَبْرَ سَبعِ سَنَواتٍ خَلَت.</p>
<p>وبَعدَ مُضِيِّ حَوالَيْ شَهرَينِ وأنا أَعِيشُ في ذلك الأَمَلِ لِنَعِيشَ مَعًا حَياةً دُنيَوِيّةً سَعِيدةً، إذا بي أُفاجَأُ بنَبَأِ وَفاتِه! فيا أَسَفاهْ.. ويا حَسْرَتاهْ.. لقد هَزَّني هذا الخَبَرُ هَزًّا عَنِيفًا، حتَّى إِنَّني لا أَزالُ تَحتَ تَأثِيرِه مُنذُ خَمسِ سَنَواتٍ، وأَوْرَثَني حُزنًا شَدِيدًا وأَلَمًا عَمِيقًا لِلفِراقِ المُؤلِمِ، يَفُوقُ ما كُنتُ أُعانِيه مِن أَلَمِ الأَسْرِ المُعَذِّبِ وأَلَمِ الِانفِرادِ والغُربةِ المُوحِشةِ، وأَلَمِ الشَّيخُوخةِ والمَرَضِ.</p>
<p>كُنتُ أَقُولُ: إنَّ نِصفَ دُنيايَ الخاصّةِ قدِ انهَدَّ بوَفاةِ أُمِّي، بَيْدَ أَنِّي رَأَيتُ أنَّ النِّصفَ الآخَرَ قد تُوُفِّي أَيضًا بوَفاةِ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221;، فلم تَبقَ لي إِذًا عَلاقةٌ معَ الدُّنيا.. نعم، لو ظَلَّ &#8220;عَبدُ الرَّحمَنِ&#8221; مَعِي في الدُّنيا لَأَصبَحَ مِحْوَرًا تَدُورُ حَولَه وَظِيفَتِي الأُخرَوِيّةُ في الدُّنيا، ولَغَدا خَيرَ خَلَفٍ لي، ولَحَلَّ مَكانِي مِن بَعدِي، ولَكانَ صَدِيقًا وَفِيًّا بل مَدارَ سُلْوانٍ لي وأُنْسٍ، ولَبَاتَ أَذكَى تِلمِيذٍ لِرَسائِلِ النُّورِ، والأَمِينَ المُخلِصَ المُحافِظَ علَيْها.. فضَياعٌ مِثلُ هذا الضَّياعِ -باعتِبارِ الإِنسانيّةِ- لَهُو ضَياعٌ مُحرِقٌ مُؤلِمٌ لِأَمثالِي، ورَغمَ أنَّني كُنتُ أَبذُلُ الوُسْعَ لِأَتصَبَّرَ وأَتحَمَّلَ ما كُنتُ أُعانيه مِنَ الآلامِ، إلّا أنَّه كانَت هُنالِك عاصِفةٌ قَوِيّةٌ جِدًّا تَعصِفُ بأَقطارِ رُوحِي، فلَوْلا ذلك السُّلْوانُ النّابِعُ مِن نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ يَفِيضُ عَلَيَّ أَحيانًا لَمَا كانَ لِمِثلِي أن يَتَحمَّلَ ويَثبُتَ.</p>
<p>كُنتُ أَذهَبُ وأَسْرَحُ في وِدْيانِ &#8220;بارْلا&#8221;، وأَجُولُ في جِبالِها وَحِيدًا مُنفَرِدًا، أَجلِسُ في أَماكِنَ خاليةٍ مُنعَزِلةٍ، حامِلًا تلك الهُمُومَ والآلامَ المُحزِنةَ، فكانَت تَمُرُّ مِن أَمامِي لَوْحاتُ الحَياةِ السَّعِيدةِ ومَناظِرُها اللَّطِيفةُ الَّتي كُنتُ قد قَضَيتُها مَعَ طُلّابِي -أَمثالَ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221;- كالفِيلمِ السِّينِمائِيِّ، فكُلَّما مَرَّت تلك اللَّوحاتُ أَمامَ خَيالِي، سَلَبَتْ مِن شِدّةِ مُقاوَمَتِي، وفَتَّتْ في عَضُدِي سُرعةُ التَّأثُّرِ النّابِعةُ مِنَ الشَّيخُوخةِ والغُرْبةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثلاث جنائز كبرى وسلوان قرآني]</h4>
<p>ولكِن على حِينِ غِرّةٍ انكَشَف سِرُّ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿<strong>كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ</strong>﴾ انكِشافًا بَيِّنًا بحَيثُ جَعَلَني أُرَدِّدُ: <strong>يا باقِي أنتَ الباقِي، يا باقِي أنتَ الباقِي</strong>.. وبه أَخَذتُ السُّلوانَ الحَقِيقيَّ.</p>
<p>أجل، رَأَيتُ نَفسِي بسِرِّ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وعَبْرَ تلك الوِدْيانِ الخالِيةِ، ومعَ تلك الحالةِ المُؤْلِمةِ، رَأَيتُها على رَأْسِ ثَلاثِ جَنائِزَ كُبرَى كما أَشَرتُ إلَيْها في رِسالةِ &#8220;مِرقاةُ السُّنّةِ&#8221;:</p>
<p><strong>الأُولَى</strong>: رَأَيتُ نَفسِي كشاهِدِ قَبْرٍ يَضُمُّ خَمسًا وخَمسِينَ سَعِيدًا ماتُوا ودُفِنُوا في حَياتِي وضِمنَ عُمُرِي الَّذي يُناهِزُ الخامِسةَ والخَمسِينَ سَنةً.</p>
<p><strong>الثّانِيةُ</strong>: رَأَيتُ نَفسِي كالكائِنِ الحَيِّ الصَّغِيرِ جِدًّا -كالنَّمْلةِ- يَدِبُّ على وَجْهِ هذا العَصْرِ الَّذي هو بمَثابةِ شاهِدِ قَبْرٍ لِلجِنازةِ العُظمَى لِمَن هُم بَنُو جِنسِي ونَوعِي، والَّذِينَ دُفِنُوا في قَبْرِ الماضِي مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام.</p>
<p><strong>أمّا الثّالِثةُ</strong>: فقد تَجَسَّمَ أَمامَ خَيالِي -بسِرِّ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ- مَوتُ هذه الدُّنيا الضَّخْمةِ، مِثلَما تَمُوتُ دُنيا سَيّارةٌ مِن على وَجْهِ الدُّنيا كلَّ سَنةٍ كما يَمُوتُ الإِنسانُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[فإن تولَّوا فقل: حسبي الله]</h4>
<p>وهكَذا فقد أَغاثَنِي المَعنَى الإِشارِيُّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وأَمَدَّنِي بنُورٍ لا يَخبُو، فبَدَّدَ ما كُنتُ أُعانِيه مِنَ الحُزنِ النّابِعِ مِن وَفاةِ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221;، واهِبًا لي التَّسرِيةَ والتَّسلِيةَ الحَقِيقيّةَ.</p>
<p>نعم، لقد عَلَّمَتْني هذه الآيةُ الكَرِيمةُ أنَّه ما دامَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى مَوجُودًا فهُو البَدِيلُ عن كُلِّ شَيءٍ، وما دامَ باقِيًا فهُو كافٍ عَبْدَه، حَيثُ إنَّ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ عِنايَتِه سُبحانَه يَعدِلُ العالَمَ كُلَّه، وإنَّ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ نُورِه العَمِيمِ يَمنَحُ تلك الجَنائِزَ الثَّلاثَ حَياةً مَعنَوِيّةً أَيَّما حَياةٍ، بحَيثُ تَظهَرُ أنَّها لَيسَت جَنائِزَ، بل مِمَّن أَنهَوْا مَهامَّهُم ووَظائِفَهُم على هذه الأَرضِ فارْتَحَلُوا إلى عالَمٍ آخَرَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[يا باقي أنت الباقي]</h4>
<p>ولَمَّا كُنّا قد أَوْضَحْنا هذا السِّرَّ والحِكْمةَ في &#8220;اللَّمْعةِ الثَّالِثةِ&#8221; أَرانِي هنا في غَيرِ حاجةٍ إلى مَزِيدٍ مِنَ التَّوضِيحِ، إلّا أنَّني أَقُولُ:</p>
<p>إنَّ الَّذي نَجّانِي مِن تلك الحالةِ المُحزِنةِ المُؤْلِمةِ، تَكرارِي لـ&#8221;<strong>يا باقِي أَنتَ الباقِي</strong>.. <strong>يا باقِي أَنتَ الباقِي</strong>&#8221; مَرَّتَينِ، والَّذي هو مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿<strong>كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ</strong>﴾، وتَوضِيحُ ذلك: أنَّني عِندَما قُلتُ: &#8220;يا باقِي أَنتَ الباقِي&#8221; لِلمَرَّةِ الأُولَى، بَدَأ التَّداوِي والضِّمادُ بما يُشبِهُ العَمَلِيّاتِ الجِراحِيّةَ على تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ غَيرِ المَحدُودةِ النّاشِئةِ مِن زَوالِ الدُّنيا وزَوالِ مَن فيها مِنَ الأَحِبّةِ -مِن أَمثالِ &#8220;عُبدِ الرَّحمَنِ&#8221;- والمُتَوَلِّدةِ مِنِ انفِراطِ عِقدِ الرَّوابِطِ الَّتي أَرتَبِطُ بها مَعَهُم؛ أمّا في المَرّةِ الثَّانيةِ فقد أَصبَحَت جُملةُ &#8220;<strong>يا باقِي أَنتَ الباقِي</strong>&#8221; <strong>مَرْهَمًا لِجَمِيعِ تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ</strong>، وبَلْسَمًا شافِيًا لها، وذلك بالتَّأَمُّلِ في المَعنَى الآتِي:</p>
<p>لِيَرْحَلْ مَن يَرْحَلُ يا إِلٰهِي، فأَنتَ الباقِي وأَنتَ الكافِي، وما دُمتَ باقِيًا فلَتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحْمَتِك كافٍ بَدَلًا عن كُلِّ شَيءٍ يَزُولُ، وما دُمتَ مَوجُودًا فكُلُّ شَيءٍ إِذًا مَوجُودٌ لِمَن يُدرِكُ مَعنَى انتِسابِه إلَيْك بالإِيمانِ بوُجُودِك ويَتَحرَّكُ على وَفقِ ذلك الِانتِسابِ بسِرِّ الإِسلامِ؛ فلَيسَ الفَناءُ والزَّوالُ ولا المَوتُ والعَدَمُ إلّا سَتائِرَ لِلتَّجدِيدِ، وإلّا وَسِيلةً لِلتَّجَوُّلِ في مَنازِلَ مُختَلِفةٍ والسَّيرِ فيها.</p>
<p>فانقَلَبَتْ بهذا التَّفكِيرِ تلك الحالةُ الرُّوحِيّةُ المُحرِقةُ الحَزِينةُ، وتلك الحالةُ المُظلِمةُ المُرعِبةُ إلى حالةٍ مُسِرّةٍ بَهِيجةٍ ولَذِيذةٍ، وإلى حالةٍ مُنَوَّرةٍ مُحبُوبةٍ مُؤنِسةٍ، فأَصبَحَ لِسانِي وقَلبِي بل كلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ جِسمِي يُرَدِّدُ بلِسانِ الحالِ: الحَمدُ للهِ.</p>
<p>ولَقَد تَجَلَّى جُزءٌ مِن أَلفِ جُزءٍ مِن ذلك التَّجَلِّي لِلرَّحْمةِ بهذه الصُّورةِ:</p>
<p>عِندَما رَجَعتُ مِن مَوطِنِ حُزنِي.. مِن تلك الوِدْيانِ، ومِن تلك الحالةِ المُحزِنةِ، إلى &#8220;بارْلا&#8221;، رَأَيتُ شابًّا يُدعَى مُصطَفَى مِن &#8220;قُولَه أُونُو&#8221; قد أَتانِي مُستَفسِرًا عن بَعضِ ما يَشغَلُه مِن مَسائِلِ الفِقهِ والوُضُوءِ والصَّلاةِ.. فرَغمَ أنَّني لم أَكُن أَستَقبِلُ الضُّيُوفَ في تلك الحِقْبةِ، إلّا أنَّ رُوحِي كأنَّها قد قَرَأَت ما في رُوحِ ذلك الشّابِّ مِنَ الإِخلاصِ، وكأنَّها شَعَرَت -بحِسٍّ قَبلَ الوُقُوع- ما سَوفَ يُؤَدِّيه هذا الشّابُّ مِن خِدْماتٍ لِرَسائِلِ النُّورِ في المُستَقبَلِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>، لِذا لم أَرُدَّه وقَبِلتُه ضَيْفًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>، ثمَّ تَبيَّنَ لي أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد عَوَّضَنِي بهذا الشّابِّ عن &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221; الَّذي هو خَيرُ خَلَفٍ لي، ويَفِي بمُهِمّةِ الوارِثِ الحَقِيقيِّ في خِدْمةِ رِسالةِ النُّور؛ وبَعَث سُبحانَه وتَعالَى إِلَيَّ &#8220;مُصطَفَى&#8221; كنَمُوذَجٍ، وكأنَّه يقُولُ: أَخَذتُ مِنك عَبدًا لِلرَّحمَنِ واحِدًا وسأُعَوِّضُك عنه بثَلاثِينَ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221; كهذا الشّابِّ &#8220;مُصطَفَى&#8221; مِمَّن يَسْعَوْنَ في تلك الوَظِيفةِ الدِّينيّةِ، وسيَكُونُونَ لك طُلّابًا أَوْفِياءَ، وأَبناءَ أَخٍ كُرَماءَ، وأَوْلادًا مَعنَوِيِّينَ، وإِخوةً طَيِّبِينَ، وأَصدِقاءَ فِدائيِّينَ مُضَحِّينَ..</p>
<p>نعم.. وللهِ الحَمدُ فقد وهَبَنِي البارِئُ عزَّ وجَلَّ ثَلاثِينَ عَبدًا لِلرَّحمَنِ، وعِندَها خاطَبتُ قَلبِي: ما دُمتَ يا قَلبِي الباكِيَ المَكلُومَ قد رَأَيتَ هذا النَّمُوذَجَ وهذا المِثالَ وشُفِيَ به أَهَمُّ جُرحٍ مِن تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ، فعَلَيْك أن تَسكُنَ وتَطمَئِنَّ بأنَّ اللهَ سُبحانَه سيُضَمِّدُ الجُرُوحَ الباقِيةَ الَّتي تُقلِقُك وتَتَألَّمُ مِنها..</p>
<p>فيا أَيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ.. ويا مَن فَقَدتُم مِثلِي أَحَبَّ وَلَدِه إلَيْه زَمنَ الشَّيخُوخةِ أو فارَقَه أَحَدُ أَقارِبِه.. ويا مَن يُثقِلُ كاهِلَه وَطْأةُ الشَّيخُوخةِ ويَحمِلُ مَعَها على رَأْسِه الهُمُومَ الثَّقِيلةَ النّاشِئةَ مِنَ الفِراقِ.. لقد عَلِمتُم وَضْعِي وعَرَفتُم حالِي، فإنَّه رَغمَ شِدَّتِه بأَضعافِ ما عِندَكُم مِن أَوْضاعٍ وحالاتٍ، إلّا أنَّ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ قد ضَمَّدَته وأَسعَفَتْه فشَفَتْه بإِذنِ اللهِ، فلا شَكَّ في أنَّ صَيدَليّةَ القُرآنِ المُقَدَّسةَ زاخِرةٌ بعِلاجِ كُلِّ مَرَضٍ مِن أَمراضِكُم ودَواءُ كلِّ سَقَمٍ مِن أَسقامِكُم.. فإذا استَطَعتُم مُراجَعَتَها بالإِيمانِ، وقُمتُم بالتَّداوِي والعِلاجِ بالعِبادةِ، فلا بُدَّ أن تَخِفَّ وَطْأةُ ما تَحمِلُونَ على كاهِلِكُم مِن أَثقالِ الشَّيخُوخةِ وما يُثقِلُ رُؤُوسَكُم مِن هُمُومٍ.</p>
<p>هذا، وإنَّ سَبَبَ كِتابةِ هذا البَحثِ كِتابةً مُطَوَّلةً هو رَجاءُ الإِكثارِ مِن طَلَبِ الدُّعاءِ لِلمَرحُومِ &#8220;عَبدِ الرَّحمَنِ&#8221;، فلا تَمَلُّوا ولا تَسأَمُوا مِن طُولِه؛ وإنَّ قَصدِي مِن إِظهارِ جُرحِي المُخِيفِ بهذه الصُّورةِ المُفجِعةِ المُؤلِمةِ، ممَّا قد يُؤَدِّي إلى زِيادةِ آلامِكُم وأَحزانِكُم فتَنفِرُونَ مِنه، لَيسَ إلّا لِبَيانِ ما في البَلسَمِ القُرآنِيِّ المُقدَّسِ مِن شِفاءٍ خارِقٍ ومِن نُورٍ باهِرٍ ساطِعٍ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الثالث عشر: غربةٌ في الوطن]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الثَّالثَ عشَرَ<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup></strong><strong>‌</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[نحيبٌ على الأطلال!]</h4>
<p>سأَتحَدثُ في هذا الرَّجاءِ عن لَوْحةٍ مُهِمّةٍ مِن لَوْحاتِ وَقائِعِ حَياتِي، فالرَّجاءُ ألّا تَسأَمُوا وتَضْجَرُوا مِن طُولِها..</p>
<p>بَعدَما نَجَوتُ مِن أَسْرِ الرُّوسِ في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، لَبِثتُ في إسطَنبُولَ لِخِدمةِ الدِّينِ في &#8220;دارِ الحِكْمةِ الإِسلامِيةِ&#8221; حَوالَيْ ثَلاثِ سَنَواتٍ، ولكِن بإِرشادِ القُرآنِ الكَرِيمِ وبهِمَّةِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ، وبانتِباهِي بالشَّيخُوخةِ، تَوَلَّد عِندِي سَأَمٌ ومَلَلٌ مِنَ الحَياةِ الحَضَارِيّةِ في إسطَنبُولَ، وبِتُّ أَنفِرُ مِن حَياتِها الِاجتِماعِيّةِ البَهِيجةِ، فساقَنِي الشَّوقُ والحَنِينُ المُسَمَّى بـ&#8221;داءِ الغُرْبةِ&#8221; إلى بَلْدَتِي، إذ كُنتُ أَقُولُ: ما دُمتُ سأَمُوتُ فلْأَمُتْ إِذًا في بَلْدَتِي.. فتَوَجَّهتُ إلى مَدِينةِ &#8220;وان&#8221;.</p>
<p>وهُناك قَبلَ كلِّ شَيءٍ ذَهَبتُ لِزِيارةِ مَدرَستِي المُسَمّاةِ بـ&#8221;خُورْخُور&#8221;، فرَأَيتُ أنَّ الأَرمَنَ قد <strong>أَحرَقُوها</strong> مِثلَما أَحرَقُوا بَقِيّةَ البُيُوتِ المَوجُودةِ في &#8220;وان&#8221; في أَثناءِ الِاحتِلالِ الرُّوسِيِّ..</p>
<p>صَعِدتُ إلى القَلْعةِ المَشهُورةِ في &#8220;وان&#8221; وهِي كُتلةٌ مِن صَخْرةٍ صَلْدةٍ تَضُمُّ تَحتَها مَدرَسَتِي المُلاصِقةَ لها تَمامًا، وكانَت تَمُرُّ مِن أَمامِي أَشباحُ أُولَئِك الأَصدِقاءِ الحَقِيقيِّينَ والإِخوةِ المُؤنِسِينَ مِن طُلّابِي في مَدرَسَتِي الَّذِينَ فارَقتُهُم قَبلَ حَوالَيْ سَبعِ سَنَواتٍ خَلَت، فعَلَى إِثرِ هذه الكارِثةِ أَصبَحَ قِسمٌ مِن أُولَئِك الأَصدِقاءِ الفِدائيِّينَ شُهَداءَ حَقِيقيِّينَ وآخَرُونَ شُهَداءَ مَعنَوِيِّينَ، <strong>فلم أَتَمالَك نَفسِي مِنَ البُكاءِ والنَّحِيبِ</strong>..</p>
<p>صَعِدتُ إلى قِمّةِ القَلعةِ وارتَقَيتُها وهِي بعُلُوِّ المَنارَتَينِ ومَدرَسَتِي تَحتَها، وجَلَستُ علَيْها أَتأَمَّلُ، فذَهَب بي الخَيالُ إلى ما يَقرُبُ مِن ثَمانِي سَنَواتٍ خَلَت، وجالَ بي الخَيالُ في ذلك الزَّمانِ، لِما لِخَيالِي مِن قُوّةٍ، ولِعَدَمِ وُجُودِ مانِعٍ يَحُولُ بَينِي وبَينَ ذلك الخَيالِ ويَصرِفُنِي عن ذلك الزَّمانِ، إذ كُنتُ وَحِيدًا مُنفَرِدًا.</p>
<p>شاهَدتُ تَحَوُّلًا هائِلًا جِدًّا قد جَرَى خِلالَ ثَمانِي سَنَواتٍ حتَّى إنَّني كُلَّما كُنتُ أَفتَحُ عَينَيَّ أَرَى كأنَّ عَصْرًا قد وَلَّى ومَضَى بأَحداثِه.. رَأَيتُ أنَّ مَركَزَ المَدِينةِ المُحِيطةِ بمَدرَسَتِي -الَّذي هو بجانِبِ القَلْعةِ- قد <strong>أُحرِقَ مِن أَقصاه إلى أَقصاه ودُمِّر تَدمِيرًا كامِلًا</strong>؛ فنَظَرتُ إلى هذا المَنظَرِ نَظْرةَ حُزنٍ وأَسًى.. إذ كُنتُ أَشعُرُ الفَرقَ الهائِلَ بَينَ ما كُنتُ فيه وبَينَ ما أَراه الآنَ، <strong>وكأنَّ مِئَتَيْ سَنةٍ قد مَرَّت على هذه المَدِينةِ</strong>.. كانَ أَغلَبُ الَّذِينَ يَعمُرُونَ هذه البُيُوتَ المُهَدَّمةَ أَصدقائِي، وأَحِبّةً أَعِزّاءَ عَلَيَّ.. فلَقَد تُوُفِّي أَكثَرُهُم بالهِجْرةِ مِنَ المَدِينةِ وذاقُوا مَضاضَتَها، تَغَمَّدَهُمُ اللهُ جَمِيعًا برَحْمَتِه، ورَأَيتُ أنَّه قد دُمِّرَت بُيُوتُ المُسلِمِينَ في المَدِينةِ كُلِّـيًّا ولم تَبقَ إلّا &#8220;مَحَلّةُ الأَرمَنِ&#8221;، فتَألَّمتُ مِنَ الأَعماقِ، وحَزِنتُ حُزنًا شَدِيدًا بحَيثُ لو كانَ لي أَلفُ عَينٍ لَكانَت تَسكُبُ الدُّمُوعَ مِدْرارًا.</p>
<p>كُنتُ أَظُنُّ أنَّني قد نَجَوتُ مِنَ الِاغتِرابِ حَيثُ رَجَعتُ إلى مَدِينَتِي، ولكِن -ويا لَلأَسَفِ- <strong>لقد رَأَيتُ أَفجَعَ غُربةٍ في مَدِينَتِي نَفسِها</strong>، إذ رَأَيتُ مِئاتٍ مِن طُلّابِي وأَحِبَّتِي الَّذِينَ أرْتَبِطُ بهم رُوحِيًّا -كعَبدِ الرَّحمَنِ المارِّ ذِكرُه في الرَّجاءِ الثّانِيَ عَشَرَ- رَأَيتُهُم قد أُهِيلَ علَيْهِمُ التُّرابُ والأَنقاضُ، ورَأَيتُ أنَّ مَنازِلَهُم أَصبَحَت أَثَرًا بَعدَ عَينٍ، وأَمامَ هذه اللَّوحةِ الحَزِينةِ تَجَسَّد مَعنَى هذه الفِقْرةِ لِأَحَدِهِم، والَّتي كانَت في ذاكِرَتِي مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، إلّا أنَّني لم أَكُن أَفهَمُ مَعناها تَمامًا:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>لَوْلَا مُفَارَقَةُ الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ   *   لَهَا المَنَايَا إلى أَرْوَاحِنَا سُبُلَا</strong></p>
<p>أي إنَّ أَكثَرَ ما يَقضِي على الإِنسانِ ويُهلِكُه إنَّما هو مُفارَقةُ الأَحبابِ.</p>
<p>نعم، إنَّه لم يُؤلِمْنِي شَيءٌ ولم يُبكِنِي مِثلُ هذه الحادِثةِ، فلو لم يَأتِنِي مَدَدٌ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ ومِنَ الإِيمانِ لَكانَ ذلك الغَمُّ والحُزنُ والهَمُّ يُؤَثِّرُ فِيَّ إلى دَرَجةٍ كافِيةٍ لِسَلْبِ الرُّوحِ مِنِّي.. <strong>لقد كانَ الشُّعَراءُ مُنذُ القَدِيمِ يَبكُونَ على مَنازِلِ أَحِبَّتِهِم عِندَ مُرُورِهِم على أَطلالِها، فرَأَيتُ بعَينَيَّ لَوْحةَ الفِراقِ الحَزِينةَ هذه</strong>.. فبَكَت رُوحِي وقَلبِي معَ عَينِي بحُزنٍ شَدِيدٍ كمَن يَمُرُّ بَعدَ مِئتَيْ سَنةٍ على دِيارِ أَحِبَّتِه وأَطلالِها..</p>
<p>عِندَ ذلك مَرَّتِ الصَّفَحاتُ اللَّطِيفةُ اللَّذِيذةُ لِحَياتِي أَمامَ عَينِي وخَيالِي واحِدةً تِلْوَ الأُخرَى بكُلِّ حَيَويّةٍ، كمُرُورِ مَشاهِدِ الفِيلمِ السِّينِمائِيِّ.. تلك الحَياةِ السّارّةِ الَّتي قَضَيتُها في تَدرِيسِ طُلّابِي النُّجَباءِ بما يَقرُبُ مِن عِشرِينَ سَنةً، وفي هذه الأَماكِنِ نَفسِها الَّتي كانَت عامِرةً بَهِيجةً وذاتَ نَشْوةٍ وسُرُورٍ، فأَصبَحَتِ الآنَ خَرائِبَ وأَطلالًا.. قَضَيتُ وَقتًا طَوِيلًا أَمامَ هذه اللَّوحاتِ مِن حَياتِي، وعِندَها بَدَأتُ أَستَغرِبُ مِن حالِ أَهل الدُّنيا، كَيفَ يَخدَعُونَ أَنفُسَهُم! فالوَضْعُ هذا يُبيِّنُ بَداهةً <strong>أنَّ الدُّنيا لا مَحالةَ فانِيةٌ</strong>، وأنَّ <strong>الإِنسانَ فيها لَيسَ إلّا عابِرَ سَبِيلٍ، وضَيْفًا راحِلًا</strong>.. وشاهَدتُ بعَيْنَيَّ مَدَى صِدْقِ ما يَقُولُه أَهلُ الحَقِيقةِ: &#8220;<strong>لا تَنخَدِعُوا بالدُّنيا فإنَّها غَدّارةٌ.. مَكّارةٌ.. فانيةٌ.</strong>.&#8221;، ورَأَيتُ كَذلِك أنَّ الإِنسانَ ذُو عَلاقةٍ معَ مَدِينَتِه وبَلْدَتِه بل معَ دُنياه مِثلَما له عَلاقةٌ معَ جِسمِه وبَيتِه، فبَينَما كُنتُ أُرِيدُ أن أَبكِيَ بِعَينَيَّ لِشَيخُوخَتِي -باعتِبارِ وُجُودِي- كُنتُ أُرغَبُ أن أُجهِشَ بالبُكاءِ بعَشَرةِ عُيُونٍ لا لِمُجَرَّدِ شَيخُوخةِ مَدرَسَتِي، بل لِوَفاتِها، بل كُنتُ أَشعُرُ أنَّني بحاجةٍ إلى البُكاءِ بمِئةِ عَينٍ على مَدِينَتِي الحُلْوةِ الشَّبِيهةِ بالمَيْتةِ.</p>
<p>لقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أنَّ مَلَكًا يُنادِي كلَّ صَباحٍ: &#8220;لِدُوا لِلمُوتِ وابنُوا لِلخَرابِ&#8221; كُنتُ أَسمَعُ هذه الحَقِيقةَ، أَسمَعُها بعَينَيَّ لا بأُذُنِي، ومِثلَما أَبكانِي وَضْعِي في ذلك الوَقتِ، فإنَّ خَيالِي مُنذُ عِشرِينَ سَنةً يَذرِفُ الدُّمُوعَ أَيضًا كُلَّما مَرَّ على ذلك الحالِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[شيخوخة الزمان والمكان]</h4>
<p>نعم، إنَّ دَمارَ تلك البُيُوتِ في قِمّةِ القَلْعةِ الَّتي عُمِّرَت آلافَ السِّنِينَ، واكتِهالَ المَدِينةِ الَّتي تَحتَها خِلالَ ثَمانِي سَنَواتٍ، كأنَّه قد مَرَّت علَيْها ثَمانُ مِئةِ سَنةٍ، ووَفاةَ مَدرَسَتِي -أَسفَلَ القَلْعةِ- الَّتي كانَت تَنبِضُ بالحَياةِ والَّتي كانَت مَجْمَعَ الأَحبابِ.. تُشِيرُ إلى وَفاةِ جَمِيعِ المَدارِسِ الدِّينِيّةِ في الدَّوْلةِ العُثمانيّةِ؛ وتَبيِّنُ العَظَمةَ المَعنَوِيّةَ لِجِنازَتِها الكُبْرَى، حتَّى كأنَّ القَلْعةَ الَّتي هي صَخْرةٌ صَلْدةٌ واحِدةٌ، قد أَصبَحَت شاهِدةَ قَبْرِها؛ ورَأَيتُ أنَّ طُلّابِي -رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا- الَّذِينَ كانُوا مَعِي في تلك المَدرَسةِ قَبلَ ثَمانِي سَنَواتٍ وهُم راقِدُونَ في قُبُورِهِم، رَأَيتُهُم كأنَّهُم يَبكُونَ مَعِي، بل تُشارِكُني البُكاءَ والحُزنَ حتَّى بُيُوتُ المَدِينةِ المُدَمَّرةُ، بل حتَّى جُدْرانُها المُنهَدّةُ وأَحجارُها المُبَعثَرةُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[سلوان من القرآن]</h4>
<p>نعم، إنَّني رَأَيتُ كُلَّ شَيءٍ وكأنَّه يَبكِي، وعِندَئذٍ عَلِمتُ أنَّني لا أَستَطِيعُ أن أَتَحمَّلَ هذه الغُرْبةَ في مَدِينَتِي، ففَكَّرتُ: إمَّا أن أَذهَبَ إلَيْهِم إلى القَبْرِ، أو عَلَيَّ أن أَنسَحِبَ إلى مَغارةٍ في الجَبَلِ مُنتَظِرًا أَجَلِي، وقُلتُ: ما دامَ في الدُّنيا مِثلُ هذه الفِراقاتِ والِافتِراقاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن يُصبَرَ علَيْها، ولا يُمكِنُ أن تُقاوَمَ، وهِي مُؤلِمةٌ ومُحرِقةٌ إلى هذه الدَّرَجةِ، فلا شَكَّ أنَّ المَوتَ أَفضَلُ مِن هذه الحَياةِ، ويُرَجَّحُ على مِثلِ هذه الأَوضاعِ الَّتي لا تُطاقُ.. لِذا وَلَّيتُ وَجهِي سارِحًا بنَظَرِي إلى الجِهاتِ السِّتِّ.. فما رَأَيتُ فيها إلّا الظَّلامَ الدّامِسَ، فالغَفْلةُ النّاشِئةُ مِن ذلك التَّألُّمِ الشَّدِيدِ والتَّأثُّرِ العَمِيقِ أَرَتْنِي الدُّنيا مُخِيفةً مُرعِبةً، وأنَّها خالِيةٌ جَرْداءُ وكأنَّها ستَنقَضُّ على رَأسِي!</p>
<p>فبَينَما كانَت رُوحِي تَبحَثُ عن نُقطةِ استِنادٍ ورُكنٍ شَدِيدٍ أَمامَ البَلايا والمَصائِبِ غَيرِ المَحدُودةِ الَّتي اتَّخَذَت صُورةَ أَعداءٍ أَلِدّاءَ، وكانَت تَبحَثُ أَيضًا عن نُقطةِ استِمدادٍ أَمامَ رَغَباتِها الكامِنةِ غَيرِ المَحدُودةِ والَّتي تَمتَدُّ إلى الأَبَدِ؛ وتَنتَظِرُ السُّلوانَ والتَّسرِيةَ مِنَ الهُمُومِ والأَحزانِ المُتَولِّدةِ مِنَ الفِراقاتِ والِافتِراقاتِ غَيرِ المَحدُودةِ والتَّخرِيباتِ والوَفَياتِ الهائِلةِ، إذا بحَقِيقةِ آيةٍ واحِدةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ المُعجِزِ وهِي: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَتَجلَّى أَمامِي بوُضُوحٍ وتُنقِذُنِي مِن ذلك الخَيالِ الأَلِيمِ المُرعِبِ، وتُنجِينِي مِن أَلَمِ الفِراقِ والِافتِراقِ، فاتِحةً عَينِي وبَصِيرَتِي، فالْتَفَتُّ إلى الأَثْمارِ المُعَلَّقةِ على الأَشجارِ المُثمِرةِ وهِي تَنظُرُ إِلَيَّ مُبتَسِمةً ابتِسامةً حُلْوةً وتقُولُ لي: &#8220;<strong>لا تَحصُرَنَّ نَظَرَك في الخَرائِبِ وَحْدَها.. فهَلّا نَظَرتَ إلَيْنا، وأَنعَمْتَ النَّظَرَ فينا؟</strong>&#8220;.</p>
<p>نعم، إنَّ حَقِيقةَ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ تُنبِّهُ بقُوّةٍ مُذَكِّرةً وتقُولُ: لِمَ يُحزِنُك إلى هذا الحَدِّ سُقُوطُ رِسالةٍ عامِرةٍ شُيِّدَت بِيَدِ الإِنسانِ الضَّيفِ على صَحِيفةِ مَفازةِ &#8220;وان&#8221;، حتَّى اتَّخَذَت صُورةَ مَدِينةٍ مَأْهُولةٍ؟ فلِمَ تَحزَنُ مِن سُقُوطِها في السَّيلِ الجارِفِ المُخِيفِ المُسَمَّى بالِاحتِلالِ الرُّوسِيِّ الَّذي مَحَا آثارَها وأَذهَبَ كِتابَتَها؟ ارْفَعْ بَصَرَك إلى البارِئِ المُصَوِّرِ الَّذي هُو رَبُّ كلِّ شَيءٍ ومالِكُه الحَقِيقيُّ، فإنَّ كِتاباتِه سُبحانَه على صَحِيفةِ &#8220;وان&#8221; تُكتَبُ مُجَدَّدًا باستِمرارٍ بكَمالِ التَّوهُّجِ والبَهجةِ، بِمِثلِ ما شاهَدتَه في الغابِرِ.. <strong>فالبُكاءُ والنَّحِيبُ على خُلُوِّ تلك الأَماكِنِ وعلى دَمارِها وبَقائِها مُقْفِرةً إنَّما هو مِنَ الغَفْلةِ عن مالِكِها الحَقِيقيِّ، ومِن تَوَهُّمِ الإِنسانِ -خَطَأً- أنَّه هو المالِكُ لها، ومِن عَدَمِ تَصَوُّرِه أنَّه عابِرُ سَبِيلٍ وضَيفٌ لَيسَ إلّا</strong>..</p>
<p>ولَكِنِ انفَتَح مِن ذلك الوَضْعِ المُحرِقِ، ومِن ذلك الخَطَأِ في التَّصَوُّرِ بابٌ لِحَقِيقةٍ عَظِيمةٍ، وتَهَيَّأَتِ النَّفسُ لِتَقبَلَها -كالحَدِيدِ الَّذي يُدخَلُ في النَّارِ لِيَلِينَ ويُعطَى شَكلًا مُعَيَّنًا نافِعًا- إذ أَصبَحَت تلك الحالةُ المُحزِنةُ وذلك الوَضعُ المُؤلِمُ نارًا مُتَأجِّجةً أَلانَتِ النَّفسَ.. فأَظهَرَ القُرآنُ الكَرِيمُ لها فَيضَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ بجَلاءٍ ووُضُوحٍ تامٍّ مِن خِلالِ حَقِيقةِ تلك الآيةِ المَذكُورةِ حتَّى جَعَلَها تَقبَلُ وتَرضَخُ.</p>
<p>نعم، فكَما أَثبَتْنا في &#8220;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221; وأَمثالِه مِنَ الرَّسائِلِ، فإنَّ حَقِيقةَ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ -وللهِ الحَمدُ- قد وَهَبَت بفَيضِ الإِيمانِ نُقطةَ استِنادٍ وارتِكازٍ هائِلةً، وَهَبَتْها لِلرُّوحِ ومَنَحَتْها إلى القَلبِ، فتَتَنامَى لِكُلِّ أَحَدٍ حَسَبَ ما يَملِكُه مِن قُوّةِ الإِيمانِ، بحَيثُ تَستَطِيعُ أن تَتَصدَّى لِتِلك المَصائِبِ والحالاتِ المُرعِبةِ حتَّى لو تَضاعَفَت مِئةَ مَرّةٍ، ذلك لِأنَّها ذَكَّرَت بأنَّ <strong>كلَّ شَيءٍ مُسَخَّرٌ لِأَمرِ خالِقِك الَّذي هو المالِكُ الحَقِيقيُّ لِهَذِه المَملَكةِ، فمَقالِيدُ كلِّ شَيءٍ بِيَدِه، وحَسْبُك أن تَنتَسِبَ إلَيْه سُبحانَه</strong>.</p>
<p><strong>فبَعدَما عَرَفتُ خالِقِي، وتَوَكَّلتُ علَيْه، تَخَلَّى كُلُّ مَن يُعادِيني عَمّا يُضمِرُه مِنَ العِداءِ نَحْوِي، حتَّى بَدَأَتِ الآن الحالاتُ الَّتي كانَت تُحزِنُنِي وتُؤلِمُنِي، تُسعِدُنِي وتَسُرُّنِي</strong>.</p>
<p>وكما أَثبَتْنا في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ ببَراهِينَ قاطِعةٍ، فإنَّ النُّورَ القادِمَ مِنَ &#8220;الإِيمانِ بالآخِرةِ&#8221; كَذلِك أَعطَى &#8220;نُقطةَ استِمدادٍ&#8221; هائِلةً جِدًّا تِجاهَ الآمالِ والرَّغَباتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بحَيثُ إنَّها تَكفِي لا لِتِلك المُيُولِ والرَّغَباتِ الصَّغِيرةِ المُؤَقَّتةِ والقَصِيرةِ، ولا لِتِلك الرَّوابِطِ معَ أَحِبَّتِي في الدُّنيا وَحْدَها، بل تَكفِي أَيضًا لِرَغَباتِي غَيرِ المُتَناهِيةِ في دارِ الخُلُودِ وعالَمِ البَقاءِ وفي السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، ذلك لِأنَّه بتَجَلٍّ واحِدٍ مِن تَجَلِّياتِ رَحْمةِ &#8220;الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ&#8221; يُنشَرُ على مائِدةِ الرَّبِيعِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن نِعَمِه اللَّذِيذةِ البَدِيعةِ على سَطْحِ الأَرضِ الَّتي هي مَنزِلٌ مِن مَنازِلِ دارِ ضِيافةِ الدُّنيا المُؤَقَّتةِ، فيَمنَحُها -سُبحانَه- في كلِّ رَبِيعٍ إلى أُولَئِك الضُّيُوفِ، ويُنعِمُ بها علَيْهِم، كي يُدخِلَ في قُلُوبِهِمُ السُّرُورَ لِبِضْعِ ساعاتٍ، وكأنَّه يُطعِمُهُم فَطُورَ الصَّباحِ، ثمَّ يَأخُذُهُم إلى مَساكِنِهِمُ الأَبدِيّةِ الَّتي أَعَدَّها لِعِبادِه، في ثَمانِي جَنّاتٍ خالِداتٍ مَلْأَى بنِعَمٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِزَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.</p>
<p>فلا رَيبَ أنَّ الَّذي يُؤمِنُ برَحْمةِ هذا &#8220;الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ&#8221; ويَطْمَئِنُّ إلَيْها مُدرِكًا انتِسابَه إلَيْه سُبحانَه، لا بُدَّ أنَّه يَجِدُ نُقطةَ استِمدادٍ عَظِيمةً بحَيثُ إنَّ أَدنَى دَرَجاتِها تُمِدُّ آمالًا غَيرَ مَحدُودةٍ وتُدِيمُها.</p>
<p>هذا، وإنَّ النُّورَ الصَّادِرَ مِن ضِياءِ الإِيمانِ -بحَقِيقةِ تلك الآيةِ- قد تَجَلَّى كَذلِك تَجَلِّيًا باهِرًا ساطِعًا حتَّى إنَّه نَوَّر تلك الجِهاتِ السِّتَّ المُظلِمةَ تَنوِيرًا كالنَّهارِ، ونَوَّر حالَتِي المُؤسِفةَ المُبكِيةَ على مَدرَسَتِي هذه وعلى طُلّابِي وأَحِبَّتِي الرّاحِلِينَ تَنوِيرًا كافِيًا، حَيثُ نبَّهَنِي إلى أنَّ العالَمَ الَّذي يَرحَلُ إلَيْه الأَحبابُ لَيسَ هو بعالَمٍ مُظلِمٍ، بل بَدَّلُوا المَكانَ لَيسَ إلّا، فستَتَلاقَوْنَ مَعًا وستَجتَمِعُونَ ببَعضِكُم.. وبذَلكِ قَطَعَ دابِرَ البُكاءِ قَطْعًا كامِلًا، وأَفهَمَنِي كَذلِك أنَّني سأَجِدُ في الدُّنيا أَمثالَهُم ومَن يَحُلُّ مَحَلَّهُم.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الفراق تجديد لا تبديد]</h4>
<p>فلِلَّهِ الحَمدُ والمِنّةُ الَّذي أَحْيَا مَدرَسةَ &#8220;إِسبارْطةَ&#8221; عِوَضًا عن مَدرَسةِ &#8220;وان&#8221; المُتَوفّاةِ والمُتَحوِّلةِ إلى أَطلالٍ، وأَحْيَا أُولَئِك الأَحِبّةَ مَعنًى بأَكثَرَ وأَفضَلَ مِنهُم مِنَ الطُّلّابِ النُّجَباءِ والأَحِبّةِ الكِرامِ، وعَلَّمَنِي كَذلِك أنَّ الدُّنيا لَيسَت خاوِيةً مُقفِرةً، وأنَّها لَيسَت مَدِينةً خَرِبةً مُدَمَّرةً، كما كُنتُ أَتَصوَّرُها خَطَأً، بل إنَّ المالِكَ الحَقِيقيَّ -كما تَقتَضِي حِكْمَتُه- يُبَدِّلُ اللَّوْحاتِ المُؤَقَّتةَ والمَصنُوعةَ مِن قِبَلِ الإِنسانِ بلَوْحاتٍ أُخرَى ويُجَدِّدُ رَسائِلَه، فكَما تَحُلُّ ثِمارٌ جَدِيدةٌ كُلَّما قُطِعَتِ الثِّمارُ <strong>فكَذلِك الزَّوالُ والفِراقُ في البَشَرِيّةِ إنَّما هو تَجَدُّدٌ وتَجدِيدٌ</strong>، فلا يَبعَثُ حُزْنًا أَلِيمًا لِانعِدامِ الأَحبابِ نِهائيًّا، بل يَبعَثُ مِن زاوِيةِ الإِيمانِ حُزنًا لَذِيذًا نابِعًا مِن فِراقٍ لِأَجلِ لِقاءٍ في دارٍ أُخرَى بَهِيجةٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان نور]</h4>
<p>وكذا نَوَّر تلك الحالةَ المُدهِشةَ الَّتي كُنتُ فيها، ونَوَّر ما يَتَراءَى لي مِنَ الوَجْهِ المُظلِمِ لِمَوجُوداتِ الكَونِ كُلِّها؛ فأَرَدتُ إِبداءَ الحَمدِ والشُّكرِ على تلك الحالةِ المُنَوَّرةِ في وَقْتِه، فأَتَتْنِي الفِقْرةُ التّالِيةُ باللُّغةِ العَرَبيّةِ مُصَوِّرةً لِتِلك الحَقِيقةِ كامِلةً:</p>
<p style="text-align: center;">(<strong>الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ المُصَوِّرِ ما يُتَوَهَّمُ أَجانِبَ أَعداءً أَمواتًا مُوحِشِينَ أَيتامًا باكِينَ، أَوِدَّاءَ إِخوانًا أَحياءً مُؤنِسِينَ مُرَخَّصِينَ مَسرُورِينَ ذاكِرِينَ مُسَبِّحِينَ</strong>).‌</p>
<p>وهِي تَعنِي: أنَّني أُقَدِّمُ إلى الخالِقِ ذِي الجَلالِ حَمْدًا لا نِهايةَ له، على ما وَهَبَني مِن نُورِ الإِيمانِ الَّذي هو مَنبَعُ جَمِيعِ هذه النِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ غَيرِ المَحدُودةِ، بما حَوَّل تلك اللَّوْحةَ المُرعِبةَ الَّتي أُظهِرَت لِنَفسِي الغافِلةِ فأَوهَمَتْها الغَفْلةُ -المُتَولِّدةُ مِن شِدّةِ التَّأثُّرِ على تلك الحالةِ المُؤلِمةِ- أنَّ قِسمًا مِن مَوجُوداتِ الكَوْنِ أَعداءٌ أو أَجانِبُ<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>، وقِسمًا آخَرَ جَنائِزُ مُدهِشةٌ مُفزِعةٌ، وقِسمًا آخَرَ أَيتامٌ باكُونَ حَيثُ لا مُعِينَ لَهُم ولا مَولَى.. <strong>حَوَّل ذلك النُّورُ كلَّ شَيءٍ</strong> حتَّى شاهَدتُ بعَينِ اليَقِينِ <strong>أنَّ</strong> الَّذِينَ كانُوا يَبدُونَ أَجانِبَ وأَعداءً إنَّما هُم إِخوةٌ وأَصدِقاءُ، <strong>وأنَّ</strong> ما كانَ يَظهَرُ كالجَنائِزِ المُرعِبةِ: قِسمٌ مِنهُم أَحياءٌ مُؤنِسُونَ، أو هُم مِمَّن أَنهَوْا وَظائِفَهُم ومُهِمّاتِهِم، <strong>وأنَّ</strong> ما يُتوَهَّمُ أنَّه نُواحُ الأَيتامِ الباكِينَ، تَرانِيمُ ذِكرٍ وتَراتِيلُ تَسبِيحٍ.. فإِنَّني أُقدِّمُ الحَمدَ للهِ معَ جَمِيعِ المَوجُوداتِ الَّتي تَملَأُ دُنيايَ الخاصّةَ الَّتي تَسَعُ الدُّنيا كلَّها، فأُشرِكُها مَعِي في ذلك الحَمدِ والتَّسبِيحِ للهِ سُبحانَه، نِيّةً وتَصَوُّرًا، حَيثُ لي الحَقُّ في ذلك، فنَقُولُ مَعًا بلِسانِ حالِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ المَوجُوداتِ وبلِسانِ حالِ الجَمِيعِ أَيضًا: &#8220;الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ&#8221;.</p>
<p>ثمَّ إنَّ لَذائِذَ الحَياةِ وأَذْواقَها الَّتي تَلاشَت على إِثرِ تلك الحالةِ المُدهِشةِ الباعِثةِ على الغَفْلةِ، والآمالَ الَّتي انسَحَبَت نِهائيًّا وانكَمَشَت ونَضَبَ مَعِينُها، والنِّعَمَ واللَّذائِذَ الخاصّةَ بي الَّتي ظَلَّت مَحصُورةً في أَضيَقِ دائِرةٍ ورُبَّما فَنِيَت، كلُّ ذلك قد تَحوَّلَ وتَبدَّلَ بنُورِ الإِيمانِ -كما أَثبَتْنا ذلك في رَسائِلَ أُخرَى- فوَسَّع ذلك النُّورُ تلك الدّائِرةَ الضَّيِّقةَ المُطَوَّقةَ حَولَ القَلبِ إلى دائِرةٍ واسِعةٍ جِدًّا حتَّى انطَوَى فيها الكَونُ كُلُّه، وجَعَل دارَ الدُّنيا ودارَ الآخِرةِ سُفْرَتَينِ مَملُوءَتَينِ بالنِّعَم، وحَوَّلَهُما إلى مائِدَتَينِ مُمدُودَتَينِ للرَّحْمةِ، بَدَلًا مِن تلك النِّعَمِ الَّتي يَبِسَت وفَقَدَت لَذَّتَها في حَدِيقةِ &#8220;خُورْخُورَ&#8221;؛ ولم يَقتَصِر على ذلك فَقَط، بل جَعَل كُلًّا مِنَ العَينِ والأُذُنِ والقَلبِ وأَمثالِها مِنَ الحَواسِّ بل مِئةً مِن أَجهِزةِ الإِنسانِ، يَدًا مُمتَدّةً حَسَبَ دَرَجاتِ المُؤمِنِ إلى السُّفرَتَينِ المَملُوءَتَينِ بالنِّعَمِ بحَيثُ تَتَمكَّنُ مِن أن تَأخُذَ النِّعَمَ وتَلتَقِطَها مِن جَمِيعِ أَقطارِها؛ لِذا قُلتُ أَمامَ هذه الحَقِيقةِ الكُبرَى -شُكرًا للهِ على تلك النِّعَمِ غَيرِ المَحدُودةِ- ما يَأتِي:</p>
<p style="text-align: center;">(<strong>الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ المُصَوِّرِ لِلدّارَينِ كسُفرَتَينِ مَملُوءَتَينِ مِنَ النِّعمةِ والرَّحْمةِ، لِكُلِّ مُؤمِنٍ حَقٌّ أن يَستَفِيدَ مِنهُما بحَواسِّه الكَثِيرةِ المُنكَشِفةِ بإِذنِ خالِقِه</strong>).‌</p>
<p>وهذا يَعنِي: الحَمدُ للهِ الَّذي وَهَب لي ذلك الإِيمانَ الَّذي يُرِي بنَعمةِ نُورِه أنَّ الدُّنيا والآخِرةَ مَملُوءَتانِ بالنِّعَمِ والرَّحْمةِ، ويَضمَنُ الِاستِفادةَ مِن تَينِكَ السُّفرَتَينِ العَظِيمَتَينِ بأَيدِي جَمِيعِ الحَواسِّ المُنكَشِفةِ بنُورِ الإِيمانِ والمُنبَسِطةِ بنُورِ الإِسلامِ لِلمُؤمِنِينَ الحَقِيقيِّينَ، فلَوِ استَطَعتُ تَقدِيمَ الحَمدِ والشُّكرِ للهِ خالِقِي تِجاهَ ذلك الإِيمانِ بجَمِيعِ ذَرّاتِ كِيانِي وبمِلْءِ الدُّنيا والآخِرةِ لَفَعَلتُ. فما دامَ الإِيمانُ يَفعَلُ فِعْلَه في هذا العالَمِ بمِثلِ هذه الآثارِ العَظِيمةِ، فلا بُدَّ أنَّ له في دارِ البَقاءِ والخُلُودِ ثَمَراتٍ أَعظَمَ وفُيُوضاتٍ أَوسَعَ، بحَيثُ لا يُمكِنُ أن تَستَوعِبَها عُقُولُنا الدُّنيَوِيّةُ وتَصِفَها.</p>
<p>فيا إِخوَتِي الشُّيُوخَ، ويا أَخَواتِي العَجائِزَ، ويا مَن تَتَجرَّعُونَ مِثلِي الآلامَ المُرّةَ بفِراقِ كَثِيرٍ مِنَ الأَحِبّةِ بسَبَبِ الشَّيخُوخةِ.. إِنِّي إِخالُ نَفسِي أَكثَرَ مِنكُم شَيْبًا مَعنًى، وإن كانَ يَبدُو أنَّ فِيكُم مَن هو أَكبَرُ مِنِّي سِنًّا، ذلك لِأنَّنِي أَتألَّمُ -فَضْلًا عن آلامِي- بآلامِ آلافٍ مِن إِخوانِي، لِمَا أَحمِلُه في فِطْرَتِي مِنَ الرِّقّةِ والشَّفَقةِ الزّائِدَتَينِ إلى بَنِي جِنسِي؛ فأَتألَّمُ كأنَّني شَيخٌ يُناهِزُ المِئاتِ مِنَ السِّنِينَ، أمّا أَنتُم فمَهْما تَجَرَّعتُم مِن آلامِ الفِراقِ لم تَتَعرَّضُوا لِمِثلِ ما تَعَرَّضتُ له مِنَ تلك المُصِيبةِ! لِأنَّه لَيسَ لي ابنٌ كي أَحصُرَ فِكرِي فيه فَقَط، بل إِنَّني أَشعُرُ برِقّةٍ وأَلَمٍ -بسِرِّ الشَّفَقةِ الكامِنةِ في فِطْرَتِي- مُتَوجِّهةً إلى آلامِ آلافٍ مِن أَبناءِ الإِسلامِ ومَصائِبِهم، بل أَشعُرُها حتَّى لِآلامِ الحَيَواناتِ البَرِيئةِ.</p>
<p><strong>ولَستُ أَملِكُ دارًا خاصّةً كي أَحصُرَ ذِهنِي فيها</strong>، بل أَنا ذُو صِلةٍ وَثِيقةٍ -مِن جِهةِ الغَيرةِ على الإِسلامِ- بِهذِه البِلادِ، بل بالعالَمِ الإِسلامِيِّ، وأَرْتَبِطُ بهما كأنَّهُما دارِي، لِذا فإِنَّني أَتألَّمُ بآلامِ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ هُم في هاتَينِ الدّارَينِ وأَحزَنُ كَثِيرًا لِفِراقِهِم.</p>
<p>ولَمّا كانَ نُورُ الإِيمانِ قد كَفانِي كِفايةً تامّةً وأَتَى على جَمِيعِ تَأثُّراتِي النّاشِئةِ مِن شَيخُوخَتِي كُلِّها ومِن بَلايا الفِراقاتِ، ووَهَب لي رَجاءً لا يَخِيبُ، وأَمَلًا لا يَنفَصِمُ، وضِياءً لا يَنطَفِئُ، وسُلْوانًا لا يَنفَدُ، فلا بُدَّ أنَّ الإِيمانَ سيكُونُ كافِيًا ووافِيًا لَكُم أَيضًا إِزاءَ الظُّلُماتِ النّاشِئةِ مِنَ الشَّيخُوخةِ، وإِزاءَ الغَفْلةِ الوارِدةِ مِنها، وإِزاءَ التَّأثُّراتِ والتَّألُّماتِ الصّادِرةِ مِنها.. وحَقًّا إنَّ أَعتَمَ شَيخُوخةٍ إنَّما هي شَيخُوخةُ أَهلِ الضَّلالةِ والسَّفاهةِ وأنَّ أَقسَى الفِراقاتِ وأَشَدَّها إِيلامًا إنَّما هي فِراقاتُهُم!!</p>
<p>نعم، إنَّ تَذَوُّقَ الإِيمانِ الَّذي يَبعَثُ الرَّجاءَ ويُشِيعُ النُّورَ ويَنشُرُ السَّلْوَى، وإنَّ الشُّعُورَ بسُلْوانِه والتَّلذُّذَ به هو في التَّمثُّلِ الشُّعُورِيِّ لِلعُبُودِيّةِ اللّائِقةِ بالشَّيخُوخةِ والمُوافِقةِ لِلإِسلامِ، ولَيسَ هو بتَناسِي الشَّيخُوخةِ واللَّهاثِ وَراءَ التَّشَبُّهِ بالشَّبابِ واقتِحامِ غَفْلَتِهِمُ المُسكِرةِ.. تَفَكَّرُوا دائِمًا وتَأمَّلُوا في الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ: &#8220;خَيرُ شَبابِكُم مَن تَشَبَّه بكُهُولِكُم، وشَرُّ كُهُولِكُم مَن تَشَبَّه بشَبابِكُم&#8221; أو كما قالَ (ﷺ)، أي: خَيرُ شَبابِكُم مَن تَشَبَّه بالكُهُولِ في التَّأنِّي والرَّزانةِ وتَجَنُّبِهِمُ السَّفاهةَ، وشَرُّ كُهُولِكُم مَن تَشَبَّه بالشَّبابِ في السَّفاهةِ والِانغِماسِ في الغَفْلةِ.</p>
<p>فيا إِخْوَتِي الشُّيُوخَ ويا أَخَواتِي العَجائِزَ.. لقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناهُ: &#8220;أنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ لَتَستَحِي مِن أن تَرُدَّ يَدًا ضارِعةً مِن شَيخٍ مُؤمِنٍ أو عَجُوزٍ مُؤمِنةٍ&#8221;. فما دامَتِ الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ تَحتَرِمُكُم هكَذا، فعَظِّمُوا إِذًا احتِرامَها بعُبُودِيَّتِكُم للهِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الرابع عشر: حسبنا الله ونعم الوكيل]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الرَّابعَ عشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>جاءَ في مُستَهَلِّ &#8220;الشُّعاعِ الرّابِعِ&#8221; الَّذي هو تَفسِيرٌ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ما خُلاصَتُه:</p>
<h4 style="text-align: center;">[تسع مراتب لـ: حسبنا الله ونعم الوكيل]</h4>
<p>حِينَما جَرَّدَني أَربابُ الدُّنيا مِن كلِّ شَيءٍ، وَقَعتُ في خَمْسةِ أَلوانٍ مِنَ الغُرْبةِ، ولم أَلتَفِت إلى ما في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; مِن أَنوارٍ مُسَلِّيةٍ مُمِدّةٍ، جَرّاءَ غَفْلةٍ أَوْرَثَها الضَّجَرُ والضِّيقُ، وإنَّما نَظَرتُ مُباشَرةً إلى قَلبِي وتَحَسَّستُ رُوحِي، فرَأَيتُ أنَّه يُسَيطِرُ عَلَيَّ عِشقٌ في مُنتَهَى القُوّةِ لِلبَقاءِ، وتُهَيمِنُ عَلَيَّ مَحَبّةٌ شَدِيدةٌ لِلوُجُودِ، ويَتَحكَّمُ فِيَّ شَوقٌ عَظِيمٌ لِلحَياةِ.. مع ما يَكمُنُ فِيَّ مِن عَجزٍ لا حَدَّ له، وفَقرٍ لا نِهايةَ له.. غَيرَ أنَّ فَناءً مَهُولًا مُدهِشًا، يُطفِئُ ذلك البَقاءَ ويُزِيلُه، فقُلتُ مِثلَما قالَ الشّاعِرُ المُحتَرِقُ الفُؤادِ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>حِكْمةُ الإِلٰهِ تَقضِي فَناءَ الجَسَدْ   *   والقَلبُ تَوّاقٌ إلى الأَبَدْ</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>لَهْفَ نَفسِي مِن بَلاءٍ وكَمَدْ   *   حارَ لُقْمانُ في إِيجادِ الضَّمَدْ</strong></p>
<p>فطَأطَأتُ رَأسِي يائِسًا.. وإذا بالآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ تُغِيثُني قائِلةً: اقْرَأْنِي جَيِّدًا بتَدَبُّرٍ وإِمعانٍ، <strong>فقَرَأتُها بدَوْرِي خَمسَ مِئةِ مَرّةٍ في كلِّ يَومٍ</strong>، فكُلَّما كُنتُ أَتلُوها كانَت تَكشِفُ عن بَعضٍ مِن أَنوارِها وفُيُوضاتِها الغَزِيرةِ، فرَأَيتُ مِنها بعَينِ اليَقِينِ -ولَيسَ بعِلمِ اليَقِينِ- تِسعَ مَراتِبَ حَسْبِيّةٍ:</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الأولى: حب البقاء متوجه إلى الباقي الحقيقي]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الأُولَى</strong>:‌</p>
<p>إنَّ ما فِيَّ مِن عِشقِ البَقاءِ، لَيسَ مُتَوجِّهًا إلى بَقائِي أنا، بل إلى وُجُودِ ذلك الكامِلِ المُطلَقِ وإلى كَمالِه وبَقائِه، إلّا أنَّ هذه المَحَبّةَ الفِطْرِيّةَ ضَلَّت سَبِيلَها وتاهَت بسَبَبِ الغَفْلةِ، فتَشَبَّثَت بالظِّلِّ وعَشِقَت بَقاءَ المِرآةِ؛ وذلك لِوُجُودِ ظِلٍّ لِتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمٍ مِن أَسماءِ الجَلِيلِ والجَمِيلِ المُطلَقِ ذِي الكَمالِ المُطلَقِ، وهُو المَحبُوبُ لِذاتِه -أي: دُونَ داعٍ إلى سَبَبٍ- في ماهِيَّتِي.</p>
<p>فجاءَت ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حتَّى رَفَعَتِ السِّتارَ، فأَحسَسْتُ وشاهَدْتُ وتَذَوَّقْتُ بحَقِّ اليَقينِ أنَّ لَذّةَ البَقاءِ وسَعادَتَه، مَوجُودةٌ بنَفسِها، بل بِوجهٍ أَفضَلَ وأَكمَلَ مِنها، في إِيمانِي وإِذعانِي وإِيقانِي ببَقاءِ الباقِي ذِي الكَمالِ، وبأنَّه رَبِّي وإِلٰهِي؛ وقد وُضِّحَت دَلائِلُ هذا بعُمقٍ ودِقّةٍ مُتَناهِيةٍ في الرِّسالةِ &#8220;الحَسْبِيّة&#8221; في اثنَتَيْ عَشْرةَ &#8220;كذا.. كذا.. كذا&#8230;&#8221;، وبُيِّنَ الِاستِشعارُ الإِيمانِيُّ بما يَجعَلُ كلَّ ذي حِسٍّ وشُعُورٍ في تَقدِيرٍ وإِعجابٍ!</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الثانية: الانتساب الإيماني نقطة استناد عظمى]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّانيةُ</strong>:‌</p>
<p>إنَّه معَ عَجزِي غَيرِ المُتَناهِي الكامِنِ في فِطْرَتِي، ومعَ الشَّيخُوخةِ المُستَقِرّةِ في كِيانِي، ومعَ تلك الغُربةِ الَّتي لَفَّتْنِي، ومعَ عَدَمِ وُجُودِ المُعِينِ لي، وقد جُرِّدتُ مِن كلِّ شَيءٍ، ويُهاجِمُني أَهلُ الدُّنيا بدَسائِسِهِم وبجَواسِيسِهِم.. في هذا الوَقتِ بالذّاتِ خاطَبتُ قَلبِي قائِلًا:</p>
<p>&#8220;إنَّ جُيُوشًا كَثِيفةً عارِمةً تُهاجِمُ شَخصًا واحِدًا ضَعِيفًا مَرِيضًا مُكبَّلَ اليَدَينِ.. أوَلَيسَ له -أي: لي- مِن نُقطةِ استِنادٍ؟&#8221;. فراجَعتُ آيةَ ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فأَعلَمَتْني:</p>
<p>إنَّك تَنتَسِبُ بهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذِي قُدرةٍ مُطلَقةٍ، بحَيثُ يُعطِي بانتِظامٍ تامٍّ في الرَّبِيعِ جَمِيعَ ما تَحتاجُه جُيُوشُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ على سَطْحِ الأَرضِ مِن مُعَدّاتٍ، فيُزَوِّدُ جَمِيعَ تلك الجُيُوشِ المُتَشكِّلةِ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ، ويُوزِّعُ جَمِيعَ أَرزاقِ الجَيشِ الهائِلِ لِلأَحياءِ -وفي مُقدِّمَتِها الإِنسانُ- لا بشَكلِ ما اكتَشَفَه الإِنسانُ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ مِن مُستَخلَصاتِ اللَّحمِ والسُّكَّرِ وغَيرِهِما، بل بصُورةِ مُستَخلَصاتٍ أَكمَلَ وأَفضَلَ بكَثِيرٍ بل تَفُوقُها مِئةَ مَرّةٍ، فهِي مُستَخلَصاتٌ مُتَضمِّنةٌ جَمِيعَ أَنواعِ الأَطعِمةِ، بل هي مُستَخلَصاتٌ رَحمانيّةٌ.. تلك الَّتي تُسمَّى البُذُورَ والنُّوَى.</p>
<p>زِدْ على ذلك فإنَّه يُغلِّفُ أَيضًا تلك المُستَخلَصاتِ بأَغلِفةٍ قَدَرِيّةٍ تَتَناسَبُ معَ نُضجِها وانبِساطِها ونُمُوِّها، ويَحفَظُها في عُلَيْباتٍ وصُنَيدِقاتٍ صَغِيرةٍ وصَغِيرةٍ جِدًّا، وهذه الصُنَيدِقاتُ أَيضًا تُصنَعُ بسُرعةٍ مُتَناهِيةٍ جِدًّا، وبسُهُولةٍ مُطلَقةٍ لِلغايةِ، وبوَفْرةٍ هائِلةٍ، وذلك في مَعمَل &#8220;الكافِ والنُّونِ&#8221; المَوجُودِ في أَمرِ &#8220;كُنْ&#8221;، حتَّى إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يقُولُ: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.</p>
<p>فما دُمتَ قد ظَفِرتَ بنُقطةِ استِنادٍ مِثلِ هذه بهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ، فيُمكِنُك الِاستِنادُ والِاطمِئْنانُ إِذًا إلى قُوّةٍ عَظِيمةٍ وقُدْرةٍ مُطلَقةٍ.. وحَقًّا لقد كُنتُ أُحِسُّ بقُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ كُلَّما كُنتُ أَتلَقَّى ذلك الدَّرسَ مِن تلك الآيةِ الكَرِيمةِ، فكُنتُ أَشعُرُ أنَّني أَملِكُ قُوّةً يُمكِنُني أن أَتَحدَّى بها العالَمَ أَجمَعَ ولَيسَ الأَعداءَ الماثِلِينَ أَمامِي وَحْدَهُم، لِذا رَدَّدتُ مِن أَعماقِ رُوحِي: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الثالثة: أنا الفرد منطوية في &#8220;نا&#8221; الجمع بيد الوكيل على كل شيء]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّالثةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما اشتَدَّ خِناقُ الأَمراضِ وأَلوانُ الغُربةِ وأَنواعُ الظُّلمِ عَلَيَّ، وَجَدتُ أنَّ عَلاقاتِي تَنفَصِمُ معَ الدُّنيا، وأنَّ الإِيمانَ يُرشِدُني بأنَّني مُرَشَّحٌ لِسَعادةٍ دائِمةٍ في مَمْلَكةٍ باقِيةٍ وفي عالَمٍ دائِمٍ؛ ففي هذه الأَثناءِ تَرَكتُ كلَّ شَيءٍ تَقطُرُ مِنه الحَسْرةُ ويَجعَلُنِي أَتأوَّهُ وأَتأفَّفُ، وأَبدَلتُه بكُلِّ ما يُبشِّرُ بالخَيرِ والفَرَحِ ويَجعَلُنِي في حَمْدٍ دائِمٍ، ولكِن أنَّى لِهذه الغايةِ أن تَتَحقَّقَ وهِي غايةُ المُنَى ومُبتَغَى الخَيالِ وهَدَفُ الرُّوحِ ونَتِيجةُ الفِطْرةِ، إلّا بقُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يَعرِفُ جَمِيعَ حَرَكاتِ مَخلُوقاتِه وسَكَناتِهِم قَوْلًا وفِعْلًا، بل يَعرِفُ جَمِيعَ أَحوالِهِم وأَعمالِهِم ويُسَجِّلُها كَذلِك.. وأنَّى لها أن تَحصُلَ إلّا بعِنايتِه الفائِقةِ غَيرِ المَحدُودةِ لِهذا الإِنسانِ الصَّغِيرِ الهَزِيلِ المُتَقلِّبِ في العَجزِ المُطلَقِ، حتَّى كَرَّمَه، واتَّخَذَه خَلِيلًا مُخاطَبًا، واهِبًا له المَقامَ السّامِيَ بَينَ مَخلُوقاتِه!</p>
<p>نعم، حِينَما كُنتُ أُفكِّرُ في هاتَينِ النَّقطَتَينِ، أي: في فَعّاليّةِ هذه القُدرةِ غَيرِ المَحدُودةِ، وفي الأَهَمِّيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي أَوْلاها البارِئُ سُبحانَه لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَبدُو حَقِيرًا.. أَرَدتُ إِيضاحًا في هاتَينِ النَّقطَتَينِ يَنكَشِفُ به الإِيمانُ ويَطمَئِنُّ به القَلبُ، فراجَعتُ بدَوْرِي تلك الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا، فقالَت لي: دَقِّقِ النَّظَرَ في &#8220;نا&#8221; الَّتي في &#8220;حَسْبُنا&#8221;، وانظُرْ مَنْ هُم أُولاءِ يَنطِقُونَ &#8220;حَسْبُنا&#8221; مَعَك، سَواءٌ كانُوا يَنطِقُونَها بلِسانِ الحالِ، أو بلِسانِ المَقالِ، أَنصِتْ إلَيْهِم.. نعم، هكذا أَمَرَتْني الآيةُ!</p>
<p>فنَظَرتُ.. فإذا بي أَرَى طُيُورًا مُحَلِّقةً لا تُحَدُّ، وطُوَيراتٍ صَغِيرةً صَغِيرةً جِدًّا كالذُّبابِ لا تُحصَى، وحَيَواناتٍ لا تُعَدُّ ونَباتاتٍ لا تَنتَهِي وأَشجارًا لا آخِرَ لها ولا نِهايةَ.. كلُّ ذلك يُرَدِّدُ مِثلِي بلِسانِ الحالِ مَعنَى ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، بل يُذَكِّرُ الآخَرِينَ بأنَّ لَهُم وَكِيلًا -نِعمَ الوَكِيلُ- تكَفَّلَ بجَمِيعِ شَرائِطِ حَياتِهِم، حتَّى إنَّه يَخلُقُ مِنَ البُيُوضِ المُتَشابِه بَعضُها معَ بَعضٍ وهِي المُتَركِّبةُ مِنَ المَوادِّ نَفسِها، ويَخلُقُ مِنَ النُّطَفِ الَّتي هي مِثلُ بَعضِها، ويَخلُقُ مِنَ الحُبُوبِ الَّتي يَطابِقُ بَعضُها بَعضًا، ويَخلُقُ مِنَ البُذُورِ المُتَماثِلِ بَعضُها معَ بَعضٍ مِئةَ ألفِ طِرازٍ مِنَ الحَيَواناتِ ومِئةَ أَلفِ شَكلٍ مِنَ الطُّيُورِ ومِئةَ أَلفِ نَوعٍ مِنَ النَّباتاتِ، ومِئةَ أَلفِ صِنفٍ مِنَ الأَشجارِ، يَخلُقُها بلا خَطَأٍ وبلا نَقصٍ وبلا الْتِباسٍ، يَخلُقُها مُزَيَّنةً جَمِيلةً ومَوزُونةً مُنَظَّمةً، معَ تَمَيُّزِ بَعضِها عن بَعضٍ واختِلافِ بَعضِها عن بَعضٍ، يَخلُقُها باستِمرارٍ ولا سِيَّما أَيّامَ كلِّ رَبِيعٍ أَمامَ أَعيُنِنا في مُنتَهَى الكَثْرةِ، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ، وفي مُنتَهَى السَّعةِ، وفي مُنتَهَى الوَفْرةِ.. فخَلْقُ جَمِيعِ هذه المَخلُوقاتِ مُتَشابِهةً ومُتَداخِلةً ومُجتَمِعةً على النَّمَطِ نَفسِه والأَشكالِ عَينِها، ضِمنَ عَظَمةِ هذه القُدْرةِ المُطلَقةِ وحِشْمَتِها، يُظهِرُ لنا بوُضُوحٍ: وَحْدانيَّتَه سُبحانَه وتَعالَى وأَحَدِيَّتَه.</p>
<p>وقد أَفهَمَتْني الآيةُ أنَّه لا يُمكِنُ التَّدَخُّلُ مُطلَقًا ولا المُداخَلةُ قَطْعًا في مِثلِ هذا الفِعلِ لِلرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ وفي تَصَرُّفِ هذه الخَلّاقيّةِ، اللَّتَينِ تُبْرِزانِ هذه المُعجِزاتِ غَيرَ المَحدُودةِ وتَنشُرانِها.</p>
<p>فالَّذِينَ يُرِيدُونَ أن يَفهَمُوا هُوِيَّتي الشَّخصِيّةَ وماهِيَّتي الإِنسانيّةَ كما هي لِكُلِّ مُؤمِنٍ.. والَّذِينَ يَرغَبُونَ أن يكُونُوا مِثلِي، علَيْهِم أن يَنظُرُوا إلى تَفسِيرِ نَفسِي &#8220;أنا&#8221; في جَمْعِ &#8220;نا&#8221; في ﴿حَسْبُنَا﴾؛ ولِيَفهَمُوا ما وُجُودِي وجِسمِي الَّذي يَبدُو ضَئِيلًا وفَقِيرًا لا أَهَمِّيّةَ له -كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ -؟! ولِيَعلَمُوا ما الحَياةُ نَفسُها بل ما الإِنسانيّةُ؟! وما الإِسلامُ؟! وما الإِيمانُ التَّحقِيقيُّ؟ وما مَعرِفةُ اللهِ؟ وكَيفَ يَنبَغِي أَن تكُونَ المَحَبّةُ؟ فلْيَفهَمُوا.. ولْيَتَلقَّوْا دَرْسًا في ذلك!</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الرابعة: الانتساب الإيماني يحيل اللحظة الفانية إلى أبدٍ بلا نهاية]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الرّابِعةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>وافَقَتِ العَوارِضُ المُزَلزِلةُ لِكِيانِي أَمثالَ الشَّيبِ والغُربةِ والمَرَضِ وكَوْنِي مَغلُوبًا على أَمرِي، وافَقَت تلك العَوارِضُ فَتْرةَ غَفْلَتي، فكَأنَّ وُجُودِي الَّذي أَتعَلَّقُ به بشِدّةٍ يَذهَبُ إلى العَدَمِ، بل وُجُودُ المَخلُوقاتِ كلِّها يَفنَى ويَنتَهِي إلى الزَّوالِ، فوَلَّد عِندِي ذَهابُ الجَمِيعِ إلى العَدَمِ قَلَقًا شَدِيدًا واضْطِرابًا أَلِيمًا، فراجَعتُ الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فقالَت لي: &#8220;تَدَبَّرْ في مَعانِيَّ، وانظُرْ إلَيْها بمِنظارِ الإِيمانِ&#8221;، وأنا بدَوْرِي نَظَرتُ إلى مَعانِيها بعَينِ الإِيمانِ..</p>
<p>فرَأَيتُ أنَّ وُجُودِي الَّذي هو ذَرّةُ صَغِيرةٌ جِدًّا -كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ- مِرآةٌ لِوُجُودٍ غَيرِ مَحدُودٍ، ووَسِيلةٌ لِلظَّفَرِ بأَنواعٍ مِن وُجُودٍ غَيرِ مَحدُودٍ بانبِساطٍ غَيرِ مُتَناهٍ.. وهُو بمَثابةِ كَلِمةٍ حَكِيمةٍ تُثمِرُ مِن أَنواعِ الوُجُودِ الكَثِيرةِ الباقِيةِ ما هو أَكثَرُ قِيمةً مِن وُجُودِي، <strong>حتَّى إنَّ لَحْظةَ عَيشٍ له مِن حَيثُ انتِسابُه الإِيمانِيُّ ثَمِينٌ جِدًّا، وله قِيمةٌ عالِيةٌ كقِيمةِ وُجُودٍ أَبدِيٍّ دائِمٍ،</strong> فعَلِمتُ كلَّ ذلك بعِلمِ اليَقِينِ، لِأنَّ مَعرِفَتِي بالشُّعُورِ الإِيمانِيِّ بأنَّ وُجُودِي هذا أَثَرٌ مِن آثارِ واجِبِ الوُجُودِ وصَنْعةٌ مِن صَنْعَتِه وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِه جَعَلَتْني أَنجُو مِن ظُلُماتٍ لا حَدَّ لها تُورِثُها أَوْهامٌ مُوحِشةٌ، وأَتَخلَّصُ مِن آلامٍ لا حَدَّ لها نابِعةٍ مِنِ افتِراقاتٍ وفِراقاتٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ودَفَعَتْنِي لِأَمُدَّ رَوابِطَ أُخُوّةٍ وَثِيقةٍ إلى جَمِيعِ المَوجُوداتِ -ولا سِيَّما ذَوِي الحَياةِ- بعَدَدِ الأَفعالِ والأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ المُتَعلِّقةِ بالمَوجُوداتِ، وعَلِمتُ أنَّ هُنالِك وِصالًا دائِمًا بهذه الرَّوابِطِ معَ جَمِيعِ ما أُحِبُّه مِنَ المَوجُوداتِ مِن خِلالِ فِراقٍ مُؤَقَّتٍ.</p>
<p>وهكَذا، فإنَّ وُجُودِي كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ، قد ظَفِرَ بالإِيمانِ والِانتِسابِ الَّذي فيه بأَنوارِ أَنواعِ وُجُودٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لا افتِراقَ فيها.. فحَتَّى لو ذَهَب وُجُودِي فإنَّ بَقاءَ تلك الأَنواعِ مِنَ الوُجُودِ مِن بَعدِه يُطَمْئِنُ وُجُودِي وكأنَّه قد بَقِي بنَفسِه كامِلًا.</p>
<p><strong>والخُلاصةُ</strong>: أنَّ المَوتَ لَيسَ فِراقًا، بل هو وِصالٌ وتَبدِيلُ مَكانٍ وإِثمارٌ لِثَمَرةٍ باقِيةٍ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الخامسة: المتوجه إلى الحي الباقي يبقى]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الخامِسةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد تَصَدَّعَتْ حَياتِي حِينًا تَحتَ أَعباءٍ ثَقِيلةٍ جِدًّا، حتَّى لَفَتَت نَظَرِي إلى العُمُرِ وإلى الحَياةِ، فرَأَيتُ أنَّ عُمُرِي يَمضِي مُسرِعًا واقتَرَبَ مِنَ الآخِرةِ، وأنَّ حَياتِي قد تَوَجَّهَت نَحوَ الِانطِفاءِ تَحتَ المُضايَقاتِ العَدِيدةِ، ولكِنَّ الوَظائِفَ المُهِمّةَ لِلحَياةِ ومَزاياها الرّاقِيةَ وفَوائِدَها الثَّمِينةَ لا تَلِيقُ بهذا الِانطِفاءِ السَّرِيعِ، بل تَلِيقُ بحَياةٍ طَوِيلةٍ، مَدِيدةٍ؛ ففَكَّرتُ في هذا بكُلِّ أَلَمٍ وأَسًى، <strong>وراجَعتُ أُستاذِي الآيةَ الكَرِيمةَ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾،</strong> فقالَت لي: انظُرْ إلى الحَياةِ مِن حَيثُ &#8220;الحَيُّ القَيُّومُ&#8221; الَّذي وَهَب لك الحَياةَ.</p>
<p>فنَظَرتُ إلَيْها بهذا المِنظارِ وشاهَدتُ أنَّه: إنْ كانَ لِلحَياةِ وَجْهٌ واحِدٌ مُتَوجِّهُ إلَيَّ أنا، فإنَّ لها مِئةَ وَجهٍ مُتَوجِّهٍ إلى &#8220;الحَيِّ المُحْيِي&#8221;؛ وإن كانَت لها نَتِيجةٌ واحِدةٌ تَعُودُ إلَيَّ أنا، فإنَّ لها أَلفًا مِنَ النَّتائِجِ تَعُودُ إلى خالِقِي؛ لِذا فإنَّ لَحْظةً واحِدةً مِنَ الحَياةِ، أو آنًا مِنَ الوَقتِ ضِمنَ هذه الجِهةِ كافٍ جِدًّا، فلا حاجةَ إلى زَمانٍ طَوِيلٍ. هذه الحَقِيقةُ تَتَوضَّحُ بأَربَعِ مَسائِلَ، فلْيُفَتِّشْ أُولَئِك الَّذِينَ لَيسُوا أَمواتًا أوِ الَّذِينَ يَنشُدُونَ الحَياةَ.. لِيُفتِّشُوا عن ماهِيّةِ الحَياةِ وعن حَقِيقَتِها وعن حُقُوقِها الحَقِيقيّةِ ضِمنَ تلك المَسائِلِ الأَربَعِ، فلْيَظفَرُوا.. ولْيَحْيَوْا..</p>
<p>وخُلاصَتُها هي: أنَّ الحَياةَ كُلَّما تَتَوجَّهُ إلى الحَيِّ القَيُّومِ وتَتَطلَّعُ إلَيْه، وكُلَّما كانَ الإِيمانُ حَياةً لِلحَياةِ ورُوحًا لها، فإنَّها تَجِدُ البَقاءَ بل تُعطِي ثِمارًا باقِيةً كَذلِك، بل إنَّها تَرقَى وتَعلُو إلى دَرَجةٍ تَكتَسِبُ تَجَلِّيَ السَّرمَدِيّةِ، وعِندَها لا يُنظَرُ إلى قِصَرِ العُمُرِ وطُولِه.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة السادسة: الموجودات مرايا الجمال السرمدي]</h5>
<p><strong>المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ السّادِسةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>مِن خِلالِ الشَّيبِ الَّذي يُذَكِّرُ بفِراقِي الخاصِّ، ومِن خِلالِ حَوادِثِ آخِرِ الزَّمانِ الَّتي تُنبِئُ عن دَمارِ الدُّنيا ضِمنَ الفِراقاتِ العامَّةِ الشّامِلةِ، ومِن خِلالِ الِانكِشافِ الواسِعِ فَوقَ العادةِ في أَواخِرِ عُمُرِي لِأَحاسِيسِ الِافتِتانِ بِالجَمالِ والعِشقِ له والِافتِتانِ بالكَمالِ المَغرُوزِ في فِطْرَتِي.. مِن خِلالِ كلِّ هذا رَأَيتُ أنَّ الزَّوالَ والفَناءَ اللَّذَينِ يُدَمِّرانِ دائِمًا، وأنَّ المَوتَ والعَدَمَ اللَّذَينِ يُفَرِّقانِ باستِمرارٍ، رَأَيتُهُما يُفسِدانِ بشَكلٍ مُرعِبٍ ومُخِيفٍ، جَمالَ هذه الدُّنيا الرّائِعةِ الجَمالِ ويُشَوِّهانِها بتَحطِيمِهِما لها، ويُتلِفانِ لَطافةَ هذه المَخلُوقاتِ.. فتَألَّمتُ مِن أَعماقِي بالِغَ التَّألُّمِ لِما رَأَيتُ، ففارَ ما في فِطْرَتِي مِن عِشقٍ مَجازِيٍّ فَوَرانًا شَدِيدًا، وبَدَأ يَتَأجَّجُ بالرَّفضِ والعِصيانِ أَمامَ هذه الحالةِ المُفجِعةِ، فلم يَكُ لي بُدٌّ مِن مُراجَعةِ الآيةِ الكَرِيمةِ أَيضًا لِأَجِدَ المُتَنفَّسَ والسُّلوانَ، فقالَت: &#8220;اقْرَأْنِي جَيِّدًا، أَنعِمِ النَّظَرَ في مَعانِيَّ&#8221;.</p>
<p>وأنا بدَوْرِي دَخَلتُ إلى مَركَزِ الإِرصادِ لِسُورةِ النُّورِ لِآيةِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فنَظَرتُ مِن هُناك &#8220;بمِنظارِ&#8221; الإِيمانِ إلى أَبعَدِ طَبَقاتِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، وفي الوَقتِ نَفسِه نَظَرتُ &#8220;بمِجْهَرِ&#8221; الشُّعُورِ الإِيمانِيِّ إلى أَدَقِّ أَسرارِها.. فرَأَيتُ أنَّه مِثلَما تُظهِرُ المَرايا والزُّجاجُ والمَوادُّ الشَّفّافةُ وحتَّى حَبابُ البَحرِ الجَمالَ المَخفِيَّ المُتَنوِّعَ لِضَوءِ الشَّمسِ، فيُظهِرُ كلٌّ مِنها مُختَلِفَ الجَمالِ لِلأَلوانِ السَّبعةِ لِذلِك الضَّوءِ، ومِثلَما يَتَجدَّدُ ذلك الجَمالُ وذلك الحُسنُ بتَجَدُّدِ تلك المَوادِّ وبتَحَرُّكِها وحَسَبَ قابلِيَّتِها المُختَلِفةِ ووَفْقَ انكِساراتِها المُتَنوِّعةِ، أي: مِثلَما أنَّها تُظهِرُ الجَمالَ المَخفِيَّ لِلشَّمسِ ولِضَوئِها ولِأَلوانِها السَّبعةِ بشَكلٍ جَمِيلٍ جَذّابٍ، فكَذلِك الأَمرُ في هذه المَصنُوعاتِ الجَمِيلةِ وهذه المَخلُوقاتِ اللَّطِيفةِ والمَوجُوداتِ الجَمِيلةِ الَّتي تَقُومُ مَقامَ مَرايا عاكِسةٍ لِذلِك الجَمالِ المُقدَّسِ لِلجَمِيلِ ذِي الجَلالِ الَّذي هو &#8220;نُورُ الأَزَلِ والأَبدِ&#8221;، فهذه المَخلُوقاتُ لا تَلبَثُ أن تَذهَبَ دُونَ تَوَقُّفٍ، مُجَدِّدةً بذلك تَجَلِّياتٍ لِأَسمائِه الحُسنَى جَلَّ وعَلا؛ فالجَمالُ الظّاهِرُ في هذه المَخلُوقاتِ والحُسنُ البارِزُ فيها إِذًا لَيسَ هو مُلكَ ذاتِها، وإنَّما هو إِشاراتٌ إلى ذلك الجَمالِ المُقَدَّسِ السَّرمَدِيِّ الَّذي يُرِيدُ الظُّهُورَ، وعَلاماتٌ وإِشاراتٌ وتَجَلِّياتٌ لِذلِك الحُسنِ المُجَرَّدِ والجَمالِ المُنزَّهِ المُتَجلِّي دائِمًا، والَّذي يُرِيدُ المُشاهَدةَ والإِشهادَ.</p>
<p>وقد وُضِّحَتْ دَلائِلُ هذا مُفَصَّلًا في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، أَمَّا هُنا فقد ذُكِرَ مِن تلك البَراهِينِ شَيءٌ مُوجَزٌ بِأُسلُوبٍ مُقنِعٍ، فنَشرَعُ في بَيانِ تلك البَراهِينِ؛ فأيُّما إِنسانٍ مِن أَصحابِ الذَّوقِ السَّلِيمِ نَظَر إلى هذه الرِّسالةِ لا يُمكِنُ أن يَتَمالَك نَفسَه دونَ الإِعجابِ والتَّقدِيرِ، بل سيَرَى أنَّ علَيْه أن يَسعَى لِإِفادةِ الآخَرِينَ بَعدَما أَفادَ نَفسَه، ولا سِيَّما النِّقاطُ الخَمسُ المَذكُورةُ في البُرهانِ الثّاني.. فلا بُدَّ أنَّ مَن لم يَفسُد عَقْلُه ولم يَصْدَأ قَلبُه يقُولُ مُستَحسِنًا ومُستَصوِبًا: ما شاءَ اللهُ.. بارَكَ اللهُ.. ويَجعَلُ وُجُودَه الَّذي يَبدُو فَقِيرًا حَقِيرًا يَسمُو ويَتَعالَى.. ويُدرِكُ مُصَدِّقًا أنَّه: مُعجِزةٌ خارِقةٌ حَقًّا!!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الرجاء الخامس عشر: الرضا بالقدَر]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ الخامِسَ عشَر</strong><strong>‌<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup></strong></p>
<p>عِندَما كُنتُ نَزِيلَ غُرفةٍ في &#8220;أَمِيرْداغ&#8221;تَحتَ الإِقامةِ الجَبْرِيّةِ وَحِيدًا فَرِيدًا، كانَت عُيُونُ التَّرَصُّدِ تَتَعقَّبُني وتُضايِقُني دائِمًا، فأَتَعذَّبُ مِنها أَشَدَّ العَذابِ، حتَّى مَلَلتُ الحَياةَ نَفسَها وتَأَسَّفتُ لِخُرُوجِي مِنَ السِّجنِ، بل رَغِبتُ مِن كلِّ قَلبِي في أن أَعُودَ إلى سِجنِ &#8220;دَنِيزْلي&#8221; أو أَن أدخُلَ القَبْرَ، حَيثُ السِّجنُ أوِ القَبْرُ أَفضَلُ مِن هذا اللَّونِ مِنَ الحَياةِ. فأَتَتْني العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ مُغِيثةً، إذ وَهَبَتْ آلةَ الرُّونيُو الَّتي ظَهَرَت حَدِيثًا لِطُلّابِ &#8220;مَدرَسةِ الزَّهراءِ&#8221;، وهُم يَحمِلُونَ أَقلامًا ماسِيّةً كآلةِ الرُّونيُو، فباتَت &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; تَظهَرُ خَمسَ مِئةِ نُسخةٍ بقَلَمٍ واحِدٍ.. فتِلك الفُتُوحاتُ الَّتي هَيَّأَتْها العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ لِرَسائِلِ النُّورِ جَعَلَتْني أُحِبُّ تلك الحَياةَ الضَّجِرةَ القَلِقةَ المُضطَرِبةَ، بل جَعَلَتْني أُرَدِّدُ أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ لِلبارِئِ سُبحانَه وتَعالَى.</p>
<p>ولكِن بَعدَ مُرُورِ مُدّةٍ وَجِيزةٍ لم يَتَمكَّن أَعداءُ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; المُتَستِّـرُونَ أن يَتَحمَّلُوا تلك الفُتُوحاتِ النُّورِيّةَ، فنبَّهُوا المَسؤُولِينَ في الدَّوْلةِ ضِدَّنا وأَثارُوهُم علَيْنا، فأَصبَحَتِ الحَياةُ -مَرّةً أُخرَى- ثَقِيلةً مُضجِرةً، إلّا أنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ تَجَلَّت على حِينِ غِرّةٍ، حَيثُ إنَّ المَسؤُولِينَ أَنفُسَهُم -وهُم أَحوَجُ النَّاسِ إلى &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;- بَدَؤُوا فِعلًا بقِراءةِ الرَّسائِلِ المُصادَرةِ بشَوقٍ واهتِمامٍ، وذلك بحُكْمٍ وَظِيفَتِهِم، واستَطاعَت تلك الرَّسائِلُ بفَضلِ اللهِ أن تُلَيِّنَ قُلُوبَهُم وتَجعَلَها تَجنَحُ إلى جانِبِها؛ فتَوَسَّعَت بذلك دائِرةُ مَدارِسِ النُّورِ، حَيثُ إنَّهُم بَدَؤُوا بتَقدِيرِها والإِعجابِ بها بَدَلًا مِن جَرحِها ونَقدِها. فأَكسَبَتْنا هذه النَّتِيجةُ مَنافِعَ جَمّةً، أَزْيَدَ مِئةَ مَرّةٍ مِمّا تَعَرَّضْنا إِلَيْه مِنَ الأَضرارِ المادِّيّةِ، وجَعَلَت ما نُعانِيه مِنِ اضطِرابٍ وقَلَقٍ في حُكمِ العَدَمِ.</p>
<p>ولكِن ما إِن مَرَّت مُدّةٌ وَجِيزةٌ، حتَّى حَوَّل المُنافِقُونَ -وهُم الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ- نَظَرَ الحُكُومةِ إلى شَخصِي أنا، ولَفَتُوا انتِباهَها إلى حَياتِي السِّياسِيّةِ السّابِقةِ، فأَثارُوا الأَوْهامَ والشُّكُوكَ، وبَثُّوا المَخاوِفَ مِن حَوْلي في صُفُوفِ دَوائِرِ العَدلِ والمَعارِفِ (التَّربِيةِ) والأَمنِ ووِزارةِ الدَّاخِلِيّةِ.. ومِمّا وَسَّع تلك المَخاوِفَ لَدَيهِم ما يَجرِي مِنَ المُشاحَناتِ بَينَ الأَحزابِ السِّياسِيّةِ، وما أَثارَه الفَوضَوِيُّونَ والإِرهابِيُّونَ -وهُم واجِهةُ الشُّيُوعِيِّينَ- حتَّى إنَّ الحُكُومةَ قامَت إِثرَ ذلك بحَمْلةِ تَوقِيفٍ وتَضيِيقٍ شَدِيدٍ علَيْنا، وبمُصادَرةِ ما تَمَكَّنَت مِنَ الحُصُولِ علَيْه مِنَ الرَّسائِلِ، فتَوَقَّفَ نَشاطُ طُلّابِ النُّورِ وفَعّاليّاتُهُم.</p>
<p>وبالرَّغمِ مِن أنَّ بَعضَ المُوَظَّفِينَ المَسؤُولينَ أَشاعُوا دِعاياتٍ مُغرِضةً عَجِيبةً لِجَرحِ شَخصِيَّتِي وذَمِّها -مِمّا لا يُمكِنُ أن يُصَدِّقَها أَحَدٌ- إلّا أنَّهُم باؤُوا بالإِخفاقِ الذَّرِيعِ، فلم يَستَطِيعُوا أن يُقنِعُوا أَحَدًا بها؛ ومَعَ ذلك اعتَقَلُونِي بِحُجَجٍ رَخِيصةٍ تافِهةٍ جِدًّا، ووَضَعُونِي رَهْنَ التَّحقِيقِ في رُدهةٍ واسِعةٍ جِدًّا وَحِيدًا بِدُونَ مِدْفَأةٍ طَوالَ يَومَينِ، في تلك الأَيَّامِ الشَّدِيدةِ البَردِ كالزَّمْهَرِيرِ، عِلْمًا أنَّني ما كُنتُ أَتَحمَّلُ البَردَ في بَيتِي إلّا على مَضَضٍ، وكُنتُ أُقاوِمُه بشِدّةٍ بإِشعالِ المَوقِدِ دائِمًا وبإِشعالِ المِدْفَأةِ عِدّةَ مَرّاتٍ يَومِيًّا، وذلك لِما أُعانِيه مِن ضَعفٍ ومَرَضٍ.</p>
<p>فبَينَما كُنتُ أَتقَلَّبُ مِن شِدّةِ الحُمَّى المُتَولِّدةِ مِنَ البَردِ، وأَتمَلمَلُ مِن حالَتِي النَّفسِيّةِ المُتَضايِقةِ جِدًّا، انكَشَفَت في قَلبِي حَقِيقةُ عِنايةٍ إِلٰهِيّةٍ، ونُبِّهتُ إلى ما يَأتِي:</p>
<p>&#8220;إنَّك قد أَطلَقتَ على السِّجنِ اسمَ &#8220;المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ&#8221;، وقد وَهَب لكُم &#8220;سِجنُ دَنِيزْلي&#8221; مِنَ النَّتائِجِ والفَوائِدِ أَضعافَ أَضعافِ ما أَذاقَكُم مِنَ الضِّيقِ والشِّدّةِ، ومنَحَكُم فَرَحًا شَدِيدًا وسُرُورًا عَظِيمًا وغَنائِمَ مَعنَوِيّةً كَثِيرةً: كاستِفادةِ المَساجِينِ مَعَكُم مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، وقِراءةِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; في الأَوْساطِ الرَّسمِيّةِ العُلْيا، وغَيرِها مِنَ الفَوائِدِ، حتَّى جعَلَتْكُم في شُكرٍ دائِمٍ مُستَمِرٍّ بَدَلَ التَّشَكِّي والضَّجَرِ، مُحَوِّلةً كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ السِّجنِ والضِّيقِ إلى عَشرِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ، فخَلَّدَت تلك السّاعاتِ الفانيةَ.</p>
<p>فهَذِه &#8220;المَدرَسةُ اليُوسُفيّةُ الثَّالثةُ&#8221; كَذلِك ستُعطِي -بإِذنِ اللهِ- مِنَ الحَرارةِ الكافِيةِ ما يُدفِئُ هذا البَردَ الشَّدِيدَ، وستَمنَحُ مِنَ الفَرَحِ والبَهجةِ ما يَرفَعُ هذا الضِّيقَ الثَّقِيلَ، باستِفادةِ أَهلِ المَصائِبِ والبَلاءِ مَعَكُم مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; ووِجْدانِهِمُ السُّلوانَ فيها.</p>
<p>أمَّا الَّذِينَ غَضِبتَ واحتَدَّيتَ علَيْهِم، فإن كانُوا مِنَ المُغَرَّرِ بهم ومِنَ المَخدُوعِينَ، فلا يَستَحِقُّونَ الغَضَبَ والحِدّةَ، إذ إِنَّهُم يَظلِمُونَك دُونَ عِلمٍ، وإن كانُوا يُعذِّبُونَك ويُشَدِّدُونَ علَيْك الخِناقَ وهُم يقُومُونَ بهذا عن عِلمٍ وعن حِقدٍ دَفينٍ إِرضاءً لِأَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّهُم سيُعَذَّبُون عن قَرِيبٍ بالمَوتِ الَّذي يَتَصوَّرُونَه إِعدامًا أَبدِيًّا، وسيَرَونَ الضِّيقَ الشَّدِيدَ الدّائِمَ المُقِيمَ في السِّجنِ المُنفَرِدِ وهُو القَبْرُ.. وأَنتَ بدَوْرِك تَكسِبُ ثَوابًا عَظِيمًا نَتِيجةَ ظُلمِهِم، وتَظفَرُ بخُلُودِ ساعاتِك الفانيةِ، وتَغنَمُ لَذائِذَ رُوحِيّةً مَعنَوِيّةً فَضلًا عن قِيامِك بمُهِمَّتِك العِلمِيّةِ والدِّينيّةِ بإِخلاصٍ.</p>
<p>هكَذا وَرَد إلى رُوحِي هذا المَعنَى، فقُلتُ بكُلِّ ما أُوتِيتُ مِن قُوّةٍ: &#8220;الحَمدُ للهِ&#8221;، وأَشفَقتُ على أُولَئِك الظَّلَمةِ بحُكْمِ إِنسانيَّتِي، ودَعَوتُ: يا رَبِّ أَصلِح شَأْنَ هَؤُلاءِ.</p>
<p>ولقد أَثبَتُّ في إِفادَتِي التي كَتَبتُها إلى وِزارةِ الدّاخِلِيّةِ: أنَّ هذه الحادِثةَ الجَدِيدةَ غَيرُ قانُونيّةٍ بعَشَرةِ أَوجُهٍ، بل إنَّ هَؤُلاءِ الظَّلَمةَ الَّذِينَ يَخرِقُونَ القانُونَ بِاسمِ القانُونِ هُمُ المُجرِمُونَ حَقًّا، حَيثُ بَدَؤُوا بالبَحثِ عن حُجَجٍ واهِيةٍ جِدًّا، وتَتبَّعُوا افتِراءاتٍ مُختَلَقةً إلى حَدِّ أنَّها جَلَبَت سُخرِيةَ السّامِعِينَ وأَبكَوا أهلَ الحَقِّ المُنصِفِينَ، وأَظهَرُوا لِأَهلِ الإِنصافِ أنَّهُم لا يَجِدُونَ بِاسمِ القانُونِ والحَقِّ أيَّ مُسَوِّغٍ لِلتَّعرُّضِ لِرَسائِلِ النُّورِ ومَسِّ طُلّابِها بسُوءٍ، فيَزِلُّونَ إلى البَلاهةِ والجُنُونِ ويَتَخبَّطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ.</p>
<p><strong>مِثالُ ذلك</strong>: لم يَجِدِ الجَواسِيسُ الَّذِينَ راقَبُونا لِمُدّةِ شَهرٍ شَيئًا علَيْنا، لِذا لَفَّقُوا التَّقرِيرَ الآتِيَ: &#8220;إنَّ خادِمَ &#8220;سَعِيدٍ&#8221; قدِ اشتَرَى له الخَمرَ مِن حانُوتٍ&#8221;، إلّا أنَّهُم لم يَجِدُوا أَحَدًا يُوَقِّعُ على هذا التَّقرِيرِ تَصدِيقًا لَهُم، إلّا شَخصًا غَرِيبًا وسِكِّيرًا في الوَقتِ نَفسِه، فطَلَبُوا مِنه -تَحتَ الضَّغطِ والتَّهدِيدِ- أن يُوَقِّعَ مُصَدِّقًا على ذلك التَّقرِيرِ، فرَدَّ علَيْهِم: &#8220;أَستَغفِرُ اللهَ! مَن يَستَطِيعُ أن يُوَقِّعَ مُصَدِّقًا هذا الكَذِبَ العَجِيبَ؟!&#8221;، فاضْطُرُّوا إلى إِتلافِ التَّقرِيرِ.</p>
<p><strong>مِثالٌ آخَرُ</strong>: لِحاجَتِي الشَّدِيدةِ لِاستِنشاقِ الهَواءِ النَّقِيِّ، ولِمَا يُعلَمُ مِنِ اعتِلالِ صِحَّتِي، فقد أَعارَنِي شَخصٌ لا أَعرِفُه -ولم أَتَعرَّف علَيْه لِحَدِّ الآنَ- عَرَبةً ذاتَ حِصانٍ، لِأَتنَـزَّهَ بها خارِجَ البَلْدةِ، فكُنتُ أَقضِي ساعةً أو ساعَتَينِ في هذه النُّزهةِ؛ وكُنتُ قد وَعَدتُ صاحِبَ العَرَبةِ والحِصانِ بأن أُوَفِّيَ أُجرَتَها كُتُبًا تُثمَّنُ بخَمسِينَ لَيرةً، لِئَلّا أَحِيدَ عن قاعِدَتِي الَّتي اتَّخَذتُها لِنَفسِي، ولِئَلَّا أَظَلَّ تَحتَ مِنّةِ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ وأَذاه.. فهَل هُناك احتِمالٌ لِأَن يَنجُمَ ضَرَرٌ مّا مِن هذا العَمَلِ؟! غَيرَ أنَّ دائِرةَ الشُّرطةِ ودائِرةَ العَدلِ والأَمنِ الدّاخِلِيِّ وحتَّى المُحافِظَ نَفسَه استَفسَرَ بأَكثَرَ مِن خَمسِينَ مَرّةً: لِمَنْ هذا الحِصانُ؟ ولِمَن هذه العَرَبةُ؟ وكأنَّه قد حَدَثَت حادِثةٌ سِياسِيّةٌ خَطِيرةٌ لِلإِخلالِ بالأَمنِ والنِّظامِ! مِمّا اضْطَرَّ أَحَدَ الأَشخاصِ أن يَتَطوَّعَ لِقَطع دابِرِ هذه الِاستِفساراتِ السَّخِيفةِ المُتَتالِيةِ فيَدَّعِيَ أنَّ الحِصانَ مِلكُه، وادَّعَى آخَرُ بأنَّ العَرَبةَ له، فصَدَرَ الأَمرُ بالقَبضِ علَيْهِما وأُودِعا مَعِي في السِّجنِ.. فبِمِثلِ هذه النَّماذِجِ أَصبَحْنا مِنَ المُتَفرِّجِينَ على لَعِبِ الصِّبيانِ ودُماهُم، فبَكَيْنا ضاحِكِينَ وحَزِنّا ساخِرِينَ، وعَرَفْنا أنَّ كلَّ مَن يَتَعرَّضُ لِرَسائِلِ النُّورِ ولِطُلّابِها يُصبِحُ أُضحُوكةً ومَوضِعَ هُزءٍ وسُخْرِيةٍ.</p>
<p>وإلَيْك مُحاوَرةً لَطِيفةً مِن تلك النَّماذِجِ: لقد قُلتُ لِلمُدَّعِي العامِّ -قَبلَ أن أَطَّلِعَ على ما كُتِبَ في مَحضَرِ اتِّهامِي مِنَ الإِخلالِ بالأَمنِ- قُلتُ له: لقَدِ اغْتَبتُك البارِحةَ إذ قُلتُ لِأَحَدِ أَفرادِ الشُّرطةِ الَّذي استَجْوَبَنِي نِيابةً عن مُدِيرِ الأَمنِ: &#8220;لِيُهلِكْنِي اللهُ -ثَلاثَ مَرّاتٍ- إن لم أَكُن قد خَدَمتُ الأَمنَ العامَّ لِهَذا البَلَدِ أَكثَرَ مِن أَلفِ مُدِيرِ أَمنٍ وأَكثَرَ مِن أَلفِ مُدَّعٍ عامٍّ..&#8221;.</p>
<p>ثمَّ إنَّني في الوَقتِ الَّذي كُنتُ في أَمَسِّ الحاجةِ إلى الإِخلادِ إلى الرّاحةِ وعَدَمِ الِاهتِمامِ بهُمُومِ الدُّنيا والِابتِعادِ نِهائيًّا عنِ البَردِ، فإنَّ قِيامَ هَؤُلاءِ بنَفيِي -في هذا الوَقتِ مِنَ البَردِ بالذّاتِ- وتَهجِيرِي مِن مَدِينةٍ لِأُخرَى بما يَفُوقُ تَحَمُّلِي، ومِن ثَمَّ تَوقِيفِي والتَّضيِيقِ علَيَّ بأَكثَرَ مِن طاقَتِي وبما يُشعِرُ أنَّه حِقْدٌ دَفِينٌ وأَمرٌ مُتَعمَّدٌ مَقصُودٌ.. كلُّ ذلك وَلَّد عِندِي غَيْظًا وامتِعاضًا غَيرَ اعتِيادِيٍّ تِجاهَ هَؤُلاءِ؛ ولكِنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ أغاثَتْنِي فنَـبَّهَتَ القَلبَ إلى هذا المَعنَى:</p>
<h4 style="text-align: center;">[قسمة الأقدار]</h4>
<p>إنَّ <strong>لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ</strong> -الَّذي هو عَدلٌ مَحضٌ- حِصّةً عَظِيمةً جِدًّا فيما يُسَلِّطُه علَيْك هَؤُلاءِ البَشَرُ مِنَ الظُّلمِ البَيِّنِ، وإنَّ رِزقَك في السِّجنِ هو الَّذي دَعاك إلى السِّجنِ، فيَنبَغِي إِذًا أن تُقابِلَ هذه الحِصّةَ بالرِّضَا والتَّسلِيمِ.</p>
<p>وإنَّ <strong>لِلحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ والرَّحمةِ</strong> حَظًّا وافِرًا أَيضًا كفَتْحِ طَرِيقِ النُّورِ والهِدايةِ إلى قُلُوبِ المَساجِينِ وبَثِّ السُّلْوانِ والأَمَلِ فِيهِم، ومِن ثَمَّ إِحرازِ الثَّوابِ لَكُم؛ لِذا يَنبَغِي تَقدِيمُ آلافِ الحَمدِ والشُّكرِ للهِ -مِن خِلالِ الصَّبْرِ- تِجاهَ هذا الحَظِّ العَظِيمِ.</p>
<p>وكَذا، فإنَّ <strong>لِنَفسِك</strong> أَنتَ أَيضًا حِصَّتَها حَيثُ إنَّ لها ما لا تَعرِفُ مِنَ التَّقصِيراتِ.. فيَنبَغِي مُقابَلةُ هذه الحِصّةِ أَيضًا بالِاستِغفارِ والتَّوبةِ والإِنابةِ إلى اللهِ، وتَأنِيبِ النَّفسِ بأنَّها مُستَحِقّةٌ لِهَذِه الصَّفْعةِ.</p>
<p>وكَذا <strong>الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ</strong> الَّذِينَ يَخدَعُونَ بَعضَ المُوَظَّفِينَ السُّذَّجِ والجُبَناءِ، فيَسوقُونَهُم نَحوَ ذلك الظُّلمِ، لَهُم مِنه حِصّةٌ ونَصِيبٌ؛ فرَسائِلُ النُّورِ قد ثَأَرَت لك ثَأْرًا كامِلًا مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بما أَنزَلَت بهم مِن صَفَعاتِها المَعنَوِيّةِ المُدهِشةِ؛ فحَسْبُهُم تلك الضَّرَباتُ.</p>
<p>أمّا الحِصَّةُ الأَخِيرةُ فهِي لِأُولَئِك <strong>المُوَظَّفِينَ الَّذِينَ هُم وَسائِطُ فِعلِيّةٌ</strong>، ولكِن لِكَونِهِم مُنتَفِعِينَ حَتْمًا مِن جِهةِ الإِيمانِ -سَواءٌ أَرادُوا أم لم يُرِيدُوا- عِندَ نَظَرِهِم إلى &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; وقِراءَتِهِم لها بنِيّةِ النَّقدِ أوِ الجَرحِ، فإنَّ العَفوَ والتَّجاوُزَ عَنهُم وَفقَ دُستُورِ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ هو شَهامةٌ ونَجابةٌ.</p>
<p>وبَعدَ أن تَلَقَّيتُ هذا التَّنبِيهَ والتَّحذِيرَ الَّذي كُلُّه حَقٌّ وحَقِيقةٌ، قَرَّرتُ أن أَظلَّ صابِرًا وشاكِرًا جَذْلًا في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ الجَدِيدةِ؛ بل قَرَّرتُ أن أُعاقِبَ نَفسِي بتَقصِيرٍ لا ضَرَرَ فيه، فأُساعِدَ حتَّى أُولَئِك الَّذِينَ يُسِيئُونَ إلَيَّ ويُخاصِمُونَنِي وأُعاوِنَهم.</p>
<h4 style="text-align: center;">[توجه نحو الآخرة]</h4>
<p>ثمّ إنَّ مَن كانَ مِثلِي في الخامِسةِ والسَّبعِينَ مِن عُمُرِه، وقدِ انقَطَعَت عَلاقاتُه معَ الدُّنيا ولم يَبقَ مِن أَحبابِه في الدُّنيا إلّا خَمسٌ مِن كلِّ سَبعِينَ شَخْصًا، وتَقُومُ سَبعُونَ أَلفَ نُسخةٍ مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; بمُهِمَّتِه النُّورِيّةِ بكُلِّ حُرِّيّةٍ، وله مِنَ الإِخوانِ ومِنَ الوَرَثةِ مَن يُؤَدُّونَ وَظِيفةَ الإِيمانِ بآلافِ الأَلسِنةِ بَدَلًا مِن لِسانِ واحِدٍ.. فالقَبْرُ لِمِثلِي إِذًا خَيرٌ وأَفضَلُ مِئةَ مَرّةٍ مِن هذا السِّجنِ؛ كما أنَّ هذا السِّجنَ هو أَكثرُ نَفْعًا وأَكثرُ راحةً بمِئةِ مَرّةٍ مِنَ الحُرِّيّةِ المُقَيَّدةِ في الخارِجِ، ومِنَ الحَياةِ تَحتَ تَحَكُّمِ الآخَرِينَ وسَيطَرَتِهِم، لِأنَّ المَرءَ يَتَحمَّلُ مُضطَرًّا معَ مِئاتِ المَساجِينِ تَحَكُّمًا مِن بَعضِ المَسؤُولِينَ، أَمثالِ المُدِيرِ ورَئِيسِ الحُرّاسِ بحُكْمِ وَظِيفَتِهِم، فيَجِدُ سُلْوانًا وإِكرامًا أَخَوِيًّا مِن أَصدِقاءَ كَثِيرِينَ مِن حَوْلِه، بَينَما يَتَحمَّلُ وَحْدَه في الخارِجِ سَيطَرةَ مِئاتِ المُوَظَّفِينَ والمَسؤُولِينَ.</p>
<p>وكَذلِك الرَّأفةُ الإِسلامِيّةُ والفِطْرةُ البَشَرِيّةُ تَسعَيَانِ بالرَّحْمةِ لِلشُّيُوخِ ولا سِيَّما مَن هُم في هذه الحالةِ، فتُبَدِّلانِ مَشَقّةَ السِّجنِ وعَذابَه إلى رَحْمةٍ أيضًا.. لِأَجلِ كلِّ ذلك فقد رَضِيتُ بالسِّجنِ..</p>
<h4 style="text-align: center;">[حقيقتان إزاء الأذى والعسف]</h4>
<p>وحِينَما قَدِمتُ إلى هذه المَحكَمةِ الثَّالثةِ جَلَستُ على كُرسِيٍّ خارِجَ بابِ المَحكَمةِ لِمَا كُنتُ أُحِسُّ مِنَ النَّصَبِ والضِّيقِ في الوُقُوفِ لِشِدَّةِ ضَعفِي وشَيخُوخَتِي ومَرَضِي؛ وفَجْأةً أَتَى قاضٍ وقالَ مُغاضِبًا معَ إِهانةٍ وتَحقِيرٍ: لِمَ لا يَنتَظِرُ هذا واقِفًا؟!</p>
<p>ففارَ الغَضَبُ في أَعماقِي على انعِدامِ الرَّحْمةِ لِلشَّيبِ، والْتَفَتُّ وإذا بجَمْعٍ غَفِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ قدِ احتَشَدُوا حَوْلَنا يَنظُرُونَ إلَيْنا بعُيُونٍ مِلْؤُها الرَّأفةُ، بقُلُوبٍ مِلْؤُها الرَّحْمةُ والأُخُوّةُ، حتَّى لم يَستَطِع أَحَدٌ صَرْفَهُم عن هذا التَّجَمُّعِ؛ وهُنا ورَدَت إلى القَلبِ هاتانِ الحَقِيقَتانِ:</p>
<p><strong>الأُولَى</strong>: إنَّ أَعدائِي، وأَعداءَ النُّورِ المُتَستِّرِينَ قد خَدَعُوا بَعضَ المُوَظَّفِينَ الغافِلِينَ وساقُوهُم إلى مِثلِ هذه المُعامَلاتِ المُهِينةِ كي يُحَطِّمُوا شَخصِيَّتي أَمامَ أَنظارِ النَّاسِ، ويَصرِفُوا ما لا أَرغَبُه أَبدًا مِن تَوَجُّهِ النَّاسِ وإِقبالِهِم علَيَّ، ظَنًّا مِنهُم أنَّهُم يَتَمكَّنُونَ بذلك مِن إِقامةِ سَدٍّ مَنِيعٍ أَمامَ سَيلِ فُتُوحاتِ النُّورِ؛ فتِجاهَ تلك الإِهانةِ الصّادِرةِ مِن رَجُلٍ واحِدٍ، صَرَفَتِ العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ نَظَرِي إلى هَؤُلاءِ &#8220;المِئةِ&#8221; إِكرامًا مِنها لِلخِدمةِ الإِيمانيّةِ الَّتي تُقَدِّمُها &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; وطُلّابُها قائِلةً: &#8220;انظُرْ إلى هَؤُلاءِ، فقد أَتَوْا لِلتَّرحِيبِ بكُم لِخِدمَتِكُم تلك، بقُلُوبٍ مَلْأَى بالرَّأفةِ والشَّفَقةِ والإِعجابِ والِارتِباطِ الوَثِيقِ&#8221;.</p>
<p>بل حتَّى في اليَومِ الثَّاني عِندَما كُنتُ أُجِيبُ على أَسئِلةِ قاضِي التَّحقِيقِ؛ احتَشَد أَلفٌ مِنَ النّاسِ في السّاحةِ المُقابِلةِ لِنَوافِذِ المَقَرِّ.. فكانَ يُشاهَدُ مِن أَحوالِهِم أَنَّهُم يُعبِّرُونَ بِلِسانِ الحالِ قائِلِينَ: &#8220;لا تُضايِقُوا هَؤُلاءِ&#8221;، ولِشِدَّةِ ارتِباطِهِم بِنا، عَجَزَتِ الشُّرطةُ عن أن تُفرِّقَهم، وعِندَ ذلك وَرَد إلى القَلبِ:</p>
<p>&#8220;إنَّ هَؤُلاءِ النَّاسَ في هذا الوَقتِ العَصِيبِ، يَنشُدُونَ سُلْوانًا كامِلًا، ونُورًا لا يَنطَفِئُ، وإِيمانًا راسِخًا، وبِشارةً صادِقةً بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ، بل يَبحَثُون عَنْها بفِطْرَتِهِم، وقد طَرَق سَمْعَهُم أنَّ ما يَبحَثُونَ عنه مَوجُودٌ فِعلًا في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، لِذا يُبدُونَ هذا الِاحتِرامَ والتَّقدِيرَ لِشَخصِي -الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له- بما يَفُوقُ حَدِّي، مِن مَوقِعِ كَوْنِي خادِمًا لِلإِيمانِ، وعَسَى أن أَكُونَ قد قُمتُ بشَيءٍ مِنَ الخِدمةِ له&#8221;.</p>
<p><strong>الحَقِيقةُ الثَّانيةُ</strong>: لقد وَرَد إلى القَلبِ: أنَّه حِيالَ إِهانَتِنا والِاستِخفافِ بِنا بحُجّةِ إِخلالِنا بالأَمنِ العامِّ، وإِزاءَ صَرفِ إِقبالِ النّاسِ عَنّا بالمُعامَلاتِ الدَّنِيئةِ الَّتي يَقُومُ بها أَشخاصٌ مَعدُودُونَ مِنَ المُغَرَّرِ بهم.. فإنَّ هُنالِك التَّرحِيبَ الحارَّ والتَّقدِيرَ اللّائِقَ لنا مِن قِبَلِ أَهلِ الحَقِيقةِ وأَبناءِ الجِيلِ القادِمِ..</p>
<p>نعم، في الوَقتِ الَّذي تَنشَطُ فيه الفَوضَى والإِرهابُ المُتَستِّرُ بسِتارِ الشُّيُوعِيّةِ لِلإِخلالِ بالأَمنِ العامِّ، فإنَّ طُلّابَ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; يُوقِفُونَ ذلك الإِفسادَ المُرعِبَ في جَمِيعِ أَرجاءِ البِلادِ ويَكسِرُونَ شَوْكَتَه بقُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ويَسعَوْنَ حَثِيثًا لِإِحلالِ الأَمنِ والنِّظامِ مَكانَ الخَوفِ والفَوضَى؛ فلم تَظهَر في العِشرِينَ سَنةً السّابِقةِ أيّةُ حادِثةٍ كانَت حَولَ إِخلالِهِم بالأَمنِ، رَغمَ كَثْرةِ طُلّابِ النُّورِ وانتِشارِهِم في جَمِيعِ أَنحاءِ البِلادِ، فلم يَجِد ولم يُسَجِّل علَيْهِم أَحَدٌ مِنَ الضُّبّاطِ المَسؤُولِينَ حَدَثًا، في عَشرِ وِلاياتٍ وعَبرَ حَوالَيْ أَربَعِ مَحاكِمَ ذاتِ عَلاقةٍ، بل لقد قال ضُبّاطٌ مُنصِفُونَ لِثَلاثِ وِلاياتٍ: &#8220;إنَّ طُلّابَ النُّورِ ضُبّاطٌ مَعنَوِيُّونَ لِلأَمنِ في البِلادِ، إنَّهُم يُساعِدُونَنا في الحِفاظِ على الأَمنِ والنِّظامِ لِمَا يَجعَلُونَ في فِكرِ كُلِّ مَن يَقرَأُ &#8220;رَسائِلَ النُّورِ&#8221; بالإِيمانِ التَّحقِيقيِّ حارِسًا ورَقِيبًا علَيْه، فيَسعَوْنَ بذَلِك لِلحِفاظِ على الأَمنِ العامِّ&#8221;.</p>
<p>وسِجنُ &#8220;دَنِيزْلي&#8221; مِثالٌ واضِحٌ ونَمُوذجٌ جَيِّدٌ لِهذا الكَلامِ، فما إِن دَخَل طُلّابُ النُّورِ ورِسالةُ &#8220;الثَّمَرةِ&#8221; الَّتي كُتِبَت لِلمَسجُونِينَ حتَّى تابَ أَكثَرُ مِن مِئتَيْ سَجِينٍ وتَحَلَّوْا بالطّاعةِ والصَّلاحِ، وذلك في غُضُونِ ثَلاثةِ أَشهُرٍ أو تَزِيدُ.. حتَّى إنَّ قاتِلًا لِأَكثَرَ مِن ثَلاثةِ أَشخاصٍ كانَ يَتَحاشَى أن يَقتُلَ بَقّةَ الفِراشِ، فلم يَعُد عُضْوًا غَيرَ ضارٍّ فحَسْبُ، بل أَصبَحَ نافِعًا رَحِيمًا بالبِلادِ والعِبادِ.</p>
<p>فكانَ المُوَظَّفُونَ المَسؤُولُونَ يَنظُرُونَ إلى هذا الوَضعِ بحَيرةٍ وإِعجابٍ، حتَّى صَرَّحَ بَعضُ الشَّبابِ قَبلَ أن يَستَلِمُوا قَرارَ المَحكَمةِ: &#8220;إذا لَبِثَ طُلَّابُ النُّورِ في السِّجنِ فسنَحكُمُ على أَنفُسِنا ونُدِينُها لِنَظَلَّ مَعَهُم ونَتَتلْمَذَ علَيْهِم ونُصلِحَ أَنفُسَنا بإِرشاداتِهِم لِنَكُونَ أَمثالَهُم&#8221;، فالَّذِينَ يَتَّهِمُونَ طُلّابَ النُّورِ الَّذِينَ لَهُم هذه الخَصائِصُ والخِصالُ بإِخلالِ الأَمنِ لا مَحالةَ قدِ انخَدَعُوا بشَكلٍ مُفجِعٍ، أو خُدِعُوا، أو أنَّهُم يَستَغفِلُونَ أَركانَ الحُكُومةِ في سَبِيلِ الفَوضَى والإِرهابِ -مِن حَيثُ يَعلَمُونَ أو لا يَعلَمُونَ- لِذا يَسعَوْنَ لِإِبادَتِنا وإِقحامِنا في العَذابِ.</p>
<p>فنَحنُ نَقُولُ لِهَؤُلاءِ: &#8220;ما دامَ المَوتُ لا يُقتَلُ والقَبْرُ لا يُغلَقُ بابُه، وقَوافِلُ البَشَرِيّةِ في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا تَغِيبُ وتَتَوارَى فِيما وَراءَ التُّرابِ بسُرعةٍ مُذهِلةٍ.. فلا مَناصَ أنَّنا سنَفتَرِقُ في أَقرَبِ وَقتٍ، وستَرَوْنَ جَزاءَ ظُلمِكُم جَزاءً رَهِيبًا، وفي الأَقلِّ ستَذُوقُونَ المَوتَ الَّذي هو رُخصةٌ مِنَ الحَياةِ عِندَ أَهلِ الإِيمانِ المَظلُومِينَ، ستَذُوقُونَه إِعدامًا أَبدِيًّا لَكُم، فالأَذْواقُ الفانِيةُ الَّتي تَكسِبُونَها بتَوَهُّمِكُمُ الخُلُودَ في الدُّنيا ستَنقَلِبُ إلى آلامٍ باقِيةٍ مُؤلِمةٍ دائِمةٍ..</p>
<p>إنَّ حَقِيقةَ الإِسلامِ الَّتي ظَفِرَت بها هذه الأُمّةُ المُتَديِّنةُ وحافَظَت علَيْها بدِماءِ مِئاتِ المَلايِينِ مِن شُهَدائِها الَّذِينَ هم بمَرتَبةِ الأَوْلِياءِ وسُيُوفِ أَبطالِها المُجاهِدِينَ، يُطلِقُ علَيْها اليَومَ -معَ الأَسَفِ- أَعداؤُنا المُنافِقُونَ المُتَستِّـرُونَ اسمَ &#8220;الطَّرِيقةِ الصُّوفيّةِ&#8221; أَحيانًا، ويُظهِرُونَ الطَّرِيقةَ الصُّوفيّةَ الَّتي هي شُعاعٌ واحِدٌ مِن أَشِعّةِ تلك الشَّمسِ المُنِيرةِ أنَّها الشَّمسُ نَفسُها لِيُمَوِّهُوا على بَعضِ المُوَظَّفِينَ السَّطحِيِّينَ، مُطلِقِينَ على طُلّابِ النُّورِ الَّذِينَ يَسعَوْنَ بجِدٍّ ونَشاطٍ لِإبرازِ حَقِيقةِ القُرآنِ وحَقائقِ الإِيمانِ اسمَ &#8220;أَهلِ الطَّرِيقةِ الصُّوفيّةِ&#8221; أو &#8220;جَمعِيّةٍ سِياسِيّةٍ&#8221;، ولا يَبغُونَ مِن وَرائِها إلّا التَّشوِيهَ والتَّحرِيضَ علَيْنا.. فنَحنُ نَقُولُ لِهَؤُلاءِ ولِكُلِّ مَن يُصغِي إلَيْهِم قَولَتَنا الَّتي قُلناها أَمامَ مَحكَمةِ &#8220;دَنِيزْلي&#8221; العادِلةِ:</p>
<p>&#8220;إنَّ الحَقِيقةَ المُقدَّسةَ الَّتي افتَدَتْها مَلايِينُ الرُّؤُوسِ فِداءٌ لها رَأسُنا أَيضًا، فلو أَشعَلتُمُ الدُّنيا على رُؤُوسِنا نارًا فلن تَرضَخَ تلك الرُّؤُوسُ الَّتي افتَدَتِ الحَقِيقةَ القُرآنيَّةَ، ولن تُسَلِّمَ القِيادةَ لِلزَّندَقةِ، ولن تَتَخلَّى عن مُهِمَّتِها المُقدَّسةِ بإِذنِ اللهِ&#8221;.‌</p>
<h4 style="text-align: center;">[راضٍ بشيخوختي]</h4>
<p>وهكَذا، فلا أَستَبدِلُ بسَنةٍ واحِدةٍ مِن شَيخُوخَتِي الَّتي أَنشَأَت حَوادِثُها اليَأسَ والأَعباءَ الثَّقِيلةَ، والَّتي أَسعَفَها السُّلْوانُ النَّزِيهُ النّابِعُ مِنَ الإِيمانِ والقُرآنِ -معَ ما فيها مِن مُعاناةٍ وضِيقٍ- عَشرَ سَنَواتٍ بَهِيجةٍ سارّةٍ مِن حَياةِ شَبابِي، وبالأَخَصِّ إذا كانَت كلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِ التّائِبِ المُقِيمِ لِفَرائِضِه في السِّجنِ بحُكْمِ عَشْرِ ساعاتٍ له مِنَ العِبادةِ، وأنَّ كُلَّ يَومٍ يَمُرُّ بالمَرِيضِ وهُو مَظلُومٌ يَجعَلُ صاحِبَه يَفُوزُ بثَوابِ عَشَرةِ أَيّامٍ خالِدةٍ، فكَم يكُونُ مِثلُ هذه الحَياةِ مَبعَثَ شُكرٍ وامتِنانٍ للهِ لِمِثلِي الَّذي يَتَرقَّبُ دَوْرَه وهُو على شَفِيرِ القَبْرِ!</p>
<p>نعم، هذا ما فَهِمتُه مِن ذلك التَّنبِيهِ المَعنَوِيِّ، فقُلتُ: شُكرًا للهِ بلا نِهايةٍ.. وفَرِحتُ بشَيخُوخَتِي ورَضِيتُ بالسِّجنِ؛ حَيثُ إنَّ العُمُرَ لا يَتَوقَّفُ بل يَمضِي مُسرِعًا، فإنْ مَضَى باللَّذّةِ والفَرَحِ فإنَّه يُورِثُ الحُزنَ والأَسَى، لِأنَّ زَوالَ اللَّذّةِ يُورِثُ الأَلَمَ، وإن مَضَى مُشبَعًا بالغَفْلةِ خاوِيًا مِنَ الشُّكرِ فإنَّه يَتْرُكُ بَعضَ الآثامِ ويَفنَى هو ويَمضِي؛ ولكِن إذا مَضَى العُمُرُ بالعَناءِ والسِّجنِ، فلِكَونِ زَوالِ الأَلَمِ يُورِثُ لَذّةً مَعنَوِيّةً، وأنَّ مِثلَ هذا العُمُرِ يُعَدُّ نَوعًا مِنَ العِبادةِ، لِذا يَظَلُّ باقِيًا مِن جِهةٍ، فيَجعَلُ صاحِبَه يَفُوزُ بعُمُرٍ خالِدٍ بثَمَراتٍ خالِدةٍ خَيِّرةٍ، ومِن جِهةٍ أُخرَى يكُونُ كَفّارةً لِلذُّنُوبِ السّابِقةِ وتَزكِيةً لِلأَخطاءِ الَّتي سَبَّبَتِ السِّجنَ.. فمِن زاوِيةِ النَّظَرِ هذه على المَسجُونِينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ أن يَشكُرُوا الله تَعالَى ضِمنَ الصَّبْرِ.</p>
<h3>[الرجاء السادس عشر: في المدرسة اليوسفية]</h3>
<p><strong>الرَّجاءُ السَّادسَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>عِندَما ساقُونِي مَنفِيًّا إلى &#8220;قَسطَمُونِي&#8221; بَعدَ أن أَكمَلتُ سَنةَ حُكْمِي في سِجنِ &#8220;أَسكِي شَهِر&#8221; وأنا الشَّيخُ الهَرِمُ، مَكَثتُ مَوقُوفًا هُناك في مَركَزِ الشُّرطةِ حَوالَيْ ثَلاثةِ أَشهُرٍ؛ ولا يَخفَى علَيكُم مَدَى الأَذَى الَّذي يَلحَقُ بمِثلِي في مِثلِ هذه الأَماكِنِ، وقدِ انعَزَل عنِ النّاسِ، ولا يَتَحمَّلُ البَقاءَ حتَّى معَ أَصدِقائِه الأَوفِياءِ، ولا يُطِيقُ أن يُبَدِّلَ زِيَّه الَّذي اعتادَ علَيْه.. فبَينَما كانَ اليَأسُ يُحِيطُ بي مِن كلِّ جانِبٍ، إذا بالعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ تُغِيثُ شَيخُوخَتِي، إذ أَصبَحَ أَفرادُ الشُّرطةِ المَسؤُولُونَ في ذلك المَخفَرِ بمَثابةِ أَصدِقاءَ أَوْفِياءَ، حتَّى كانُوا يُخرِجُونَنِي مَتَى شِئتُ لِلِاستِجمامِ والتَّجوالِ في سِياحةٍ حَولَ المَدِينةِ، وقامُوا بخِدمَتِي كأَيِّ خادِمٍ خاصٍّ، فَضْلًا عن أنَّهُم لم يُصِرُّوا علَيَّ بلُبسِ القُبَّعةِ مُطلَقًا.</p>
<p>ثمَّ انتَقَلتُ إلى المَدرَسةِ النُّورِيّةِ الَّتي كانَت مُقابِلَ ذلك المَخفَرِ في &#8220;قَسطَمُونِي&#8221; وبَدَأتُ بتَألِيفِ الرَّسائِلِ، وبَدَأَ كلٌّ مِن &#8220;فَيضِي وأَمِين وحِلْمِي وصادِق ونَظِيف وصَلاحِ الدِّينِ&#8221; وأَمثالِهِم مِن أَبطالِ النُّورِ يُداوِمُونَ في تلك المَدرَسةِ لِأَجلِ نَشرِ الرَّسائِلِ وتَكثِيرِها، وأَبدَوْا في مُذاكَراتِهِمُ العِلمِيّةِ القَيِّمةِ الَّتي أَمضَوْها هُناك جَدارةً تَفُوقُ ما كُنتُ قَضَيتُه أَيّامَ شَبابِي معَ طُلّابِي السَّابِقِينَ.</p>
<p>ثمَّ بَدَأ أَعداؤُنا المُتَستِّرُونَ يُحَرِّضُونَ علَيْنا بَعضًا مِنَ المَسؤُولِينَ وبَعضًا مِمَّن يَعتَدُّونَ بأَنفُسِهِم والمَغرُورِينَ مِنَ العُلَماءِ ومَشايِخِ الصُّوفيّةِ، فأَصبَحُوا الوَسِيلةَ في جَمْعِنا في المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ &#8220;سِجنِ دَنِيزْلي&#8221; معَ طُلّابِ النُّورِ القادِمِينَ مِن عِدّةِ وِلاياتٍ.</p>
<p>هذا، وإنَّ تَفاصِيلَ هذا الرَّجاءِ السَّادِسَ عَشَرَ هي في تلك الرَّسائِلِ الَّتي أَرسَلتُها سِرًّا مِن &#8220;قَسطَمُونِي&#8221; والَّتي ضُمَّت في كِتابِ &#8220;مُلحَق قَسطَمُونِي&#8221;، وفي الرَّسائِلِ المُقتَضَبةِ السِّرِّيّةِ الَّتي كُنتُ قد أَرسَلتُها إلى إِخوانِي مِن سِجنِ &#8220;دَنِيزْلي&#8221;، ويَرِدُ تَفاصِيلُها أَيضًا في &#8220;الدِّفاعِ&#8221; المَرفُوعِ أَمامَ مَحكَمةِ &#8220;دَنِيزْلي&#8221;.. فحَقِيقةُ هذا الرَّجاءِ تَظهَرُ بوُضُوحٍ في ذلك، نُحِيلُ إلى تلك التَّفاصِيلِ المَذكُورةِ في &#8220;المُلحَقِ&#8221; و&#8221;الدِّفاعِ&#8221;، ونُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلَيْها:</p>
<p>لقد خَبَّأتُ بَعضَ الرَّسائِلِ الخاصّةِ والمَجمُوعاتِ المُهِمّةِ ولا سِيَّما الَّتي تَتَحَدَّثُ عن دَجّالِ المُسلِمِينَ (السُّفيانِيِّ)، وعن كَراماتِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، خَبَّأتُها تَحتَ أَكوامٍ مِنَ الحَطَبِ والفَحْمِ لِأَجلِ أن تُنشَرَ بَعدَ وَفاتِي، أو بَعدَ أن تُصغِيَ آذانُ الرُّؤَساءِ وتَعِيَ رُؤُوسُهُمُ الحَقِيقةَ ويَرجِعُوا إلى صَوابِهِم.. كُنتُ مُطمَئِنَّ البالِ مِن هذا العَمَلِ، ولكِن فَجْأةً داهَمَ مُوَظَّفُو التَّحَرِّياتِ ومُعاوِنُ المُدَّعِي العامِّ البَيتَ، وأَخرَجُوا تلك الرَّسائِلَ المُهِمّةَ المَخبُوءةَ مِن تَحتِ أَكوامِ الفَحْمِ والحَطَبِ، وتَمَّ تَوقِيفِي وإِحالَتِي إلى سِجنِ &#8220;إِسبارْطةَ&#8221;، وأنا أُعانِي مِنِ اعتِلالِ صِحَّتِي ما أُعانِي.</p>
<p>وبَينَما كُنتُ مُتَألِّمًا بالِغَ الأَلَمِ ومُستَغرِقًا في التَّفكِيرِ حَولَ ما أَصابَ &#8220;رَسائِلَ النُّورِ&#8221; مِن أَضرارٍ، إذا بالعِنايةِ الرَّبّانيّةِ تَأتِي لِإِغاثَتِنا جَمِيعًا، حَيثُ بَدَأ المَسؤُولُونَ الَّذِينَ هُم في أَمَسِّ الحاجةِ إلى قِراءةِ تلك الرَّسائِلِ المَخبُوءةِ القَيِّمةِ، بَدَؤُوا بدِراسَتِها بكلِّ اهتِمامٍ ولَهْفةٍ، فتَحَوَّلَت تلك المَحافِلُ الرَّسمِيّةُ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، إذِ انقَلَبَ النَّقدُ والجَرحُ عِندَهُم إلى نَظْرةِ الإِعجابِ والتَّقدِيرِ.. حتَّى إنَّه في &#8220;دَنِيزْلي&#8221; قَرَأ الكَثِيرُونَ سَواءٌ مِنَ المَسؤُولِينَ أو غَيرِهِم -دُونَ عِلمِنا- رِسالةَ &#8220;الآيةُ الكُبْرَى&#8221; المَطبُوعةَ بسِرِّيّةٍ تامّةٍ، فازْدادُوا إِيمانًا وأَصبَحُوا سَبَبًا لِجَعلِ مُصِيبَتِنا كأَنْ لم تكُنْ.</p>
<p>ثمَّ ساقُونا إلى سِجنِ &#8220;دَنِيزْلي&#8221; وزَجُّونِي في رُدْهةٍ كَبِيرةٍ ذاتِ عُفُونةٍ ورُطُوبةٍ شَدِيدَتَينِ فَوقَ ما فيها مِن بَردٍ شَدِيدٍ، فاعتَرانِي حُزنٌ وأَلَمٌ شَدِيدانِ مِن جَرَّاءِ ابتِلاءِ أَصدِقائِي الأَبرِياءِ بسَبَبِي، فَضْلًا عنِ الحُزنِ النَّابِعِ مِمّا أَصابَ انتِشارَ &#8220;النُّورِ&#8221; مِن عُطْلٍ ومُصادَرةٍ معَ ما كُنتُ أُعانِيه مِنَ الشَّيبِ والمَرَضِ.. كلُّ ذلك جَعَلَنِي أَتَقلَّبُ مُضطَرِبًا في ضَجَرٍ وسَأَم.. حتَّى أَغاثَتْنِي العِنايةُ الرَّبّانيّةُ فحَوَّلَت ذلك السِّجنَ الرَّهِيبَ إلى مَدرَسةٍ نُورِيّةٍ؛ فحَقًّا إنَّ السِّجنَ مَدرَسةٌ يُوسُفِيّةٌ! وبَدَأَت &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; بالِانتِشارِ والتَّوَسُّعِ حَيثُ بَدَأ أَبطالُ &#8220;مَدرَسةِ الزَّهراءِ&#8221; بكِتابةِ تلك الرَّسائِلِ بأَقلامِهِمُ الأَلْماسِيّةِ، حتَّى إنَّ بَطَلَ النُّورِ قدِ استَنسَخَ أَكثَرَ مِن عِشرِينَ نُسخةً مِن رِسالَتَيِ &#8220;الثَّمَرة&#8221; و&#8221;الدِّفاع&#8221; خِلالَ مُدّةٍ لم تَتَجاوَزْ أَربَعةَ أَشهُرٍ، معَ ضَراوةِ تلك الظُّرُوفِ المُحِيطةِ، فكانَت تلك النُّسَخُ سَبَبًا لِلفُتُوحاتِ في السِّجنِ وفي خارِجِه، فحَوَّلَ ضَرَرَنا في تلك المُصِيبةِ إلى مَنافِعَ، وبَدَّل ضَجَرَنا وحُزنَنا إلى أَفراحٍ، مُبدِيًا مَرّةً أُخرَى سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.</p>
<p>ثمَّ وُزِّعَ ضِدَّنا بَيانٌ شَدِيدُ اللَّهْجةِ بِناءً على التَّقرِيرِ السَّطْحِيِّ الخَطَأِ المُقَدَّمِ مِن قِبَلِ &#8220;الخُبَراءِ الأَوَّلينَ&#8221; وشَنَّ وَزِيرُ التَّربِيةِ هُجُومًا عَنِيفًا علَيْنا، مِمَّا حَدا بالبَعضِ أن يُطالِبَ بإِعدامِنا، بل قد سَعَوْا في الأَمرِ.</p>
<p>وفي هذا الوَقتِ العَصِيبِ بالذَّاتِ جاءَتْنا العِنايةُ الرَّبَّانيّةُ فأَسعَفَتْنا أَيضًا، إذ بَيْنا نَنتَظِرُ انتِقاداتٍ لاذِعةً عَنِيفةً مِن &#8220;خُبَراءِ أَنقَرةَ&#8221;، إذا بتَقارِيرِهِمُ المُتَضمِّنةِ لِلإِعجابِ والتَّقدِيرِ برَسائِلِ النُّورِ، وإذا بهم لم يَجِدُوا مِن مَجمُوعِ خَمْسةِ صَنادِيقَ مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; إلَّا بِضْعةَ أَخطاءٍ لا تَتَجاوَزُ العَشَرةَ؛ وقد وَضَّحْنا أَمامَ المَحْكَمةِ وأَثبَتْنا كَذلِك أنَّ هذه الأَخطاءَ الَّتي أَوْرَدُوها لَيسَت أَخطاءً، بلِ الحَقِيقةُ بعَينِها، وأنَّ الخُبَراءَ هم أَنفُسُهُم على خَطَأٍ فيما يَدَّعُونَ، وبَيَّنّا أنَّ في تَقرِيرِهِم المُتَكوِّنِ مِن خَمسِ أَوْراقٍ حَوالَيْ عَشَرةِ أَخطاءٍ.</p>
<p>وبَينَما كُنَّا نَنتَظِرُ التَّهدِيدَ والأَوامِرَ المُشَدَّدةَ مِنَ الدَّوائِرِ الرَّسمِيّةِ السَّبعِ الَّتي أُرْسِلَتْ إلَيْها رِسالَتا &#8220;الثَّمَرة&#8221; و&#8221;الدِّفاع&#8221; كما أُرسِلَت إلى دائِرةِ العَدلِ جَمِيعُ الرَّسائِلِ، ولا سِيَّما تلك الرَّسائِلُ الخاصّةُ المُتَضَمِّنةُ لِلصَّفَعاتِ الشَّدِيدِةِ والتَّعرُّضِ لِأَهلِ الضَّلالةِ.. أَجَل، بَينَما كُنّا نَنتَظِرُ التَّهدِيدَ العَنِيفَ مِنهُم، إذا بتَقارِيرِهِمُ تَبُثُّ السُّلوانَ وفي مُنتَهَى اللِّينِ والرِّقّةِ -الشَّبِيهةِ بتلك الرِّسالةِ الَّتي بَعَثَها رَئيسُ الوُزَراءِ إِلَيْنا- وكأَنَّهُم يُبدُونَ رَغبَتَهُم في المُصالَحةِ مَعَنا.</p>
<p>فأَثبَتَ كلُّ هذا إِثباتًا قاطِعًا أنَّ حَقائِقَ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; بفَضلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ وكَرامَتِها قد غلَبَتْهُم وانتَصَرَت علَيْهِم حتَّى جَعَلَتْهُم يَقرَؤُونَها ويَستَرشِدُونَ بها، وحَوَّلَت تلك الدَّوائِرَ الرَّسمِيّةَ الواسِعةَ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، وأَنقَذَت كَثِيرًا مِنَ الحَيارَى والمُتَردِّدِينَ وشَدَّت مِن إِيمانِهِم، مِمّا مَلَأَنا بَهْجةً وسُرُورًا هو أَضعافُ أَضعافِ ما كُنّا نُعانِيه مِن ضِيقٍ وضَجَرٍ.</p>
<p>ثمَّ دَسَّ الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ السُّمَّ في طَعامِي، ونُقِل بَطَلُ النُّورِ الشَّهِيدُ &#8220;الحافِظُ عَلِيٌّ&#8221; على إِثرِها إلى المُستَشفَى بَدَلًا عني، ومِن ثَمَّ ارْتَحَل إلى عالَمِ البَرزَخِ أَيضًا عِوَضًا عَنِّي، مِمّا جَعَلَنا نَحزَنُ كَثِيرًا ونَبكِي بُكاءً حارًّا علَيْه.</p>
<p>لقد قُلتُ يَوْمًا -قَبلَ نُزُولِ هذه المُصِيبةِ بنا- وأنا على جَبَلِ قَسطَمُونِي، بل صَرَختُ مِرارًا: &#8220;يا إِخوانِي، لا تُلقُوا اللَّحمَ أَمامَ الحِصانِ ولا العُشبَ أَمامَ الأَسَدِ&#8221; بمَعنَى: لا تُعطُوا أيًّا كانَ كلَّ رِسالةٍ حَذَرًا مِن أن يَتَعرَّضُوا لنا بسُوءٍ؛ وكأنَّ الأَخَ &#8220;الحافِظ عَلِيّ&#8221; قد سَمِعَ بهاتِفِه المَعنَوِيِّ كَلامِي هذا (وهُو على بُعدِ مَسِيرةِ سَبعةِ أَيَّامٍ)، فكَتَب إلَيَّ -في الوَقتِ نَفسِه- يقُولُ: &#8220;نَعَم يا أُستاذِي.. إنَّها مِن إِحدَى كَراماتِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; وخَصائِصِها، أنَّها لا تُعطِي اللَّحمَ الحِصانَ ولا العُشبَ الأَسَدَ، بل تُعطِي العُشبَ الحِصانَ واللَّحمَ الأَسَدَ!، حَيثُ أَعطَت ذلك العالِمَ الجَلِيلَ رِسالةَ الإِخلاصِ&#8221;، وبَعدَ سَبعةِ أيّامٍ تَسَلَّمْنا رِسالَتَه هذه، وبَدَأْنا بالعَدِّ والحِسابِ، فعَلِمْنا أنَّه قد كَتَب تلك العِبارةَ الغَرِيبةَ نَفسَها في الوَقتِ الَّذي كُنتُ أُرَدِّدُها مِن فَوقِ جَبَلِ &#8220;قَسطَمُونِي&#8221;.</p>
<p>فوَفاةُ بَطَلٍ مَعنَوِيٍّ مِثلِ هذا البَطَلِ مِن أَبطالِ النُّورِ، والمُنافِقُونَ يَسعَوْنَ لِإدانَتِنا وإِنزالِ العُقُوبةِ بِنا، عَلاوةً على قَلَقِي المُستَمِرِّ مِن أَن يَأْخُذُوني بأَمرٍ رَسمِيٍّ إلى المُستَشفَى لِمَرَضِي النّاشِئِ مِنَ التَّسمِيمِ في هذا الوَقتِ وجَمِيعُ هذه المُضايَقاتِ تُحِيطُ بنا، إذا بالعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ تَأتِي لِإمدادِنا؛ فلَقَد أَزالَ الدُّعاءُ الخالِصُ المَرفُوعُ مِن قِبَلِ إِخوانِي الطَّيِّبِينَ خَطَرَ التَّسمِيمِ.. وهُنالِك أَماراتٌ قَوِيّةٌ جِدًّا تَدُلُّ على أنَّ ذلك البَطَلَ الشَّهِيدَ مُنهَمِكٌ في قَبْرِه برَسائِلِ النُّورِ، وأنَّه يُجِيبُ بها على أَسئِلةِ المَلائِكةِ، وأنَّ بَطَلَ &#8220;دَنِيزْلي&#8221; &#8220;حَسَن فَيضِي&#8221; (تَغَمَّدَه اللهُ برَحمَتِه) وأَصدِقاءَه الأَوفِياءَ سيَحُلُّونَ مَحَلَّه فيَقُومُونَ بمُهِمَّتِه في خِدمةِ النُّورِ سِرًّا.. وأنَّ أَعداءَنا قدِ انضَمُّوا إلى الرَّأيِ القائِلِ بضَرُورةِ إِخراجِنا مِنَ السِّجنِ خَوفًا مِن سَعَةِ انتِشارِ الرَّسائِلِ بَينَ المَساجِينِ وسُرعةِ استِجابَتِهِم لها لِيَحُولُوا بَينَنا وبَينَ السُّجَناءِ، وقد حَوَّل تَلامِيذُ النُّورِ تلك الخَلْوةَ المُزعِجةَ إلى ما يُشبِهُ كَهْفَ أصَحابِ الكَهفِ، أُولَئِك الفَتيةِ المُؤمِنِينَ، أو ما يُشبِهُ مَغاراتِ المُنزَوِينَ مِنَ الزُّهَّادِ، وسَعَوْا بكُلِّ اطْمِئْنانٍ وسَكِينةٍ في كِتابةِ الرَّسائِلِ ونَشرِها.. كلُّ ذلك أَثبَتَ أنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ كانَت تُمِدُّنا وتُغِيثُنا.</p>
<p>ولقد خَطَر لِلقَلبِ: ما دامَ الإِمامُ الأَعظَمُ &#8220;أَبُو حَنِيفةَ النُّعمانُ&#8221; وأَمثالُه مِنَ الأَئِمّةِ المُجتَهِدِينَ قد أُوذُوا بالسَّجنِ وتَحَمَّلُوا عَذابَه، وأنَّ الإِمامَ &#8220;أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ&#8221; وأَمثالَه مِنَ المُجاهِدِينَ العِظامِ قد عُذِّبُوا كَثِيرًا لِأَجلِ مَسأَلةٍ واحِدةٍ مِن مَسائِلِ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ وقد ثَبَت الجَمِيعُ أَمامَ تلك المِحَنِ القاسِيةِ وكانُوا في قِمّةِ الصَّبْرِ والجَلَدِ، فلم يُبدِ أَحَدُهُمُ الضَّجَرَ والشَّكْوَى، ولم يَتَراجَع عن مَسأَلَتِه الَّتي قالَها؛ وكذا عُلَماءُ عِظامٌ كَثِيرُونَ وأَئِمّةٌ عَدِيدُونَ لم يَتَزلزَلُوا قَطُّ أَمامَ الآلامِ والأَذَى الَّذي نَزَل بهم، بل صَبَرُوا شاكِرِينَ للهِ تَعالَى، معَ أنَّ البَلاءَ الَّذي نَزَل بهم كانَ أَشَدَّ مِمّا هو نازِلٌ بكُم، فلا بُدَّ أنَّ في أَعناقِكُم دَينَ الشُّكرِ للهِ تَبارَك وتَعالَى شُكرًا جَزِيلًا على ما تَتَحمَّلُونَه مِنَ العَذابِ القَلِيلِ والمَشَقّةِ اليَسِيرةِ النّازِلةِ بكُم في سَبِيلِ حَقائِقَ عَدِيدةٍ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ معَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والأَجرِ العَمِيمِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[عناية ربانية في طي الظلم البشري]</h4>
<p>وسأُبيِّنُ هنا باختِصارٍ إِحدَى تَجَلِّياتِ العِنايةِ الرَّبّانيّةِ مِن خِلالِ الظُّلمِ الَّذي يَقتَرِفُه البَشَرُ:</p>
<p>كُنتُ أُكرِّرُ وأَقُولُ في العِشرِينَ مِن عُمُرِي: سأَنزَوِي في أُخرَيَاتِ حَياتِي في مَغارةٍ، مُبتَعِدًا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ كما كان يَنزَوِي الزُّهّادُ في الجِبالِ، وكَذلِك قَرَّرتُ عِندَما كُنتُ أَسِيرًا في شَمالِ شَرقيِّ رُوسْيا في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى أن أَقضِيَ بَقِيّةَ أَيّامِ عُمُرِي في الكُهُوفِ والمَغاراتِ مُنسَلًّا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والسِّياسِيّةِ.. كَفانِي تَدَخُّلًا! فتَجَلَّتِ العِنايةُ الرَّبّانيّةُ وعَدالةُ القَدَرِ -رَحْمةً بشَيخُوخَتِي- وحَوَّلَتا تلك المَغاراتِ الَّتي كُنتُ أَتَصوَّرُها إلى ما هو خَيرٌ وأَفضَلُ مِنها، وبما يَفُوقُ كَثِيرًا رَغبَتِي وقَرارِي.. حَوَّلَتاها إلى سُجُونِ انزِواءٍ وانفِرادٍ، ومَنَحَتا لي &#8220;مَدارِسَ يُوسُفِيّةً&#8221; بَدَلًا عن تلك المَغاراتِ في الجِبالِ لِلمُنزَوِينَ وأَهلِ الرِّياضةِ الرُّوحِيّةِ، لِئَلّا تَضِيعَ أَوقاتُنا سُدًى، حَيثُ مَنَحَتْنا الفَوائِدَ الأُخرَوِيّةَ المَوجُودةَ في المَغاراتِ زِيادةً عَمّا فيها مِن أَداءِ مُهِمّةِ الجِهادِ لِأَجلِ حَقائِقِ الإِيمانِ والقُرآنِ.</p>
<p>حتَّى عَزَمتُ -بَعدَ الإِفراجِ عن إِخوانِي وتَبْرِئَتِهِم- أن أُظهِرَ شَيئًا يُدِينُنِي ويُبقِينِي في زِنزانةِ السِّجنِ معَ &#8220;خُسرَو وفَيضِي&#8221; وأَمثالِهِم مِنَ المُجاهِدِينَ المُخلِصِينَ المُتَفرِّغِينَ لِلخِدمةِ لِأَتَّخِذَها حُجّةً تُغنِينِي عنِ الِاختِلاطِ بالنّاسِ، ولِئَلّا أُضَيِّعَ شَيئًا مِن وَقتِي فيما لا يَعنِي مِنَ الأُمُورِ وبالتَّصَنُّعِ وحُبِّ الظُّهُورِ، حَيثُ البَقاءُ في رُدْهاتِ السِّجنِ أَفضَلُ، إلّا أنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ وما قَسَم اللهُ لنا مِن رِزقٍ قد ساقَنِي إلى مَحَلِّ انزِواءٍ آخَرَ، فحَسَبَ مَضمُونِ: &#8220;الخَيرُ فِيما اختارَه اللهُ&#8221;، وبسِرِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ورَحْمةً بشَيخُوخَتِي، ولِأَجلِ أن نَسعَى بشَوقٍ أَكثَرَ في الخِدمةِ الإِيمانيّةِ، فقد وُهِبَتْ لنا مُهِمّةٌ، وأُوكِلَت إلَيْنا وَظِيفةٌ، هي خارِجَ إِرادَتِنا وطَوْقِنا في هذه &#8220;المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ الثّالثةِ&#8221;. نعم، إنَّ في تَحوِيلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ مَغاراتِ عَهدِ الشَّبابِ القَوِيِّ، والَّذي لم يَكُن له أَعداءٌ شَرِسُونَ، إلى رُدْهاتِ السِّجنِ المُنفَرِدِ، ثَلاثَ حِكَمٍ وثَلاثَ فَوائِدَ مُهِمّةٍ لِخِدمةِ النُّورِ:</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاث حكم في خدمة النور]</h3>
<p><strong>الحِكْمةُ والفائِدةُ الأُولَى:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>اجتِماعُ طُلَّابِ النُّورِ في هذا الوَقتِ بدُونِ ضَرَرٍ مِنهُم أَحَدٌ إنَّما يكُونُ في &#8220;المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ&#8221;، حَيثُ إنَّ اللِّقاءَ فيما بَينَهُم في الخارِجِ قد يُثِيرُ الشُّبْهةَ ويَحتاجُ إلى مَصارِيفَ، إذ كانَ بَعضُهُم يُنفِقُ حَوالَيْ خَمسِينَ لَيرةً لِأَجلِ لِقائِي مُدّةً لا تَزِيدُ عن عِشرِينَ دَقِيقةً، أو كانَ يَرجِعُ دُونَ أن يَتَمكَّنَ مِن مُقابَلَتِي.. لِذا فأنا أَتَحمَّلُ ضِيقَ السِّجنِ بل أَتقبَّلُه مَسرُورًا لِأَجلِ اللِّقاءِ عن قُربٍ معَ بَعضِ إِخوَتِي الأَوفِياءِ، فالسِّجنُ بالنِّسبةِ لنا إِذًا نِعمةٌ ورَحْمةٌ.</p>
<p><strong>الحِكْمةُ والفائِدةُ الثَّانيةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّه لا بُدَّ مِنَ الإِعلانِ والتَّبلِيغِ في كلِّ جِهةٍ في وَقْتِنا هذا عن خِدْمةِ الإِيمانِ برَسائِلِ النُّورِ، ولَفْتِ أَنظارِ المُحتاجِينَ إلَيْها في كلِّ مَكانٍ؛ فدُخُولُنا السُّجُونَ يَلفِتُ الأَنظارَ إلى الرَّسائِلِ، فيكُونُ إِذًا بمَثابةِ إِعلانٍ عَنْها، فيَجِدُها أَعتَى المُعانِدِينَ والمُحتاجِينَ فتُكسَرُ بها شَوْكةُ عِنادِهِم ويُنقِذُونَ بها إِيمانَهُم، ويَنجُونَ مِنَ المَهالِكِ، وتَتَوسَّعُ دائِرةُ مَدارِسِ النُّورِ.</p>
<p><strong>الحِكْمةُ والفائِدةُ الثَّالثةُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ طُلَّابَ النُّورِ الَّذِينَ دَخَلُوا السِّجنَ يَتَعرَّفُ كلٌّ مِنهُم على أَحوالِ الآخَرِ، ويَتَعلَّمُ كلٌّ مِنهُم مِنَ الآخَرِ السَّجايا الحَمِيدةَ والإِخلاصَ والتَّضحِيةَ، فلا يُبالُونَ بَعدَئِذٍ بالمَنافِعِ الدُّنيَوِيّةِ في الخِدْمةِ النُّورِيّةِ.</p>
<p>نعم، إنَّهُم يُوَفَّقُونَ بالظَّفَرِ بالإِخلاصِ الكامِلِ لِمَا يَجِدُونَ ويَرَوْنَ مِن أَماراتٍ كَثِيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ كلَّ ضِيقٍ ومَشَقّةٍ في &#8220;المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ&#8221; لها عَشَرةُ أَضعافِها مِنَ الفَوائِدِ المَعنَوِيّةِ والمادِّيّةِ، ومِنَ النَّتائِجِ اللَّطِيفةِ، ومِنَ الخِدْماتِ الواسِعةِ الخالِصةِ لِلإِيمانِ، بل قد تَصِلُ إلى مِئةِ ضِعفٍ، وعِندَئِذٍ لا يَتَنازَلُونَ لِكَسبِ المَنافِعِ الخاصّةِ الجُزئيّةِ. وبالنِّسبةِ لي فإنَّ لِأَماكِنِ الِانزِواءِ والمُعتَكَفاتِ هذه لَطافةً حَزِينةً إلّا أنَّها لَذِيذةٌ وهِي كما يَأتِي:</p>
<p>إنِّي أَجِدُ هنا مِنَ الأَوْضاعِ والأَحوالِ ما كُنتُ أَجِدُه في أيّامِ شَبابِي في بَلدَتِي وفي مَدرَسَتِي القَدِيمةِ، حَيثُ كانَ طَعامُ قِسمٍ مِن طُلّابِ المَدارِسِ -حَسَبَ عادةِ الوِلاياتِ الشَّرقِيّةِ- يَأتِيهِم مِن خارِجِ المَدرَسةِ وقِسمٌ آخَرُ يَطبُخُونَه فِيما بَينَهُم في المَدرَسةِ، فكُلَّما نَظَرتُ هنا -معَ حالاتٍ أُخرَى مُشابِهةٍ- تَذَكَّرتُ تلك الحالةَ أيّامَ شَبابِي مِن خِلالِ حَسْرةٍ لَذِيذةٍ، فأَذهَبُ خَيالًا إلى تلك الأَيّامِ، وأَنسَى حالاتِ شَيخُوخَتِي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ذيل اللمعة السادسة والعشرين]</h2>
<p>ذيل اللمعة السادسة والعشرين‌</p>
<p>هو المَكتُوبُ الحادِي والعِشرُونَ، نُشِرَ ضِمنَ &#8220;المَكتُوباتِ&#8221;، ولم يُدرَج هنا.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أجل، إن مَدَى السُّهولة في إخبارِ &#8220;الأمر الثُّـبُوتي&#8221; ومَدَى الصُّعوبة والإشكال في &#8220;نَفْي وإنكار&#8221; ذلك، يَظهَر في المثال الآتي:<br /><br />
إذا قال أحدُهم: إن هناك -على سطح الأرض- حديقةً خارقةً جدًّا، ثِمارُها كعُلَبِ الحليبِ. وأنكر عليه الآخَرُ قولَه هذا قائلًا: لا، لا تُوجَد مثلُ هذه الحديقة. فالأولُ يستطيعُ بكلِّ سُهولة أن يُثبِت دعواه، بمُجرَّد إراءةِ مكانِ تلك الحديقة أو بعضِ ثِمارِها. أما الثاني (أي: المُنكِر) فعليه أن يَرَى ويُرِيَ جميعَ أنحاء الكُرةِ الأرضية لأجل أن يُثبِتَ نَفيَه، وهو عدمُ وُجود مثل هذه الحديقة..<br /><br />
وهكذا الأمر في الذين يُخبِرون عن الجنّةِ، فإنهم يُظهِرون مئاتِ الآلافِ من تَرَشُّحاتِها، ويُبيِّنُون ثِمارَها وآثارَها، علمًا أن شاهدَينِ صادِقَينِ منهم كافيان لإثبات دعواهم، بينما المُنكِرون لوُجُودِها، لا يَسَعُهم إثباتُ دعواهم إلَّا بعد مُشاهَدةِ الكون غيرِ المَحدُود، والزَّمَنِ غير المَحدُود، مع سَبْرِ غَوْرِهما بالبحثِ والتفتيشِ، وعند عدم رُؤيَتِهم لها، يُمكِنُهم إثباتُ دعواهم! فيا مَن بَلَغ به الكِبْرُ عِتِيًّا ويا أيُّها الإخوةُ.. اعلَموا ما أَعظَمَ قُوّةَ الإيمان بالآخرة وما أَشَدَّ رَصانَتَه!.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ورَدَت هذه الحالةُ الرُّوحِيّةُ على صُورةِ مُناجاةٍ إلى القَلبِ باللُّغةِ الفارِسيّةِ، فكَتَبتُها كما ورَدَت، ثمَّ طُبِعَت ضِمنَ رِسالةِ &#8220;حَباب&#8221; في أَنقَرة.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;تتمّة الحديث: &#8220;ولَولا البَهائمُ الرُّتَّعُ والصِّبيانُ الرُّضَّعُ.. إلخ&#8221; أو كما قال.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد أُثبِتَتْ هذه الحَقِيقةُ بصُورةٍ قاطِعةٍ كقَطعِيّةِ (اثنَينِ في اثنَينِ يُساوي أَربعًا) في سائرِ الرَّسائلِ، ولا سِيَّما &#8220;الكَلِمةِ العاشِرةِ&#8221; و&#8221;الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِين&#8221;.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وهكذا، فإنَّ الأخَ الصَّغيرَ لهذا الشَّابِّ &#8220;مُصطَفى&#8221; يُدعَى &#8220;عليّ الصغير&#8221; قد أَثبَت أنه &#8220;عبدُ الرحمَن&#8221; حقًّا، بكِتابتِه أكثرَ مِن سبعِ مِئةِ نُسخةٍ من رسائل النُّور بقَلَمِه الطّاهر، بل قد ربَّى عَدِيدًا من عِبادِ الرَّحمٰن.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، فقد أَظهَر هذا الشّابُّ أنه ليس أهلًا للقَبُول فحَسْبُ، بل هو أهلٌ للِاستقبالِ كذلك.<br /><br />
هذه حادثةٌ أَروِيها تصديقًا لحُكْم أُستاذي من أن مُصطَفى -وهو أوَّل تِلمِيذٍ لرسائل النُّور- أهلٌ للِاستقبال:<br /><br />
&#8220;كان الأُستاذُ يَرغَب في التجوُّل في اليوم السّابق ليومِ عَرَفة، فأَرسَلَني لأُهيِّئ له الفَرَس، قلتُ: لا تَنـزِل يا أُستاذي لِغَلْق البابِ فأنا سأُقفِلُه وسأَخرُج من الباب الخلفيّ، قال لي: بلِ اخرُج من الباب.. فنَزَل وأَغلَق البابَ بالمِزْلاجِ مِن وَرَائي، وصَعِد إلى غُرفتِه يَضطَجِع&#8230; وبعد ذلك قَدِم مُصطَفى من &#8220;قُولَه أُونو&#8221; بصُحبةِ الحاجّ عثمان. وكان الأُستاذُ لا يَقبَل يَومَها أحَدًا عنده بَلْهَ أن يَقبَل في ذلك الوَقتِ شَخصَينِ معًا! فلا مَحالةَ أنه يَرُدُّهما.. ولكنَّ مُصطَفى هذا المَذكُورَ في هذا البَحثَ مَا إن أَتَى إلى بَاب الأُستاذِ مع الحاجِّ عُثمانَ حتى كأنَّ الباب قد رَحَّب به بلِسانِ الحَال قائلًا: إن أُستاذَك لن يَقبَلَك، ولكنِّي سأَنفتِحُ لك. فانفَتَح له البابُ المُغلَق.<br /><br />
نعم، إنَّ ما قالَه الأُستاذُ حقٌّ حَولَ مُصطَفى مِن أنَّه يَستَحِقُّ الِاستقبالَ والقَبُولَ، مِثلَما أَظهَر المُستقبَلُ ذلك بوُضُوح فإن بَابَ بيتِه قد شَهِد على ذلك أيضًا.. خُسرَو<br /><br />
&#8220;نعم إن ما كَتَبه &#8220;خُسرَو&#8221; صِدقٌ، فأنا أُصدِّقه.. فبابُ البَيت الذي أَسكُنُه قد قَبِل مُصطَفى واستَقبَله بَدَلًا عنِّي&#8221;. سَعِيدٌ النُّورْسِيّ.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</strong>إنَّ حادثة المدرسة التي يَذكُرُها الرجاءُ الثالثَ عشَرَ قد حدَثَت قبل ثلاثَ عشْرةَ سنةً&#8230; إنه تَوافُقٌ لطيفٌ!!.<strong></div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مثل الزلازل والعواصف والطوفان والطاعون والحريق.</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</strong>كُتِب هذا الرَّجاءُ الخامسَ عشَرَ كي يكون مَصدَرَ تكمِلةِ &#8220;رسالةِ الشُّيوخ&#8221; وتأليفِها مِن قِبَل أَحَدِ طلّاب النُّور، حيث إنَّ مُدّة تأليفِ &#8220;رسائل النور&#8221; قدِ انتَهَت قبلَ ثلاثِ سنَواتٍ.<strong></div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%ae/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2513</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الخامسة والعشرون: رسالة المرضى</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%b6%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25b3%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25b6%25d9%2589</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%b6%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Apr 2025 14:54:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2510</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة رسالةٌ إلى كل مريض ومبتلى، تتضمن خمسةً وعشرين دواءً معنويًّا يخفف وطأة المرض، ويبدل الألم سلوانًا ولذةً معنوية] [اللمعة الخامسة والعشرون: رسالة المرضى]   اللمعة الخامسة والعشرون‌ وهي خمسة وعشرون دواءً‌ هي عِيادةٌ للمريض، وبَلسَمٌ للمَرضَى، ومَرهَمُ تسليةٍ ووَصفةٌ معنويّة لهم، وقد كُتِبت بمثابة القَولِ المَأثُور: &#8220;ذَهَب البَأْسُ، وحَمْدًا لله على السَّلامة&#8221;.‌ [تنبيه &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة رسالةٌ إلى كل مريض ومبتلى، تتضمن خمسةً وعشرين دواءً معنويًّا يخفف وطأة المرض، ويبدل الألم سلوانًا ولذةً معنوية]</strong></p>
<figure id="attachment_2511" aria-describedby="caption-attachment-2511" style="width: 474px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2511" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2e51b4eb3a8d049806d6c082233aaa1a.jpg" alt="فإذا انعَدَم المَرَضُ وَقَع الإِنسانُ في الغَفْلةِ نَتِيجةَ الصِّحّةِ والعافِيةِ، وبَدَتِ الدُّنيا في عَينَيه حُلوةً خَضِرةً لَذِيذةً، فيُصِيبُه عِندَئِذٍ مَرَضُ نِسيانِ الآخِرةِ، فيَرغَبُ عن ذِكرِ المَوتِ والقَبْرِ، ويُهدِرُ رَأسَ مالِ عُمُرِه الثَّمِينَ هَباءً مَنثُورًا.. في حِينِ أنَّ المَرَضَ سَرْعانَ ما يُوقِظُه مُفتِّحًا عَينَيه، قائِلًا له: &quot;أَنتَ لَستَ خالِدًا ولَستَ سائِبًا، بل أَنتَ مُسَخَّرٌ لِوَظِيفةٍ، دَعْ عنك الغُرُورَ، اُذكُرْ خالِقَك.. واعْلَمْ أَنَّك ماضٍ إلى القَبْرِ، وهَيِّئْ نَفسَك وجَهِّزْها." width="474" height="439" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2e51b4eb3a8d049806d6c082233aaa1a.jpg 474w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/04/2e51b4eb3a8d049806d6c082233aaa1a-300x278.jpg 300w" sizes="(max-width: 474px) 100vw, 474px" /><figcaption id="caption-attachment-2511" class="wp-caption-text">فإذا انعَدَم المَرَضُ وَقَع الإِنسانُ في الغَفْلةِ نَتِيجةَ الصِّحّةِ والعافِيةِ، وبَدَتِ الدُّنيا في عَينَيه حُلوةً خَضِرةً لَذِيذةً، فيُصِيبُه عِندَئِذٍ مَرَضُ نِسيانِ الآخِرةِ، فيَرغَبُ عن ذِكرِ المَوتِ والقَبْرِ، ويُهدِرُ رَأسَ مالِ عُمُرِه الثَّمِينَ هَباءً مَنثُورًا.. في حِينِ أنَّ المَرَضَ سَرْعانَ ما يُوقِظُه مُفتِّحًا عَينَيه، قائِلًا له: &#8220;أَنتَ لَستَ خالِدًا ولَستَ سائِبًا، بل أَنتَ مُسَخَّرٌ لِوَظِيفةٍ، دَعْ عنك الغُرُورَ، اُذكُرْ خالِقَك.. واعْلَمْ أَنَّك ماضٍ إلى القَبْرِ، وهَيِّئْ نَفسَك وجَهِّزْها.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الخامسة والعشرون: رسالة المرضى]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الخامسة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وهي خمسة وعشرون دواءً</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هي عِيادةٌ للمريض، وبَلسَمٌ للمَرضَى، ومَرهَمُ تسليةٍ ووَصفةٌ معنويّة لهم، وقد كُتِبت بمثابة القَولِ المَأثُور: &#8220;ذَهَب البَأْسُ، وحَمْدًا لله على السَّلامة&#8221;.‌</p>
<h2 style="text-align: center;">[تنبيه واعتذار]</h2>
<p><strong>تنبيهٌ واعتِذارٌ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>تمَّ تَألِيفُ هذه الوَصْفةِ المَعنَوِيّةِ بسُرعةٍ تَفُوقُ جَمِيعَ ما كَتَبْناه<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>،</p>
<p>ولِضِيقِ الوَقتِ كان تَصحِيحُها وتَدقِيقُها -بخِلافِ الجَمِيعِ- بنَظْرةٍ خاطِفةٍ في غايةِ السُّرعةِ كتَأْلِيفِها، فظَلَّت مُشَوَّشةً كالمُسَوَّدةِ الأُولَى، ولم نَرَ حاجةً لِلقِيامِ بتَدقِيقاتٍ جَدِيدةٍ، <strong>حَيثُ إنَّ الخَواطِرَ الَّتي تَرِدُ القَلبَ فِطْريًّا لا يَنبَغِي إِفسادُها بزُخرُفِ القَولِ والتَّفنُّنِ والتَّدقِيقِ</strong>، فالرَّجاءُ مِنَ القُرّاءِ -وبخاصّةٍ المَرضَى مِنهُم- ألّا يَضجَرُوا مِنَ العِباراتِ غَيرِ المَأْنُوسةِ والجُمَلِ الصَّعبةِ، وأن يَدْعُوا لي بظَهرِ الغَيبِ.</p>
<p style="text-align: left;">سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[خمسة وعشرون دواء لأهل البلاء والمرضى]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ *وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾</strong></p>
<p>في هذه اللَّمْعةِ نُبيِّنُ خَمْسةً وعِشرِينَ دَواءً بَيانًا مُجمَلًا، تلك الأَدوِيةَ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ تَسلِيةً حَقِيقيّةً وعِلاجًا نافِعًا لِأَهلِ البَلاءِ والمَصائِبِ ولِلمَرضَى العَلِيلِينَ الَّذِينَ هُم عُشرُ أَقسامِ البَشَرِيّةِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الأول: المرض نوع من الدواء]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الأوَّل</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ العاجِزُ، لا تَقلَق، اِصبِرْ.. فإنَّ مَرَضَك ليس عِلّةً لك، بل هو نَوعٌ مِنَ الدَّواءِ، ذلك لِأنَّ العُمُرَ رَأسُ مالٍ يَتَلاشَى، فإن لم يُستَثمَر فسيَضِيعُ كلُّ شَيءٍ، وبخاصّةٍ إذا انقَضَى بالرّاحةِ والغَفْلةِ فيَحُثُّ الخُطا إلى نِهايَتِه، أَمّا <strong>المَرَضُ فيُكسِبُ رَأسَ مالِك المَذكُورَ أَرباحًا طائِلةً، ولا يَسمَحُ بمُضِيِّه سَرِيعًا</strong>، فهُو يُبطِئُ خُطُواتِ العُمُرِ، ويُمسِكُه، ويُطَوِّلُه، حتَّى يُؤتِيَ ثِمارَه، ثمَّ يَغدُو إلى شَأْنِه.. وقد ذَهَب طُولُ العُمُرِ بالأَمراضِ مَثلًا، فقِيلَ: ألا ما أَطْولَ زَمَنَ النَّوائِبِ، وما أَقصَرَ زَمَنَ الهَناءِ!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثاني: المرض يجعل وقتك عبادة]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّاني</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الجَزِعُ، تَجَمَّلْ بالصَّبْرِ، بل تَجَمَّلْ بالشُّكرِ، فإنَّ مَرَضَك هذا يُمكِنُه أن يَجعَلَ مِن دَقائِقِ عُمُرِك في حُكْمِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ، ذلك لِأنَّ <strong>العِبادةَ قِسمانِ</strong>:</p>
<p><strong>الأُولَى</strong>: العِبادةُ الإِيجابِيّةُ المُتَجَسِّدةُ في إِقامةِ الصَّلاةِ والدُّعاءِ وأَمثالِها.</p>
<p><strong>الثّانيةُ</strong>: العِبادةُ السَّلبِيّةُ الَّتي يَتَضرَّعُ فيها المُصابُ مُلتَجِئًا إلى خالِقِه الرَّحِيمِ، مُستَجِيرًا به مُتَوسِّلًا إلَيْه، مُنطَلِقًا مِن أَحاسِيسِه الَّتي تُشعِرُه بعَجْزِه وضَعْفِه أَمامَ تلك الأَمراضِ والمَصائِبِ.. <strong>فيَنالُ بذلك التَّضَرُّعِ عِبادةً مَعنَوِيّةً خالِصةً مُتَجرِّدةً مِن كلِّ أَنواعِ الرِّياءِ</strong>.</p>
<p>نعم، هُناك رِواياتٌ صَحِيحةٌ على أنَّ العُمُرَ المَمزُوجَ بالمَرَضِ والسَّقَمِ يُعَدُّ لِلمُؤمِنِ عِبادةً على شَرطِ عَدَمِ الشَّكوَى مِنَ اللهِ سُبحانَه، بل هو ثابِتٌ بعِدّةِ رِواياتٍ صَحِيحةٍ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ أنَّ <strong>دَقِيقةً واحِدةً مِن مَرَضِ قِسمٍ مِنَ الشّاكِرِينَ الصّابِرِينَ هي بحُكْمِ ساعةِ عِبادةٍ كامِلةٍ لَهُم،</strong> <strong>وأنَّ دَقِيقةً مِنه لِقِسمٍ مِنَ الكامِلِينَ هي بمَثابةِ يَومِ عِبادةٍ كامِلةٍ لَهُم</strong>.. فلا تَشْكُ -يا أَخِي- مِن مَرَضٍ يَجعَلُ دَقِيقةً مِن عُمُرِك في حُكمِ أَلفِ دَقِيقةٍ ويُمِدُّك بعُمُرٍ طَوِيلٍ مَدِيدٍ! بل كُن شاكِرًا له.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثالث: المرض إيقاظ]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّالثُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الضَّجُورُ، إنَّ الإِنسانَ لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِلتَّمتُّعِ والتَّلذُّذِ، والشَّاهِدُ على ذلك: رَحِيلُ كلِّ آتٍ، ومَشِيبُ الشَّبابِ، وتَدَحرُجُ الجَمِيعِ في دَوَّامةِ الزَّوالِ والفِراقِ؛ وبَيْنا تَرَى الإِنسانَ أَكمَلَ الأَحياءِ وأَسماها وأَغناها أَجهِزةً بل هو السَّيِّدُ علَيْها جَمِيعًا، إذا به بالتَّفكُّرِ في لَذَّاتِ الماضِي وبَلايا المُستَقبَلِ، يَقضِي حَياتَه في كَدَرٍ ومَشَقّةٍ، هاوِيًا بنَفسِه إلى دَرَكاتٍ أَدنَى مِنَ الحَيَوانِ.</p>
<p>فالإِنسانُ إِذًا لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِقَضاءِ عَيشٍ ناعِمٍ جَمِيلٍ مَغمُورٍ بنَسَماتِ الرّاحةِ والصَّفاءِ، بل جاءَ إلى هنا لِيَغنَمَ سَعادةَ حَياةٍ أَبدِيّةٍ دائِمةٍ بما يُسِّر له مِن سُبُلِ التِّجارةِ برَأْسِ مالِه العَظِيمِ الَّذي هو العُمُرُ؛ فإذا انعَدَم المَرَضُ وَقَع الإِنسانُ في الغَفْلةِ نَتِيجةَ الصِّحّةِ والعافِيةِ، وبَدَتِ الدُّنيا في عَينَيه حُلوةً خَضِرةً لَذِيذةً، فيُصِيبُه عِندَئِذٍ مَرَضُ نِسيانِ الآخِرةِ، فيَرغَبُ عن ذِكرِ المَوتِ والقَبْرِ، ويُهدِرُ رَأسَ مالِ عُمُرِه الثَّمِينَ هَباءً مَنثُورًا.. في حِينِ أنَّ <strong>المَرَضَ سَرْعانَ ما يُوقِظُه</strong> مُفتِّحًا عَينَيه، قائِلًا له: &#8220;أَنتَ لَستَ خالِدًا ولَستَ سائِبًا، بل أَنتَ مُسَخَّرٌ لِوَظِيفةٍ، دَعْ عنك الغُرُورَ، اُذكُرْ خالِقَك.. واعْلَمْ أَنَّك ماضٍ إلى القَبْرِ، وهَيِّئْ نَفسَك وجَهِّزْها هكذا&#8221;.</p>
<p><strong>فالمَرَضُ إِذًا يَقُومُ بدَورِ مُرشِدٍ ناصِحٍ أَمِينٍ مُوقِظٍ</strong>، فلا داعِيَ بَعدُ إلى الشَّكوَى مِنه، بل يَجِبُ التَّفيُّؤُ في ظِلالِ الشُّكرِ مِن هذه النّاحِيةِ، وإذا ما اشتَدَّت وَطْأتُه كَثِيرًا فعَلَيْك بطَلَبِ الصَّبْرِ مِنه تَعالَى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الرابع: المرض يُعرِّفك على اسم الشافي]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الرَّابعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الشّاكِي، اِعلَمْ أنَّه <strong>ليس لك حَقٌّ في الشَّكوَى، بل علَيْك الشُّكرُ،</strong> علَيْك الصَّبْرُ، <strong>لِأنَّ جَسَدَك وأَعضاءَك وأَجهِزَتَك لَيسَت بمُلكِك أَنتَ،</strong> فأَنتَ لم تَصنَعْها بنَفسِك، وأَنتَ لم تَبتَعْها مِن أيّةِ شَرِكةٍ أو مَصنَعٍ ابتِياعًا، فهِي إِذًا مُلكٌ لِغَيرِك، ومالِكُ تلك الأَشياءِ يَتَصرَّفُ في مُلكِه كَيفَ يَشاءُ، كما وَرَد ذلك في مِثالٍ في &#8220;الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرِينَ&#8221; الخاصّةِ بالقَدَرِ، وهُو: أنَّ صانِعًا ثَرِيًّا ماهِرًا يُكلِّفُ رَجُلًا فَقِيرًا لِقاءَ أُجرةٍ مُعيَّنةٍ لِيَقُومَ له لِمُدّةِ ساعةٍ بدَوْرِ &#8220;العارِض&#8221; النَّمُوذَج.</p>
<p>فلِأَجلِ إِظهارِ صَنْعَتِه الجَمِيلةِ وثَروَتِه القَيِّمةِ يُلبِسُه القَمِيصَ المُزَرْكَشَ الَّذي حاكَه، والحُلّةَ القَشِيبةَ المُرَصَّعةَ الَّتي نَسَجَها في غايةِ الجَمالِ والصَّنعةِ، ويُنجِزُ علَيْه أَعمالًا ويُظهِرُ أَوْضاعًا وأَشكالًا شَتَّى، لِبَيانِ خَوارِقِ صَنْعَتِه وبَدائِعِ مَهارَتِه، فيَقُصُّ ويُبدِّلُ، ويُطوِّلُ ويُقصِّرُ، وهكذا.</p>
<p>فيا تُرَى أَيَحِقُّ لِذلِك الفَقِيرِ الأَجِيرِ أن يقُولَ لِذلِك الصّانِعِ الماهِرِ: &#8220;إنَّك تُتعِبُني وتُرهِقُني وتُضَيِّقُ علَيَّ بطَلَبِك مِنِّي الِانحِناءَ مَرّةً والِاعتِدالَ أُخرَى.. وإنَّك تُشَوِّه الجَمالَ المُتَألِّقَ على هذا القَمِيصِ الَّذي يُجَمِّلُ هِندامِي ويُزيِّنُ قامَتِي بقَصِّك وتَقصِيرِك له.. إنَّك تَظلِمُني ولا تُنصِفُني!&#8221;.</p>
<p>وكَذلِك الحالُ بالنِّسبةِ لِلصّانِعِ الجَلِيلِ سُبحانَه وتَعالَى -﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾- الَّذي أَلبَسَك أيُّها المَرِيضُ قَمِيصَ الجَسَدِ، وأَوْدَع فيه الحَواسَّ النُّورانيّةَ المُرَصَّعةَ كالعَينِ والأُذُنِ والعَقلِ، <strong>فلِأَجلِ إِظهارِ نُقُوشِ أَسمائِه الحُسنَى، يُبَدِّلُك ضِمنَ حالاتٍ مُتَنوِّعةٍ ويَضَعُك في أَوضاعٍ مُختَلِفةٍ</strong>.. فكما أنَّك تَتَعرَّفُ على اسمِه &#8220;الرَّزَّاقِ&#8221; بتَجَرُّعِك مَرارةَ الجُوعِ، <strong>تَتَعرَّفُ على اسمِه &#8220;الشَّافي&#8221; بمَرَضِك</strong>.</p>
<p>ونَظَرًا لِظُهُورِ قِسمٍ مِن أَحكامِ أَسمائِه الحُسنَى بالآلامِ وانكِشافِه بالمَصائِبِ، ففيها لَمَعاتُ الحِكْمةِ وشُعاعاتُ الرَّحمةِ وأَنوارُ الجَمالِ؛ <strong>فإذا ما رُفِعَ الحِجابُ فستَجِدُ فيما وَراءَ مَرَضِك الَّذي تَستَوحِشُ مِنه وتَنفِرُ، مَعانِيَ عَمِيقةً جَمِيلةً مُحَبَّبةً تَرتاحُ إلَيْها</strong>، تلك الَّتي كانَت تَنزَوِي خَلفَ حِجابِ المَرَضِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الخامس: المرض نوع إحسانٍ إلهي]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الخامِسُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المُبتَلَى بالمَرَض، لقد تَوافَرَت لَدَيَّ القَناعةُ التّامّةُ خِلالَ تَجرِبَتِي في هذا الزَّمانِ، بأنَّ <strong>المَرَضَ نَوعٌ مِنَ الإِحسانِ الإِلٰهِيِّ والهَدِيّةِ الرَّحمانيّةِ لِقِسمٍ مِنَ النَّاسِ</strong>، فقدِ الْتَقانِي بَعضُ الشَّبابِ في هذه السَّنَواتِ الثَّماني أوِ التِّسعِ، لِمُعاناتِهِمُ المَرَضَ، ابتِغاءَ دُعائي لَهُم، رَغمَ أنِّي لَستُ أَهلًا لِذلِك، فلاحَظتُ أنَّ <strong>مَن كانَ مِنهُم يُعانِي مَرَضًا هو أَكثَرُ تَفَكُّرًا في الآخِرةِ وتَذَكُّرًا لها، وليس ثَمِلًا بغَفْلةِ الشَّبابِ،</strong> بل كانَ يَقِي نَفسَه -إلى حَدٍّ مّا- تَحتَ أَوْجاعِ المَرَضِ وأَوْصابِه، ويُحافِظُ علَيْها مِنَ الشَّهَواتِ الحَيَوانيّةِ.</p>
<p>وكُنتُ أُذكِّرُهُم بأنِّي أَرَى أنَّ أَمراضَهُم هذه -ضِمنَ قابِليَّتِهِم على التَّحَمُّلِ- إنَّما هي إِحسانٌ إِلٰهِيٌّ وهِبةٌ مِنه سُبحانَه؛ وكُنتُ أَقُولُ: &#8220;يا أَخِي، أنا لَستُ ضِدَّ مَرَضِك هذا ولا علَيْه، فلا أَشعُرُ بشَفَقةٍ علَيْك ورَأْفةٍ لِأَجلِ مَرَضِك، كي أَقُومَ بالدُّعاءِ لك، فحاوِلِ التَّجَمُّلَ بالصَّبْرِ والثَّباتِ أَمامَ هذا المَرَضِ، حتَّى تَتَحقَّق لك الإِفاقةُ والصَّحْوةُ؛ <strong>إذ بَعدَ أن يُنهِيَ المَرَضُ مَهامَّه سيَشفِيك الخالِقُ الرَّحِيمُ إن شاءَ</strong>&#8220;.</p>
<p>وكُنتُ أَقُولُ أَيضًا: &#8220;إنَّ قِسمًا مِن أَمثالِك يُزَعزِعُونَ حَياتَهُمُ الأَبدِيّةَ بل يَهدِمُونَها مُقابِلَ مَتاعٍ ظاهِرِيٍّ لِساعةٍ مِن حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ، وذلك لِمُضِيِّهِم سادِرِينَ في الغَفْلةِ النّاشِئةِ مِن بَلاءِ الصِّحّةِ، هاجِرِينَ الصَّلاةَ ناسِينَ المَوتَ وغافِلِينَ عنِ اللهِ عزَّ وجَلَّ.. أمّا أَنتَ <strong>فتَرَى بعَينِ المَرَضِ القَبْرَ الَّذي هو مَنزِلُك الَّذي لا مَناصَ مِنَ الذَّهابِ إلَيْه</strong>، وتَرَى كَذلِك ما وَراءَه مِنَ المَنازِلِ الأُخرَوِيّةِ الأُخرَى، ومِن ثَمَّ تَتَحرَّكُ وتَتَصرَّفُ على وَفقِ ذلك، <strong>فمَرَضُك إِذًا إنَّما هو بمَثابةِ صِحّةٍ لك</strong>، <strong>والصِّحّةُ الَّتي يَتَمتَّعُ بها قِسمٌ مِن أَمثالِك إنَّما هي بمَثابةِ مَرَضٍ لَهُم</strong>&#8220;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء السادس: زوال الألم لذة]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ السَّادسُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الشّاكي مِنَ الأَلمِ، أَسأَلُك أن تُعِيدَ في نَفسِك ما مَضَى مِن عُمُرِك، وأن تَتَذكَّرَ الأَيّامَ الهانِئةَ اللَّذِيذةَ السّابِقةَ مِن ذلك العُمُرِ، والأَوقاتَ العَصِيبةَ والأَلِيمةَ الَّتي فيه.</p>
<p>فلا جَرَمَ أنَّك ستَنطِقُ لِسانًا أو قَلبًا: إمّا بـ&#8221;أَوَّه&#8221; أو &#8220;آه&#8221;، أي: إمّا ستَتَنفَّسُ الصُّعَداءَ وتقُولُ: &#8220;الحَمدُ للهِ والشُّكرُ له&#8221;، أو ستَتَنهَّدُ عَمِيقًا قائِلًا: &#8220;وا حَسْرَتاه! وا أَسَفاه!&#8221;..</p>
<p>فانظُر كَيفَ أنَّ الآلامَ والنَّوائِبَ الَّتي عانَيْتَ مِنها سابِقًا عِندَما خَطَرَتْ بذِهنِك <strong>غَمَرَتْك بلَذّةٍ مَعنَوِيّةٍ</strong>، حتَّى هاجَ قَلبُك بـ&#8221;الحَمدُ للهِ والشُّكرُ له&#8221;، ذلك لِأنَّ <strong>زَوالَ الأَلَمِ يُولِّدُ لَذّةً وشُعُورًا بالفَرَحِ</strong>.</p>
<p>ولِأنَّ تلك الآلامَ والمَصائِبَ قد غَرَسَت بزَوالِها لَذّةً كامِنةً في الرُّوحِ سالَتْ بتَخَطُّرِها على البالِ وخُرُوجِها مِن مَكْمَنِها حَلاوةً وسُرُورًا، وتَقَطَّرَت حَمْدًا وشُكرًا.</p>
<p>أمّا حالاتُ اللَّذّةِ والصَّفاءِ الَّتي قَضَيتَها والَّتي تَنفُثُ علَيْها الآنَ دُخانَ الأَلَمِ بقَولِك: &#8220;وا أَسَفاه! واحَسْرَتاه!&#8221; فإنَّها بزَوالِها غَرَسَت في رُوحِك أَلمًا مُضمَرًا دائِمًا، وها هُو ذا الأَلمُ تَتَجدَّدُ غُصّاتُه الآنَ بأَقلِّ تَفَكُّرٍ في غِيابِ تلك اللَّذّاتِ، فتَنهَمِرُ دُمُوعُ الأَسَفِ والحَسْرةِ.</p>
<p>فما دامَتِ اللَّذّةُ غَيرُ المَشرُوعةِ لِيَومٍ واحِدٍ تُذِيقُ الإِنسانَ -أَحيانًا- أَلمًا مَعنَوِيًّا طَوالَ سَنةٍ كامِلةٍ، وأنَّ الأَلمَ النّاتِجَ مِن يَومِ مَرَضٍ مُؤَقَّتٍ يُوفِّرُ لَذّةً مَعنَوِيّةً لِثَوابِ أيّامٍ عِدّةٍ فَضْلًا عنِ اللَّذّةِ المَعنَوِيّةِ النّابِعةِ مِنَ الخَلاصِ مِنه، <strong>فتَذَكَّر جَيِّدًا نَتِيجةَ المَرَضِ المُؤَقَّتِ الَّذي تُعانيه، وفَكِّرْ في الثَّوابِ المَرجُوِّ المُنتَشِرِ في ثَناياه، وتَشَبَّثْ بالشُّكرِ وتَرَفَّعْ عنِ الشَّكوَى</strong>، وقُل: &#8220;يا هذا.. كلُّ حالٍ يَزُولُ..&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء السادس: المرض وسيلة لتخلي القلب عن الدنيا]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ السَّادِسُ<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup></strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الأَخُ المُضطَرِبُ مِنَ المَرَضِ بتَذَكُّرِ أَذْواقِ الدُّنيا ولَذائِذِها.. لو كانَت هذه الدُّنيا دائِمةً فِعلًا، ولَوِ انزاحَ المَوتُ عن طَرِيقِنا فِعلًا، ولوِ انقَطَعَت أَعاصِيرُ الفِراقِ والزَّوالِ عنِ الهُبُوبِ بَعدَ الآنَ، ولو تَفَرَّغَ المُستَقبَلُ العاصِفُ بالنَّوائِبِ عن مَواسِمِ الشِّتاءِ المَعنَوِيّةِ، لَانخَرَطتُ في صَفِّك ولَرثَيتُك باكِيًا لِحالِك؛ <strong>ولكِن ما دامَتِ الدُّنيا ستُخرِجُنا</strong> مِنها قائِلةً: &#8220;هَيّا اخرُجُوا..!&#8221; صامّةً آذانَها عن صُراخِنا واستِنجادِنا، <strong>فعَلَيْنا نَحنُ قبلَ أن تَطرُدَنا هي نابِذةً لنا، أن نَهجُرَ عِشقَها والإِخلادَ إلَيْها مِنَ الآنَ،</strong> بإِيقاظاتِ الأَمراضِ، وأَن نَسعَى لِأَجلِ التَّخَلِّي عنِ الدُّنيا قَلْبًا ووِجْدانًا قَبلَ أن تَتَخلَّى هي عَنّا.</p>
<p>نعم، إنَّ المَرَضَ بتَذكِيرِه إِيّانا هذا المَعنَى اللَّطِيفَ والعَمِيقَ، يَهمِسُ في سَرائِرِ قُلُوبِنا قائِلًا:</p>
<p>&#8220;بُنْيَتُك لَيسَت مِنَ الصُّلبِ والحَدِيدِ، بل مِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ مُرَكَّبةٍ فيك، مُلائِمةٍ كلَّ التَّلاؤُمِ لِلتَّحَلُّلِ والتَّفسُّخِ والتَّفرُّقِ حالًا.. دَعْ عَنك الغُرُورَ وأَدرِكْ عَجْزَك وتَعَرَّفْ على مالِكِك، وافْهَمْ ما وَظِيفَتُك، وتَعَلَّمْ ما الحِكْمةُ والغايةُ مِن مَجِيئِك إلى الدُّنيا؟&#8221;.</p>
<p>ثمَّ ما دامَتْ أَذْواقُ الدُّنيا ولَذّاتُها لا تَدُومُ، وبخاصّةٍ إذا كانَت غَيرَ مَشرُوعةٍ، بل تَبعَثُ في النَّفسِ الأَلَمَ وتُكسِبُها ذَنبًا وجَرِيرةً، <strong>فلا تَبْكِ على فَقْدِك ذلك الذَّوقَ بحُجّةِ المَرَضِ،</strong> بل تَفَكَّرْ في <strong>مَعنَى العِبادةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي يَتَضمَّنُها مَرَضُك والثَّوابُ الأُخرَوِيُّ الَّذي يُخفِيه لك</strong>، واسْعَ لِتَنالَ ذلك الذَّوقَ الخالِصَ الزَّكيَّ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء السابع: المرض يذيق النعمة الإلهية]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ السَّابعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الفاقِدُ لِنِعمةِ الصِّحّةِ.. إنَّ مَرَضَك لا يَذهَبُ بلَذّةِ النِّعمةِ الإِلٰهِيّةِ في الصِّحّة، بل على العَكسِ، إنَّه يُذِيقُك إيّاها ويُطَيِّـبُها ويَزِيدُها لَذّةً، ذلك أنَّ شَيْئًا مّا إذا دامَ واستَمَرَّ على حالِه يَفقِدُ طَعْمَه وتَأثِيرَه.. حتَّى اتَّفَق أَهلُ الحَقِّ على القَولِ: &#8220;<strong>إنَّما الأَشياءُ تُعرَفُ بأَضدادِها</strong>..&#8221;.</p>
<p><strong>فمَثلًا</strong>: لَوْلا الظُّلمةُ لَمَا عُرِفَ النُّورُ ولَظَلَّ دُونَ لَذّةٍ، ولَوْلا البُرُودةُ لَما عُرِفَتِ الحَرارةُ ولَبَقِيَت دُونَ استِساغةٍ، ولَوْلا الجُوعُ لَمَا أَعطَى الأَكلُ لَذّتَه وطَعْمَه، ولَوْلا حَرارةُ المَعِدةِ لَمَا وَهَبَنا ارتِشافُ الماءِ ذَوْقًا، ولَوْلا العِلّةُ لَكانَتِ العافِيةُ بلا ذَوقٍ، ولَوْلا المَرَضُ لَباتَتِ الصِّحّةُ عَدِيمةَ اللَّذّةِ.</p>
<p>إنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ لَمَّا أَرادَ إِشعارَ الإِنسانِ وإِحساسَه بمُختَلِفِ إِحساناتِه، وإِذاقَتَه أَنواعَ نِعَمِه سَوقًا مِنه إلى الشُّكرِ الدّائِمِ، جَهَّزَه بأَجهِزةٍ في غايةِ الكَثْرةِ لتُقبِلَ على تَذَوُّقِ تلك الآلافِ المُؤَلَّفةِ مِن أَنواعِ النِّعَمِ المُختَلِفةِ، لِذا فلا بُدَّ مِن أنَّه سيُنزِلُ الأَمراضَ والأَسقامَ والعِلَلَ أَيضًا مِثلَما يَلطُفُ ويَرزُقُ بالصِّحّةِ والعافِيةِ.</p>
<p>وأَسأَلُك: &#8220;لو لم يَكُن هذا المَرَضُ الَّذي أَصابَ رَأسَك أو يَدَك أو مَعِدَتَك.. هل كانَ بمَقدُورِك أن تَتَحسَّسَ اللَّذّةَ الكامِنةَ في الصِّحّةِ الَّتي كانَت باسِطةً ظِلالَها على رَأسِك أو يَدِك أو مَعِدَتِك؟ وهل كُنتَ تَتَمكَّنُ مِن أن تَتَذوَّقَ وتَشكُرَ النِّعمةَ الإِلٰهِيّةَ الَّتي جَسَّدَتْها تلك النِّعمةُ؟ بل كانَ الغالِبُ علَيْك النِّسيانُ بَدَلًا مِنَ الشُّكرِ، أو لَكُنتَ تَصرِفُ تلك الصِّحّةَ بطُغْيانِ الغَفْلةِ إلى سَفاهةٍ دُونَ شُعُورٍ!&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثامن: المرض كفارة وتطهير]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّامنُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الذَّاكِرُ لِآخِرَتِه.. <strong>إنَّ مَرَضَك كمَفعُولِ الصَّابُونِ، يُطَهِّرُ أَدْرانَك، ويَمسَحُ عنك ذُنُوبَك، ويُنقِّيك مِن خَطاياك</strong>؛ فقد ثَبَت أنَّ <strong>الأَمراضَ كَفَّاراتٌ لِلذُّنُوبِ والمَعاصِي</strong>، ووَرَد في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: &#8220;ما مِن مُسلِمٍ يُصِيبُه أَذًى إلّا حَاتَّ اللهُ عَنْه خَطاياه كما تَحاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ&#8221;، <strong>والذُّنُوبُ هي أَمراضٌ دائِمةٌ في الحَياةِ الأَبدِيّةِ، وهِي في هذه الحَياةِ الدُّنيا أَيضًا أَمراضٌ مَعنَوِيّةٌ في القَلبِ والوِجدانِ والرُّوحِ</strong>.</p>
<p>فإذا كُنتَ صابِرًا لا تَشكُو نَجَوْتَ بنَفسِك إِذًا بهذا المَرَضِ العابِرِ مِن أَمراضٍ دائِمةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، وإذا كُنتَ لاهِيًا عن ذُنُوبِك، ناسِيًا آخِرَتَك غافِلًا عن رَبِّك، فإنِّي أُؤَكِّدُ مَعاناتَك مِن داءٍ خَطِيرٍ، هو أَخطَرُ وأَفتَكُ وأَكبَرُ بمِليُونِ مِرّةٍ مِن هذه الأَمراضِ المُوَقَّتةِ، ففِرَّ مِنه واصْرُخْ..! لِأنَّ قَلبَك ورُوحَك ونَفسَك كلَّها مُرتَبِطةٌ بمَوجُوداتِ الدُّنيا قاطِبةً، فتِلك الأَواصِرُ تَنقَطِعُ دَوْمًا بسُيُوفِ الفِراقِ والزَّوالِ فاتِحةً فيك جُرُوحًا عَمِيقةً، وبخاصَّةٍ أنَّك تَتَخيَّلُ المَوتَ إِعدامًا أَبَدِيًّا لِعَدَمِ مَعرِفَتِك بالآخِرةِ. فكَأنَّ لك كِيانًا مَرِيضًا ذا جُرُوحٍ وشُرُوخٍ بحَجمِ الدُّنيا، مِمّا يُحَتِّمُ علَيْك قَبلَ كلِّ شَيءٍ أنْ تَبحَثَ عنِ العِلاجِ التَّامِّ والشِّفاءِ الحَقِيقيِّ لِكِيانِك المَعنَوِيِّ الكَبِيرِ الَّذي تُفَسِّخُه العِلَلُ غَيرُ المَحدُودةِ والكُلُومُ غَيرُ المَعدُودةِ.</p>
<p>فما أَظُنُّك تَجِدُها إلّا في عِلاجِ الإِيمانِ وبَلسَمِه الشَّافي، واعْلَمْ أنَّ أَقصَرَ طَرِيقٍ لِبُلُوغِ ذلك العِلاجِ هو مَعرِفةُ قُدرةِ القادِرِ ذِي الجَلالِ ورَحمَتِه الواسِعةِ، مِن خِلالِ نافِذَتَيِ &#8220;العَجزِ والفَقرِ&#8221; اللَّتَينِ تَتَفتَّحانِ بتَمزِيقِ المَرَضِ المادِّيِّ لِحِجابِ الغَفْلةِ.</p>
<p>نعم، إنَّ <strong>الَّذي لا يَعرِفُ اللهَ يَحمِلُ فَوقَ رَأسِه هُمُومًا وبَلايا بسَعَةِ الدُّنيا وما فيها</strong>، ولكِنَّ <strong>الَّذي عَرَف رَبَّه تَمتَلِئُ دُنياه نُورًا وسُرُورًا مَعنَوِيًّا</strong>، وهُو يَشعُرُ بذلك بما لَدَيْه مِن قُوّةِ الإِيمانِ كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه.. نعم، إنَّ أَلَمَ الأَمراضِ المادِّيّةِ الجُزئيّةِ يَذُوبُ ويَنسَحِقُ تَحتَ وابِلِ السُّرُورِ المَعنَوِيِّ والشِّفاءِ اللَّذِيذِ القادِمَينِ مِنَ الإِيمانِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء التاسع: لا تخف من الموت]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ التَّاسِعُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ المُؤمِنُ بخالِقِه.. إنَّ سَبَبَ التَّألُّمِ مِنَ الأَمراضِ والخَوفِ والفَزَعِ مِنها يَنبَعُ مِن كَونِ المَرَضِ أَحيانًا وَسِيلةً لِلمَوتِ والهَلاكِ، ولِكَونِ المَوتِ -بنَظَرِ الغَفْلةِ- مُرعِبًا مُخِيفًا ظاهِرًا، فإنَّ الأَمراضَ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ وَسائِلَ له تَبعَثُ على القَلَقِ والِاضطِرابِ.. فاعْلَمْ:</p>
<p><strong>أوَّلًا</strong>: آمِنْ قَطْعًا أنَّ <strong>الأَجَل مُقَدَّرٌ لا يَتَغيَّـرُ</strong>، فقد حَدَث أنْ ماتَ أُولَئِك الباكُونَ عِندَ المُحتَضَرِينَ في مَرَضِهِم، معَ أنَّهُم كانُوا يَتَمتَّعُونَ بصِحّةٍ وعافِيةٍ، وشُفِيَ أُولَئِك المَرضَى الَّذِينَ كانَت حالَتُهُم خَطِرةً، وعاشُوا بَعدَ ذلك أَحياءً يُرزَقُونَ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[حقيقة الموت]</h4>
<p><strong>ثانيًا</strong>: إنَّ <strong>المَوتَ ليس مُخِيفًا</strong> في ذاتِه كما يَبدُو لنا في صُورَتِه الظّاهِرِيّةِ، وقد أَثبَتْنا في رَسائِلَ كَثِيرةٍ إِثباتًا قاطِعًا -دُونَ أن يَتْرُكَ شَكًّا ولا شُبهةً- بمُوحِياتِ نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ:</p>
<p>أنَّ المَوتَ لِلمُؤمِنِ <strong>إِعفاءٌ وإِنهاءٌ مِن كُلفةِ وَظِيفةِ الحَياةِ ومَشَقَّتِها</strong>..</p>
<p>وهُو <strong>تَسرِيحٌ مِنَ العُبُودِيّةِ </strong>الَّتي هي تَعلِيمٌ وتَدرِيبٌ في مَيدانِ ابتِلاءِ الدُّنيا..</p>
<p>وهُو <strong>بابُ وِصالٍ</strong> لِالتِقاءِ تِسعةٍ وتَسعِينَ مِنَ الأَحِبّةِ والخُلّانِ الرَّاحِلِينَ إلى العالَمِ الآخَرِ..</p>
<p>وهُو <strong>وَسِيلةٌ لِلدُّخُولِ في رِحابِ الوَطَنِ الحَقِيقيِّ والمُقامِ الأَبدِيِّ لِلسَّعادةِ الخالِدةِ</strong>..</p>
<p>وهُو <strong>دَعوةٌ لِلِانتِقالِ مِن زِنزانةِ الدُّنيا إلى بَساتِينِ الجَنّةِ وحَدائِقِها</strong>..</p>
<p>وهُو الفُرصةُ الواجِبةُ <strong>لِتَسلُّمِ الأُجرةِ إِزاءَ الخِدْمةِ المُؤَدّاةِ</strong>، تلك الأُجرةِ الَّتي تُغدَقُ سَخِيّةً مِن خَزِينةِ فَضلِ الخالِقِ الرَّحِيمِ.</p>
<p>فما دامَت هذه هي ماهِيّةَ المَوتِ مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، فلا يَنبَغِي أن يُنظَرَ إلَيْه كأنَّه شَيءٌ مُخِيفٌ، بل يَجِبُ اعتِبارُه تَباشِيرَ الرَّحمةِ والسَّعادةِ؛ حتَّى إنَّ قِسمًا مِن &#8220;أَهلِ اللهِ&#8221; لم يَكُن خَوفُهُم مِنَ المَوتِ بسَبَبِ وَحْشةِ المَوتِ ودَهْشَتِه، وإنَّما بسَبَبِ رَغبَتِهِم في كَسْبِ المَزِيدِ مِنَ الخَيرِ والحَسَناتِ بإِدامةِ وَظِيفةِ الحَياةِ.</p>
<p>نعم، <strong>إنَّ المَوتَ لِأَهلِ الإِيمانِ بابُ الرَّحمةِ</strong>، وهُو <strong>لِأَهلِ الضَّلالةِ بِئرٌ مُظلِمةٌ ظَلامًا أَبدِيًّا</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء العاشر: دع عنك القلق]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ العاشِرُ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ القَلِقُ دُونَ داعٍ لِلقَلَقِ.. أَنتَ قَلِقٌ مِن وَطْأةِ المَرَضِ وشِدَّتِه، فقَلَقُك هذا يَزِيدُ ثِقَلَ المَرَضِ علَيْك؛ فإذا كُنتَ تُرِيدُ أن تُخَفِّف المَرَضَ عنك، فاسْعَ جاهِدًا لِلِابتِعادِ عنِ القَلَقِ، أي: <strong>تَفَكَّرْ في فَوائِدِ المَرَضِ، وفي ثَوابِه، وفي حَثِّه الخُطا إلى الشِّفاءِ</strong>، فاجتَثَّ جُذُورَ القَلَقِ مِن نَفسِك لِتَجتَثَّ المَرَضَ مِن جُذُورِه.</p>
<p>نعم، إنَّ <strong>القَلَقَ (أوِ الوَسْوَسةَ) يُضاعِفُ مَرَضَك ويَجعَلُه مَرَضَينِ</strong>، لِأنَّ القَلَقَ يَبُثُّ في القَلبِ -تَحتَ وَطْأةِ المَرَضِ المادِّيِّ- مَرَضًا مَعنَوِيًّا، فيَدُومُ المَرَضُ المادِّيُّ مُستَنِدًا إلَيْه، فإذا ما أَذهَبتَ عنك القَلَقَ والهَواجِسَ بتَسلِيمِ الأَمرِ للهِ والرِّضَا بقَضائِه، وباستِحضارِ حِكْمةِ المَرَضِ، فإنَّ مَرَضَك المادِّيَّ سيَفقِدُ فَرْعًا مُهِمًّا مِن جُذُورِه فيُخَفَّفُ، وقِسمٌ مِنه يَزُولُ، وإذا ما رافَقَتِ المَرَضَ المادِّيَّ أَوهامٌ وهَواجِسُ فقد يَكبُرُ عُشرَ مِعشارِ تلك الأَوْهامِ بواسِطةِ القَلَقِ إلى مِعشارٍ، ولكِن بانقِطاعِ القَلَقِ يَزُولُ تِسعةٌ مِن عَشَرةٍ مِن مَفعُولِ ذلك المَرَضِ.</p>
<p>وكما أنَّ <strong>القَلَقَ يَزِيدُ المَرَضَ</strong>، كَذلِك <strong>يَجعَلُ المَرِيضَ كأنّه يَتَّهِمُ الحِكْمةَ الإِلٰهِيّةَ ويَنتَقِدُ الرَّحمةَ الإِلٰهِيّةَ ويَشكُو مِن خالِقِه الرَّحِيمِ</strong>، لِذا يُؤدَّبُ المَرِيضُ بلَطَماتِ التَّأدِيبِ -بخِلافِ ما يَقصِدُه هو- مِمَّا يَزِيدُ مَرَضَه، إذ كما أنَّ الشُّكرَ يَزِيدُ النِّعَمَ فالشَّكوَى كَذلِك تَزِيدُ المَرَضَ والمُصِيبةَ.</p>
<p>هذا، وإنَّ <strong>القَلَق في حَدِّ ذاتِه مَرَضٌ</strong>، وعِلاجُه إنَّما هو في مَعرِفةِ حِكْمةِ المَرَضِ؛ وإذا ما عَرَفتَ حِكْمَتَه وفائِدَتَه، فامْسَحْ قَلَقَك بذلك المَرهَمِ وانْجُ بنَفسِك، وقُل بَدَلًا مِن &#8220;وا أَسَفاهْ!&#8221;: &#8220;الحَمدُ للهِ على كلِّ حالٍ&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الحادي عشر: لا تنشغل بغير الآن]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الحادِيَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الأَخُ المَرِيضُ الجَزُوعُ.. معَ أنَّ المَرَضَ يُعطِيك أَلَمًا حاضِرًا، فهُو يَمنَحُك في الوَقتِ نَفسِه لَذّةً مَعنَوِيّةً مُستَدَرّةً مِن زَوالِ مَرَضِك السّابِقِ، معَ لَذّةٍ رُوحِيّةٍ نابِعةٍ مِنَ الثَّوابِ الحاصِلِ مِن جَرّاءِ ذلك المَرَضِ؛ فالزَّمانُ القابِلُ بَعدَ اليَومِ، بل بَعدَ هذه السَّاعةِ لا يَحمِلُ مَرَضًا.</p>
<p>ولا شَكَّ أنَّه لا أَلَمَ مِن غَيرِ شَيءٍ، وما لم يَكُن هُنالِك أَلَمٌ فلا تَوَجُّعَ ولا شَكْوَى؛ ولكِن لِأنَّك تَتَوهَّمُ تَوَهُّمًا خَطَأً فإنَّ الجَزَع يَنتابُك، إذ معَ زَوالِ فَتْرةِ المَرَضِ المادِّيِّ قد ذابَ أَلَمُ تلك الفَتْرةِ أَيضًا، وثَبَت ثَوابُ المَرَضِ، وبَقِيَت لَذّةُ زَوالِه.. فمِنَ البَلاهةِ بل مِنَ الجُنُونِ أنْ تَتَذكَّر بَعدَ الآنَ المَرَضَ السَّابِقَ وتَتَألَّمَ مِنه، فتَفقِدَ صَبْرَك ويَنفَدَ مِنك، في حِينِ يَلزَمُك الِانشِراحُ بذَهابِه والِارتِياحُ بثَوابِه.</p>
<p>أمَّا الأَيَّامُ القابِلةُ فإنَّها لم تَأتِ بَعدُ، أَليسَ مِنَ البَلاهةِ إِشغالُ النَّفسِ مِنَ الآنَ بالتَّفكُّرِ في يَومٍ لم يُولَد بَعدُ، وفي مَرَضٍ لم يَنزِل بَعدُ وفي أَلَمٍ لم يَقَع بَعدُ؟! فهذا النَّوعُ مِنَ التَّوهُّمِ -نَتِيجةَ التَّفكُّرِ المَرِيرِ وتَحمِيلِ النَّفسِ أَلَمًا مُوجِعًا- يَدفَعُ إلى فِقْدانِ الصَّبْرِ ويَصبِغُ ثَلاثةَ أَنواعٍ مِنَ العَدَمِ بثَلاثِ مَراتِبَ مِنَ الوُجُودِ.. أَليسَ هذا جُنُونًا؟! فما دامَت أَزمِنةُ المَرَضِ الَّتي سَبَقَت هذه السَّاعةَ تَبعَثُ على النَّشوةِ والحُبُورِ، وما دامَ الزَّمانُ القابِلُ بعدَ هذه السّاعةِ مَعدُومًا، فالمَرَضُ مَعدُومٌ والأَلَمُ مَعدُومٌ.</p>
<p>فلا تُبذِّر يا أَخِي ما وَهَب لك الحَقُّ سُبحانَه وتَعالَى مِن قُوّةِ الصَّبْرِ يَمِينًا وشِمالًا، بل احْشُدْها جَمِيعًا مُقابِلَ الأَلَمِ الَّذي يَعتَرِيك في هذه السَّاعةِ وقُل: &#8220;يا صَبُورُ&#8221;، وتَحَمَّلْ صابِرًا مُحتَسِبًا!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثاني عشر: المرض لا يقطع عملك الصالح]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّانِيَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ المَحرُومُ مِنَ العِبادةِ ومِن أَوْرادِه بسَبَبِ المَرَضِ.. ويا أيُّها الآسِفُ على ذلك الحِرمانِ.. اعْلَمْ أنَّه ثابِتٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعْناه: &#8220;أنَّ المُؤمِنَ التَّقِيَّ يَأتيه ثَوابُ ما كانَ يُؤدِّيه مِنَ العِبادةِ حتَّى في أَثناءِ مَرَضِه&#8221;، فالمَرَضُ لا يَمنَعُ ثَوابَه، فإنَّ المَرِيضَ المُؤَدِّيَ لِلفَرائِضِ -على قَدْرِ استِطاعَتِه- سيَنُوبُ المَرَضُ عن سائِرِ السُّنَنِ ويَحُلُّ مَحَلَّها أَثناءَ شِدّةِ المَرَضِ نِيابةً خالِصةً، لِمَا يَتَجمَّلُ به ذلك المَرِيضُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّوكُّلِ والقِيامِ بالفَرائِضِ، وكذا يُشعِرُ المَرَضُ الإِنسانَ بعَجزِه وضَعفِه، فيَتَضرَّعُ المَرِيضُ بذلك العَجزِ وذلك الضَّعفِ بالدُّعاءِ حالًا وقَولًا.. ولم يُودِعِ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى في الإِنسانِ عَجْزًا غَيرَ مَحدُودٍ وضَعْفًا غَيرَ مُتَناهٍ إلّا لِيَلتَجِئَ دائِمًا إلى الحَضْرةِ الإِلٰهِيّةِ بالدُّعاءِ سائِلًا راجِيًا، حَيثُ إنَّ الحِكْمةَ مِن خَلقِ الإِنسانِ والسَّبَبَ الأَساسَ لِأَهمِّيَّتِه هو الدُّعاءُ الخالِصُ بمَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، ولِكَونِ المَرَضِ سَبَبًا لِلدُّعاءِ الخالِصِ، فلا تَصِحُّ الشَّكوَى مِنه، بل يَجِبُ الشُّكرُ لله، ولا يَنبَغِي أن تُجَفَّف يَنابِيعُ الدُّعاءِ الَّتي فَجَّرَها المَرَضُ عِندَ كَسبِ العافِيةِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثالث عشر: قد يكون المرض هديةً وكنزًا]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّالثَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المِسكِينُ الشّاكِي مِنَ المَرَضِ، إنَّ المَرَضَ يَغدُو كَنزًا عَظِيمًا لِبَعضِ النّاسِ، وهَدِيّةً إِلٰهِيّةً ثَمِينةً لَهُم؛ وباستِطاعةِ كلِّ مَرِيضٍ أن يَتَصوَّرَ مَرَضَه مِن هذا النَّوعِ، حَيثُ إنَّ الحِكْمةَ الإِلٰهِيّةَ اقتَضَت أنْ يكُونَ الأَجَلُ مَجهُولًا وَقْتُه، إِنقاذًا لِلإِنسانِ مِنَ اليَأسِ المُطلَقِ ومِنَ الغَفْلةِ المُطلَقةِ، وإِبقاءً له بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، حِفظًا لِدُنياه وآخِرَتِه مِنَ السُّقُوطِ في هاوِيةِ الخُسرانِ.. أي إنَّ الأَجَلَ مُتَوقَّعٌ مَجِيئُه كلَّ حِينٍ، فإنْ تَمَكَّن مِنَ الإِنسانِ وهُو سادِرٌ في غَفْلَتِه يُكبِّدُه خَسائِرَ فادِحةً في حَياتِه الأُخرَوِيّةِ الأَبدِيّةِ؛ فالمَرَضُ يُبدِّدُ تلك الغَفْلةَ ويُشَتِّـتُها، وبالتّالي يُذَكِّرُ بالآخِرةِ ويَستَحضِرُ المَوتَ في الذِّهنِ فيَتَأهَّبُ له، بل يَحدُثُ أن يُرْبِحَه رِبحًا عَظِيمًا، فيَفُوزَ خِلالَ عِشرِينَ يَومًا بما قد يَستَعصِي استِحصالُه خِلالَ عِشرِينَ سَنةً كامِلةً.. فعلى سَبِيلِ المِثالِ:</p>
<p>كانَ هُناك فَتَيانِ -يَرحَمُهُما اللهُ- أَحَدُهُما يُدعَى &#8220;صَبْرِي&#8221; مِن قَريةِ &#8220;إِيلاما&#8221; والآخَرُ &#8220;مُصطَفَى وَزِير زادَه&#8221; مِن &#8220;إِسلام كُوْي&#8221;، ورَغمَ كَونِهِما أُمِّيَّينِ مِن بَينِ طُلَّابِي، فقد كُنتُ أَلحَظُ بإِعجابٍ مَوقِعَهُما في الصَّفِّ الأَوَّلِ في الوَفاءِ والصِّدقِ وفي خِدْمةِ الإِيمانِ، فلم أُدرِك حِكْمةَ ذلك في حِينِها، ولكِن بَعدَ وَفاتِهِما عَلِمتُ أنَّهُما كانا يُعانِيانِ مِن داءَينِ عُضالَينِ، وبإِرشادٍ مِن ذلك المَرَضِ أَصبَحا على تَقوَى عَظِيمةٍ يَسعَيانِ في خِدْمةٍ راقِيةٍ، وفي وَضْعٍ نافِعٍ لِآخِرَتِهما، على خِلافِ سائِرِ الشَّبابِ الغافِلِينَ التّارِكِينَ لِلفَرائِضِ.. فنَسأَلُ اللهَ أن تكُونَ سَنَتا المَرَضِ والمُعاناةِ اللَّتانِ قَضَياهُما في الحَياةِ الدُّنيا قد تَحَوَّلَتا إلى مَلايِينِ السِّنِينَ مِن سَعادةِ الحَياةِ الأَبدِيّةِ.</p>
<p>والآنَ فقط أَفهَمُ أنَّ دُعائِي لَهُما بالشِّفاءِ قد أَصبَحَ دُعاءً علَيْهِما مِن زاوِيةِ الدُّنيا، ولكِن أَرجُو اللهَ أن يكُونَ دُعائِي مُستَجابًا لِصِحَّتِهِما الأُخرَوِيّةِ. وهكَذا استَطاعَ هذانِ الشَّخصانِ -حَسَبَ اعتِقادِي- الحُصُولَ على رِبحٍ يُساوِي الكَسبَ الَّذي يُحَقِّقُه الإِنسانُ بالسَّعيِ والتَّقوَى لِعَشرِ سِنِينَ في الأَقلِّ، فلو كانا مُتَباهِيَينِ بصِحَّتِهِما كبَعضِ الشَّبابِ وسائِقَينِ لِنَفسَيهِما إلى شِراكِ الغَفْلةِ والسَّفاهةِ حتَّى يَأتِيَهُما المَوتُ المُتَرصَّدُ، وهُما يَتَخبَّطانِ في أَوْحالِ الخَطايا وظُلُماتِها، لَكان قَبراهُما جُحُورَ العَقارِبِ والأَفاعِي بَدَلًا مِن كَونِهِما الآنَ دَفائِنَ النُّورِ وكُنُوزَ البَهْجةِ.</p>
<p>فما دامَتِ الأَمراضُ تَحمِلُ في مَضامِينِها هذه المَنافِعَ الكَبِيرةَ فلا يَجُوزُ الشَّكوَى مِنها، بل يَجِبُ الِاعتِمادُ على الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ بالتَّوَكُّلِ والصَّبْرِ، بل بالحَمدِ والشُّكرِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الرابع عشر: المرض يفتح عين البصيرة]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الرَّابعَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ المُسدَلُ على عَينَيه، إذا أَدرَكْتَ أنَّ هُنالِك نُورًا، وأيُّ نُورٍ! <strong>وعَينًا مَعنَوِيّةً</strong> تَحتَ ذلك الحِجابِ المُسدَلِ على أَعيُنِ أَهلِ الإِيمانِ، فستَقُولُ: &#8220;شُكرًا وأَلفُ شُكرٍ لِرَبِّي الرَّحِيمِ&#8221;، وتَوضِيحًا لِهذا المَرهَمِ سأُورِدُ الحادِثةَ الآتِيةَ:</p>
<p>لقد أُصِيبَت عَمَّةُ &#8220;سُلَيْمانَ&#8221; -وهُو مِن &#8220;بارْلا&#8221;- الَّذي ظَلَّ يَخدُمُني دُونَ أن يَمَلَّني يَومًا أو أَتَضايَقَ بشَيءٍ مِنه طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ خِدمةً مَقرُونةً بكَمالِ الوَفاءِ والِاحتِرامِ.. أُصِيبَت هذه المِسكِينةُ بالعَمَى فانطَفَأ نُورُ عَينِها، ولِفَرْطِ حُسنِ ظَنِّ تلك المَرأةِ الصّالِحةِ بي أَكثَرَ مِمّا أَستَحِقُّ بكَثِيرٍ تَشَبَّثَتْ بي وأنا أُغادِرُ المَسجِدَ قائِلةً: &#8220;باللهِ علَيْك ادْعُ اللهَ لي مِن أَجلِ عَينِي&#8221;، وأنا بِدَوْرِي جَعَلتُ صَلاحَ تلك المَرأةِ المُبارَكةِ المُؤمِنةِ قَرِينًا وشَفِيعًا لِدُعائِي، فدَعَوتُ اللهَ بتَضَرُّعٍ وتَوَسُّلٍ قائِلًا: &#8220;اللَّهُمَّ يا رَبَّنا بحُرمةِ صَلاحِها اكْشِفْ عن بَصَرِها&#8221;.</p>
<p>وفي اليَومِ التّالي جاءَ طَبِيبٌ مِن وِلايةِ &#8220;بُورْدُور&#8221; القَرِيبةِ، وهُو مُختَصٌّ بالعُيُونِ، فعالَجَها، فرَدَّ اللهُ علَيْها بَصَرَها، وبَعدَ أَربَعِينَ يَومًا عادَت عَينُها إلى حالَتِها الأُولَى، فتَألَّمتُ لِذلِك كَثِيرًا ودَعَوتُ دُعاءً كَثِيرًا، وأَرجُو أن يكُونَ دُعائي مُستَجابًا على حِسابِ آخِرَتِها، وإلّا فإنَّ دُعائي ذلك سيُصبِحُ -خَطَأً- دُعاءً علَيْها، حَيثُ قد بَقِيَت لِتَستَوفِيَ أَجَلَها أَربَعِينَ يَومًا فقط؛ إذ بَعدَ أَربَعِينَ يَومًا مَضَت إلى رَحْمةِ اللهِ.</p>
<p>وهكذا، فإنَّ حِرمانَ هذه المَرأةِ المَرجُوِّ لَها الرَّحْمةُ مِن نِعمِة النَّظَرِ ببَصَرِ الشَّيخُوخةِ العَطُوفِ والِاستِمتاعِ بجَمالِ الحَدائِقِ الحَزِينةِ لـ&#8221;بارْلا&#8221; وإِسدالِ الحِجابِ بَينَها وبَينَ المُرُوجِ اللَّطِيفةِ خِلالَ أَربَعِينَ يَومًا، قد عَوَّض عنها الآنَ في قَبْرِها: إِطلالُها على الجَنّةِ ومُشاهِدةُ أَلفافِ حَدائِقِها الخَضراءِ لِأَربَعِينَ أَلفَ يَومٍ ويَومٍ.. ذلك لِأنَّ إِيمانَها كان راسِخًا عَمِيقًا وصَلاحَها كان مُشِعًّا عَظِيمًا.</p>
<p>نعم، المُؤمِنُ إذا ما أُسدِلَ على <strong>عَينَيه</strong> حِجابٌ ودَخَل القَبْرَ هكَذا، فإنَّه يَستَطِيعُ أن يُشاهِدَ عالَمَ النُّورِ -حَسَبَ دَرَجَتِه- بنَظَرٍ أَوسَعَ مِن نَظَرِ أَهلِ القُبُورِ؛ إذ كما أنَّنا نَرَى بعُيُونِنا أَكثَرَ الأَشياءِ في هذه الدُّنيا، والمُؤمِنُونَ العُميانُ لا يَستَطِيعُونَ رُؤيَتَها، ففي القَبْرِ أَيضًا سيَـرَى أُولَئِك العُميانُ -بتِلك الدَّرَجةِ- إن كانُوا أَصحابَ إِيمانٍ أَكثَرَ مِمّا يَراه أَهلُ القُبُورِ، وسيُشاهِدُونَ بَساتِينَ الجَنّةِ ونَعِيمَها كأنَّهُم مُزَوَّدُونَ بمَراصِدَ -كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه- تَلتَقِطُ مَناظِرَ الجَنّةِ الرّائِعةَ وتَعرِضُها كالشَّاشةِ السِّينَمائيّةِ أَمامَ أَعيُنِ أُولَئِك المَكفُوفِينَ الَّذِينَ حُرِمُوا مِن نُورِ أَبصارِهِم في الدُّنيا.</p>
<p>فبِإمكانِك أيُّها الأَخُ الحُصُولُ على هذه <strong>العَينِ النُّورانيّةِ</strong> الَّتي تَكشِفُ عنِ الجَنّةِ فيما فَوقَ السَّماواتِ العُلا وأَنتَ بَعدُ تَحتَ الثَّرَى، وذلك بالصَّبرِ والشُّكرِ على ذلك الحِجابِ المُسدَلِ على عَينَيك، واعْلَمْ أنَّ الحَكِيمَ المُختَصَّ بالعَينِ والقادِرَ على رَفعِ ذلك الحِجابِ عن عَينَيك لِتَرى بتلك <strong>العَينِ النُّورانيّةِ</strong>، إنَّما هو القُرآنُ الحَكِيمُ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الخامس عشر: المرض قد يُنيل درجة الولاية]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الخامِسَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ المُتَأوِّهُ بالأَنينِ.. لا تَتَأوَّهْ أَبدًا ولا تَئِنَّ ناظِرًا إلى صُورةِ المَرَضِ القَبِيحةِ المَذمُومةِ، بلِ انظُرْ إلى مَعناه وفَحْواه وانبَسِطْ قائِلًا: &#8220;الحَمدُ للهِ&#8221;.</p>
<p>فلو لم يَكُن مَعنَى المَرَضِ شَيئًا جَمِيلًا لَمَا كانَ الخالِقُ الرَّحِيمُ يَبتَلِي أَحَبَّ أَحِبّائِه مِن عِبادِه بالأَمراضِ والأَسقام، فقد جاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: &#8220;أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثمَّ الأَولياءُ، ثمَّ الأَمثَلُ فالأَمثَلُ&#8221; أو كما قال.</p>
<p>ويَقِفُ في مُقدِّمةِ المُبتَلَينَ النَّبِيُّ الصّابِرُ أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَام، ثمَّ الأَنبِياءُ الباقُونَ عَلَيهِم السَّلَام، ثمَّ الأَولِياءُ ثمَّ الصّالِحُونَ. وقد تَلَقَّوا جَمِيعًا تلك الأَمراضَ الَّتي قاسَوْها <strong>عِبادةً خالِصةً وهَدِيّةً رَحْمانيّةً،</strong> فأَدَّوُا الشُّكرَ مِن خِلالِ الصَّبرِ، وكانُوا يَرَونَها نَوعًا مِنَ <strong>العَمَلِيّاتِ الجِراحِيّةِ تُمنَحُ لَهُم مِن لَدُنِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ</strong>.</p>
<p>فأَنتَ أَيُّها المَرِيضُ المُتَأوِّهُ المُتَألِّمُ: إنْ كُنتَ تَرُومُ الِالتِحاقَ بهذه القافِلةِ النُّورانيّةِ، فأَدِّ الشُّكرَ في ثَنايا الصَّبْرِ، وإلّا فإنَّ شَكْواك ستَجعَلُهُم يُحجِمُونَ عن ضَمِّك إلى قافِلَتِهِم، وستَهوِي بنَفسِك في هُوّةِ الغافِلِينَ! وستَسلُكُ دَرْبًا تُخَيِّمُ علَيْه الظُّلُماتُ.</p>
<p>نعم، هُنالِك أَمراضٌ إذا أَعقَبَتْها المَنِيّةُ، يُكَلَّلُ صاحِبُها بشَهادةٍ مَعنَوِيّةٍ <strong>تَجعَلُه يُحرِزُ مَقامَ الوِلايةِ للهِ،</strong> وهِي تلك الأَمراضُ الَّتي تَتَمخَّضُ عنِ الوِلادةِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، وغُصَصِ البَطنِ، والغَرَقِ والحَرقِ والطَّاعُونِ، فهذه الأَمراضُ إذا ماتَ بها صاحِبُها فإنَّه سيَرتَفِعُ إلى دَرَجةِ الشَّهِيدِ المَعنَوِيِّ. <strong>فهُنالِك أَمراضٌ كَثِيرةٌ ذاتُ بَرَكةٍ تُكسِبُ صاحِبَها دَرَجةَ الوِلايةِ بالمَوتِ الَّذي تَنتَهِي به</strong>؛ ولَمّا كانَ المَرَضُ يُخَفِّفُ مِن شِدّةِ حُبِّ الدُّنيا وغَلْوائِها ومِن عِشقِها والعَلاقةِ الشَّدِيدةِ بها؛ فهُو يُخَفِّفُ كَذلِك الفِراقَ الأَلِيمَ والمُرَّ لِأَهلِ الدُّنيا وهُم يُغادِرُونَها بالمَوتِ بل قد يُحبِّبُه إلَيْهِم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء السادس عشر: المرض يُعلِّم صاحبَه الاحترام والمحبة]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ السّادِسَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الشَّاكِي مِنَ الضَّجَرِ.. إنَّ المَرَض يُلقِّنُ صاحِبَه أَهَمَّ عُرَى الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والإِنسانيّةِ وأَجمَلَ أَواصِرَها، وهُما <strong>الِاحتِرامُ والمَحَبّةُ،</strong> لِأنَّه <strong>يُنقِذُ الإِنسانَ مِنَ الِاستِغناءِ عنِ الآخَرِينَ،</strong> ذلك الِاستِغناءِ الَّذي يَسُوقُ إلى الوَحْشةِ ويُجَرِّدُ الإِنسانَ مِنَ الرَّحمةِ، لِأنَّه كما يَتَبيَّنُ مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ أنَّ النَّفسَ الأَمّارةَ الواقِعةَ في شِباكِ الِاستِغناءِ -النَّاجِمِ عنِ الصِّحّةِ والعافِيةِ- لن تَشعُرَ بالِاحتِرامِ اللَّائِقِ تِجاهَ العَلاقاتِ الأَخَوِيّةِ، ولن تُحِسَّ بالرَّحمةِ والرَّأفةِ بالمُبتَلَينَ بالمَصائِبِ والأَمراضِ الجَدِيرِينَ بالرَّحمةِ والعَطفِ.</p>
<p>ولكِن مَتَى ما انتابَ الإِنسانَ المَرَضُ وأَدرَك مَدَى عَجْزِه، ومَدَى فَقْرِه، تَحتَ ضُغُوطِ المَرَضِ وآلامِه وأَثقالِه، فإنَّه <strong>يَشعُرُ بالِاحتِرامِ لِإخوانِه المُؤمِنِينَ اللّائِقِينَ بالِاحتِرامِ</strong>، الَّذِينَ يَقُومُونَ برِعايتِه، أوِ الَّذِينَ يَأتُونَ لِعِيادَتِه، <strong>ويَشعُرُ كَذلِك بالرَّأفةِ الإِنسانيّةِ</strong> وهِي خَصْلةٌ إِسلاميّةٌ تِجاهَ أَهلِ المَصائِبِ والبَلايا -قِياسًا على نَفسِه- <strong>فتَفِيضُ مِن قَلبِه الرَّحمةُ والرَّأفةُ</strong> بكُلِّ مَعانيهِما تِجاهَهُم، وتَضطَرِمُ عِندَه الشَّفَقةُ حارّةً إِزاءَهُم، وإذا استَطاعَ قَدَّم لَهُم يَدَ العَوْنِ، وإن لم يَقدِر علَيْه شَرَع بالدُّعاءِ لَهُم، أو بزِيارَتِهِم والِاستِفسارِ عن راحَتِهِم وأَحوالِهِم، مُؤَدِّيًا بذلك سُنّةً مَشرُوعةً كاسِبًا ثَوابَها العَظِيمَ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء السابع عشر: المرض وسيلةٌ للدعاء المجاب]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ السَّابِعَ عَشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الشّاكِي مِنَ العَجزِ عنِ القِيامِ بأَعمالِ البِرِّ.. كُن شاكِرًا، فإنِّي أُبَشِّرُك بأنَّ الَّذي <strong>يَفتَحُ أَبوابَ أَخلَصِ الخَيراتِ</strong> إنَّما هو المَرَضُ نَفسُه، فالمَرَضُ فَضلًا عن أنَّه يُورِثُ ثَوابًا مُستَمِرًّا لِلمَرِيضِ ولِلَّذِينَ يَرعَوْنَه لوَجهِ اللهِ، <strong>فهُو يُمثِّلُ أَهَمَّ وَسِيلةٍ لِقَبُولِ الدُّعاءِ</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّ <strong>رِعايةَ المَرضَى تَجلُبُ لِأَهلِ الإِيمانِ ثَوابًا عَظِيمًا</strong>، وإنَّ زِيارَتَهُم والسُّؤالَ عن صِحَّتِهِم وراحَتِهِم بشَرطِ عَدَمِ تَنغِيصِهِم لَهِيَ مِنَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ، وهِي كَفّارةٌ لِلذُّنُوبِ في الوَقتِ نَفسِه.. وقد وَرَد حَدِيثٌ بهذا المَعنَى: &#8220;اُطلُبُوا دُعاءَ المَرِيضِ فدُعاؤُه مُستَجابٌ&#8221;، وبخاصّةٍ إنْ كانَ المَرِيضُ مِنَ الأَقرَبِينَ، وبخاصّةٍ إن كانَ والِدًا أو والِدةً، فإنَّ خِدْمَتَهُما هي عِبادةٌ مُهِمّةٌ وهِي مَثُوبةٌ كُبرَى أَيضًا.. وإنَّ تَطمِينَ أَفئِدةِ المَرضَى وبَثَّ السُّلوانِ في قُلُوبِهِم، يُعتَبَرُ بحُكْمِ صَدَقةٍ مُهِمّةٍ.. فما أَسعَدَ أُولَئِك الأَبناءَ الَّذِينَ يَقُومُونَ برِعايةِ آبائِهِم أو أُمَّهاتِهِم عِندَ مَرَضِهِم، ويُدخِلُونَ البَهْجةَ في قُلُوبِهِمُ الرَّقيقةِ المُرهَفةِ، فيَفُوزُونَ بدُعاءِ الوالِدَينِ لَهُم.</p>
<p>نعم، إنَّ الحَقِيقةَ الَّتي تَستَحِقُّ احتِرامًا أَكثَرَ ومَكانةً أَسمَى في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ هي <strong>شَفَقةُ الوالِدَينِ</strong>، وتَعوِيضُ الأَبناءِ الطَّيِّبِينَ لِتِلك الشَّفَقةِ، بتَوجِيهِ الِاحتِرامِ اللّائِقِ والعاطِفةِ البارّةِ الزَّكِيّةِ إلَيْهِما حِينَما يُعانُونَ مِن مَرَضٍ.. وهِي لَوْحةٌ وَفِيّةٌ تُظهِرُ الوَضْعَ الجَيِّدَ لِلأَبناءِ وسُمُوَّ الإِنسانيّةِ بحَيثُ تُثِيرُ إِعجابَ كلِّ المَخلُوقاتِ حتَّى المَلائِكةَ، فيُحَيُّونَها مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ وهاتِفِينَ: &#8220;ما شاءَ اللهُ! بارَكَ اللهُ!&#8221;.</p>
<p>نعم، إنَّ <strong>العَواطِفَ والرَّأفةَ والرَّحْمةَ المُحَلِّقةَ حَوالَيِ المَرِيضِ لَتُذِيبُ أَلَمَ المَرِيضِ وتُحَوِّلُه إلى لَذّاتٍ حُلْوةٍ مُفرِحةٍ</strong>.</p>
<p>إنَّ قَبُولَ دُعاءِ المَرِيضِ والِاستِجابةَ له مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ جَدِيرةٌ بالِاهتِمامِ، فمُنذُ حَوالَيْ أَربَعِينَ سَنةً كُنتُ أَدعُو لِلشِّفاءِ مِن مَرَضٍ في ظَهْرِي، ثمَّ أَدرَكتُ أنَّ المَرَضَ يُمنَحُ لِأَجلِ الدُّعاءِ، ولِأَنَّ الدُّعاءَ لا يَرفَعُ دُعاءً، أي: أنَّ الدُّعاءَ لِعَدَمِ تَمَكُّنِه مِن إِزالةِ نَفسِه فإنَّ نَتِيجَتَه أُخرَوِيّةٌ<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p>والدُّعاءُ بذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ، إذ يَلتَجِئُ المَرِيضُ إلى المَلاذِ الإِلٰهِيِّ عِندَ إِدراكِه لِعَجْزِه.</p>
<p>ولِهذا فإنَّ عَدَمَ القَبُولِ الظّاهِرِيَّ لِدَعوَتِي بالشِّفاءِ مِن مَرَضِي طَوالَ ثَلاثِينَ سَنةً لم يَصرِفْني أَبدًا إلى التَّفكِيرِ في يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ بتَركِه والتَّخَلِّي عنه، ذلك <strong>لِأنَّ المَرَضَ أَوانُ الدُّعاءِ ووَقتُه، والشِّفاءَ ليس نَتِيجةَ الدُّعاءِ،</strong> بل إذا وَهَب اللهُ سُبحانَه -وهُو الحَكِيمُ الرَّحِيمُ- الشِّفاءَ فإنَّه يَهَبُه مِن فَضلِه وكَرَمِه، <strong>وإنَّ عَدَم قَبُولِ الدُّعاءِ بالشَّكلِ الَّذي نُرِيدُه لا يَقُودُنا إلى القَولِ بأنَّ الدُّعاءَ لم يُستَجَب،</strong> فالخالِقُ الحَكِيمُ يَعلَمُ أَفضَلَ مِنّا ونَحنُ نَجهَلُ، وأنَّه سُبحانَه يَسُوقُ إلَيْنا ما هو خَيرٌ لنا وأَنفَعُ، وأنَّه يَدَّخِرُ لنا الأَدعِيةَ الخاصّةَ بدُنيانا أَحيانًا لِتَنفَعَنا في أُخرانا، وهكذا يَقبَلُ الدُّعاءَ.</p>
<p>وعلى كُلِّ حالٍ، فإنَّ الدُّعاءَ الَّذي اكتَسَب الإِخلاصَ النّابِعَ مِن سِرِّ المَرَضِ والآتِيَ مِنَ الضَّعفِ والعَجزِ والتَّذَلُّلِ والِاحتِياجِ، قَرِيبٌ جِدًّا مِنَ القَبُولِ؛ <strong>والمَرَضُ أَساسٌ لِمِثلِ هذا الدُّعاءِ الخالِصِ ومَدارُه؛ </strong>فالمَرِيضُ والَّذِينَ يَقُومُونَ برِعايَتِه مِنَ المُؤمِنِينَ يَنبَغِي أن يَستَفِيدُوا مِن هذا الدُّعاءِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثامن عشر: انظر إلى من هو دونك]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّامِنَ عَشَر</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ التَّارِكُ لِلشُّكرِ والمُستَسلِمُ لِلشَّكوَى..</p>
<p>الشَّكوَى تكُونُ نابِعةً مِن وُجُودِ حَقٍّ يَعُودُ إِلَيْك، وأَنتَ لم يَذهَب حَقُّك سُدًى حتَّى تَشكُوَ، بل علَيْك حُقُوقٌ كَثِيرةٌ لم تُؤَدِّ بَعدُ شُكرَها.. إنَّك لم تُؤَدِّ حَقَّ اللهِ علَيْك، وفَوقَ ذلك تَقُومُ بالشَّكوَى بالباطِلِ وكأَنَّك على حَقٍّ، فلَيسَ لك أن تَشكُوَ ناظِرًا إلى مَن هو أَعلَى مِنك مَرتَبةً مِنَ الأَصِحّاءِ، بل علَيْك النَّظَرُ إلى أُولَئِك العاجِزِينَ مِنَ المَرضَى الَّذِينَ هُم أَدنَى مِنك دَرَجةً مِن زاوِيةِ الصِّحّةِ.</p>
<p>فأَنتَ مُكلَّفٌ إِذًا بالشُّكرِ الجَزِيلِ، فإذا كانَت يَدُك مَكسُورةً فتَأَمَّلِ الأَيدِيَ المَبتُورةَ، وإذا كُنتَ ذا عَينٍ واحِدةٍ فتَأَمَّلِ الفاقِدِينَ لِكِلتا العَينَينِ.. حتَّى تَشكُرَ اللهَ سُبحانَه.</p>
<p>نعم، فلَيسَ لِأَحَدٍ في زاوِيةِ النِّعمةِ حَقٌّ بمَدِّ البَصَرِ إلى مَن هو فَوقَه، لِتَتَأجَّجَ نارُ الشَّكوَى المُحرِقةُ عِندَه، وعِندَ المُصِيبةِ يَتَحتَّمُ على المَرءِ النَّظَرُ إلى مَن هو أَشَدُّ مِنه مُصِيبةً وأَعظَمُ مَرَضًا لِيَشكُرَ بعدَ ذلك قانِعًا بما هو فيه.. وقد وُضِّحَ هذا السِّرُّ في بَعضِ الرَّسائِلِ بمِثالٍ مَقتَضاه كالآتي:</p>
<p>شَخصٌ يَأخُذُ بِيَدِ مِسكِينٍ ليُصعِدَهُ إلى قِمّةِ مَنارةٍ، ويُهدِي إلَيْه في كلِّ دَرَجةٍ مِن دَرَجاتِ المَنارةِ هَدِيّةً، وأَخِيرًا يَختِمُ تلك الهَدايا بأَعظَمِ هَدِيّةٍ يَهَبُها له عِندَ قِمّةِ المَنارةِ.. وإذ كانَ المَفرُوضُ على هذا المِسكِينِ أن يُقدِّمَ الشُّكرَ والِامتِنانَ إِزاءَ الهَدايا المُتَنوِّعةِ، تَراه يَتَناسَى كلَّ تلك الهَدايا الَّتي أَخَذَها عِندَ تلك الدَّرَجاتِ، أو يَعُدُّها غَيرَ ذاتِ بالٍ، فلا يَشكُرُ، رافِعًا بَصَرَه إلى مَن هو أَعلَى مِنه شاكِيًا قائِلًا: &#8220;لو كانَت هذه المَنارةُ أَعلَى مِمّا هي علَيْه، لِأَبلُغَ أَعلَى دَرَجةٍ مِن هذه الدَّرَجاتِ! لِمَ لم تُصبِحْ مِثلَ ذلك الجَبَلِ الشّاهِقِ ارتفِاعًا أوِ المَنارةِ المُجاوِرةِ؟!&#8221;.</p>
<p>وهكذا إذا قامَ هذا الرَّجُلُ بهذه الشَّكوَى، فما أَعظَمَ ما يَرتَكِبُه مِن كُفْرانٍ بالنِّعمةِ! وما أَعظَمَ ما يَقتَرِفُ مِن تَجاوُزٍ على الحَقِّ! وكذا حالُ الإِنسانِ الَّذي أَتَى إلى الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ ولم يُصبِح حَجَرًا ولا شَجَرًا ولا حَيَوانًا، بل إِنسانًا مُسلِمًا، وقد تَمَتَّع كَثِيرًا بالصِّحّةِ والعافِيةِ، ونالَ دَرَجةً مِنَ النِّعمةِ سامِيةً.. معَ هذا يَأتِي هذا الإِنسانُ ويُظهِرُ الشَّكوَى مِن عَدَمِ تَمَتُّعِه بالصِّحّةِ والعافِيةِ نَتِيجةَ بَعضِ العَوارِضِ، أو لِإضاعَتِه النِّعَمَ بسُوءِ اختِيارِه، أو مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، أو لِعَجْزِه عنِ الوُصُولِ إلَيْها، ثمَّ يقُولُ: &#8220;يا وَيْلَتا! ماذا جَنَيتُ حتَّى حَلَّ بي ما حَلَّ&#8221;، ناطِقًا بما يَشِي بانتِقادٍ لِلرُّبُوبيّةِ الإِلٰهِيّةِ. فهذه الحالةُ هي مَرَضٌ مَعنَوِيٌّ ومُصِيبةٌ أَكبَرُ مِنَ المَرَضِ المادِّيِّ والمُصِيبةِ الَّتي هو فيها، فهُو يَزِيدُ مَرَضَه بالشَّكوَى كمَن يُصارِعُ ويَدُه مَرضُوضةٌ؛ لكِنَّ العاقِلَ هو الَّذي يُسَلِّمُ الأَمرَ للهِ صابِرًا بِسِرِّ: لِكُلِّ مُصِيبةٍ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ حتَّى يَنتَهِيَ ذلك المَرَضُ مِن أَداءِ وَظِيفَتِه ويَمضِيَ إلى شَأْنِه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء التاسع عشر: المرض ضيف موظَّف مؤقت]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ التَّاسِعَ عشَرَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ التَّعبِيرَ الصَّمَدانِيَّ بإِطلاقِ &#8220;الأَسماءِ الحُسنَى&#8221; على جَمِيعِ أَسماءِ اللهِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ يَدُلُّ على أنَّ تلك الأَسماءَ جَمِيلةٌ كُلُّها، وحَيثُ إنَّ الحَياةَ هي أَجمَلُ مِرآةٍ صَمَدِيّةٍ وأَلطَفُها وأَجمَعُها في المَوجُوداتِ، وإنَّ مِرآةَ الجَمِيلِ جَمِيلةٌ أَيضًا، وإنَّ المِرآةَ الَّتي تَعكِسُ مَحاسِنَ الجَمِيلِ تُصبِحُ جَمِيلةً أَيضًا، وإنَّ كلَّ شَيءٍ يُصِيبُ تلك المِرآةَ مِن ذلك الجَمِيلِ هو جَمِيلٌ كَذلِك، فكُلُّ ما يُصِيبُ الحَياةَ جَمِيلٌ أَيضًا مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، ذلك لِأنَّه يُظهِرُ النُّقُوشَ الجَمِيلةَ لِتِلك &#8220;الأَسماءِ الحُسنَى&#8221; الجَمِيلةِ.</p>
<p>فلو مَضَتِ الحَياةُ بالصِّحّةِ والعافيةِ على نَسَقٍ واحِدٍ، لَأَصبَحَت مِرآةً ناقِصةً، بل قد تُشعِرُ -في جِهةٍ مّا- بالعَدَمِ والعَبَثِ، فتُذِيقُ العَذابَ والضِّيقَ، وتَهبِطُ قِيمةُ الحَياةِ، وتَنقَلِبُ لَذّةُ العُمُرِ وهَناؤُه إلى أَلَمٍ وغُصّةٍ، فيُلقِي الإِنسانُ بنَفسِه إمّا إلى أَوْحالِ السَّفاهةِ أو إلى أَوْكارِ اللَّهوِ والعَربَدةِ لِيَقضِيَ وَقتَه سَرِيعًا، مَثَلُه كمَثَلِ المَسجُونِ الَّذي يُعادِي عُمُرَه الثَّمِينَ ويَقتُلُه بسُرعةٍ، بُغْيةَ إِنهاءِ مُدّةِ السِّجنِ؛ ولكِنَّ الحَياةَ الَّتي تَمضِي بالتَّحَوُّلاتِ والحَرَكةِ وتَقضِي أَطْوارًا شَتَّى فإنَّها تُشعِرُ أنَّ لها قِيمةً ووَزْنًا، وتُنتِجُ -هذه الحَياةُ- لِلعُمُرِ أَهَمِّيّةً وتُكسِبُه لَذّةً، حتَّى إنَّ الإِنسانَ لا يَرغَبُ في أن يَمضِيَ عُمُرُه، رَغمَ ما يُعانِيه مِن أَصنافِ المَشاقِّ والمَصائِبِ، ولا يَتَأوَّهُ ولا يَتَحسَّرُ قائِلًا: &#8220;أنَّى لِلشَّمسِ أن تَغِيبَ، وأنَّى لِلَّيْلِ أن يَنجَلِيَ!&#8221;.</p>
<p>نعم، إنْ شِئتَ فاسْأَلْ شَخْصًا ثَرِيًّا عاطِلًا، كلُّ شَيءٍ عِندَه على ما يُرامُ، اسْأَلْه: كَيفَ حالُك؟ فستَسمَعُ مِنه حَتْمًا عِباراتٍ أَلِيمةً وحَسْرةً مِثلَ: آهٍ مِن هذا الوَقتِ.. إنَه لا يَمُرُّ.. ألا تَأتِي لِنَبحَثَ عن لَهْوٍ نَقضِي به الوَقتَ؟ هلُمَّ لِنَلعَبَ النَّردَ قلِيلًا..!. أو تَسمَعُ شَكاوَى ناجِمةً عن طُولِ الأَمَلِ مِثلَ: إنَّ أَمرِي الفُلانِيَّ ناقِصٌ.. لَيتَنِي أَفعَلُ كذا وكذا.. أمّا إذا سَأَلتَ فَقِيرًا غارِقًا في المَصائِبِ أو عامِلًا كادِحًا: كَيفَ حالُك؟ فإنْ كانَ رَشِيدًا فسيَقُولُ لك: إنِّي بخَيرٍ والحَمدُ للهِ، وأَلفُ شُكرٍ لِرَبِّي، فإنِّي في سَعيٍ دائِمٍ.. يا حَبَّذا لو لم تَغرُبِ الشَّمسُ بسُرعةٍ لِأَقضِيَ ما في يَدِي مِن عَمَل؛ فالوَقتُ يَمُرُّ حَثِيثًا والعُمُرُ يَمضِي دُونَ تَوَقُّفٍ، ورَغمَ أنِّي مُنهَمِكٌ في الواقِعِ، إلّا أنَّ هذا سيَمضِي أَيضًا.. فكُلُّ شَيءٍ يَحُثُّ خُطاه على هذا المِنوالِ..!! فهُو بهذه الأَقوالِ إنَّما يُعبِّـرُ عن قِيمةِ العُمُرِ وأَهَمِّيَّتِه ضِمنَ أَسَفِه على العُمُرِ الَّذي يَهرُبُ مِنه، آسِفًا على ذلك.. فهُو يُدرِكُ لَذَّةَ العُمُرِ وقِيمةَ الحَياةِ بواسِطةِ الكَدِّ والمَشَقّةِ، أمّا الرّاحةُ والدَّعةُ والصِّحّةُ والعافِيةُ فهِي تَجعَلُ العُمُرَ مُرًّا، وتُثقِلُه بحَيثُ يَتَمنَّى المَرءُ الخَلاصَ مِنه بسُرعةٍ.</p>
<p>أيُّها الأَخُ المَرِيضُ، <strong>اِعلَمْ أنَّ أَصلَ المَصائِبِ والشُّرُورِ -بل حتَّى الذُّنوبِ- إنَّما هو العَدَمُ</strong> كما أُثبِتَ ذلك إِثباتًا قاطِعًا ومُفَصَّلًا في سائِرِ الرَّسائِلِ؛ والعَدَمُ هو شَرٌّ مَحضٌ وظُلمةٌ تامّةٌ؛ فالتَّوَقُّفُ والرَّاحةُ والسُّكُونُ على نَسَقٍ واحِدٍ ووَتيرةٍ واحِدةٍ حالاتٌ قَرِيبةٌ جِدًّا مِنَ العَدَمِ والعَبَثِ، ودُنُوُّها هذا هو الَّذي يُشعِرُ بالظُّلمةِ المَوجُودةِ في العَدَمِ ويُورِثُ ضَجَرًا وضِيقًا؛ أمَّا الحَرَكةُ والتَّحَوُّلُ فهُما وُجُودانِ ويُشعِرانِ بالوُجُودِ، والوُجُودُ هو خَيرٌ خالِصٌ ونُورٌ.</p>
<p>فما دامَتِ الحَقِيقةُ هكذا، <strong>فإنَّ المَرَضَ الَّذي فيكَ إنَّما هو ضَيفٌ مُرسَلٌ إلَيْك لِيُؤَدِّيَ وَظائِفَه الكَثِيرةَ، فهُو يَقُومُ بتَصفِيةِ حَياتِك القَيِّمةِ وتَقوِيَتِها، ويَرتَقِي بها ويُوَجِّهُ سائِرَ الأَجهِزةِ الإِنسانيّةِ الأُخرَى في جَسَدِك إلى مُعاوَنةِ ذلك العُضوِ العَلِيلِ، ويُبْرِزُ نُقُوشَ أَسماءِ الصَّانِعِ الحَكِيمِ، وسيَنتَهِي مِن وَظِيفَتِه قَرِيبًا إن شاءَ اللهُ</strong> ويَمضِي إلى شَأْنِه مُخاطِبًا العافِيةَ: تَعالَيِ الآنَ لِتَمكُثِي مَكاني دائِمًا، وتُراقِبِي أَداءَ وَظِيفَتِكِ مِن جَدِيدٍ، فهذا مَكانُكِ، تَسَلَّمِيه واسْكُنِيه.. هَنِيئًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء العشرون: المرض قسمان، ولكلٍّ علاجُه]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ العِشرُونَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الباحِثُ عن دَوائِه.. <strong>اِعْلَمْ أنَّ المَرَضَ قِسمانِ: قِسمٌ حَقِيقيٌّ، وقِسمٌ آخَرُ وَهْمِيٌّ</strong>.</p>
<p>أمّا القِسمُ الحَقِيقيُّ: فقد جَعَل الشّافي الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَلَّ وعلا لِكُلِّ داءٍ دَواءً، وخَزَنَه في صَيْدليَّتِه الكُبْرَى الَّتي هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، فتِلك الأَدوِيةُ تَستَدعِي الأَدْواءَ، وقد خَلَق سُبحانَه لِكُلِّ داءٍ دَواءً، فاستِعمالُ العِلاجِ وتَناوُلُه لِغَرَضِ التَّداوِي مَشرُوعٌ أَصلًا؛ ولكِن <strong>يَجِبُ العِلمُ بأنَّ الشِّفاءَ وتَأثِيرَ الدَّواءِ لا يكُونانِ إلّا مِنَ الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى</strong>، فمِثْلَما أنَّه سُبحانَه يَهَبُ الدَّواءَ فهُو أَيضًا يَهَبُ الشِّفاءَ.</p>
<p>وإِنَّ الِامتِثالَ لِإِرشادِ الأَطِبَّاءِ الحاذِقِينَ المُتدَيِّنِينَ والأَخذَ بِنَصائِحِهِم عِلاجٌ مُهِمٌّ، لِأنَّ أَكثَرَ الأَمراضِ تَتَولَّدُ مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، وعَدَمِ الحِمْيةِ، وإِهمالِ الإِرشادِ، والإِسرافِ، والذُّنُوبِ، والسَّفاهةِ، وعَدَمِ الحَذَرِ؛ فالطَّبِيبُ المُتَديِّنُ لا شَكَّ أنَّه يَنصَحُ ضِمنَ الدّائِرةِ المَشرُوعةِ، ويُقدِّمُ وَصاياه، ويُحَذِّرُ مِن سُوءِ الِاستِعمالِ والإِسرافِ، ويَبُثُّ في نَفسِ المَرِيضِ التَّسلِيةَ والأَمَلَ؛ والمَرِيضُ بدَوْرِه اعتِمادًا على تلك الوَصايا والسُّلوانِ يَخِفُّ مَرَضُه ويَغمُرُه الفَرَحُ بَدَلًا مِنَ الضِّيقِ والضَّجَرِ.</p>
<p>أمّا القِسمُ الوَهمِيُّ مِنَ المَرَضِ: فإنَّ عِلاجَه المُؤثِّرَ النَاجعَ هو: &#8220;الإِهمالُ&#8221;، إذ يَكبُـرُ الوَهْمُ بالِاهتِمامِ ويَنتَفِشُ، وإذا لم يُعبَأ به فإنَّه يَصغُرُ ويَنزَوِي ويَتَلاشَى؛ فكما أنَّ الإِنسانَ إذا تَعَرَّضَ لِوَكْرِ الزَّنابِيرِ فإنَّها تَتَجمَّعُ وتَهجُمُ علَيْه، وإن لم يَهتَمَّ تَتَفرَّقْ عنه وتَتَشتَّتْ.. وكما أنَّ الَّذي يُلاحِقُ باهتِمامٍ خَيالًا في الظُّلُماتِ مِن حَبلٍ مُتَدلٍّ، سيَكبُرُ أَمامَه ذلك الخَيالُ حتَّى قد يُوصِلُه إلى الفِرارِ كالمَعتُوهِ، وإذا لم يَهتَمَّ فسيَنكَشِفُ له أنَّ ذلك إنَّما هو حَبلٌ وليس بثُعبانٍ، ويَبدَأُ بالسُّخرِيةِ مِنِ اضطِرابِ ذِهنِه وتَوَهُّمِه.. <strong>فهذا المَرَضُ الوَهمِيُّ كَذلِك إذا دامَ كَثِيرًا فسيَنقَلِبُ إلى مَرَضٍ حَقِيقيٍّ،</strong> فالوَهْمُ عِندَ مُرهَفِ الحِسِّ عَصَبِيِّ المِزاجِ مَرَضٌ وَبِيلٌ جِدًّا، حَيثُ يَستَهْوِلُه ويَجعَلُ له الحَبَّة قُبّةً، فتَنهارُ قُوَّتُه المَعنَوِيّةُ، وبخاصّةٍ إذا صادَفَ أَنصافَ الأَطِبّاءِ ذَوِي القُلُوبِ الغِلاظِ الخالِيةِ مِنَ الرَّحْمةِ، أوِ الأَطِبّاءَ غَيرَ المُنصِفِينَ، الَّذِينَ يُثيرُونَ أَوْهامَه ويُحرِّكُونَها أَكثَرَ مِن ذِي قَبلُ حتَّى تَذهَبَ أَموالُه وتَنضُبَ إن كانَ غَنِيًّا، أو يَفقِدَ عَقلَه أو يَخسَرَ صِحَّتَه تَمامًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الحادي والعشرون: الألم المادي يجلب لذةً معنويةً تَفُوقُه]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الحادِي والعِشرُون</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الأَخُ المَرِيضُ، <strong>حَقًّا إنَّ في مَرَضِك أَلَمًا مادِّيًّا، إلّا أنَّ لَذّةً مَعنَوِيّةً مُهِمّةً تُحِيطُ بك، تَمحُو كلَّ آثارِ ذلك الأَلَمِ المادِّيِّ،</strong> فإِنَّ أَلَمَك المادِّيَّ لا يَفُوقُ تلك الرَّأْفةَ أوِ الشَّفَقةَ اللَّذِيذةَ الَّتي نَسِيتَها مُنذُ الصِّغَرِ، والَّتي تَتَفجَّرُ الآنَ مِن جَدِيدٍ في أَكبادِ والِدَيك وأَقارِبِك نَحوَك إنْ كانَ لك والِدانِ وأَقارِبُ؛ حَيثُ ستَستَعِيدُ تلك العَواطِفَ والنَّظَراتِ الأَبَوِيّةَ الحَنُونةَ الحُلْوةَ الَّتي كانَت تَتَوجَّهُ إلَيْك في الطُّفُولةِ، ويَنكَشِفُ الحِجابُ عن أَحِبّائِك مِن حَوالَيْك لِيَرعَوْك مِن جَدِيدٍ ويَنطَلِقُوا إلَيْك بمَحَبَّتِهم ورَأْفَتِهِم بجاذِبِيّةِ المَرَضِ الَّتي أَثارَت تلك العَواطِفَ الدّاخِلِيّةَ.</p>
<p>فما أَرخَصَ تلك الآلامَ المادِّيّةَ الَّتي تُعاني مِنها أَمامَ ما يُؤَدِّيه لك مِن خِدْماتٍ جَلِيلةٍ مَمزُوجةٍ بالرَّحْمةِ والرَّأْفةِ بحُكْمِ مَرَضِك مِن أُولَئِك الَّذِينَ سَعَيتَ أنتَ -بكُلِّ فَخرٍ- لِخِدمَتِهِم ونَيلِ رِضاهُم! فأَصبَحتَ بذلك سَيِّدًا وآمِرًا علَيْهِم، وفُزتَ أَيضًا بمَرَضِك في كَسْبِ المَزِيدِ مِنَ الأَحِبّةِ المُعاوِنينَ والأَخِلّاءِ المُشفِقِينَ.. فتَضُمُّهُم إلَيْك الرِّقّةُ والرَّأْفةُ الإِنسانيّةُ اللَّتانِ جُبِلَ علَيْهِما الإِنسانُ. ثمَّ إنَّك قد أَخَذتَ بمَرَضِك هذا إِجازةً مِنَ الوَظائِفِ الشّاقّةِ المُهلِكةِ، فأَنتَ الآنَ في غِنًى عنها وفي راحةٍ مِنها.. فلا يَنبَغِي أن يَسُوقَك أَلَمُك الجُزئيُّ إلى الشَّكْوَى، بل إلى الشُّكرِ تِجاهَ هذه اللَّذّاتِ المَعنَوِيّةِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثاني والعشرون: إلى أصحاب الداء العضال]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّاني والعِشرُونَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الأَخُ المَرِيضُ بِداءٍ عُضالٍ كالشَّلَلِ، <strong>إِنَّني أُبَشِّرُك أوَّلًا بأنَّ الشَّلَلَ يُعَدُّ مِنَ الأَمراضِ المُبارَكةِ لِلمُؤمِنِ</strong>.. لقد كُنتُ أَسمَعُ هذا مُنذُ مُدّةٍ مِنَ الأَوْلياءِ الصّالِحِينَ، فكُنتُ أَجهَلُ سِرَّه، ويَخطُرُ الآنَ أَحَدُ أَسرارِه على قَلبِي هكَذا:</p>
<p>إنَّ أَهلَ الوِلايةِ قد تَعَقَّبُوا بإِرادَتِهِم أَساسَينِ مُهِمَّينِ لِلوُصُولِ إلى الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى نَجاةً مِن أَخطارٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ تَرِدُ مِنَ الدُّنيا وضَمانًا لِلسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، والأَساسانِ:</p>
<p><strong>أوَّلُهُما</strong>: <strong>رابِطةُ المَوتِ</strong>، أي: إنَّهُم سَعَوْا لِأَجلِ سَعادَتِهِم في الحَياةِ الأَبَدِيّةِ بالتَّفكُّرِ في فَناءِ الدُّنيا، وبأنَّهُم ضُيُوفٌ يُستَخدَمُونَ لِوَظائِفَ مُوَقَّتةٍ.</p>
<p><strong>وثانيهِما</strong>: <strong>إِماتةُ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ</strong> بالمُجاهَداتِ والرِّياضةِ الرُّوحِيّةِ لِأَجلِ الخَلاصِ مِن مَهالِكِ تلك النَّفسِ، والأَحاسِيسِ الَّتي لا تَرَى العُقبَى.</p>
<p>فيا أَخِي الَّذي فَقَد صِحّةَ نِصفِ كِيانِه، <strong>لقد أُودِعَ فيك دُونَ اختِيارٍ مِنك أَساسانِ قَصِيرانِ سَهْلانِ، يُمَهِّدانِ لك السَّبِيلَ إلى سَعادَتِك الأَبدِيّةِ</strong>، ويُذَكِّرانِك دائِمًا بزَوالِ الدُّنيا وفَناءِ الإِنسانِ؛ فلا تَتَمكَّنُ الدُّنيا بَعدَئِذٍ مِن حَبسِ أَنفاسِك وخَنْقِك، ولا تَجرُؤُ الغَفْلةُ على غَشَيانِ عُيُونِك؛ فالنَّفسُ الأَمّارةُ لا تَتَمكَّنُ بالشَّهَواتِ الرَّذِيلةِ مِن أَنْ تَخدَع مَن هو نِصفُ إِنسانٍ، فيَنجُوَ مِن بَلائِها وشَرِّها بسُرعةٍ؛ والمُؤمِنُ بسِرِّ الإِيمانِ والِاستِسلامِ والتَّوَكُّلِ يَستَفِيدُ مِن داءٍ عُضالٍ كالشَّلَلِ بأَقصَرِ وَقتٍ استِفادةَ المُجاهِدِينَ مِن أَهلِ الوِلايةِ بالرِّياضةِ في المُعتَكَفاتِ، فيَخِفُّ علَيْه ذلك الدّاءُ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الثالث والعشرون: المرض يجلب إليك نظر الرحمة الإلهية]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الثَّالِثُ والعِشرُونَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المَرِيضُ الوَحِيدُ الغَرِيبُ العاجِزُ، إنْ كانَت غُربَتُك وعَدَمُ وُجُودِ مَن يُعِيلُك فَضْلًا عن مَرَضِك سَببًا في لَفْتِ القُلُوبِ القاسِيةِ نَحوَك وامتِلائِها بالرِّقّةِ علَيْك، فكَيفَ بنَظَرِ رَحْمةِ خالِقِك الرَّحِيمِ <strong>الَّذي</strong> يُقَدِّمُ نَفسَه إلَيْك في بَدءِ سُوَرِ القُرآنِ بصِفَتِه الجَلِيلةِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، <strong>والَّذي</strong> يَجعَلُ جَمِيعَ الأُمَّهاتِ -بلَمْعةٍ مِن لَمَعاتِ شَفَقَتِه ورَأْفَتِه الخارِقةِ- يَقُمْنَ بتَربِيةِ أَوْلادِهِنَّ.. <strong>والَّذي</strong> يَملَأُ وَجْهَ الدُّنيا ويَصبِغُه في كلِّ رَبِيعٍ بتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه ويَملَؤُه بأَنواعِ نِعَمِه وفَضْلِه.. وبتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه كَذلِك تَتَجسَّمُ الجَنّةُ الزّاخِرةُ بكُلِّ مَحاسِنِها؟!</p>
<p><strong>فانتِسابُك إلَيْه بالإِيمانِ</strong> والِالتِجاءُ إلَيْه بلِسانِ العَجْزِ المُنبَعِثِ مِن مَرَضِك، <strong>ورَجاؤُك مِنه وتَضَرُّعُك إلَيْه</strong> يَجعَلُ مِن مَرَضِك في وَحْدَتِك وغُربَتِك وَسِيلةً تَجلُبُ إلَيْك نَظَرَ الرَّحْمةِ مِنه سُبحانَه، تلك النَّظرةَ الَّتي تُساوِي كلَّ شَيءٍ.</p>
<p><strong>فما دامَ هو مَوجُودًا يَنظُرُ إلَيْك فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ لك</strong>؛ والغَرِيبُ حَقًّا والوَحِيدُ أَصلًا هو ذلك الَّذي لا يَنتَسِبُ إلَيْه بالإِيمانِ والتَّسلِيمِ، أو لا يَهتَمُّ بِذَلِك الِانتِسابِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الرابع والعشرون: رسالة إلى الممرِّضين]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الرَّابعُ والعِشرُونَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها المُمَرِّضُونَ المُعتَنُونَ بالأَطفالِ المَرضَى الأَبرِياءِ وبالشُّيُوخِ الَّذِينَ هم بحُكْمِ الأَطفالِ عَجْزًا وضَعْفًا.. <strong>إنَّ بَينَ أَيدِيكُم تِجارةً أُخرَوِيّةً مُهِمّةً</strong>، فاغتَنِمُوا تلك التِّجارةَ، وليَكُن شَوْقُكُم إلَيْها عَظِيمًا وسَعيُكُم حَثِيثًا.</p>
<p>إنَّ أَمراضَ الأَطفالِ الأَبرِياءِ هي حُقْناتُ تَربِيةٍ رَبّانيّةٍ لِأَجسادِهِمُ الرَّقيقةِ لِمُقاوَمةِ مَشَقّاتِ الحَياةِ في المُستَقبَلِ، وهِي تَحمِلُ حِكَمًا وفَوائِدَ تَعُودُ علَيْهِم في حَياتِهِمُ الدُّنيَوِيّةِ وفي حَياتِهمُ الرُّوحِيّةِ، فتُصَفِّي حَياةَ الصِّغارِ تَصْفِيةً مَعنَوِيّةً مِثلَما تُصَفَّى حَياةُ الكِبارِ بكَفّارةِ الذُّنُوبِ.. فهذه الحُقَنُ أُسُسٌ لِلرُّقيِّ المَعنَوِيِّ ومَدارُه في مُستَقبَلِ أُولَئِك الصِّغارِ أو في آخِرَتِهِم. والثَّوابُ الحاصِلُ مِن مِثلِ هذه الأَمراضِ يُدرَجُ في صَحِيفةِ أَعمالِ الوالِدَينِ أو في صَحِيفةِ حَسَناتِ الوالِدةِ الَّتي تُفَضِّلُ صِحّةَ وَلَدِها -بسِرِّ الشَّفَقةِ- على نَفسِها، كما هو ثابِتٌ لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ.</p>
<p>أمّا <strong>رِعايةُ الشُّيُوخِ والِاعتِناءُ بهم</strong> -فَضْلًا عن كَوْنِه مَدارًا لِثَوابٍ عَظِيمٍ وبخاصّةٍ الوالِدَينِ والظَّفرِ بدُعائِهِم وإِسعادِ قُلُوبِهِم والقِيامِ بخِدْمَتِهِم بوَفاءٍ وإِخلاصٍ- فهُو <strong>يَقُودُ صاحِبَه إلى سَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ،</strong> كما هو ثابِتٌ برِواياتٍ صَحِيحةٍ وفي حَوادِثَ تارِيخِيّةٍ كَثِيرةٍ.. <strong>فالوَلَدُ السَّعِيدُ البارُّ بوالِدَيه العاجِزَينِ سيَرَى الطّاعةَ نَفسَها مِن أَبنائِه</strong>، بَينَما الوَلَدُ العاقُّ المُؤْذِي لِأَبَوَيه معَ ارتِدادِه إلى العَذابِ الأُخرَوِيِّ سيَجِدُ كَذلِك في الدُّنيا مَهالِكَ كَثِيرةً.</p>
<p>نعم، <strong>إنَّه لَيسَت رِعايةُ الشُّيُوخِ والعَجائِزِ والأَبرِياءِ مِنَ الأَقرَبِينَ وَحْدَهُم، بل حتَّى إذا صادَفَ المُؤمِنُ شَيخًا مَرِيضًا ذا حاجةٍ جَدِيرًا بالِاحتِرامِ فعَلَيْه القِيامُ بخِدْمَتِه بهِمّةٍ وإِخلاصٍ، ما دامَت هُنالِك أُخُوّةٌ إِيمانيّةٌ حَقِيقيّةٌ، وهذا مِمّا يَقتَضِيه الإِسلامُ</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدواء الخامس والعشرون: الإيمان شفاء]</h3>
<p><strong>الدَّواءُ الخامِسُ والعِشرُونَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الإِخوانُ المَرضَى، إذا كُنتُم تَشعُرُونَ بحاجةٍ إلى عِلاجٍ قُدسِيٍّ نافِعٍ جِدًّا، وإلى دَواءٍ لِكُلِّ داءٍ يَحوِي لَذّةً حَقِيقيّةً، فمُدُّوا إِيمانَكُم بالقُوّةِ واصْقُلُوه، أي: تَناوَلُوا بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والصَّلاةِ والعِبادةِ العِلاجَ القُدسِيَّ المُتَمثِّلَ في الإِيمانِ.</p>
<p>نعم، إنَّ الغافِلِينَ بسَبَبِ حُبِّهِم لِلدُّنيا والتَّعَلُّقِ بها بشِدّةٍ كأَنَّهُم قد أَصبَحُوا يَملِكُونَ كِيانًا مَعنَوِيًّا عَلِيلًا بحَجْمِ الدُّنيا كُلِّها، فيَتَقدَّمُ الإِيمانُ ويُقَدِّمُ لِهذا الكِيانِ العَلِيلِ المَكلُومِ بضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ، مَرْهَمَ شِفائِه مُنقِذًا إِيّاه مِن تلك الجُرُوح والشُّرُوخِ، وقد أَثبَتْنا في رَسائِلَ عِدّةٍ بأنَّ <strong>الإِيمانَ يَهَبُ شِفاءً حَقِيقيًّا</strong>.</p>
<p>وتَجَنُّبًا لِلإِطالةِ أُوجِزُ قَولِي: فإِنَّ عِلاجَ الإِيمانِ يَتبَيَّنُ تَأثِيرُه بأَداءِ الفَرائِضِ ومُراعاةِ تَنفِيذِها ما استَطاعَ الإِنسانُ إلَيْها سَبِيلًا، وإنَّ الغَفْلةَ والسَّفاهةَ وهَوَى النَّفسِ واللَّهْوَ غَيرَ المَشرُوعِ يُبطِلُ مَفعُولَ ذلك العِلاجِ وتَأثِيرَه.. فما دامَ المَرَضُ يُزِيلُ الغِشاوةَ، ويَقطَعُ دابِرَ الِاشتِهاءِ، ويَمنَعُ وُلُوجَ اللَّذّاتِ غَيرِ المَشرُوعةِ، فاستَفِيدُوا مِنه واستَعمِلُوا عِلاجَ الإِيمانِ الحَقِيقيِّ وأَنوارَه القُدسِيّةَ بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والدُّعاءِ والرَّجاءِ.. مَنَحَكُمُ الحَقُّ تَبارَك وتَعالَى الشِّفاءَ وجَعَل مِن أَمراضِكُم مُكَفِّراتٍ لِلذُّنُوبِ.. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ، طِبِّ القُلُوبِ ودَوائِها، وعافِيةِ الأَبدانِ وشِفائِها، ونُورِ الأَبصارِ وضِيائِها، وعلى آلِه وصَحْبِه وسَلِّمْ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[هذه الرسالة / اللمعة]</h2>
<p><strong>&#8220;وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أي: هذا الكِتابُ دَواءٌ لِكُلِّ داءٍ..‌</p>
<p>ومِنَ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ أنَّنا حَسَبْنا أَحرُفَ الأَلِفِ في بِداياتِ أَسطُرِ كلٍّ مِنَ النُّسخةِ المُسَوَّدةِ الأُولَى الَّتي كتَبَها &#8220;رَأفَت بِك&#8221; على عَجَلٍ، والنُّسخةِ الأُخرَى الَّتي كتَبَها &#8220;خُسرَو&#8221;، فوَجَدْنا أنَّ العَدَد يَتَوافَقُ معَ جُملةِ: &#8220;وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>، عِلْمًا أنَّ كِتَابتَهما تلك ورَدَت بغَيرِ قَصدٍ ودُونَ أن يُلقِيا بالًا لِهذا الأَمرِ! كما أنَّ العَدَد يَتَوافَقُ معَ اسمِ &#8220;سَعِيدٍ&#8221; مُؤلِّفِ هذه الرِّسالةِ معَ فارِقٍ واحِدٍ فَقَط، وهُو عَدَمُ احتِسابِ حَرفِ الأَلِفِ الَّذي أَضافاه في عُنوانِ هذه الرِّسالةِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>.</p>
<p>ومِنَ المُثِيرِ لِلعَجَبِ أنَّ النُّسخةَ الَّتي كتَبَها &#8220;سُلَيْمانُ رُشْدِي&#8221; فيها (114) حَرفَ أَلِفٍ، دُونَ أن يَخطُرَ هذا الحَرفُ بالخاطِرِ أو أن يُفَكِّرَ به، وهذا العَدَدُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ سُوَرِ القُرآنِ الَّذي يَتَضمَّنُ (114) دَواءً قُدسِيًّا، كما أنَّه يَتَوافَقُ معَ العَدَدِ (114) الَّذي هو ناتِجُ جَمعِ حُرُوفِ: &#8220;وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ&#8221; إِذا ما حُسِبَتِ اللّامُ المُشَدَّدةُ حَرفًا واحِدًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ذيل اللمعة الخامسة والعشرين]</h2>
<p><strong>ذيل اللمعة الخامسة والعشرين</strong><strong>‌</strong></p>
<p>وهُو &#8220;المَكتُوبُ السّابعَ عَشَرَ&#8221; أُدرِجَ ضِمنَ &#8220;المَكتُوباتِ&#8221;، لِذا لم يُدرَج هنا.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، نَشهَدُ أنَّ تأليفَ هذه الرِّسالة قد تمَّ خِلالَ أَربَعِ ساعاتٍ ونِصفِ السّاعةِ.<br /><br />
رُشدِي، رَأفَت، خُسرَو، سَعِيد.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</strong>نَظَرًا لِوُرُودِ هذه اللَّمعةِ فِطْريًّا دُونَ تكلُّفٍ وتَعمُّدٍ، فقد كُتِبَت في المَرتَبةِ السَّادسةِ دَواءَينِ، وإِحجامًا عنِ الإِقحامِ في فِطرِيَّتِها، تَرَكناها كما هي، ولم نَجرُؤ على تَبدِيلِ شَيءٍ مِنها خَوْفًا مِن وُجُودِ سِرٍّ في المَسأَلةِ.<strong></div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;يَمتَدُّ كَسبُ هذا المَرَضِ لِلشَّهادةِ المَعنَوِيّة لِغايةِ انتِهاءِ مُدّةِ النِّفاسِ، وهِي أَربَعُونَ يَومًا.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أجل، مع أنَّ قِسمًا مِنَ الأَمراضِ يُشكِّلُ عِلّةً لِوُجُودِ الدُّعاءِ، إلّا أنَّه إذا أَصبَحَ الدُّعاءُ سَببًا لِعَدَمِ المَرَضِ، فكَأنَّ الدُّعاءَ يُصبِحُ سَببًا لِعَدَمِ نَفسِه، وهذا لا يُمكِن.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لم يُؤخَذ بالحُسبانِ حَرفَا الألفِ في التَّنبيه الذي أُلِّف فيما بعدُ.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ما دام حرفُ الألف وُضِع بكَراماتٍ عَلَويّةٍ وغَوْثيّةٍ في نِهايةِ &#8220;سَعِيد&#8221; لأجل النِّداء، فأَصبَحَ &#8220;سَعِيدًا&#8221;، فرُبَّما الألِفُ الزّائدةُ هذه تتَوَجَّه إلى تلك الألِفِ.<br /><br />
رأفت، خسرو.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%b6%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2510</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الرابعة والعشرون: رسالة الحجاب</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25ac%25d8%25a7%25d8%25a8</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Apr 2025 14:37:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2507</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة تتحدث عن حكمة تشريع الحجاب للمرأة المسلمة، وأسس صلاح الأسرة والحياة الزوجية في المجتمع المسلم] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة الرابعة والعشرون: رسالة الحجاب] &#160; اللمعة الرابعة والعشرون‌ رسالة الحجاب‌ &#160; كانت هذه هي المسألةَ الثانية والثالثة من &#8220;المُذكِّرة الخامسةَ عَشْرةَ&#8221; إلّا أن أهمِّيتَها جعلَتْها &#8220;اللَّمْعةَ الرابعةَ والعِشرينَ&#8221;‌. &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة تتحدث عن حكمة تشريع الحجاب للمرأة المسلمة، وأسس صلاح الأسرة والحياة الزوجية في المجتمع المسلم]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure style="width: 736px" class="wp-caption alignnone"><img decoding="async" src="https://i.pinimg.com/736x/23/4d/7b/234d7baca24007b365776aef4f352a27.jpg" alt="إنَّ سَعادةَ العائِلةِ في الحَياةِ واستِمرارَها إنَّما هي بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصّادِقِ بَينَهُما، إلّا أنَّ التَّـبَـرُّجَ والتَّـكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلة." width="736" height="736" /><figcaption class="wp-caption-text">إنَّ سَعادةَ العائِلةِ في الحَياةِ واستِمرارَها إنَّما هي بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصّادِقِ بَينَهُما، إلّا أنَّ التَّـبَـرُّجَ والتَّـكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلة.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الرابعة والعشرون: رسالة الحجاب]</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الرابعة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الحجاب</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>كانت هذه هي المسألةَ الثانية والثالثة من &#8220;المُذكِّرة الخامسةَ عَشْرةَ&#8221; إلّا أن أهمِّيتَها جعلَتْها &#8220;اللَّمْعةَ الرابعةَ والعِشرينَ&#8221;‌.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ&#8230; ﴾ إلى آخر الآية.</strong></p>
<p><strong>هذه الآيةُ الكَرِيمةُ تَأمُرُ بالحِجابِ</strong>، بَينَما تَذهَبُ المَدَنيّةُ الزّائِفةُ إلى خِلافِ هذا الحُكمِ الرَّبّانِيِّ، فلا تَرَى الحِجابَ أَمرًا <strong>فِطْرِيًّا</strong> لِلنِّساءِ، بل تَعُدُّه أَسْرًا وقَيدًا لَهُنَّ<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<h2 style="text-align: center;">[أربع حِكم تدل على أن حجاب المرأة هو مقتضى الفطرة]</h2>
<p>وسنُبيِّنُ جَوابًا <strong>أَربعًا مِنَ الحِكَمِ</strong> فقط مِن بَينِ حِكَمٍ غَزِيرةٍ دالّةٍ على كَونِ <strong>هذا الحُكمِ القُرآنِيِّ تَقتَضِيه فِطْرةُ النِّساءِ،</strong> وخِلافِه غَيرَ فِطْرِيٍّ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الحكمة الأولى: الحجاب حماية]</h3>
<p><strong>الحِكمةُ الأُولى</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ الحِجابَ <strong>أَمرٌ فِطْرِيٌّ لِلنِّساءِ، تَقتَضِيه فِطْرَتُهُنَّ</strong>، لِأنَّ النِّساءَ جُبِلْنَ على <strong>الرِّقّةِ والضَّعفِ،</strong> فيَجِدْنَ في أَنفُسِهِنَّ حاجةً إلى رَجُلٍ يقُومُ بحِمايَتِهِنَّ وحِمايةِ أَوْلادِهِنَّ الَّذِينَ يُؤْثِرْنَهُم على أَنفُسِهِنَّ، فهُنَّ مَسُوقاتٌ فِطْريًّا نحوَ تَحبِيبِ أَنفُسِهِنَّ لِأَزواجِهِنَّ وعَدَمِ جَلبِ نَفرَتِهِم وتَجَنُّبِ جَفائِهِم واستِثْقالِهِم.</p>
<p>ثمَّ إنَّ ما يَقرُبُ مِن سَبعةِ أَعشارِ النِّساءِ: إمّا مُتَقدِّماتٌ في العُمُرِ، أو دَمِيماتٌ لا يَرغَبْنَ في إِظهارِ شَيبِهِنَّ أو دَمامَتِهِنَّ، أو أنَّهُنَّ يَحمِلْنَ غَيرةً شَدِيدةً في ذَواتِهِنَّ يَخشَيْنَ أن تَفضُلَ علَيهِنَّ ذَواتُ الحُسنِ والجَمالِ، أو أنَّهُنَّ يَتَوجَّسنَ خِيفةً مِنَ التَّجاوُزِ علَيهِنَّ وتَعَرُّضِهِنَّ لِلتُّهَمِ.. فهَؤُلاءِ النِّساءُ يَرغَبنَ فِطْرةً في الحِجابِ حَذَرًا مِنَ التَّعَرُّضِ والتَّجاوُزِ علَيهِنَّ وتَجَنُّبـًا مِن أن يكُنَّ مَوضِعَ تُهمةٍ في نَظَرِ أَزواجِهِنَّ، بل نَجِدُ أنَّ المُسِنّاتِ أَحرَصَ على الحِجابِ مِن غَيرِهِنَّ.</p>
<p>ورُبَّما لا يَتَجاوَزُ الِاثنَتَينِ أوِ الثَّلاثَ مِن كلِّ عَشرٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ: شابّاتٌ وحَسْناواتٌ ولا يَتَضايَقنَ مِن إِبداءِ مَفاتِنِهنَّ! إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الإنسانَ يَتَضايَقُ مِن نَظَراتِ مَن لا يُحِبُّه؛ وحتَّى لو فَرَضْنا أنَّ حَسناءَ جَمِيلةً تَرغَبُ في أن يَراها اثنانِ أو ثَلاثةٌ مِن غَيرِ المَحارِمِ، فهِي حَتْمًا تَستَثقِلُ وتَنزَعِجُ مِن نَظَراتِ سَبعةٍ أو ثَمانيةٍ مِنهُم، بل تَنفِرُ مِنها.</p>
<p><strong>فالمَرأةُ لِكَونِها رَقِيقةَ الطَّبعِ سَرِيعةَ التَّأثُّرِ</strong> تَنفِرُ حَتْمًا -ما لم تَفسُد أَخلاقُها وتَتَبذَّلْ- مِن نَظَراتٍ خَبِيثةٍ تُصَوَّبُ إلَيْها والَّتي لها تَأثِيرٌ مادِّيٌّ كالسُّمِّ كما هو مُجَرَّبٌ؛ حتَّى إنَّنا نَسمَعُ أنَّ كَثِيرًا مِن نِساءِ أَورُوبّا وهِي مَوطِنُ التَّكشُّفِ والتَّبَرُّجِ، يَشتَكِينَ إلى الشُّرطةِ مِن مُلاحَقةِ النَّظَراتِ إلَيهِنَّ قائِلاتٍ: إنَّ هَؤُلاءِ السَّفَلةَ يَزُجُّونَنا في سِجنِ نَظَراتِهِم!</p>
<p><strong>نَخلُصُ مِمّا تَقدَّمَ</strong>: أنَّ رَفعَ المَدَنيّةِ السَّفِيهةِ الحِجابَ وإِفساحَها المَجالَ لِلتَّبَرُّجِ يُناقِضُ الفِطْرةَ الإِنسانيّةَ، وأنَّ أَمرَ القُرآنِ الكَرِيمِ بالحِجابِ -فَضْلًا عن كَونِه فِطْرِيًّا- <strong>يَصُونُ النِّساءَ مِنَ المَهانةِ والسُّقُوطِ،</strong> <strong>ومِنَ الذِّلّةِ والأَسرِ المَعنَوِيِّ ومِنَ الرَّذِيلةِ والسَّفالةِ،</strong> وهُنَّ مَعدِنُ الرَّأفةِ والشَّفَقةِ، والرَّفيقاتُ العَزِيزاتُ لِأَزواجِهِنَّ في الأَبدِ.</p>
<p>والنِّساءُ -فَضْلًا عَمّا ذَكَرْناه- <strong>يَحمِلْنَ في فِطْرَتِهنَّ تَخَوُّفًا مِنَ الرِّجالِ الأَجانِبِ</strong>، وهذا التَّخَوُّفُ يَقتَضِي فِطْرةً التَّحَجُّبَ وعَدَمَ التَّكشُّفِ، حَيثُ تَتَنغَّصُ لَذّةٌ غَيرُ مَشرُوعةٍ لِتِسعِ دَقائِقِ بتَحَمُّلِ أَذَى حَملِ جَنِينٍ لِتِسعةِ أَشهُرٍ، ومِن بَعدِه القِيامِ بتَربِيةِ وَلَدٍ لا حامِيَ له زُهاءَ تِسعِ سِنِينَ! ولِوُقُوعِ مِثل هذه الِاحتِمالاتِ بكَثْرةٍ تَتَخوَّفُ النِّساءُ فِطرةً خَوْفًا حَقِيقيًّا مِن غَيرِ المَحارِمِ، وتَتَجنَّـبُهُم جِبِلّةً، فتُنبِّهُها خِلقَتُها الضَّعِيفةُ تَنبِيهًا جادًّا إلى التَّحَفُّظِ، وتَدفَعُها إلى التَّسَتُّرِ، لِيَحُولَ دُونَ إِثارةِ شَهْوةِ غَيرِ المَحارِمِ، ولِيَمنَعَ التَّجاوُزَ علَيْها؛ وتَدُلُّها فِطْرَتُها على أنَّ حِجابَها هو قَلعَتُها الحَصِينةُ وخَندَقُها الأَمِينُ.</p>
<p>ولَقَد طَرَق سَمْعَنا أنَّ صَبّاغَ أَحذِيةٍ قد تَعَرَّضَ لِزَوجةِ رَجُلٍ ذِي مَنصِبٍ دُنيَوِيٍّ كَبِيرٍ، كانَت مَكشُوفةَ المَفاتِنِ، وراوَدَها نَهارًا جِهارًا في قَلبِ العاصِمةِ &#8220;أَنقَرة&#8221;! أَلَيسَ هذا الفِعلُ الشَّنِيعُ صَفْعةً قَوِيّةً على وُجُوهِ أُولَئِك الَّذِينَ لا يَعرِفُونَ مَعنَى الحَياءِ مِن أَعداءِ العِفّةِ والحِجابِ؟!</p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة الثانية: الحجاب أمانة ووفاء]</h2>
<p><strong>الحِكمةُ الثانيةُ</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ العَلاقةَ الوَثِيقةَ والحُبَّ العَمِيقَ بينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ لَيسَا ناشِئَينِ عَمّا تَتَطلَّبُه الحَياةُ الدُّنيا مِنَ الحاجاتِ فحَسْبُ، فالمَرأةُ لَيسَت صاحِبةَ زَوجِها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ وَحْدَها، بل هي رَفِيقَتُه أَيضًا في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.</p>
<p>فما دامَت هي صاحِبَتَه في حَياةٍ باقِيةٍ، فلا يَنبَغِي لها أن تَلفِتَ نَظَرَ غيرِ رَفيقِها الأَبدِيِّ وصَدِيقِها الخالِدِ إلى مَفاتِنِها، ولا تُزعِجَه، ولا تَحمِلَه على الغَضَبِ والغَيرةِ.</p>
<p>وحَيثُ إنَّ زَوجَها المُؤمِنَ -بحُكم إِيمانِه- لا يَحصُرُ مَحَبَّتَه لها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ فقط، ولا يُولِيها مَحَبّةً حَيَوانيّةً قاصِرةً على وَقتِ جَمالِها وزَمَنِ حُسنِها، وإنَّما يُكِنُّ لها حُبًّا واحتِرامًا خالِصَينِ دائِمَينِ لا يَقتَصِرانِ على وَقتِ شَبابِها وجَمالِها، بل يَدُومانِ إلى وَقتِ شَيخُوخَتِها وزَوالِ حُسنِها، لِأنَّها رَفِيقَتُه في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.. فإِزاءَ هذا <strong>لا بُدَّ لِلمَرأةِ أَيضًا أن تَخُصَّ زَوجَها وَحْدَه بجَمالِها ومَفاتِنِها، وتَقصُرَ مَحَبَّتَها به،</strong> كما هو مُقتَضَى الإِنسانيّةِ، وإِلّا ستَفقِدُ الكَثِيرَ ولا تَكسِبُ إلّا القَلِيلَ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ ما هو مَطلُوبٌ شَرعًا: أن يكُونَ الزَّوجُ كُفُؤًا لِلمَرأةِ، وهذا يَعنِي مُلاءَمةَ الواحِدِ لِلآخَرِ ومُماثَلَتَهُما، وأَهَمُّ ما في الكَفاءةِ هذه هي كَفاءةُ الدِّينِ كما هو مَعلُومٌ.</p>
<p>فما أَسعَدَ ذلك الزَّوجَ الَّذي يُلاحِظُ تَدَيُّنَ زَوجَتِه ويقُومُ بتَقلِيدِها، ويُصبِحُ ذا دِينٍ، لِئَلّا يَفقِدَ صاحِبَتَه الوَفيّةَ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ!</p>
<p>وكم هي مَحظُوظةٌ تلك المَرأةُ الَّتي تُلاحِظُ تَدَيُّنَ زَوجِها وتَخشَى أن تُفرِّطَ برَفيقِ حَياتِها الأَمِينِ في حَياةٍ خالِدةٍ، فتَتَمسَّكُ بالإِيمانِ والتَّقوَى!</p>
<p>والوَيلُ ثمَّ الوَيلُ لِذلِك الرَّجُلِ الَّذي يَنغَمِسُ في سَفاهةٍ تُفقِدُه زَوجَتَه الطَّيِّبةَ الصَّالِحةَ!</p>
<p>ويا لَتَعاسةِ تلك المَرأةِ الَّتي لا تُقلِّدُ زَوجَها التَّقِيَّ الوَرِعَ، فتَخسَرُ رَفِيقَها الكَرِيمَ الأَبدِيَّ السَّعِيدَ!</p>
<p>والوَيلُ والثُّبُورُ لِذَينِك الزَّوجَينِ الشَّقِيَّينِ اللَّذَينِ يُقلِّدانِ بَعضَهُما في الفُسُوقِ والفَحشاءِ، فيَتَسابَقانِ في دَفعِ أَحَدِهِما الآخَرَ في النّارِ!</p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة الثالثة: الحجاب صون وكرامة]</h2>
<p><strong>الحِكمةُ الثّالثةُ</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ سَعادةَ العائِلةِ في الحَياةِ واستِمرارَها إنَّما هي <strong>بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصّادِقِ بَينَهُما،</strong> إلّا أنَّ التَّـبَـرُّجَ والتَّـكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلةَ، حَيثُ تُلاقِي تِسعةٌ مِن عَشَرةِ مُتَبَرِّجاتٍ أَمامَهُنَّ رِجالًا يَفُوقُونَ أَزواجَهُنَّ جَمالًا؛ بَينَما لا تَرَى غَيرُ واحِدةٍ مِنهُنَّ مَن هو أَقلُّ جَمالًا مِن زَوجِها ولا تُحَبِّبُ نَفسَها إلَيْه.</p>
<p>والأَمرُ كَذلِك في الرِّجالِ، فلا يَرَى إلّا واحِدٌ مِن كلِّ عِشرِينَ مِنهُم مَن هي أَقلُّ جَمالًا مِن زَوجَتِه، بَينَما الباقُونَ يَرَوْنَ أَمامَهُم مَن يَفُقْنَ زَوجاتِهِنَّ حُسنًا وجَمالًا.. فهَذِه الحالةُ قد تُؤدِّي إلى انبِعاثِ إِحساسٍ دَنِيءٍ وشُعُورٍ سافِلٍ قَبِيحٍ في النَّفِس، فَضْلًا عَمّا تُسبِّبُه مِن زَوالِ ذلك الحُبِّ الخالِصِ، وفِقْدانِ ذلك الِاحتِرامِ، وذلك أنَّ الإنسانَ لا يُمكِنُه أن يَحمِلَ فِطْرةً شُعُورًا دَنِيئًا حَيَوانيًّا تِجاهَ المَحارِمِ -كالأُختِ- لِأنَّ سِيماءَ المَحارِم تُشعِرُ بالرَّأفةِ والمَحَبّةِ المَشرُوعةِ النّابِعَينِ مِن صِلةِ القُربَى.. فهَذا الشُّعُورُ النَّبِيلُ يَحُدُّ مِن مُيُولِ النَّفسِ الشَّهَوِيّةِ، إلّا أنَّ كَشفَ ما لا يَجُوزُ كَشفُه لِلمَحارِمِ أَيضًا كالسّاقِ، قد يُثِيرُ لَدَى النُّفُوسِ الدَّنِيئةِ حِسًّا سافِلًا خَبِيثًا لِزَوالِ الشُّعُورِ بالحُرمةِ، حَيثُ إنَّ مَلامِحَ المَحارِمِ تُشعِرُ بصِلةِ القَرابةِ، وكَونِها مَحْرَمًا، وتَتَميَّزُ عن غَيرِهِم؛ لِذا فكَشْفُ تلك المَواضِعِ مِنَ الجَسَدِ يَتَساوَى فيه المَحرَمُ وغَيرُه، لِعَدَمِ وُجُودِ تلك العَلاماتِ الفارِقةِ الَّتي تَستَوجِبُ الِامتِناعَ عنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، ولَرُبَّما يُهَيِّجُ لَدَى بعضِ المَحارِمِ السّافِلِينَ هَوَى النَّظْرةِ الحَيَوانيّةِ! فمِثلُ هذه النَّظْرةِ سُقُوطٌ مُرِيعٌ لِلإِنسانيّةِ تَقشَعِرُّ مِن بَشاعَتِها الجُلُودُ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة الرابعة: الحجاب عفة]</h2>
<p><strong>الحِكمةُ الرّابعةُ</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>مِنَ المَعلُومِ أنَّ كَثْرةَ النَّسلِ مَرغُوبٌ فيها لَدَى الجَمِيعِ، فلَيسَ هُنالِك أُمّةٌ ولا دَوْلةٌ لا تَدعُو إلى كَثْرةِ النَّسلِ، وقد قالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ﷺ): &#8220;تَناكَحُوا تَكثُرُوا، فإنِّي أُباهِي بكُمُ الأُمَمَ يَومَ القِيامةِ&#8221;، بَيْدَ أنَّ رَفعَ الحِجابِ وإِفساحَ المَجالِ أَمامَ التَّبَرُّجِ والتَّكشُّفِ يَحُدُّ مِنَ الزَّواجِ، بل يُقلِّلُ مِنَ التَّكاثُرِ كَثِيرًا، لِأنَّ الشّابَّ مَهْما بَلَغ فُسُوقُه وتَحَلُّلُه، فإنَّه يَرغَبُ في أن تكُونَ صاحِبَتُه في الحَياةِ مَصُونةً عَفِيفةً، ولا يُرِيدُها أن تكُونَ مُتَبَذِّلةً مِثلَه، أي: مُتَكشِّفةً سافِرةً؛ لِذا تَجِدُه يُفضِّلُ العُزُوبةَ على الزَّواجِ، ورُبَّما يَنساقُ إلى الفَسادِ.</p>
<p>أمَّا المَرأةُ فهِي لَيسَت كالرَّجُلِ، حَيثُ لا تَتَمكَّنُ مِن أن تُحَدِّدَ اختِيارَ زَوجِها؛ والمَرأةُ مِن حَيثُ كَونُها مُدبِّرةً لِشُؤُونِ البَيتِ الدّاخِلِيّةِ، ومَأمُورةً بالحِفاظِ على أَولادِ زَوجِها وأَموالِه وكلِّ ما يَخُصُّه، فإنَّ أَعظَمَ خِصالِها: الوَفاءُ والثِّقةُ؛ إلّا أنَّ تَبَرُّجَها وتَكشُّفَها يُفسِدُ هذا الوَفاءَ ويُزَعزِعُ ثِقةَ الزَّوجِ بها، فتُجَرِّعُ الزَّوجَ آلامًا مَعنَوِيّةً وعَذابًا وِجْدانيًّا.</p>
<p>حتَّى إنَّ الشَّجاعةَ والسَّخاءَ -وهُما خَصْلَتانِ مَحمُودَتانِ لَدَى الرِّجال- إذا ما وُجِدَتا في النِّساءِ عُدَّتَا مِنَ الأَخلاقِ المَذمُومةِ، لِإخلالِهِما بتِلك الثِّقةِ والوَفاءِ، إذ تُفضِيانِ إلى الوَقاحةِ والإِسرافِ.. وحَيثُ إنَّ وَظِيفةَ الزَّوجِ غيرُ قاصِرةٍ على الِائتِمانِ على أَموالِها، وعلى الِارتِباطِ بها، بل تَشمَلُ حِمايَتَها والرَّحمةَ بها والِاحتِرامَ لها، فلا يَلزَمُه ما يَلزَمُ الزَّوجةَ، أي: لا يُقيِّدُ اختِيارَه بزَوجةٍ واحِدةٍ، ويُمكِنُه أن يَنكِحَ غَيرَها مِنَ النِّساءِ.</p>
<p>إنَّ بِلادَنا لا تُقاسُ بِبُلدانِ أَورُوبّا، فهُناك وَسائِلُ صارِمةٌ لِلحِفاظِ -إلى حَدٍّ مّا- على الشَّرَفِ والعَفافِ في وَسَطٍ مُتبَرِّجٍ مُتَكشِّفٍ، مِنها المُبارَزةُ وأَمثالُها؛ فالَّذي يَنظُرُ بخُبثٍ إلى زَوجةِ أَحَدِ الشُّرَفاءِ علَيْه أن يُعلِّقَ كَفَنَه في عُنُقِه مُقدَّمًا؛ هذا فَضْلًا عن أنَّ طَبائِعَ الأَورُوبِّيّينَ بارِدةٌ جامِدةٌ كمُناخِهِم، أمّا هُنا في بِلادِ العالَمِ الإِسلامِيِّ خاصّةً فهِي مِنَ البُلدانِ الحارّةِ قِياسًا على أَورُوبّا، ومَعلُومٌ مَدَى تَأثِيرِ البِيئةِ في أَخلاقِ الإِنسانِ، ففي تلك الأَصقاعِ البارِدةِ، ولَدَى أُناسٍ بارِدِينَ قد لا يُؤَدِّي التَّبَرُّجُ الَّذي يُثِيرُ الهَوَى الحَيَوانِيَّ ويُهيِّجُ الرَّغَباتِ الشَّهَوانيّةَ إلى تَجاوُزِ الحُدُودِ مِثلَما يُؤدِّي إلى الإِفراطِ والإِسرافِ في أُناسٍ حَسّاسِينَ يُثارُونَ بسُرعةٍ في المَناطِقِ الحارّةِ.</p>
<p>فالتَّبَرُّجُ وعَدَمُ الحِجابِ الَّذي يُثِيرُ هَوَى النَّفسِ، ويُطلِقُ الشَّهَواتِ مِن عِقالِها، يُؤدِّي حَتْمًا إلى الإِفراطِ وتَجاوُزِ الحُدُودِ، وإلى ضَعفِ النَّسلِ وانهِيارِ القُوّةِ؛ حَيثُ إنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُمكِنُه أن يَقضِيَ وَطَرَه الفِطْرِيَّ في شَهرٍ أو في عِشرِينَ يَومًا، يَظُنُّ نَفسَه مُضطَرًّا إلى دَفعِه كلَّ بِضعةِ أيّامٍ.. وحَيثُ إنَّ هُنالِك عَوارِضَ فِطْرِيّةً -كالحَيضِ- تُجَنِّبُه عن أَهلِه وقد تَطُولُ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا، تَراه يَنساقُ إلى الفُحشِ إن كانَ مَغلُوبًا لِنَفسِه.</p>
<p>ثمَّ إنَّ أَهلَ المُدُنِ لا يَنبَغِي لَهُم أن يُقَلِّدُوا أَهلَ القُرَى والأَريافِ في حَياتِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ ويَرفَعُوا الحِجابَ فيما بَينَهُم، لِأنَّ أَهلَ القُرَى يَشغَلُهُم شاغِلُ العَيشِ، وهُم مُضطَرُّونَ إلى صَرفِ جُهُودٍ بَدَنيّةٍ قَوِيّةٍ لِكَسبِ مَعِيشَتِهِم، وكَثِيرًا ما تَشتَرِكُ النِّساءُ في أَشغالٍ مُتعِبةٍ، لِذا لا يُهَيِّجُ ما قد يَنكَشِفُ مِن أَجزاءِ أَجسامِهِنَّ الخَشِنةِ شَهَواتٍ حَيَوانيّةً لَدَى الآخَرِينَ، فَضْلًا عن أنَّه لا يُوجَدُ في القُرَى سُفَهاءُ عاطِلُونَ بقَدْرِ ما هو مَوجُودٌ في المُدُنِ، فلا تَبلُغُ مَفاسِدُها إلى عُشْرِ ما في المَدِينةِ، لِهذا لا تُقاسُ المُدُنُ على القُرَى والأَريافِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[حوار مع أخوات الآخرة]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِاسمِهِ سُبحانَهُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>حوارٌ مع المؤمنات، أخَواتي في الآخرة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>حِينَما كُنتُ أُشاهِدُ في عَدَدٍ مِنَ الوِلاياتِ اهتِمامَ النِّساءِ برَسائِلِ النُّورِ اهتِمامًا حارًّا خالِصًا، وعَلِمتُ اعتِمادَهُنَّ على دُرُوسِي الَّتي تَخُصُّ النُّورَ بما يَفُوقُ حَدِّي بكَثِيرٍ، جِئتُ مَرّةً ثالِثةً إلى مَدرَسةِ الزَّهراءِ المَعنَوِيّةِ، هذه المَدِينةِ المُبارَكةِ &#8220;إِسبارْطةَ&#8221;، فسَمِعتُ أنَّ أُولَئِك النِّساءَ الطَّيِّباتِ المُبارَكاتِ، أَخَواتِي في الآخِرةِ، يَنتَظِرنَ مِنِّي أن أُلقِيَ علَيهِنَّ دَرْسًا، على غِرارِ ما يُلقَى في المَساجِدِ مِن دُرُوسِ الوَعظِ والإِرشادِ.. بَيْدَ أنِّي أُعانِي أَمراضًا عِدّةً، معَ ضَعفٍ وإِنهاكٍ شَدِيدَينِ حتَّى لا أَستَطِيعُ الكَلامَ ولا التَّفكُّرَ، ومعَ ذلك فقد سَنَحَت بقَلبِي هذه اللَّيلةَ خاطِرةٌ قَوِيّةٌ، هي:</p>
<p>&#8220;إنَّكَ قد كَتَبتَ قَبلَ خَمسَ عَشْرةَ سَنةً رِسالةَ &#8220;مُرشِدُ الشَّبابِ&#8221; بطَلَبٍ مِنَ الشَّباب أَنفُسِهِم، وقدِ استَفادَ مِنها الكَثِيرُونَ، بَينَما النِّساءُ هُنَّ أَحوَجُ إلى مِثلِ هذا &#8220;المُرشِدِ&#8221; في هذا الزَّمانِ&#8221;.</p>
<p>فإِزاءَ هذه الخاطِرةِ وعلى الرَّغمِ مِمّا أُعانِيه مِنِ اضطِرابٍ ومِن عَجزٍ وضَعفٍ، كَتَبتُ في غايةِ الِاختِصارِ لِأَخَواتِي المُبارَكاتِ ولِبَناتِي المَعنَوِيّاتِ الشّابّاتِ بَعضَ ما يَلزَمُهُنَّ مِن مَسائِلَ، ضِمنَ نِكاتٍ ثَلاثٍ:</p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الأولى: النساء رائدات الشفقة وبطلات الحنان]</h2>
<p><strong>النُّكتة الأُولَى</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لَمّا كانَ أَهَمُّ أَساسٍ مِن أُسُسِ رَسائلِ النُّورِ هو &#8220;الشَّفَقةَ&#8221;، وأنَّ النِّساءَ هُنَّ رائِداتُ الشَّفَقةِ وبَطَلاتُ الحَنانِ، فقد أَصبَحْنَ أَكثَرَ ارتِباطًا برَسائِلِ النُّورِ فِطْرةً؛ فهذه العَلاقةُ الفِطْريّةُ تُحِسُّ بها في كَثِيرٍ مِنَ الأَماكِنِ وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ.</p>
<p>ولَقَد غَدَتِ التَّضحِيةُ الَّتي تَنطَوِي علَيْها الشَّفَقةُ والحَنانُ ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عُظمَى في زَمانِنا هذا، إذ إنَّها تُعبِّـرُ عن إِخلاصٍ حَقِيقيٍّ وفِداءٍ دُونَ عِوَضٍ ومُقابِلٍ.</p>
<p>نعم، إنَّ افتِداءَ الأُمِّ برُوحِها إِنقاذًا لِوَلَدِها مِنَ الهَلاكِ مِن دُونِ انتِظارٍ لِأَجرٍ، وتَضحِيَتَها بنَفسِها بإِخلاصٍ حَقِيقيٍّ لِأَولادِها باعتِبارِ وَظِيفَتِها الفِطْرِيّةِ، تَدُلّانِ على وُجُودِ بُطُولةٍ سامِيةٍ رَفِيعةٍ في النِّساءِ، بحَيثُ يَستَطِعنَ أن يُنقِذنَ حَياتَهُنَّ الدُّنيَوِيّةَ والأُخرَوِيّةَ بِنَماءِ هذه البُطُولةِ وانجِلائِها في أَنفُسِهِنَّ، إلّا أنَّ تَيّاراتٍ فاسِدةً تَحُولُ دُونَ تَنامِي تلك السَّجِيّةِ القَيِّمةِ القَوِيمةِ، أو تَصرِفُ تلك التَّيّاراتُ هذه السَّجِيّةَ الطَّيِّبةَ إلى غَيرِ مَحالِّها، فتُسِيءُ استِعمالَها.</p>
<p>نُورِدُ هُنا مِثالًا واحِدًا مِن مِئاتِ أَمثِلَتِها:</p>
<p>إنَّ الوالِدةَ الحَنُونَ تَضَعُ نُصْبَ عَينِها كلَّ فِداءٍ وتَضحِيةٍ لِتَمنَعَ عن وَلَدِها المَصائِبَ والهَلاكَ، وتَجعَلَه سَلِيمًا مُعافًى في الدُّنيا؛ فتُربِّي وَلَدَها على هذا الأَساسِ، فتُنفِقُ جَمِيعَ أَموالِها لِيَكُونَ ابنُها عَظِيمًا وسَيِّدًا آمِرًا، فتَراها تَأخُذُ وَلَدَها مِنَ المَدارِسِ العِلمِيّةِ الدِّينيّةِ وتُرسِلُه إلى أَورُوبّا، مِن دُونِ أن تُفكِّرَ في حَياةِ وَلَدِها الأَبدِيّةِ الَّتي تُصبِحُ مُهَدَّدةً بالخَطَرِ؛ فهِي إذْ تَسعَى لِتُنقِذَه مِن سِجنٍ دُنيَوِيٍّ، لا تَهتَمُّ بوُقُوعِه في سِجنِ جَهَنَّمَ الأَبدِيِّ، فتَتَصرَّفُ تَصَرُّفًا مُخالِفًا لِفِطْرَتِها مُخالَفةً كُلِّيّةً، إذ بَدَلًا مِن أن تَجعَلَ وَلَدَها البَرِيءَ شَفِيعًا لها يَومَ القِيامةِ تَجعَلُه مُدَّعِيًا علَيْها، إذ سيَشكُو ذلك الوَلَدُ هُناك قائِلًا لها: &#8220;لِمَ لَمْ تُقَوِّي إِيمانِي حتَّى تَسَبَّبتِ في هَلاكِي هذا؟!&#8221;، وحَيثُ إنَّه لم يَأخُذ قِسطًا وافِرًا مِنَ التَّربِيةِ الإِسلامِيّةِ، فلا يُبالِي بشَفَقةِ والِدَتِه الخارِقةِ، بل قد يُقَصِّرُ في حَقِّها كَثِيرًا.</p>
<p>ولكِن إذا ما سَعَت تلك الوالِدةُ إلى إِنقاذِ وَلَدِها الضَّعِيفِ مِنَ السِّجنِ الأَبدِيِّ الَّذي هو جَهَنَّمُ، ومِنَ الإِعدامِ الأَبدِيِّ الَّذي هو المَوتُ في الضَّلالةِ، بشَفَقَتِها الحَقِيقيّةِ المَوهُوبةِ دُونَ الإِساءةِ في استِعمالِها، <strong>فإنَّ وَلَدَها سيُوصِلُ الأَنوارَ دَوْمًا إلى رُوحِها بعدَ وَفاتِها،</strong> إذ يُسَجَّلُ في صَحِيفةِ أَعمالِها مِثلُ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَعمَلُها الوَلَدُ؛ كما سيَكُونُ لها وَلَدًا طَيِّبًا مُبارَكًا يَنعَمانِ مَعًا في حَياةٍ خالِدةٍ، شَفِيعًا لها عِندَ اللهِ ما وَسِعَتْه الشَّفاعةُ، لا شاكِيًا مِنها ولا مُدَّعِيًا علَيْها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الأم أول معلِّمٍ في حياة الإنسان]</h3>
<p>نعم، إنَّ أوَّلَ أُستاذٍ لِلإِنسانِ وأَكثَرَ مَن يُؤثِّرُ فيه تَعلِيمًا، إنَّما هُو والِدَتُه.</p>
<p>سأُبيِّنُ بهذه المُناسَبةِ هذا المَعنَى الَّذي أَتحَسَّسُه دائِمًا إِحساسًا قاطِعًا في شَخصِي، وهو: أُقسِمُ باللهِ أنَّ أَرسَخَ دَرسٍ تَلقَّيتُه، وكَأنَّه يَتَجدَّدُ عَلَيَّ، إنَّما هو تَلقِيناتُ والِدَتِي رَحِمَها اللهُ ودُرُوسُها المَعنَوِيّةُ، حتَّى استَقَرَّت في أَعماقِ فِطْرَتِي وأَصبَحَت كالبُذُورِ في جَسَدِي، في غُضُونِ عُمُرِي الَّذي يُناهِزُ الثَّمانِينَ، رَغمَ أنِّي قد أَخَذتُ دُرُوسًا مِن ثَمانِينَ أَلفَ شَخصٍ، بل أَرَى يَقِينًا أنَّ سائِرَ الدُّرُوسِ إنَّما تُبنَى على تلك البُذُورِ.</p>
<p>بمَعنَى أنِّي أُشاهِدُ دَرسَ والِدَتي -رَحِمَها اللهُ- وتَلقِيناتِها لِفِطْرَتي ورُوحِي وأنا في السَّنةِ الأُولَى مِن عُمُرِي، بُذُورَ أَساسٍ ضِمنَ الحَقائِقِ العَظِيمةِ الَّتي أَراها الآنَ وأنا في الثَّمانِينَ مِن عُمُرِي.</p>
<p>مِثالُ ذلك: إنَّ &#8220;الشَّفَقةَ&#8221; الَّتي هي أَهَمُّ أَساسٍ مِنَ الأُسُسِ الأَربَعةِ في مَسلَكِي ومَشرَبِي.. وإنَّ &#8220;الرَّأفةَ والرَّحمةَ&#8221; الَّتي هي أَيضًا حَقِيقةٌ عُظمَى مِن حَقائِقِ رَسائِلِ النُّورِ، أُشاهِدُهُما يَقِينًا بأنَّهُما نابِعَتانِ مِن أَفعالِ تلك الوالِدةِ الرَّؤُوفِ ومِن أَحوالِها الشَّفِيقةِ ومِن دُرُوسِها المَعنَوِيّةِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الشفقة والحنان قد أسيء استعمالهما اليوم]</h3>
<p>نعم، إنَّ الشَّفَقةَ والحَنانَ الكامِنَينِ في الأُمُومةِ والَّتي تَحمِلُها بإِخلاصٍ حَقِيقيٍّ وتَضحِيةٍ وفِداءٍ قد أُسِيءَ استِعمالُها في الوَقتِ الحاضِرِ، إذ <strong>لا تُفكِّرُ الأُمُّ بما سيَنالُ وَلَدُها في الآخِرةِ مِن كُنُوزٍ هي أَثمَنُ مِنَ الأَلماسِ،</strong> بل تَصرِفُ وَجْهَه إلى <strong>هذه الدُّنيا</strong> الَّتي لا تَعدِلُ قِطَعًا زُجاجِيّةً فانِيةً، ثمَّ تُشفِقُ على وَلَدِها وتَحنُو علَيْه في هذا الجانِبِ مِنَ الحَياةِ.. وما هذا إلّا إِساءةٌ في استِعمالِ تلك الشَّفَقةِ.</p>
<p>إنَّ مِمّا يُثبِتُ بُطُولةَ النِّساءِ في تَضحِيَتِهِنَّ العَظِيمةِ دُونَ انتِظارٍ لِأَجرٍ ولا عِوَضٍ، مِن دُونِ فائِدةٍ يَجنِينَها لِأَنفُسِهِنَّ، ومِن دُونِ رِياءٍ وتَسوِيقٍ لِأَنفُسِهِنَّ، هو: استِعدادُهُنَّ لِلفِداءِ بأَرواحِهِنَّ لِأَجلِ الوَلَدِ، ودَلِيلُ ذلك ما نَراه في الدَّجاجة الَّتي تَحمِلُ مِثالًا مُصَغَّرًا مِن تلك الشَّفَقةِ: شَفَقةِ الأُمُومةِ وحَنانِها، فهِي تُهاجِمُ الأَسَدَ، وتَفدِي برُوحِها، حِفاظًا على فِراخِها الصِّغارِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[للمرأة المسلمة وظيفة عظيمة لا يقوم بها الرجال]</h3>
<p>وفي الوَقتِ الحاضِرِ: إنَّ أَلزَمَ شَيءٍ وأَهَمَّ أَساسٍ في <strong>التَّربِيةِ الإِسلامِيّةِ وأَعمالِ الآخِرةِ</strong>، إنَّما هو &#8220;<strong>الإِخلاصُ</strong>&#8220;، فمِثلُ هذه البُطُولةِ الفائِقةِ في <strong>الشَّفَقةِ</strong> تَضُمُّ بينَ جَوانِحِها الإِخلاصَ الحَقِيقيَّ. فإذا ما بَدَأَت هاتانِ النُّقطَتانِ بِالتَّنامِي في تلك الطّائِفةِ المُبارَكةِ: طائِفةِ النِّساءِ، فإنَّهُما <strong>سيَكُونانِ مَدارَ سَعادةٍ عُظمَى في المُحِيطِ الإِسلامِيِّ</strong>.</p>
<p>أمّا تَضحِيةُ الرِّجالِ فلا تكُونُ دُونَ عِوَضٍ قَطْعًا، وإنَّما تَطلُبُ الأَجرَ والمُقابِلَ مِن جِهاتٍ كَثِيرةٍ تَبلُغُ المِئةَ، وفي الأَقلِّ تَطلُبُ الفَخرَ والسُّمعةَ؛ ولكِن معَ الأَسَفِ فإنَّ النِّساءَ المُبارَكاتِ يُدخِلْنَ الرِّياءَ والتَّمَلُّقَ بطِرازٍ آخَرَ وبنَوعٍ آخَرَ نَتِيجةَ ضَعفِهِنَّ وعَجزِهِنَّ، وذلك خَلاصًا مِن شَرِّ أَزواجِهِنَّ الظَّلَمةِ وتَسَلُّطِهِم علَيْهِنَّ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الثانية: نداء لإصلاح الحياة الأسرية الإسلامية]</h2>
<p><strong>النُّكتةُ الثانيةُ</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لَمّا كُنتُ في هذه السَّنةِ مُعتَزِلًا النّاسَ مُبتَعِدًا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ، نَظَرتُ إلى الدُّنيا نُزُولًا عِندَ رَغبةِ إِخوةٍ وأَخَواتٍ مِنَ النُّورِيِّينَ، فسَمِعتُ مِن أَغلَبِ مَن قابَلَني مِنَ الأَصدِقاءِ، شَكاوَى عن حَياتِهِمُ الأُسَرِيّةِ؛ فتَأَسَّفتُ مِنَ الأَعماقِ وقُلتُ: إنَّ الحَياةَ الأُسَرِيّةَ هي قَلعةُ الإِنسانِ الحَصِينةُ، ولا سِيَّما المُسلِمَ، فهِي كجَنَّتِه المُصَغَّرةِ ودُنياه الصَّغِيرةِ، أَوَدَبَّ الفَسادُ في هذه الحَياةِ أَيضًا؟!</p>
<p>فتَّشْتُ عنِ السَّبَبِ الَّذي أَدَّى إلى فَسادِها، وعَلِمتُ أنَّ هُنالِك مُنَظَّماتٍ سِرِّيّةً تَسعَى لِإِضلالِ الشَّبابِ وإِفسادِهِم بتَذلِيلِ سُبُلِ الشَّهَواتِ أَمامَهُم، وسَوقِهِم إلى السَّفاهةِ والغَوايةِ لِإفسادِ المُجتَمَعِ الإِسلامِيِّ والإِضرارِ بالدِّينِ الإِسلاميِّ، كما أَحسَستُ أنَّ مُنَظَّماتٍ أَيضًا تَعمَلُ في الخَفاءِ وتَسعَى سَعْيًا جادًّا مُؤَثِّرًا لِدَفعِ الغافِلاتِ مِنَ النِّساءِ اللَّطِيفاتِ إلى طُرُقٍ خاطِئةٍ آثِمةٍ؛ وأَدرَكتُ أنَّ ضَربةً قاصِمةً على هذه الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ تَأتِي مِن تلك الجِهةِ.</p>
<p>فأَنا أُبيِّنُ بَيانًا قاطِعًا، يا أَخَواتِي ويا بَناتِي المَعنَوِيّاتِ الشّابّاتِ..</p>
<p>إنَّ العِلاجَ النّاجِعَ لِإنقاذِ سَعادةِ النِّساءِ مِنَ الإِفسادِ في دُنياهُنَّ وأُخراهُنَّ مَعًا، وإنَّ الوَسِيلةَ الوَحِيدةَ لِصَونِ سَجاياهُنَّ الرّاقِيةِ اللّاتِي في فِطْرَتِهِنَّ مِنَ الفَسادِ، ليس إلّا <strong>في تَربِيَتِهِنَّ تَربِيةً دِينِيّةً ضِمنَ نِطاقِ الإِسلامِ الشّامِلِ..</strong> إنَّكُنَّ تَسمَعنَ ما آلَت إلَيْه حالُ تلك الطّائِفةِ المُبارَكةِ في رُوسْيا!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الحياة الزوجية الدائمة لا تبنى على جمال زائل]</h3>
<p>وقد قِيلَ في جُزءٍ مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;:</p>
<p>إنَّ <strong>الزَّوجَ الرَّشِيدَ لا يَبنِي مَحَبَّتَه لِزَوجَتِه على جَمالٍ ظاهِرِيٍّ زائِلٍ</strong> لا يَدُومُ عَشرَ سَنَواتٍ، بل علَيْه أن يَبنِيَ مَوَدَّتَه لها على شَفَقَتِها الَّتي هي أَجمَلُ مَحاسِنِ النِّساءِ وأَدوَمُها، ويُوثِقَها بحُسنِ سِيرَتِها الخاصّةِ بأُنُوثَتِها، كي تَدُومَ مَحَبَّتُه لها كُلَّما شابَت تلك الزَّوجةُ الضَّعِيفةُ، إذ هي لَيسَت صاحِبَتَه ورَفِيقَتَه في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ مُؤَقَّتةٍ فحَسْبُ، وإنَّما هي رَفِيقَتُه المَحبُوبةُ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ؛ <strong>فيَلزَمُ أن يَتَحابّا بِاحتِرامٍ أَزيَدَ ورَحمةٍ أَوسَعَ،</strong> كلَّما تَقَدَّما في العُمُرِ.. أمّا حَياةُ الأُسرةِ الَّتي تَتَربَّى في أَحضانِ المَدَنيّةِ الحَدِيثةِ فهِي مُعرَّضةٌ لِلِانْهِيارِ والفَسادِ، حَيثُ تُبنَى العَلاقةُ فيها على صُحبةٍ مُؤَقَّتةٍ يَعقُبُها فِراقٌ أَبدِيٌّ.</p>
<p>وكَذلِك قِيلَ في جُزءٍ مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;:</p>
<p>إنَّ السَّعِيدَ هو ذلك الزَّوجُ الَّذي يُقَلِّدُ زَوجَتَه الصّالِحةَ، فيَكُونُ صالِحًا مِثلَها، لِئَلّا يَفقِدَ رَفِيقَتَه في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.</p>
<p>وكم هِي سَعِيدةٌ تلك الزَّوجةُ الَّتي تَرَى زَوجَها مُتَديِّنًا فتَتَمسَّكُ بأَهدابِ الدِّينِ لِئَلّا تَفقِدَ رَفِيقَها الأَبدِيَّ، فتَفُوزُ بسَعادةِ آخِرَتِها ضِمنَ سَعادةِ دُنياها!</p>
<p>وكم هُو شَقِيٌّ ذلك الزَّوجُ الَّذي يَتبَعُ زَوجَتَه الَّتي ارْتَمَت في أَحضانِ السَّفاهةِ فيُشارِكُها ولا يَسعَى لِإنقاذِها!</p>
<p>وما أَشقاها تلك الزَّوجةَ الَّتي تَنظُرُ إلى فُجُورِ زَوجِها وفِسقِه وتُقَلِّدُه بصُورةٍ أُخرَى!</p>
<p>والوَيلُ ثمَّ الوَيلُ لِذَينِك الزَّوجَينِ اللَّذَينِ يُعِينُ كلٌّ مِنهُما الآخَرَ في دَفعِه إلى النّارِ، أي: يُغرِي كلٌّ مِنهُما الآخَرَ لِلِانغِماسِ في زَخارِفِ المَدَنيّةِ.</p>
<p>وفَحْوَى هذه الجُمَلِ الَّتي وَرَدَت بهذا المَعنَى في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; أنَّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ -في هذا الزَّمانِ- تَنَعُّمٌ بحَياةٍ عائِلِيّةٍ، وبُلُوغٌ لِسَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وانكِشافٌ لِسَجايا راقِيةٍ في النِّساءِ <strong>إلّا بالتَّأَدُّبِ بالآدابِ الإِسلامِيّةِ الَّتي تُحَدِّدُها الشَّرِيعةُ الغَرَّاءُ</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[مسؤولية الزوجة المسلمة]</h3>
<p>إنَّ أَهَمَّ نُقطةٍ وجانِبٍ في حَياةِ الأُسَرِ في الوَقتِ الحاضِرِ هي أنَّه إذا ما شاهَدَتِ الزَّوجةُ فَسادًا في زَوجِها وخِيانةً مِنه وعَدَمَ وَفاءٍ، فقامَت هي كَذلِك -عِنادًا له- بتَركِ وَظِيفَتِها الأُسَرِيّةِ وهِي الوَفاءُ والثِّقةُ فأَفسَدَتْهُما، <strong>عِندَئذٍ يَختَلُّ نِظامُ تلك الأُسرةِ كُلِّـيًّا</strong> ويَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، كالإِخلالِ بالنِّظامِ في الجَيشِ.</p>
<p>فلا بُدَّ لِلزَّوجةِ أن تَسعَى جادّةً لِإكمالِ نَقصِ زَوجِها وإِصلاحِ تَقصِيرِه كي تُنقِذَ صاحِبَها الأَبدِيَّ، وإلّا فهِي تَخسَرُ وتَتَضرَّرُ في كلِّ جانِبٍ إذا ما حاوَلَت إِظهارَ نَفسِها وتَحبِيبَها لِلآخَرِينَ بالتَّـكشُّفِ والتَّبَرُّجِ، لِأنَّ الَّذي يَتَخلَّى عنِ الوَفاءِ يَجِدُ جَزاءَه في الدُّنيا أَيضًا، لِأنَّ فِطْرَتَها تَتَجنَّبُ غَيرَ المَحارِمِ وتَشمَئِزُّ مِنهُم، فهِي تَحتَرِزُ مِن ثَمانِيَ عَشْرةَ شَخصًا مِن كلِّ عِشرِينَ شَخصًا أَجنَبِيًّا، بَينَما الرَّجُلُ قد لا يَشمَئِزُّ مِنَ النَّظَرِ إلى امرَأةٍ واحِدةٍ مِن كلِّ مِئةٍ أَجنَبِيّةٍ.</p>
<p>فكَما أنَّ الزَّوجةَ تُعانِي مِنَ العَذابِ مِن هذه الجِهةِ، فهِي تَضَعُ نَفسَها مَوضِعَ اتِّهامٍ أَيضًا بعَدَمِ الوَفاءِ وفِقدانِ الثِّقةِ والوَفاءِ، فلا تَستَطِيعُ الحِفاظَ على حُقُوقِها فَضْلًا عن ضَعفِها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المرأة مخلوق طيب مبارك]</h3>
<p><strong>حاصِلُ الكَلامِ:</strong> كما أنَّ النِّساءَ لا يُشبِهنَ الرِّجالَ -مِن حَيثُ الشَّفَقةُ والحَنانُ- في التَّضحِيةِ ولا في الإِخلاصِ، وأنَّ الرِّجالَ لا يَبلُغُونَ شَأْوَهُنَّ في التَّضحِيةِ والفِداءِ؛ كَذلِك لا تُدرِكُ المَرأةُ الرَّجُلَ في السَّفاهةِ والغَيِّ بأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِذا فهِي تَخافُ كَثِيرًا بفِطْرَتِها وخِلقَتِها الضَّعِيفةِ مِن غَيرِ المَحارِمِ، وتَجِدُ نَفسَها مُضطَرّةً إلى الِاحتِماءِ بالحِجابِ، ذلك لِأنَّ الرَّجُلَ إذا غَوَى لِأَجلِ تَلَذُّذِ ثَماني دَقائِقَ لا يَتَضرَّرُ إلّا بِضعَ لَيراتٍ، بَينَما المَرأةُ تُجازَى على ثَمانِي دَقائِقَ مِنَ اللَّذّةِ بثِقَلِ ثَمانيةِ أَشهُرٍ، وتَتَحمَّلُ تَكالِيفَ تَربِيةِ طِفلٍ لا حامِيَ له طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ؛ بمَعنَى أنَّ <strong>المَرأةَ لا تَبلُغُ مَبلَغَ الرِّجالِ في السَّفاهةِ، وتُعاقَبُ علَيْها أَضعافَ أَضعافِ عِقابِ الرَّجُلِ</strong>.</p>
<p>إنَّ هذه الحَوادِثَ لَيسَت نادِرةً، وهِي تَدُلُّ على أنَّ <strong>النِّساءَ مَخلُوقاتٌ مُبارَكاتٌ، خُلِقنَ لِيَكُنَّ مَنشَأً لِلأَخلاقِ الفاضِلةِ، إذ تَكادُ تَنعَدِمُ فِيهِنَّ قابِلِيّةُ الفِسقِ والفُجُورِ لِلتَّمَتُّعِ بأَذواقِ الدُّنيا؛</strong> بمَعنَى أنَّ النِّساءَ نَوعٌ مِن مَخلُوقاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكاتٍ، خُلِقنَ لِأَجلِ قَضاءِ حَياةٍ أُسَرِيّةٍ سَعِيدةٍ ضِمنَ نِطاقِ التَّربِيةِ الإِسلاميّةِ.</p>
<p>فتَبًّا وسُحقًا لِتِلك المُنَظَّماتِ الَّتي تَسعَى لِإفسادِ هَؤُلاءِ الطَّيِّباتِ.</p>
<p>وأَسأَلُه تَعالَى أن يَحفَظَ أَخَواتِي مِن شُرُورِ هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الفاسِدِينَ.. آمِينَ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[العزوبة خير من زوج فاسد]</h3>
<p>أَخَواتِي.. أَقُولُ لَكُنَّ هذا الكَلامَ بشَكلٍ خاصٍّ:‌</p>
<p>اِعْمَلْنَ على كَسْبِ نَفَقاتِكُنَّ بعَمَلِ أَيدِيكُنَّ كما تَفعَلُ نِساءُ القُرَى الطَّيِّباتُ، واكْتَفِينَ بالِاقتِصادِ والقَناعةِ المَغرُوزَتَينِ في فِطْرَتِكُنَّ؛ وهذا أَولَى مِنِ امتِهانِ أَنفُسِكُنَّ بسَبَبِ هُمُومِ العَيشِ بالرُّضُوخِ لِسَيطَرةِ زَوجٍ فاسِدٍ، سَيِّئِ الخُلُقِ، مُتَفرنِجٍ.. وإذا ما كانَ حَظُّ إِحداكُنَّ وقِسمَتُها زَوجًا لا يُلائِمُها، فلْتَرْضَ بقِسمَتِها ولْتَقْنَعْ، فعَسَى اللهُ أن يُصلِحَ زَوجَها برِضاها وقَناعَتِها، وإلّا ستُراجِعُ المَحاكِمَ لِأَجلِ الطَّلاقِ -كما أَسمَعُ في الوَقتِ الحاضِرِ- وهذا لا يَلِيقُ قَطعًا بعِزّةِ الإِسلامِ وشَرَفِ الأُمّةِ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[النكتة الثالثة: لا لذة في غير الحلال]</h2>
<p><strong>النُّكتةُ الثّالثة</strong><strong>:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أَخَواتِي العَزِيزاتِ.. اِعلَمْنَ قَطعًا أنَّ <strong>الأَذواقَ والمُتَعَ الخارِجةَ عن حُدُودِ الشَّرعِ، فيها مِنَ الآلامِ والمَتاعِبِ أَضعافُ أَضعافِ لَذائِذِها؛</strong> وقد أَثبَتَت &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; هذه الحَقِيقةَ بمِئاتٍ مِنَ الدَّلائِلِ القَوِيّةِ والحَوادِثِ القاطِعةِ، ويُمكِنُكُنَّ أن تَجِدْنَ تَفاصِيلَها في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;.</p>
<p>فمَثلًا: الكَلِمةُ السّادِسةُ والسّابِعةُ والثّامِنةُ مِنَ &#8220;الكَلِماتِ الصَّغِيرةِ&#8221; و&#8221;مُرشِدِ الشَّبابِ&#8221; تُبيِّنُ لَكُنَّ هذه الحَقِيقةِ بوُضُوحٍ تامٍّ نِيابةً عنِّي.. <strong>فعَلَيكُنَّ إِذًا بالقَناعةِ والِاطمِئنانِ والِاكتِفاءِ بما في حُدُودِ الشَّرعِ مِن أَذواقٍ ولَذائِذَ، فمُلاطَفةُ أَولادِكُنَّ الأَبرِياءِ ومُداعَبَتُهُم ومُجالَسَتُهُم في بُيُوتِكُنَّ مُتعةٌ نَزِيهةٌ تَفضُلُ مِئاتِ المَرّاتِ مُتعةَ السِّينِما</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[اللذة الحقيقية في هذه الدنيا]</h3>
<p>واعْلَمْنَ يَقِينًا أنَّ <strong>اللَّذّةَ الحَقِيقيّةَ في هذه الدُّنيا إنَّما هي في الإِيمانِ وفي حُدُودِ الإِيمانِ،</strong> وأنَّ في كلِّ عَمَلٍ صالِحٍ لَذّةً مَعنَوِيّةً، بَينَما في الضَّلالةِ والغَيِّ آلامٌ مُنَغِّصةٌ في هذه الدُّنيا أَيضًا.. هذه الحَقِيقةُ أَثبَتَتْها &#8220;رَسائلُ النُّورِ&#8221; بمِئاتٍ مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ، فأَنا شَخصِيًّا شاهَدتُ بعَينِ اليَقِينِ عَبْرَ تَجارِبَ كَثِيرةٍ وحَوادِثَ عَدِيدةٍ: أنَّ <strong>في الإِيمانِ بِذْرةَ جَنّةٍ، وفي الضَّلالةِ والسَّفَهِ بِذْرةَ جَهَنَّمَ،</strong> وقد كَتَبتُ هذه الحَقِيقةَ مِرارًا في &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; حتَّى عَجَز أَعتَى المُعانِدِينَ والخُبَراءُ الرَّسمِيُّونَ والمَحاكِمُ عن جَرحِ هذه الحَقِيقةِ.</p>
<p>فلْتَكُنِ الآنَ &#8220;رِسالةُ الحِجابِ&#8221; في المُقدِّمةِ و&#8221;مُرشِدُ الشَّبابِ&#8221; و&#8221;الكَلِماتُ الصَّغِيرةُ&#8221; نائِبةً عنِّي في إِلقاءِ الدَّرسِ علَيكُنَّ يا أَخَواتِي الطَّيِّباتِ المُبارَكاتِ ويا مَن هُنَّ بمَثابةِ بَناتِي الصَّغِيراتِ.</p>
<p>فلَقَد سَمِعتُ أنَّكُنَّ تَرغَبنَ في أن أُلقِيَ علَيكُنَّ دَرسًا في الجامِعِ، ولكِنَّ مَرَضِي الشَّدِيدَ، إضافةً إلى ضَعفِي الشَّدِيدِ، وأَسبابٍ أُخرَى، تَحُولُ دُونَ ذلك.. لِذا فقد قَرَّرتُ أن أَجعَلَكُنَّ يا أَخَواتِي اللّاتِي تَقْرَأْنَ دَرسِي هذا الَّذي كَتَبتُه لَكُنَّ مُشارِكاتٍ لي في جَمِيعٍ مَكاسِبِي المَعنَوِيّةِ وفي دَعَواتِي، كطُلّابِ النُّورِ.</p>
<p>وإذا استَطَعتُنَّ الحُصُولَ على رَسائِلِ النُّورِ -ولَو على بَعضٍ مِنها- وقِراءَتَها أوِ الِاستِماعَ إلَيْها نِيابةً عَنِّي، فإِنَّكُنَّ تُصبِحْنَ مُشارِكاتٍ لِإِخوانِكُنَّ طُلّابِ النُّورِ في جَمِيعِ مَكاسِبِهمُ المَعنَوِيّةِ وأَدعِيَتِهِم حَسَبَ قاعِدَتِنا المُقرَّرةِ.</p>
<p>كُنتُ أَرغَبُ أن أَكتُبَ إِلَيكُنَّ أَكثَرَ مِن هذا، ولكِنِ اكتَفَيتُ بهذا القَدْرِ لِمَرَضِي وضَعفِي الشَّدِيدِ وشَيخُوخَتِي وهَرَمِي، وواجِباتٍ كَثِيرةٍ تَنتَظِرُني كتَصحِيحِ الرَّسائِلِ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿<strong>الباقي هو الباقي</strong>﴾</p>
<p style="text-align: left;">أَخُوكُنَّ المُحتاجُ إلى دُعائِكُنَّ‌</p>
<p style="text-align: left;">سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه فِقرةٌ مِن اللّائحةِ المَرفُوعةِ إلى مَحكمةِ التَّميِيز، أُلقِيَتْ أمامَ المَحكَمة، فأَسكَتَتْها، وأَصبَحَت حاشِيةً لِهذا المَقامِ:<br /><br />
&#8220;وأنا أقولُ لِمَحكمةِ العَدْل: إنَّ إدانةَ مَن يُفسِّر أقدسَ دُستُورٍ إِلٰهِيٍّ وهو الحقُّ بعَينِه، ويَحتَكِمُ إليه ثلاثُ مِئةٍ وخمسُون مِليُونًا مِن المُسلِمِين في كلِّ عصرٍ في حياتِهِم الِاجتماعيّة، خِلالَ ألفٍ وثلاثِ مِئةٍ وخَمسِين عامًا.. هذا المُفسِّرُ استَنَد في تفسِيرهِ إلى ما اتَّفَق عليه وصَدَّق به ثلاثُ مئةٍ وخَمسُون ألفَ مُفسِّر، واقتَدَى بالعَقائدِ التي دانَ بها أجدادُنا السّابقُونَ في ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وخمسِين سنةً.. أقولُ: إنَّ إِدانةَ هذا المُفسِّر قرارٌ ظالمٌ، لا بُدَّ أن تَرفُضَه العَدالةُ، إن كانَت هُنالك عدالةٌ على وجهِ الأرضِ، ولا بُدَّ أن تَرُدَّ ذلك الحُكمَ الصّادِرَ بحَقِّه وتَنقُضَه&#8221;.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2507</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الثالثة والعشرون: رسالة الطبيعة</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a923-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a923-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b7%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25b9%25d8%25a9</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a923-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 28 Mar 2025 14:09:59 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2503</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة تنقض ثلاث مقولات يقوم عليها الإلحاد والفكر المادي الذي يؤلِّه الطبيعة، وتبين بطلانها واستحالتها] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; [اللمعة الثالثة والعشرون: رسالة الطبيعة]   اللمعة الثالثة والعشرون‌ رسالة الطبيعة‌ كانت هذه الرِّسالة هي المُذكِّرةَ السادسةَ عَشْرةَ من &#8220;اللمعة السابعة عشرة&#8221; إلّا أن أهمِّيتها الفائقة جعلَتها &#8220;اللَّمعة الثالثةَ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة تنقض ثلاث مقولات يقوم عليها الإلحاد والفكر المادي الذي يؤلِّه الطبيعة، وتبين بطلانها واستحالتها]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2504" aria-describedby="caption-attachment-2504" style="width: 900px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2504" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/tree.jpeg" alt="إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!" width="900" height="598" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/tree.jpeg 900w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/tree-300x199.jpeg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/tree-768x510.jpeg 768w" sizes="(max-width: 900px) 100vw, 900px" /><figcaption id="caption-attachment-2504" class="wp-caption-text">إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الثالثة والعشرون: رسالة الطبيعة]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الثالثة والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الطبيعة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كانت هذه الرِّسالة هي المُذكِّرةَ السادسةَ عَشْرةَ من &#8220;اللمعة السابعة عشرة&#8221; إلّا أن أهمِّيتها الفائقة جعلَتها &#8220;اللَّمعة الثالثةَ والعشرين&#8221;، فهي تُبِيد تيّارَ الكفر النابع من مفهوم &#8220;الطبيعة&#8221; إبادةً تامّةً، وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكفر، وتُحطِّم ركيزتَه الأساس.</p>
<h2 style="text-align: center;">[خرافية الإلحاد]</h2>
<p><strong>تنبيه</strong>: لقد بيَّنَتْ هذه المُذَكِّرةُ ماهِيّةَ المَذهَبِ الَّذي يَسلُكُه الجاحِدُونَ مِنَ الطَّبِيعيِّينَ، وأَوضَحَت مَدَى بُعدِ مَسلَكِهِم عن مَوازِينِ العَقلِ، ومَدَى سَماجَتِه وخُرافيَّتِه، وذلك مِن خِلالِ تِسعةِ مُحالاتٍ تتَضَمَّنُ تِسعِينَ مُحالًا في الأَقلِّ.. ولَمّا كان قِسمٌ مِن تلك المُحالاتِ قد وُضِّح في رَسائِلَ أُخرَى فقد طُوِيَت هُنا بَعضُ المَدارِج اختِصارًا.</p>
<p><strong>والسُّؤالُ</strong> الَّذي يَرِدُ لِلخاطِرِ هو: كَيفَ ارتَضَى فَلاسِفةٌ مَشهُورُونَ وعُلَماءُ مَعرُوفُونَ بهذه الخُرافةِ الفاضِحةِ وسَلَّمُوا لها زِمامَ عُقُولِهِم؟!</p>
<p><strong>والجَوابُ</strong>: إنَّ أُولَئِك لم يَتَبيَّنُوا حَقِيقةَ مَسلَكِهِم<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، ولا باطِنَ مَذهَبِهِم، ولم يُدرِكُوا ما يَقتَضِيه مَسلَكُهُم مِن &#8220;مُحالاتٍ&#8221;، وما يَستَلزِمُه مَذهَبُهُم مِن أُمُورٍ فاسِدةٍ ومُمتَنِعةٍ عَقلًا، والَّتي ذُكِرَت في بِدايةِ كلِّ مُحالٍ يَرِدُ في هذه الرِّسالةِ.</p>
<p>وأنا على استِعدادٍ كامِلٍ لِإقامةِ البَراهِين الدّامِغةِ ونَصْبِ الحُجَجِ البَدِيهِيّةِ الواضِحةِ لِإثباتِ ذلك لِكُلِّ مَن يُساوِرُه الشَّكُّ، وأُبيِّنُها لَهُم بإِسهابٍ وتَفصِيلٍ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</strong></p>
<p>هذه الآيةُ الكَرِيمةُ بما فيها مِنِ استِفهامٍ إِنكارِيٍّ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ وُجُودَ اللهِ ووَحْدانيَّتَه هو مِنَ الوُضُوحٍ والجَلاءِ بدَرَجةِ البَداهةِ.‌</p>
<p>وقَبلَ أن نُوضِّحَ هذا السِّرَّ نَوَدُّ أن نُنبِّهَ إلى ما يَأتِي:‌</p>
<h2 style="text-align: center;">[قصة تأليف هذه الرسالة]</h2>
<p>دُعِيتُ لزِيارةِ &#8220;أَنقَرة&#8221; سنةَ ١٣٣٨ (١٩٢٢م) وشاهَدتُ فَرَحَ المُؤمِنينَ وابتِهاجَهُم باندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ، إلّا أنَّني أَبصَرتُ -خِلالَ مَوجةِ الفَرَحِ هذه- زَندَقةً رَهِيبةً تَدِبُّ بخُبثٍ ومَكرٍ، وتَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ بُغيةَ إِفسادِها وتَسمِيمِها.. فتَأسَّفتُ مِن أَعماقِ رُوحِي، وصَرَختُ مُستَغِيثًا باللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ ومُعتَصِمًا بسُوْرِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، مِن هذا الغُولِ الرَّهِيبِ الَّذي يُرِيدُ أن يَتَعرَّضَ لِأَركانِ الإِيمانِ؛ فكَتَبتُ بُرهانًا قَوِيًّا حادًّا يَقطَعُ رَأسَ تلك الزَّندَقةِ، في رِسالةٍ باللُّغةِ العَرَبيّةِ، واستَقَيتُ مَعانيَها وأَفكارَها مِن نُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ لِإثباتِ بَداهةِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووُضُوحِ وَحْدانيَّتِه؛ وقد طَبَعتُها في مَطبَعةِ &#8220;يِني كُون&#8221; في أَنقَرة.. إلّا أنَّني لم أَلمَس آثارَ البُرهانِ الرَّصِينِ في مُقاوَمةِ الزَّندَقةِ وإِيقافِ زَحفِها إلى أَذهانِ النّاسِ.. وسَبَبُ ذلك كَونُه مُختَصَرًا ومُجمَلًا جِدًّا، فَضلًا عن قِلّةِ الَّذِينَ يُتقِنُونَ العَرَبيّةَ في تُركِيّا ونُدرةِ المُهتَمِّينَ بها آنَذاك، لِذا فقدِ انتَشَرَت أَوهامُ ذلك الإِلحادِ واستَشْرَت في صُفُوفِ النّاسِ معَ الأَسَفِ الشَّدِيدِ، مِمّا اضطَرَّني إلى إِعادةِ كِتابةِ تلك الرِّسالةِ ببَراهِينِها بالتَّركِيّةِ، معَ شَيءٍ مِنَ البَيانِ والتَّوضِيحِ، فكانَت هذه الرِّسالةُ.</p>
<p>ولَمّا كانَ بَعضُ أَقسامِ ذلك البُرهانِ قد وُضِّحَت تَوضِيحًا كافِيًا في بَعضِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; فسنَذكُرُها هنا مُجمَلةً، فالبَراهِينُ المُتَعدِّدةُ المَبثُوثةِ في ثَنايا رَسائِلَ أُخرَى تتَّحِدُ في هذه الرِّسالةِ، وكأنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها جُزءٌ مِن هذه الرِّسالةِ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[المقدمة: ثلاث كلمات كفرية]</h2>
<p><strong>  المُقدِّمة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أيُّها الإِنسانُ.. اِعلَمْ أنَّ هُنالِك كَلِماتٍ رَهِيبةً تَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ، وتُرَدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ، وسنُبيِّنُ ثَلاثًا مِنها هي الغايةُ في الخُطُورةِ:</p>
<p><strong>أُولاها</strong>: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: <strong>&#8220;أَوْجَدَتْه الأَسبابُ&#8221;</strong> أي: إنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.</p>
<p><strong>ثانيَتُها</strong>: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: <strong>&#8220;تَشَكَّلَ بنَفسِه&#8221;</strong> أي: إنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه، ويُوجِدُ نَفسَه بنَفسِه، ويَنتَهِي إلى صُورَتِه الَّتي انتَهَى إلَيْها كما هي.</p>
<p><strong>ثالثَتُها</strong>: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: <strong>&#8220;اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ&#8221;</strong> أي: إنَّ الشَّيءَ طَبِيعيٌّ، والطَّبِيعةُ هي الَّتي أَوْجَدَتْه واقتَضَتْه.</p>
<h2 style="text-align: center;">[الكلمة الأولى &#8220;أوجدته الأسباب&#8221; ومحالاتها]</h2>
<p>نعم، ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً وقائِمةً أَمامَنا بحَيثُ لا يُمكِنُ إِنكارُها مُطْلَقًا، وأنَّ كلَّ مَوجُودٍ يَأتِي إلى الوُجُودِ في غايةِ الإِتقانِ والحِكْمةِ، وهُو ليس بقَدِيمٍ أَزَليٍّ، بل هو مُحدَثٌ جَدِيدٌ.</p>
<p>فيا أَيُّها المُلحِدُ، إمّا أنَّك تقُولُ: إنَّ هذا المَوجُودَ -ولْيَكُن هذا الحَيَوانَ مَثلًا- تُوجِدُه أَسبابُ العالَمِ، أي: أنَّه يَكتَسِبُ الوُجُودَ نَتِيجةَ اجتِماعِ الأَسبابِ المادِّيّةِ، أو أنَّه يتَشَكَّلُ بنَفسِه، أو أنَّه يَرِدُ إلى الوُجُودِ بمُقتَضَى الطَّبِيعةِ ويَظهَرُ بتَأثيرِها! أو علَيْك أن تقُولَ: إنَّ قُدْرةَ الخالِقِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ هي الَّتي تُوجِدُه.</p>
<p>وما دامَ حُدُوثُه بغَيرِ هذه الطُّرُقِ الأَربَعةِ لا سَبِيلَ إلَيْه حَسَبَ مَوازِينِ العَقلِ، فإِذا ما أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا أنَّ الطُّرُقَ الثَّلاثةَ الأُولَى مُحالةٌ، باطِلةٌ مُمتَنِعةٌ، غيرُ مُمكِنةٍ، فبِالضَّرُورةِ والبَداهةِ يَثبُتُ الطَّرِيقُ الرّابعُ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ بيَقِينٍ جازِمٍ لا رَيبَ فيه.</p>
<p>أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ‌، وهُو القَولُ بأنَّ &#8220;اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ&#8221;، نَذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الأول]</h3>
<p><strong>المُحالُ الأوَّلُ</strong>: ولْنُوَضِّحْه بهذا المِثالِ:</p>
<p>تَحوِي صَيدَليّةٌ مِئاتِ الدَّوارِقِ والقَنانِي المَمْلُوءةِ بمَوادَّ كِيمياوِيّةٍ مُتَنوِّعةٍ، وقدِ احتَجْنا -لِسَبَبٍ مّا- إلى مَعجُونٍ حَيَوِيٍّ مِن تلك الأَدوِيةِ والمَوادِّ، ولَزِمَ تَركِيبُ مادّةٍ حَيَوِيّةٍ خارِقةٍ مُضادّةٍ لِلسُّمُومِ.. فلَمَّا دَخَلْنا الصَّيدَليّةَ وَجَدْنا فيها أَعدادًا هائِلةً مِن أَنواعِ ذلك المَعجُونِ الحَيَوِيِّ، ومِن تلك المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادّةِ لِلسُّمُومِ، وعِندَما بَدَأْنا بتَحلِيلِ كلِّ مَعجُونٍ رَأَيناه مُرَكَّبًا مُستَحضَرًا بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ مِن مَوادَّ مُختَلِفةٍ طِبقَ مَوازِينَ مَحسُوبةٍ، فقد أُخِذَ مِن تلك القَنانِي دِرهَمٌ (غرامٌ واحِدٌ) مِن هذه.. وثَلاثةُ غراماتٍ مِن تلك.. وعَشَرةُ غراماتٍ مِنَ الأُخرَى.. وهكذا، فقد أُخِذَ مِن كلٍّ مِنها مَقادِيرُ مُختَلِفةٌ، بحَيثُ لو كانَ ما أُخِذَ مِن هذه المَقادِيرِ أَقلَّ مِنها بجُزءٍ مِن الغرامِ، أو أَزيَدَ، لَفَقد المَعجُونُ خَواصَّه الحَيَوِيّةَ&#8230;</p>
<p>والآنَ جِئْنا إلى &#8220;المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادَّةِ لِلسُّمُومِ&#8221; ودَقَّقنا فيها نَظَرًا كِيمياوِيًّا، فرَأَيناها قد رُكِّبَت بمَقادِيرَ مُعيَّنةٍ أُخِذَت مِن تلك القَنانِي على وَفْقِ مَوازِينَ حَسّاسةٍ بحَيثُ إنَّها تَفقِدُ خاصِّيَّتَها لو غَلِطنا في الحِسابِ فزادَتِ المَوادُّ المُرَكَّبةُ مِنها أو نَقَصَت بمِقْدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.. فوَجَدْنا أنَّ المَوادَّ المُتَنوِّعةَ قدِ استُحضِرَت بمَقادِيرَ مُختَلِفةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في تلك القَنانِي، وهِي أَكثَرُ مِن خَمسِينَ قِنِّينةً.</p>
<p>فهل يُمكِنُ أو يُعقَلُ أن يَتكَوَّنَ ذلك المَعجُونُ المَحسُوبُ كلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِه حِسابًا دَقِيقًا مِن جَرَّاءِ مُصادَفةٍ غَرِيبةٍ، أو مِن نَتِيجةِ تَصادُمِ القَنانِيِّ بحُدُوثِ زِلزالٍ عاصِفٍ في الصَّيدليّةِ يُؤَدِّي إلى سَيَلانِ تلك المَقادِيرِ بمَوازِينِها المُعيَّنةِ، واتِّحادِ بَعضِها ببَعضٍ آخَرَ، مُكوِّنةً مَعجُونًا حَيَوِيًّا؟! فهل هُناك مُحالٌ أَغرَبُ مِن هذا وأَكثَرُ بُعدًا عنِ العَقلِ والمَنطِقِ؟! وهل هُناك خُرافةٌ أَخرَقُ مِنها؟! وهل هُناك باطِلٌ أَوضَحُ بُطْلانًا مِن هذا؟! والحِمارُ نَفسُه لو تَضاعَفَت حَماقَتُه ونَطَق لَقالَ: يا لَحَماقةِ مَن يقُولُ بهذا القَولِ!</p>
<p>وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنَّ كلَّ كائِنٍ حَيٍّ هو مُرَكَّبٌ حَيَوِيٌّ، ومَعجُونٌ ذُو حَياةٍ؛ وإنَّ كلَّ نَباتٍ شَبِيهٌ بتِرياقٍ حَيَوِيٍّ مُضادٍّ لِلسُّمُومِ إذ رُكِّبَ مِن أَجزاءٍ مُختَلِفةٍ ومِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في مُنتَهَى الحَساسِيّةِ.. فلا رَيبَ أنَّ إِسنادَ خَلقِ هذا الكائِنِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ والعَناصِرِ، والقَولَ بأنَّ &#8220;الأَسبابَ أَوْجَدَته&#8221; باطِلٌ ومُحالٌ وبَعِيدٌ عن مَوازِينِ العَقلِ بمِثلِ بُعدِ وبُطلانِ ومُحاليّةِ تَكَوُّنِ المَعجُونِ الحَيَوِيِّ بنَفسِه مِن سَيَلانِ تلك المَوادِّ مِنَ القَنانِيِّ.</p>
<p>وحَصِيلةُ الَّذي قُلناه آنِفًا: هي أنَّ المَوادَّ الحَيَوِيّةَ المُستَحضَرةَ بمِيزانِ القَضاءِ والقَدَرِ لِلحَكِيمِ العَلِيمِ في هذا العالَمِ الكَبِيرِ الَّذي هو صَيْدليّةٌ ضَخْمةٌ رائِعةٌ لا يُمكِنُ أن تُوجَدَ إلّا بحِكْمةٍ لا حَدَّ لها، وبعِلمٍ لانِهايةَ له، وبإِرادةٍ تَشمَلُ كلَّ شَيءٍ وتُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ، وإلّا فما أَشقاه مَن يَتَوهَّمُ &#8220;أنَّ هذه المَوجُوداتِ هي نِتاجُ عَناصِرِ الكَونِ الكُلِّيّةِ&#8221; وهِي العَمْياءُ الصَّمّاءُ في جَرَيانِها وتَدَفُّقِها، أو هي &#8220;مِن شُؤُونِ طَبائِعِ المَوادِّ&#8221; أو &#8220;مِن عَمَلِ الأَسبابِ المادِّيّةِ&#8221;!.</p>
<p>لا شَكَّ أنَّ صاحِبَ هذا الوَهْمِ هو أَشقَى أَشقِياءِ العالَمِ، وأَعظَمُهُم حَماقةً، وأَشَدُّ هَذَيانًا مِن هَذَيانِ مَخمُورٍ فاقِدٍ لِلوَعيِ عِندَما يَخطُرُ بِبالِه أنَّ ذلك التِّرياقَ العَجِيبَ قد أَوجَد نَفسَه بنَفسِه مِن جَرّاءِ تَصادُمِ القَنانِيِّ وسَيَلانِ ما فيها!</p>
<p>نعم، إنَّ ذلك الكُفرَ هَذَيانُ أَحمَقَ وجُنُونُ سَكْرانَ!</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثاني]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثّاني</strong>: هو أنَّه إنْ لم يُسنَد خَلقُ كلِّ شَيءٍ إلى الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، يَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِأَغلَبِ عَناصِرِ العالَمِ وأَسبابِه دَخْلٌ وتَأثِيرٌ في وُجُودِ كلِّ ذِي حَياةٍ. والحالُ أنَّ اجتِماعَ الأَسبابِ المُتَضادّةِ والمُتَبايِنةِ فيما بَينَها، بانتِظامٍ تامٍّ، وبمِيزانٍ دَقِيقٍ وباتِّفاقٍ كامِلٍ في جِسمِ مَخلُوقٍ صَغِيرٍ -كالذُّبابِ مَثلًا- هو مُحالٌ ظاهِرٌ إلى حَدٍّ يَرفُضُه مَن له عَقلٌ بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ، ويَرُدُّه قائِلًا: هذا مُحالٌ.. هذا باطِلٌ.. هذا غَيرُ مُمكِنٍ..!</p>
<p>ذلك لِأنَّ جِسمَ الذُّبابِ الصَّغِيرَ ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ، ومعَ أَسبابِها المادِّيّةِ، بل هو خُلاصةٌ مُستَخلَصةٌ مِنها؛ فإن لم يُسنَد إِيجادُه إلى القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، يَلزَمُ أن تكُونَ تلك الأَسبابُ المادِّيّةُ حاضِرةً ومُحتَشِدةً جَنبَ ذلك الجِسمِ مُباشَرةً عِندَ إِيجادِه، بل يَلزَمُ أن تَدخُلَ في جِسمِه الضَّئِيلِ، بل يَجِبُ دُخُولُها في حُجَيرةِ العَينِ الَّتي تُمثِّلُ نَمُوذَجَ الجِسمِ، ذلك لِأنَّ الأَسبابَ إنْ كانَت مادِّيّةً فيَلزَمُ أنْ تكُونَ قُربَ المُسَبَّبِ وداخِلةً فيه، وعِندَئذٍ يَقتَضِي قَبُولَ دُخُولِ جَمِيعِ العَناصِرِ وجَمِيعِ أَركانِ العالَمِ معَ طَبائِعِها المُتَبايِنةِ في ذلك المُسَبَّبِ دُخُولًا مادِّيًّا، وعَمَلِها في تلك الحُجَيرةِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ بمَهارةٍ وإِتقانٍ!! أفَلا يَخجَلُ ويَستَحِي مِن هذا القَولِ حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً؟!</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثالث]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثّالثُ</strong>: هو أنَّ المَوجُودَ إنْ كانَت له وَحْدةٌ واحِدةٌ، فلا بُدَّ أن يكُونَ صادِرًا مِن مُؤَثِّرٍ واحِدٍ، ومِن يَدٍ واحِدةٍ، حَسَبَ مَضمُونِ القاعِدةِ البَدِيهِيّةِ المُقَرَّرةِ: &#8220;الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ&#8221;، ولا سِيَّما إن كانَ ذلك المَوجُودُ في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانِ، وكانَ مالِكًا لِحَياةٍ جامِعةٍ، فمِنَ البَداهةِ أنَّه لم يَصدُر مِن أَيدٍ مُتَعدِّدةٍ قَطُّ -الَّتي هي مَدْعاةُ الِاختِلافِ والمُنازَعةِ- بل لا بُدَّ أنَّه صادِرٌ مِن يَدٍ واحِدةٍ لِواحِدٍ أَحَدٍ قَدِيرٍ حَكِيمٍ.</p>
<p>لِذا فإنَّ إِسنادَ المَوجُودِ، المُنتَظِمِ، المُتَناسِقِ، المَوزُونِ، الواحِدِ، إلى أَيدِي الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمَّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِي في اختِلاطٍ شَدِيدٍ يَزِيدُ مِن عَماها وصَمَمِها، ثمَّ الِادِّعاءَ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ لا حَدَّ لها، أَقُولُ: إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو -في الحَقِيقةِ- قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ، إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ومَوازِينِه..</p>
<p>دَعْنا نَتْرُكُ هذا المُحالَ ونَتَجاوَزُه مُؤَقَّتًا، لِنَنظُرَ إلى تَأثِيرِ &#8220;الأَسبابِ المادِّيّةِ&#8221; الَّذي يَتِمُّ بِالتَّماسِّ والمُباشَرةِ؛ فبَينَما نَرَى أنَّ تَماسَّ تلك الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ هو تَماسٌّ بظاهِرِ الكائِنِ الحَيِّ فحَسْبُ، ونَرَى أنَّ باطِنَ ذلك الكائِنِ الَّذي لا تَصِلُ إلَيْه أَيدِي تلك الأَسبابِ المادِّيّةِ ولا يُمكِنُها أن تَمَسَّه بشَيءٍ، هو أَدَقُّ نِظامًا، وأَكثَرُ انسِجامًا، مِنَ الظّاهِرِ، بل أَلطَفُ مِنه خَلْقًا وأَكمَلُ إِتقانًا؛ بلِ الأَحياءُ الصَّغِيرةُ والمَخلُوقاتُ الدَّقِيقةُ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَستَوعِبَ تلك الأَسبابَ المادِّيّةَ قَطْعًا ولا تَصِلُ إلَيْها أَيدِيها ولا وَسائِلُها هي أَعجَبُ إِتقانًا مِن أَضخَمِ المَخلُوقاتِ وأَبدَعُ خَلْقًا مِنها.</p>
<p>فلا يكُونُ إِذًا إِسنادُ خَلقِها إلى تلك الأَسبابِ العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجامِدةِ الجاهِلةِ الغَلِيظةِ المُتَباعِدةِ المُتَضادّةِ إلّا عَمًى ما بَعدَه عَمًى، وصَمَمًا ليس وَراءَه صَمَمٌ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[الكلمة الثانية &#8220;تشكل بنفسه&#8221; ومحالاتُها]</h2>
<p>أمّا <strong>المَسأَلةُ الثّانيةُ</strong><strong>‌</strong><strong>،</strong> وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: &#8220;<strong>تَشَكَّلَ بنَفسِه</strong>&#8220;، فهِي تَنطَوِي على مُحالاتٍ كَثِيرةٍ، ويَتَّضِحُ بُطلانُها ومُحاليَّتُها مِن نَواحٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، إلّا أنَّنا نَتَناوَلُ هنا <strong>ثَلاثةَ مُحالاتٍ</strong> مِنها كنَماذِجَ ليس إلّا:</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الأول]</h3>
<p><strong>الأوَّلُ</strong>: أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ، إنَّ طُغْيانَ غُرُورِك، جَعَلَك تَتَردَّى في أَحضانِ حَماقةٍ مُتَناهِيةٍ، فتُقْدِمُ على قَبُولِ مِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ!</p>
<p>إنَّك أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ مَوجُودٌ بلا شَكٍّ، وإنَّك لَستَ مادّةً بَسِيطةً وجامِدةً تَأبَى التَّغَيُّـرَ، بل أَنتَ مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، أَجهِزَتُه دائِمةُ التَّجَدُّدِ؛ وأَنتَ كالقَصرِ المُنِيفِ، أَنحاؤُه دائِمةُ التَّحَوُّلِ.. فذَرَّاتُ وُجُودِك أَنتَ تَعمَلُ دَوْمًا وتَسعَى دُونَ تَوَقُّفٍ، وتَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكائِناتِ، فهِي في أَخذٍ وعَطاءٍ مَعَها، وبخاصَّةٍ مِن حَيثُ الرِّزقُ، ومِن حَيثُ بَقاءُ النَّوعِ. إنَّ الذَّرَّاتِ العامِلةَ في جَسَدِك تَحتاطُ مِن أن تُخِلَّ بتلك الرَّوابِطِ، وتَتَحاشَى أن تَنفَصِمَ تلك العَلاقاتُ، فهِي حَذِرةٌ في تَصَرُّفِها هذا، وتَتَّخِذُ مَوقِفًا مُلائِمًا لها على وَفقِ تلك العَلاقاتِ كأنَّها تَنظُرُ إلى جَمِيعِ الكائِناتِ وتُشاهِدُها، ثمَّ تُراقِبُ مَوقِعَك أَنتَ مِنها، وأَنتَ بدَوْرِك تَستَفِيدُ حَسَبَ ذلك الوَضعِ الخارِقِ لِتِلك الذَّرَّاتِ وتَنتَفِعُ وتَتَمتَّعُ بمَشاعِرِك وحَواسِّك الظَّاهِرةِ والباطِنةِ.</p>
<p>فإن لم تَعتَقِد أنَّ تلك الذَّرَّاتِ مُوَظَّفاتٌ صَغِيراتٌ لَدَى القَدِيرِ الأَزَليِّ، ومَأْمُوراتٌ مُسَخَّراتٌ مُنقاداتٌ لِقَوانِينِه سُبحانَه، أو هي جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ في جَيشِه المُنَظَّمِ، أو هي نِهاياتُ قَلَمِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ، أو هي نِقاطٌ يَنقُطُها قَلَمُ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ.. لَزِمَك أن تقُولَ: إنَّ لِكُلِّ ذَرّةٍ عامِلةٍ -في عَينِك مَثلًا- عَينًا واسِعةً بَصِيرةً، تَرَى جَمِيعَ أَجزاءِ جَسَدِك ونَواحِيه، وتُشاهِدُ جَمِيعَ الكائِناتِ الَّتي تَرتَبِطُ بها، وتَعلَمُ جَمِيعَ ماضِيك ومُستَقبَلِك، وتَعرِفُ أَصلَك وآباءَك وأَجدادَك معَ نَسلِك وأَحفادِك، وتُدرِكُ مَنابِعَ عَناصِرِك، وكُنُوزَ رِزقِك.. فهِي إِذًا ذاتُ عَقلٍ جَبّارٍ!!</p>
<p>فمَنحُ عِلمٍ وشُعُورٍ بِقَدرِ أَلفِ &#8220;أَفلاطُونَ&#8221; لِذَرّةٍ مِثلِك لا تَملِكُ ذَرّةً مِن عَقلٍ في هذه المَسائِلِ لَيُعَدُّ خُرافةً خَرْقاءَ، وبَلاهةً حَمْقاءَ؟!</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثاني]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثَّاني</strong>: إنَّ جِسمَك أيُّها الإِنسانُ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِن القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى البَعضِ الآخَرِ في بِناءٍ مُحكَمٍ دُونَ عَمْدٍ؛ بل إنَّ وُجُودَك -لو فَكَّرتَ- هو أَعجَبُ مِن هذا القَصرِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، لِأنَّ قَصرَ جِسمِك أَنتَ في تَجَدُّدٍ مُستَمِرٍّ يَبلُغُ الكَمالَ في الِانتِظامِ والرَّوْعةِ.</p>
<p>فلو صَرَفْنا النَّظَرَ عَمّا تَحمِلُه مِن رُوحٍ ومِن قَلبٍ ومِن لَطائِفَ مَعنَوِيّةٍ وهِي مُعجِزةٌ بِذاتِها، وأَخَذْنا بنَظَرِ الِاعتِبارِ والتَّفكُّرِ عُضْوًا واحِدًا فَقَط مِن أيِّ عُضوٍ كانَ مِن بَينِ أَعضاءِ جَسَدِك، نَراه شَبِيهًا بمَنزِلٍ ذِي قِبابٍ.. فالذَّرّاتُ الَّتي فيه قد تَعاوَنَت وتَعانَقَت بَعضُها معَ بَعضٍ، في انتِظامٍ تامٍّ، ومُوازَنةٍ كامِلةٍ -كالأَحجارِ في تلك القِبابِ- وكَوَّنَت بِناءً خارِقًا، وصَنْعةً رائِعةً بَدِيعة، فأَظهَرَت لِلعِيانِ مُعجِزةً عَجِيبةً مِن مُعجِزاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ &#8220;كالعَينِ واللِّسانِ&#8221; مَثلًا.</p>
<p>فلو لم تكُن هذه الذَّرّاتُ مَأمُورةً مُنقادةً لِأَمرِ الصّانِعِ القَدِيرِ، فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنها إِذًا لا بُدَّ أن تكُونَ حاكِمةً حُكْمًا مُطلَقًا على بَقِيّةِ ذَرّاتِ الجَسَدِ ومَحكُومةً لها حُكْمًا مُطلَقًا كَذلِك، وأن تكُونَ مِثلَ كُلٍّ مِنها، وضِدَّ كلٍّ مِنها -مِن حَيثُ الحاكِمِيّةُ- في الوَقتِ نَفسِه، وأن تكُونَ مَناطَ أَغلَبِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ الَّتي لا يَتَّصِفُ بها إلّا اللهُ سُبحانَه وتَعالَى، وأن تكُونَ مُقيَّدةً كُلِّـيًّا، وطَلِيقةً كُلِّـيًّا في الوَقتِ نَفسِه.</p>
<p>فالمَصنُوعُ الواحِدُ المُنتَظِمُ والمُنَسَّقُ الَّذي لا يُمكِنُ أن يكُونَ -بسِرِّ الوَحْدةِ- إلّا أَثرًا مِن آثارِ الواحِدِ الأَحَدِ، مُحالٌ أن يُسنَدَ إلى تلك الذَّرّاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بل هو مِئةُ مُحالٍ في مُحالٍ! يُدرِكُ ذلك كلُّ مَن له مُسكةٌ مِن عَقلٍ!</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثالث]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثّالثُ</strong>: إنْ لم يكُن وُجُودُك هذا قد كُتِبَ بقَلَمِ الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ الأَزَليِّ، وكانَ مَطبُوعًا بمَطابعِ الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فيَلزَمُ عِندَئذٍ وُجُودُ قَوالِبَ طَبِيعيّةٍ بعَدَدِ أُلُوفِ الأُلُوفِ مِنَ المُرَكَّباتِ المُنتَظِمةِ العامِلةِ في جِسمِك، والَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ الخَلايا العامِلةِ بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ، وانتِهاءً بأَوسَعِ الأَجهِزةِ العامِلةِ فيه.</p>
<p>ولِفَهْمِ هذا المُحالِ نَأخُذُ الكِتابَ الَّذي بَينَ أَيدِينا مِثالًا، فنقُولُ:</p>
<p>إنِ اعتَقَدتَ أنَّ هذا الكِتابَ مُستَنسَخٌ باليَدِ، فيَكفِي إِذًا لِاستِنساخِه قَلَمٌ واحِدٌ، يُحَرِّكُه عِلْمُ كاتِبِه لِيُدَوِّنَ به ما يَشاءُ، ولكِن إن لم يُعتَقَد أنَّه مُستَنسَخٌ باليَدِ ولم يُسنَد إلى قَلَمِ الكاتِبِ، وافتُرِضَ أنَّه قد تَشَكَّل بنَفسِه، أو أُسنِدَت كِتابَتُه إلى الطَّبِيعةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه قَلَمٌ مَعدِنِيٌّ خاصٌّ به، ويكُونَ عَدَدُ الأَقلامِ بعَدَدِ تلك الحُرُوفِ -بمِثلِ وُجُودِ الحُرُوفِ المَعدِنيّةِ في المَطبَعةِ والَّتي هي بعَدَدِ الحُرُوفِ وأَنماطِها- أي: يَلزَمُ وُجُودُ أَقلامٍ بعَدَدِ الحُرُوفِ بَدَلًا مِن قَلَمٍ واحِدٍ لِلِاستِنساخِ، وربَّما كان في تلك الحُرُوفِ حُرُوفٌ كَبِيرةٌ مَكتُوبٌ فيها بخَطٍّ دَقِيقٍ ما في صَحِيفةٍ كامِلةٍ، فيَلزَمُ إِذًا لِكِتابةِ مِثلِ هذه الحُرُوفِ الكَبِيرةِ أُلُوفُ الأَقلامِ الدَّقِيقةِ. والآنَ، ماذا تقُولُ لو كانَت تلك الحُرُوفُ مُتَداخِلةً بَعضُها ببَعضٍ بانتِظامٍ كامِلٍ، مُتَّخِذةً هَيْئةَ جَسَدِك وشَكْلَه؟! فيَلزَمُ عِندَئذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِه المَذكُورةِ قَوالِبُ عَدِيدةٌ بعَدَدِ تلك المُرَكَّباتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ!</p>
<p>هَبْ أنَّك تقُولُ لِهذه الحالةِ المُتَضمِّنةِ لِمِئةِ مُحالٍ في مُحالٍ: إنَّها مُمكِنةُ الحُدُوثِ! فحَتَّى في هذه الحالةِ -على فَرْضِ إِمكانِها- أفَلا يَلزَمُ لِصُنعِ تلك الأَقلامِ وعَمَلِ تلك القَوالِبِ والحُرُوفِ المَعدِنِيّةِ أَقلامٌ وقَوالِبُ وحُرُوفٌ بعَدَدِها لِتُصَبَّ وتُسكَبَ فيها إنْ لم يُسنَد صُنعُها جَمِيعًا إلى قَلِمٍ واحِدٍ؟ ذلك لِأنَّ جَمِيعَها مَصنُوعةٌ ومُحْدَثةٌ مُنتَظِمةٌ، ومُفتَقِرةٌ إلى صانِعٍ لِيَصنَعَها، ومُحدِثٍ لِيُحدِثَها، وهكذا الأَمرُ يَتَسَلسَلُ كُلَّما أَوْغَلْتَ فيه.. فافْهَمْ مِن هذا مَدَى سُقْمِ هذا الفِكرِ الَّذي يَتَضمَّنُ مُحالاتٍ وخُرافاتٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ جِسمِك!</p>
<p>فيا أيُّها الجاحِدُ.. عُدْ إلى عَقلِك، وانبِذْ هذه الضَّلالةَ المُشِينةَ!</p>
<h2 style="text-align: center;">[الكلمة الثالثة &#8220;اقتضته الطبيعة&#8221; ومحالاتُها]</h2>
<p>الكلمةُ الثَّالثة‌، والَّتي هي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: &#8220;<strong>اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ</strong>&#8220;، فهذا الحُكْمُ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها على سَبِيلِ المِثالِ:</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الأول]</h3>
<p><strong>المُحالُ الأوَّل</strong>: هو الإِتقانُ والإِيجادُ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ، الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُورًا جَلِيًّا، ولا سِيَّما في الأَحياءِ.. إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ لِلمُصَوِّرِ الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ وإلى &#8220;القُوّةِ&#8221;، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ -مِن أَجلِ الخَلقِ- مَطابِعَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها.</p>
<p>مِثالُ ذلك: إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها الضَّوئِيّةَ، وبَرِيقَ لَمَعانِها المُشاهَدَ على قَطَراتِ الماءِ الرَّقْراقةِ المُتَلَألِئةِ، أو على القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ المُتَناثِرةِ هُنا وهُناك على سَطْحِ الأَرضِ؛ فإن لم تُنسَبْ هذه الِانعِكاساتُ والشُّمَيْساتِ المِثالِيّةِ إلى الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ الَّتي تُطالِعُنا بشُعاعِها الغامِرِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ بشَمسٍ طَبِيعيّةٍ فِطْرِيّةٍ صَغِيرةٍ ظاهِرِيّةٍ تَملِكُ صِفاتِ الشَّمسِ وتَتَّصِفُ بخَصائِصِها، مَوجُودةٍ وُجُودًا فِعْليًّا في تلك القِطْعةِ الزُّجاجِيّةِ الصَّغِيرةِ الَّتي لا تَسَعُ لِأَدنَى شَيءٍ، أي: يَلزَمُ الِاعتِقادُ بوُجُودِ شُمُوسٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ!</p>
<p>وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!</p>
<p>فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطْلانًا مِن أيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ مِن صَنْعةٍ رائِعةٍ دَقِيقةٍ، ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ حتَّى في أَصغَرِ مَخلُوقٍ، إلى يَدِ الطَّبِيعةِ المَوهُومةِ التّافِهةِ الَّتي لا تَملِكُ شُعُورًا، لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثاني]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثَّاني</strong>: هو أنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ، وفي مُنتَهَى الرَّوْعةِ والمِيزانِ، وفي تَمامِ الإِتقانِ، وكَمالِ الحِكْمةِ والِاتِّزانِ؛ إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ، وحَكِيمٌ مُطلَقُ الحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الطَّبِيعةِ، لَلَزِمَ الطَّبِيعةَ أنْ تُحضِرَ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ مَعامِلِ أَورُوبَّا ومَطابِعِها، كي تَتَمكَّن تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ، لِأنَّ تلك الحَفْنةَ مِنَ التُّرابِ الَّتي تَقُومُ بمُهِمّةِ مَشتَلٍ صَغِيرٍ لِلأَزهارِ تُظهِرُ قابِلِيّةً فِعلِيّةً لِاستِنباتِ وتَصوِيرِ ما يُلقَى فيها بالتَّناوُبِ مِن بُذُورِ جَمِيعِ أَزهارِ العالَمِ وثِمارِه، وبأَشكالِها، وهَيْئاتِها المُتَنوِّعةِ، وأَلوانِها الزّاهِيةِ..</p>
<p>فإن لم تُسنَد هذه القابِلِيّةُ إلى قُدْرةِ الفاطِرِ الجَلِيل القادِرِ على كلِّ شَيءٍ، فلا بُدَّ إِذًا أن تُوجَد في تلك الحَفْنةِ ماكِينةٌ مَعنَوِيّةٌ طَبِيعيّةٌ خاصّةٌ لِكُلِّ زَهْرةٍ مِن أَزهارِ العالَمِ، وإلّا لا يُمكِنُ أن يَظهَرَ ما نُشاهِدُه مِن أَنواعِ الأَزهارِ والثِّمارِ إلى الوُجُودِ! إذِ البُذُورُ -كالنُّطَفِ والبُيُوضِ أَيضًا- مَوادُّها مُتَشابِهةٌ، اختَلَط وعُجِنَ بَعضُها ببَعضٍ بلا شَكلٍ مُعَيَّنٍ، وهِي: مُولِّدُ الماءِ ومُولِّدُ الحُمُوضةِ والكَربُونِ والآزُوتِ.. عِلمًا أنَّ كُلًّا مِنَ الهَواءِ والماءِ والحَرارةِ والضَّوءِ أَشياءُ بَسِيطةٌ لا تَملِكُ عَقلًا أو شُعُورًا، وهِي تَتَدفَّقُ كالسَّيلِ في كلِّ شَيءٍ دُونَما ضابِطٍ.</p>
<p>فتَشكِيلُ تلك الأَزهارِ الَّتي لا تُحَدُّ مِن تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ بصُوَرِها المُتَنوِّعةِ البَدِيعةِ وأَشكالِها المُختَلِفةِ الزّاهِيةِ وبِهَيْئاتِها المُتَبايِنةِ الرّائِعةِ، وهِي في مُنتَهَى الِانتِظامِ والإِتقانِ، تَقتَضِي بالبَداهةِ وبالضَّرُورةِ أنْ تُوجَد في تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ مَصانِعُ ومَطابِعُ مَعنَوِيّةٌ بمَقايِيسَ صَغِيرةٍ جِدًّا أَكثَرَ مِمّا في أَورُوبّا مِن مَصانِعَ ومَطابِعَ، كي تَتَمكَّن أن تَنسُجَ تلك المَنسُوجاتِ الحَيّةَ الَّتي لا تُعَدُّ، وتُطَرِّزَ تلك النُّقُوشَ الزّاهِيةَ المُتَنوِّعةَ الَّتي لا تُحصَى.</p>
<p>فيا لَبُعْدِ ما يَحمِلُه الطَّبِيعيُّونَ مِن فِكرٍ إِلحادِيٍّ عن جادّةِ العَقلِ السَّلِيمِ! اِعلَمْ هذا، وقِسْ مَدَى بُعْدِ الحَمقَى السَّكارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهُم عُقَلاءُ وعِلْمِيُّونَ عن مَوازِينِ العَقلِ والعِلمِ بتَوَهُّمِهِم أنَّ الطَّبِيعةَ مُوجِدةٌ لِلأَشياءِ.. وكَيفَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا خُرافةً مُمتَنِعةً وغَيرَ مُمكِنةٍ إِطلاقًا، مَسلَكًا لَهُم.. فاسْخَرْ مِنهُم، واحتَقِرْهُم.</p>
<p><strong>ولِسائِلٍ أنْ يَسأَلَ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>صَحِيحٌ أنَّ مُحالاتٍ كَثِيرةً، ومُعضِلاتٍ عَظِيمةً تَنجُمُ عِندَما يُسنَدُ خَلقُ المَوجُوداتِ إلى الطَّبِيعةِ، ولكِن كَيفَ تَزُولُ هذه المُشكِلاتُ، وتَنحَلُّ هذه المُعضِلاتُ عِندَما نُسنِدُ عَمَلِيّةَ الخَلقِ برُمَّتِها إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ؟ وكَيفَ يَنقَلِبُ ذلك الِامتِناعُ الصَّعبُ إلى الوُجُوبِ السَّهلِ؟</p>
<p><strong>الجَوابُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها -كما ذُكِرَ في المُحالِ الأَوَّلِ- أَظهَرَت نَفسَها بكُلِّ سُهُولةٍ، ومِن دُونِ تكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ في جَمِيعِ المَوادِّ، ابتِداءً مِنَ الجامِدِ الصَّغِيرِ المُتَناهِي في الصِّغَرِ -كقِطَعِ الزُّجاجِ- إلى أَوسَعِ السُّطُوحِ لِلبِحارِ والمُحِيطاتِ، فأَظهَرَت على الكُلِّ فَيضَها وأَثَرَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ، وكأنَّ كُلًّا مِنها شُمَيْساتٌ مِثاليّةٌ.. فلو قُطِعَت نِسبةُ تلك الِانعِكاساتِ عنِ الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ، فلا بُدَّ مِنَ الِاعتِقادِ بوُجُودِ شَمسٍ طَبِيعيّةٍ في كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وُجُودًا ذاتِيًّا خارِجِيًّا.. وهذا ما لا يَقبَلُه عَقلٌ، بل هو مُمتَنِعٌ ومُحالٌ.</p>
<p>فكَما أنَّ الأَمرَ في المِثالِ هو هكَذا، كَذلِك إِسنادُ خَلقِ كلِّ مَوجُودٍ إِسنادًا مُباشَرًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ فيه مِنَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، إذ يُمكِنُ إِيصالُ ما يَلزَمُ أيَّ مَوجُودٍ إلَيْه، بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وذلك بالِانتِسابِ وبالتَّجَلِّي.. بَينَما إذا ما قُطِعَ ذلك الِانتِسابُ، وانقَلَب الِاستِخدامُ والتَّوظِيفُ والطّاعةُ إلى الِانفِلات مِنَ الأَوامِرِ والعِصيانِ، وتُرِكَ كلُّ مَوجُودٍ طَلِيقًا يَسرَحُ كَيفَما يَشاءُ، أو أُسنِدَ الأَمرُ إلى الطَّبِيعةِ، فستَظهَرُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُشكِلاتِ والمُعضِلاتِ بدَرَجةِ الِامتِناعِ، حتَّى نَرَى أنَّ خَلْقَ ذُبابةٍ صَغِيرةٍ يَقتَضِي أنْ تكُونَ الطَّبِيعةُ العَمْياءُ الَّتي فيها مالِكةً لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وأن تكُونَ -معَ ذلك- ذاتَ حِكْمةٍ بالِغةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن إِدارَتِه، حَيثُ إنَّ الذُّبابةَ -رَغمَ صِغَرِها- بَدِيعةُ الصُّنعِ، تَنطَوِي على أَغلَبِ مُكَوِّناتِ الكائِناتِ وكأَنَّها فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ لها..</p>
<p>وهذا ليس بمُحالٍ واحِدٍ فحَسْبُ، بل أَلفُ مُحالٍ ومُحالٍ..!</p>
<p><strong>الخُلاصةُ</strong>: كما أنَّه مُحالٌ ومُمتَنِعٌ وُجُودُ نَظِيرٍ أو شَرِيكٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى في أُلُوهِيَّتِه، كَذلِك مُمتَنِعٌ ومُحالٌ مِثلُه أنْ تكُونَ هُنالِك مُداخَلةٌ مِن غَيرِه في رُبُوبِيَّتِه، أو مُشارَكةٌ له مِن أَحَدٍ في إِيجادِه الأَشياءَ وخَلْقِها..</p>
<p>أمّا المُشكِلاتُ الَّتي في &#8220;المُحالِ الثّاني&#8221; فكَما أَثبَتْنا في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ أنَّه إذا ما نُسِبَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كَخَلقِ شَيءٍ واحِدٍ؛ بَينَما إذا ما نُسِبَ الخَلقُ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يُصبِحُ خَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ وإِيجادُه مُشكِلًا وصَعْبًا كخَلقِ الجَمِيعِ. وحَيثُ إِنَّنا سَبَق أن أَثبَتْنا هذا ببَراهِينَ دامِغةٍ، نُورِدُ هنا مُلَخَّصَ بُرهانٍ واحِدٍ فقط: إذا انتَسَب أَحَدٌ إلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ أو بالوَظِيفةِ الحُكُومِيّةِ، فإنَّه يَتَمكَّنُ مِن أن يُنجِزَ مِنَ الأُمُورِ والأَعمالِ أَضعافَ أَضعافِ ما يُمكِنُه إِنجازُه بقُدرَتِه الشَّخصِيّةِ، وذلك بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ السُّلطانِيِّ؛ فمَثلًا: يَستَطِيعُ أن يَأسِرَ قائِدًا كَبِيرًا باسمِ سُلطانِه، معَ أنَّه جُندِيٌّ، حَيثُ تَحمِلُ خَزائِنُ السُّلطانِ وقِطْعاتُ الجَيشِ الأَجهِزةَ والأَعتِدةَ لِما يَقُومُ به مِن أَعمالٍ، فلا يَحمِلُها هو وَحْدَه، كما أنَّه ليس مُضطَرًّا إلى حَمْلِها.. كلُّ ذلك بفَضلِ انتِسابِه إلى السُّلطانِ، لِذا تَظهَرُ مِنه أَعمالٌ خارِقةٌ كأنَّها أَعمالُ سُلطانٍ عَظِيمٍ، وتَبدُو له آثارٌ -فَوقَ ما تَبدُو مِنه عادةً- وكأنَّها آثارُ جَيشٍ كَبِيرٍ رَغمَ أنَّه فَردٌ.</p>
<p>فالنَّملةُ -مِن حَيثُ تلك الوَظِيفةُ- تَتَمكَّنُ مِن تَدمِيرِ قَصرِ فِرعَونٍ طاغٍ، والبَعُوضةُ تَستَطِيعُ أن تُهلِكَ نَمرُودًا جَبَّارًا بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ، والبِذْرةُ الصَّغِيرةُ لِلصَّنَوبَرِ الشَّبِيهةُ بحَبَّةِ الحِنطةِ تُنشِئُ بذلك الِانتِسابِ جَمِيعَ أَجهِزةِ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>.</p>
<p>فلَوِ انقَطَع ذلك الِانتِسابُ، وأُعفِيَ المَوجُودُ مِن تلك الوَظِيفةِ، فعَلَيْه أنْ يَحمِلَ على كَتِفِه قُوّةَ ما يُنجِزُه مِن أَعمالٍ، ويَنُوءَ كاهِلُه بلَوازِمِها ومُعَدّاتِها.. وبذلك لا يُمكِنُه القِيامُ بأَعمالٍ سِوَى أَعمالٍ تَتَناسَبُ معَ تلك القُوّةِ الضَّئِيلةِ المَحدُودةِ المَحمُولةِ على ذِراعِه، وبما يُناسِبُ كَمِيّةَ المُعَدّاتِ واللَّوازِمِ البَسِيطةِ الَّتي يَحمِلُها على ظَهرِه، فلو طُلِبَ مِنه أنْ يَقُومَ بأَعمالٍ كانَ يقُومُ بها بسُهُولةٍ ويُسرٍ في الحالةِ الأُولَى، لَأَظهَرَ عَجْزَه، إلّا إذا استَطاعَ أنْ يُحمِّلَ ذِراعَه قُوّةَ جَيشٍ كامِلٍ، ويُردِفَ على ظَهْرِه مَعامِلَ أَعتِدةِ الدَّولةِ الحَربِيّةِ!! فهذا خَيالٌ يَخجَلُ مِنه حتَّى المُهَرِّجُونَ الَّذِينَ يَروُونَ الخُرافاتِ والأَساطِيرَ العَجِيبةَ لِإِضحاكِ النّاسِ.</p>
<p>نَخلُصُ مِن كلِّ ما تَقَدَّم إلى أنَّ تَسلِيمَ أَمرِ كلِّ مَوجُودٍ وإِسنادَه إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه فيه السُّهُولةُ التّامّةُ بدَرَجةِ الوُجُوبِ. أمّا إِسنادُ إِيجادِه إلى الطَّبِيعةِ فهُو مُعضِلٌ إلى حَدِّ الِامتِناعِ وخارِجٌ عن دائِرةِ العَقلِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المحال الثالث]</h3>
<p><strong>المُحالُ الثَّالثُ</strong>: نُوضِّحُ هذا المُحالَ بمِثالَينِ قد بَيَّنّاهُما في بَعضِ الرَّسائِلِ، هُما:</p>
<h4 style="text-align: center;">[مثال 1]</h4>
<p><strong>المِثالُ الأوَّلُ</strong>: إِنسانٌ بِدائِيٌّ ساذَجُ التَّفكِيرِ، لم يَكُن يَملِكُ أيَّ تَصَوُّرٍ حَضارِيٍّ مُسبَقٍ؛ يَدخُلُ قَصْرًا فَخْمًا بَدِيعًا، يَزهُو بزِينَتِه، ويَختالُ بأَرقَى ما وَصَلَت إلَيْه الحَضارةُ مِن وَسائِلِ الأُبَّهةِ والرّاحةِ، ويَتَلَألَأُ بأَضوائِه في عَتَمةِ فَلاةٍ خالِيةٍ مُوحِشةٍ؛ فيَدلِفُ إلَيْه، ويَدُورُ في أَرجائِه؛ فتُدهِشُه بَراعةُ بِنائِه، ونُقُوشُ جُدْرانِه، ورَوْعةُ إِتقانِه.. وبكُلِّ سَذاجةِ تَصَوُّرِه وبَلاهَتِه يَمنَحُ القَصرَ حَياةً، ويُعطِيه قُدْرةَ تَشيِيدِ نَفسِه بغُرَفِه ومُحتَوَياتِه، وصُوَرِه الجَمِيلةِ، ونُقُوشِه الأَخّاذةِ؛ لا لِشَيءٍ سِوَى كَونِه قاصِرًا عن تَصَوُّرِ وُجُودِ أَحَدٍ خارِجَ هذا القَصرِ وفي هذه الفَلاةِ يُمكِنُه أن يَنسُبَ إلَيْه بِناءَ هذا القَصرِ، لِذا فقد طَفِقَ يُفتِّشُ عنِ &#8220;الباني&#8221; داخِلَ القَصرِ لَعَلَّه يَعثُرُ علَيْه بَينَ أَشياءِ القَصرِ، فما مِن شَيءٍ وَقَع علَيْه بَصَرُه إلّا وتَرَدَّد فيه وشَكَّ في كَوْنِه قادِرًا على إِيجادِ مِثلِ هذا القَصرِ الَّذي يَملَأُ أَقطارَ النَّفسِ والعَقلِ برَوْعةِ صُنعِه، وجَمالِ بِنائِه؛ وتَقُودُه قَدَماه إلى زاوِيةٍ مِن زَوايا القَصرِ، ويَعثُرُ فيها فَجْأةً على دَفتَرِ مُلاحَظاتٍ كانَ قد دُوِّنَت فيه خُطّةٌ مُفَصَّلةٌ لِعَمَلِيّةِ بِناءِ القَصرِ، وخُطَّ فيه أَيضًا فِهرِسُ مَوجُوداتِه وقَوانِينُ إِدارةِ مُمتَلَكاتِه.</p>
<p>ورَغمَ أنَّ ذلك الدَّفتَرَ كمُحتَوَياتِه، لَيسَ مِن شَأنِه تَشيِيدُ القَصرِ وتَزيِينُه، إذ لا يَملِكُ يَدًا يَعمَلُ بها، ولا بَصِيرةً يُبصِرُ بها، إلّا أنَّه تَعَلَّق به إذ وَجَدَه مُتَطابِقًا بمُحتَوَياتِه معَ مَجامِيعِ أَشياءِ القَصرِ، ومُنسَجِمًا معَ سَيرِ العَمَلِ فيه -إذ هُو عُنوانُ القَوانِينِ العِلمِيّةِ- لِذا قال مُضطَرًّا: &#8220;إنَّ هذا الدَّفتَرَ هو الَّذي شَيَّد هذا القَصرَ ونَظَّمَه وزَيَّنَه، وهُو الَّذي أَوْجَد الأَشياءَ فيه ورَتَّبَها هذا التَّرتِيبَ ونَسَّقَها هذا التَّنسِيقَ&#8221;.. فكَشَف بهذا الكَلامِ عن مَدَى عُمْقِ جَهْلِه، وتَأَصُّلِ حَماقَتِه. وعلى غِرارِ هذا المِثالِ تَمامًا، يَدلِفُ إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ -الَّذي هُو أَدَقُّ نِظامًا وأَكمَلُ إِتقانًا، وأَجمَلُ صُنعًا، وأَزهَى جَمالًا، مِن ذلك القَصرِ الصَّغِيرِ المَحدُودِ المَذكُورِ آنِفًا في المِثالِ، حَيثُ لا يَقبَلُ المُقايَسةَ والمُوازَنةَ مَعَه، فكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ بَدِيعةً وحِكَمًا سامِيةً- يَدلِفُ واحِدٌ مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ عَظَمةَ الأُلُوهِيّةِ إلى هذا القَصرِ، واضِعًا في ذِهْنِه -مُسبَقًا- الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هو مَبثُوثٌ أَمامَه مِن البَدائِعِ إلى صَنْعةِ اللهِ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُوقاتِ، المُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.. ويَبدَأُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عنِ السَّبَبِ &#8220;المُوجِدِ&#8221; ضِمنَ المُمكِناتِ والمَخلُوقاتِ! فيَرَى قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يُطلَقُ علَيْها خَطَأً -وخَطَأً جَسِيمًا- اسمُ الطَّبِيعةِ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ &#8220;التَّغيِيرِ والتَّبدِيلِ&#8221; لِقَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، وبمَثابةِ لَوْحةِ &#8220;المَحْوِ والإِثباتِ&#8221; لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، ولكِنَّه يَنبَرِي إلى القَولِ:</p>
<p>ما دامَتْ هذه الأَشياءُ مُفتَقِرةً إلى عِلّةٍ مُوجِدةٍ، ولا شَيءَ أَعظَمُ ارتِباطًا بها مِن هذه &#8220;الكُرَّاسةِ&#8221;، فإنِّي أَخلُصُ مِن ذلك إلى أنَّ هذه &#8220;الكُرّاسةَ&#8221; -بما تَتَضمَّنُه مِن قَوانِينِ المَحوِ والإِثباتِ- هي الَّتي أَوجَدَتِ الأَشياءَ، ما دامَ لا يَطِيبُ لي الِاعتِقادُ والإِيمانُ بالصّانِع الجَلِيلِ سُبحانَه؛ رَغمَ أنَّ العَقلَ المُنَزَّهَ عنِ الهَوَى يَرفُضُ كُلِّـيًّا -ضِمنَ مَنطِقِه- أن يَنسُبَ شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ الَّتي تَقتَضِي قُدرةً مُطلَقةً، إلى هذه &#8220;الكُرّاسةِ&#8221; العَمْياءِ الصَّمّاءِ العاجِزةِ.</p>
<p>ونَحنُ نقُولُ: يا أَحمَقَ مِن &#8220;هَبَنَّقة&#8221;! أَطِلَّ برَأسِك مِن تَحتِ مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، لِتَرَى الصّانِعَ الجَلِيلَ الَّذي تَشهَدُ له جَمِيعُ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، بأَلسِنةٍ مُتَنوِّعةٍ، وتُشِيرُ إلَيْه إِشاراتٍ مُختَلِفةً.. وشاهِدْ تَجَلِّياتِ ذلك المُصَوِّرِ الجَلِيلِ الَّذي شَيَّد قَصرَ العالَمِ الباذِخَ، ودَوَّن خُطَّتَه وبَرنامَجَه وقَوانِينَه في تلك الكُرّاسةِ.. وأَنقِذْ نَفسَك مِن ذلك الهَذَيانِ الآثِمِ الرَّخِيصِ!</p>
<h4 style="text-align: center;">[مثال 2]</h4>
<p><strong>المِثالُ الثّاني</strong>: يَدخُلُ إِنسانٌ مَعزُولٌ عن عالَمِ المَدَنيّةِ والحَضارةِ، وَسَطَ مُعَسكَرٍ مَهِيبٍ، فيُبهِرُه ما يُشاهِدُ مِن تَدرِيباتٍ مُتَنوِّعةٍ يُؤَدِّيها -بغايةِ الِانتِظامِ والإِتقانِ ومُنتَهَى الطّاعةِ والِانقِيادِ- جُنُودُ هذا المُعَسكَرِ، فيُلاحِظُ حَرَكاتِهِمُ المُنَسَّقةَ إذْ يَتَحرَّكُ الجَمِيعُ -فَوْجًا ولِواءً وفِرقةً- بحَرَكةِ فَردٍ واحِدٍ مِنهُم، ويَسكُنُ الجَمِيعُ بسُكُونِه، يُطلِقُ الجَمِيعُ النَّارَ إِطلاقًا واحِدًا إِثرَ أَمرٍ يُصدِرُه ذلك الفَردُ.. فحارَ في أَمرِه، ولم يَكُن عَقلُه السَّاذَجُ لِيُدرِكَ أنَّ قائِدًا عَظِيمًا هو الَّذي يتَحَكَّمُ بِالأَمرِ مِن خِلالِ قَوانِينِ الدَّوْلةِ وأَوامِرِ السُّلطانِ، فتَخَيَّلَ حَبْلًا يَربِطُ أُولَئِك الجُنُودَ بَعضَهُم بِبَعضٍ.. ثمَّ بَدَأ يَتَأمَّلُ خَيالًا مَدَى أُعجُوبةِ هذا الحَبلِ المَوهُومِ؛ فزادَت حَيرَتُه واشْتَدَّ ارتِباكُه.. ثمَّ يَمضِي إلى شَأْنِه.</p>
<p>ويَدخُلُ جامِعَ &#8220;آيا صُوفْيا&#8221; العَظِيمَ يَومَ الجُمُعةِ، ويُشاهِدُ جُمُوعَ المُصَلِّينَ خَلفَ رَجُلٍ واحِدٍ يَمتَثِلُونَ لِنِدائِه في قِيامِهِم وقُعُودِهِم وسُجُودِهِم ورُكُوعِهِم، ولَمّا لم يَكُن يَعرِفُ شَيئًا عنِ الشَّرِيعةِ الإِلٰهِيّةِ، والدَّساتِيرِ المَعنَوِيّةِ لِأَوامِرِ صاحِبِ الشَّرِيعةِ، فإنَّه يَتَصوَّرُ بأنَّ هذه الجَماعةَ مُرتَبِطٌ بَعضُها ببَعضٍ بحِبالٍ مادِّيّةٍ، وأنَّ هذه الحِبالَ قد قَيَّدَت حَرَكةَ الجَماعةِ وأَسَرَتهُم، وهِي الَّتي تُحَرِّكُهُم وتُوقِفُهُم عنِ الحَرَكةِ.</p>
<p>وهكذا يَمضِي إلى سَبِيلِه وقدِ امتَلَأ ذِهنُه بأَخطاءِ تَصَوُّراتِه الَّتي تَكادُ تُثِيرُ الهُزْءَ والسُّخْرِيةَ حتَّى لَدَى أَشَدِّ النّاسِ وَحْشِيّةً وهَمَجِيّةً.</p>
<p>ففي ضَوءِ هذا المِثالِ: يَأتِي مُلحِدٌ إلى هذا العالَمِ الَّذي هو مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ السُّلطانِ الجَلِيلِ، وهُو مَسجِدٌ عَظِيمٌ بارِعٌ يُعَظَّمُ فيه ذلك المَعبُودُ الأَزَليُّ ويُقدَّسُ؛ يَأتِيه وهُو يَحمِلُ فِكرةَ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; الجاحِدةَ، ذلك الجَهلَ المُطبِقَ..</p>
<p>فيَتَصوَّرُ &#8220;القَوانِينَ المَعنَوِيّةَ&#8221; الَّتي يُشاهِدُ آثارَها في رَبطِ أَنظِمةِ الكَونِ البَدِيعِ، والنّابِعةَ مِنَ &#8220;الحِكْمةِ&#8221; البالِغةِ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه، يَتَصوَّرُها كأنَّها قَوانِينُ مادِّيّةٌ، فيَتَعامَلُ مَعَها في أَبحاثِه كما يَتَعامَلُ معَ الأَشياءِ المادِّيّةِ..</p>
<p>ويَتَخيَّلُ أَحكامَ قَوانِينِ الرُّبُوبيّةِ الَّتي هي قَوانِينُ اعتِبارِيّةٌ ودَساتِيرُ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيةِ الكَونِيّةِ لِلمَعبُودِ الأَزَليِّ، والَّتي هي بمَجمُوعِها مَعنَوِيّةٌ بَحْتةٌ، ولَيسَ لها وُجُودٌ سِوَى وُجُودٍ عِلمِيٍّ، يَتَخيَّلُها كأَنَّها مَوجُوداتٌ خارِجِيّةٌ ومَوادُّ مادِّيّةٌ.. ويُقِيمُ تلك القَوانِينَ الصَّادِرةَ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ والكَلامِ الرَّبّانِيِّ الَّتي لها وُجُودٌ عِلمِيٌّ فقط مَقامَ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُمَلِّكُها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُ علَيْها اسمَ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221;، مُتَصوِّرًا القُوّةَ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ القُدْرةِ الرَّبّانيّةِ أنَّها صاحِبةُ قُدْرةٍ فاعِلةٍ، وقَدِيرةٌ مُستَقِلّةٌ بِذاتِها في القُدْرةِ..</p>
<p>أَفَبَعدَ هذا جَهالةٌ وغَباءٌ؟ أوَلَيسَ هذا جَهْلًا بأَضعافِ أَضعافِ ما في المِثالِ؟!</p>
<p><strong>الخُلاصةُ</strong>: إِنَّ الطَّبِيعةَ الَّتي يَتَعلَّقُ بها الطَّبِيعِيُّونَ -ذلك الأَمرَ المَوهُومَ الَّذي ليس له حَقِيقةٌ- إنْ كانَ ولا بُدَّ أنَّها مالِكةٌ لِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ خارِجِيٍّ، فإنَّ هذا &#8220;الوُجُودَ&#8221; إنَّما هو صَنْعةُ صانِعٍ ولن يكُونَ صانِعًا، وهُو نَقْشٌ ولن يكُونَ نَقّاشًا، ومَجمُوعةُ أَحكامٍ ولن يكُونَ حاكِمًا، وشَرِيعةٌ فِطْرِيّةٌ ولن يكُونَ شارِعًا، وسِتارٌ مَخلُوقٌ لِلعِزّةِ ولن يكُونَ خالِقًا، وفِطْرةٌ مُنفَعِلةٌ ولن يكُونَ فاطِرًا فاعِلًا، ومَجمُوعةُ قَوانِينَ ولن يكُونَ قادِرًا، ومِسطَرٌ ولن يكُونَ مَصدَرًا.</p>
<p><strong>وحاصِلُ الكَلامِ</strong>: ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً فِعلًا، والعَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ -كما ذَكَرْنا ذلك في المُقدِّمةِ- وقد أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا بُطْلانُ ثَلاثةٍ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ، وذلك بِبَيانِ ثَلاثةِ مُحالاتٍ ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ في كُلٍّ مِنها، فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بيَقِينٍ لا سَبِيلَ مُطْلقًا إلى الشَّكِّ فيه: الطَّرِيقُ الرّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ذلك الطَّرِيقُ الَّذي تُنِيرُه الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..؟!﴾ والَّتي تَدُلُّ بَداهةً ويَقِينًا على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى أُلُوهِيَّتِه المُهَيمِنةِ، وعلى صُدُورِ كلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَتِه، وعلى أنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.</p>
<p>فيا عابِدَ الأَسبابِ، أيُّها المِسكِينُ المَفتُونُ بالطَّبِيعةِ!</p>
<p>ما دامَتْ طَبِيعةُ كلِّ شَيءٍ مَخلُوقةً كالشَّيءِ نَفسِه، لِأنَّ تَكَوُّنَها مُحدَثٌ غَيرُ قَدِيمٍ، وعلَيْها عَلامةُ الصَّنْعةِ والإِتقانِ، وأنَّ سَبَب وُجُودِ هذا الشَّيءِ الظَّاهِرِيِّ هو أَيضًا مَصنُوعٌ حادِثٌ؛ ولَمَّا كانَ وُجُودُ أيِّ شَيءٍ مُفتَقِرًا إلى وَسائِلَ وآلاتٍ وأَجهِزةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا.. فلا بُدَّ مِن قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ لِيَخلُقَ تلك الطَّبِيعةَ في الشَّيءِ، ويُوجِدَ ذلك السَّبَبَ له، ولا بُدَّ أن يكُونَ -هذا القَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ- مُستَغْنِيًا غَناءً مُطلَقًا، فلا يُشرِكَ الوَسائِطَ العاجِزةَ في إِيجادِه لِلشَّيءِ، وفي هَيْمَنةِ رُبُوبيَّتِه علَيْه.</p>
<p>فحاشَ للهِ أنْ يكُونَ سِواه القَدِيرَ المُستَغنِيَ المُتَعالِيَ، بل هو سُبحانَه وتَعالَى يَخلُقُ المُسَبَّبَ والسَّبَبَ مَعًا خَلْقًا مُباشَرًا، ويُوجِدُ بَينَهُما سَبَبِيّةً ظاهِرِيّةً وصُورِيّةً، ويَقرِنُ بَينَهُما مِن خِلالِ تَرتِيبٍ وتَنظِيمٍ، جاعِلًا مِنَ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ سِتارًا لِيَدِ قُدْرَتِه الجَلِيلةِ، وحِجابًا لِعَظَمَتِه وكِبْرِيائِه، ولِتَبقَى عِزَّتُه مُنَزَّهةً مُقَدَّسةً في عَلْيائِها، ويَجعَلُ تلك الأَسبابَ مَوضِعَ الشَّكْوَى لِما يَتَراءَى مِن نَقائِصَ، ولِما يُتَصَوَّرُ مِن ظُلمٍ ظاهِرِيٍّ في الأَشياءِ.</p>
<p>أَيُّهُما أَسهَلُ على الفَهْمِ، وأَقرَبُ مَعقُوليّةً إلى الذِّهنِ: تَصَوُّرُ &#8220;ساعاتِيٍّ&#8221; يَصنَعُ تُرُوسَ السّاعةِ ومُعَدّاتِها، ثمَّ يُنَظِّمُها على وَفقِ تَرتِيبِ تُرُوسِها، ويُوازِنُ بَينَ حَرَكاتِ عَقارِبِها بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ؛ أم أن نَتَصَوَّرَ السَّاعاتِيَّ يَصنَعُ في تُرُوسِ السَّاعةِ وعَقارِبِها ودَقِيقِ آلاتِها ماكِينةً خارِقةَ الفِعالِ يُسَلِّمُ صُنعَ السّاعةِ إلى جَمادِيّةِ أَيدِيها؟! قُل مَعِي: أَلَيسَ هذا كَلامًا فارِغًا ومُحالًا وخارِجًا عن حُدُودِ الإِمكانِ؟! فهَيّا خاطِبْ أَنتَ عَقْلَك المُجْحِفَ وكُنْ أَنتَ القاضِيَ والحَكَمَ.</p>
<p>وأَيُّهُما يكُونُ مُستَساغًا ومَقبُولًا في مَنطِقِ العَقلِ: تَصَوُّرُ كاتِبٍ يَخُطُّ كِتابًا بنَفسِه بَعدَ أن يُحضِرَ لَوازِمَ الكِتابةِ، مِن مِدادٍ وقَلَمٍ ووَرَقٍ، أم تَصَوُّرُ إِيجادِ ذلك الكاتِبِ مَطبَعةً خاصّةً بذلك الكِتابِ -وهِي أَعقَدُ وأَدَقُّ مِنَ الكِتابِ نَفسِه- يَتْرُكُ لها أَمرَ كِتابةِ هذا الكِتابِ فيُخاطِبُها قائِلًا: هَيّا اشْرَعِي أَنتِ بكِتابةِ الكِتابِ.. مِن دُونِ تَدَخُّلٍ مِن قِبَلِه؟</p>
<p>أَلَيسَ مِثلُ هذا التَّصَوُّرِ السَّقِيمِ مُعضِلًا عَقلًا؟ ومُشكِلًا بأَضعافِ أَمرِ الكِتابةِ نَفسِها؟!</p>
<p><strong>وإذا قُلتَ</strong>: إِنَّ إِيجادَ مَطبَعةٍ لِطَبعِ الكِتابِ أَعقَدُ وأَصعَبُ مِنَ الكِتابِ نَفسِه، إِلّا أنَّ ماكِينةَ المَطبَعةِ، قادِرةٌ على إِصدارِ آلافِ النُّسَخِ مِنَ الكِتابِ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ وهذا وَسِيلةُ التَّيسِيرِ. الجَوابُ: إنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه لِأَجلِ تَجدِيدِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى وإِظهارِها على أَشكالٍ مُختَلِفةٍ، قد خَلَق بقُدْرَتِه المُطلَقةِ تَشَخُّصاتِ الأَشياءِ ومَلامِحَها الخاصّةَ بها، بحَيثُ لا يُشبِهُ مَخلُوقٌ مَخلُوقًا آخَرَ تَشابُهًا تامًّا، وهُو كِتابٌ صَمَدانِيٌّ، ومَكتُوبٌ رَبّانِيٌّ.</p>
<p>نعم، إنَّه لِأَجلِ أن يَفِيَ كلُّ مَخلُوقٍ بمَعانٍ مُختَلِفةٍ لوُجُودِه، لا بُدَّ أن يَملِكَ سِيماءً يُعرَفُ بها ويُخالِفُ بها الآخَرِينَ، ومَلامِحَ تُبايِنُ مَلامِحَ غَيرِه؛ فانظُرْ ودَقِّقِ النَّظَرَ في وَجْهِ الإِنسانِ، تَرَ أنَّ عَلاماتٍ فارِقةً قدِ احتَشَدَت في هذا الوَجْهِ الصَّغِيرِ، بحَيثُ تُمَيِّـزُ هذه العَلاماتُ صاحِبَها عن جَمِيعِ الوُجُوهِ الأُخرَى المُتَتابِعةِ مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى اليَومِ، وإلى الأَبَدِ، رَغمَ التَّشابُهِ والِاتِّفاقِ في الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ، والكَينُونةِ البَشَرِيّةِ، وهذا واضِحٌ جَلِيٌّ وثابِتٌ قَطْعًا.</p>
<p>فمَلامِحُ كلِّ وَجْهٍ كِتابٌ خاصٌّ بالوَجهِ نَفسِه، وهُو كِتابٌ مُستَقِلٌّ بذاتِه عن غَيرِه.. فلِأَجلِ إِخراجِ هذا الكِتابِ الخاصِّ، وإِتقانِ صُنْعِه وتَنظِيمِه، يَستَوجِبُ الأَمرُ وُجُودَ مَجمُوعةٍ أَبجَدِيّةٍ كامِلةٍ مِنَ الحُرُوفِ، ومُناسِبةٍ حَجْمًا له، ويَتَطلَّبُ تَنضِيدَ هذه الحُرُوفِ في مَواضِعِها مِن لَوْحةِ التَّنضِيدِ، لِيَتِمَّ بَعدَ ذلك مُؤَلَّفٌ خاصٌّ بهذا الوَجهِ يُخالِفُ تَألِيفَ الآخَرِينَ.</p>
<p>ويَستَلزِمُ هذا الأَمرُ جَلْبَ مَوادِّ صُنعِه الخاصّةِ به، ثمَّ وَضْعَها في أَماكِنِها المُخَصَّصةِ لها، ثمَّ إِدراجَ كلِّ ما يَلزَمُ وُجُودَ هذا الوَجْهِ -في الوَجْهِ نَفسِه- مِن عَناصِرِ البِناءِ.. وهذا كُلُّه لا شَكَّ يَحتاجُ إلى مَصنَعٍ مُستَقِلٍّ خاصٍّ به، أي: إلى مَطبَعةٍ خاصّةٍ في كلِّ أَشيائِها لِكُلِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ثمَّ أَلَا تَحتاجُ هذه المَطبَعةُ الخاصّةُ -على فَرْضِ وُجُودِها- إلى تَنظِيمٍ مُعَيَّنٍ، وتَنسِيقٍ مَخصُوصٍ؟ فأَمرُ الطَّبعِ نَفسُه -دَعْ عَنك تَنسِيقَ الحُرُوفِ وتَرتِيبَها وتَنظِيمَها- هو أَيضًا بحاجةٍ إلى تَنظِيمٍ.</p>
<p>فالمَوادُّ المَوجُودةُ في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ هي أَكثَرُ تَعقِيدًا وأَدَقُّ تَنظِيمًا مِن مَوادِّ المَطبَعةِ وتَنظِيمِها بمِئاتِ الأَضعافِ، فجَلبُ هذه المَوادِّ مِن أَقطارِ العالَمِ، ضِمنَ حِساباتٍ مُعَيَّنةٍ، ومَوازِينَ دَقِيقةٍ، ثمَّ تَنضِيدُها حَسَبَ مُقتَضَياتِ الحاجةِ إلَيْها، وأَخِيرًا وَضْعُها تَحتَ يَدِ تلك المَطبَعةِ&#8230; هذه السِّلسِلةُ الطَّوِيلةُ مِنَ الإِجراءاتِ تَحتاجُ -أَوَّلًا وقَبلَ كلِّ شَيءٍ- إلى مُوجِدٍ يُوجِدُ تلك المَطبَعةَ المُفتَرَضةَ، ولَيسَ هو إلّا القُدْرةَ الفاطِرةَ لِلخالِقِ القَدِيرِ وإِرادَتَه النّافِذةَ.</p>
<p>إِذًا فاحتِمالُ كَونِ الطَّبِيعةِ كأَنَّها مَطبَعةٌ، خُرافةٌ فاضِحةٌ لا مَعنَى لها على الإِطلاقِ!</p>
<p>وهكذا على غِرارِ ما شاهَدْناه في مِثالِ &#8220;السَّاعةِ والكِتابِ&#8221;: إنَّ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ وهُو القادِرُ على كلِّ شَيءٍ، هو نَفسُه خالِقُ الأَسبابِ، وخالِقُ المُسَبَّباتِ، وهُو الَّذي يَربِطُ المُسَبَّباتِ بالأَسبابِ بحِكْمَتِه سُبحانَه؛ وقد عَيَّن بإِرادَتِه طَبِيعةَ الأَشياءِ، وجَعَلَها مِرآةً عاكِسةً لِتَجَلِّياتِ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيّةِ الكُبْرَى الَّتي فَطَر علَيْها الكَوْنَ، والَّتي هي قَوانِينُ اللهِ وسُنَنُه الجارِيةُ الَّتي تَخُصُّ تَنظِيمَ شُؤُونِ الكَونِ، وقد أَوْجَدَ بقُدْرَتِه وَجْهَ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; الَّذي حَظِيَ بالوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثمَّ خَلَق الأَشياءَ وأَنشَأَها على تلك الطَّبِيعةِ ومازَجَ بَينَهُما بتَمامِ الحِكْمةِ.</p>
<p>والآنَ نُحِيلُ الأَمرَ إلى إِنصافِ عَقْلِك المُجْحِفِ لِيَرَى: أَيُّهُما يَستَسِيغُه عَقْلُك ويَسهُلُ علَيْه الِاعتِقادُ به؟ أَهذِه الحَقِيقةُ المَعقُولةُ النَّابِعةُ مِن بَراهِينَ دامِغةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ -وهِي مُلزِمةٌ إلى حَدِّ الوُجُوبِ- أم إِعطاءُ ما يَلزَمُ لِلأَشياءِ مِن أَجهِزةٍ وأَعضاءٍ لا تُحَدُّ، وإِسنادُ أَعمالٍ تَتَّسِمُ بالحِكْمةِ والبَصِيرةِ إلى الشَّيءِ نَفسِه؟! أو نِسبَتُها إلى ما تُسَمُّونَه بـ&#8221;الطَّبِيعةِ&#8221; والأَسبابِ الَّتي هي مَوادُّ جامِدةٌ خالِيةٌ مِنَ الشُّعُورِ وهِي مَخلُوقةٌ مَصنُوعةٌ؟ ألَيسَت هذه خُرافةً مُمتَنِعةً وخارِجةً عن نِطاقِ الإِمكانِ؟</p>
<p>يُجِيبُ عابِدُ الطَّبِيعةِ -ذلك الجاحِدُ- قائِلًا: ما دُمتَ تَدعُونِي إلى الإِنصافِ فأنا أَعتَرِفُ: بأنَّ ما سَلَكْناه مِن طَرِيقٍ مُضِلٍّ إلى الآنَ مِثلَما أنَّه مُحالٌ بمِئةِ مُحالٍ، فهُو مُضِرٌّ أيَّما ضَرَرٍ، وهُو في مُنتَهَى القُبحِ والفَسادِ.. إنَّ مَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ يُدرِكُ مِن مُحاكَماتِكُمُ العَقلِيّةِ، وتَحقِيقاتِكُمُ العِلمِيّةِ المُسنَدةِ بالبَراهِينِ والمَذكُورةِ آنِفًا: أنَّ إِسنادَ الإِيجادِ والخَلقِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ مُمتَنِعٌ عَقلًا ومُحالٌ قَطْعًا، بل الواجِبُ والضَّرُورِيُّ المُلزِمُ لِلعَقلِ هو إِسنادُ كلِّ شَيءٍ مُباشَرةً إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، فأَحْمَدُ اللهَ الَّذي هَدانِي إلى هذا الإِيمانِ.</p>
<p>ولكِن بَقِيَتْ لَدَيَّ شُبهةٌ واحِدةٌ فقط، وهِي: أنَّني أُؤْمِنُ باللهِ رَبًّا وأنَّه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، ولكِنِّي <strong>أَتَساءَلُ</strong>: ماذا يَضُرُّ عَظَمَتَه سُبحانَه، وماذا يَضُرُّ سُلطانَه جَلَّ وعَلا، أن نَتَوجَّه ببَعضِ المَدحِ والثَّناءِ إلى بَعضِ الأَسبابِ الجُزئيّةِ في إِيجادِها الأَشياءَ الصَّغِيرةَ التّافِهةَ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيئًا مِن سُلطانِه سُبحانَه وتَعالَى؟!</p>
<p><strong>والجَوابُ</strong>: كما أَثبَتْنا في قِسمٍ مِنَ الرَّسائِلِ إِثباتًا قاطِعًا: أنَّ شَأْنَ الحاكِمِيّةِ &#8220;رَدُّ المُداخَلةِ&#8221; ورَفْضُها كُلِّـيًّا، بل إنَّ أَدنَى حاكِمٍ، أو أيَّ مُوَظَّفٍ بَسِيطٍ لا يَقبَلُ تَدَخُّلًا حتَّى مِنِ ابنِه ضِمنَ حُدُودِ حاكِمِيَّتِه، بل إنَّ تَوَهُّمَ التَّدَخُّلِ في الحاكِمِيّةِ قد دَفَع بَعضَ السَّلاطِينِ إلى قَتلِ أَولادِهِمُ الأَبرِياءِ رَغمَ أنَّهُم كانُوا على شَيءٍ مِنَ التَّقوَى والصَّلاحِ، مِمّا يُظهِرُ مَدَى أَصالةِ هذا القانُونِ -قانُونِ رَدِّ المُداخَلةِ- في الحاكِمِيّةِ، فهُو سارٍ في كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن مُتَخاصِمَينِ في تَسَنُّمِ إِدارةِ ناحِيةٍ صَغِيرةٍ، إلى سُلطانَينِ يَتَنازَعانِ لِلتَّفَرُّدِ بالسُّلطةِ في البِلادِ؛ وكَذلِك فقد أَظهَر -بما لا يَقبَلُ الشَّكَّ- ما يَقتَضِيه استِقلالُ الحاكِمِيّةِ مِن قانُونِ &#8220;مَنعِ الِاشتِراكِ&#8221;، وأَوضَحَ نُفُوذَه وقُوَّتَه خِلالَ تارِيخِ البَشَرِيّةِ الطَّوِيلِ، وما أَدَّى إلَيْه مِنِ اضطِرابٍ وقَتلٍ وتَشرِيدٍ وأَنهارٍ مِنَ الدِّماءِ المُهْراقةِ.</p>
<p>تَأَمَّلْ في الإِنسانِ الَّذي هو عاجِزٌ عن إِدارةِ نَفسِه ومُفتَقِرٌ إلى التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ والآمِرِيّةِ إلّا ظِلًّا باهِتًا، فهُو يَرُدُّ المُداخَلةَ إلى هذه الدَّرَجةِ، ويَمنَعُ تَدَخُّلَ الآخَرِينَ إلى هذا الحَدِّ، ويَرفُضُ مُشارَكةَ الآخَرِينَ في حاكِمِيَّتِه، ويَسعَى بما لَدَيْه مِن قُوّةٍ لِلتَّشَبُّثِ باستِقلاليّةِ مَقامِه.. تَأَمَّلْ في هذا، ثمَّ انظُرْ إلى مَن يتَّصِفُ بِالحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ، والآمِرِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الأُلُوهِيّةِ، والِاستِقلالِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ الأَحَدِيّةِ، والِاستِغناءِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ القادِرِيّةِ المُطلَقةِ.. ذلِكُمُ اللهُ رَبُّنا ذُو الجَلالِ.. فكَم يكُونُ لازِمًا وضَرُورِيًّا &#8220;رَدُّ المُداخَلةِ&#8221; هذه بالنِّسبةِ إلَيْه، ومَنعُ الِاشتِراكِ وطَردُ الشَّرِيكِ في حاكِمِيَّتِه المُطلَقةِ، وكَم هو مِن لَوازِمِ هذه الحاكِمِيّةِ ومِن أَوجَبِ وجائِبِها؟</p>
<p>فقارِنِ الآنَ ووازِنْ بَينَ حاكِمِيّةِ الإِنسانِ المَحدُودةِ الضَّيِّقةِ المُفتَقِرةِ إلى الآخَرِينَ، وحاكِمِيّةِ اللهِ المُطلَقةِ الغَنِيّةِ المُهَيمِنةِ الشّامِلةِ.</p>
<p>أمّا الشِّقُّ الثّاني مِن شُبهَتِك وهُو أنَّه: إذا قُصِدَ &#8220;بَعضُ الأَسبابِ&#8221; ببَعضِ العِبادةِ مِن بَعضِ الأَفرادِ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيْئًا مِن عِبادةِ المَخلُوقاتِ المُتَوجِّهةِ جَمِيعًا إلى اللهِ القَدِيرِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالسَّيّاراتِ والمَجَرَّاتِ؟!</p>
<p><strong>فالجَوابُ</strong>: أنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ العَلِيمَ سُبحانَه، قد خَلَق هذا الكَونَ بمَثابةِ شَجَرةٍ، وجَعَل أَربابَ الشُّعُورِ ثِمارَها الكامِلةَ، وكَرَّم الإِنسانِ باعتِبارِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ لِأَربابِ المَشاعِرِ، وجَعَل الشُّكرَ والعِبادةَ أَفضَلَ ما تُثمِرُه حَياةُ الإِنسانِ، بل هُما -الشُّكرُ والعِبادةُ- نَتِيجةُ خَلقِه وغايةُ فِطْرَتِه وثَمَرةُ حَياتِه.</p>
<p>فهل يُمكِنُ عَقلًا لِهذا الحاكِمِ المُطلَقِ والآمِرِ الفَردِ، وهُو الواحِدُ الأَحَدُ، أن يُسَلِّمَ أَمرَ الإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكَونِ كُلِّه إلى غَيرِه، ويُسَلِّمَ ثَمَرةَ حَياتِه -وهِي الشُّكرُ والعِبادةُ- إلى الآخَرِينَ، بَعدَما خَلَق الكَونَ كُلَّه لِمَعرِفةِ أُلُوهِيَّتِه، ولِمَحَبّةِ رُبُوبيَّتِه، فهل يُمكِنُ أن يَجعَلَ نَتِيجةَ الخَلقِ وثَمَرةَ الكَونِ تَسقُطُ بَينَ أَشداقِ عُفُونةِ العَبَثِ؟! حاشَ للهِ وكَلّا، سُبحانَ اللهِ عَمّا يُشرِكُونَ!</p>
<p>ثمَّ هل يُمكِنُ أن يَرضَى سُبحانَه بما يُخالِفُ حِكْمَتَه ورُبُوبيَّتَه بجَعلِ بَعضِ الأَسبابِ مَقصُودَ عِبادةِ المَخلُوقاتِ؟ عِلْمًا بأنَّه سُبحانَه وتَعالَى قد أَظهَرَ بأَفعالِه أنَّه يُحَبِّبُ نَفسَه ويُعَرِّفُها بِدَرَجةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.</p>
<p>فكَيفَ يَرضَى سُبحانَه -بَعدَ هذا كُلِّه- أنْ يَدَع تَحَبُّبَ أَفضَلِ مَخلُوقاتِه وأَكمَلِهِم عُبُودِيّةً وشُكرًا وحَمْدًا إلى غَيرِه مِنَ الأَسبابِ؟! وكَيفَ يَسمَحُ لِمَخلُوقاتِه أن تَنساه بَعدَ أن أَظهَرَ بأَفعالِه مَقاصِدَه السّامِيةَ في الكَونِ: وهِي مَعِرفَتُه، ثمَّ عِبادَتُه؟! حاشا وكَلّا، فسُبحانَ اللهِ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.</p>
<p>ماذا تَقُولُ أيُّها الصَّدِيقُ بالَّذي سَمِعتَه آنِفًا؟</p>
<p>وإذا به يُجِيبُ فيَقُولُ: الحَمدُ للهِ الَّذي سَهَّل لي حَلَّ هاتَينِ الشُّبهَتَينِ، فقد أَظهَرْتَ لي في وَحْدانيّةِ اللهِ -المَعبُودِ الحَقِّ والمُستَحِقِّ لِلعِبادةِ وَحْدَه- دَليلَينِ قَوِيَّينِ ساطِعَينِ لا يُمكِنُ إِنكارُهُما، وهل يُنكِرُ ضَوءَ الشَّمسِ والنَّهارِ إلّا مُكابِرٌ مُعانِدٌ؟!</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الخاتمة]</h2>
<p><strong>الخاتمة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>يقُولُ الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكرةَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيّةِ ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:</p>
<p>الحَمدُ للهِ.. أَشهَدُ أنَّ شُبُهاتِي قد زالَت كُلُّها، ولكِن ما زالَ في النَّفسِ ما يُحَيِّرُني ويُثِيرُ المَزِيدَ مِن هَواجِسِي، مِمّا يَرِدُ على خاطِرِي مِن أَسئِلةٍ لا أَعرِفُ جَوابًا عَلَيْها!</p>
<h3 style="text-align: center;">[س 1: ما حاجة الرب الغني إلى عباداتنا؟]</h3>
<p><strong>السُّؤالُ الأوَّلُ</strong>: نَسمَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكُسالَى المُتَقاعِسِينَ عنِ العِباداتِ، ومِن تارِكِي الصَّلاةِ بخاصّةٍ، أنَّهُم يَقُولُونَ:</p>
<p>ما حاجةُ الرَّبِّ الغَنِيِّ بِذاتِه -سُبحانَه وتَعالَى- إلى عِبادَتِنا حتَّى يَزجُرَنا في مُحْكَمِ كِتابِه الكَرِيمِ، ويَتَوعَّدَنا بأَشَدِّ العَذابِ في نارِ جَهَنَّمَ؟ فكَيفَ يَتَساوَقُ هذا الأُسلُوبُ التَّهدِيدِيُّ الصّاعِقُ في مِثلِ هذا الخَطَأِ الجُزئِيِّ التّافِهِ، معَ أُسلُوبِه الإِعجازِيِّ اللَّيِّنِ الهادِئِ الرَّقِيقِ في المَواضِعِ الأُخرَى؟</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: حَقًّا إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الغَنِيَّ بِذاتِه لا حاجةَ له قَطُّ إلى عِبادَتِك أَنتَ أيُّها الإِنسانُ، بل لا حاجةَ له سُبحانَه إلى شَيءٍ قَطُّ، ولكِنَّك أَنتَ المُحتاجُ إلى العِبادةِ، وأَنتَ المُفتَقِرُ إلَيْها.. فأَنتَ مَرِيضٌ مَعنًى، والعِبادةُ هي البَلْسَمُ الشّافي لِجِراحاتِ رُوحِك، وأَوْجاعِ ذاتِك، وقد أَثبَتْنا هذا الكَلامَ في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ.</p>
<p>تُرَى! لو خاطَبَ مَرِيضٌ طَبِيبًا رَحِيمًا يُشفِقُ علَيْه ويُصِرُّ علَيْه لِيَتَناوَلَ دوَاءً شافِيًا يَخُصُّ مَرَضَه، لو خاطَبَه تِجاهَ إِصرارِه علَيْه قائِلًا: ما حاجَتُك أَنتَ إلى هذا الدَّواءِ حتَّى تُلِحَّ علَيَّ هذا الإِلحاحَ الشَّدِيدَ بِتَناوُلِ الدَّواءِ؟ ألا يُفهَمُ مِن كَلامِه مَدَى تَفاهَتِه وسُخْفِه وغَباءِ مَنطِقِه؟</p>
<p>أمّا نَذِيرُ القُرآنِ الكَرِيمِ فيما يَخُصُّ تَركَ العِبادةِ وتَهدِيدُه المُخِيفُ بعِقابٍ أَلِيمٍ، فإِلَيْك تَفسِيرَه: فكَما أنَّ سُلْطانًا يُعاقِبُ شَخْصًا سافِلًا يَرتَكِبُ جَرِيمةً تَمَسُّ حُقُوقَ الآخَرِينَ بعِقابٍ صارِمٍ لِأَجلِ الحِفاظِ على حُقُوقِ رَعاياه، كَذلِك سُلْطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ يُعاقِبُ تارِكَ العِبادةِ والصَّلاةِ عِقابًا صارِمًا، لِأنَّه يَتَجاوَزُ تَجاوُزًا صارِخًا حُقُوقَ المَوجُوداتِ، ويَظلِمُها ظُلْمًا مَعنَوِيًّا بَشِعًا، ويَهضِمُ حُقُوقَها هَضْمًا مُجحِفًا، تلك المَوجُوداتِ الَّتي هي رَعاياه وخَلقُه.</p>
<p>وذلك لِأنَّ كَمالاتِها تَتَظاهَرُ على صُورةِ تَسبِيحٍ وعِبادةٍ في وَجْهِها المُتَوجِّه إلى البارِئِ الحَكِيمِ سُبحانَه، فتارِكُ العِبادةِ لا يَرَى عِبادةَ المَوجُوداتِ ولن يَراها، بل يُنكِرُها، وفي هذا بَخْسٌ عَظِيمٌ لِقِيمةِ المَوجُوداتِ الَّتي كلٌّ مِنها مَكتُوبٌ سامٍ صَمَدانِيٌّ، قد خُطَّ بآياتِ العِبادةِ والتَّسبِيحِ، وهُو مُتَوجِّهٌ بآياتِه وتَسبِيحِه نَحوَ المُوجِدِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا.. وكُلٌّ مِنها -أَيضًا- مِرآةٌ لِتَجَلِّي الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ المُشِعّةِ بالأَنوارِ.. فيُنزِلُ هذه المَوجُوداتِ -بهذا الإِنكارِ- مِن مَقامِها الرَّفِيعِ السّامِي، ولا يَرَى في وُجُودِها سِوَى العَبَثِ الخالِي مِنَ المَعنَى، ويُجَرِّدُها مِن وَظائِفِها الخَلْقِيّةِ، ويَظُنُّها شَيْئًا هامِدًا ضائِعًا لا أَهَمِّيّةَ له، فيكُونُ بذلك قدِ استَهانَ بالمَوجُوداتِ واستَخَفَّ بها، وأَهانَ كَرامَتَها وأَنكَرَ كَمالاتِها، وتَعَدَّى على مِصْداقيّةِ وُجُودِها.</p>
<p>نعم، إنَّ كلَّ إِنسانٍ إنَّما يَنظُرُ إلى الكَونِ بمِنظارِه الخاصِّ، وعلى وَفقِ ما تُصَوِّرُه له مِرآتُه الخاصّةُ، فلَقَد خَلَقه البارِئُ المُصَوِّرُ سُبحانَه على صُورةٍ يَستَطِيعُ قِياسَ الكَونِ علَيْها، ويَزِنُه بمِيزانِها، فمَنَحَه عالَمًا خاصًّا به مِن هذا العالَمِ العَظِيمِ، فيَصطَبِغُ عالَمُه الخاصُّ بحَسَبِ ما يَعتَقِدُه الإِنسانُ مِن عَقِيدةٍ في قَلبِه.</p>
<p>فالإِنسانُ الحَزِينُ اليائِسُ الباكِي يَرَى المَوجُوداتِ باكِيةً بائِسةً، بَينَما السَّعِيدُ الجَذْلانُ يَراها مُبتَسِمةً ضاحِكةً ومَسرُورةً.</p>
<p>كَذلِك الَّذي يُؤَدِّي العِبادةَ والأَذكارَ بصُورةٍ جادّةٍ وبشُعُورٍ تامٍّ وبتَفَكُّرٍ وتَأَمُّلٍ، فإنَّه يَكشِفُ شَيئًا مِن عِبادةِ المَوجُوداتِ وتَسابِيحِها، بل قد يَراها وهِي حَقِيقةٌ مَوجُودةٌ ثابِتةٌ، أمَّا الَّذي يَتْرُكُ العِبادةَ غافِلًا أو مُنكِرًا لها فإنَّه يَتَوهَّمُ المَوجُوداتِ تَوَهُّمًا خاطِئًا جِدًّا ومُنافِيًا كُلِّـيًّا ومُخالِفًا مُخالَفةً تامّةً لِحَقِيقةِ كَمالاتِها، فيَكُونُ مُتَعدِّيًا على حُقُوقِها مَعنًى.</p>
<p>زِدْ على ذلك: فإنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يَظلِمُ نَفسَه كَذلِك بتَركِه الصَّلاةَ، حَيثُ إنَّه غَيرُ مالِكٍ لِذاتِ نَفسِه، فهِي -أي: النَّفسُ- عَبدٌ مَملُوكٌ لَدَى مالِكِها ومَوْلاها وخالِقِها وفاطِرِها، لِذا يُنذِرُه مَوْلاه الحَقُّ إِنذارًا شَدِيدًا ويُهَدِّدُه بعُنفٍ لِيَأخُذَ حَقَّ عَبدِه ذاك مِن نَفسِه الأَمَّارةِ بالسُّوءِ، فَضْلًا عن أنَّه عِندَما تَرَك العِبادةَ الَّتي هي نَتِيجةُ خِلْقَتِه وغايةُ فِطْرَتِه يكُونُ مُتَجاوِزًا حَدَّه تِجاهَ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ والمَشِيئةِ الرَّبّانيّةِ، لِذا يُعاقَبُ على هذا عِقابًا شَدِيدًا.</p>
<p>نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّمَ: أنَّ تارِكَ العِبادةِ مِثلَما أنَّه يَظلِمُ نَفسَه، والنَّفسُ مَملُوكُ الحَقِّ سُبحانَه وعَبدُه، فهُو يَتَعدَّى على حُقُوقِ كَمالاتِ الكائِناتِ ويَظلِمُها أَيضًا.. نعم، فكَما أنَّ الكُفرَ استِهانةٌ بالمَوجُوداتِ واستِخفافٌ بها، فتَركُ العِبادةِ إِنكارٌ لِكَمالاتِ الكائِناتِ، وتَجاوُزٌ على الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ، لِذا يَستَحِقُّ تارِكُها تَهدِيدًا عَنِيفًا، وعِقابًا صارِمًا.</p>
<p>ومِن هُنا يَختارُ القُرآنُ الكَرِيمُ أُسلُوبَ الشِّدّةِ في التَّهدِيدِ والإِنذارِ ليُعَبِّرَ عن هذا الِاستِحقاقِ وعن هذه الحَقِيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا، فيَكُونُ الأُسلُوبُ حَقًّا ومُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى الحالِ الَّذي هو البَلاغةُ بعَينِها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[س 2: أين السهولة في التوحيد؟]</h3>
<p>السُّؤالُ الثّاني: يقُولُ صاحِبُنا الَّذي نَبَذ فِكْرةَ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; وتَبَرَّأ مِنها، وشَرُفَ بالإِيمانِ باللهِ:</p>
<p>إنَّ انقِيادَ كلِّ مَوجُودٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، وفي كلِّ أَمرٍ مِن أُمُورِه، وفي كلِّ ما يقُومُ به ويُنجِزُه، انقِيادًا مُطلَقًا لِلمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، هو حَقِيقةٌ عَظِيمةٌ جَلِيلةٌ، فهِي لِعَظَمَتِها وسَعَتِها لا تَستَوعِبُها أَذهانُنا الكَلِيلةُ القاصِرةُ، عِلْمًا أنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجُوداتِ، وسُهُولةً مُطلَقةً في خَلقِ الأَشياءِ، وقد تَحَقَّق أنَّ &#8220;السُّهُولة في الإِيجادِ&#8221; هي مِن مُستَلزَماتِ &#8220;الوَحْدانيّةِ&#8221; بما أَقمتُمُوه مِن بَراهِينَ وحُجَجٍ قاطِعةٍ، فَضْلًا عن أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد قَرَّرَ السُّهُولةَ المُطلَقةَ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ:</p>
<p style="text-align: center;">﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾</p>
<p>كلُّ ذلك يُظهِرُ تلك الحَقِيقةَ العَظِيمةَ &#8220;سُهُولةُ الإِيجادِ&#8221; مَسأَلةً مَقبُولةً جِدًّا ومُستَساغةً عَقْلًا، <strong>فأَينَ يَكمُنُ سِرُّ هذه السُّهُولةِ يا تُرَى؟!</strong> وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: لقد وُضِّحَ ذلك السِّرُّ وُضُوحًا تامًّا ومُقنِعًا في الكَلِمةِ العاشِرةِ لـ&#8221;المَكتُوبِ العِشرِينَ&#8221; أي: &#8220;وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ&#8221; بما يَفِي بالغَرَضِ، وبخاصّةٍ في ذَيلِه، حَيثُ جاءَ التَّوضِيحُ وافِيًا وشافِيًا جِدًّا، ومُقنِعًا بالدَّليلِ والبُرهانِ والإثباتِ القاطِعِ، وخُلاصَتُه:</p>
<p>أنَّه عِندَما يُسنَدُ إِيجادُ المَوجُوداتِ جَميعِها إلى الصّانِعِ الواحِدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كسُهُولةِ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ، بَينَما إذا أُسنِدَ لِلكَثرةِ فإنَّه يَصعُبُ على هذه الكَثْرةِ أَمرُ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ بقَدْرِ صُعُوبةِ إِيجادِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ.. فيكُونُ خَلقُ بِذْرةٍ واحِدةٍ صَعْبًا ومُشكِلًا كخَلقِ شَجَرةٍ.. ولكِن إذا أُسنِدَ &#8220;الإِيجادُ&#8221; إلى صانِعِه الحَقِّ سُبحانَه، يَسهُلُ الأَمرُ حتَّى يُصبِحُ إِيجادُ الكائِناتِ كُلِّها كإِيجادِ شَجَرةٍ واحِدةٍ، والشَّجَرةِ كالبِذْرةِ، والجَنّةِ كالرَّبِيعِ، والرَّبِيعِ كالزَّهرةِ.. فالأَمرُ يَسهُلُ ويكُونُ هَيِّنًا. وسنُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلى دَليلٍ أو دَليلَينِ مِن بَينِ مِئاتِ الأَدِلّةِ الَّتي أَوْضَحْناها بالتَّفصِيلِ في رَسائِلَ أُخرَى، تلك الأَدِلّةِ الَّتي تُبيِّنُ ما يَدُورُ مِنَ الأَسرارِ والحِكَمِ الكامِنةِ فيما نُشاهِدُه مِن وَفْرةِ المَوجُوداتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها ورُخْصِها، وكَثْرةِ أَفرادِ كلِّ نَوعٍ مِنها، ووُرُودِها إلى الوُجُودِ مُنتَظِمةً، مُتقَنةً، وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.</p>
<p><strong>مِثالُ هذا</strong>: إنَّ إِدارةَ مِئةِ جُندِيٍّ تَحتَ إِمرةِ ضابِطٍ واحِدٍ، أَسهَلُ بمِئةِ ضِعفٍ مِن إِدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ تَحتَ إِمرةِ مِئةِ ضابِطٍ؛ وعِندَما يُوكَلُ أَمرُ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ، ومِن مَصنَعٍ واحِدٍ، إلى أَمرٍ يُصدِرُه قائِدٌ واحِدٌ، فإنَّ ذلك يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ، بسُهُولةِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ؛ بَينَما يكُونُ إِيكالُ أَمرِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ الكامِلةِ مِن مَراكِزَ ومَصانِعَ مُتَعدِّدةٍ، إلى قُوّادٍ عَدِيدِينَ، مُشكِلًا وصَعبًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ أَيضًا بصُعُوبةِ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ، إذ يَنبَغِي عِندَئِذٍ وُجُودُ مَصانِعَ كَثِيرةٍ لِلتَّجهِيزاتِ بعَدَدِ ما يَلزَمُ جَيشًا كامِلًا، لِأَجلِ تَجهِيزِ الجُندِيِّ الواحِدِ.</p>
<p>ويُشاهَدُ أَيضًا أنَّ الشَّجَرةَ الواحِدةَ الَّتي تُثمِرُ أُلُوفَ الثَّمَراتِ، إذا تَزَوَّدَت بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لها، مِن جَذْرٍ واحِدٍ، ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، وعلى وَفقِ قانُونٍ واحِدٍ، يَتِمُّ ذلك بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كأنَّها ثَمَرةٌ واحِدةٌ؛ بَينَما إذا استُبدِلَتِ الكَثْرةُ بالوَحْدةِ، وسُلِكَ طَرِيقُ الكَثْرةِ عِوَضًا عن طَرِيقِ الوَحْدةِ، وزُوِّدَت كلُّ ثَمَرةٍ بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِلحَياةِ مِن مَراكِزَ مُختَلِفةٍ، وجُذُورٍ مُتَبايِنةٍ، يكُونُ إِيجادُ ثَمَرةٍ واحِدةٍ مُشكِلًا وصَعْبًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، بل قد يكُونُ إِيجادُ البِذْرةِ -الَّتي هي أُنمُوذَجُ الشَّجَرةِ وفِهرِسْتُها- صَعْبًا ومُعضِلًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، لِأنَّ ما يَلزَمُ حَياةَ الشَّجَرةِ مِن مَوادَّ ضَرُورِيّةٍ يَلزَمُ البِذْرةَ أَيضًا.</p>
<p>فهُناك المِئاتُ مِن أَمثالِ هذه الأَمثِلةِ، وكُلُّها تُبيِّنُ أنَّ وُرُودَ أُلُوفِ المَوجُوداتِ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ إلى الوُجُودِ -في الوَحْدةِ- أَسهَلُ مِن وُرُودِ مَوجُودٍ واحِدٍ إلى الوُجُودِ بالتَّعَدُّدِ والكَثْرةِ. ولَمّا كُنّا قد أَثبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ أُخرَى بيَقِينٍ قاطِعٍ نُحِيلُ إلَيْها، ولكِنَّنا نُبيِّنُ هنا فقط سِرًّا عَظِيمًا يَتَعلَّقُ بهذه السُّهُولةِ واليُسرِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، والقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، وهذا السِّرُّ هو:</p>
<p>أَنتَ مَوجُودٌ مِنَ المَوجُوداتِ، فإذا سَلَّمتَ نَفسَك إلى يَدِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، فإنَّه يَخلُقُك بأَمرٍ واحِدٍ كَلَمحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ مِنَ العَدَمِ، مِن غَيرِ شَيءٍ؛ ولكِن إنْ لم تُسَلِّم نَفسَك إلَيْه، بل أَسنَدتَها إلى &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221;، وأَسلَمتَها إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ لِإيجادِك أَنتَ عَمَليّةُ بَحثٍ دَقيقٍ -لِجَمعِ جَمِيعِ المَوادِّ الَّتي في وُجُودِك- في أَقطارِ العالَمِ كُلِّه، والتَّفتِيشُ عنها في زَوايا الكَونِ كُلِّه، وإِمرارُها في مَصَافٍ واختِباراتٍ دَقِيقةٍ جِدًّا، ووَزْنُها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، ذلك لِأنَّك خُلاصةٌ مُنتَظِمةٌ لِلكَونِ، وثَمَرَتُه اليانِعةُ، وفِهرِسْتُه المُصَغَّرُ، ومِحْفَظَتُه المُنطَوِيةُ على مَوادِّ الكَونِ كُلِّه.</p>
<p>لِأنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ ليس لها إلّا التَّركِيبُ والجَمعُ، إذ هو ثابِتٌ لَدَى أَربابِ العُقُولِ أنَّه لا يُمكِنُ لِلأَسبابِ المادِّيّةِ إِيجادُ ما لا يُوجَدُ فيها، مِنَ العَدَمِ ومِن غَيرِ شَيءٍ، لِذا فهِي مُضطَرّةٌ إلى جَمعِ المَوادِّ اللّازِمةِ لِجِسمِ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه.</p>
<p>فافْهَمْ مِن هذا مَدَى السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ، ومَدَى الصُّعُوباتِ والمُشكِلاتِ في الشِّركِ والضَّلالةِ.</p>
<p><strong>ثانيها</strong>: أنَّ هُنالِك سُهُولةً مُطلَقةً في الخَلقِ والإِيجادِ تَنبَعُ مِن زاوِيةِ نَظَرِ &#8220;العِلمِ الإِلٰهِيِّ&#8221;، وتَفصِيلُها كالآتي:</p>
<p>إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ هو نَوعٌ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، يُعيِّنُ مِقدارَ كلِّ شَيءٍ كأنَّه قالَبٌ مَعنَوِيٌّ له وخاصٌّ به، فيَكُونُ ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ بمَثابةِ خُطّةٍ لِذلِك الشَّيءِ، وبحُكمِ &#8220;مُودِيل&#8221; أُنمُوذَجٍ له، فعِندَما تُوجِدُه &#8220;القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ&#8221; تُوجِدُه على ذلك المِقدارِ القَدَرِيِّ بكلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ.</p>
<p>فإن لم يُنسَب إِيجادُ ذلك الشَّيءِ إلى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ مُطلَقٌ أَزَليٌّ وهُو اللهُ القَدِيرُ ذُو الجَلالِ، لا تَحصُلُ أُلُوفُ المُشكِلاتِ فحَسْبُ، بل تَقَعُ مِئاتُ المُحالاتِ أَيضًا -كما ذُكِر آنِفًا- لِأنَّه إن لم يَكُن هُناك ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ، والمِقدارُ العِلمِيُّ، يَلزَمُ استِعمالُ أُلُوفِ القَوالِبِ المادِّيّةِ والخارِجِيّةِ لِلجِسمِ الصَّغِيرِ لِلحَيَوانِ!</p>
<p>فافْهَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ وكَثْرةِ المُشكِلاتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ في التَّعَدُّدِ والكَثْرةِ والشِّركِ، واعْلَمْ مَدَى صِدقِ الحَقِيقةِ الَّتي تُعبِّـرُ عنها الآيةُ الكَرِيمةُ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾.</p>
<h3 style="text-align: center;">[س 3: الرد على مقولة: المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم]</h3>
<p><strong>السُّؤال الثّالثُ</strong>: يقُولُ الَّذي كانَ يُعادِي سابِقًا ووُفِّق إلى الإِيمانِ الآنَ واهتَدَى: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ المُغالِينَ في عَصرِنا هذا يُطلِقُونَ مَقُولةَ: &#8220;لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإنَّ ما يُدِيرُ هذا الكَونَ إنَّما هو تَركِيبُ المادّةِ وتَحلِيلُها ليس إلّا؟!&#8221;.</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: إنَّ الفَلاسِفةَ الَّذِينَ لم يَتَسنَّ لَهُمُ النَّظَرُ إلى المَوجُوداتِ بنُورِ القُرآنِ المُبِينِ، عِندَما نَظَرُوا إلَيْها بمِنظارِ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; و&#8221;الأَسبابِ&#8221; تَوَصَّلُوا إلى أنَّ وُجُودَ هذه المَوجُوداتِ، وافتِراضَ تَشَكُّلِها بعَوامِلِ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; و&#8221;الأَسبابِ&#8221; مَسأَلةٌ تَطرَحُ مُشكِلاتٍ عَوِيصةً بدَرَجةِ الِامتِناعِ -على غِرارِ ما ذَكَرْناه في بَيانِ الِاحتِمالاتِ ومُحالاتِها- فانقَسَم هَؤُلاءِ الفَلاسِفةُ إِزاءَ هذه العَقَبةِ الكَأْداءِ إلى قِسمَينِ:</p>
<p><strong>قِسمٌ مِنهُم</strong> صارُوا سُوفْسطائيِّينَ وعافُوا العَقلَ الَّذي هو خاصّةُ الإِنسانِ، وسَقَطُوا إلى دَرَكٍ أَدنَى مِنَ الحَيَواناتِ، إذ وَصَل بهم أَمرُ فِكرِهِم إلى إِنكارِ الوُجُودِ عُمُومًا، بل حتَّى إِنكارِ وُجُودِهِم، وذلك عِندَما رَأَوْا أنَّ هذا الإِنكارَ أَجدَى على العَقلِ وأَيسَرُ علَيْه وأَسلَمُ مِن تَصَوُّرِ &#8220;الطَّبِيعةِ&#8221; و&#8221;الأَسبابِ&#8221; مالِكةً لِزِمامِ الإِيجادِ، فأَنكَرُوا وُجُودَ أَنفُسِهِم ووُجُودَ المَوجُوداتِ جَمِيعًا، فسَقَطُوا في هاوِيةِ الجَهلِ المُطلَقِ.</p>
<p><strong>أمّا القِسمُ الثّاني</strong>: فقد نَظَرُوا إلى المَوجُوداتِ أنَّها لو سُلِّم إِيجادُها إلى &#8220;الأَسبابِ&#8221; و&#8221;الطَّبِيعةِ&#8221; كما هو شَأْنُ أَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّ إِيجادَ شَيءٍ صَغِيرٍ جِدًّا كالبَعُوضةِ أوِ البِذْرةِ، فيه مِنَ المُشكِلاتِ ما لا يُحَدُّ، ويَقتَضِي قُدْرةً عَظِيمةً لا يَبلُغُ مَداها العَقلُ، فوَجَدُوا أَنفُسَهُم مُضطَرِّينَ إلى إِنكارِ &#8220;الإِيجادِ&#8221; نَفسِه، فقالُوا: &#8220;لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ&#8221;، ورَأَوْا أنَّ إِعدامَ الشَّيءِ مُحالٌ أَيضًا، فقَرَّرُوا أنَّه &#8220;لا يَفنَى المَوجُودُ&#8221;، وتَخَيَّلُوا جُملةً مِنَ الأَوْضاعِ الِاعتِبارِيّةِ سارِيةً ما بَينَ تَحلِيلٍ وتَركِيبٍ وتَفرِيقٍ وتَجمِيعٍ، ناتِجةً عن حَرَكاتِ الذَّرّاتِ، وسَيلِ المُصادَفاتِ!</p>
<p>فتَأَمَّلْ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنفُسَهُم في ذِرْوةِ العَقلِ، قد سَقَطُوا في حَضِيضٍ مِنَ الحَماقةِ والجَهلِ، واعْلَمْ مِن هذا كَيفَ تَضَعُ الضَّلالةُ هذا الإِنسانَ المُكَرَّمَ -حِينَ يُلغِي إِيمانَه- مَوضِعَ سُخْرِيةٍ وازدِراءٍ مِن كلِّ أَحَدٍ..</p>
<p>وبِدَوْرِنا نَسأَلُ هَؤُلاءِ: تُرَى! كُيفَ يُمكِنُ استِبعادُ إِيجادِ شَيءٍ مّا مِنَ القُدْرةِ المُطلَقةِ الَّتي تُوجِدُ على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ سَنةٍ أَربَعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ؟ والَّتي خَلَقَتِ السَّماواتِ والأَرضَ في سِتّةِ أَيّامٍ؟ والَّتي تُنشِئُ في كلِّ رَبِيعٍ تَحتَ بَصَرِ الإِنسانِ وسَمْعِه، على سَطْحِ الأَرضِ كَوْنًا حَيًّا مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ هو أَظهَرُ إِتقانًا وأَجلَى حِكْمةً مِنَ الكَونِ كُلِّه، في سِتّةِ أَسابِيعَ؟ كَيفَ يُستَبعَدُ مِنها أن تَخلُقَ المَوجُوداتِ العِلمِيّةَ -الَّتي تَعَيَّنَت خُطَطُها ومَقادِيرُها ضِمنَ دائِرةِ العِلمِ الأَزَليِّ- فتَخلُقَها بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ سُهُولةَ إِظهارِ الكِتابةِ غَيرِ المَنظُورةِ بإِمرارِ مادّةٍ كِيمياوِيّةٍ علَيْها؟ فاستِبعادُ إِضفاءِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ على المَوجُوداتِ العِلمِيّةِ -والَّتي هي مَعدُوماتٌ خارِجِيًّا- مِن تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ، ثمَّ إِنكارُ الإِيجادِ نَفسِه لَهُو حَماقةٌ وجَهالةٌ أَشَدُّ مِن حَماقةِ السُّوفْسَطائيِّينَ المَعرُوفِينَ وجَهالَتِهِم!</p>
<p>وحَيثُ إنَّ نُفُوسَ هَؤُلاءِ التُّعَساءِ المُتَفرعِنةَ العاجِزةَ عَجْزًا مُطلَقًا، والَّتي لا تَملِكُ إلّا جُزءًا يَسِيرًا مِنَ الِاختِيارِ، غَيرُ قادِرةٍ على إِفناءِ أيِّ شَيءٍ كانَ وإِعدامِه، وإِيجادِ أيّةِ ذَرّةٍ كانَت أو مادّةٍ مِن غَيرِ شَيءٍ ومِنَ العَدَمِ.. ولَمّا كانَتِ الطَّبِيعةُ والأَسبابُ الَّتي يَفخَرُونَ بعُبُودِيَّتِهِم لها عاجِزةً هي الأُخرَى ولَيسَ في طَوْقِها أَمرُ &#8220;الإِيجادِ&#8221; مِن غَيرِ شَيءٍ.. نَراهُم يُصدِرُونَ حُكْمًا عامًّا: &#8220;أنَّ المادَّةَ لا تُفنَى ولا تُستَحدَثُ&#8221;، ويُحاوِلُونَ أن يُعَمِّمُوا حُكْمَ هذه القاعِدةِ الباطِلةِ الخاطِئةِ حتَّى على قُدْرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدْرةِ سُبحانَه. نعم، إنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ له طِرازانِ مِنَ الإِيجادِ:</p>
<p><strong>الأوَّلُ</strong>: بالِاختِراعِ والإِبداعِ، أي: أنَّه سُبحانَه يُبْدِعُ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ إِبداعًا مِن غَيرِ شَيءٍ، ويُوجِدُ كلَّ ما يَلزَمُ -هذا الوُجُودَ- مِن أَشياءَ مِنَ العَدَمِ ويُسَلِّمُها إيّاه.</p>
<p><strong>الآخَرُ</strong>: بالإِنشاءِ والصَّنْعةِ والإِتقانِ. أي: يُنشِئُ قِسمًا مِنَ المَوجُوداتِ مِن عَناصِرِ الكَونِ نَفسِه، إِظهارًا لِكَمالِ حِكْمَتِه، وتِبيانًا لِتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.. وأَمثالَها مِنَ الحِكَمِ الدَّقِيقةِ، فيُرسِلُ إلى تلك المَوجُوداتِ الذَّرّاتِ والمَوادَّ المُنقادةَ إلى أَوامِرِه ضِمنَ سُنَنِ الرَّزّاقِيّةِ الكَونيّةِ، ويُسَخِّرُها لها لِيُكمِلَ إِنشاءَ هذا الوُجُودِ.. وهكَذا فالقَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ له أُسلُوبانِ مِنَ الإِيجادِ: الإِبداعُ.. والإِنشاءُ..</p>
<p>فإِفناءُ المَوجُودِ، وإِيجادُ المَعدُومِ، أَمرٌ سَهلٌ جِدًّا لَدَيْه، وهَيِّنٌ جِدًّا، بل هو قانُونُه الدّائِمُ العامُّ.</p>
<p>فالَّذي يَستَبعِدُ مِنَ القُدرةِ الفاطِرةِ الَّتي تَخلُقُ مِنَ العَدَمِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ المَخلُوقاتِ والأَحياءِ، وتَمنَحُها أَشكالَها وصِفاتِها وكَيفِيّاتِها وأَحوالَها مِمّا سِوَى ذَرّاتِها، ويقُولُ: &#8220;إنَّها لن تَقدِرَ على إِيجادِ المَعدُومِ&#8221;، لا بُدَّ أن يَهوِيَ في ظُلْمةِ العَدَمِ.</p>
<p>يقُولُ الَّذي نَبَذَ &#8220;الطَّبِيعةَ&#8221; ونَفَذَ إلى طَرِيقِ الحَقِيقةِ:</p>
<p>الحَمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا بعَدَدِ الذَّرّاتِ، الَّذي وَفَّقَني لِلفَوزِ بكَمالِ الإِيمانِ، وأَنقَذَني مِنَ الأَوْهامِ والضَّلالاتِ، فزالَ بفَضْلِه جَمِيعُ ما لَدَيَّ مِن شُبُهاتٍ ورِيَبٍ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿الحَمدُ للهِ على دِينِ الإِسلامِ وكَمالِ الإِيمانِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إنَّ الدّاعيَ الأَشَدَّ إِلحاحًا إلى تأليفِ هذه الرِّسالةِ هو ما لَمَستُه مِن هُجُومٍ صارِخٍ على القُرآنِ الكَرِيمِ، وتَجاوُزٍ شَنيع على الحَقائقِ الإِيمانيّةِ بتَزيِيفِها، ورَبطِ أَواصِرِ الإِلحادِ بالطَّبِيعةِ، وإِلصاقِ نَعتِ &#8220;الخُرافةِ&#8221; على كلِّ ما لا تُدرِكُه عُقُولُهمُ القاصِرةُ العَفِنةُ.. وقد أَثارَ هذا الهُجُومُ غَيظًا شَدِيدًا في القَلبِ ففَجَّر فيه حُمَمًا سَرَت إلى أُسلُوبِ الرِّسالةِ، فأَنزَلَت صَفَعاتٍ شَدِيدةً على أُولَئِك المُلحِدِينَ وذَوِي المَذاهِبِ الباطِلةِ المُعرِضِينَ عنِ الحَقِّ، وإلّا فليس مِن دَأْبِ &#8220;رسائِلِ النُّورِ&#8221; إلّا القَولُ اللَّيِّنُ في الخِطابِ والرِّفقُ في الكَلامِ.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، إذا حَصَل الِانتِسابُ، فإنَّ تلك البِذرةَ تَتَسلَّمُ أَمرًا مِن القَدَر الإِلٰهِيِّ، وتَنالُ شَرَفَ النُّهوضِ بتلك الأَعمالِ الخارِقةِ، ولكِن إذا انقَطَع ذلك الِانتِسابُ فإنَّ خَلقَ تلك البِذرةِ يَقتَضِي أَجهِزةً وقُدرةً ومَهارةً هي أَكثَرُ بكَثِيرٍ مِمّا يَحتاجُ خَلقُ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ، وذلك لِأنَّ جَمِيعَ أَعضاءِ شَجَرةِ الصَّنَوبرِ الَّتي تَكسُو الجِبالَ وتُضفِي عليها الجَمالَ والرَّوْعةَ والَّتي تُمثِّـلُ أَثَرًا مُجَسَّمًا واضِحًا لِلقُدرةِ الإِلٰهِيّة، يَلزَمُ أن تكُونَ مَوجُودةً في الشَّجَرةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي هي أَثَرُ القَدَرِ والمُندَمِجةُ في تلك البِذرةِ، لِأنَّ مَصنَع تلك الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ يَكمُنُ في تلك البِذرةِ، وأنَّ ما في تلك البِذرةِ مِن شَجَرةٍ قَدَرِيّةٍ تَتَظاهَرُ بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ في الخارِجِ، وتَتَشكَّلُ شَجَرةَ صَنَوبَرٍ مُجَسَّمةً.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a923-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2503</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الثانية والعشرون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 28 Mar 2025 13:56:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2500</guid>

					<description><![CDATA[[في هذه اللمعة يجيب الأستاذ النورسي عن اعتراضات سلطات حكومة الجمهورية التركية عليه ومحاولتها إخضاعه لقوانينها] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; [اللمعة الثانية والعشرون]   اللمعة الثانية والعشرون‌ ﴿بِاسمِهِ سُبحَانَه﴾ [مقدمة] هذه الرِّسالةُ الصَّغِيرةُ الَّتي كَتَبتُها قبلَ اثنَتَينِ وعِشرِينَ سَنةً، وأنا نَزِيلُ ناحِيةِ &#8220;بارْلا&#8221; التَّابِعةِ لِوِلايةِ &#8220;إِسبارْطة&#8221;، هي رِسالةٌ خاصّةٌ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[في هذه اللمعة يجيب الأستاذ النورسي عن اعتراضات سلطات حكومة الجمهورية التركية عليه ومحاولتها إخضاعه لقوانينها]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2501" aria-describedby="caption-attachment-2501" style="width: 736px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2501" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/وأفوض-أمري-إلى-الله.jpg" alt="إنَّ أَهَمَّ مَشرَبٍ لَدَى أَهلِ الفَضِيلةِ هو الِاندِماجُ في المُجتَمَعِ بالعَجزِ والفَقرِ والتَّواضُعِ.. ولَقد مَضَت حَياتُنا وللهِ الحَمدُ وما زالَت كَذلِك تَمضِي على وَفقِ هذا المَشرَبِ، فأَنا لا أَدَّعِي مُتَفاخِرًا أنَّني صاحِبُ فَضِيلةٍ، ولكِن أَقُولُ تَحَدُّثًا بنِعمةِ اللهِ عَلَيَّ وبنِيّةِ الشُّكرِ له سُبحانَه: قد أَحْسَنَ إِليَّ جَلَّ وعَلا بفَضلِه وكَرَمِه فوَفَّقَني إلى العَمَلِ لِلعُلُومِ الإِيمانيّةِ والقُرآنيّةِ وإِدراكِها وفَهْمِها، فصَرَفتُ طَوالَ حَياتِي -للهِ الحَمدُ- هذا الإِحسانَ الإِلٰهِيَّ بتَوفِيقٍ مِنه تَعالَى، في مَصالِحِ هذه الأُمّةِ المُسلِمةِ، وبَذَلتُه في سَبِيلِ سَعادَتِها، ولم يَكُ في أيِّ وَقتٍ وَسِيلةً لِلإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ." width="736" height="549" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/وأفوض-أمري-إلى-الله.jpg 736w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/وأفوض-أمري-إلى-الله-300x224.jpg 300w" sizes="(max-width: 736px) 100vw, 736px" /><figcaption id="caption-attachment-2501" class="wp-caption-text">إنَّ أَهَمَّ مَشرَبٍ لَدَى أَهلِ الفَضِيلةِ هو الِاندِماجُ في المُجتَمَعِ بالعَجزِ والفَقرِ والتَّواضُعِ.. ولَقد مَضَت حَياتُنا وللهِ الحَمدُ وما زالَت كَذلِك تَمضِي على وَفقِ هذا المَشرَبِ، فأَنا لا أَدَّعِي مُتَفاخِرًا أنَّني صاحِبُ فَضِيلةٍ، ولكِن أَقُولُ تَحَدُّثًا بنِعمةِ اللهِ عَلَيَّ وبنِيّةِ الشُّكرِ له سُبحانَه: قد أَحْسَنَ إِليَّ جَلَّ وعَلا بفَضلِه وكَرَمِه فوَفَّقَني إلى العَمَلِ لِلعُلُومِ الإِيمانيّةِ والقُرآنيّةِ وإِدراكِها وفَهْمِها، فصَرَفتُ طَوالَ حَياتِي -للهِ الحَمدُ- هذا الإِحسانَ الإِلٰهِيَّ بتَوفِيقٍ مِنه تَعالَى، في مَصالِحِ هذه الأُمّةِ المُسلِمةِ، وبَذَلتُه في سَبِيلِ سَعادَتِها، ولم يَكُ في أيِّ وَقتٍ وَسِيلةً لِلإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الثانية والعشرون]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الثانية والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِاسمِهِ سُبحَانَه﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مقدمة]</h2>
<p>هذه الرِّسالةُ الصَّغِيرةُ الَّتي كَتَبتُها قبلَ اثنَتَينِ وعِشرِينَ سَنةً، وأنا نَزِيلُ ناحِيةِ &#8220;بارْلا&#8221; التَّابِعةِ لِوِلايةِ &#8220;إِسبارْطة&#8221;، هي رِسالةٌ خاصّةٌ لِأَخلَصِ إِخوَتِي وأَخَصِّهِم؛ وقد كَتَبتُها في غايةِ السِّرِّيّةِ ومُنتَهَى الكِتْمانِ، ولكِن لَمَّا كانَت ذاتَ عَلاقةٍ بأَهالي &#8220;إِسبارْطة&#8221; والمَسؤُولِينَ فيها، فإنِّي أُقدِّمُها إلى والِيها العادِلِ وإلى مَسؤُولي دَوائِرِ العَدلِ والأَمنِ والِانضِباطِ فيها.</p>
<p>وإذا ما ارْتُؤِيَ أنَّها تَستَحِقُّ الطَّبعَ، فلْتُطبَعْ مِنها نُسَخٌ مَعدُودةٌ بالحُرُوفِ القَدِيمةِ أوِ الحَدِيثةِ بالآلةِ الطّابِعةِ كي يَعرِفَ أُولَئِك المُتَرصِّدُونَ الباحِثُونَ عن أَسرارِي مُنذُ أَكثَرَ مِن خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً: <strong>أنَّه لا سِرَّ لنا في الخَفاءِ، وأنَّ أَخفَى أَسرارِنا هو هذه الرِّسالةُ</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الإشارات الثلاث]</h2>
<p><strong>الإشارات الثلاث</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كانَت هذه الرِّسالة &#8220;المَسألةُ الثّالِثةُ مِنَ المُذكِّرةِ السّابِعةَ عَشْرةَ لِلَّمْعة السّابِعةَ عَشْرةَ&#8221; إلّا أنَّ قوّةَ أسئِلتِها وشُمُولَها وسُطُوعَ أجوِبتِها وسَدادَها جَعَلَتها &#8220;اللَّمْعة الثانيةَ والعِشرِينَ&#8221; مِنَ &#8220;المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثينَ&#8221;، فدَخَلَتْ ضِمنَ &#8220;اللَّمَعات&#8221; وامتَزَجَت بها.. وعلى &#8220;اللَّمَعات&#8221; أَن تُفسِح لها مَوضِعًا بَينَها، فهِي رِسالةٌ سِرِّيّةٌ خاصّةٌ لِأَخصِّ إِخوانِنا وأَخلَصِهم وأَصدَقِهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾</strong></p>
<p>هذه المسألة ثلاث إشارات‌.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إشارة 1: لماذا يتدخلون في آخرتك مع أنك تركت لهم دنياهم؟]</h3>
<p><strong>الإشارةُ الأولى</strong>:‌</p>
<p>سُؤالٌ مُهِمٌّ يَخُصُّني بالذّاتِ ويَخُصُّ &#8220;رَسائِلَ النُّورِ&#8221;.. يقُولُ كَثِيرُونَ:</p>
<p>لِمَ يَتَدخَّلُ أَهلُ الدُّنيا بأُمُورِ آخِرَتِك كلَّما وَجَدُوا لَهُم فُرصةً، معَ أنَّك لا تَتَدخَّلُ في شُؤُونِ دُنياهُم؟ عِلمًا أنَّه لا يَمَسُّ قانُونُ أيّةِ حُكُومةٍ كانَت شُؤُونَ تارِكِي الدُّنيا المُعتَزِلينَ النّاسَ!</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: إنَّ جَوابَ &#8220;سَعِيدٍ الجَدِيدِ&#8221; عن هذا السُّؤالِ هو: <strong>السُّكُوتُ</strong>، إذ يقُولُ: <strong>لِيُجِبْ عنِّي القَدَرُ الإِلٰهِيُّ</strong>.</p>
<p>ومعَ هذا يقُولُ بعَقلِ &#8220;سَعِيدٍ القَدِيمِ&#8221; الَّذي اضطُرَّ إلى استِعارَتِه: إنَّ الَّذي يُجِيبُ على هذا السُّؤالِ هو حُكُومةُ مُحافَظةِ &#8220;إِسبارْطةَ&#8221; وأَهالي هذه المُحافَظةِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ -المَسؤُولينَ والنّاسَ كافّةً- أَكثَرُ عَلاقةً مِنِّي بالمَعنَى الَّذي يَنطَوِي علَيْه السُّؤالُ.</p>
<p>وما دامَت حُكُومةٌ أَفرادُها يَربُونَ على الأُلُوفِ، وأَهلُونَ يَزِيدُونَ على مِئاتِ الأُلُوفِ مُضطَرِّينَ إلى التَّفكِيرِ والدِّفاعِ عِوَضًا عنِّي، فلِمَ إِذًا أُحاوِرُ -دُونَ جَدوَى- المُدَّعِينَ دِفاعًا عن نَفسِي؟!</p>
<p>فها أَنَذا مُنذُ تِسعِ سَنَواتٍ في هذه المُحافَظةِ، وكلَّما مَرَّ الزَّمانُ أَدَرتُ ظَهرِي إلى دُنياهُم، ولم تَبقَ حالٌ مِن أَحوالِي مَخفِيّةً عَنهُم مَستُورةً علَيهِم، <strong>بل حتَّى أَخَصُّ رَسائِلِي وأَكثَرُها سِرِّيّةً يَتَداوَلُها المَسؤُولُونَ في الدَّولةِ وهِي في مُتَناوَلِ عَدَدٍ مِنَ النُّوّابِ</strong>؛ فلو كانَ لي شَيءٌ مِن تَدَخُّلٍ أو مُحاوَلةٍ مّا لِتَعكِيرِ صَفوِ دُنياهُم والإِخلالِ بها، أو حتَّى التَّفكِيرِ في هذا الأَمرِ، لَمَا آثَرَ المَسؤُولُونَ في هذه المُحافَظةِ والأَقضِيةِ السُّكُوتَ تِجاهِي وعَدَمَ الِاعتِراضِ عَلَيَّ على الرَّغمِ مِن مُراقَبَتِهِم إيّايَ وتَرَصُّدِهِم لي وتَجَسُّسِهِم عَلَيَّ طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ، وعلى الرَّغمِ مِن أنَّني أَبُوحُ دُونَ تَرَدُّدٍ بأَسرارِي إلى مَن يَزُورُني.</p>
<p>فإن كانَ لي عَمَلٌ مُخِلٌّ بسَعادةِ الأُمّةِ وسَلامةِ الوَطَنِ ويُلحِقُ الضَّرَرَ بمُستَقبَلِها، فالمَسؤُولُ عنه جَمِيعُ أَفرادِ الحُكُومةِ طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ ابتِداءً مِنَ المُحافِظِ إلى أَصغَرِ مُوَظَّفٍ في مَخفَرِ القَريةِ.</p>
<p>فعَلَى هَؤُلاءِ جَمِيعًا يَقَعُ الدِّفاعُ عنِّي، وعلَيْهِم أن يَستَصغِرُوا ما اسْتَهْوَلَه واسْتَعظَمَه الآخَرُونَ، وذلك لِيَنجُوا مِن تَبِعاتِ المَسؤُوليّةِ.. ولِأَجلِ ذلك أُحِيلُ جَوابَ هذا السُّؤالِ إلَيهِم.</p>
<p>أمّا ما يَدفَعُ مُواطِنِي هذه المُحافَظةِ عامّةً لِلدِّفاعِ عنِّي أَكثَرَ مِن نَفسِي فهُو أنَّ هذه تِسعُ سَنَواتٍ، ومِئاتُ الرَّسائِلِ الَّتي نَسعَى لِنَشرِها، قد أَثبَتَتْ تَأثِيرَها في هذا الشَّعبِ الأَخِ الصَّدِيقِ المُبارَكِ الطَّيِّبِ، وأَظهَرَت مَفعُولَها الفِعلِيَّ والمادِّيَّ في حَياتِه الأَبدِيّةِ وفي دَعمِ قُوّةِ إِيمانِه وسَعادةِ حَياتِه، ومِن غَيرِ أن تَمَسَّ أَحَدًا بسُوءٍ أو تُوَلِّدَ أيَّ اضطِرابٍ أو قَلَقٍ كانَ، إذ لم يُشاهَد مِنها ما يُومِئُ إلى غَرَضٍ سِياسِيٍّ ونَفعٍ دُنيَوِيٍّ مَهْما كانَ، حتَّى إنَّ هذه المُحافَظةَ &#8220;إِسبارْطة&#8221; قدِ اكتَسَبَت وللهِ الحَمدُ بواسِطةِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; مَقامَ البَرَكةِ مِن حَيثُ قُوّةُ الإِيمانِ والصَّلابةُ في الدِّينِ، مِن نَوعِ البَرَكةِ الَّتي نالَتْها بَلْدةُ الشّامِ الطَّيِّبةُ في السّابِقِ، ومِن نَوعِ بَرَكةِ الجامِعِ الأَزهَرِ الَّذي هو مَدرَسةُ العالَمِ الإِسلاميِّ عامّةً.</p>
<p>فهذه المُحافَظةُ لَها فَضلٌ ومَزِيّةٌ على المُحافَظاتِ الأُخرَى، حَيثُ كَسَبَت مِن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; التَّمَسُّكَ بأَذيالِ الدِّينِ، فهَيمَنَت فيها قُوّةُ الإِيمانِ على الإِهمالِ، وسَيطَرَت فيها الرَّغبةُ في العِبادةِ على السَّفَهِ والغَيِّ؛ ولِهذا كُلِّه فالنّاسُ كُلُّهُم في هذه المُحافَظةِ، حتَّى لو كانَ فيهِم مُلحِدٌ (فَرْضًا) مُضطَرُّونَ إلى الدِّفاعِ عَنِّي وعن &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;.</p>
<p>وهكذا لا يَسُوقُني حَقِّي الجُزئيُّ الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له ضِمنَ حُقُوقِ دِفاعٍ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ إلى هذا الحَدِّ: أن أُدافِعَ عن نَفسِي، لا سِيَّما وقد أَنهَيتُ خِدْماتِي وللهِ الحَمدُ، ويَسعَى لها أُلُوفٌ مِنَ الطُّلّابِ عِوَضًا عن هذا العاجِزِ.. <strong>فمَن كانَ له وُكَلاءُ دَعوَى ومُحامُونَ يَربُونَ على الأُلُوفِ، لا يُدافِعُ عن دَعواه بنَفسِه</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إشارة 2: لماذا تخالف قوانينهم ثم تسخط عليهم وتشكو ظلمهم؟]</h3>
<p><strong>الإشارة الثانية:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>جَوابٌ عن سُؤالٍ يَتَّسِمُ بالنَّقدِ:</p>
<p><strong>يُقالُ مِن جانِبِ أَهلِ الدُّنيا</strong>: لِمَ اسْتَأْتَ مِنّا وسَكَتَّ فلا تُراجِعُنا ولو لِمَرّةٍ واحِدةٍ! ثمَّ تَشكُو مِنّا شِكايةً شَدِيدةً قائِلًا: &#8220;أَنتُم تَظلِمُونَنِي&#8221;؟! فنَحنُ أَصحابُ مَبدَأٍ، لنا دَساتِيرُنا الخاصّةُ نَسِيرُ في ضَوْئِها على وَفقِ ما يَتَطلَّبُه هذا العَصرُ، بَينَما أَنتَ تَرفُضُ تَطبِيقَ هذه الدَّساتِيرِ على نَفسِك، عِلْمًا أنَّ مَن يُنفِّذُ القانُونَ لا يكُونُ ظالِمًا، بَينَما الرّافِضُ له يكُونُ عاصِيًا.. ففي عَصرِنا هذا -عَصرِ الحُرِّيّةِ- مَثلًا، وفي عَهدِ الجُمهُورِيّاتِ الَّذي بَدَأْنا به حَدِيثًا يَجرِي دُستُورُ رَفعِ الإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ، إذِ المُساواةُ قانُونٌ أَساسٌ لَدَيْنا، بَينَما أنتَ تَكسِبُ إِقبالَ النّاسِ نَحوَك وتَلفِتُ أَنظارَهُم إلَيْك تارةً بزِيِّ العِلمِ وأُخرَى بالتَّزَهُّدِ، فتُحاوِلُ تَكوِينَ قُوّةٍ وكَسبَ مَقامٍ خارِجَ نِطاقِ نُفُوذِ الدَّولةِ.</p>
<p>هكذا يُفهَمُ مِن ظاهِرِ حالِك، وهكذا يَدُلُّنا مَجرَى حَياتِك السّابِقةِ؛ فهذه الحالةُ رُبَّما تُستَصوَبُ في نِطاقِ تَحَكُّمِ البُرْجوازِيِّينَ -بالتَّعبِيرِ الحَدِيثِ- إلّا أنَّ صَحْوةَ طَبَقةِ العَوامِّ وتَغَلُّبَها جَعَلَت جَمِيعَ دَساتِيرِ الِاشتِراكيّةِ والبَلشَفِيّةِ تُسَيطِرُ وتُهَيمِنُ، وهِي الَّتي تُلائِمُ أُمُورَنا أَكثَرَ مِن غَيرِها؛ فنَحنُ في الوَقتِ الَّذي رَضِينا فيه بدَساتِيرِ الِاشتِراكِيّةِ نَشمَئِزُّ مِن أَوْضاعِك، إذ هي تُخالِفُ مَبادِئَنا، لِذا <strong>لا حَقَّ لك في الِاستِياءِ مِنّا ولا الشَّكوَى مِن مُضايَقاتِنا لك</strong>.</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: إنَّ مَن يَشُقُّ طَرِيقًا في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ ويُؤسِّسُ حَرَكةً، لن يَستَثمِرَ مَساعِيَه ولن يكُونَ النَّجاحُ حَلِيفَه في أُمُورِ الخَيرِ والرُّقيِّ ما لم تكُنِ الحَرَكةُ مُنسَجِمةً معَ القَوانينِ الفِطْرِيّةِ الَّتي تَحكُمُ الكَونَ، بل تكُونُ جَمِيعُ أَعمالِه في سَبِيلِ التَّخرِيبِ والشَّرِّ.</p>
<p>فما دامَ الِانسِجامُ معَ قانُونِ الفِطْرةِ ضَرُورِيًّا، <strong>فإنَّ تَنفِيذَ قانُونِ المُساواةِ المُطلَقةِ لا يُمكِنُ إلّا بتَغيِيرِ فِطْرةِ البَشَرِ ورَفعِ الحِكْمةِ الأَساسِيّةِ في خَلقِ النَّوعِ البَشَرِيِّ</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّني -مِن حَيثُ النَّسَبُ ونَمَطُ مَعِيشةِ الحَياةِ- مِن طَبَقةِ العَوامِّ، ومِنَ الرّاضِينَ بالمُساواةِ في الحُقُوقِ فِكْرًا ومَشرَبًا، ومِنَ العامِلِينَ على رَفضِ سَيْطَرةِ طَبَقةِ الخَواصِّ المُسَمَّينَ بالبُرْجوازِيِّينَ واستِبدادِهِم مُنذُ السّابِقِ، وذلك بمُقتَضَى الرَّحمةِ وبمُوجَبِ العَدالةِ النَّاشِئةِ مِنَ الإِسلامِ؛ لِذا فأَنا بكلِّ ما أُوتِيتُ مِن قُوّةٍ بجانِبِ العَدالةِ التّامّةِ، وضِدَّ الظُّلمِ والسَّيطَرةِ والتَّحَكُّمِ والِاستِبدادِ.. بَيْدَ أنَّ فِطْرةَ النَّوعِ البَشَرِيِّ وحِكْمةَ خَلقِه تُخالِفانِ قانُونَ المُساواةِ المُطلَقةِ، إذِ الفاطِرُ الحَكِيمُ سُبحانَه كما يَستَحصِلُ مِن شَيءٍ قَلِيلٍ مَحاصِيلَ كَثِيرةً، ويَكتُبُ في صَحِيفةٍ واحِدةٍ كُتُبًا كَثِيرةً، ويُجرِي بشَيءٍ واحِدٍ وَظائِفَ جَمّةً، كَذلِك يُنجِزُ بنَوعِ البَشَرِ وَظائِفَ أُلُوفِ الأَنواعِ، وذلك إِظهارًا لِقُدرَتِه الكامِلةِ وحِكْمَتِه التّامّةِ.</p>
<p>فلِأَجلِ تلك الحِكْمةِ العَظِيمةِ، خَلَق سُبحانَه الإِنسانَ على فِطْرةٍ جامِعةٍ، لها مِنَ القُدرةِ ما يُثمِرُ أُلُوفَ سَنابِلِ الأَنواعِ، وما يُعطِي طَبَقاتٍ كَثِيرةً بعَدَدِ أَنواعِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ إذ لم يُحَدِّد سُبحانَه قُوَى الإِنسانِ ولَطائِفَه ومَشاعِرَه كما هي الحالُ في الحَيَواناتِ، بل أَطلَقَها واهِبًا له استِعدادًا يَتَمكَّنُ به مِنَ السِّياحةِ والجَوَلانِ ضِمنَ مَقاماتٍ لا تُحَدُّ، فهُو في حُكمِ أُلُوفِ الأَنواعِ، وإن كانَ نَوعًا واحِدًا.</p>
<p>ومِن هُنا أَصبَحَ الإِنسانُ في حُكمِ خَلِيفةِ الأَرضِ، ونَتِيجةِ الكَونِ، وسُلطانِ الأَحياءِ.. وهكَذا، <strong>فإنَّ أَجَلَّ خَمِيرةٍ لِتَنَوُّعِ النَّوعِ البَشَرِيِّ وأَهَمَّ نابِضٍ مُحَرِّكٍ له هو التَّسابُقُ لِإِحرازِ الفَضِيلةِ المُتَّسِمةِ بالإِيمانِ الحَقِيقيِّ</strong>.. فلا يُمكِنُ رَفعُ الفَضِيلةِ إلّا بتَبدِيلِ الماهِيّةِ البَشَرِيّةِ وإِخمادِ العَقلِ وقَتلِ القَلبِ وإِفناءِ الرُّوحِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الحُرِّيّةِ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اِرفَعِ الإِدراكَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هذا الكَلامُ الرَّصِينُ أُثِيرَ خَطَأً في وَجهِ رَجُلٍ ذِي شَأْنٍ ما كان يَلِيقُ به مِثلُ هذه الصَّفْعةِ، بل جَدِيرٌ بهذا الكَلامِ أن يُصفَعَ به الوَجهُ الغَدّارُ لِهذا العَصرِ الحامِلِ لِاستِبدادٍ رَهِيبٍ يَتَستَّرُ بهذه الحُرِّيّةِ. فأَنا أَقُولُ بَدَلًا مِن هذا الكَلامِ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الحَقِيقةِ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اِرفَعِ القَلبَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أو أَقُولُ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الفَضِيلةِ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اِرفَعِ الوِجْدانَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!</strong><strong>‌</strong></p>
<p>نعم، إنَّ الفَضِيلةَ المُتَّسِمةَ بالإِيمانِ، كما لا تكُونُ وَسِيلةً لِلإِكراهِ، لا تكُونُ سَبَبًا لِلِاستِبدادِ قَطْعًا؛ إذِ الإِكراهُ والقَسْرُ والتَّسَلُّطُ على الآخَرِينَ، رَذِيلةٌ ليسَ إلّا، <strong>بل إنَّ أَهَمَّ مَشرَبٍ لَدَى أَهلِ الفَضِيلةِ هو الِاندِماجُ في المُجتَمَعِ بالعَجزِ والفَقرِ والتَّواضُعِ</strong>.. ولَقد مَضَت حَياتُنا وللهِ الحَمدُ وما زالَت كَذلِك تَمضِي على وَفقِ هذا المَشرَبِ، فأَنا <strong>لا أَدَّعِي مُتَفاخِرًا أنَّني صاحِبُ فَضِيلةٍ</strong>، ولكِن أَقُولُ تَحَدُّثًا بنِعمةِ اللهِ عَلَيَّ وبنِيّةِ الشُّكرِ له سُبحانَه: قد أَحْسَنَ إِليَّ جَلَّ وعَلا بفَضلِه وكَرَمِه فوَفَّقَني إلى العَمَلِ لِلعُلُومِ الإِيمانيّةِ والقُرآنيّةِ وإِدراكِها وفَهْمِها، فصَرَفتُ طَوالَ حَياتِي -للهِ الحَمدُ- هذا الإِحسانَ الإِلٰهِيَّ بتَوفِيقٍ مِنه تَعالَى، في مَصالِحِ هذه الأُمّةِ المُسلِمةِ، وبَذَلتُه في سَبِيلِ سَعادَتِها، ولم يَكُ في أيِّ وَقتٍ وَسِيلةً لِلإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ.</p>
<p><strong>كما أنَّنِي -بِناءً على سِرٍّ مُهِمٍّ- أَنفِرُ مِن إِقبالِ النَّاسِ وجَلبِ استِحسانِهِمُ المَرغُوبَينِ لَدَى أَهلِ الغَفْلةِ، إذ قد ضَيَّعا عَلَيَّ عِشرِينَ سَنةً مِن عُمُري السّابِقِ،</strong> فلِهذا أَعُدُّهُما مُضِرَّينِ لي؛ إلّا أنَّني أَراهُما أَمارةً على إِقبالِ النّاسِ على رَسائِلِ النُّورِ فلا أُسخِطُهُم.</p>
<p>فيا أَهلَ الدُّنيا..‌</p>
<p>بما أنَّني لا أَتَدخَّلُ في دُنياكُم قَطُّ، ولا عَلاقةَ لي بأَيّةِ جِهةٍ كانَت بمَبادِئِكُم، ولَستُ عازِمًا على التَّدَخُّلِ مُجَدَّدًا بالدُّنيا، بل ولا لي رَغبةٌ فيها أَصلًا كما تَشهَدُ بذلك حَياتِي هذه الَّتي قَضَيتُها أَسِيرَ المَنفَى طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ.. فلِماذا تَنظُرُونَ إِليَّ وكأنَّني مُتَجبِّـرٌ سابِقٌ، يُضمِرُ التَّسَلُّطَ على الآخَرِينَ، ويَتَحيَّنُ الفُرَصَ لِذلِك؟! بأَيِّ قانُونٍ يُجرَى وعلى أيّةِ مَصلَحةٍ يُبنَى هذا المَدَى مِنَ التَّرَصُّدِ والمُراقَبةِ والعَنَتِ؟!</p>
<p>فلا تُوجَدُ في العالَمِ كُلِّه حُكُومةٌ تَسمَحُ بهذه المُعامَلةِ القاسِيةِ الَّتي أُعامَلُ بها فَوقَ القانُونِ، والَّتي لا يَرضَى بها فَردٌ مَهْما كانَ.</p>
<p>فهذه المُعامَلاتُ السَّيِّئةُ الَّتي تُعامِلُونَني بها لا تُوَلِّدُ سَخَطِي وَحْدَه، بل سَخَطَ نَوعِ الإِنسانِ -إن أَدرَك- بل سَخَطَ الكائِناتِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إشارة 3: ما دمت تعيش في الجمهورية فعليك أن تخضع لقوانينها]</h3>
<p><strong>الإشارة الثالثة:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>سُؤالٌ يَرِدُ على وَجهِ البَلاهةِ والجُنُونِ، ويَنطَوِي على مُغالَطةٍ:</p>
<p><strong>يقُولُ قِسمٌ مِن أَفرادِ الدَّولةِ وأَهلِ الحُكمِ</strong>: ما دُمتَ قائِمًا في هذه البِلادِ، فعَلَيْك الِانقِيادُ لِقَوانِينِ الجُمهُورِيّةِ الصّادِرةِ فيها، فلِماذا تُعفِي نَفسَك مِن تلك القَوانِينِ تَحتَ سِتارِ العُزلةِ عنِ النّاسِ؟</p>
<p>فمَثلًا: إنَّ مَن يُجرِي نُفُوذَه على الآخَرِينَ خارِجَ وَظِيفةِ الدَّولةِ، مُتَقلِّدًا فَضِيلةً ومَزِيّةً لِنَفسِه، يُنافي قانُونَ الحُكُومةِ الحاضِرةِ ودُستُورَ الجُمهُورِيّةِ المَبنِيَّ على أَساسِ المُساواةِ؛ فلِماذا تَتَقلَّدُ صِفةَ مَن يُرِيدُ جَلبَ الإِعجابِ بنَفسِه وكأنَّ على النّاسِ الِانقِيادَ له وطاعَتَه، وتَجعَلُهُم يُقبِّلُونَ يَدَك معَ أنَّك لا وَظِيفةَ لك في الدَّولةِ؟</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: <strong>إنَّ على مُنَفِّذِي القانُونِ تَنفِيذَه على أَنفُسِهِم أوَّلًا، ثمَّ يُمكِنُهُم إِجراؤُه على الآخَرِينَ؛</strong> فإِجراءُ دُستُورٍ على الآخَرِينَ دُونَ أَنفُسِكُم يَعنِي مُناقَضَتَكُم لِدُستُورِكُم وقانُونِكُم قَبلَ كلِّ أَحَدٍ، لِأنَّكُم <strong>تَطلُبُونَ إِجراءَ قانُونِ المُساواةِ المُطلَقةِ هذا عَلَيَّ، بَينَما لم تُطَبِّقُوه أَنتُم على أَنفُسِكُم</strong>.</p>
<p>وأَنا أقُولُ: مَتَى ما صَعِدَ جُندِيٌّ اعتِيادِيٌّ إلى مَقامِ المُشِيرِ الِاجتِماعيِّ، وشارَكَ المُشِيرَ فيما يُولِيه النّاسُ مِنِ احتِرامٍ وإِجلالٍ، ونالَ مِثلَه ذلك الإِقبالَ والِاحتِرامَ.. أو مَتَى ما صارَ المُشِيرُ جُندِيًّا اعتِيادِيًّا وتَقَلَّد أَحوالَه الخامِدةَ، وفَقَد أَهَمِّيَّتَه كلَّها خارِجَ وَظِيفَتِه.. وأَيضًا مَتَى ما تَساوَى رَئِيسٌ ذَكِيٌّ لِأَركانِ الجَيشِ قادَهُم إلى النَّصرِ معَ جُندِيٍّ بَلِيدٍ في إِقبالِ النَّاسِ عامّةً والِاحتِرامِ والمَحَبّةِ له، فلَكُم أن تقُولُوا حِينَذاك حَسَبَ قانُونِكُم -قانُونِ المُساواةِ -: لا تُسَمِّ نَفسَك عالِمًا. اُرفُضِ احتِرامَ النّاسِ لك. أَنكِرْ فَضِيلَتَك. اُخدُمْ خادِمَك. رافِقِ المُتَسَوِّلِينَ!</p>
<h4 style="text-align: center;">[وظيفة عالِم الدين في المجتمع]</h4>
<p><strong>فإن قُلتُم</strong>: إنَّ هذا الِاحتِرامَ والمَقامَ والإِقبالَ الَّذي يُولِيه النّاسُ، إنَّما هو خاصٌّ بالمُوَظَّفِينَ وأَثناءَ مُزاوَلَتِهِم مِهنَتَهُم، بَينَما أنتَ إِنسانٌ لا وَظِيفةَ لك، فلَيسَ لك أن تَقبَلَ احتِرامَ الأُمّةِ كالمُوَظَّفِينَ!</p>
<p><strong>فالجَوابُ</strong>: لو أَصبَحَ الإِنسانُ مُجَرَّدَ جَسَدٍ فقط، وظَلَّ في الدُّنيا خالِدًا مُخَلَّدًا، وأُغلِقَ بابُ القَبْرِ، وقُتِلَ المَوتُ، وانحَصَرَتِ الوَظائِفُ في دائِرةِ الأَعمالِ العَسكَرِيّةِ والإِدارِيّةِ.. فكَلامُكُم حِينَها يَعنِي شَيئًا؛ ولكِن لَمَّا كانَ الإِنسانُ ليس مُجَرَّدَ جَسَدٍ، ولا يُجَرَّدُ مِنَ القَلبِ واللِّسانِ والعَقلِ لِيُعطَى غِذاءً لِلجَسَدِ، فلا يُمكِنُ إِفناءُ تلك الجَوارِحِ، فكُلٌّ مِنها يَطلُبُ التَّغذِيةَ والعِنايةَ.</p>
<p>ولَمَّا كانَ بابُ القَبْرِ لا يُغلَقُ، بل إنَّ أَجَلَّ مَسأَلةٍ لَدَى كلِّ فَردٍ هي قَلَقُه على ما وَراءَ القَبْرِ، لِذا لا تَنحَصِرُ الوَظائِفُ الَّتي تَستَنِدُ إلى احتِرامِ النّاسِ وطاعَتِهِم في وَظائِفَ اجتِماعِيّةٍ وسِياسِيّةٍ وعَسكَرِيّةٍ تَخُصُّ حَياةَ الأُمّةِ الدُّنيَوِيّةِ؛ إذ كما أنَّ تَزوِيدَ المُسافِرِينَ بتَذاكِرِ سَفَرٍ وجَوازِ مُرُورِ هو وَظِيفةٌ، فإنَّ مَنْحَ وَثيقةِ سَفَرٍ لِلمُسافِرِينَ إلى دِيارِ الأَبدِ ومُناوَلَتَهُم نُورًا لِتَبدِيدِ ظُلُماتِ الطَّرِيقِ وَظِيفةٌ جَلِيلةٌ، بحَيثُ لا تَرقَى أيّةُ وَظِيفةٍ أُخرَى إلى أَهَمِّيَّتِها.. فإِنكارُ وَظِيفةٍ جَلِيلةٍ كهذه لا يُمكِنُ إلّا بإِنكارِ المَوتِ، وبتَكذِيبِ شَهادةِ ثَلاثِينَ أَلفَ جِنازةٍ يَومِيًّا تُصَدِّقُ دَعوَى: أنَّ المَوتَ حَقٌّ.</p>
<p>فما دامَت هُنالِك وَظائِفُ مَعنَوِيّةٌ تَستَنِدُ إلى حاجاتٍ ضَرُورِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ، وأنَّ أَهَمَّ تلك الوَظائِفِ هي <strong>الإِيمانُ وتَقوِيَتُه والإِرشادُ إلَيْه</strong>، إذ هو جَوازُ سَفَرٍ في طَرِيقِ الأَبدِيّةِ ومِصباحُ القَلبِ في ظُلُماتِ البَرزَخِ، ومِفتاحُ دارِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ.. فلا شَكَّ أنَّ الَّذي يُؤَدِّي تلك الوَظِيفةَ -وَظِيفةَ الإِيمانِ- مِن أَهلِ المَعرِفةِ لا يَبخَسُ قِيمةَ النِّعمةِ الَّتي أَنعَمَ اللهُ علَيْه كُفْرانًا بها، ولا يُهَوِّنُ مِن فَضِيلةِ الإِيمانِ الَّتي مَنَحَه اللهُ إيّاها، ولا يَتَردَّى إلى دَرَكِ السُّفَهاءِ والفَسَقةِ، ولا يُلَوِّثُ نَفسَه بسَفاهةِ السّافِلِينَ وبِدَعِهِم؛ فالِانزِواءُ واعتِزالُ النّاسِ الَّذي لا يَرُوقُ لكُم وحَسِبتُمُوه مُخالِفًا لِلمُساواةِ إنَّما هو لِأَجلِ هذا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أعرف نفسي]</h4>
<p>ومعَ هذه الحَقِيقةِ، فلا أُخاطِبُ بكَلامِي هذا أُولَئِك الَّذِينَ يُذِيقُونَنِي العَنَتَ بتَعذِيبِهِم إِيّايَ، مِن أَمثالِكُمُ المُتَكبِّرِينَ المُغتَرِّينَ بنُفُوسِهِم كَثِيرًا حتَّى بلَغُوا الفِرعَونيّةَ في نَقضِ هذا القانُونِ: قانُونِ المُساواةِ، إذ يَنبَغِي عَدَمُ التَّواضُعِ أَمامَ المُتَكبِّرِينَ لِمَا يُظَنُّ تَذَلُّلًا لَهُم، وإنَّما أُخاطِبُ المُنصِفِينَ المُتَواضِعِينَ العادِلِينَ مِن أَهلِ الحُكمِ فأَقُولُ:</p>
<p>إنَّني -وللهِ الحَمدُ- <strong>على مَعرِفةٍ بقُصُورِي وعَجزِي</strong>، فلا أَدَّعِي مُستَعلِيًا على المُسلِمِينَ مَقامًا لِلِاحتِرامِ! بل أُبصِرُ بفَضلِ اللهِ تَقصِيراتِي الَّتي لا تُحَدُّ، وأَعلَمُ يَقِينًا أنِّي لَستُ على شَيءٍ يُذكَرُ، فأَجِدُ السُّلوانَ والعَزاءَ في الِاستِغفارِ ورَجاءِ الدُّعاءِ مِنَ النّاسِ، لا الْتِماسِ الِاحتِرامِ مِنهُم؛ وأَعتَقِدُ أنَّ سُلُوكي هذا مَعرُوفٌ لَدَى أَصدِقائي كُلِّهِم.. إلّا أنَّ هُنالِك أَمرًا، وهُو أنَّني <strong>أَتقَلَّدُ مُوَقَّتًا وَضْعًا عَزِيزًا يَتَطلَّبُه مَقامُ عِزّةِ العِلمِ ووَقارِه، وذلك أَثناءَ القِيامِ بخِدمةِ القُرآنِ ودَرسِ حَقائِقِ الإِيمانِ،</strong> أَتقَلَّدُه مُوَقَّتًا في سَبِيلِ تلك الحَقائِقِ وشَرَفِ القُرآنِ، ولِأَجلِ أَلّا أَحنِيَ رَأسِي لِأَهلِ الضَّلالةِ.. أَعتَقِدُ أنَّه ليس في طَوقِ قَوانِينِ أَهلِ الدُّنيا مُعارَضةُ هذه النِّقاطِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[معاملة تثير الحيرة]</h4>
<p><strong>مُعامَلةٌ تَجلُبُ الحَيرةَ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ أَهلَ العِلمِ والمَعرِفةِ في كلِّ مَكانٍ -كما هو مَعلُومٌ- يَزِنُونَ الأُمُورَ بمِيزانِ العِلمِ والمَعرِفةِ، فأَينَما وَجَدُوا مَعرِفةً وفي أيِّ شَخصٍ تَلَمَّسُوا عِلمًا، يُولُونَ له الِاحتِرامَ ويَعقِدُونَ معَه الصَّداقةَ باعتِبارِ مَسلَكِ العِلمِ؛ بل حتَّى لو قَدِمَ عالِمٌ -برُوفِّسُور- لِدَوْلةٍ عَدُوّةٍ لنا إلى هذه البِلادِ، لَزارَه أَهلُ المَعرِفةِ وأَصحابُ العُلُومِ، وقَدَّرُوه واحتَرَمُوه لِعِلمِه ومَعرِفَتِه.</p>
<p>والحالُ أنَّه عِندَما طَلَب أَعلَى مَجلِسٍ عِلمِيٍّ كَنَسِيٍّ إِنكليزِيٍّ مِنَ المَشْيَخةِ الإِسلامِيّةِ الإِجابةَ عن سِتّةِ أَسئِلةٍ بسِتِّ مِئةِ كَلِمةٍ، قامَ أَحَدُ أَهلِ العِلمِ -الَّذي تَلَقَّى عَدَمَ الِاحتِرامِ مِن قِبَلِ أَهلِ العِلمِ في هذه البِلادِ- بالإِجابةِ عن تلك الأَسئِلةِ بسِتِّ كَلِماتٍ حتَّى نالَت إِجابَتُه التَّقدِيرَ والإِعجابَ.. وهُو الَّذي قاوَمَ بالعِلمِ الحَقِيقيِّ والمَعرِفةِ الصَّائِبةِ أَهَمَّ دَساتِيرِ الأَجانِبِ وأُسُسَ حُكَمائِهِم وتَغَلَّبَ علَيْهِم.</p>
<p>وهُو الَّذي تَحَدَّى فَلاسِفةَ أَورُوبّا استِنادًا إلى ما اسْتَلهَمَه مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ مِن قُوّةِ المَعرِفةِ والعِلمِ.</p>
<p>وهُو الَّذي دَعا العُلَماءَ وأَهلَ المَدارِسِ الحَدِيثةِ في إسطَنبُولَ -قَبلَ إِعلانِ الحُرِّيّةِ بسِتّةِ شُهُورٍ- إلى المُناظَرةِ والمُناقَشةِ، فأَجابَ عن جَمِيعِ استِفساراتِهِم إِجابةً شافِيةً صائِبةً دُونَ أن يَسأَلَ أَحَدًا شَيئًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p>وهُو الَّذي وَقَفَ حَياتَه لِإسعادِ هذه الأُمّةِ، فنَشَر مِئاتِ الرَّسائِلِ بِلُغَتِها -اللُّغةِ التُّركِيّةِ- ونَوَّرَهُم بها.</p>
<p>هذا الَّذي قامَ بهذه الأَعمالِ، وهُو ابنُ هذا الوَطَنِ، والصَّدِيقُ لِأَهلِه، والأَخُ في الدِّينِ، فقابَلَه قِسمٌ مِن مُوَظَّفِي وِزارةِ المَعارِفِ معَ عَدَدٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ الرَّسمِيِّينَ بالِاضطِهادِ وإِضمارِ العَداءِ نَحوَه، بل أُهِينَ.</p>
<p>فتَعالَ، وتَأَمَّلْ هذه الحالةَ! ماذا تُسَمِّيها؟ أهِي مَدَنيّةٌ وحَضارةٌ؟ أم هي مَحَبّةٌ لِلعِلمِ والمَعرِفةِ؟ أم هي وَطَنِيّةٌ؟ أم هي قَومِيّةٌ؟ أم هي دَعوةٌ إلى التَّمَسُّكِ بأَهدافِ الجُمهُورِيّةِ؟!</p>
<p>حاشَ للهِ وكَلّا.. لا شَيءَ مِن هذا قَطُّ!</p>
<p>بل هي قَدَرٌ إِلٰهِيٌّ عادِلٌ أَظهَرَ مِن أَهلِ العِلمِ العَداءَ لِذلِك الشَّخصِ فيما كان يَتَوقَّعُ الصَّداقةَ مِنهُم لِكَيْلا يَدخُلَ في عِلمِه الرِّياءُ بسَبَبِ تَوَقُّعِ الِاحتِرامِ، ولِيَفُوزَ بالإِخلاصِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خاتمة: اعتداء عليّ يستوجب الشكر]</h3>
<p><strong>الخاتمة</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>اعتِداءٌ مُحَيِّرٌ لي يُوجِبُ الشُّكرانَ!</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ أَهلَ الدُّنيا المُتَكبِّرِينَ المَغرُورِينَ غُرُورًا فَوقَ المُعتادِ، لَهُم حَساسِيّةٌ شَدِيدةٌ في مَعرِفةِ الأَنانيّةِ والغُرُورِ، بحَيثُ لو كانَت تلك المُعامَلةُ بشُعُورٍ مِنهُم لَكانَت تُعَدُّ كَرامةً أو دَهاءً عَظِيمًا.. وهِي كالآتِي:</p>
<p>إنَّ ما لا تَشعُرُ به نَفسِي وعَقلِي مِن حالةِ غُرُورٍ جُزئيّةٍ مُتَلَبِّسةٍ بالرِّياءِ، كأنَّهُم يَشعُرُونَ بها بمِيزانِ غُرُورِهِم وتَكبُّرِهِم الحَسّاسِ، فيُجابِهُونَ غُرُورِي الَّذي لا أَشعُرُ به.</p>
<p>ففي غُضُونِ هذه السِّنِينَ التِّسعِ تَقرِيبًا لي ما يُقارِبُ التِّسعَ مِنَ التَّجارِبِ، إذ إنَّني عَقِبَ مُعامَلَتِهِمُ الجائِرةِ نَحوِي، كُنتُ أُفكِّرُ في القَدَرِ الإِلٰهِيِّ وأقُولُ: لِماذا سَلَّط القَدَرُ الإِلٰهِيُّ هَؤُلاءِ عَلَيَّ؟ فأَتَحرَّى بهذا السُّؤالِ عن دَسائِسِ نَفسِي؛ ففي كلِّ مَرّةٍ كُنتُ أَفهَمُ أنَّ نَفسِي إمّا أنَّها مالَت فِطْرِيًّا إلى الغُرُورِ والتَّكبُّرِ مِن غَيرِ شُعُورٍ مِنِّي، أو أنَّها غَرَّتْني على عِلمٍ.. فكُنتُ أَقُولُ حِينَذاك: إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ قد عَدَل في حَقِّي مِن خِلالِ ظُلمِ أُولَئِك الظّالِمِينَ.</p>
<p>فمِنها أنَّه في هذا الصَّيفِ، أَركَبَني أَصدِقائِي حِصانًا جَمِيلًا، فذَهَبتُ به إلى مُتَنَزَّهٍ، وما إن تَنبَّهَت رَغبةٌ في نَفسِي نَحوَ أَذواقٍ دُنيَوِيّةٍ مَشُوبةٍ بالغُرُورِ مِن غَيرِ شُعُورٍ مِنِّي حتَّى تَعَرَّضَ أَهلُ الدُّنيا لِتِلك الرَّغبةِ بشِدّةٍ، بحَيثُ قَطَعُوا دابِرَها بل دابِرَ كَثِيرٍ مِن رَغَباتٍ أُخرَى في النَّفسِ.</p>
<p>وفي هذه المَرّةِ، بعدَ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وفي جَوٍّ مِن إِخلاصِ الإِخوةِ الكِرامِ وتَقْواهُم واحتِرامِ الزّائِرِينَ وحُسنِ ظَنِّهِم، عَقِبَ الِالتِفاتِ الَّذي أَوْلاه إِمامٌ عَظِيمٌ سامٍ مِنَ السَّابِقِينَ نَحوَنا بكَرامةٍ غَيبِيّةٍ، رَغِبَتْ نَفسِي في أن تَتَقلَّدَ -دُونَ شُعُورٍ مِنِّي- حالةَ غُرُورٍ مَمزُوجٍ بالرِّياءِ، فأَبدَتْ رَغْبَتَها مُفتَخِرةً تَحتَ سِتارِ الشُّكرِ، وفي هذه الأَثناءِ تَعَرَّض لي فَجْأةً أَهلُ الدُّنيا بحَساسِيّةٍ شَدِيدةٍ، حتَّى كأنَّها تَتَحسَّسُ ذَرّاتِ الرِّياءِ.</p>
<p>فإِلى المَولَى القَدِيرِ أَبتَهِلُ شاكِرًا لِأَنعُمِه، إذ أَصبَحَ ظُلمُ هَؤُلاءِ وَسِيلةً لِلإِخلاصِ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿اللَّهُمَّ يا حافِظُ يا حَفِيظُ يا خَيرَ الحافِظِينَ، احفَظْني واحْفَظْ رُفَقائِي مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ، ومِن شَرِّ أَهلِ الضَّلالةِ وأَهلِ الطُّغيانِ.</p>
<p style="text-align: center;">آمين.. آمين.. آمين.﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;يقولُ &#8220;سَعِيدٌ الجَدِيدُ&#8221;: أنا لا أُشارِكُ &#8220;سَعِيدًا القَدِيمَ&#8221; في أَقوالِه هذه الَّتي يقُولُها في هذا المَقامِ مُفتَخِرًا، بَيْدَ أنِّي لا أَستَطِيعُ أن أُسكِتَه لِأنِّي قد أَعطَيتُه حقَّ الكَلامِ في هذه الرِّسالةِ، بل أُوثِرُ جانِبَ الصَّمتِ نحوَه كي يُبدِيَ شَيئًا مِن فَخرِه أَمامَ المُتكبِّرينَ.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2500</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة الحادية والعشرون: الإخلاص (2)</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25a7%25d8%25af%25d9%258a%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a5%25d8%25ae%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25b5-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 24 Mar 2025 15:45:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2495</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة هي لمعة الإخلاص الثانية، وتتحدث عن دساتير الإخلاص والسبيل إلى نَيله والموانع التي تَحول دونه أو تفسده] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة الحادية والعشرون]   اللمعة الحادية والعشرون‌ تَخُصُّ الإخلاصَ‌ كانت هذه اللَّمعةُ المَسألةَ الرَّابعةَ مِنَ المَسائلِ السَّبْعِ لِلمُذكِّرة السّابعةَ عَشْرةَ مِن &#8220;اللَّمْعة السّابِعةَ عَشْرةَ&#8221; إلّا أنها أَصبَحَت &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة هي لمعة الإخلاص الثانية، وتتحدث عن دساتير الإخلاص والسبيل إلى نَيله والموانع التي تَحول دونه أو تفسده]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2496" aria-describedby="caption-attachment-2496" style="width: 474px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-2496 size-full" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/‏‏cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-نسخة.jpg" alt="دُستُورُكُم الأوَّل:‌ اِبتِغاءُ مَرْضاةِ اللهِ في عَمَلِكُم، فإذا رَضِيَ هُو سُبحانَه فلا قِيمةَ لِإِعراضِ العالَمِ أَجْمَعَ ولا أَهَمِّيّةَ له، وإذا ما قَبِل هُو سُبحانَه فلا تَأْثِيرَ لِرَدِّ النّاسِ أَجمَعِينَ، وإذا أَرادَ هُو سُبحانَه واقْتَضَتْه حِكْمَتُه بَعدَما رَضِيَ وقَبِلَ العَمَلَ، جَعَلَ النَّاسَ يَقبَلُونَه ويَرضَوْن به وإن لم تَطْلُبُوه أَنتُم، لِذا يَنبَغِي جَعْلُ رِضَا اللهِ وَحْدَه دُونَ سِواه القَصْدَ الأَساسَ في هذه الخِدْمةِ.. خِدْمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ." width="474" height="474" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/‏‏cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-نسخة.jpg 474w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/‏‏cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-نسخة-300x300.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/‏‏cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-نسخة-150x150.jpg 150w" sizes="(max-width: 474px) 100vw, 474px" /><figcaption id="caption-attachment-2496" class="wp-caption-text"><strong>دُستُورُكُم الأوَّل</strong>:‌ اِبتِغاءُ مَرْضاةِ اللهِ في عَمَلِكُم، فإذا رَضِيَ هُو سُبحانَه فلا قِيمةَ لِإِعراضِ العالَمِ أَجْمَعَ ولا أَهَمِّيّةَ له، وإذا ما قَبِل هُو سُبحانَه فلا تَأْثِيرَ لِرَدِّ النّاسِ أَجمَعِينَ، وإذا أَرادَ هُو سُبحانَه واقْتَضَتْه حِكْمَتُه بَعدَما رَضِيَ وقَبِلَ العَمَلَ، جَعَلَ النَّاسَ يَقبَلُونَه ويَرضَوْن به وإن لم تَطْلُبُوه أَنتُم، لِذا يَنبَغِي جَعْلُ رِضَا اللهِ وَحْدَه دُونَ سِواه القَصْدَ الأَساسَ في هذه الخِدْمةِ.. خِدْمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة الحادية والعشرون]</h1>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة الحادية والعشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>تَخُصُّ الإخلاصَ</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كانت هذه اللَّمعةُ المَسألةَ الرَّابعةَ مِنَ المَسائلِ السَّبْعِ لِلمُذكِّرة السّابعةَ عَشْرةَ مِن &#8220;اللَّمْعة السّابِعةَ عَشْرةَ&#8221; إلّا أنها أَصبَحَت النُّقطةَ الثَّانية مِن &#8220;اللَّمْعة العِشرين&#8221; لِمُناسَبة مَوضُوعِها -الإخلاص- وبِناءً على نُورانيَّتِها صارَتِ &#8220;اللَّمْعةَ الحادِيةَ والعِشرِين&#8221;، فدَخَلَت في كِتابِ &#8220;اللَّمَعات&#8221;.‌</p>
<p style="text-align: center;">  (تُقرَأُ هذه اللَّمْعةُ كلَّ خَمسةَ عَشَرَ يَوْمًا في الأَقَلِّ)‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[شرف الإخلاص وأهميته]</h2>
<p>يا إِخوةَ الآخِرةِ، ويا أَصحابي في خِدْمةِ القُرآنِ.. اِعْلَمُوا -وأَنتُم تَعلَمُون- أنَّ الإِخلاصَ في الأَعمالِ ولا سِيَّما الأُخرَوِيّةِ مِنها، هو أَهَمُّ أَساسٍ، وأَعظَمُ قُوّةٍ، وأَرجَى شَفِيعٍ، وأَثبَتُ مُرتَكَزٍ، وأَقصَرُ طَرِيقٍ لِلحَقِيقةِ، وأَبَرُّ دُعاءٍ مَعنَوِيٍّ، وأَكرَمُ وَسِيلةٍ للمَقاصِدِ، وأَسمَى خَصْلةٍ، وأَصْفَى عُبُودِيّةٍ.</p>
<p>فما دامَ في الإِخلاصِ أَنوارٌ مُشِعَّةٌ، وقُوًى رَصِينةٌ كَثِيرةٌ أَمثالَ هذه الخَواصِّ.. وما دامَ الإِحسانُ الإِلٰهِيُّ قد أَلقَى على كاهِلِنا مُهِمَّةً مُقَدَّسةً ثَقِيلةً، وخِدْمةً عامّةً جَلِيلةً، تلك هي وَظِيفةُ الإيمانِ وخِدمةُ القُرآنِ.. ونَحنُ في غايةِ القِلَّةِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، ونُواجِهُ أَعداءً أَلِدّاءَ ومُضايَقاتٍ شَدِيدةً، وتُحِيطُ بِنا البِدَعُ والضَّلالاتُ الَّتي تَصُولُ وتَجُولُ في هذا العَصْرِ العَصِيبِ.. فلا مَناصَ لَنا إلّا بِبَذْلِ كلِّ ما في وُسْعِنا مِن جُهدٍ وطاقةٍ كي نَظْفَرَ بالإِخلاصِ. فنحنُ مُضطَرُّون إلَيْه، بل مُكَلَّفُون به تَكْلِيفًا، وأَحْوَجُ ما نكُونُ إلى تَرسِيخِ سِرِّ الإِخلاصِ في ذَواتِنا، إذ لو لم نَفُزْ به لَضاعَ مِنّا بعضُ ما كَسَبناه مِنَ الخِدْمةِ المُقَدَّسةِ -لِحَدِّ الآنَ- ولَمَا دامَت ولا استَمَرَّت خِدْمَتُنا، ثمَّ نُحاسَبُ علَيْها حِسابًا عَسِيرًا، حيثُ نكُونُ مِمَّن يَشمَلُهُمُ النَّهْيُ الإِلٰهِيُّ وتَهدِيدُه الشَّدِيدُ في قَوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وبإِخْلالِنا بالإِخلاصِ على حِسابِ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، لِأَجْلِ مَطامِعَ دُنيَوِيّةٍ دَنِيئةٍ، مَقِيتةٍ، مُضِرّةٍ، مُكَدِّرةٍ، لا طائِلَ مِن وَرائِها ولا فائِدةَ، إِرضاءً لِمَنافِعَ شَخصِيّةٍ جُزئيّةٍ تافِهةٍ، أَمثالَ الإِعجابِ بالنَّفْسِ والرِّياءِ، ونكُونُ أَيضًا مِنَ المُتجاوِزِين على حُقُوقِ إِخوانِنا في هذه الخِدْمةِ ومِنَ المُتَعَدِّين على نَهْجِ الخِدْمةِ القُرآنيّةِ، ومِنَ الَّذين أَساؤُوا الأَدَبَ فلم يَقدُرُوا قُدسِيَّةَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ وسُمُوَّها حَقَّ قَدْرِها.</p>
<p>فيا إِخْوَتِي، إنَّ الأُمُورَ المُهِمّةَ لِلخَيرِ والدُّرُوبَ العَظِيمةِ للصَّلاحِ، تَعتَرِضُها مَوانِعُ وعَقَباتٌ مُضِرّةٌ كَثِيرةٌ؛ فالشَّياطِينُ يُجهِدُونَ أَنفُسَهُم لِكَيْدِ خُدَّامِ تلك الدَّعوةِ المُقَدَّسةِ، لِذا يَنبَغِي الِاستِنادُ إلى الإِخلاصِ والِاطمِئْنانُ إلَيْه، لِدَفْعِ تلك المَوانِعِ وصَدِّ تلك الشَّياطِينِ. فاجْتَنِبُوا -يا إِخْوَتِي- الأَسبابَ الَّتي تَقْدَحُ بالإِخلاصِ وتَثْلِمُه كما تَجتَنِبُون العَقارِبَ والحَيَّاتِ، فلا وُثُوقَ بالنَّفْسِ الأَمّارةِ ولا اعتِمادَ علَيْها قَطُّ، كما جاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ على لِسانِ سَيِّدِنا يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، فلا تَخْدَعَنَّـكُمُ الأَنانِيّةُ والغُرُورُ ولا النَّفْسُ الأَمّارةُ بالسُّوءِ أَبَدًا.</p>
<h2 style="text-align: center;">[دساتير الإخلاص]</h2>
<p>ولِأَجْلِ الوُصُولِ إلى الظَّفَرِ بالإِخلاصِ ولِلحِفاظِ علَيْه، ولِدَفْعِ المَوانِعِ وإِزالَتِها، اجْعَلُوا الدَّساتِيرَ الآتِيةَ رائِدَكُم:</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدستور الأول: ابتغوا مرضاةَ الله وحدَه]</h3>
<p><strong>دُستُورُكُم الأوَّل:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>اِبتِغاءُ مَرْضاةِ اللهِ في عَمَلِكُم، فإذا رَضِيَ هُو سُبحانَه فلا قِيمةَ لِإِعراضِ العالَمِ أَجْمَعَ ولا أَهَمِّيّةَ له، وإذا ما قَبِل هُو سُبحانَه فلا تَأْثِيرَ لِرَدِّ النّاسِ أَجمَعِينَ، وإذا أَرادَ هُو سُبحانَه واقْتَضَتْه حِكْمَتُه بَعدَما رَضِيَ وقَبِلَ العَمَلَ، جَعَلَ النَّاسَ يَقبَلُونَه ويَرضَوْن به وإن لم تَطْلُبُوه أَنتُم، لِذا يَنبَغِي جَعْلُ رِضَا اللهِ وَحْدَه دُونَ سِواه القَصْدَ الأَساسَ في هذه الخِدْمةِ.. خِدْمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدستور الثاني: لا تنتقدوا إخوانكم]</h3>
<p><strong>دُستُورُكُم الثَّاني:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هُو عَدَمُ انتِقادِ إِخوانِكُمُ العامِلِين في هذه الخِدْمةِ القُرآنِيّةِ، وعَدَمُ إِثارةِ نَوازِعِ الغِبطة بالتَّفاخُرِ والِاستِعلاءِ، لِأَنَّه كما لا تَحاسُدَ في جِسْمِ الإِنسانِ بَينَ اليَدَينِ، ولا انتِقادَ بَينَ العَيْنَينِ، ولا يَعتَرِضُ اللِّسانُ على الأُذُنِ، ولا يَرَى القَلْبُ عَيْبَ الرُّوحِ، بل يُكَمِّلُ كُلٌّ مِنها نَقْصَ الآخَرِ ويَستُرُ تَقْصِيرَه ويَسعَى لِحاجَتِه، ويُعاوِنُه في خِدْمَتِه؛ وإلّا انْطَفَأَت حَياةُ ذلك الجَسَدِ، ولَغادَرَتْه الرُّوحُ وتَمَزَّقَ الجِسْمُ..</p>
<p>وكما لا تَنافُسَ بَينَ تُرُوسِ المَعْمَلِ ودَوالِيبِه، ولا يَتَقدَّمُ بَعضُها على بَعضٍ ولا يَتَحَكَّمُ، ولا يَدْفَعُ أَحَدُها الآخَرَ إلى التَّعَطُّل بالنَّقْدِ والتَّجْرِيحِ وتَتَبُّعِ العَوْراتِ والنَّقائِصِ، ولا يُثَبِّطُ شَوْقَه إلى السَّعْيِ، بل يُعاوِنُ كُلٌّ مِنها الآخَرَ بكُلِّ ما لَدَيْه مِن طاقةٍ، مُوَجِّهًا حَرَكاتِ التُّرُوسِ والدَّوالِيبِ إلى غايَتِها المَرْجُوّةِ، فيَسِيرُ الجَمِيعُ إلى ما أُوجِدُوا لِأَجْلِه، بالتَّسانُدِ التّامِّ والِاتِّفاقِ الكامِل، بحَيثُ أنَّه لو تَدَخَّلَ شَيءٌ غَرِيبٌ أو تَحَكَّم في الأَمرِ -ولو بمِقْدارِ ذَرّةٍ- لَاخْتَلَّ المَعْمَلُ وأَصابَه العَطَبُ، ولَقامَ صاحِبُه بدَوْرِه بتَشْتِيتِ أَجْزائِه وتَقْوِيضِه مِنَ الأَساسِ.</p>
<p>فيا طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ ويا خُدَّامَ القُرآنِ، نحنُ جَمِيعًا أَجزاءٌ وأَعضاءٌ في شَخْصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ جَدِيرةٍ بأن يُطْلَق علَيْها: &#8220;الإنسانُ الكامِلُ&#8221;.. ونحنُ جَمِيعًا بمَثابةِ تُرُوسِ ودَوالِيبِ مَعْمَلٍ يَنسُجُ السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ في حَياةٍ خالِدةٍ، ونَحنُ خُدَّامٌ عامِلُون في سَفِينةٍ رَبّانيّةٍ تَسِيرُ بالأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ إلى شاطِئِ السَّلامةِ وهي دارُ السَّلامِ.</p>
<p>فنَحنُ إذًا بحاجةٍ ماسّةٍ بل مُضْطَرُّون إلى الِاتِّحادِ والتَّسانُدِ التّامِّ وإلى الفَوْزِ بسِرِّ الإِخلاصِ الَّذي يُهَيِّئُ قُوّةً مَعنَوِيّةً بمِقْدارِ أَلفٍ ومِئةٍ وأَحَدَ عَشَرَ &#8220;١١١١&#8221; ناتِجةٍ مِن أَربَعةِ أَفرادٍ. نعم، إنْ لم تَتَّحِدْ ثَلاثُ &#8220;أَلِفاتٍ&#8221; فستَبْقَى قِيمَتُها ثَلاثًا فقط، أمّا إذا اتَّحَدَت وتَسانَدَت بسِرِّ العَدَدِيّةِ، فإنَّها تَكْسِبُ قِيمةَ مِئةٍ وأَحَدَ عَشَرَ &#8220;١١١&#8221;، وكذا الحالُ في أَربَعِ &#8220;أَرْبَعاتٍ&#8221; عِندَما تُكتَبُ كلُّ &#8220;٤&#8221; مُنفَرِدةً عنِ البَقِيّةِ فإنَّ مَجمُوعَها &#8220;١٦&#8221;، أمّا إذا اتَّحَدَت هذه الأَرقامُ واتَّفَقَت بسِرِّ الأُخُوّةِ ووَحْدةِ الهَدَفِ والمُهِمّةِ الواحِدةِ على سَطْرٍ واحِدٍ، فعِندَها تَكْسِبُ قِيمةَ أَربَعةِ آلافٍ وأَربَعِ مِئةٍ وأَربَع وأَربَعِين &#8220;٤٤٤٤&#8221; وقُوَّتَها. هُناك شَواهِدُ ووَقائِعُ تارِيخِيّةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا أَثبَتَت أنَّ سِتّةَ عَشَرَ شَخْصًا مِنَ المُتَآخِين المُتَّحِدِين المُضَحِّين بسِرِّ الإِخلاصِ التّامِّ تَزِيدُ قُوَّتُهُمُ المَعنَوِيّةُ وقِيمَتُهُم على أَربَعةِ آلافِ شَخْصٍ.</p>
<p>أمَّا حِكْمةُ هذا السِّرِّ فهي أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن عَشَرةِ أَشخاصٍ مُتَّفِقِين حَقِيقةً يُمكِنُه أن يَرَى بعُيُونِ سائِرِ إِخوانِه ويَسْمَعَ بآذانِهِم. أي: إنَّ كُلًّا مِنهُم يكُونُ لَه مِنَ القُوّةِ المَعنَوِيّةِ والقِيمةِ ما كأَنَّه يَنظُرُ بعِشْرِين عَيْنًا ويُفَكِّرُ بعَشَرةِ عُقُولٍ ويَسمَعُ بعِشْرِين أُذُنًا ويَعمَلُ بعِشْرِين يَدًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدستور الثالث: قوتكم في الإخلاص والحق]</h3>
<p><strong>دُستُورُكُمُ الثّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>اِعْلَمُوا أنَّ قُوَّتَكُم جَمِيعًا في الإِخلاصِ والحَقِّ.</p>
<p>نعم، إنَّ القُوّةَ في الحَقِّ والإِخلاصِ، حتَّى إنَّ أَهلَ الباطِلِ يُحرِزُون القُوّةَ لِما يُبْدُون مِن ثَباتٍ وإِخلاصٍ في باطِلِهِم.</p>
<p>نعم، إنَّ خِدْمَتَنا هذه في سَبِيل الإيمانِ والقُرآنِ هي دَليلٌ بذاتِها على أنَّ القُوّةَ في الحَقِّ والإِخلاصِ، فشَيءٌ يَسِيرٌ مِنَ الإِخلاصِ في سَبِيلِ هذه الخِدْمةِ يُثبِتُ دَعْوانا هذه ويكُونُ دَليلًا على نَفسِه، ذلك لِأَنَّ ما قُمْنا به في أَزْيَدَ مِن عِشرِين سَنةً في مَدِينَتِي وفي إِستانبُولَ مِن خِدْمةٍ في سَبِيلِ الدِّينِ والعُلُومِ الشَّرعِيّةِ، قد قُمْنا معَكُم بأَضعافِه مِئةَ مَرّةٍ هُنا في غُضُونِ ثَماني سَنَواتٍ، عِلْمًا بأنَّ الَّذين كانُوا يُعاوِنُونَني هُناك هُم أَكثَرُ مِئةَ مَرّةٍ بل أَلْفَ مَرّةٍ مِمَّن يُعاوِنُونَني هُنا.</p>
<p>إنَّ خِدْماتِنا هُنا في ثَماني سَنَواتٍ معَ أنَّني وَحِيدٌ غَرِيبٌ شِبْهُ أُمِّيٍّ وتَحتَ رَقابةِ مُوَظَّفِين لا إِنصافَ لَهُم وتَحتَ مُضايَقاتِهم قد أَكْسَبَتْنا بفَضْلِ اللهِ قُوّةً مَعنَوِيّةً أَظهَرَتِ التَّوفِيقَ والفَلاحَ بمِئةِ ضِعْفٍ مِمّا كان علَيْه سابِقًا، لِذا حَصَلَت لَدَيَّ قَناعةٌ تامّةٌ أنَّ هذا التَّوفِيقَ الإِلٰهِيَّ ليس إلّا مِن صَمِيمِ إِخلاصِكُم؛ وإنَّني أَعتَرِفُ بأنَّكُم أَنقَذْتُمُوني بإِخلاصِكُمُ التّامِّ مِنَ الرِّياءِ بدَرَجةٍ مّا، ذلك الدّاءِ الوَبِيلِ الَّذي يُداعِبُ النَّفْسَ تَحتَ سِتارِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ.. نَسأَلُ اللهَ أن يُوَفِّقَكُم جَمِيعًا إلى الإِخلاصِ الكامِلِ وتُدْخِلُوني فيه مَعَكُم.</p>
<p>تَعلَمُون أنَّ الإمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ والشَّيخَ الكَيلانِيَّ (قَدَّسَ اللهُ سِرَّه)، قد تَوَجَّها إلَيْكُم ونَظَرا بعَيْنِ اللُّطْفِ والِاهتِمامِ والتَّسلِيةِ في كَراماتِهِما الخارِقةِ، ويُبارِكانِ خِدْماتِكُم مَعنًى؛ فلا يُساوِرَنَّـكُمُ الشَّكُّ في أنَّ ذلك التَّوَجُّهَ والِالتِفاتَ والتَّسْلِيةَ ليس إلّا بما تَتَمتَّعُون به مِن إِخلاصٍ، فإن أَفْسَدتُم هذا الإِخلاصَ مُتَعمِّدِين، تَستَحِقُّون إذًا لَطَماتِهما..</p>
<p>تَذَكَّرُوا دائِمًا &#8220;لَطَماتِ الرَّأْفةِ والرَّحْمةِ&#8221; الَّتي في &#8220;اللَّمْعةِ العاشِرةِ&#8221;، ولو أَرَدتُم أن يَظَلَّ هذانِ الفاضِلانِ أُستاذَينِ وظَهِيرَينِ مَعنَوِيَّينِ لَكُم فاظْفَرُوا بالإِخلاصِ الأَتَمِّ بامتِثالِكُمُ الآيةَ الكَرِيمةَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: علَيكُم أن تُفَضِّلُوا إِخوانَكُم على أَنفُسِكُم في المَراتِبِ والمَناصِبِ والتَّـكْرِيمِ والتَّوَجُّه، حتَّى في المَنافِعِ المادِّيّةِ الَّتي تَهَشُّ لَها النَّفسُ وتَرْتاحُ إلَيْها، بل في تلك المَنافِعِ الَّتي هي خالِصةٌ زَكِيّةٌ كتَبلِيغِ حَقِيقةٍ إِيمانِيّةٍ لِمُؤمِنٍ يَحتاجُها، فلا تَتَطَلَّعُوا ما استَطعْتُم أن يَتِمَّ ذلك بأَيدِيكُم، بلِ ارْضَوْا واطْمَئِنُّوا أن يَتِمَّ ذلك بِيَدِ صَدِيقٍ آخَرَ لا يتَطَلَّعُ إلى ذلك، لِئَلّا يَتَسرَّبَ الإِعجابُ إلى أَنفُسِكُم؛ ورُبَّما يكُونُ لَدَى أَحَدِكُمُ التَّطَلُّعُ للفَوْزِ بالثَّوابِ وَحْدَه، فيُحاوِلُ أن يُبيِّنَ أَمْرًا مُهِمًّا في الإِيمانِ بنَفْسِه، فرَغْمَ أنَّ هذا لا إِثْمَ فيه ولا ضَرَرَ، إِلّا أنَّه قد يُعَكِّرُ صَفْوَ الإِخلاصِ فيما بَينَكُم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الدستور الرابع: افتخروا بمزايا إخوانكم]</h3>
<p><strong>دُستُورُكُم الرَّابعُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هو الِافتِخارُ شاكِرِين بمَزايا إِخْوانِكُم، وتَصَوُّرُها في أَنفُسِكُم، وعَدُّ فَضائِلِهم في ذَواتِكُم.</p>
<p>هُنالِك اصطِلاحاتٌ تَدُورُ بينَ المُتَصوِّفةِ أَمثالَ: &#8220;الفَناءِ في الشَّيخِ&#8221;، &#8220;الفَناءِ في الرَّسُولِ&#8221;، وأنا لَستُ صُوفِيًّا، ولكنَّ &#8220;الفَناءَ في الإِخوانِ&#8221; دُستُورٌ جَمِيلٌ يُناسِبُ مَسْلَكَنا ومَنهَجَنا تَمامًا، أي: أن يَفنَى كلٌّ في الآخَرِ، أي: أن يَنسَى كلُّ أَخٍ أَحاسِيسَه النَّفسانيّةَ، ويَعِيشَ فِكْرًا معَ مَزايا إِخوانِه وأَحاسِيسِهِم، حَيثُ إنَّ أَساسَ مَسْلَكِنا ومَنهَجِنا هو &#8220;الأُخُوّةُ&#8221; في اللهِ، وأنَّ العَلاقاتِ الَّتي تَربِطُنا هي الأُخُوّةُ الحَقِيقيّةُ، ولَيسَت عَلاقةَ الأَبِ معَ الِابنِ ولا عَلاقةَ الشَّيخِ معَ المُرِيدِ؛ وإن كان لا بُدَّ فمُجَرَّدُ العَلاقةِ بالأُستاذِ.</p>
<p>وما دامَ مَسْلَكُنا هو &#8220;الخَلِيليّةَ&#8221; فمَشْرَبُنا إذًا &#8220;الخُلَّة&#8221;، والخُلّةُ تَقتَضِي صَدِيقًا صَدُوقًا، ورَفِيقًا مُضَحِّيًا، وأَخًا شَهْمًا غَيُورًا.. وأُسُّ الأَساسِ لِهذه الخُلّةِ هو الإِخلاصُ التَّامُّ؛ فمَن يُقَصِّر فيه فقد هَوَى مِن على بُرْج الخُلّةِ العالِي، ولَرُبَّما يَتَردَّى في وادٍ سَحِيقٍ، إذ لا مَوْضِعَ في المُنتَصَفِ. نعم، إنَّ الطَّرِيقَ طَرِيقانِ، فمَن يُفارِقُنا الآنَ في مَسْلَكِنا هذا -وهُو الجادّةُ الكُبْرَى للقُرآنِ الكَرِيمِ- فرُبَّما يكُونُ مِنَ الَّذِين يَخدُمُون الإِلحادَ أَعداءَ القُرآنِ دُونَ أن يَشعُرَ.</p>
<p>فالَّذِين دَخَلُوا مَيْدانَ خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ القُدْسِيّةِ بواسِطةِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; لا يَسْقُطُون بإذنِ اللهِ في مِثلِ تلك الهاوِيةِ، بل سيُمِدُّون دائِمًا النُّورَ والإِخلاصَ والإِيمانَ قُوّةً.</p>
<h2 style="text-align: center;">[سببان لكسب الإخلاص]</h2>
<h4 style="text-align: center;">[السبب الأول: رابطة الموت]</h4>
<p>فيا إِخْوَتي في خِدْمةِ القُرآنِ..</p>
<p>إنَّ أَهَمَّ سَبَبٍ لِكَسْبِ الإِخلاصِ وأَعظَمَ وَسِيلةٍ مُؤَثِّرةٍ للمُحافَظةِ علَيْه: &#8220;رابِطةُ المَوْتِ&#8221;، فكما أنَّ طُولَ الأَمَلِ يَثْلِمُ الإخلاصَ ويُفسِدُه، ويَسُوقُ إلى حُبِّ الدُّنيا وإلى الرِّياءِ، فإنَّ &#8220;رابِطةَ المَوْتِ&#8221; تُنفِّرُ مِنَ الرِّياءِ، وتَجعَلُ المَرءَ يُحرِزُ الإِخلاصَ، إذ تُخَلِّصُه مِن دَسائِسِ النَّفسِ الأَمَّارةِ، وذلك بتَذَكُّرِ مَوْتِه وبمُلاحَظةِ فَناءِ الدُّنيا وزَوالِها. هذا، ولقدِ اتَّخَذ المُتَصوِّفةُ وأَهلُ الحَقِيقةِ العِلْمِيّةِ &#8220;رابِطةَ المَوْتِ&#8221; أَساسًا في مَنهَجِ سُلُوكِهم، وذلك بما تَعَلَّمُوه مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، و﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، فأَزالُوا بتلك الرّابِطةِ تَوَهُّمَ البَقاءِ وحُلْمَ الأَبدِيّةِ الَّذي يُوَلِّدُ طُولَ الأَمَلِ، حيثُ افْتَرَضُوا خَيالًا وتَصَوَّرُوا أَنفُسَهُم أَمواتًا.. فالآنَ يُغَسَّلُون.. والآنَ يُوضَعُون في القَبْرِ.. وحِينَما يَتَفكَّرُون بهذه الصُّورةِ تَتَأَثَّرُ النَّفسُ الأَمّارةُ بهذا التَّخَيُّلِ أَكثَرَ، فتَتَخلَّى شَيْئًا فشَيْئًا عن آمالِها العَرِيضةِ.</p>
<p>فلِهَذه الرَّابِطةِ إذًا فَوائِدُ جَمّةٌ ومَنافِعُ شَتَّى، ويَكفِي أنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يُرشِدُنا إلَيْها بقَوْلِه ﷺ: &#8220;أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذّاتِ&#8221;؛ وحَيثُ إنَّ مَسْلَكَنا حَقِيقةٌ عِلْمِيّةٌ ولَيسَ طَرِيقةً صُوفِيّةً، فلا نَرَى أَنفُسَنا مُضطَرِّين مِثْلَهُم إلى مُباشَرةِ تلك الرّابِطةِ بالِافتِراضِ والخَيالِ؛ فَضْلًا عن أنَّ هذا الأُسلُوبَ لا يُلائِمُ مَنهَجَ الحَقِيقةِ، فأُسلُوبُنا في رابِطةِ المَوتِ ليس بِجَلْبِ المُستَقبَلِ إلى الحاضِرِ خَيالًا، بلِ بالذَّهابِ فِكْرًا مِنَ الحاضِرِ إلى المُستَقبَلِ، ومُشاهَدةِ المُستَقبَلِ مِن خِلالِ الحاضِرِ الواقِعِ كما الحَقِيقةُ، فلا حاجةَ إلى الخَيالِ، ولا يَلْزَمُ الِافتِراضُ، إذِ الإنسانُ يُمكِنُه مُشاهَدةُ جِنازَتِه وهي ثَمَرةٌ مَحمُولةٌ على شَجَرةِ عُمُرِه القَصِيرِ، وإذا ما حَوَّلَ نَظَرَه قَلِيلًا لا يَرَى مَوْتَه وَحْدَه، بل يَرَى أيضًا مَوْتَ عَصْرِه، حتَّى إذا جالَ بِنَظَرِه أَكثَرَ يَرَى مَوْتَ الدُّنيا ودَمارَها، وعِندَها يَنفَتِحُ أَمامَه الطَّرِيقُ إلى الإِخلاصِ التّامِّ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[السبب الثاني: الإيمان التحقيقي]</h4>
<p>والسَّبَبُ الثَّاني في إِحرازِ الإِخلاصِ هو: أن يَكسِبَ المَرءُ حُضُورًا وسَكِينةً <strong>بالإيمانِ التَّحقِيقيِّ</strong> وباللَّمَعاتِ الوارِدةِ عنِ &#8220;التَّفَكُّرِ الإيمانِيِّ في المَخلُوقاتِ&#8221;، هذا التَّأمُّلُ يَسُوقُ صاحِبَه إلى مَعرِفةِ الخالِقِ سُبحانَه، فتَنسَكِبُ الطُّمَأْنينةُ والسَّكِينةُ في القَلبِ.. حَقًّا إنَّ تَلَمُّعَ هذا النَّوعِ مِنَ التَّأَمُّلِ في فِكْرِ الإنسانِ يَجعَلُه يُفَكِّرُ دائِمًا في حُضُورِ الخالِقِ الرَّحِيمِ سُبحانَه ورُؤْيَتِه لَه، أي: أنَّه حاضِرٌ وناظِرٌ إلَيْه دائِمًا، فلا يَلْتَفِتُ عِندَئذٍ إلى غَيرِه، ولا يَستَمِدُّ مِن سِواه؛ حَيثُ إنَّ النَّظَرَ والِالتِفاتَ إلى ما سِواه في حُضُورِه يُخِلُّ بأَدَبِ ذلك الحُضُورِ.. وبهذا يَنجُو الإنسانُ مِنَ الرِّياءِ ويَتَخلَّصُ مِنه، فيَظْفَرُ بالإخلاصِ بإِذنِ اللهِ. وعلى كلِّ حالٍ ففي هذا &#8220;التَّأَمُّلِ&#8221; دَرَجاتٌ كَثِيرةٌ ومَراتِبُ عِدّةٌ. وحَظُّ كلِّ شَخْصٍ ما يَكسِبُه، ورِبْحُه ما يَستَفِيدُ مِنه حَسَبَ قابِلِيّاتِه وقُدُراتِه.</p>
<p>نَكتَفِي بهذا القَدْرِ ونُحِيلُ إلى &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; حيثُ ذَكَرَت كَثِيرًا مِنَ الحَقائِقِ حَوْلَ النَّجاةِ مِنَ الرِّياءِ وإِحرازِ الإخلاصِ.</p>
<h2 style="text-align: center;">[موانع الإخلاص]</h2>
<p>سنُبيِّنُ باختِصارٍ بَعْضًا مِنَ الأَسبابِ العَدِيدةِ الَّتي تُخِلُّ بالإِخلاصِ وتَمنَعُه، وتَسُوقُ إلى الرِّياءِ وتَدْفَعُ إلَيْه:‌</p>
<h3 style="text-align: center;">[المانع الأول: التنافس على الماديات]</h3>
<p><strong>المانِعُ الأَوَّلُ للإِخلاصِ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>التَّنافُسُ النّاشِئُ مِنَ المَنافِعِ المادِّيّةِ.. هذا التَّنافُسُ يُفسِدُ الإِخلاصَ تَدرِيجِيًّا، بل يُشَوِّهُ نَتائِجَ العَمَلِ، بل يُفَوِّتُ حتَّى تلك المَنافِعَ المادِّيّةَ أَيضًا.</p>
<p>نعم، لقد حَمَلَت هذه الأُمّةُ دائِمًا التَّوقِيرَ والتَّقدِيرَ للعامِلِين بِجِدٍّ للحَقِيقةِ والآخِرةِ، ومَدَّت لَهُم يَدَ العَوْنِ فِعْلًا، وذلك بنِيّةِ مُشارَكَتِهِم في تلك الأَعمالِ والخِدْماتِ الصَّادِقةِ الخالِصةِ لِوَجْهِ اللهِ، فقَدَّمَت لَهُم هَدايا وصَدَقاتٍ لِدَفْعِ حاجاتِهِمُ المادِّيّةِ ولِئَلَّا يَنشَغِلُوا بها عن خِدْماتِهِمُ الجَلِيلةِ، فأَظهَرُوا بذلك ما يُكِنُّونَه مِنِ احتِرامٍ للعامِلِين في سَبِيلِ اللهِ؛ إلَّا أنَّ هذه المُساعَداتِ والمَنافِعَ <strong>يَجِبُ ألّا تُطلَبَ قَطُّ، بل أن تُوهَبَ</strong>، فلا تُسألُ حتَّى بلِسانِ الحالِ كمَن يَنتَظِرُها قَلْبًا، وإنَّما تُعطَى مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ، وإلّا اختَلَّ إِخلاصُ المَرءِ وانتَقَضَ، وكادَ يَدخُلُ ضِمْنَ النَّهيِ الإِلٰهِيِّ في قَولِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فيَحبَطُ قِسمٌ مِن أَعمالِه..</p>
<p>فالرَّغبةُ في هذه المَنافِعِ المادِّيّةِ وتَرَقُّبُها بدافِعٍ مِن أَثَرةِ النَّفسِ الأَمّارةِ وحِرصِها على كَسْبِ المَنافِعِ لِذاتِها، تُثِيرُ عِرْقَ المُنافَسةِ وتُحَرِّكُ نَوازِعَه تِجاهَ أَخِيه الحَقِيقيِّ وصاحِبِه المُخلِصِ في الخِدْمةِ الإيمانيّةِ، فيَفسُدُ إِخلاصُه ويَفقِدُ قُدسِيّةَ دَعْوَتِه للهِ، ويَتَّخِذُ طَوْرًا مُنَفِّرًا لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ، بل يَفقِدُ المَنافِعَ المادِّيّةَ أَيضًا.. وعلى كُلِّ حالٍ فالمَسأَلةُ طَوِيلةٌ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[مثالان لزيادة الإخلاص]</h3>
<p>وسأَذكُرُ ما يَزِيدُ سِرَّ الإخلاصِ ويُدِيمُ الوِفاقَ الصَّادِقَ بينَ إِخوَتِي الصّادِقِين، أَذكُرُه ضِمْنَ مِثالَينِ:</p>
<h4 style="text-align: center;">[المثال الأول: ضم المساعي والتشارك الأخروي]</h4>
<p><strong>المِثالُ الأوَّلُ لإدامةِ الإخلاصِ</strong>: لقدِ اتَّخَذ أَربابُ الدُّنيا &#8220;الِاشتِراكَ في الأَموالِ&#8221; قاعِدةً يَستَرشِدُون بها لِأَجلِ الحُصُولِ على ثَرْوةٍ طائِلةٍ أو قُوّةٍ شَدِيدةٍ، بلِ اتَّخَذ مَن لَهُمُ التَّأثيرُ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ -مِن أَشخاصٍ أو جَماعاتٍ أو بَعضِ السَّاسةِ- هذه القاعِدةَ رائِدًا لَهُم، وكَسَبُوا نَتِيجةَ اتِّباعِهِم هذه القاعِدةَ قُوّةً هائِلةً وانتَفَعُوا مِنها نَفْعًا عَظِيمًا، علمًا أَنَّ ماهِيّةَ الأَموالِ لا تَتَغيَّرُ بالِاشتِراكِ -معَ ما فيه مِن أَضْرارٍ واستِعمالاتٍ سَيِّئةٍ- فرَغمَ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ يَحسَبُ نَفسَه بمَثابةِ المالِكِ لِجَمِيعِ الأَموالِ مِن جِهةِ مُراقَبَتِه وإِشرافِه علَيْها، لكن لا يُمكِنُه أن يَنتَفِعَ مِنها جَمِيعًا.. وعلى كُلِّ حالٍ فإنَّ هذه القاعِدةَ إذا دَخَلَت في الأَعمالِ الأُخْرَوِيّةِ فستَكُونُ مِحْوَرًا لِمَنافِعَ جَلِيلةٍ بلا مَساوِئَ ولا ضَرَرٍ، لِأَنَّ جَمِيعَ تلك الأَموالِ الأُخرَوِيّةِ تَحمِلُ سِرَّ الدُّخُولِ بتَمامِها في حَوْزةِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أُولَئِك الأَفرادِ المُشتَرِكِين فيها، دُونَ نُقْصانٍ أو تَجْزِئةٍ.</p>
<p>ولْنَفْهَمْ هذا بمِثالٍ: اشْتَرَك خَمْسةُ أَشخاصٍ في إِشعالِ مِصْباحٍ زَيْتيٍّ، فوَقَع على أَحَدِهم إِحضارُ النِّفْطِ، وعلى الآخَرِ الفَتِيلةُ، وعلى الثّالِثِ زُجاجةُ المِصْباحِ، وعلى الرّابعِ المِصْباحُ نَفسُه، وعلى الأَخِيرِ عُلْبةُ الكِبْرِيتِ.. فعِندَما أَشعَلُوا المِصْباحَ أَصبَحَ كُلٌّ مِنهُم مالِكًا لِمِصْباحٍ كامِلٍ؛ فلَو كان لِكُلٍّ مِن أُولَئِك المُشتَرِكِين مِرآةٌ كَبِيرةٌ مُعَلَّقةٌ بحائِطٍ، إذًا لَأَصبَحَ مُنعَكِسًا في مِرآتِه مِصْباحٌ كامِلٌ -معَ ما في الغُرفةِ- مِن دُونِ تَجَزُّؤٍ أو نَقْصٍ..</p>
<p>وهكذا الأَمرُ في الِاشتِراكِ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيّةِ بسِرِّ الإِخلاصِ، والتَّسانُدِ بسِرِّ الأُخُوّةِ، وضَمِّ المَساعِي بسِرِّ الِاتِّحادِ؛ إذ سيَدْخُلُ مَجمُوعُ أَعمالِ المُشتَرِكِين، وجَمِيعُ النُّورِ النَّابعِ مِنها، سيَدْخُلُ بتَمامِه في دَفتَرِ أَعمالِ كُلٍّ مِنهُم.. وهذا أَمرٌ مَشهُودٌ وواقِعٌ بينَ أَهلِ الحَقِيقةِ، وهو مِن مُقتَضَياتِ سَعةِ رَحْمةِ اللهِ سُبحانَه وكَرَمِه المُطلَقِ.</p>
<p>فيا إِخْوَتي، آمُلُ ألَّا تَسُوقَكُمُ المَنافِعُ المادِّيّةُ إلى الحَسَدِ فيما بَينَكُم إن شاءَ اللهُ تَعالَى، إلّا أنَّكُم قد تَنخَدِعُون كما انخَدَع قِسْمٌ مِن أَهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ، مِن بابِ المَنافِعِ الأُخرَوِيّةِ؛ ولكِن تَذَكَّرُوا.. أينَ الثَّوابُ الشَّخْصِيُّ والجُزئيُّ مِن ذلك الثَّوابِ العَظِيمِ النّاشِئِ في أُفُقِ الِاشتِراكِ في الأَعمالِ المَذكُورةِ في المِثالِ؟ وأينَ النُّورُ الجُزئيُّ مِن ذلك النُّورِ الباهِرِ؟</p>
<h4 style="text-align: center;">[المثال الثاني: توحيد المساعي وتقسيم الاعمال]</h4>
<p><strong>المِثالُ الثَّاني لِإدامةِ الإخلاصِ</strong>: يَحصُلُ الصِّناعِيُّون وأَهلُ الحِرَفِ على الإِنتاجِ الوَفيرِ وعلى ثَرْوةٍ هائِلةٍ نَتِيجةَ اتِّباعِهِم قاعِدةَ &#8220;المُشارَكةِ في الصَّنْعةِ والمَهارةِ&#8221;، وإلَيْك المِثالَ:</p>
<p>قامَ عَشَرةٌ مِن صَنّاعِي إِبَرِ الخِياطةِ بعَمَلِهم، كُلٌّ على انفِرادٍ، فكانَتِ النَّتِيجةُ ثَلاثَ إِبَرٍ فقط لِكُلٍّ مِنهُم في اليَوْمِ الواحِدِ.. ثمَّ اتَّفَق هَؤُلاءِ الأَشخاصُ حَسَبَ قاعِدةِ &#8220;تَوحِيدِ المَساعِي وتَوزِيعِ الأَعمالِ&#8221;، فأَتَى أَحَدُهُم بالحَدِيدِ والآخَرُ بالنّارِ، وقامَ الثّالِثُ بثَقْبِ الإِبْرةِ والآخَرُ بإِدخالِها النّارَ والرّابِعُ بَدَأَ يَحُدُّها.. وهكذا، فلَم يَذهَبْ وَقْتُ أَحَدٍ مِنهُم سُدًى، حَيثُ انصَرَف كُلٌّ مِنهُم إلى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ وأَنجَزَه بسُرعةٍ، لأَنَّه عَمَلٌ جُزْئيٌّ بَسِيطٌ أَوَّلًا ولِاكتِسابِه الخِبْرةَ والمَهارةَ فيه ثانيًا.. وحِينَما وَزَّعُوا حَصِيلةَ جُهُودِهِم رَأَوْا أنَّ نَصِيبَ كُلٍّ مِنهُم في يَومٍ واحِدٍ ثَلاثُ مِئةِ إِبرةٍ بَدَلًا مِن ثَلاثِ إِبَرٍ.. فذَهَبَت هذه الحادِثةُ أُنشُودةً يَتَرنَّمُ بها أَهلُ الصِّناعةِ والحِرَفِ الَّذين يَدْعُون إلى تَوحِيدِ المَساعِي وتَوزِيعِ الأَعمالِ.</p>
<p>فيا إِخْوَتِي، ما دامَت تَحصُلُ مِثلُ هذه الفَوائِدِ العَظِيمةِ نَتِيجةَ الِاتِّحادِ والِاتِّفاقِ في أُمُورٍ دُنيَوِيّةٍ وفي مَوادَّ كَثِيفةٍ، فكم يكُونُ ثَوابُ أَعمالٍ أُخرَوِيّةٍ ونُورانيّةٍ! وكم يكُونُ الثَّوابُ المُنعَكِسُ مِن أَعمالِ الجَماعةِ كُلِّها بالفَضْلِ الإِلٰهِيِّ في مِرآةِ كُلِّ فَرْدٍ مِنها! تلك الأَعمالِ الَّتي لا تَحتاجُ إلى تَجْزِئةٍ ولا انقِسامٍ.. فلَكُم أن تُقَدِّرُوا ذلك الرِّبْحَ العَظِيمَ، فإنَّ مِثْلَ هذا الرِّبحِ العَظِيمِ لا يُفَوَّتُ بالحَسَدِ وعَدَمِ الإخلاصِ..!</p>
<h3 style="text-align: center;">[المانع الثاني: مسايرة أنانية النفس الأمّارة]</h3>
<p><strong>المانِعُ الثّاني للإخلاصِ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هو إِعطاءُ ما يُداعِبُ أَنانيّةَ النَّفْسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ وما تَستَشْرِفُه مِن مَنزِلةٍ ومَكانةٍ تَتَوجَّهُ إلَيْها الأَنظارُ، وحُبِّ إِقبالِ النّاسِ وطَلَبِ تَوَجُّهِهِم، بدافِعٍ مِن حُبِّ الشُّهْرةِ وذِياعِ الصِّيتِ النّاشِئِ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى الجاهِ وحُبِّه؛ فكما أنَّ هذا داءٌ رُوحِيٌّ وَبِيلٌ، فهو بابٌ إلى &#8220;الشِّرْكِ الخَفِيِّ&#8221; الَّذي هو الرِّياءُ والإِعجابُ بالنَّفْسِ الماحِقُ للإِخلاصِ.</p>
<p>يا إِخوَتي..‌</p>
<p>لَمَّا كان مَسلَكُنا في خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ مَبْنِيًّا على الحَقِيقةِ وعلى الأُخُوّةِ، وسِرُّ الأُخُوّةِ مُتحقِّقًا في إِفْناءِ الفَرْدِ شَخْصِيَّتَه في شَخْصِيّةِ إِخْوانِه<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> وإِيثارِهِم على نَفْسِه، فما يَنبَغِي أن يُؤَثِّرَ فِينا مِثلُ هذا التَّنافُسِ النَّاجِمِ مِن حُبِّ الجاهِ، حَيثُ هو مُنافٍ كُلِّـيًّا لِمَسْلَكِنا، إذ ما دامَت كَرامةُ جَمِيعِ الإِخوانِ وشَرَفُهُم يَعُودانِ إلى كُلِّ أَخٍ في الجَماعةِ، فلا يُمكِنُ أن يُضَحَّى بتلك المَنزِلةِ الرَّفيعةِ والكَرامةِ الفائِقةِ والشَّرَفِ المَعنَوِيِّ السّامِي للجَماعةِ، لِأَجْلِ شُهْرةٍ جُزْئيّةٍ وعِزّةٍ شَخْصِيّةٍ ناجِمةٍ مِنَ الأَنانيّةِ والتَّنافُسِ.. فأَنا على ثِقةٍ وأَمَلٍ أنَّ ذلك بَعِيدٌ كُلَّ البُعْدِ عن طُلّابِ النُّورِ.</p>
<p>نعم، إنَّ قُلُوبَ طُلَّابِ النُّورِ وعُقُولَهُم وأَرواحَهُم لا تَنحَدِرُ إلى مِثل هذه الأُمُورِ السَّافِلةِ، إلّا أنَّه ما مِن أَحَدٍ إلّا يَحْمِلُ نَفْسًا أَمّارةً بالسُّوءِ، وقد تَسْرِي أُمُورٌ ونَوازِعُ نَفْسانيّةٌ في العُرُوقِ وتَتَعلَّقُ بالأَعصابِ وتُنفِذُ حُكمَها رَغمًا عن العَقْل والقَلْبِ والرُّوح؛ فاعتِمادًا على ما تَتْرُكُه &#8220;رَسائِلُ النُّورِ&#8221; فيكُم مِن آثارٍ، فلا أَتَّهِمُ قُلُوبَكُم وعُقُولَكُم وأَرْواحَكُم، إلّا أنَّ النَّفْسَ والهَوَى والحِسَّ والوَهْمَ قد تَخدَعُ؛ لِذا يَأْتِيكُمُ التَّحْذِيرُ والتَّنبِيهُ أَحْيانًا بشِدّةٍ وعُنْفٍ، فتِلك الشِّدّةُ مُوَجَّهةٌ إلى النَّفْسِ والهَوَى والحِسِّ والوَهْمِ، فكُونُوا على حَذَرٍ دائِمًا.</p>
<p>نعم، لو كان مَسْلَكُنا طَرِيقةً خاصّةً ومَشْيَخةً، لَكان إِذًا مَقامٌ واحِدٌ، أو عَدَدٌ مَحْدُودٌ مِنه، ولَكان مُرَشَّحُون كَثِيرُون لِذَلِك المَقامِ، وعِندَها كان يُمكِنُ أن تَحْدُثَ الأَنانيّةُ المَشُوبةُ بالغِبطةِ في النُّفُوسِ؛ ولكِنَّ مَسْلَكَنا هُو الأُخُوّةُ، لا غَيرُ، فلا يُمكِنُ لِلأَخِ أن يَدَّعِيَ على أَخِيه الأُبُوّةَ، ولا أن يَتَزَيَّا بِزِيِّ المُرشِدِ لَه، فالمَقامُ هُنا في الأُخُوّةِ فَسِيحٌ واسِعٌ، لا مَجالَ فيه لِلمُزاحَمةِ بالغِبطةِ، وإن كان لا بُدَّ فالأَخُ مُعاوِنٌ لِأَخِيه مُكَمِّلٌ لِعَمَلِه، وظَهِيرٌ لَه.</p>
<p>ومِمّا يَدُلُّ على أنَّ في المَسالِكِ الَّتي فيها مَقامُ الأُبُوّةِ والإِرشادِ والأُستاذِيّةِ نَتائِجَ خَطِرةً مُهْلِكةً تَنجُمُ مِنَ الغِبطةِ حِرْصًا على الثَّوابِ وتَطَلُّعًا إلى عُلُوِّ الهِمّةِ، أَقُولُ: إنَّ الدَّلِيلَ على ذلك هو تلك الِاختِلافاتُ والمُشاحَناتُ الدَّائِرةُ في ثَنايا المَزايا الجَلِيلةِ والمَنافِع العَظِيمةِ الَّتي يَتَمتَّعُ بها أَهلُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ، والَّتي أَدَّت بهم إلى نَتائِجَ وَخِيمةٍ جَعَلَت قُواهُمُ السّامِيةَ الهائِلةَ لا تَثبُتُ أَمامَ أَعاصِيرِ البِدَعِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المانع الثالث: الخوف والطمع]</h3>
<p><strong>المانِعُ الثّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هو الخَوْفُ والطَّمَعُ. نُحِيلُ إلى رِسالةِ &#8220;الهَجَماتِ السِّتِّ&#8221; حَيثُ شَرَحَت هذا المانِعَ معَ مَوانِعَ أُخْرَى بوُضُوحٍ تامٍّ.</p>
<p style="text-align: center;">  نَسأَلُ اللهَ الرَّحمٰنَ الرَّحِيمَ سُبحانَه مُشَفِّعِينَ جَمِيعَ أَسمائِه الحُسنَى أن يُوَفِّقَنا إلى الإِخلاصِ التَّامِّ. آمِينَ.‌</p>
<p style="text-align: center;">﴿اللَّهُمَّ بِحَقِّ سُورَةِ الإِخْلاصِ اجْعَلنَا مِن عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ المُخْلَصِينَ. آمِينَ.. آمِينَ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة خاصة إلى بعض طلاب النور]</h2>
<p>رسالةٌ خاصّة إلى قسمٍ من إخواني‌</p>
<p>سأَذكُرُ نُكتةً لَطِيفةً لِحَدِيثَينِ شَرِيفَينِ لِأُولَئِك الإِخوةِ الَّذِينَ يَمَلُّونَ مِن كِتابةِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221;، والَّذِينَ يُفَضِّلُونَ قِراءةَ الأَورادِ في الشُّهُورِ الثَّلاثة -وهِي شُهُورُ العِباداتِ- على كِتابةِ &#8220;رَسائِلِ النُّورِ&#8221; الَّتي تُعَدُّ عِبادةً بخَمسِ جِهات<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<p><strong>الحَدِيثُ الأوَّلُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>﴿&#8221;يُوزَنُ مِدادُ العُلَماءِ بدِماءِ الشُّهَداءِ&#8221;﴾ أو كما قال ﷺ</p>
<p>أي: إنَّ ما يَصرِفُه عُلَماءُ الحَقِيقةِ مِن حِبْرٍ يُوزَنُ يَومَ القِيامةِ معَ دِماءِ الشُّهَداءِ ويُعادِلُها.</p>
<p><strong>الحَدِيثُ الثَّاني:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>﴿&#8221;مَن تَمَسَّكَ بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتِي فلَه أَجرُ مِئةِ شَهِيدٍ&#8221;﴾ أو كما قال ﷺ.</p>
<p>أي: إنَّ مَن يَتَمسَّكُ بالسُّنّةِ الشَّرِيفةِ والحَقائِقِ القُرآنيّةِ ويَعمَلُ لِأَجلِها عِندَ استِيلاءِ البِدَعِ وتَغَلُّبِ الضَّلالةِ، فلَه أَجرُ مِئةِ شَهِيدٍ. فيا مَن يَمَلُّ تَكاسُلًا عنِ الكِتابةِ، ويا أيُّها الإِخوةُ الَّذِينَ يَنحُونَ مَنحَى التَّصَوُّفِ.. إنَّ حَصِيلةَ مَفهُومَيِ الحَدِيثَينِ الشَّرِيفَينِ هي أنَّ دِرهمًا مِمّا يَقطُرُ مِن نُورٍ أَسوَدَ وماءٍ باعِثٍ لِلحَياةِ مِنَ الأَقلامِ المُبارَكةِ الزَّكِيّةِ الَّتي تَخدُمُ حَقائِقَ الإِيمانِ وأَسرارَ الشَّرِيعةِ والسُّنّةَ النَّبوِيّةَ الشَّرِيفةَ في مِثلِ هذه الظُّرُوفِ يُمكِنُ أن يُفِيدَكُم كمِئةِ دِرهَمٍ مِن دَمِ الشُّهَداءِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ.</p>
<p>فاسْعَوْا يا إِخوَتِي لِتَظفَرُوا بهذا الثَّوابِ العَظِيمِ.</p>
<p>فإن قُلتُم: إنَّ ما وَرَد في الحَدِيثِ هو بخُصُوصِ العالِمِ، بَينَما قِسمٌ مِنّا كُتّابٌ فحَسْبُ؟</p>
<p>الجَوابُ: إنَّ الَّذي يَقرَأُ هذه الرَّسائِلَ وهذه الدُّرُوسَ في غُضُونِ سَنةٍ واحِدةٍ ويَفهَمُها ويَقبَلُ بها، يُمكِنُ أن يكُونَ عالِمًا مُهِمًّا ذا حَقِيقةٍ لِهذا الزَّمانِ؛ وإن هو قَرَأَها ولم يَفهَمْها، فإنَّ طُلّابَ النُّورِ الَّذِينَ لَهُم شَخصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ، لا شَكَّ أنَّ هذه الشَّخصِيّةَ هي بمَثابةِ عالِمٍ مِن عُلَماءِ هذا الزَّمانِ.</p>
<p>أمّا أَقلامُكُم فهِي أَصابعُ تلك الشَّخصِيّةِ الحَقِيقيّةِ، وهَبْ أنَّكُم قدِ ارتَبَطتُم بهذا الفَقِيرِ ومَنَحتُمُوه بحُسنِ ظَنِّكُم مَكانةَ عالِمٍ وأُستاذٍ في نَظَرِكُم وإن كُنتُ أَرَى أنَّني لا أَستَحِقُّها، ولكِن لَمّا كُنتُ أُمِّيًّا لا أُجِيدُ الكِتابةَ، فإنَّ أَقلامَكُم تُعَدُّ أَقلامِي أنا، فتُثابُونَ بالأَجرِ المُبَيَّنِ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>  سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، كما أنَّ تَسانُدًا حَقِيقيًّا، واتِّحادًا تامًّا، نابِعًا مِنَ &#8220;الإِخلاصِ&#8221; هو مِحْوَرٌ تَدُورُ علَيْه مَنافِعُ لا تَنتَهِي، كذلك فهُو تُرْسٌ عَظِيمٌ، ومُرتَكَزٌ قَوِيٌّ للوُقُوفِ تِجاهَ المَخاوِفِ العَدِيدةِ، بل أَمامَ المَوتِ، لِأَنَّ المَوتَ لا يَسلُبُ إلّا رُوحًا واحِدةً، فالَّذي ارتَبَط بإِخوانِه بسِرِّ الأُخُوّةِ الخالِصةِ في الأُمُورِ المُتَعلِّقةِ بالآخِرةِ وفي سَبِيلِ مَرضاةِ اللهِ، يَحمِلُ أَرواحًا بعَدَدِ إِخوانِه، فيَلْقَى المَوْتَ مُبتَسِمًا وقائِلًا: &#8220;لِتَسْلَمْ أَرواحِي الأُخرَى.. ولْتَبْقَ مُعافاةً، فإنَّها تُدِيمُ لي حَياةً مَعنَوِيّةً بكَسْبِها الثَّوابَ لي دائِمًا. فأَنا لم أَمُتْ إِذًا&#8221;. ويُسْلِمُ رُوحَه وهو قَرِيرُ العَينِ، ولِسانُ حالِه يقُولُ: &#8220;أنا أَعِيشُ بتلك الأَرواحِ مِن حَيثُ الثَّوابُ، ولا أَمُوتُ إلّا مِن حَيثُ الذُّنُوبُ والآثامُ&#8221;.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، إنَّ السَّعِيدَ هو مَن يَرمِي شَخْصِيَّتَه، ويُذِيبُ أَنانيَّتَه الَّتي هي كقِطْعةِ ثَلْجٍ في الحَوْضِ العَظِيمِ اللَّذِيذِ المُتَرشِّحِ مِن كَوْثَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ كي يَغنَمَ ذلك الحَوْضَ.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;
لقد سأَلْنا أُستاذَنا عنِ الأنواعِ الخَمسةِ مِن العِبادةِ الَّتي أشارَ إليها في هذه الرِّسالةِ القيِّمةِ، نُدرِجُ إيضاحَه أدناه:<br /><br />
١ـ إنَّها جهادٌ معنويٌّ تجاهَ أهلِ الضَّلالة، ذلك الجِهادُ الأهَمُّ.<br /><br />
٢ـ إنَّها خِدمةٌ لِأستاذِه ومُعاونةٌ له على نَشرِ الحقيقةِ.<br /><br />
٣ـ إنَّها خدمةٌ لِلمُسلِمين كافّةً مِن حيثُ الإيمانُ.<br /><br />
٤ـ إنَّها تَحصِيلٌ للعِلمِ بالكِتابة.<br /><br />
٥ـ إنَّها عِبادةٌ فِكرية قد تكُونُ ساعةٌ مِنها بمَثابة سنةٍ مِن العِبادة.<br /><br />
رُشدي، خُسرَو، رأفت</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2495</post-id>	</item>
		<item>
		<title>اللمعة العشرون: الإخلاص (1)</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-1/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b9%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a5%25d8%25ae%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25b5-1</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-1/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 24 Mar 2025 15:33:05 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[اللمعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2492</guid>

					<description><![CDATA[[هذه اللمعة هي لمعة الإخلاص الأولى، وتتحدث عن أسباب اتفاق أهل الضلالة رغم كونهم على الباطل، واختلاف أهل الإيمان رغم كونهم على الحق] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [اللمعة العشرون] &#160; اللمعة العشرون‌ تَخُصُّ الإخلاص‌ أَحْرَزَ هذا البَحثُ أَهمِّيّةً خاصّةً أَهَّلَتْه لِيَكُونَ &#8220;اللَّمْعةَ العِشْرِين&#8221; بعدَ أن كان النُّقطةَ الأُولَى مِن خَمسِ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذه اللمعة هي لمعة الإخلاص الأولى، وتتحدث عن أسباب اتفاق أهل الضلالة رغم كونهم على الباطل، واختلاف أهل الإيمان رغم كونهم على الحق]</strong></p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p class="has-text-align-center" style="text-align: center;">ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2493" aria-describedby="caption-attachment-2493" style="width: 474px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2493" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb.jpg" alt="إنَّ إقبالَ النّاسِ وتَوَجُّهَهم لا يُطلَبُ، بل يُوهَبُ، ولو حَصَل الإقبالُ فلا يُسَرُّ به. وإذا ما ارتاحَ المَرءُ لِتَوجُّهِ النّاسِ إلَيْه فقد ضَيَّعَ الإخلاصَ ووَقَع في الرِّياءِ. أمّا التَّطَلُّعُ إلى نَيلِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ مِمّا يَتَضمَّنُ تَوَجُّهَ النّاسِ والرَّغبةَ في إِقبالِهم فهُو ليس بأُجْرةٍ ولا ثَوابٍ، بل عِتابٌ وعِقابٌ نابِعانِ مِن فِقْدانِ الإخلاصِ. نعم، إنَّ تَوَجُّهَ النّاسِ وإِقبالَهُم لا يُرادُ، لأنَّ ما فيه مِن لَذّةٍ جُزْئيّةٍ تَضُرُّ بالإخلاصِ الَّذي هو رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ثمَّ إنَّه لا يَستَمِرُّ إلَّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ. فَضْلًا عن أنَّه يَكتَسِبُ ما وَراءَ القَبْرِ صُورةً أَلِيمةً مِن عَذابِ القَبْرِ. فلا يُرغَبُ في تَوَجُّهِ النّاسِ ونَيلِ رِضاهُم إذًا، بل يَلْزَمُ الفِرارُ والتَّهَيُّبُ مِنه. فلْيُصْغِ إلى هذا عُبَّادُ الشُّهْرةِ والمُتَلهِّفُون على كَسْبِ رِضَا النّاسِ." width="474" height="474" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb.jpg 474w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-300x300.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/03/cfcfba6ddfc2c602f5f64cd0ad4de3eb-150x150.jpg 150w" sizes="(max-width: 474px) 100vw, 474px" /><figcaption id="caption-attachment-2493" class="wp-caption-text">إنَّ إقبالَ النّاسِ وتَوَجُّهَهم لا يُطلَبُ، بل يُوهَبُ، ولو حَصَل الإقبالُ فلا يُسَرُّ به. وإذا ما ارتاحَ المَرءُ لِتَوجُّهِ النّاسِ إلَيْه فقد ضَيَّعَ الإخلاصَ ووَقَع في الرِّياءِ. أمّا التَّطَلُّعُ إلى نَيلِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ مِمّا يَتَضمَّنُ تَوَجُّهَ النّاسِ والرَّغبةَ في إِقبالِهم فهُو ليس بأُجْرةٍ ولا ثَوابٍ، بل عِتابٌ وعِقابٌ نابِعانِ مِن فِقْدانِ الإخلاصِ. نعم، إنَّ تَوَجُّهَ النّاسِ وإِقبالَهُم لا يُرادُ، لأنَّ ما فيه مِن لَذّةٍ جُزْئيّةٍ تَضُرُّ بالإخلاصِ الَّذي هو رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ثمَّ إنَّه لا يَستَمِرُّ إلَّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ. فَضْلًا عن أنَّه يَكتَسِبُ ما وَراءَ القَبْرِ صُورةً أَلِيمةً مِن عَذابِ القَبْرِ. فلا يُرغَبُ في تَوَجُّهِ النّاسِ ونَيلِ رِضاهُم إذًا، بل يَلْزَمُ الفِرارُ والتَّهَيُّبُ مِنه. فلْيُصْغِ إلى هذا عُبَّادُ الشُّهْرةِ والمُتَلهِّفُون على كَسْبِ رِضَا النّاسِ.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[اللمعة العشرون]</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللمعة العشرون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>تَخُصُّ الإخلاص</strong><strong>‌</strong></p>
<p>أَحْرَزَ هذا البَحثُ أَهمِّيّةً خاصّةً أَهَّلَتْه لِيَكُونَ &#8220;اللَّمْعةَ العِشْرِين&#8221; بعدَ أن كان النُّقطةَ الأُولَى مِن خَمسِ نِقاطٍ مِنَ المَسأَلةِ الثّانيةِ مِنَ المَسائِلِ السَّبْعِ لِلمُذَكِّرةِ السَّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ &#8220;اللَّمْعةِ السّابِعةَ عَشْرةَ&#8221;.‌</p>
<h1 style="text-align: center;">[الإخلاص]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾</strong></p>
<p>وقال الرَّسُولُ الأَعظَمُ ﷺ: «هَلَكَ النَّاسُ إلّا العَالِمُونَ، وهَلَكَ العَالِمُونَ إلّا العَامِلُونَ، وهَلَكَ العَامِلوُنَ إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيم»، أو كما قال.</p>
<p>تَدُلُّنا هذه الآيةُ الكَرِيمةُ والحَدِيثُ النَّبوِيُّ الشَّرِيفُ مَعًا على مَدَى <strong>أَهَمِّيّةِ الإخلاصِ في الإسلامِ، ومَدَى عَظَمَتِه</strong>.</p>
<p>فمِن بينِ النُّكَتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها لِمَبْحَثِ &#8220;الإخلاص&#8221; نُبيِّنُ باختِصارٍ خَمْسَ نِقاطٍ فقط:</p>
<p>تنبيه: إنَّ ما يُوجِبُ الشُّكْرَ على هذه البَلْدةِ الطَّيِّبة &#8220;إسبارطة&#8221; أن قد آتاها اللهُ حَظًّا عظيمًا، فلا يَبدُو بينَ مَن فيها مِن المُتَّقين والصّالِحِين وأهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ والعُلَماءِ اختِلافٌ مَشُوبٌ بالحَسَدِ، حتى لو ظَهَر فهو أَخَفُّ بكثيرٍ مِمّا هو عليه في سائرِ المَناطِقِ. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ المَحَبّةَ الخالِصةَ والِاتِّفاقَ التّامَّ غيرُ مَوجُودَينِ كما يَنبَغي، فإنَّ الِاختِلافَ المُضِرَّ والحَسَدَ المَمقُوتَ مَفقُودانِ أيضًا بالنِّسبة إلى المَناطِقِ الأُخرَى.</p>
<h2 style="text-align: center;">[النقطة الأولى: لماذا يختلف أهل الحق؟ ولماذا يتفق أهل الباطل؟]</h2>
<p><strong>النُّقطة الأُولى</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>سؤالٌ مُهِمٌّ ومُثِيرٌ للدَّهْشةِ</strong>: لِماذا يَختَلِفُ أَصحابُ الدِّينِ والعُلَماءُ وأَربابُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ وهُم أَهلُ حَقٍّ ووِفاقٍ ووِئامٍ بالتَّنافُسِ والتَّزاحُمِ، في حِينِ يَتَّفِقُ أَهلُ الدُّنيا والغَفْلةِ بل أَهلُ الضَّلالةِ والنِّفاقِ مِن دُونِ مُزاحَمةٍ ولا حَسَدٍ فيما بَينَهُم؛ معَ أنَّ الِاتِّفاقَ هُو مِن شَأْنِ أَهلِ الوِفاقِ والوِئامِ، والخِلافَ مُلازِمٌ لِأَهلِ النِّفاقِ والشِّقاقِ؛ فكيف استَبْدَلَ الحَقُّ والباطِلُ مَكانَهُما، فأَصْبَحَ الحَقُّ بجانِبِ هؤلاءِ، والباطِلُ بجانِبِ أُولَئِك؟!</p>
<p><strong>الجَوابُ</strong>: سنُبيِّنُ سَبعةً مِنَ الأَسبابِ العَدِيدةِ لِهذه الحالةِ المُؤْلِمةِ الَّتي تَقُضُّ مَضْجَعَ الغَيارَى الشُّهُومِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 1: إذا تخصصت الوظيفة وتعينت الأجرة قلَّ النزاع]</h3>
<p><strong>السَّببُ الأوَّل:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ غيرُ نابِعٍ مِن فِقْدانِ الحَقِيقةِ، كما أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الغَفْلةِ ليس نابِعًا مِن رُكُونِهم إلى الحَقِيقةِ؛ بل إنَّ وَظائِفَ أَهل الدُّنيا والسِّياسةِ والمُثقَّفِين وأَمثالِهم مِن طَبَقاتِ المُجتَمَعِ قد تَعَيَّنَت وتَمَيَّزَت، فلِكُلِّ طائِفةٍ وجَماعةٍ وجَمْعِيّةٍ مُهِمّةٌ خاصّةٌ تَنشَغِلُ بها، وما يَنالُونَه مِن أُجْرةٍ مادِّيّةٍ لِقاءَ خِدْماتِهِم ولِإِدامةِ مَعِيشَتِهم هي كذلك مُتَميِّزةٌ ومُتَعيِّنةٌ، كما أنَّ ما يَكسِبُونَه مِن أُجْرةٍ مَعنَوِيّةٍ كحُبِّ الجاهِ وذُيُوعِ الصِّيتِ والشُّهْرةِ، هي الأُخرَى مُتَعيِّنةٌ ومُخَصَّصةٌ ومُتَميِّزةٌ<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p>فليس هُناك إذًا ما يُولِّدُ مُنافَسةً أو مُزاحَمةً أو حَسَدًا فيما بَينَهُم، وليس هُناك ما يُوجِبُ المُناقَشةَ والجِدالَ، لِذا تَراهُم يَتَمكَّنُون مِنَ الِاتِّفاقِ مَهْما سَلَكُوا مِن طُرُقِ الفَسادِ.</p>
<p>أمّا أَهلُ الدِّينِ وأَصحابُ العِلمِ وأَربابُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ <strong>فإنَّ وَظِيفةَ كلٍّ مِنهُم مُتَوجِّهةٌ إلى الجَمِيعِ،</strong> وأنَّ <strong>أُجْرَتَهُمُ العاجِلةَ غيرُ مُتَعيِّنةٍ وغيرُ مُتَخصِّصةٍ</strong>، كما أنَّ حَظَّهُم مِنَ المَقامِ الِاجتِماعيِّ وتَوَجُّهِ النَّاسِ إلَيْهِم والرِّضَا عَنهُم لم يَتَخصَّصْ أَيضًا؛ فهُناك مُرَشَّحُون كَثِيرُون لِمَقامٍ واحِدٍ، وقد تَمتَدُّ أَيْدٍ كَثِيرةٌ جِدًّا إلى أَيّةِ أُجْرةٍ مادِّيّةً كانَت أو مَعنَوِيّةً. ومِن هُنا تَنشَأُ المُزاحَمةُ والمُنافَسةُ والحَسَدُ والغَيْرةُ، فيَتَبدَّلُ الوِفاقُ نِفاقًا والِاتِّفاقُ اختِلافًا وتَفَرُّقًا.</p>
<p>فلا يَشْفِي هذا المَرَضَ العُضالَ إلّا بَلْسَمُ الإخلاصِ النّاجِعُ، أي: أن يَنالَ المَرءُ شَرَفَ امتِثالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿<strong>إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ</strong>﴾ بإيثارِ الحَقِّ والهُدَى على اتِّباعِ النَّفْسِ والهَوَى، وبِتَرجِيحِ الحَقِّ على أَثَرةِ النَّفْسِ.. وأن يَحصُلَ لَه امتِثالٌ بالآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ باستِغْنائِه عنِ الأَجْرِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ المُقْبِلَينِ مِنَ النّاسِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>، مُدرِكًا أَنَّ استِحْسانَ النّاسِ كَلامَه وحُسْنَ تَأْثيرِه فيهم ونَيْلَ تَوَجُّهِهِم إلَيْه هُو مِمّا يَتَولّاه اللهُ سُبحانَه وتَعالَى ومِن إحسانِه وفَضْلِه وَحْدَه، وليس داخِلًا ضِمْنَ وَظِيفَتِه الَّتي هي مُنحَصِرةٌ في التَّبلِيغِ فحَسْبُ، بل لا يَلْزَمُه ذلك ولا هُو مُكَلَّفٌ به أَصْلًا؛ فمَن وَفَّقَه اللهُ إلى ما ذُكِرَ آنِفًا يَجِدُ لَذّةَ الإخلاصِ، وإلّا يَفُوتُه الخَيرُ الكَثِيرُ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 2: اتفاقٌ سببُه الذلة]</h3>
<p><strong>السَّببُ الثّاني:</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>إنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ نابِعٌ مِن ذِلَّتِهِم، بَينَما اختِلافُ أَهلِ الهِدايةِ نابِعٌ مِن عِزَّتِهم،</strong> إذ لَمّا كان أَهلُ الدُّنيا والضَّلالةِ الغافِلُون لا يَستَنِدُون إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ فهُم ضُعَفاءُ وأَذِلّاءُ، يَشعُرُون بحاجةٍ ماسّةٍ إلى اكتِسابِ القُوّةِ، فيَتَشبَّثُون بشِدّةٍ بِأمرِ مُعاوَنةِ الآخَرِين والِاتِّفاقِ مَعَهُم، ويَحرِصُون على هذا الِاتِّفاقِ ولو كان مَسلَكُهُم ضَلالةً، فكأنَّهم يَعمَلُون حَقًّا في تَسانُدِهِم على الباطِلِ، ويُخلِصُون في ضَلالِهِم، ويُبدُون ثَباتًا وإِصرارًا على إِلْحادِهم، ويَتَّفِقُون في نِفاقِهم؛ فلِأَجْلِ هذا يُوَفَّقُون في عَمِلِهم، لأنَّ الإخلاصَ التّامَّ ولو كان في الشَّرِّ لا يَذهَبُ سُدًى، ولا يكُونُ دُونَ نَتِيجةٍ. فما مِن سائِلٍ يَسأَلُ بإِخلاصٍ أَمْرًا إلّا قَضاه اللهُ لَه<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<p>أَمّا أَهلُ الهِدايةِ والدِّينِ وأَصحابُ العِلمِ والطَّرِيقةِ فلِأَنَّهم يَستَنِدُون إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، ولِأَنَّ كُلًّا مِنهُم أَثناءَ سَيرِه في طَرِيقِ الحَقِّ لا يَرجُو إلّا رِضَا رَبِّه الكَرِيمِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْه كُلَّ الِاطمِئْنانِ، يَنالُ <strong>عِزّةً مَعنَوِيّةً</strong> في مَسْلَكِه نَفسِه، إذ <strong>حالَما يَشعُرُ بضَعْفٍ يُنِيبُ إلى رَبِّه دُونَ النّاسِ،</strong> ويَستَمِدُّ مِنه وَحْدَه القُوّةَ، زِدْ على ذلك يَرَى أَمامَه اختِلافَ المَشارِبِ معَ ما هُو علَيْه، لِذا تَراه لا يَستَشْعِرُ بدَواعِي التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، بل لا يَتَمكَّنُ مِن رُؤْيةِ جَدْوَى الِاتِّفاقِ معَ مَن يُخالِفُ ظاهِرَ مَشرَبِه، ولا يَجِدُ في نَفسِه الحاجةَ إلَيْه.</p>
<p>وإذا ما كان ثَمَّةَ غُرُورٌ وأَنانيّةٌ في النَّفْسِ يَتَوهَّمُ المَرءُ نَفْسَه مُحِقًّا ومُخالِفِيه على باطِل، فيَقَعُ الِاختِلافُ والمُنافَسةُ بَدَلَ الِاتِّفاقِ والمَحَبّةِ، وعِندَها يَفُوتُه الإِخلاصُ ويَحبَطُ عَمَلُه ويكُونُ أَثَرًا بعدَ عَينٍ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[تسعة توجيهات للخلاص من الاغترار بالذات]</h4>
<p>والعِلاجُ الوَحِيدُ لِهَذه الحالةِ والحَيْلُولةِ دُونَ رُؤيةِ نَتِيجَتِها الوَخِيمةِ هو في تِسْعةِ أُمُورٍ آتِيةٍ:</p>
<p>١- <strong>العَمَلُ الإيجابيُّ البَنّاءُ</strong>، وهو: عَمَلُ المَرْءِ بمُقتَضَى مَحَبَّتِه لِمَسْلَكِه فحَسْبُ، مِن دُونِ أن يَرِد إلى تَفْكِيرِه، أو يَتَدخَّلَ في عِلْمِه عَداءُ الآخَرِينَ أوِ التَّهْوِينُ مِن شَأْنِهم، أي: لا يَنشَغِلَ بهم أَصْلًا.</p>
<p>٢- بل علَيْه أن <strong>يَتَحرَّى رَوابِطَ الوَحْدةِ الكَثِيرةِ</strong> الَّتي تَربِطُ المَشارِبَ المَعرُوضةَ في ساحةِ الإِسلام مَهْما كان نَوعُها، تلك الرَّوابِطُ الَّتي هي مَنابِعُ مَحَبّةٍ ووَسائِلُ أُخُوّةٍ واتِّفاقٍ بَينَ المَشارِبِ، فيَتَّفِقَ مَعَها.</p>
<p>٣- <strong>واتِّخاذُ دُستُورِ الإِنصافِ دَليلًا ومُرشِدًا</strong>، وهو: أنَّ صاحِبَ كلِّ مَسْلَكٍ حَقٍّ يَستَطِيعُ القَولَ: &#8220;إنَّ مَسلَكِي حَقٌّ وهو أَفضَلُ وأَجمَلُ&#8221; مِن دُونِ أن يَتَدخَّلَ في أَمرِ مَسالِكِ الآخَرِين، ولكن لا يَجُوزُ له أن يقُولَ: &#8220;الحَقُّ هُو مَسْلَكِي فحَسْبُ&#8221;، أو &#8220;أنَّ الحُسْنَ والجَمالَ في مَسْلَكِي وَحْدَه&#8221;، ممّا يَقْضِي ببُطْلانِ المَسالِكِ الأُخرَى وفَسادِها.</p>
<p>٤- العِلمُ بأنَّ <strong>الِاتِّفاقَ معَ أَهلِ الحَقِّ هو أَحَدُ وَسائِلِ التَّوفيقِ الإِلٰهِيِّ</strong> وأَحَدُ مَنابعِ العِزّةِ الإسلاميّةِ.</p>
<p>٥- الحِفاظُ على الحَقِّ والعَدْلِ <strong>بإيجادِ شَخصٍ مَعنَوِيٍّ</strong>، وذلك بالِاتِّفاقِ معَ أَهلِ الحَقِّ لِلوُقُوفِ تِجاهَ أَهلِ الضَّلالةِ والباطِلِ الَّذين أَخَذُوا يُغِيرُون بِدَهاءِ شَخصٍ مَعنَوِيٍّ قَوِيٍّ في صُورةِ جَماعةٍ على أَهلِ الحَقِّ بما يَتَمتَّعُون به مِن تَسانُدٍ واتِّفاقٍ، معَ الإِدراكِ بأنَّ أَيّةَ مُقاوَمةٍ فَردِيّةٍ -مَهْما كانَت قَوِيّةً- مَغلُوبةٌ على أَمرِها تِجاهَ ذلك الشَّخصِ المَعنَوِيِّ للضَّلالةِ.</p>
<p>٦- ولِأَجْلِ <strong>إِنقاذِ الحَقِّ مِن صَوْلةِ الباطِلِ</strong>:</p>
<p>٧- <strong>تَركُ غُرُورِ النَّفسِ وحُظُوظِها</strong>.</p>
<p>٨- <strong>وتَركُ ما يُتَصَوَّرُ -خَطَأً- أنَّه مِنَ العِزّةِ والكَرامةِ</strong>.</p>
<p>٩- <strong>وتَركُ دَواعِي الحَسَدِ والمُنافَسةِ والأَحاسِيسِ النَّفسانيّةِ التّافِهةِ</strong>.</p>
<p>بهذه النِّقاطِ التِّسْعِ يَظفَرُ الإنسانُ بالإخلاصِ، ويُوفِّي وَظِيفَتَه حَقَّ الوَفاءِ، ويُؤَدِّيها على الوَجْهِ المَطلُوبِ<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 3: اتفاقٌ سببُه دناءة الهمة]</h3>
<p><strong>السَّببُ الثّالثُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ ليس ناشِئًا عنِ الوَضاعةِ وفِقْدانِ الهِمّةِ، كما أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس ناشِئًا عن عُلُوِّ الهِمّةِ، بل إنَّ <strong>اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ نابعٌ مِن سُوءِ استِعمالِ عُلُوِّ الهِمّةِ والإِفراطِ فيه</strong>، <strong>واتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ مَرَدُّه الضَّعفُ والعَجْزُ الحاصِلانِ مِنِ انعِدامِ الهِمّةِ</strong>.</p>
<p>والَّذي يَسُوقُ أَهلَ الهِدايةِ إلى سُوءِ استِعمالِ عُلُوِّ الهِمّةِ وبالتّالي إلى الِاختِلافِ والغَيْرةِ والحَسَدِ، إنَّما هو المُبالَغةُ في الحِرْصِ على الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ -الَّذي هو في حَدِّ ذاتِه خَصْلةٌ مَمْدُوحةٌ- وطَلَبُ الِاستِزادةِ مِنها دُونَ قَناعةٍ وحَصْرُها على النَّفْسِ. وهذا يَستَدْرِجُ الحَرِيصَ شَيْئًا فشَيْئًا حتَّى يَصِلَ به الأَمرُ إلى أن يَتَّخِذَ وَضْعًا مُنافِسًا إِزاءَ أَخِيه الحَقِيقيِّ الَّذي هو بأَمَسِّ الحاجةِ إلى مَحَبَّتِه ومُعاوَنَتِه وأُخُوَّتِه والأَخْذِ بِيَدِه؛ كأَنْ يقُولَ مَثلًا: لِأَغْنَمْ أَنا هذا الثَّوابَ، ولْأُرْشِدْ أَنا هَؤُلاءِ النّاسَ، ولْيَسْمَعُوا مِنِّي وَحْدِي الكَلامَ.. وأَمثالَها مِن طَلَبِ المَزِيدِ مِنَ الثَّوابِ لِنَفسِه.</p>
<p>أو يقُولَ: لِماذا يَذهَبُ تَلامِيذِي إلى فُلانٍ وعَلّانٍ؟ ولِماذا لا يَبلُغُ تَلامِيذِي عَدَدَ تَلامِيذِه وزِيادةً؟</p>
<p>فتَجِدُ رُوحُ الأَنانيّةِ لَدَيه -بهذا الحِوارِ الدّاخِلِيِّ- الفُرصةَ سانِحةً لِتَرفَعَ رَأْسَها وتَبْرُزَ، فتَسُوقُه تَدرِيجِيًّا إلى التَّلَوُّثِ بصِفةٍ مَذمُومةٍ، تلك هي التَّطَلُّعُ إلى حُبِّ الجاهِ، فيَفُوتُه الإخلاصُ ويَنسَدُّ دُونَه بابُه، بَينَما يَنفَتِحُ بابُ الرِّياءِ لَه على مِصْراعَيه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علاج نزعة الأنانية في الدعوة إلى الله]</h4>
<p>إنَّ عِلاجَ هذا الخَطَأِ الجَسِيمِ والجُرحِ البَلِيغِ والمَرَضِ الرُّوحِيِّ العُضالِ هو:</p>
<p>العِلمُ بأنَّ <strong>رِضَا اللهِ لا يُنالُ إلّا بالإخلاصِ</strong>، فرِضاه سُبحانَه ليس بكَثْرةِ التّابِعِين ولا باطِّرادِ النَّجاحِ والتَّوفِيقِ في الأَعمالِ، ذلك لأنَّ تَكْثِيرَ التّابِعِين والتَّوفِيقَ في الأَعمالِ هو مِمّا يَتَولّاه اللهُ سُبحانَه بفَضْلِه وكَرَمِه، فلا يُسأَلُ ولا يُطلَبُ، بل يُؤتِيه اللهُ سُبحانَه مَن يَشاءُ.</p>
<p>نعم، رُبَّ كَلِمةٍ واحِدةٍ تكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِِ، وتُصبِحُ مَوْضِعَ رِضا اللهِ سُبحانَه، ورُبَّ إِرشادِ شَخْصٍ واحِدٍ يكُونُ مَوْضِعَ رِضا اللهِ سُبحانَه بِقَدْرِ إِرشادِ أَلفٍ مِنَ النّاسِ؛ <strong>فلا يَنبَغِي أن تُؤخَذَ الكَمِيّةُ بنَظَرِ الِاعتِبارِ كَثِيرًا</strong>.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإخلاصَ في العَمَلِ ونُشدانَ الحَقِّ فيه إنَّما يُعرَفُ بصِدْقِ الرَّغبةِ في <strong>إِفادةِ المُسلِمِين عامّةً</strong> أَيًّا كان مَصدَرُ الِاستِفادةِ ومِن أيِّ شَخْصٍ صَدَر، وإلّا فحَصْرُ النَّظَرِ بأن يُؤخَذَ الدَّرسُ والإرشادُ مِنِّي فقط لِأَفُوزَ بالثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ هو حِيلةُ النَّفسِ وخَدِيعةُ الأَنانيّةِ.</p>
<p>فيا مَن يَحرِصُ على المَزِيدِ مِنَ الثَّوابِ ولا يَقْنَعُ بما قامَ به مِن أَعمالٍ لِلآخِرةِ..</p>
<p><strong>اِعْلَمْ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد بَعَث أَنبِياءَ كِرامًا، وما آمَنَ مَعَهُم إلّا قَلِيلٌ</strong>، ومعَ ذلك نالُوا ثَوابَ النُّبوّةِ العَظِيمِ كامِلًا غيرَ مَنقُوصٍ، فلَيسَ السَّبْقُ والفَضْلُ إذًا في كَثْرةِ التّابِعِين، وإنَّما في نَيْلِ شَرَفِ رِضَا اللهِ سُبحانَه؛ فمَنْ أَنتَ أيُّها الحَرِيصُ حتَّى تَتَدخَّلَ في تَدبِيرِ اللهِ وتَقْدِيرِه، مُتَغافِلًا عن واجِبِك قائِلًا: &#8220;فلْيَسمَعْنِي الكُلُّ&#8221;؟! <strong>قُمْ بأَداءِ واجِبِك، ولا تُحاوِلْ أن تَتَدخَّلَ في تَدبِيرِ اللهِ وتَقدِيرِه</strong>.. اِعْلَمْ أنَّ تَصْدِيقَ النّاسِ كَلامَك وقَبُولَهُم دَعْوَتَك وتَجَمُّعَهُم حَوْلَك إنَّما هُو مِن فَضْلِ اللهِ يُؤْتيه مَن يَشاءُ، فلا تَشْغَلْ نَفْسَك فيما يَخُصُّه سُبحانَه مِن تَقدِيرٍ وتَدبِيرٍ، بلِ اجْمَعْ هَمَّك في القِيامِ بما أُنِيطَ بك مِن واجِبٍ.</p>
<p>ثمَّ إنَّ الإِصغاءَ إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، ونَوالَ المُتَكلِّمِ بِهما الثَّوابَ ليس مُنحَصِرًا في الجِنسِ البَشَرِيِّ وَحْدَه، بل <strong>للهِ عِبادٌ مِن ذَوِي الشُّعُورِ ومِنَ الرُّوحانيِّين والمَلائِكةِ قد مَلَؤُوا أَركانَ الكَوْنِ وعَمَرُوها</strong>. فإن كُنتَ تُرِيدُ مَزِيدًا مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ فاسْتَمْسِكْ بالإِخلاصِ واتَّخِذْه أَساسًا لِعَمَلِك، واجْعَلْ مَرْضاةَ اللهِ وَحْدَها الهَدَفَ والغايةَ في عَمَلِك، كي تَحْيا أَفرادُ تلك الكَلِماتِ الطَّيِّبةِ المَنطُوقةِ مِن شَفَتَيْك مُنتَشِرةً في جَوِّ السَّماءِ بالإخلاصِ وبالنِّـيّةِ الخالِصةِ، لِتَصِلَ إلى أَسماعِ مَخلُوقاتٍ مِن ذَوِي المَشاعِرِ الَّذين لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ، فتُنوِّرَهم، وتَنالَ بها الثَّوابَ العَظِيمَ أَضْعافًا مُضاعَفةً.</p>
<p>ذلك لِأنَّك إذا قُلتَ: &#8220;الحَمْدُ للهِ&#8221; مَثلًا فستُكْتَبُ بأَمرِ اللهِ على إِثْرِ نُطْقِك بهذه الكَلِمةِ مَلايِينُ المَلايِينِ مِنَ &#8220;الحَمْدُ للهِ&#8221; صَغِيرةً وكَبِيرةً في الفَضاءِ؛ فلَقد خَلَق سُبحانَه ما لا يُعَدُّ مِنَ الآذانِ والأَسماعِ تُصْغِي إلى تلك الكَلِماتِ الكَثِيرةِ الطَّيِّبةِ، حيثُ لا عَبَثَ ولا إِسرافَ في عَمَلِ البارِئِ الحَكِيمِ، فإذا ما بَعَث الإخلاصُ والنِّيّةُ الصّادِقةُ الحَياةَ في تلك الكَلِماتِ المُنتَشِرةِ في ذَرّاتِ الهَواءِ فستَدْخُلُ أَسماعَ أُولَئِك الرُّوحانيِّين لَذِيذةً طَيِّبةً كلَذّةِ الفاكِهةِ الطَّيِّبةِ، ولكن إذا لم يَبْعَثْ رِضا اللهِ والإخلاصُ الحَياةَ في تلك الكَلِماتِ، فلا تُستَساغُ، بل تَنبُو عَنها الأَسماعُ، ويَبقَى ثَوابُها مُنحَصِرًا فيما تَفَوَّه به الفَمُ.. فلْيُصْغِ إلى هذا قُرّاءُ القُرآنِ الكَرِيمِ الَّذين يَتَضايَقُون مِنِ افْتِقارِ أَصْواتِهم إلى الجَوْدةِ والإِحسانِ، فيَشْكُون مِن قِلّةِ السّامِعِين لَهُم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 4: اتفاق سببُه المصلحة العاجلة]</h3>
<p><strong>السَّببُ الرّابعُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ وتَحاسُدَهُم ليس كائِنًا مِن عَدَمِ التَّفكُّرِ في مَصِيرِهم ولا مِن قِصَرِ نَظَرِهم، كما أنَّ الِاتِّفاقَ الجادَّ بينَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس ناشِئًا مِنَ القَلَقِ على المَصِيرِ ولا مِن سُمُوِّ نَظَرِهم وعُمْقِ رُؤْيَتِهم؛ بل إنَّ عَجْزَ أَهلِ الهِدايةِ عنِ الثَّباتِ على الِاستِقامةِ في السَّيْرِ، وتَقْصِيرَهُم عنِ الإخلاصِ في العَمَلِ يَحرِمُهُم مِنَ التَّمتُّعِ بمَزايا ذلك المُستَوَى الرَّفيعِ، فيَسقُطُون في هُوّةِ الِاختِلافِ رَغمَ كَوْنِهم يَستَرشِدُون بالعَقْلِ والقَلْبِ البَصِيرَيْنِ لِلعاقِبةِ، ويَستَفِيضُون مِنَ الحَقِّ والحَقِيقةِ، ولا يَمِيلُون معَ شَهَواتِ النَّفْسِ ولا معَ أَحاسِيسِهِمُ الكَلِيلةِ عن رُؤْيةِ العُقْبَى.</p>
<p>أمّا <strong>أَهلُ الضَّلالةِ</strong> فبِإغراءِ النَّفْسِ والهَوَى، وبمُقتَضَى المَشاعِرِ الشَّهَوِيّةِ والأَحاسِيسِ النَّفْسانيّةِ الكَلِيلةِ عن رُؤْيةِ العُقْبَى، والَّتي تُفَضِّلُ دِرْهَمًا مِن لَذّةٍ عاجِلةٍ على أَرْطالٍ مِنَ الآجِلةِ، تَراهُم <strong>يَتَّفِقُون فيما بَينَهُمُ اتِّفاقًا جادًّا، ويَجْتَمِعُون حَولَ الحُصُولِ على مَنفَعةٍ عاجِلةٍ ولَذّةٍ حاضِرةٍ</strong>.</p>
<p>نعم، إنَّ عَبِيدَ النَّفْسِ السَّفَلةَ مِن ذَوِي القُلُوبِ المَيتةِ والهائِمِين في الشَّهَواتِ الدَّنِيئةِ يَتَّحِدُون ويَتَّفِقُون فيما بَينَهُم على مَنافِعَ دُنيَوِيّةٍ عاجِلةٍ.. بَينَما يَنبَغِي لِأَهلِ الهِدايةِ الِاتِّفاقُ الجادُّ والِاتِّحادُ الكامِلُ والتَّضْحِيةُ المُثْمِرةُ والِاستِقامةُ الرَّصِينةُ فيما بَينَهُم، حيثُ إنَّهم يَتَوجَّهُون بنُورِ العَقْلِ وضِياءِ القَلْبِ إلى جَنْيِ كَمالاتٍ وثَمَراتٍ أُخْرَوِيّةٍ خالِدةٍ آجِلةٍ، ولكِن لِعَدَمِ تَجَرُّدِهم مِنَ الغُرُورِ والكِبْرِ والإِفْراطِ والتَّفْرِيطِ يُضَيِّعُون مَنْبَعًا عَظِيمًا ثَرًّا يُمِدُّهُم بالقُوّةِ، ألا وهُو الِاتِّفاقُ؛ فيَضِيعُ بدَوْرِه الإِخلاصُ ويَتَحطَّمُ، وتَتَضَعْضَعُ الأَعمالُ الأُخْرَوِيّةُ وتَذْهَبُ سُدًى، ويَصْعُبُ الوُصُولُ إلى نَيْلِ رِضَا اللهِ سُبحانَه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علاجُ الغرور بين أهل الحق]</h4>
<p>وعِلاجُ هذا المَرَضِ الوَبِيلِ ودَواؤُه هو:</p>
<p>الِافتِخارُ بصُحْبةِ السّالِكِين في مَنهَجِ الحَقِّ، ورَبْطُ عُرَى المَحَبّةِ معَهُم تَطْبِيقًا لِلحَدِيثِ الشَّرِيفِ: &#8220;الحُبُّ في اللهِ&#8221;، ثمَّ السَّيرُ مِن خَلْفِهِم وتَرْكُ شَرَفِ الإِمامةِ لَهُم، وتَرْكُ الإِعجابِ بالنَّفْسِ والغُرُورِ، بِناءً على احتِمالِ كَوْنِ سالِكِ الحَقِّ -أَيًّا كان- هو خَيْرًا مِنه وأَفْضَلَ، وذلك لِيَسْهُلَ نَيْلُ الإِخلاصِ.</p>
<p>ثمَّ العِلمُ بأنَّ دِرْهَمًا مِن عَمَلٍ خالِصٍ لِوَجْهِ اللهِ أَوْلَى وأَرْجَحُ مِن أَرْطالِ أَعمالٍ مَشُوبةٍ لا إِخْلاصَ فيها.</p>
<p>ثمَّ إِيثارُ البَقاءِ في مُستَوَى التّابِعِ دُونَ التَّطَلُّعِ إلى تَسَلُّمِ المَسؤُولِيّةِ الَّتي قَلَّما تَسْلَمُ مِنَ الأَخْطارِ.</p>
<p>بهذه الأُمُورِ يُعالَجُ هذا المَرَضُ الوَبِيلُ ويُعافَى مِنه، ويَظفَرُ المُؤْمِنُ بالإِخلاصِ، ويكُونُ مِمَّن أَدَّى أَعمالَه الأُخْرَوِيّةَ حَقَّ الأَداءِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 5: اتفاقٌ سببُه الضعف]</h3>
<p><strong>السَّببُ الخامِسُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ وعَدَمَ اتِّفاقِهِم ليس نابِعًا مِن ضَعْفِهِم، كما أنَّ الِاتِّفاقَ الصّارِمَ بينَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس نابِعًا مِن قُوَّتِهم؛ بل إنَّ <strong>عَدَمَ اتِّفاقِ أَهلِ الهِدايةِ ناجِمٌ عن عَدَمِ شُعُورِهِم بالحاجةِ إلى القُوّةِ،</strong> لِمَا يُمِدُّهُم به إيمانُهُمُ الكامِلُ مِن مُرتَكَزٍ قَوِيٍّ.</p>
<p>وإنَّ <strong>اتِّفاقَ أَهلِ الغَفْلةِ والضَّلالةِ ناجِمٌ عنِ الضَّعْفِ والعَجْزِ</strong>، حيثُ لا يَجِدُون في وِجْدانِهم مُرَتَكَزًا يَستَنِدُون إلى قُوَّتِه، فلِفَرْطِ احتِياجِ الضُّعَفاءِ إلى الِاتِّفاقِ تَجِدُهُم يَتَّفِقُون اتِّفاقًا قَوِيًّا، ولِضَعْفِ شُعُورِ الأَقْوِياءِ بالحاجةِ إلى الِاتِّفاقِ يكُونُ اتِّفاقُهُم ضَعِيفًا؛ مَثَلُهُم في هذا كمَثَلِ الأُسُودِ والثَّعالِبِ الَّتي لا تَشعُرُ بالحاجةِ إلى الِاتِّفاقِ، فتَعِيشُ فُرادَى، بَينَما الوَعْلُ والماعِزُ الوَحْشِيُّ تَعِيشُ قُطْعانًا خَوْفًا مِنَ الذِّئابِ.</p>
<p>أي إنَّ جَمْعِيّةَ الضُّعَفاءِ والشَّخْصَ المَعنَوِيَّ المُمَثِّلَ لَهُم قَوِيٌّ، كما أنَّ جَمْعِيّةَ الأَقْوِياءِ والشَّخْصَ المَعنَوِيَّ المُمَثِّلَ لَهُم ضَعِيفٌ<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>.</p>
<p>وهُناك إِشارةٌ لَطِيفةٌ إلى هذا السِّرِّ في نُكْتةٍ قُرآنيّةٍ ظَرِيفةٍ، وهي إِسنادُ الفِعْلِ &#8220;قالَ&#8221; بِصِيغةِ المُذَكَّرِ إلى جَماعةِ الإِناثِ معَ كَوْنِها مُؤَنَّثةً مُضاعَفةً، وذلك في قَوْلِه تَعالَى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾، بَينَما جاءَ الفِعلُ &#8220;قالَت&#8221; بصِيغةِ المُؤَنَّثِ في قَوْلِه تَعالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ وهُم جَماعةٌ مِنَ الذُّكُورِ، مِمّا يُشِيرُ إِشارةً لَطِيفةً إلى أنَّ جَماعةَ النِّساءِ الضَّعِيفاتِ اللَّطِيفاتِ تَتَخاشَنُ وتَتَقوَّى وتَكْسِبُ نَوْعًا مِنَ الرُّجُولةِ، فاقْتَضَتِ الحالُ صِيغةَ المُذَكَّرِ، فجاءَ فِعلُ &#8220;قالَ&#8221; مُناسِبًا وفي غايةِ الجَمالِ؛ أمّا الرِّجالُ الأَقْوِياءُ فلِأَنَّهُم يَعتَمِدُون على قُوَّتِهم ولا سِيَّما الأَعْرابُ البَدَوِيُّون فتكُونُ جَماعَتُهم ضَعِيفةً كأنَّها تَكْسِبُ نَوْعًا مِن خاصِّيّةِ الأُنُوثةِ مِن تَوَجُّسٍ وحَذَرٍ ولُطْفٍ ولِينٍ، فجاءَت صِيغةُ التَّأْنِيثِ لِلفِعْلِ مُلائِمةً جِدًّا في قَوْلِه تَعالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾.</p>
<p>نعم، إنَّ الَّذين يَنشُدُون الحَقَّ لا يَرَوْن وَجْهَ الحاجةِ إلى مُعاوَنةِ الآخَرِين لِما يَحْمِلُون في قُلُوبِهِم مِن إِيمانٍ قَوِيٍّ يُمِدُّهُم بسَنَدٍ عَظِيمٍ، ويَبْعَثُ فِيهِمُ التَّوَكُّلَ والتَّسْلِيمَ، حتَّى لوِ احتاجُوا إلى الآخَرِين فلا يَتَشبَّثُون بهم بقُوّةٍ؛ أمّا الَّذين جَعَلُوا الدُّنيا هَمَّهُم، فلِغَفْلَتِهم عن نُقطةِ استِنادِهِم ومُرتَكَزِهِمُ الحَقِيقيِّ يَجِدُون في أَنفُسِهِمُ الضَّعْفَ والعَجْزَ في إِنجازِ أُمُورِ الدُّنيا، فيَشْعُرُون بحاجةٍ مُلِحّةٍ إلى مَن يَمُدُّ لَهُم يَدَ التَّعاوُنِ، فيَتَّفِقُون مَعَهُمُ اتِّفاقًا جادًّا لا يَخْلُو مِن تَضْحِيةٍ وفِداءٍ.</p>
<p>وهكذا، فلِأنَّ طُلّابَ الحَقِّ لا يُقَدِّرُون قُوّةَ الحَقِّ الكامِنةَ في الِاتِّفاقِ ولا يُبالُون بها، يَنساقُون إلى نَتِيجةٍ باطِلةٍ وَخِيمةٍ تلك هي الِاختِلافُ؛ بَينَما أَهلُ الباطِلِ والضَّلالةِ فلِأَنَّهم يَشعُرُون -بسَبَبِ عَجْزِهم وضَعْفِهم- بما في الِاتِّفاقِ مِن قُوّةٍ عَظِيمةٍ، فقد نالُوا أَمْضَى وَسِيلةٍ تُوصِلُهم إلى أَهْدافِهم، تلك هي الِاتِّفاقُ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علاج تفرق الكلمة]</h4>
<p>وطَرِيقُ النَّجاةِ مِن هذا الواقِعِ الباطِلِ الأَلِيمِ والتَّخَلُّصِ مِن هذا المَرَضِ الفَتّاكِ -مَرَضِ الِاختِلافِ الَّذي أَلَمَّ بأَهْلِ الحَقِّ- هو اتِّخاذُ النَّهْيِ الإِلٰهِيِّ في الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، واتِّخاذُ الأَمرِ الرَّبّانِيِّ في الآيةِ الكَرِيمةِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ دُسْتُورَينِ لِلعَمَلِ في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ.</p>
<p>ثمَّ العِلمُ بمَدَى ما يُسَبِّبُه الِاختِلافُ مِن ضَرَرٍ بَلِيغٍ في الإِسلامِ والمُسلِمِين، وبِمَدَى ما يُيَسِّرُ السَّبِيلَ أَمامَ أَهلِ الضَّلالةِ لِيَبسُطُوا أَيدِيَهُم على أَهلِ الحَقِّ.</p>
<p>ثمَّ الِالْتِحاقُ بقافِلةِ الإِيمانِ الَّتي تَنشُدُ الحَقَّ، والِانخِراطُ في صُفُوفِها بِتَضْحِيةٍ وفِداءٍ وبشُعُورٍ نابِعٍ مِن عَجْزٍ كامِلٍ وضَعْفٍ تامٍّ، وذلك معَ نُكْرانِ الذّاتِ والنَّجاةِ مِنَ الرِّياءِ ابتِغاءَ الوُصُولِ إلى نَيْلِ شَرَفِ الإِخلاصِ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 6: اتفاقٌ سببُه غايات دنيوية]</h3>
<p><strong>السَّببُ السّادس:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ ليس ناشِئًا مِن فِقْدانِ الشَّهامةِ والرُّجُولةِ، ولا مِنِ انحِطاطِ الهِمّةِ وانعِدامِ الحَمِيّةِ؛ كما أنَّ الِاتِّفاقَ الجادَّ بينَ الغافِلِين الضّالِّين الَّذين يَبغُون الدُّنيا في أُمُورِهِم ليس ناشِئًا مِنَ الشَّهامةِ والرُّجُولةِ، ولا مِنَ الحَمِيّةِ وعُلُوِّ الهِمّةِ؛ بل <strong>إنَّ أَهلَ الحَقِّ وَجَّهُوا نَظَرَهُم إلى ثَوابِ الآخِرةِ على الأَكْثَرِ،</strong> فتَوَزَّعَ ما لَدَيهِم مِن حَمِيّةٍ وهِمّةٍ وشَهامةٍ إلى تلك المَسائِلِ المُهِمّةِ والكَثِيرةِ، ونَظَرًا لِكَوْنِهم لا يَصْرِفُون أَكثَرَ وَقْتِهمُ الَّذي هو رَأْسُ مالِهِمُ الحَقِيقِيُّ إلى مَسأَلةٍ مُعَيَّنةٍ واحِدةٍ، فلا يَنعَقِدُ اتِّفاقُهُم عَقْدًا مُحْكَمًا معَ السّالِكِين في نَهْجِ الحَقِّ، حيثُ إنَّ المَسائِلَ كَثِيرةٌ والمَيْدانَ واسِعٌ جِدًّا.</p>
<p>أمّا الدُّنيَوِيُّون الغافِلُون، فلِكَوْنِهم يَحصُرُون نَظَرَهم حَصْرًا في الحَياةِ الدُّنيا -فهِيَ أَكبَرُ هَمِّهِم ومَبلَغُ عِلْمِهم- تَراهُم يَرتَبِطُون معَها بأَوْثَقِ رِباطٍ وبكُلِّ ما لَدَيهِم مِن مَشاعِرَ ورُوحٍ وقَلْبٍ؛ فأَيُّما شَخْصٍ يَمُدُّ لَهُم يَدَ المُساعَدةِ يَستَمْسِكُون بها بقُوّةٍ، فهُم يَحصُرُون وَقْتَهُمُ الثَّمِينَ جِدًّا في قَضايا دُنيَوِيّةٍ لا تُساوِي شَيْئًا في الحَقِيقةِ لَدَى أَهلِ الحَقِّ، مَثَلُهُم في هذا كمَثَلِ ذلك الصّائِغ اليَهُودِيِّ المَجنُونِ الَّذي اشتَرَى قِطَعًا زُجاجِيّةً تافِهةً بأَثْمانِ الأَحجارِ الكَرِيمةِ الباهِظةِ. فابتِياعُ الشَّيءِ بأَثْمانٍ باهِظةٍ، وصَرْفُ المَشاعِرِ كُلِّها نَحوَه يُؤَدِّي حَتْمًا إلى النَّجاحِ والتَّوفيقِ ولو كان في طَرِيقٍ باطِلٍ، لأنَّ فيه إِخلاصًا جادًّا.</p>
<p>ومِن هُنا يَتَغلَّبُ أَهلُ الباطِل على أَهلِ الحَقِّ، فيَفقِدُ أَهلُ الحَقِّ الإخلاصَ، ويَسقُطُون في مَهاوِي الذُّلِّ والتَّصَنُّعِ والرِّياءِ، ويُضطَرُّون إلى التَّمَلُّقِ والتَّزَلُّفِ إلى أَربابِ الدُّنيا المَحرُومِين مِن كُلِّ مَعاني الشَّهامةِ والهِمّةِ والغَيْرةِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علاج مرض الاختلاف]</h4>
<p>فيا أَهلَ الحَقِّ، ويا أَهلَ الشَّرِيعةِ والحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ، ويا مَن تَنشُدُون الحَقَّ لِأَجلِ الحَقِّ.. اِسْعَوْا في دَفْعِ هذا المَرَضِ الرَّهِيبِ -مَرَضِ الِاختِلافِ- بِتَأَدُّبِكُم بالأَدَبِ الفُرقانِيِّ العَظِيمِ، ألا وهُو: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، فاعْفُوا عن هَفَواتِ إِخوانِكُم واصْفَحُوا عن تَقْصِيراتِهم، وغُضُّوا أَبصارَكُم عن عُيُوبِ بَعضِكُم بَعضًا، ودَعُوا المُناقَشاتِ الدّاخِلِيّةَ جانِبًا، فالأَعداءُ الخارِجِيُّون يُغِيرُون علَيكُم مِن كُلِّ صَوْبٍ.</p>
<p>واجْعَلُوا إِنقاذَ أَهلِ الحَقِّ مِنَ السُّقُوطِ والذِّلّةِ مِن أَهَمِّ واجِباتِكُمُ الأُخرَوِيّةِ وأَوْلاها بالِاهتِمامِ، وامْتَثِلُوا لما تَأْمُرُكُم به مِئاتُ الآياتِ الكَرِيمةِ والأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ مِنَ التَّآخِي والتَّحابُبِ والتَّعاوُنِ، واسْتَمْسِكُوا بكُلِّ مَشاعِرِكُم بعُرَى الِاتِّفاقِ والوِفاقِ معَ إِخوانِكُم في الدِّينِ ونَهْجِ الحَقِّ المُبِينِ بأَشَدَّ مِمّا يَستَمْسِكُ به الدُّنيَوِيُّون الغافِلُون، واحْذَرُوا دائِمًا مِنَ الوُقُوعِ في شِباكِ الِاختِلاِف.</p>
<p>ولا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: &#8220;سأَصْرِفُ وَقْتِي الثَّمِينَ في قِراءةِ الأَوْرادِ والأَذكارِ وفي التَّأَمُّلِ، بَدَلًا مِن أن أَصْرِفَه في مِثلِ هذه الأُمُورِ الجُزئيّةِ&#8221;، فيَنسَحِبَ مِنَ المَيْدانِ ويُصْبِحَ وَسِيلةً في تَوْهِينِ الِاتِّفاقِ والِاتِّحادِ، وسَبَبًا في إِضْعافِ الجَماعةِ المُسلِمةِ، ذلك لِأَنَّ المَسائِلَ الَّتي تَظُنُّونَها جُزئيّةً وبَسِيطةً رُبَّما هي على جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الأَهَمِّيّةِ في هذا الجِهادِ المَعنَوِيِّ.</p>
<p>فكما أنَّ مُرابَطةَ جُندِيٍّ في ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ الإسلامِيّةِ -ضِمنَ شَرائِطَ خاصّةٍ مُهِمّةٍ- لِساعةٍ مِنَ الوَقتِ قد تكُونُ بمَثابةِ سَنةٍ مِنَ العِبادةِ، فإنَّ يَوْمَك الثَّمِينَ هذا الَّذي تَصْرِفُه في مَسأَلةٍ جُزئِيّةٍ مِن مَسائِلِ الجِهادِ المَعنَوِيِّ -ولا سِيَّما في هذا الوَقتِ العَصِيبِ الَّذي غُلِبَ أَهلُ الحَقِّ فيه على أَمْرِهِم- أَقُولُ: إنَّ يَوْمَك هذا رُبَّما يَأْخُذُ حُكْمَ ساعةٍ مِن مُرابَطةِ ذلك الجُندِيِّ، أي: يكُونُ ثَوابُه عَظِيمًا، بل رُبَّما يكُونُ يَومُك هذا كأَلفِ يَوْمٍ، <strong>إذ ما دامَ العَمَلُ لِوَجْهِ اللهِ وفي سَبِيلِه فلا يُنظَرُ إلى صِغَرِه وكِبَرِه ولا إلى سُمُوِّه وتَفاهَتِه، فالذَّرَّة في سَبِيلِ رِضاه سُبحانَه معَ الإِخلاصِ تُصبِحُ نَجْمةً مُتَلَأْلِئةً، فلا تُؤْخَذُ ماهِيّةُ الوَسِيلةِ بنَظَرِ الِاعتِبارِ، وإنَّما العِبْرةُ في النَّتِيجةِ والغايةِ،</strong> وحيثُ إنَّها رِضَا اللهِ سُبحانَه، وأنَّ أَساسَ العَمَلِ هو الإخلاصُ، فلَن تكُونَ تلك المَسأَلةُ إذًا مَسأَلةً صَغِيرةً، بل هي كَبِيرةٌ وعَظِيمةٌ.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب 7: اتفاقٌ سببُه الحرص]</h3>
<p><strong>السَّببُ السّابعُ:</strong><strong>‌</strong></p>
<p>إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ ومُنافَسَتَهُم ليس ناشِئًا مِنَ الغَيْرةِ فيما بَينَهُم ولا مِنَ الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا، كما أنَّ اتِّفاقَ الدُّنيَوِيِّين الغافِلِين ليس مِن كَرامَتِهِم وشَهامَتِهِم؛ بل إنَّ أَهلَ الحَقِيقةِ لم يَتَمكَّنُوا مِنَ الحِفاظِ على الفَضائِلِ والمَكارِمِ الَّتي يَحصُلُون علَيْها مِن تَمَسُّكِهِم بالحَقِيقةِ ولم يَستَطِيعُوا البَقاءَ والثَّباتَ ضِمْنَ مُنافَسةٍ شَرِيفةٍ نَزِيهةٍ في سَبِيلِ الحَقِّ، بِتَسَلُّلِ القاصِرِين مِنهُم في هذا المَيدانِ؛ لِذا فقد أَساؤُوا بعضَ الإِساءةِ إلى تلك الصِّفاتِ المَحمُودةِ، وسَقَطُوا في الِاختِلافِ والخِلافِ نَتِيجةَ التَّحاسُدِ، فأَضَرُّوا بأَنفُسِهِم وبجَماعةِ المُسلِمِين أَيَّما ضَرَرٍ.</p>
<p>أمّا الضَّالُّون والغافِلُون فنَظَرًا لِفِقْدانِهِمُ المُرُوءةَ والحَمِيّةَ لِعَجْزِهِم وذِلَّتِهِم، فقد مَدُّوا أَيدِيَهُم واتَّحَدُوا اتِّحادًا صادِقًا معَ أُناسٍ أيًّا كانُوا، بل معَ الدَّنِيئِين الوَضِيعِين مِنَ النّاسِ كَيْلا تَفُوتَهُم مَنافِعُ يَلْهَثُون وَراءَها، ولا يُسخِطُوا أَصدِقاءَهم ورُؤَساءَهُمُ الَّذين يَأْتَمِرُون بأَوامِرِهِم إلى حَدِّ العِبادةِ، لِذا اتَّفَقُوا معَ مَن يُشارِكُهُم في الأَمرِ اتِّفاقًا جادًّا، واجْتَمَعُوا معَ مَن يَجْتَمِعُ حَوْلَ تلك المَنافِعِ بأيِّ شَكْلٍ مِن أَشكالِ الِاجتِماعِ، فبَلَغُوا إلى ما يَصبُون إلَيْه مِن جَرَّاءِ هذا الجِدِّ والحَزْمِ في الأَمرِ.</p>
<p>فيا أَهلَ الحَقِّ وأَصحابَ الحَقِيقةِ، ويا مَنِ ابتُلِيتُم بِبَلْوَى الِاختِلافِ.. لقد ضَيَّعتُمُ الإِخلاصَ في هذا الظَّرْفِ العَصِيبِ، ولم تَجعَلُوا رِضَا اللهِ الغايةَ الوَحِيدةَ لِمَسْعاكُم، فمَهَّدتُّمُ السُّبُلَ لِإِسقاطِ أَهلِ الحَقِّ مَغلُوبِين على أَمرِهِم، وجَرَّعتُمُوهُم مَرارةَ الذُّلِّ والهَوانِ.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أمور الدين ليست محل تنافس وتحاسد]</h4>
<p>اِعْلَمُوا أنَّه <strong>ما يَنبَغِي أن يكُونَ حَسَدٌ ولا مُنافَسةٌ ولا غَيْرةٌ ولا غِبطةٌ في أُمُورِ الدِّينِ والآخِرةِ،</strong> فلَيس فيها في نَظَرِ الحَقِيقةِ أَمثالُ هذه الأُمُورِ، ذلك لأنَّ مَنشَأَ الحَسَدِ والمُنافَسةِ إنَّما هُو مِن تَطاوُلِ الأَيدِي الكَثِيرةِ على شَيءٍ واحِدٍ، وحَصْرِ الأَنظارِ إلى مَقامٍ واحِدٍ، واشْتِهاءِ المَعِداتِ الكَثِيرةِ طَعامًا واحِدًا، فتَؤُولُ إلى الغِبطةِ وبَعدَها إلى الحَسَدِ وذلك بسَبب المُسابَقةُ والمُزاحَمةُ. ولَمّا كانَتِ الدُّنيا ضَيِّقةً ومُؤَقَّتةً ولا تُشبِعُ رَغَباتِ الإنسانِ ومَطالِبَه الكَثِيرةَ، وحَيثُ إنَّ الكَثِيرِين يَتَهالَكُون على شَيءٍ واحِدٍ، فالنَّتِيجةُ إذًا السُّقُوطُ في هاوِيةِ الحَسَدِ والمُنافَسةِ؛ أمّا في الآخِرةِ الفَسِيحةِ فلِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَنّةٌ عَرْضُها السَّماواتُ والأَرضُ، تَمتَدُّ إلى مَسافةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>، ولِكُلٍّ مِنهُم سَبعُون أَلْفًا مِنَ الحُورِ والقُصُورِ، فلا مُوجِبَ هُناك إذًا لِلحَسَدِ والمُنافَسةِ قَطُّ. فيَدُلُّنا هذا على أنَّه <strong>لا حَسَدَ ولا مُشاحَنةَ في الأَعمالِ الصّالِحةِ المُتَوجِّهةِ إلى الآخِرةِ</strong>، أي: لا مَجالَ للمُنافَسةِ والتَّحاسُدِ فيها، فمَن تَحاسَدَ فهو لا شَكَّ مُراءٍ. أي: إنَّه يَتَحرَّى مَغانِمَ دُنيَوِيّةً تَحتَ سِتارِ الدِّينِ، ويَبحَثُ عن مَنافِعَ باسمِ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ أو إنَّه صَدِيقٌ جاهِلٌ لا يَعلَمُ أَينَ وِجهةُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ولم يُدرِكْ بَعدُ أنَّ الإِخلاصَ رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ وأَساسُها، فيَتَّهِمُ سَعةَ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ كأنَّها لا تَسَعُه، ويَبدَأُ بالحَسَدِ والمُنافَسةِ والمُزاحَمةِ مُنطَوِيًا في قَرارةِ نَفسِه على نَوعٍ مِنَ العَداءِ معَ أَوْلِياءِ اللهِ الصَّالِحِين الصَّادِقِين.</p>
<p>وسأَذكُرُ هُنا حادِثةً تُؤيِّدُ هذه الحَقِيقةَ:</p>
<p>كان أَحَدُ أَصدِقائِنا السَّابِقِين يَحمِلُ في قَلْبِه ضَغِينةً وعَداءً نَحوَ شَخصٍ مُعَيَّنٍ، وعِندَما أُثنِيَ على هذا الشَّخصِ أَمامَه في مَجلِسٍ وقِيلَ في حَقِّه: &#8220;إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ، إنَّه وَلِيٌّ مِن أَوْلِياءِ اللهِ&#8221; رَأَيْنا أنَّ هذا الكَلامَ لم يُحرِّكْ فيه شَيْئًا، فلم يُبْدِ ضِيقًا مِنَ الثَّناءِ على عَدُوِّه؛ ولَكِن عِندَما قال أَحَدُهم: &#8220;إنَّه قَوِيٌّ وشُجاعٌ&#8221; رَأَيْناه قدِ انتَفَضَ عِرْقُ الحَسَدِ والغَيْرةِ لَدَيْه.</p>
<p>فقُلْنا له: &#8220;يا هَذا إنَّ مَرتَبةَ الوِلايةِ والتَّقوَى مِن أَعظَمِ المَراتِبِ في الآخِرةِ، فلا يُقاسُ علَيْها شَيءٌ آخَرُ، فأَينَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيّا؟! لقد شاهَدْنا أنَّ ذِكْرَ هذه المَرتَبةِ لم يُحَرِّك فيك ساكِنًا، بَينَما ذِكْرُ القُوّةِ العَضَلِيّةِ الَّتي تَملِكُها حتَّى الثِّيرانُ والشَّجاعةُ الَّتي تَملِكُها السِّباعُ قد أَثارَتَا فيك نَوازِعَ الحَسَدِ&#8221;!</p>
<p>أَجابَ: &#8220;لقدِ استَهْدَفْنا كِلانا هَدَفًا ومَقامًا مُعَيَّنًا في هذه الدُّنيا، فالقُوّةُ والشَّجاعةُ وأَمثالُهُما هي مِن وَسائِلِ الوُصُولِ إلى ما استَهْدَفْناه مِن مَرتَبةٍ دُنيَوِيّةٍ، فلِأَجلِ هذا شَعَرتُ بدَواعِي المُنافَسةِ والحَسَدِ؛ أمَّا مَنازِلُ الآخِرةِ ومَراتِبُها فلا تُحَدُّ بحُدُودٍ، ورُبَّما يُصبِحُ هُناك مَن كان عَدُوًّا لي أَحَبَّ صَدِيقٍ وأَعَزَّه&#8221;.</p>
<p>فيا أَهْلَ الحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ، إنَّ خِدْمةَ الحَقِّ ليس شَيْئًا هَيِّنًا، بل هي أَشْبَهُ ما تكُونُ بحَمْلِ كَنزٍ عَظِيمٍ ثَقِيلٍ والحِفاظِ علَيْه، فكُلَّما سارَعَت أَيدٍ قَوِيّةٌ وسَواعِدُ مَتِينةٌ لِمُساعَدةِ حامِلِيه وتَخفِيفِ العِبْءِ عن كَواهِلِهِم، كانَ ذلك أَدعَى لِفَرَحِهِم وسُرُورِهِم وامتِنانِهِم لا لِغَيرَتِهِم؛ ومُوجِبًا لِأَن يُقابِلُوا هَؤُلاءِ الأَعوانَ الجُدُدَ بِخالِصِ المَحَبّةِ الصّادِقةِ، ويُرَحِّبُوا بِهِم بِحَماسٍ، ويَفخَرُوا بِانضِمامِ إِخوةٍ لَهُم يَفُوقُونَهُم قُوَّةً وعَوْنًا وتَأْثِيرًا.</p>
<p>أَجَل، هذا هو اللَّازِمُ، فلِمَ إذًا يُنظَرُ إلَيْهِم نَظَرَ المُنَافَسة، فيَفسُدُ الإِخلاصُ نَتِيجةَ هذه الحالةِ، وتكُونُ أَعمالُكُم ومُهِمَّتُـكُم مَوْضِعَ تُهَمِ الضَّالِّين، فيَضَعُونَـكُم في مُستَوًى أَقَلَّ مِنكُم وأَوْطَأَ مِن مَسلَكِكُم بكَثِيرٍ، بل يَقرِنُونَـكُم معَ أُولَئِك الَّذين يَأْكُلُون الدُّنيا بالدِّينِ، ويُضَمِّنُون عَيْشَهُم تَحتَ سِتارِ عِلْمِ الحَقِيقةِ، ويَجعَلُونَـكُم مِنَ المُتَنافِسِين الحَرِيصِين على حُطامِ الدُّنيا، وأَمثالِها مِنَ الِاتِّهاماتِ الظّالِمةِ؟!</p>
<h4 style="text-align: center;">[علاج التنافس بين أهل الحق]</h4>
<p>إنَّ العِلاجَ الوَحِيدَ لِهَذا المَرَضِ هو اتِّهامُ المَرءِ نَفسَه، والِانحِيازُ إلى جِهةِ رَفيقِه في نَهْجِ الحَقِّ الِّذي إِزاءَه، وعَدَمُ الِانحِرافِ عن دُستُورِ الإِنصافِ وابتِغاءِ الحَقِّ الَّذي ارْتَضاه عُلَماءُ فَنِّ الآدابِ والمُناظَرةِ وهو: &#8220;إذا أَرادَ المَرءُ أن يَظهَرَ الحَقُّ على لِسانِه دُونَ غيرِه -في مُناظَرةٍ مُعَيَّنةٍ- وانسَرَّ لِذلِك واطْمَأَنَّ أن يكُونَ خَصْمُه على باطِلٍ وخَطَأٍ فهُو ظالِمٌ غيرُ مُنصِفٍ&#8221;، فَضْلًا عن أنَّه يَتَضرَّرُ نَتِيجةَ ذلك لِأَنَّه لم يَتَعلَّم شَيْئًا جَدِيدًا -مِن تلك المُناظَرةِ- بظُهُورِ الحَقِّ على لِسانِه، بل قد يَسُوقُه ذلك إلى الغُرُورِ فيَتَضَرَّرُ.. بَينَما إذا ظَهَر الحَقُّ على لِسانِ خَصْمِه فلا يَضُرُّه شَيءٌ ولا يَبعَثُ فيه الغُرُورَ، بل يَنتَفِعُ بتَعَلُّمِه شَيئًا جَدِيدًا. أي: إنَّ طالِبَ الحَقِّ المُنصِفَ يُسخِطُ نَفسَه لِأَجْلِ الحَقِّ، وإذا ما رَأَى الحَقَّ لَدَى خَصْمِه رَضِيَ به وارتاحَ إلَيْه. فلَوِ اتَّخَذَ أَهلُ الدِّينِ والحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ والعِلْمِ هذا الدُّستُورَ دَلِيلًا لَهُم في حَياتِهِم وعَمَلِهم، فإنَّهُم سيَظْفَرُون بالإِخلاصِ بإِذنِ اللهِ، ويُفلِحُون في أَعمالِهِمُ الأُخرَوِيّةِ، ويَنجُون برَحْمةٍ مِنه سُبحانَه وفَضْلٍ مِن هذه المُصِيبةِ الكُبْرَى الَّتي أَلَمَّت بهم وأَحاطَت بهم مِن كُلِّ جانِبٍ.</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;تَحذِيرٌ: إنَّ إقبالَ النّاسِ وتَوَجُّهَهم لا يُطلَبُ، بل يُوهَبُ، ولو حَصَل الإقبالُ فلا يُسَرُّ به. وإذا ما ارتاحَ المَرءُ لِتَوجُّهِ النّاسِ إلَيْه فقد ضَيَّعَ الإخلاصَ ووَقَع في الرِّياءِ. أمّا التَّطَلُّعُ إلى نَيلِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ مِمّا يَتَضمَّنُ تَوَجُّهَ النّاسِ والرَّغبةَ في إِقبالِهم فهُو ليس بأُجْرةٍ ولا ثَوابٍ، بل عِتابٌ وعِقابٌ نابِعانِ مِن فِقْدانِ الإخلاصِ. نعم، إنَّ تَوَجُّهَ النّاسِ وإِقبالَهُم لا يُرادُ، لأنَّ ما فيه مِن لَذّةٍ جُزْئيّةٍ تَضُرُّ بالإخلاصِ الَّذي هو رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ثمَّ إنَّه لا يَستَمِرُّ إلَّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ. فَضْلًا عن أنَّه يَكتَسِبُ ما وَراءَ القَبْرِ صُورةً أَلِيمةً مِن عَذابِ القَبْرِ. فلا يُرغَبُ في تَوَجُّهِ النّاسِ ونَيلِ رِضاهُم إذًا، بل يَلْزَمُ الفِرارُ والتَّهَيُّبُ مِنه. فلْيُصْغِ إلى هذا عُبَّادُ الشُّهْرةِ والمُتَلهِّفُون على كَسْبِ رِضَا النّاسِ.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لا بُدَّ مِن جَعْلِ شِيمةِ &#8220;الإيثارِ&#8221; الَّتي تَحَلَّى بها الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهم ونالُوا بها ثَناءَ القُرآنِ الكَرِيمِ نُصْبَ العَينِ، واتِّخاذِها دَليلًا ومُرشِدًا، وهذا يَعنِي: تَفْضِيلَ الآخَرِين على النَّفسِ عِندَ قَبُولِ الهَدايا والصَّدَقاتِ، وعَدَمَ قَبُولِ شَيءٍ مُقابِلَ ما يقُومُ به المَرءُ مِن خِدْماتٍ في سَبِيلِ الدِّينِ، بل لا يَطلُبُه قَلْبًا. وإذا حَصَل شَيءٌ مِن هذا القَبِيلِ فلْيَعُدَّه إِحسانًا إِلٰهِيًّا مَحْضًا، مِن دُونِ البَقاءِ تَحتَ مِنّةِ النّاسِ، إذ ما يَنبَغِي أن يُسأَلَ شَيءٌ في الدُّنيا لِقاءَ خِدْماتٍ في سَبِيلِ الدِّينِ، لِئلَّا يَضِيعَ الإخلاصُ؛ فالأُمّةُ وإن كان علَيْها أن تَضْمَنَ مَعاشَ هَؤُلاءِ، كما أنَّهم يَستَحِقُّون الزَّكاةَ، إلّا أنَّ هَؤُلاء العامِلِين لا يَسأَلُون النّاسَ شَيْئًا ورُبَّما يُوهَبُ لَهُم، حتَّى لو وُهِبَ لَهُم شَيءٌ فلا يَأْخُذُونَه لِقِيامِهم في خِدْمةِ الدِّينِ. فالأَفضَلُ إيثارُ مَن هُم أَهلٌ لَها على النَّفْسِ، والرِّضَا بما قَسَم اللهُ مِن رِزقٍ والقَناعةُ به، كي يَحظَى المَرءُ بالثَّناءِ القُرآنِيِّ العَظِيمِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، وعِندَئِذٍ يكُونُ ظافِرًا بالإخلاصِ ومُنقِذًا نَفسَه مِن شُرُورِ هذه التَّهلُكةِ الخَطِرة.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نعم، إنَّ دُستُور &#8220;مَن طَلَب وَجَدَّ وَجَدَ&#8221; مِن دَساتيرِ الحَقِيقةِ، لَه مِنَ السَّعةِ والشُّمُولِ ما يَشمَلُ مَسْلَكَنا أَيضًا.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد ثَبَت في الحَدِيثِ الصَّحيحِ أنَّ المُتَديِّنين الحَقِيقيِّين مِنَ النَّصارَى سيَتَّفِقُون في آخِرِ الزَّمانِ مُستَنِدِين إلى أَهلِ القُرآنِ لِلوُقُوفِ معًا تِجاهَ عَدُوِّهِمُ المُشتَرَكِ: الزَّندَقةِ، لِذا فأَهلُ الإيمانِ والحَقِيقةِ في زَمانِنا هذا لَيسُوا بحاجةٍ إلى الِاتِّفاقِ الخالِصِ وَحْدَه فيما بَينَهُم، بل مَدْعُوُّون أَيضًا إلى الِاتِّفاقِ حتَّى معَ الرُّوحانيِّين المُتَديِّنين الحَقِيقيِّين مِنَ النَّصارَى، فيَتْرُكُوا مُؤَقَّتًا كلَّ ما يُثِيرُ الخِلافاتِ والمُناقَشاتِ دَفْعًا لِعَدُوِّهِمُ المُشتَرَكِ المُلحِدِ المُتَعدِّي.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إنَّ ما يُؤيِّدُ دَعْوانا هذه هو أنَّ أَقوَى المُنَظَّماتِ الأَورُوبِّيةِ وأَكثَرَها تَأْثِيرًا في المُجتَمَعِ وأَشَدَّها مِن جِهةٍ، هي مُنَظَّماتُ النِّساءِ -وهُنَّ الجِنسُ اللَّطِيفُ- في أَمرِيكا الَّتي تُطالِبُ بحُقُوقِ المَرأةِ وحُرِّيَّتِها.. وكذلك مُنَظَّماتُ الأَرْمَنِ الَّذين هُم أَقَلِّيّةٌ وضُعَفاءُ بينَ الأُمَمِ، إلّا أنَّهم يُبدُون تَضْحِيةً وبَسالةً فائِقةً.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;
<strong>سؤالٌ مُهِمٌّ وارِدٌ مِن جانِبٍ عَظِيمِ الأَهَمِّيّة</strong>: كيف تَستَوعِبُ عُقُولُنا الدُّنيَوِيّةُ القاصِرةُ حَقِيقةَ ما رُوِي أنَّ المُؤمِنَ يُمنَحُ جَنّةً عَرضُها خَمسُ مِئةِ سَنةٍ؟<br /><br />
<strong>الجَوابُ</strong>: كما أنَّ لِكُلِّ شَخصٍ في هذه الدُّنيا دُنيا مُؤَقَّتةً خاصَّةً به، قِوامُها حَياتُه يَستَمتِعُ بها بحَواسِّه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، حتَّى يُمكِنُه أن يقُولَ: الشَّمسُ مِصباحٌ لي والنُّجُومُ قَنادِيلُ لي، فلا يُنازِعُه في مُلكِيَّتِه هذه وُجُودُ سائِرِ المَخلُوقاتِ وذَوِي الأَرواحِ، بل يَعمُرُون دُنياه الخاصَّةَ ويُجَمِّلُونها.. كذلك الأَمرُ في الجَنّةِ، معَ فارِقٍ عَظِيمٍ، فكُلُّ مُؤمِنٍ -فَضْلًا عن رَوْضَتِه الخاصّةِ الَّتي تَضُمُّ أُلُوفَ القُصُورِ والحُورِ العِينِ- لَه جَنّةٌ خاصّةٌ به بِسَعةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ مِنَ الجَنّةِ العامّةِ، يَستَمتِعُ بها استِمتاعًا يَلِيقُ بالجَنّةِ والخُلُودِ بما يَنكَشِفُ مِن حَواسِّه ويَنبَسِطُ مِن مَشاعِرِه حَسَبَ دَرَجةِ كلِّ مُؤْمِنٍ، فلا يَنقُصُ وُجُودُ الآخَرِين مَعَه ومُشارَكَتُهم لَه شَيئًا مِن تَنَعُّمِه وتَلَذُّذِه وتَمَلُّكِه، بل يَعمُرُون جَنَّتَه الخاصَّةَ والواسِعةَ ويُزَيِّنُونها.<br /><br />
نعم، فكما يَتَمتَّعُ الإنسانُ في الدُّنيا بفَمِه وأُذُنِه وعَينِه وأَذْواقِه الأُخرَى ومَشاعِرِه وحَواسِّه كُلِّها في مَسافةِ ساعةٍ يَقْضِيها في حَدِيقةٍ، أو في مَسافةِ يَومٍ يُمضِيه في سِياحةٍ، أو في مَسِيرةِ شَهر كامِلٍ في مَمْلَكةٍ، أو في سَنةٍ مِن عُمُرِه يَستَجِمُّ بها في رِحْلةٍ وسَفْرةٍ.. كذلك الأَمرُ هُناك في الجَنّةِ، تَتَمتَّعُ حاسّةُ الذَّوْقِ والشَّمِّ في تلك المَمْلَكةِ الخالِدةِ في مَسافةِ سَنةٍ كامِلةٍ بمثل ما كانَت تَتَمتَّعُ في هذه الحَياةِ الفانِيةِ في ساعةٍ مِن حَدِيقةٍ غَنّاءَ، وتَتَمتَّعُ حاسّةُ الإِبصارِ والسَّمْعِ في تلك المَمْلَكةِ الأَبدِيّةِ الزّاهِيةِ مِن أَقْصاها إلى أَقْصاها ضِمنَ رِحلةٍ أَمَدُها خَمسُ مِئةِ سَنةٍ تَمَتُّعًا يُلائِمُ خُلُودَها، ما تَتَمتَّعُ به مِن سِياحةٍ وتَجْوالٍ ورِحْلاتٍ يُمضِيها الإنسانُ في سَنةٍ في هذه الدُّنيا؛ فلِكُلِّ مُؤْمِنٍ حَسَبَ دَرَجَتِه وحَسَبَ ما نالَه مِن ثَوابٍ على أَعمالِه الدُّنيوِيّةِ وحَسَبَ كَمِيّةِ حَسَناتِه، تَنكَشِفُ مَشاعِرُه وتَنبَسِطُ حَواسُّه، فتَستَمتِعُ تلك المَشاعِرُ والحَواسُّ هُناك في الجَنّةِ بما يُلائِمُ خُلُودَها.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-1/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2492</post-id>	</item>
	</channel>
</rss>
