<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>الشعاعات &#8211; رسائل النور</title>
	<atom:link href="https://said-nursi.com/category/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<description>بديع الزمان سعيد النورسي</description>
	<lastBuildDate>Mon, 21 Jul 2025 17:47:56 +0000</lastBuildDate>
	<language>tr</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2024/06/cropped-SAID-ALNURSI-LOGO25-32x32.png</url>
	<title>الشعاعات &#8211; رسائل النور</title>
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
<site xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">234621923</site>	<item>
		<title>الشعاع الخامس عشر: الحجة الزهراء [2/2]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25b3-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25ac%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b2%25d9%2587%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a1-2-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 21 Jul 2025 17:47:56 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2667</guid>

					<description><![CDATA[[هذا المقام الثاني من الشعاع الخامس عشر يتضمن ثلاثة نماذج للمنظار الإيماني إلى الوجود، وسبيل التعرف على الله من خلال مظاهر العلم والإرادة والقدرة]  تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [المقام الثاني]   [ثلاثة عوالم دخلها السيّاح بخياله وهي حقيقة] المقام الثاني‌ من‌ الحجة الزهراء‌ ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ ﴿وبه نستعين﴾ إن &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا المقام الثاني من الشعاع الخامس عشر يتضمن ثلاثة نماذج للمنظار الإيماني إلى الوجود، وسبيل التعرف على الله من خلال مظاهر العلم والإرادة والقدرة]</strong></p>
<p style="text-align: center;"> تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2668" aria-describedby="caption-attachment-2668" style="width: 716px" class="wp-caption aligncenter"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-large wp-image-2668" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-1-716x1024.jpg" alt="نعم، إن هذا الكون مرآةٌ تعكس الجمال السرمدي والحسن غير المحدود، بل تجلياتِه سبحانه، وما في الكون من جمالٍ وحُسْنٍ آتٍ من ذلك الحسن السرمدي، ويتجمل بالانتساب إليه فيرقى ويعلو.. إذ لولا ذلك الانتساب لتحول الكون إلى مأتم موحش وأخلاط ودمار وفوضى ضاربة الأطناب." width="716" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-1-716x1024.jpg 716w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-1-210x300.jpg 210w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-1.jpg 736w" sizes="(max-width: 716px) 100vw, 716px" /><figcaption id="caption-attachment-2668" class="wp-caption-text">نعم، إن هذا الكون مرآةٌ تعكس الجمال السرمدي والحسن غير المحدود، بل تجلياتِه سبحانه، وما في الكون من جمالٍ وحُسْنٍ آتٍ من ذلك الحسن السرمدي، ويتجمل بالانتساب إليه فيرقى ويعلو.. إذ لولا ذلك الانتساب لتحول الكون إلى مأتم موحش وأخلاط ودمار وفوضى ضاربة الأطناب.</figcaption></figure>
<h2 style="text-align: center;">[المقام الثاني]</h2>
<p><strong> </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاثة عوالم دخلها السيّاح بخياله وهي حقيقة]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>المقام الثاني</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>من</strong><strong>‌</strong><strong> الحجة الزهراء</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وبه نستعين﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إن حقيقة واحدة من آية الختام لسورة الفاتحة تشير إلى الموازنة بين أهل الهداية والاستقامة وأهل الضلالة والطغيان، والآية هي منبع جميع الموازنات والمقايسات المعقودة في رسائل النور، وهذه الموازنة يبيّنها بوضوح وبأسلوب عجيب ويعبّر عنها تعبيرًا معجزًا قولُه تعالى في سورة النور:</p>
<p style="text-align: justify;">﴿اللّٰه نور السموات والارض مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباحُ المصباحُ في زجاجةٍ الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرِّيٌّ يوقَدُ من شجرةٍ مباركةٍ﴾ إلى آخر الآية.</p>
<p style="text-align: justify;">والذي بعده: ﴿أو كظلماتٍ في بحرٍ لُجّيّ يغشيهُ موجٌ من فوقه موجٌ..﴾ إلى آخر الآية.</p>
<p style="text-align: justify;">فالآية الأولى، آية النور تتوجه بعشر إشارات إلى رسائل النور وتنظر إليها، كما أُثبت في الشعاع الأول، مخبرةً خبرًا مستقبليًّا معجِزًا عن ذلك التفسير للقرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت هذه الآية الكريمة أهمَّ سببٍ من أسباب إطلاق اسم &#8220;النور&#8221; على رسائل النور، وبناءً على بيانِ معجزةٍ معنويةٍ لهذه الآية العظيمة، كما في السياحة الخيالية التمثيلية لبيان معجزة &#8220;ن&#8221; نعبد، في قسم من المكتوب التاسع والعشرين.. فإن سائح الدنيا في رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; الذي سأل جميع الكائنات وأنواعَ الموجودات أثناء بحثه عن خالقه ووجدانه له ومعرفته إياه، وعرَفه بثلاث وثلاثين طريقًا وببراهين قاطعة بعلم اليقين وعين اليقين، <strong>فإن السائحَ نفسه قد ساح بعقله وقلبه وخياله في أجواءِ طبقات العصور والأرض والسماوات، دون أن يصيبه تعبٌ أو نصب</strong>، بل ما زال يسيح ليشفي غليلَه حتى ساح في أرجاء الدنيا الواسعة كلها، فبحث عن جميع نواحيها كمن يسيح في مدينة، مستندًا بعقله أحيانًا إلى حكمة القرآن وتارةً إلى حكمة الفلسفة كاشفًا بمنظار الخيال أقصى الطبقات، <strong>إلى أن رأى الحقائق كما هي في الواقع،</strong> فأخبر عن قسم منها في تلك الرسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وها نحن نبين بيانًا مختصرًا جدًّا <strong>ثلاثةَ عوالم</strong> فقط من تلك العوالم والطبقات الكثيرة التي دخلها السائح بسياحةٍ خيالية، والتي هي عين الحقيقة، إلّا أنها ظهرت في معنى التمثيل وفي صورته.</p>
<p style="text-align: justify;">نبين هذه العوالم كنماذجَ وأمثلةٍ فحسبُ للموازنة الموجودة في ختام سورة &#8220;الفاتحة&#8221; وكمثال من حيث القوة العقلية وحدها، أما سائر مشاهداته وموازناته فنحيلها إلى الموازنات المعقودة في رسائل النور.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النموذج الأول: عالَم كرة الأرض]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong> النموذج الأول هو</strong>: أن ذلك السائح الذي لم يأت إلى الدنيا إلّا ليجد خالقَه وليعرفه، خاطب عقله قائلًا:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سألنا كلَّ شيء عن خالقنا، وأخذنا جوابًا شافيًا وافيًا، ولكن كما يرد في المثل: &#8220;ينبغي سؤال الشمس عن الشمس نفسها&#8221;، فعلينا الآن أن نقوم بسياحة أخرى لأجل معرفة خالقنا من تجليات صفاته الجليلة &#8220;كالعلم والإرادة والقدرة&#8221;، ومن آثاره البديعة ومن جلَوات أسمائه الحسنى، فدخل الدنيا لهذا الغرض، وركب سفينة الأرض فورًا كأهل الضلال الذين يمثلون تيارًا آخر، وقلَّد نظارة العلم والفلسفة غيرِ المقيدة بحكمة القرآن، ونظر من خلال منظار منهج الجغرافيا غير المسترشد بالقرآن، فرأى أن الأرض تسيح في فضاء غير محدود، وتقطع في سنة واحدة دائرةً تبلغ أربعة وعشرين ألف سنة، بسرعة تزيد على سرعة انطلاق القذيفة بسبعين مرة، وقد حَمَلت على مناكبها مئاتِ الألوف من أنواع ذوى الحياة العاجزة الضعيفة، فلو تاهت لِدقيقة واحدة وضيّعت طريقها أو اصطدمت بنجمة سائبة، تبعثرت متساقطة في فضاء غير محدود، وألقت ما عليها من الأحياء الضعيفة وأفرغتها في العدم والعبث والضياع!! فاستشعَرَ ظلماتٍ معنويةً رهيبة خانقة كظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ تنبعث من هذا الفهم الذي في تيار ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ و﴿الضَّالِّينَ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">فقال من أعماقه: يا حسرتاه! ماذا عملنا؟ لِمَ ركبنا هذه السفينة المرعبة؟ وكيف النجاة منها؟ فقذف نظارةَ تلك الفلسفة العمياء وكَسَرَها، ودخل تيارَ ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ وإذا بحكمة القرآن تغيثه مُسَلِّمَةً إلى عقله منظارًا يبين الحقيقة كاملة، قائلة له: انظر الآن.. فنظر ورأى أن اسم ﴿رَبّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قد أشرق من بُرجِ قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾..</p>
<p style="text-align: justify;">وجعل الأرضَ سفينة آمنة سالمة تمخر عباب بحر الكون الواسع بانتظام دقيق، دائرةً حول الشمس لأجل حِكَم كثيرة ومنافعَ شتى، مشحونةً بذوي الحياة وما يلزمها من أرزاق، وهي تجلب محاصيل المواسم للمحتاجين إلى الرزق، ونَصَب سبحانه وتعالى ملَكين اثنين يسميان بـ&#8221;الثور والحوت&#8221; مَلَّاحَين وقائدَين لتلك السفينة، فيُجريانها في سياحة عبر المملكة الربانية التي هي في منتهى الهيبة والروعة، لتستجمَّ مخلوقاتُ الخالق الجليل وضيوفُه في فضاء هذا الكون الواسع؛ وهكذا تُبيِّن هذه السياحة المهيبة حقيقةَ ﴿اللّٰه نور السموات والأرض﴾ حيث تُعرِّف خالقَها بتجلي هذا الاسم.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعدما أدرك السائح هذا المعنى من مشاهدته الأرضَ ردَّد من أعماق روحه ووجدانه: ﴿الحمد للّٰه رب العالمين﴾، ودخل ضمن طائفة ﴿الذين أنعمت عليهم﴾.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النموذج الثاني: عالَم الإنسان والحيوان]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النموذج الثاني</strong> من العوالم التي شاهدها ذلك السائح هو أنه بعدما غادر ذلك السائح سفينةَ الأرض، دخل عالَمَ الإنسان والحيوانات.</p>
<p style="text-align: justify;">فنظر إلى العالَم <strong>بمنظار الحكمة الطبيعية غير المستلهِمة للحياة والروح من الدين</strong>، فرأى أن حاجاتٍ غيرَ محدودة لذوي حياة لا يُحصَون، وأعداءً غير محدودين محيطون بهم يؤذونهم ويُلحِقون بهم أضرارًا جسيمة في حوادثَ قاسيةٍ لا رحمة فيها، وهم لا يملكون من رأس المال إلّا واحدًا من ألف، بل واحدًا من مائة ألفٍ إزاء تلك الحاجات، وليس في اقتدارهم تجاه تلك الأمور والأشياء المضرة إلّا واحد من مليون!</p>
<p style="text-align: justify;">فتألم السائح أمام هذه الحالة التي تثير الرثاء والرهبة والألم -لما يحمل الإنسان من علاقات الرقة الجنسية والشفقة النوعية والعقل- وتألّم لحالهم ألمًا شديدًا، وحَزِن عليهم حزنًا يُشعره بآلام اليأس كالعذاب الشديد في جهنم، فنَدِم ألفَ ندمٍ على دخوله هذا العالم الحزين النكد.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذ هو يكابد هذه الآلام ويعاني منها ما يعاني إذا بحكمة القرآن الكريم تُمِدُّه وتسعفه، مسلِّمة له <strong>مِنظارَ ﴿الذين أنعمت عليهم﴾</strong> قائلة له: انظر.. فنظر ورأى أن كل اسم من أسماء اللّٰه الحسنى أمثال: الرحمن، الرحيم، الرزاق، المنعم، الكريم، الحفيظ، قد أشرق كالشمس الساطعة، وذلك بتجلي: ﴿اللّٰه نور السموات والأرض﴾، عند بروج الآيات الكريمة: ﴿ما من دابة إلّا هو آخذ بناصيتها﴾، ﴿وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها اللّٰه يرزقها وإياكم﴾، ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾، ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">فانغمرت دنيا الإنسان والحيوان بتلك الرحمة السابغة والإحسان العميم حتى كأنها تحولت إلى جنة مؤقتة؛ فعلم السائح أن هذه الدنيا بما فيها تُعرِّف تعريفًا جيدًا المُضيِّف الكريم لهذا المَضيف الجميل الجديرِ بالمشاهَدة، المليء بالعبر، فحَمِد اللّٰه سبحانه ألف حمدٍ قائلًا: الحمد للّٰه رب العالمين.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النموذج الثالث: عالَم السموات]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النموذج الثالث من سياحة السائح التي تحوى مئات من مشاهداته:</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن ذلك السائح في الدنيا، الذي يريد معرفة خالقه، من خلال تجليات أسمائه الحسنى وصفاته الجليلة، خاطب عقله وخياله قائلًا: هيا لنصعد إلى السماوات العلى كالأرواح والملائكة، تاركين أجسادنا في الأرض، ولنسأل عن خالقنا أهلَ السماوات.</p>
<p style="text-align: justify;">فركب العقلُ الفكرَ والروحُ الخيالَ، وصعِدوا جميعًا إلى السماء متخذين علمَ الفلك مرشدَهم، ونظروا بمنظار ﴿الضالين.. المغضوب عليهم﴾ أي بمنظار الفلسفة التي لا تعير للدين بالًا، فشاهد السائح أن آلاف الأجرام والنجوم المستطيرة نارًا وَتَكْبُرُ الأرضَ ألف مرة وتنطلق وتجري متداخلة أسرعَ من سرعة القذائف مائة مرة، وهي جامدة لا شعور لها، كأنها سائبة، حتى إن ما أخطأت إحداها سبيلَها لدقيقةٍ واحدةٍ مصادفةً واصطدمت مع أخرى لا شعور لها اختلط الحابل بالنابل، وعمّت الفوضى، وحدث ما يشبه القيامة في ذلك العالَم غير المحدود.</p>
<p style="text-align: justify;">فما من جهة نظر إليها السائح إلّا وأورثته الوحشةَ والدهشة والحيرة والخوف، فندم على صعوده إلى السماء ألف ندم، إذ قد اختل العقل والخيال واضطربا كليًّا، حتى لَيقولان: إننا لا نريد معرفة مثل هذه المعاني القبيحة الأليمة المعذِّبة كعذاب جهنم، بل نربأ بأنفسنا حتى عن مشاهدتها، لأن وظيفتنا الأساس رؤية الحقائق الجميلة وإراءتها، وإذ يقولان هكذا إذا بتجلٍّ مِن: ﴿اللّٰه نور السموات والأرض﴾، أشرقت الأسماء الإلهية: &#8220;خالق السماوات والأرض&#8221; و&#8221;مسخِّر الشمس والقمر&#8221; و&#8221;رب العالمين&#8221; وأمثالها.. أشرقت كالشمس من بروج الآيات الكريمة: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾، ﴿أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها﴾ و﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، فملأت أنوار تلك الأسماء السماوات كلها بالنور والملائكة، وحوَّلتها إلى مسجد عظيم وجامع كبير ومعسكر مهيب، فدخل ذلك السائح ضمن طائفة ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ ونجا من ظلماتٍ ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا به يرى مملكة جميلة مهيبة منسقة كالجنة.. فترقت قيمةُ العقل والخيال وسَمَت وظائفهما ألف درجةٍ لما شاهدا في كل جانبٍ منها من يُعرِّف بالخالق الجليل.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا ننهي هذا البحث الواسع مكتفِين بهذه الإشارة القصيرة جدًّا، مُحِيلِينَ سائر مشاهدات السائح في الكون إلى رسائل النور قياسًا على هذه النماذج الثلاثة المذكورة من بين مئات النماذج لدى سياحته لمعرفة واجب الوجود من خلال تجليات أسمائه تعالى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[التعرف على الله من خلال تجليات العلم والإرادة والقدرة]</h3>
<p style="text-align: justify;">ونحاول بإشارة في منتهى الاختصار معرفةَ خالق الكون -كمعرفة ذلك السائح- وذلك من خلال آثارِ وتجلياتِ صفات &#8220;<strong>العلم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الإرادة</strong>&#8221; و&#8221;<strong>القدرة</strong>&#8221; فقط بين الصفات السبع الجليلة لخالقنا، ومن حُجج تَحقُّق تلك الصفات الثلاث الجليلة، ونحيل تفاصيلها إلى رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الفقرة العربية الآتية هي وردي التفكري الدائم المستخلَص من خلاصة الحزب النوري العربي، التي تُبيِّن ثلاث مراتب من المراتب الثلاث والثلاثين لجملةِ &#8220;اللّٰه أكبر&#8221;، فنشير ضمن شرحها وما يشبه ترجمتها بإشارات قصيرة إلى ما أشغل كثيرًا علماء الكلام وعلماء العقائد من معرفة تلك الصفات بتجلياتها في الكون والتصديق بها بإيمان راسخ بعين اليقين، فهذه الفقرة العربية تفتح سبيلًا إلى الإيمان الكامل بتلك الصفات الثلاث -بعلم اليقين- على وجود واجب الوجود ووحدانيته بدرجة البداهة:</p>
<p style="text-align: justify;">﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم: وقل الحمدُ للّٰه الذي لَم يتخِذ ولَدًا ولم يكُن لهُ شريكٌ في الملكِ ولم يكن لهُ وليٌّ منَ الذلِّ وكبِّرهُ تكبيرًا﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">الله أكبرُ من كل شيء قدرةً وعلمًا، إذ هو العليمُ بكل شيءٍ بعلمٍ محيطٍ لازمٍ ذاتيٍّ <sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> للذاتِ يَلزم الأشياءَ، لا يمكنُ أن ينفكّ عنهُ شيء بسر الحضور والشهود والإحاطة النورانية، وبسر استلزام الوجود للمعلومية، وإحاطة نور العلم بعالم الوجود.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، فالانتظامات الموزونة.. والاتزانات المنظومة.. والحِكَم القصدية العامة.. والعنايات المخصوصة الشاملة.. والأقضية المنتظمة.. والأقدار المثمرة.. والآجال المعينة والأرزاق المقننة.. والإتقانات المفننة.. والاهتماماتُ المزينة.. وغاية كمال الانتظام والانسجام والاتساق والإتقان والاتزان والامتياز، المطلقات في كمال السهولة المطلقة.. دالّاتٌ على إحاطةِ علمِ علّام الغيوب بكل شيء: ﴿ألاَ يعلمُ من خلقَ وهوَ اللّطيفُ الخبيرُ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">فنسبةُ دلالةِ حُسْنِ صنعةِ الإنسان على شعور الإنسان إلى نسبةِ دلالةِ حُسْنِ خلقة الإنسان على علم خالق الإنسان: كنسبةِ لُمَيعةِ نُجَيمة الذبيبة في اللّيلة الدّهماء إلى شعشعة الشّمس في رابعة النّهار.</p>
<p style="text-align: justify;">نشير بإشارات قصيرة إلى &#8220;<strong>العلم الإلهي</strong>&#8221; هذه الحقيقة الإيمانية الجليلة، ضمن ترجمة قصيرة جدًّا لهذه الفقرة العربية مُحيلين تفاصيلها إلى رسائل النور، فنقول<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>:</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أن الرحمةَ تُبيِّن نفسَها كالشمس بأرزاقها العجيبة، وتُثبِت بدلالةٍ قاطعةٍ أن وراء ستار الغيب رحمانًا رحيمًا، كذلك &#8220;العلم&#8221; الذي اتخذ موقعًا ضمن مئات الآيات القرآنية، والذي هو -من جهةٍ- أُولى الصفات السبع الجليلة يُبيِّن نفسه كضوء الشمس بثمراتِ وحِكَمِ النظام والميزان، ويَدُلُّ على وجودِ عليمٍ بكل شيء دلالةً مطلقة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن نسبة دلالةِ حُسْنِ صنعةِ الإنسان المنتظمة المقدّرة على شعوره وعلمه، ودلالةِ حُسْنِ خلق الإنسان في أحسن تقويم على علمِ خالق الإنسان وحكمته جل وعلا: كنسبة لُمَيعة اليراعة في الليلة الدهماء إلى شعشعة الشمس في رابعة النهار.</p>
<h4 style="text-align: center;">[شرح التحيات]</h4>
<p style="text-align: justify;">والآن قبل الخوض في بيان دلائل <strong>العلم الإلهي</strong>، فإن دلالة تجليات تلك الصفة المقدسة في أنواع الكائنات على الذات المقدسة دلالة واضحة جدًّا قد شهد عليها وتضمنها الحوارُ الذي دار ليلة المعراج النبوي، لدى حظوته (ﷺ) بالحضور والخطاب الإلهي لَمَّا قال:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه&#8221; باسم جميع ذوي الحياة وأنواع المخلوقات، حيث هو مبعوثٌ ورسول، فقدَّم إلى خالقه الجليل هدايا جميعِ ذوي الحياة، في طرازِ معرفةِ جميع تلك المخلوقات ربَّها بتجليات العلم، قال ذلك في موضع السلام وبدلًا عن جميع ذوي الشعور.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن الطوائف الأربع لجميع ذوي الحياة تُقدِّم بالكلمات الأربع: &#8220;التحيات المباركات الصلوات الطيبات&#8221; وبتجليات العلم الأزلي الأبدي، تحياتِها وتهانيَها وعبوديتَها ومعرفتها الجميلة الطيبة إزاء علام الغيوب، لذا غدتْ قراءةُ هذه المحاورة المعراجية المقدسة بمعناها الواسع فرضًا على جميع المسلمين في التشهد.</p>
<p style="text-align: justify;">نبين معنى من معاني تلك المحاورة السامية بأربع إشارات مختصرة جدًّا مُحِيلين إيضاحها إلى رسائل النور.</p>
<h5 style="text-align: center;">[1: التحيات لله]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الأولى: هي &#8220;التحيات للّٰه&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ومعناها باختصار هو:</p>
<p style="text-align: justify;">إذا ما صَنَعَ صَنَّاعٌ ماهرٌ ماكنةً خارقة، بما يملك من علمٍ واسعٍ وذكاءٍ خارق، فإن كلَّ مَن يشاهد تلك الماكنة العجيبة يهنئ ذلك الصَنَّاعَ تهنئةَ تقديرٍ وإعجاب، ويقدم له هدايا وتحيات مادية ومعنوية مع ثناء مفعم بالاستحسان، والماكنةُ بدورها تهنئ وتبارك صناعَها بلسان الحال وتقدم هدايا وتحيات معنوية له، وذلك بإظهار رغباتِ ذلك الصَّنَّاع كاملة، وعرضِ خوارقِ صنعته الدقيقة وإبرازِ حذاقته العلمية.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك فإن <strong>جميع طوائف ذوي الحياة</strong> في الكائنات كلها، بل كلُّ طائفة منها، وكل فرد من أفرادها، إنما هي ماكنةٌ معجزة بكل جوانبها، تهنئ صانعَها الجليل الذي يعرّف نفسه بجلوات علمه الواسع الذي يبصر علاقة كل شيء بأي شيء كان، ويوصل إليه كلَ ما يلزم حياته في وقته، تهنّئه وتزجي إليه بالتحيات وتباركه بقولها: &#8220;<strong>التحيات للّٰه</strong>&#8221; بألسنة أحوال حياتها، كما تهنئه ألسنةُ أقوالِ ذوي الشعور كالإنس والجن والملك، فيقدّم جميعُ ذوي الحياة ثمنَ حياتهم مباشرة بمعنى العبادة إلى خالقهم الذي يعلم أحوال المخلوقات كلها، فعبّر الرسول الكريم محمد (ﷺ) لدى حضوره أمام الواجب الوجود في ليلة المعراج باسم جميع ذوي الحياة بقوله: &#8220;التحيات للّٰه&#8221; بدلًا من السلام، مقدِّمًا تحياتِ طوائفِ جميع ذوي الحياة وهداياهم وسلامهم المعنوي.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كانت ماكنةٌ منتظمةٌ اعتياديةٌ تدل على صانع ماهر حاذق بتركيبها المنظم الموزون، فإن كل ماكنة من المكائن الحية التي تملأ الكون، والتي لا تعد ولا تحصى، تُظهر إذن ألفَ معجزةٍ ومعجزة عِلمية، ولا شك أن ذوي الحياة يَدُلُّون على وجوب وجود صانعهم السرمدي وعلى معبوديته بتجليات العلم التي هي كضوء الشمس بالنسبة لدلالة تلك الماكنة التي هي كضوء اليراعة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[2: المباركات]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثانية السامية من كلمات المعراج: هي &#8220;المباركات&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لما كانت الصلاة معراج المؤمن كما هو ثابت في الحديث الشريف، وفيها أنوار تجليات المعراج الأعظم، وأن سائح الدنيا قد وجد خالقه العلّام للغيب بصفة العلم في كل عالَم، فنحن كذلك ندخل مع ذلك السائح عالَم المباركات الواسع والذي يستنطق الآخرين بالتبريك والتهنئة، ونحاول أن نَعرِف خالقنا بعلم اليقين -مثل ذلك السائح- من خلال التجليات المعجزة الدقيقة للصفة الإلهية الجليلة، صفةِ العلم، وذلك أثناء مشاهدة ذلك العالَم، عالَمِ المباركات ومطالعته، ولا سيما صغار ذوي الأرواح اللطيفين المباركين الأبرياء، والنوى والبذور التي هي عُليبات تضم مقدَّرات ذوي الحياة وبرامجها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إننا نشاهد بأبصارنا أن جميع أولئك الصغار اللطيفين الأبرياء وتلك المخازنِ والعُليبات المباركة، تنتفض جميعُها وكلُّ فردٍ منها دفعةً بعلمِ عليمٍ حكيمٍ للمضي إلى ما خُلق لأجله، حتى تستنطق تلك الحركات كلَ ناظر إليها بنظر الحقيقة بالقول: بارك اللّٰه، ما شاء اللّٰه.. ألف ألف مرة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، فالنُطف مثلًا والبيوض والبذور والنوى، كل منها ضمن نظام دقيق آت من العلم.. وأن ذلك النظام ضمن ميزان آت من مهارة كاملة.. وذلك الميزان ضمن تنظيم جديد.. وهذا ضمن مكيال ووِزان جديد.. وهذا بدوره ضمن تربية.. وتمييز.. وعلامات فارقة مقصودة عن متشابهات أمثالها.. وهذه ضمن تزيينٍ وتجميلٍ متقن.. وهذا أيضًا ضمن أجهزة كاملة وتصوير ملائم دقيق حكيم.. وهذه ضمن اختلاف لحوم تلك المخلوقات والثمرات وما يؤكل منها، لإشباع المحتاجين إلى الرزق إشباعًا كريمًا بما ينسجم أذواقهم.. وهذا أيضًا ضمن نقوش وأشكال من الزينة المتباينة زُيِّنت بعلم وإعجاز.. وهذه ضمن روائح طيبة متنوعة.. وطعوماتٍ لذيذة متباينة، بحيث إن انكشاف صور جميع تلك المخلوقات وتمايزَ بعضها عن بعض بكمال الانتظام بلا خطأ ولا سهو في سرعة مطلقة.. وَوُسْعَة مطلقة.. مع أنها في كثرة مطلقة.. ودوام تلك الحالة الخارقة في كل موسم: يجعل كلَّ فردٍ والأفرادَ جميعًا يَظهرون بهذه الألسنة الخمسة عشرة العلم الإلهي، ويلفتون الأنظار إلى المهارة الخارقة لربهم، ويَدُلُّون بها على علمه المعجز، فيُعرِّفون بجلاءٍ كالشمس صانعَهم الواجبَ الوجود، علامَ الغيوب.</p>
<p style="text-align: justify;">فشهادتهم هذه الواسعةُ الساطعة جدًّا وتهانيهم وتقديرهم لصانعهم، هي التي عبّر عنها النبي (ﷺ) الذي تكلم باسم جميع المخلوقات في ليلة المعراج وقال: &#8220;<strong>المباركات</strong>&#8221; بدلًا عن السلام.</p>
<h5 style="text-align: center;">[3: الصلوات]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثالثة: وهي &#8220;الصلوات&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن مائة مليونٍ من أهل الإيمان يعلنون تلك الكلمة المقدسة التي قيلت في المعراج المحمدي الأكبر، وتقال في تشهد الصلاة التي هي المعراج الخاص للمؤمن، في كل يوم في الأقل عشر مرات، باتّباعهم الرسول الكريم (ﷺ) يعلنونها في أرجاء الكون كله مقدِّمين إياها إلى الحضرة الربانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناء على البيان الواضح والإثبات القوي القاطع في رسالة المعراج &#8220;الكلمة الحادية والثلاثين&#8221; وإيضاحِها جميعَ حقائق المعراج، حتى إزاء خطابها للملحد المنكِر المتعنت، نُحيل تفاصيل البحث وحججه إلى تلك الرسالة، إلّا أننا نشير إشارة في منتهى الاختصار إلى المعنى الواسع لهذه الكلمة المعراجية الثالثة، والذي يبينه العوالمُ العجيبة لطوائف ذوي الأرواح والمشاعر، فنشاهد تلك العوالم محاوِلين معرفةَ وحدانيةِ خالقنا ووجودِه وكمالِ رحمانيته ورحيميته وعظمةِ قدرته وشمول إرادته، وذلك من خلال تجليات <strong>العلم الأزلي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إننا نشاهد في هذا العالم أن كلَّ ذي روحٍ يستشعر بالأحاسيس وبالفطرة -وإن لم يكن بالشعور والعقل- أنه يعاني عجزًا وضعفًا لا يُحَدَّان بحدودٍ مع أن أعداءه وما يؤلمه لا يُعدّون، وأن كلًّا منهم يتقلب في فقر وحاجة لا حدود لهما مع أن حاجاته ومَطالِيبَه لا حدّ لها، ولما كان اقتداره ورأس ماله لا يكفي لواحدٍ من ألف منها، تراه يستغيث ويبكي بكل ما يملك من قوة، ويتضرع فطرةً وضمنًا، وإذ يلتجئ إلى ديوانِ عليمٍ قديرٍ بصوته الخاص وبلسانه الخاص وبدعواتٍ وصلواتٍ وتوسلاتٍ وتضرعاتٍ ونوعٍ من صلواتٍ خاصة به، إذا بنا نشاهد أن قديرًا حكيمًا عليمًا مطلقًا يَعلَم كلَّ حاجة من حاجات أولئك الأحياء ويقضيها لهم، ويبصر كل داء من أدوائهم ويسعفها لهم، ويَسمع كل نداءٍ ودعاءٍ يدعونه فطرةً ويستغيثون به ويستجيب لهم، فيُحوِّل سبحانه وتعالى بكاءهم إلى ابتساماتٍ حلوة، ويبدل استغاثاتهم إلى أنواع من الحمد والشكر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذا المدد المتسم بالحكمة والعلم والرحمة يدل دلالةً واضحة -بتجليات العلم والرحمة- على المجيب المغيث الرحيم الكريم، فجميع الصلوات والعبادات التي تنطلق من هذه العوالم، عوالمِ ذوي الأرواح، الصاعدة إلى ذلك المجيب المغيث قد عَبّر عنها -بهذا المعنى- وقدَّمها وخصَّصها محمدٌ (ﷺ) في المعراج الأكبر، ويُردِّدها كلُّ مؤمن في المعراج الأصغر في كل صلاةٍ بـ&#8221;<strong>الصلوات الطيبات للّٰه</strong>&#8220;.</p>
<h5 style="text-align: center;">[4: الطيبات لله]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الرابعة السامية: وهي &#8220;الطيبات للّٰه&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لما كانت حقائقُ كثيرةٌ لرسائل النور تتخطر على قلبي في أذكار الصلاة، فقد رأيتُني كأنني أنساق -بناء على هذه الحكمة- إلى بيانِ حقائقِ كلمات سورة الفاتحة والتشهد بإشارات قصيرة دون اختيار مني.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فالكلمة القدسية: &#8220;<strong>الطيبات</strong>&#8221; التي قيلت في المعراج المحمدي التي تحوي معاني الطيبات التي لاتحد، والمنطلقة من الإنس والجن والملك والروحانيين الذين هم أهل المعرفة والإيمان والشعور الكلي، والذين يُجمِّلون الكون بأسره بطيِّباتهم وحسناتهم وعباداتهم الجميلة المتوجهة كلِّها إلى عالم الجميلات، والذين يدركون إدراكًا كاملًا الجمالاتِ والمحاسنَ التي لا تحد للجميل المطلق السرمدي، والجمالَ الدائم لأسمائه الحسنى التي تُجمِّل الكون، فيقابِلون بالعبادات الكلية المفعمة بالعشق والشوق، وبالروائح الطيبة العطرة للإيمان الساطع وللمعارف الواسعة وللحمد والثناء التي يقدمونها تجاه خالقهم الجليل..</p>
<p style="text-align: justify;">وبحكم هذا المعنى الواسع لتلك الطيبات التي لا تحد، وبمضمون ما قيل في المعراج، تُكرِّر الأمة كلُّها تلك الكلمةَ المقدسة في التشهد يوميًّا دون ملل ولا سأم.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا الكون مرآةٌ تعكس الجمال السرمدي والحسن غير المحدود، بل تجلياتِه سبحانه، وما في الكون من جمالٍ وحُسْنٍ آتٍ من ذلك الحسن السرمدي، ويتجمل بالانتساب إليه فيرقى ويعلو.. إذ لولا ذلك الانتساب لتحول الكون إلى مأتم موحش وأخلاط ودمار وفوضى ضاربة الأطناب.</p>
<p style="text-align: justify;">ويُدرَك ذلك الانتساب بمعرفة الإنس والجن والملك والروحانيين وبتصديقهم، وهم الدعاة الأدلّاء إلى سلطنة الألوهية، حتى إن الحمد الجميل والثناء الحسن الذي يرفعه أولئك الدعاة ونَشْرَ ثنائهم على معبودهم وكلماتهم إلى كل ناحية في الكون وإلى العرش الأعظم تقف إزاءها ذرات الهواء على أهبة الاستعداد لأداء هذه المهمة وكأنها ألسنة ناطقة مصغرة وآذان صاغية صغيرة، لأجل تقديم تلك الكلمات الطيبات إلى الحضرة الإلهية.. فخطر إلى قلبي أن هناك احتمالًا قويًّا بمنح تلك المهمة الخارقة جدًّا والعجيبة إلى الهواء.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فكما أن الإنس والمَلَك يُعرِّفون المعبود الجليل بإيمانهم وعباداتهم، كذلك الحكيم ذو الجلال يُعرِّف نفسه تعريفًا ظاهرًا ساطعًا بما أودع من استعداداتٍ جامعةٍ كثيرة في الدعاة، وبما جهّزهم به من أجهزةٍ بديعةٍ خارقة، وبما فيهم من دقائق علمية، وجَعَل كلًّا منهم ذا ارتباط مع الكون بأسره، وكأن كلًّا منهم كونٌ مصغَّر.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إنّ خلق القوة الحافظة والخيالية والمفكرة وأمثالها من المكائن العجيبة في موضعٍ صغيرٍ في دماغ الإنسان لا يتجاوز حجم جوزةٍ واحدة، وجَعْلَ القوة الحافظة بمثابة مكتبة ضخمة، يُبيِّن أنه سبحانه وتعالى يُظهِر نفسه بتجليات العلم الأزلي بيانًا واضحًا كالشمس في رابعة النهار<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[دلائل العلم الأزلي]</h4>
<p style="text-align: justify;">والآن نشير بإشارات في منتهى الإيجاز إلى فحوى الفقرة العربية المذكورة في مقدمة هذا البحث المشيرة إلى الحجج الكلية للعلم المحيط، وهي حجة عظيمة تضم ما لا يحد من البراهين <strong>وتُبيِّن العلم الأزلي</strong> بخمسة عشر دليلًا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الأول: الانتظامات الموزونة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالدليل الأول</strong> من الأدلة الخمسة عشر: هو: (<strong>فالانتظامات الموزونة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن التناسق المقدَّر قدَره والمشاهَد في المخلوقات جميعًا، وكذا الانتظام الموزون فيها يشهدان على علمٍ محيطٍ بكل شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه ابتداءً من جميع الكون الذي هو كقصر بديع منسَّق الأجزاء، ومن المنظومة الشمسية، ومن عنصر الهواء الذي تنشر ذراتُه الكلماتِ والأصوات نشرًا يبعث على الحيرة والإعجاب، ويُبيِّن انتظامًا بديعًا، ومن سطح الأرض الذي يهيئ ثلاثمائة ألف نوع من الأنواع المختلفة في كل ربيع وفي أتم نظام وأكمل انتظام.. إلى كل جهاز من أجهزةِ كلِّ كائنٍ حي، بل إلى كل عضو فيه، بل إلى كل حُجَيْرةٍ من جسمه، بل إلى كل ذرة من ذرات جسمه.. كلُّ ذلك إنما هو أثرُ علمٍ لطيف محيط بكل شيء، لا يضل ولا ينسى.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن وجود هذا النظام الموزون والانتظامِ الأتم في كل ما ذُكر يَدُلُّ دلالةً قاطعةً ويُبيِّن بوضوحٍ تامٍّ علمًا محيطًا بكل شيء ويشهد له.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الثاني: الاتزانات المنظومة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الثاني</strong>: هو (<strong>الاتزانات المنظومة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن وجود ميزانٍ في منتهى الانتظام، ومكيالٍ في منتهى الاتزان في جميع المصنوعات التي في الكون -جزئيِّها وكُلِّيِّها- ابتداءً من السيارات الجارية في الفضاء إلى الكُرَيَّات الحُمْر والبيض السابحة في الدم، إنما يَدُل بالبداهة على علمٍ محيطٍ بكل شيء، ويشهد عليه شهادة قاطعة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إننا نشهد مثلًا أن أعضاء الإنسان أو الذباب وأجهزتَه، بل حتى حجيرات جسمه وكريات دمه الحمرَ والبيض: قد وُضعت في موضعها الملائم المناسب والمنسجم، بميزان حساس جدًّا، وبمكيال دقيق جدًّا، ينسجم انسجامًا تامًّا بعضُه مع البعض الآخر ومع سائر أعضاء الجسم.. بحيث يدل دلالة قاطعة على أن من لا يملك علمًا محيطًا بكل شيء لا يستطيع أن يعطي تلك الأوضاع إلى تلك الأشياء ولا يمكن له ذلك بحال من الأحوال.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا <strong>فإن جميع ذوي الحياة وأنواع المخلوقات من الذرات إلى سيارات المنظومة الشمسية هي في موازنة تامة لا تتعثر قيد أنملة</strong>، ويَحكُمها جميعًا مكيالٌ منظم، مما يدل دلالة قاطعة على علم محيط بكل شيء ويشهد شهادة صادقة عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن كل دليل من دلائل العلم دليل أيضًا على وجود العليم الخبير، إذ محالٌ وجودُ صفةٍ بلا موصوف، <strong>فجميع حُجج العلم الأزلي حجة قوية أيضًا على وجوب وجوده سبحانه وتعالى</strong>.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الثالث: الحِكَم القصدية العامة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الثالث</strong>: وهو (<strong>والحِكَم القصدية العامة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن حِكَمًا مقصودة بعلم، تُناط بكل مصنوع، وبكل طائفة في الكون الذي تجرى فيه الخلاقية الدائمة والفعالية المستمرة والتبدل الدائم والإحياء المستمر والتوظيف والتسريح المستديمان، تلك التي لها من الفوائد والوظائف بحيث لا يمكن إسنادها إلى المصادفة قطعًا، فنشاهد أنه من لا يملك علمًا محيطًا لا يمكن أن يكون مالكًا لأيّ منها وفي أية جهة كانت من حيث الإيجاد.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: اللسان جهاز واحد من مائة جهاز من أجهزة الإنسان، الذي هو واحد مما لا يحد من الأحياء، هذا اللسان عبارة عن قطعة لحم ليس إلّا، ولكنه يكون وسيلة لمئات من الحِكَم والنتائج والثمرات والفوائد بأدائه وظيفتين مهمتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فأداؤه</strong> <strong>لوظيفةِ تذوّقِ الأطعمة</strong>: هو إبلاغه الجسم والمعدة بعلمٍ عن جميع اللذائذ المتنوعة لكل نوعٍ من أنواع الأطعمة، وكونُه مفتشًا حاذقًا على مطابخ الرحمة الإلهية..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأداؤه لوظيفة الكلمات</strong>: هو كونه مترجمًا أمينًا ومركزًا لبَثِّ ما يدور في القلب وما يراود الروح والدماغ من أمور.. كل ذلك يدل دلالة في منتهى السطوع والقطعية على علمٍ محيط لا شك فيه..</p>
<p style="text-align: justify;">فلئن كان لسانٌ واحد يدل دلالةً إلى هذا الحد بما فيه من حِكم وثمرات، فإن ألسنةً غيرَ متناهية وذوي حياة غيرَ معدودين ومصنوعاتٍ لا منتهى لها تدل بلا شك دلالة أوضحَ من الشمس وتشهد شهادة أبيَن من النهار على علم لانهاية له، وتعلن جميعها أنه لا شيء خارجٌ عن دائرة علمِ علَّام الغيوب ولا خارجٌ عن مشيئته جل وعلا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الرابع: العنايات المخصوصة الشاملة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الرابع</strong> هو: (<strong>والعنايات المخصوصة الشاملة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن أنواع العناية والشفقة والرعاية الخاصة المناسِبة لكل نوعٍ بل لكل فرد، والشاملة جميع ما في عالم الأحياء وذوي الشعور: تَدُلُّ دلالةً بدهيةً على علمٍ محيط، وتَشهَد شهاداتٍ لا حدَّ لها على وجوبِ وجودِ عليمٍ ذي عناية يَعلم أولئك الذين نالوا تلك العنايات ويعلم حاجاتهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنبيه</strong>: إن إيضاح كلمات الفقرة العربية التي هي زبدةُ خلاصة الخلاصة لرسائل النور المترشحة من القرآن الكريم هو إشارة إلى ما استفاضته رسائلُ النور من الحقائق المنبعثة من لمعات آيات القرآن الكريم، ولا سيما الدلائل والحجج التي تخص &#8220;العلم&#8221; و&#8221;الإرادة&#8221; و&#8221;القدرة&#8221;، بحيث تفسِّر باهتمامٍ بالغٍ ما تشير إليه هذه الكلمات العربية من دلائل علمية؛ بمعنى أن كلًّا منها عبارةٌ عن بيانٍ لنكتةٍ وإشارةٌ لآيات قرآنية كريمة، وإلّا فهي ليست تفسيرًا لتلك الكلمات العربية وبيانها وترجمتها.</p>
<p style="text-align: justify;">نرجع إلى الموضوع الذي نحن بصدده:</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إننا نشاهد بأبصارنا أن عليمًا رحيمًا يَعرفنا ويعلم بحالنا وأحوال جميع ذوي الأرواح فيشملهم جميعًا بشفقته وحمايته، ويأخذهم تحت كنف رحمته عن معرفةٍ وبصيرة، ويوفي حاجاتِ كلٍّ منهم ومطاليبَه، فيغيثه بعنايته ورأفته.</p>
<p style="text-align: justify;">نورد مثالًا واحدًا من بين أمثلته غير المحدودة: فالعنايات الخاصة والعامة والواردة من حيث رزق الإنسان وما يحتاجه من أدوية ومعادن تبين بيانًا جليًّا علمًا محيطًا، وتَشهد على الرحمن الرحيم بعدد الأرزاق والأدوية والمعادن.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، <strong>إن إعاشةَ الإنسان</strong>، ولا سيما العاجزين والصغار الضعاف، وبخاصة <strong>إيصالَ الرزق</strong> إلى أعضاء الجسم المحتاجة إليه من مطبخ المعدة، حتى إلى حجيراته، كل بما يناسبه.. وكذا <strong>جَعْلَ الجبال</strong> الشوامخ مخازنَ للمعادن ومداخرَ أدويةٍ يحتاجها الإنسان، وأمثالَها من الأفعال الحكيمة، لا يمكن أن تحصل إلّا بعلم محيط بكل شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">فالمصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء والأسباب الجامدة الفاقدة للشعور والعناصر البسيطة المستولية، لا يمكن أن تتدخل قطعًا في مثل هذه الإعاشة والإدارة والحماية والتدبير المتسمة بالعلم والبصر والحكمة والرحمة والعناية، فليست تلك الأسباب الظاهرية إلّا ستارًا لعزة القدرة الإلهية، بأمر العليم المطلق، وبإذنه، وضمن دائرة علمه وحكمته.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الخامس والسادس: الأقضية المنتظمة والأقدار المثمرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الخامس والسادس</strong>: وهما: (<strong>والأقضية المنتظمة والأقدار المثمرة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن أشكال كل شيء، ولا سيما أشكال النباتات والأشجار والحيوانات والإنسان ومقاديرَها: قد فُصِّلت تفصيلًا متقنًا بدساتيرِ نوعَي العلم الأزلي، وهما القضاء والقدر، وخِيْطت بما يلائم قامة كلٍّ منها ملاءمةً تامة، وأُسبِغَت على كلٍّ منها فأُعطي لها شكل منتظم في غاية الحكمة، فكل شيء من هذه الأشياء وجميعها معًا تدل على علم لا نهاية له، وتَشهد بعددها على صانع عليم.</p>
<p style="text-align: justify;">لنأخذ من أمثلتها غير المحدودة مثالًا واحدًا: شجرة واحدة، أو إنسان فرد، فنشاهد أن هذه الشجرة المثمرة وهذا الإنسان الحامل لأجهزة كثيرة قد رُسمت حدودُ ظاهرِه وباطنه بفَرْجارٍ غيبيٍّ وقلمِ علمٍ دقيق، إذ أُعطي بانتظام تام لكل عضو من أعضائه ما يناسبه من صورة لتثمر ثمراتِها وتنتج نتائجها وتؤدي وظائف فطرتها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان هذا لا يحدث إلّا بعلمٍ لا نهاية له، يحتاج إلى علم غير محدودٍ لصانعٍ مصوِّر وعليم مقدِّر يعلم العلاقة بين الأشياء كلِّها، ويحسب ارتباط كل شيء بالأشياء كلها، ويعلم جميع أمثال هذه الشجرة وهذا الإنسان، وجميع أنواعهما، ويقدّر بفرجارِ وقلمِ قضائه وقدر علمه الأزلي مقاديرَ خارجِه وباطنه، ويصوِّر صورته تقديرًا حكيمًا، وعلى بصيرة وعلم، أي إن الدلائل والشهادات على وجوب وجوده سبحانه وعلى علمه المطلق هي بعدد النباتات والحيوانات.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل السابع والثامن: الآجال المعينة والأرزاق المقننة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل السابع والثامن</strong>: وهما: (<strong>والآجال المعينة والأرزاق المقننة</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">إن الآجال والأرزاق اللذَين يبدوان بظاهر الأمر كأنهما مبهمان وغيرُ معيَّنَين، إلّا أنهما في الواقع مقدَّران تحت ستار إبهامٍ في دفتر القضاء والقدر الأزلي، وفي صحيفة المقدّرات الحياتية، فالأجل المحتوم لكل ذي حياة مقدرٌ ومعيَّن لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، ورزقُ كل ذي روحٍ قد عُيِّن وخُصِّص، ومكتوبٌ كلُّ ذلك في لوح القضاء والقدر.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك ما لا يحد من الأدلة على هذا الحِكم، منها:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أن موت شجرة</strong> ضخمة وتوريثها بذيراتِها التي هي بمثابة نوع من روحها، للقيام بمهامها التي كانت تؤديها، لا يتم إلّا بقانونٍ حكيم لعليم حفيظ.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأن ما يتدفق من الأثداء</strong> من لبن خالص رزقًا للصغير، وخروجَه من بين فرثٍ ودمٍ دون اختلاط أو امتزاج، صافيًا طاهرًا، وسيلانه إلى فمه، لَيَردُّ ردًّا قويًّا احتمالَ وقوعهِ بالمصادفة، ويبيّن تحققَه في غاية القطعية أنه من جراء دستور ذي شفقة موضوعة من لدن رزاق عليم رحيم؛ وقس سائر ذوي الحياة وذوي الأرواح على هذين النموذجين الجزئيين.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي حقيقة الأمر إن <strong>الأجل</strong> معيَّن مقدر، والرزق كذلك، وقد أُدرجا في سجل المقدَّرات، وجُعِل كل منهما معينًا، ولكنهما يبدوان -في الظاهر- متواريين خلف الغيب، ومتعلقين في خيوط الإبهام غير المرئية، ويَظهران كأنهما غير معيَّنَين فعلًا، وكأنهما مشدودان إلى المصادفة.. كل ذلك لأجل حكمة دقيقة وفي غاية الأهمية!</p>
<p style="text-align: justify;">إذ لو كان <strong>الأجل</strong> معينًا كغروب الشمس، لكان الإنسان يقضي شطر عمره في غفلة مطبِقة، ويضيّعه عازفًا عن السعي للآخرة، ثم يتورط في الشطر الآخر بخضمِّ المخاوف المذهلة، ويكون كمن يخطو خطوةً كلَّ يومٍ نحو أعواد المشانق، ولكانت المصيبة المندرجة في الأجل تتضاعف بالمئات.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل هذا السر الدقيق أُبقيت <strong>المصائب</strong> -التي تعاود الإنسان عادةً- تحت ستار الغيب، بل حتى إن <strong>أجلَ الدنيا</strong> الذي هو القيامة قد أخفاه سبحانه -رحمةً منه ورأفةً- خلف حجاب الغيب للسبب نفسه.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>الرزق</strong>، فلكونه أعظم خزينة تَفيض بالنعم بعد نعمة الحياة.. وأغنى منبع يفعم بالشكر والحمد.. وأجمعَ كنـز للعبودية والدعاء وضروب الرجاء، فقد عُرض في صورته الظاهرة كأنه مبهمٌ ومشدود إلى المصادفة؛ وذلك لئلا يوصد باب طلب الرزق بالدعاء من الرزاق الكريم في كل حين، ولئلا ينغلق باب الالتجاء والتوسل المشفَّعة بالحمد والشكر للّٰه تعالى، إذ لو كان الرزق معيَّنًا كشروق الشمس وغروبها، لكانت ماهيتُه متغيرة كليًّا، ولكانت أبواب الرجاء ومنافذ التضرع ومعارج الدعاء الملفّعة كلها بالشكر الجميل والرضى الحسن قد انسدت عن آخرها، بل لكانت أبواب العبودية الخاشعة الضارعة قد انغلقت نهائيًّا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل التاسع والعاشر: الإتقانات المفننة والاهتمامات المزينة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل التاسع والعاشر: وهما: (والإتقانات المفننة والاهتمامات المزينة).</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أي إن كل مصنوع من جميع المخلوقات الجميلة المبثوثة على سطح الأرض كافة ولا سيما في موسم الربيع يُبيِّن تجلياتِ حُسنٍ سرمد وجمال خالد.</p>
<p style="text-align: justify;">فخذ مثلًا: الأزاهير والثمرات والطُّوَيرات والحشرات، ولا سيما المذهّبة اللماعة؛ ففي خَلْقها وفي صورتها وفي أجهزتها من المهارة المعجزة والصنعة الدقيقة الخارقة والإتقان البديع والكمال المعجز لصانعها الجليل، في أشكال متنوعة وأنماط مختلفة ومكائن دقيقة ما يدل دلالة قاطعة على علمٍ محيطٍ بكل شيء ومَلَكةٍ علميةٍ ذات مهارات وفنون -إن جاز التعبير-، وتشهد شهاداتٍ صادقة على أن مداخلة المصادفة والأسباب المتشاكسة الفاقدة للشعور مُحالٌ في محال.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن عبارة &#8220;<strong>والاهتمامات المزيّنة</strong>&#8221; تفيد أن في تلك المصنوعات الجميلة تزيينًا لطيفًا حلوًا، وزينة فاخرة رائعة، وجمالَ صنعةٍ جاذبًا، فيفعل ما يفعل بعلم لا نهاية له، ويعلم أجمل حالة وألطف وضع لكل شيء، ويريد إظهار جمال كمال الإبداع وكمالَ جماله إلى ذوي الشعور، بحيث يَخلق أصغر زهيرة جزئية وأصغرَ حشرة، ويصورها باهتمام بالغ وبمهارة فائقة وبإتقان بديع.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا التزيين والتجميل المتسم بالاهتمام والرعاية يدل بالبداهة على علمٍ محيطٍ بكل شيء، ويَشهد على وجوب وجود الصانع العليم ذي الجمال بعدد تلك المخلوقات الجميلة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الدليل الحادي عشر: غاية كمال الانتظام والاتزان والامتيازِ المطلقات في السهولة المطلقة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الحادي عشر</strong> المتضمن لخمسة أدلة وخمس حجج:</p>
<p style="text-align: justify;">(وغاية كمال الانتظام، الاتزان، الامتيازِ، المطلقات، في السهولة المطلقة..</p>
<p style="text-align: justify;">وخلقُ الأشياء في الكثرة المطلقة مع الإتقان المطلق..</p>
<p style="text-align: justify;">وفي السرعة المطلقة مع الاتزان المطلق..</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوُسْعة المطلقة مع كمال حسن الصنعة..</p>
<p style="text-align: justify;">وفي البُعْدَةِ المطلقة مع الاتفاق المطلق..</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الخلطة المطلقة مع الامتياز المطلق..)</p>
<p style="text-align: justify;">هذا الدليل هو صياغة أخرى للدليل المذكور في ختام الفقرة العربية السابقة وأجملُ منها، وهو بيانٌ للدلائل الخمسة والستة الواسعة، نشير إليه بإشارة في منتهى الاختصار والقِصَر بسبب المرض الشديد.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نشاهد على الأرض كافة أن صنعَ مكائن ذات حياة عجيبة، بكل سهولة ويسر دفعةً، نابعَين من علم كامل ومهارة تامة، بل صُنْع قسمٍ منها في دقيقة واحدة، وبشكل منسق موزون، مع فوارق عن مثيلاتها: يَدُل دلالة تامة على علمٍ لا نهاية له، وعلى كمال ذلك العلم بدرجة السهولة واليسر الناشئَين من المهارة العلمية في الصنعة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إنَّ خلق المخلوقات في غمرةِ الكثرة غير المتناهية والوفرة التي لا تحدها حدود، بإتقان وبلا خطأ ولا حيرة: يدل على علم لا حدّ له ضمن قدرة غير متناهية، ويشهد شهادات لا حدّ لها على العليم المطلق والقدير المطلق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا:</strong> إنّ خلق المخلوقات التي هي في غاية الميزان والمكيال في منتهى السرعة، يدل على علم لا حدود له، ويشهد بعدد تلك المخلوقات على العليم المطلق والقدير المطلق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: إنّ خلق ذوي حياة لا يحصرها العد، في وُسْعةٍ مطلقة تسع الأرض كلها، في أتم إتقان في الصنعة وفي أجمل زينة، وكمالِ حسن الصنعة: يَدل على علم محيط بكل شيء لا يضلّ ولا ينسى، ويرى الأشياء كلها دفعة واحدة، ولا يمنعه شيء عن شيء، ويشهد كل موجود &#8211; وجميعها معًا &#8211; على أنه مصنوعُ عليمٍ بكل شيء، وقديرٍ على كل شيء.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خامسًا</strong>: إن خلق أفراد الأنواع التي تفصل بينها مسافات هائلة، فأحدها في الشرق وآخر في الغرب، وآخر في الشمال وآخر في الجنوب، في وقت واحد، وعلى طراز واحد، متشابهًا متماثلًا، مع تميُّز كلٍّ منها عن الآخر في التشخص: لا يمكن أن يكون إلّا بقدرةِ قديرٍ مطلق القدرة يدير الكون بأسره بقدرته، وبعلم مطلق يحيط بالموجودات مع أحوالها، لذا فهذه المخلوقات تشهد شهادات لا حدود لها على علمٍ محيط بكل شيء وعلى علّام الغيوب.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سادسًا</strong>: إن خلق مكائن كثيرةٍ ذات حياةٍ في تميّزٍ خاصٍّ تامٍّ وعلاماتٍ فارقة عن مثيلاتها، مع أنها ضمن ازدحام شديد وفي أماكن مظلمة -كالنوى الموجودة تحت التراب- ومن دون التباس ولا خطأ ولا حيرة رغم أنها في اختلاط مطلق، وخَلْقَ جميع أجهزة كل منها بلا نقصان خلقًا معجزًا: يَدُلُّ دلالة واضحة كالشمس على علمٍ أزلي، ويشهد شهادة بينة كالنهار على ربوبيةِ وخلاقيةِ قديرٍ مطلق وعليمٍ مطلق.</p>
<h4 style="text-align: center;">[دلائل الإرادة الإلهية]</h4>
<p style="text-align: justify;">نختصر هذا البحث الطويل جدًّا محيلين تفاصيله إلى رسائل النور، ونبدأ الآن بمسألة &#8220;<strong>الإرادة</strong>&#8221; الموجودة في خلاصة الخلاصة.</p>
<p style="text-align: justify;">(اللّٰه أكبر من كل شيء قدرة وعلمًا، إذ هو المريد لكل شيء، ما شاء اللّٰه كان وما لم يشأ لم يكن؛ <strong>إذ تنظيمُ</strong> إيجاد المصنوعات ذاتًا وصفاتٍ وماهيّةً وهويّة من بين الإمكانات الغير المحدودة والطرق العقيمة والاحتمالات المشوشة والأمثال المتشابهة، ومن بين سيول العناصر المتشاكسة، بهذا النظام الأدق الأرق، <strong>وتوزينُها</strong> بهذا الميزان الحسّاس الجسّاس، <strong>وتمييزُها</strong> بهذه الأمثال المتشابهة والتعيُّنات المزيَّنة المنتظمة، <strong>وخلْقُ</strong> المخلوقات المنتظمات الحيوية من البسيط الجامد الميت، كالإنسان بجهازاته من النطفة، والطيرِ بجوارحه من البيضة، والشجرةِ بأعضائها من النواة والحبة: <strong>تدل</strong> على أن كل شيء بإرادته تعالى واختياره وقصده ومشيئته سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن توافق الأشياء في أساسات الأعضاء النوعية والجنسية: يدل على أن صانع تلك الأفراد واحد أحد، كذلك إن تمايزها بالتعينات المنتظمة والتشخصات المتمايزة يدل على أن ذلك الصانع الواحد الأحد فاعل مختار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد).</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الفقرة دليل واحد طويل وكلي من أدلة &#8220;<strong>الإرادة الإلهية</strong>&#8221; تتضمن حُججًا كلية كثيرة جدًّا، نبيّن -ضمن ترجمة فحواها ترجمةً مختصرة- دليلًا يثبت إثباتًا قاطعًا الإرادة الإلهية واختيارها ومشيئتها؛ فضلًا عن أن جميع دلائل &#8220;العلم الإلهي&#8221; المذكورة سابقًا هي بذاتها دليل على الإرادة الإلهية أيضًا، لأن جلوات &#8220;العلم والإرادة الإلهية&#8221; وآثارهما تشاهَدان معًا في كل مصنوع.</p>
<p style="text-align: justify;">إن خلاصة الفحوى لهذه الفقرة العربية هي: أن <strong>كل شيء يحصل بإرادته ومشيئته سبحانه،</strong> فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يفعل ما يشاء، ولا شيء ما لم يشأ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[حجة: تمييز كل مصنوع بعلامات فارقة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>وحجة واحدة</strong> من حججها هي أننا نشاهد أن كل مصنوع من هذه المصنوعات متميزٌ بذاتٍ معينة وصفات مخصصة وماهيةٍ خاصة به، وصورةٍ ذات علامات فارقة متميزة؛ وبينما يمكن أن يكون كل هذه الأحوال ضمن إمكاناتٍ واحتمالات مشوشة لا حدّ لها، ويجري في طرقٍ عقيمة كثيرة خلال مداخلة سيول العناصر وضمن أمثاله المتشابهة الداعية على السهو والالتباس، فإن خلقه -إزاء هذه الحالات المضطربة المختلطة- ضمن نظام دقيق موزون ومنسق، وأَخْذَ كل عضو من أعضائه وأجهزته وفق ميزان حساس جساس كامل، وتمكين كلٍ منها في موضعه المناسب، وتقليده بوظائف، ومَنْح وجهِه سيماءً شخصيًا مزينًا جميلًا، وخَلْقَ أعضائه المتخالفة المتباينة من مادة بسيطة جامدة ميتة، حيّة متقنة الصنعة؛ كخلق الإنسان الحامل لمئات الأجهزة المتنوعة المتباينة في صور معجزة من قطرة ماء. وخَلْق الطير بأجهزة وجوارح مختلفة متنوعة من بيضة بسيطة، وإنشاء الشجرة بأغصانها الملتفة وأعضائها المتشابكة وأجزائها المتغايرة من بُذيرة صغيرة مركبة من أشياء بسيطة جامدة هي الكاربون والآزوت ومولد الحموضة ومولد الماء (الأوكسجين والهيدروجين)، وإضفاء شكل منظم ومثمر عليها.. يُثبت بلا شك وبالبداهة وبقطعية لا ريب فيها بل بدرجة الوجوب والضرورة واللزوم أن كل مصنوع من هذه المصنوعات يُعطَى له ذلك الوضعُ الخاص الكامل لجميع ذراته وأجهزته وصورته وماهيته، بإرادةِ قدير مطلق القدرة وبمشيئته واختياره وقصده جل وعلا، وأن ذلك المصنوع خاضع لحكم إرادة شاملة كل شيء.</p>
<h5 style="text-align: center;">[حجة: شهادة الموجودات بعدد أفرادها]</h5>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن دلالة هذا المصنوع الواحد بما لا شك فيه على &#8220;الإرادة الإلهية&#8221; تبين أن جميع المصنوعات تشهد شهادة صادقة بليغة لا نهاية لها وبعدد أفرادها بقطعية ظاهرة كالشمس والنهار على &#8220;الإرادة الإلهية&#8221; الشاملة كل شيء، وأنها حجج قاطعة لا حدّ لها على وجوبِ وجودِ قديرٍ مريد.</p>
<h5 style="text-align: center;">[حجة: دلائل العلم هي دلائل للإرادة]</h5>
<p style="text-align: justify;">ثم إن جميع دلائل &#8220;العلم&#8221; المذكورة سابقًا هي دلائل &#8220;الإرادة الإلهية&#8221; أيضًا، إذ كلاهما يعملان مع &#8220;القدرة الإلهية&#8221; فلا ينفك أحدهما عن الآخر.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن توافق الأعضاء النوعية والجنسية لأفراد كل جنس ونوع يدل على أن صانعها واحد أحد، كذلك الاختلافات في ملامح وجوهها اختلافًا ذات حكمة، تدل دلالة قاطعة على أن ذلك الصانع الواحد الأحد، فاعل مختار، يخلق كل شيء بالإرادة والاختيار والمشيئة والقصد.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فقد انتهى بيان الترجمة المختصرة للفقرة العربية المذكورة، الدالة دلالة كلية فريدة على &#8220;الإرادة الإلهية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت قد عزمت على كتابة نكات مهمة جدًّا تخص &#8220;الإرادة الإلهية&#8221; كما هي في مسألة &#8220;العلم الإلهي&#8221;، إلّا أن المرض الناشئ من التسمم قد ألحق إرهاقًا بدماغي، فأؤجلها إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[دلائل القدرة الإلهية]</h4>
<p style="text-align: justify;">أما الفقرة التي تخص القدرة الإلهية فهي:</p>
<p style="text-align: justify;">(اللّٰه أكبر من كل شيء قدرة وعلمًا، إذ هو القدير على كل شيء بقدرةٍ مطلقة محيطةٍ ضرورية ناشئة لازمة ذاتية للذات الأقدسية، فمحالٌ تداخلُ ضدها، فلا مراتب فيها، فتتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجوم، والجزء والكل، والجزئي والكلي، والنواة والشجر، والعالَم والإنسان.. بسر مشاهدة غايةِ كمالِ الانتظام، الاتزانِ، الامتيازِ، الإتقانِ المطلقات.. مع السهولة في الكثرة والسرعة والخلطة المطلقة.. وبسر النورانية والشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والامتثال.. وبسر إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية. وبسر الوجوب والتجرد ومباينة الماهية.. وبسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزؤ.. وبسر انقلاب العوائق والموانع إلى حُكْم الوسائل المسهِّلات.. وبسرِ أن الذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان ليست بأقلَّ صنعةً وجزالة من النجم والكل والكلي والشجر والعالم، فخالقها هو خالق هذه بالحدس الشهودي.. وبسر أن المحاط والجزئيات كالأمثلة المكتوبة المصغرة أو كالنقط المحلوبة المعصّرة، فلا بد أن يكون المحيط والكليات في قبضة خالق المحاط والجزئيات ليدرج مثالَها فيها بموازينِ علمه أو يعصّرها منها بدساتيرِ حكمته.. وبسرِّ كما أن قرآن العزّة المكتوب على الذرة المسماة بالجوهر الفرد بذرات الأثير ليس بأقل جزالة وخارقية صنعةٍ من قرآنِ العظمة المكتوب على صحيفة السماء بمداد النجوم والشموس، كذلك إن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من دُرِّيِ نجمِ الزُهرة، ولا النملة من الفيلة، ولا المكروب من الكركدن، ولا النحلة من النخلة، بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن غاية كمال السرعة والسهولة في إيجاد الأشياء أوقعت أهل الضلالة في التباسِ التشكيلِ بالتشكُّلِ المستلزم لمحالاتٍ غير محدودة تمجّها الأوهام، كذلك أثبتت لأهل الهداية تَساويَ النجوم مع الذرات بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات جلّ جلاله لا إله إلّا هو اللّٰه أكبر).</p>
<p style="text-align: justify;">قبل الشروع ببيان فحوى مختصرٍ لهذه الفقرة العربية العظيمة التي تخص &#8220;<strong>القدرة الإلهية</strong>&#8221; والذي هو من قَبيلِ ترجمتِها ومضمونها، نُبيِّن حقيقةً أُخطرت إلى القلب، وهي أن وجود القدرة الإلهية أكثرُ قطعيةً من وجود الكون، بل إن جميع المخلوقات وكل مخلوق بالذات، كلماتٌ مجسَّمة لتلك القدرة، تُبيِّنها وتُظهرها بعين اليقين، وهي شهادات بعددها على موصوفها القدير المطلق، فلا داعي إذن إلى إثبات تلك القدرة بالحجج والبراهين، بل يلزم إثبات حقيقة جليلة تخص القدرة، والتي هي أساسٌ مهم في الإيمان، والحجر الأساس الرصين للحشر والنشور، والمدارُ اللازم لمسائلَ إيمانيةٍ كثيرة وحقائقَ قرآنيةٍ جليلة، والدعوى التي تعلنها الآية الكريمة: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلّا كنفس واحدة﴾، والتي أعيت العقول دونها وظلت في حيرة وعجز، بل ضل قسم منها..</p>
<p style="text-align: justify;">فذلك الأساس وذلك الحجر الزاوية وذلك المدار وتلك الدعوى وتلك الحقيقة هي معنى الآية الكريمة المذكورة.</p>
<p style="text-align: justify;">أي أيها الجن والإنس.. إنّ خَلْقَكم جميعًا وبعثَكم يوم الحشر يسير على <strong>قدرتي</strong> يُسْرَ إيجادِ نفسٍ واحدة، فهو الذي يخلق الربيع بمثل خلقه زهرةً واحدة في سهولةٍ ويسر، فلا فرق بالنسبة لتلك القدرة بين الجزئي والكلي والصغير والكبير والقليل والكثير، فهي تُجري السيارات بسهولة إجرائها للذرات.</p>
<p style="text-align: justify;">فتلك الفقرة العربية المذكورة تبين هذه المسألة الجليلة بحجة قوية قاطعة في تسع مراتب.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الأولى: الانتظام والاتزان مع السهولة والكثرة]</h5>
<p style="text-align: justify;">إن الفقرة الآتية تشير إلى أساس المراتب وتلخص باختصار شديد الفقرةَ العربية:</p>
<p style="text-align: justify;">(إذ هو القدير على كل شيء بقدرة مطلقة محيطة ضرورية ناشئة لازمة ذاتية للذات الأقدسية، فمحالٌ تداخل ضدها، فلا مراتب فيها، فتتساوى بالنسبة إليها الذرات والنجوم، والجزء والكل، والجزئي والكلي، والنواة والشجر، والعالم والإنسان).</p>
<p style="text-align: justify;">أي هو القدير على كل شيء بقدرةٍ محيطة بكل شيء، ولازمةٍ بلزومٍ ذاتي، وواجبة ضرورية ناشئة -كما في علم المنطق- للواجب الوجود، محالٌ انفكاكُها ولا يمكن ذلك قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت مثل هذه القدرة لازمة بمثل هذا اللزوم للذات الأقدس، فلا شك أن العجز الذي هو ضد القدرة لا يدخلها بأية جهة كانت، فلا يكون عارضًا للذات الأقدس، وحيث إن وجود المراتب في شيء، هو بتداخلِ ضدِّه فيه -فمثلًا: مراتب الحرارة ودرجاتها هي بدخول البرودة، ودرجات الجمال هي بمداخلة القبح- فمحالٌ دنو العجز الذي هو ضده من هذه القدرة الذاتية، فلا بد أنْ لا مراتب في تلك القدرة المطلقة، وحيث لا مراتب فيها، تتساوى النجوم والذرات إزاءها، ولا فرق بين الجزء والكل والفرد الواحد وجميع نوعه والإنسان والكون بالنسبة لتلك القدرة، وإحياءُ نواة واحدة والشجرةِ الباسقة ونفسٍ واحدة وجميعِ ذوى الأرواح في الحشر سواءٌ إزاء تلك القدرة ويسيرٌ عليها، فلا فرق لديها بين الكبير والصغير والقليل والكثير، والشاهدُ الصادق القاطع على هذه الحقيقة هو ما نشاهده في خلق الأشياء من كمال الصنعة والنظام والميزان والتميز والكثرة في السرعة المطلقة مع السهولة المطلقة واليسر التام.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الحقيقة المذكورة هي مضمون <strong>المرتبة الأولى</strong> التي هي: (وبسر مشاهدة غاية كمال الانتظام، الاتزانِ، الامتيازِ، الإتقانِ المطلقات، مع السهولة المطلقة في الكثرة والسرعة والخلطة)</p>
<h5 style="text-align: justify;">[المرتبة الثانية: سر النورانية والشفافية]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة الثانية</strong>: وهي: (وبسر النورانية والشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والامتثال)</p>
<p style="text-align: justify;">نُحيل إيضاح هذه المرتبة وتفاصيلها إلى ختام &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; وإلى &#8220;الكلمة التاسعة والعشرين&#8221; وإلى &#8220;المكتوب العشرين&#8221;، ونشير إليها هنا إشارة مختصرة:</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أن دخولَ ضوء الشمس وصورتها -من حيث النورانية- بالقدرة الربانية في سطح البحر وفي حَبابه كلُّها يسيرٌ، كدخوله في قطعةٍ زجاجية، كلاهما سواء، كذلك القدرة النورانية لمن هو نور الأنوار، فإنَّ خلْقَها للسماوات والنجوم وتسييرها يسيرٌ عليها كخلق الذباب والذرات وتسييرِها، فلا يصعب عليها شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما توجد -بخاصيةِ الشفافيةِ- صورةُ الشمس المثاليةُ في مرآة صغيرة وفي بؤبؤ العين بالقدرة الإلهية، فبالسهولة نفسها يُعطي ذلك الضوء وتلك الصور بالأمر الإلهي إلى جميع الأشياء اللماعة وإلى جميع القطرات وجميع الذرات الشفافة وإلى سطح البحار، كذلك فإن جلوة القدرة المطلقة وتأثيرها في إيجاد نفسٍ واحدة هو بالسهولة نفسها في خلقها الحيوانات كلها، حيث إن وجه الملكوتية والماهية للمصنوعات شفاف ولماع، فلا فرق بالنسبة إلى تلك القدرة بين القليل والكثير والصغير والكبير، وكما إذا وُضع جوزتان في كفتي ميزان حساس متقن يكيل الجبال، ثم وُضعت نواة صغيرة في إحدى الكفتين فإنها ترفعها بسهولة إلى قمة جبل وتخفض الأخرى إلى حضيض الوادي، وإذا ما وضع جبلان متساويان بدلًا عن الجوزتين، فإن أحد الجبلين يرتفع إلى السماوات وينخفض الآخر إلى أعماق الوديان بالسهولة نفسها فيما إذا وضعت في إحدى الكفتين نواة صغيرة.. كذلك: &#8220;الإمكان مساوي الطرفين&#8221; حسب تعبير علم الكلام، أي إن وجود الأشياء الممكنة والمحتملة -أي غير الواجبة والممتنعة- وعدمها سواء، لا فرق بين وجودها وعدمها إن لم يوجد سبب.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذا الإمكان والمساواة بين الوجود والعدم، يتساوى القليل والكثير، الصغير والكبير.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فالمخلوقات ممكنات، وحيث إن وجودها وعدمها سواء ضمن دائرة الإمكان، فإن قدرة الواجب الوجود الأزلية المطلقة كما تعطي الوجودَ لممكنٍ واحد بسهولةٍ ويسر، تُلبِس كلَّ شيءٍ وجودًا يلائمه مُخِلَّة للتوازن بين الوجود والعدم، وتنـزع عنه لباس الوجود الظاهري إن كانت قد انتهت مهمته، وترسله إلى العدم صورةً وظاهرًا، بل إلى الوجود المعنوي في دائرة العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى إنْ أُسندت الأشياء إلى القدير المطلق وفُوِّض أمرُها إليه سبحانه، فإنّ إحياء الربيع يَسْهُل كإحياء زهرةٍ واحدة، وإحياء الناس جميعًا في الحشر يَسْهُل كإحياء نفس واحدة، بينما إذا أُسند خلق الأشياء إلى الأسباب فإنّ خلقَ زهرة واحدة يصعب كصعوبة خلق الربيع كاملًا، وخَلْقَ ذبابة واحدة كخلق الأحياء بأسرها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا كما أن سفينة عظيمة وطائرة ضخمة تتحرك بمجرد مس مفتاح فيهما، بسر الانتظام، بسهولة نصبِ الساعة وتشغيلها، كذلك فإن إعطاء كل شيءٍ كلي وجزئي، صغيرٍ وكبير، قليلٍ وكثير، قالبًا معنويًّا، ومقدارًا خاصًّا وحدودًا معينة، بدساتيرِ العلم الأزلي، وبقوانينِ الحكمة السرمدية، وبالأصول المعينة والجلوات الكلية للإرادة الإلهية، يجعل الأشياء كلها ضمن الانتظام العلمي التام وقانون الإرادة، فلا شك أن تحريك المنظومة الشمسية بقدرة القدير المطلق وجريها سفينةَ الأرض في مدارها السنوي هي بسهولة جريها الدمَ وما فيه من كريات حمر وبيض وتدوير ذراتها، جريًا ودورانًا ضمن نظام وحكمة حتى إنها تخلق إنسانًا مع أجهزته الخارقة من قطرة ماء ضمن نظام الكون دون تعب ولا نصب.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أنه إذا أُسنِد إيجاد الكون إلى تلك القدرة الأزلية المطلقة يكون الأمر سهلًا كإيجاد إنسان واحد، وإن لم يُسنَد إليها فإنَّ خلق إنسانٍ واحدٍ بأجهزته العجيبة ومشاعره الدقيقة، يكون مُشْكِلًا وعسيرًا كخلق الكون كله.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا كما أن قائدًا واحدًا بأمره جنديًّا واحدًا بالهجوم يسوقه إلى الهجوم، بسر الإطاعة والامتثال وتَلَقّي الأوامرِ، فإنه بالأمر نفسِه وبالسهولة نفسِها يسوق جيشًا عظيمًا مطيعًا أيضًا إلى الهجوم.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك المصنوعات التي كل منها في كمال الطاعة لقوانين الإرادة الإلهية لتَلَقّي إشاراتِ الأمر الرباني التكويني، وكالجندي المتأهب وكالعبد المأمور في مَيل فطريّ وشوق فطري ضمن دائرةِ دساتيرِ خط السير الذي عيّنه العلمُ الأزلي والحكمة الأزلية، وهو أكثر طاعةً وانقيادًا للأوامر بألف مرة عن طاعة جنود الجيش، فهذه المصنوعات ولا سيما ذوي الحياة منها عندما يتلقى كل منها الأمر الرباني: &#8220;اُخْرُجْ من العدم إلى الوجود وتقلّدْ وظيفةً&#8221; تُلبِسه القدرةُ الإلهية بسهولة مطلقةٍ وجودًا خاصًّا بالشكل الذي عيَّنه العلم، وبالصورة التي خصَّصتْها الإرادة، وتأخذ بيده إلى ميدان الوجود.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك بالسهولة نفسها وبالقوة والقدرة نفسَيهما يَخلق سبحانه جيش الأحياء في الربيع ويُوكِل إليه الوظائفَ.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن كل شيء إذا أُسند إلى تلك القدرة، فإن إيجاد جيوش الذرات كلِّها وفِرَقِ النجوم كلِّها سهلٌ كسهولةِ إيجادِ ذرةٍ واحدةٍ ونجمٍ واحد، بينما إذا أُسند إلى الأسباب فإنّ خلق ذرة في بؤبؤ عينِ كائنٍ حي وفي دماغه -بقابليةٍ لتؤديَ الوظائف العجيبة- يكون ذا مشكلات وصعوبة كخلقِ جميعِ الحيوانات.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الثالثة: سر إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة الثالثة</strong>: وهي: (وبسر إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية)</p>
<p style="text-align: justify;">سننظر إلى مضمونها بإشارات قصيرة جدًّا:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن قائدًا عظيمًا وسلطانًا مهيبًا تَسهُل إزاءه إدارةُ أمور البلاد الواسعة والأمة العظيمة كسهولة إدارة أهالي قرية واحدة، وذلك من حيث وحدةُ حاكميتِه وعملُ رعيته وفق أوامره وحده، إذ من حيث الواحدية في حكمه تكون أفرادُ الأمة كأفراد الجيش وسائلَ للتسهيلات، فتطبق الأوامر والقوانين بيُسر وسهولة، بينما إذا فُوِّضت الأمور إلى حكام مختلفين، ففضلًا عن سقوطها في هاوية المشاكسات والاضطرابات، فإن إدارة قرية واحدة، بل بيت واحد، تكون ذات مشكلات كإدارة تلك البلاد الواسعة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن كل فردٍ من أفراد تلك الأمة المطيعة المرتبطة بقائد واحد، كالجندي يستند إلى قوة ذلك القائد ويعتمد على مخازنِ أعتدته ويستمد من جيشه العظيم، لذا يستطيع أن يأسر ملكًا من الملوك، وينجز أعمالًا هي أضعافُ أضعافِ ما يؤديه من عمل شخصي، فيكون انتسابه إلى ذلك السلطان قوة عظمى لا منتهى لها، واقتدارًا لا حدود له، فيؤدي بها أعمالًا جسيمة جليلة، بينما إذا انقطع ذلك الانتساب، فإن تلك القوة الهائلة تذهب أدراج الرياح، فلا يمكن أن يؤدي من الأعمال إلّا بمقدار ما في ساعده من قوة جزئية، وما يحمله على ظهره من أعتدة قليلة وطلقات محدودة. ولو طُلب من ذلك الجندي ما يؤديه الجندي المستند المذكور من أعمال للزم وجود قوةِ جيشٍ كامل في ساعده، ومداخر أعتدة السلطان على ظهره!</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الأمر، فإن سلطان الأزل والأبد، الصانع القدير، من حيث واحدية سلطنته وواحدية حاكميته المطلقة يدير الكون بسهولةِ إدارةِ مدينةٍ واحدة، ويخلق الربيع بسهولةِ خلق حديقة واحدة، ويحيي جميع الموتى في الحشر بسهولة خلق أوراق أشجار تلك الحديقة وأزاهيرها وثمراتها في الربيع المقبل، ويخلق الذباب بنظام نسر عظيم في سهولة ويسر، ويجعل إنسانًا في حكم كونٍ عظيم بسهولة ويسر أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما إذا أُسند الأمر إلى الأسباب فإن خلق جرثومة واحدة يكون صعبًا بصعوبةِ خلقِ كركدن عظيم، وخلق ثمرةٍ من الثمرات بصعوبة خلق شجرةٍ كاملة ذات مشكلات.. بل يلزم أن يُعطى كل ذرة من الذرات العاملة في وظائفَ عجيبة في حجيراتِ جسم الكائن الحي بصرًا تُبصر به كلَّ شيء وعلمًا تدرِك به كلَ شيء، لتؤديَ تلك الوظائف الحياتية الدقيقة المتقنة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن اليسر والسهولة يَبلغان في الوحدة بدرجة، بحيث يَسهل ورود تجهيزات جيشٍ كاملٍ من يدٍ واحدة من مصنع واحد، كسهولة تجهيز جندي واحد بالمعدات العسكرية، وإذا ما تدخلت أيدٍ مختلفة أخرى وأُخِذ كل جهاز من تلك الأجهزة المتنوعة من مصانع متباينة، فإن تجهيز جندي واحد -من حيث الكمية- لا يمكن إلّا بألف مشكلة ومشكلة، إذ تصعب الأمور إلى صعوبةِ تجهيزِ ألف جندي، حيث يتدخل أُمراء متعددون وضباط عديدون.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن إدارة ألف جندي والآمرية عليهم إذا أُسندت إلى ضابط واحد، تَسْهُل سهولةَ إدارة جندي واحد، من جهة، بينما إذا تُركت الإدارة إلى عشرة ضباط أو إلى الجنود أنفسهم، فيحدث كثير من الاختلاطات والفوضى والمشكلات، كذلك الأمر إذا أُسند كل شيء إلى الواحد الأحد، فإنه يسهل كسهولة الشيء الواحد، بينما إذا أُسند إلى الأسباب فإن أمر كائن حي واحدٍ يكون صعبًا وعسيرًا كالأرض كلها، بل يكون غير ممكن قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب واللزوم، وفي الكثرة ومداخلة الأيدي تبلغ الصعوبةُ بدرجة عدم الإمكان.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما ذُكر في &#8220;المكتوبات&#8221; من كليات رسائل النور أنه إذا فوّض اختلاف الليل والنهار وحركات النجوم وتحولات الفصول السنوية كالخريف والشتاء والربيع والصيف إلى مدبّر واحد وآمر واحد، فإن ذلك الآمر الأعظم يأمر الأرض التي هي جندي من جنوده أَنْ: قُومي، دُورِي، سِيرِي وهي بدورها تنهض منجذبة بنشوة الأمر وتتحرك كالعاشق المولوي حركتين: يومية وسنوية، وتصبح وسيلةً سهلةً جدًّا لتحولات المواسم وحركات النجوم الظاهرية والخيالية، مُظهِرةً السهولةَ التامة واليسر المتناهي في الوحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لو تُرك الأمر -لا إلى ذلك الآمر الواحد- بل إلى الأسباب وإلى هوى النجوم ورغباتها، وقيل للأرض: قفي لا تجولي، فلربما يحصل وضع الأرض في حصول المواسم والليل والنهار بقطع ألوف النجوم والشموس التي هي أضخم من الأرض بألوف المرات مسافات تبلغ ملايين السنين بل مليارات السنين في كل ليلة وفي كل سنة!</p>
<p style="text-align: justify;">أي يكون الأمر صعبًا ومشكلًا بدرجة المحال وغير الممكن.</p>
<p style="text-align: justify;">وما في المرتبة الثالثة: من كلمة &#8220;تجلي الأحدية&#8221; تشير إلى حقيقة في منتهى السعة والعمق والدقة والعظمة، نحيل إيضاحها وإثباتها إلى رسائل النور مبينين نكتة من نكاتها ضمن تمثيل قصير جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أن الشمس تنور الأرض كلَّها بضيائها، وتصبح مثالًا للواحدية، فهي بوجود صورتها ومثالها بألوانها السبعة وصورتها الذاتية في كل ما يقابلها من شيء شفاف كالمرآة فيها تصبح مثالًا للأحدية.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كان للشمس علمٌ وقدرةٌ واختيار، وكانت للقطع الزجاجية وقطرات الماء والحباب التي تنعكس فيها الشُميسات قابلياتٌ، لكانت توجد شمس كاملة بقانون الإرادة الإلهية في كل منها وبجنب كل منها.. توجد بصفاتها وبصورتها، من دون أن يعيق أو ينقص وجودُها في سائر الأماكن عن تصرفها شيئًا، فتكون سببًا لمظاهر كبيرة جدًّا بأمر القدرة الربانية وتأثيرها وحكمها، فتبين ما في الأحدية من سهولة فوق المعتاد.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الصانع الجليل فإنه باعتبار الواحدية يرى الأشياء كلَها وهو رقيب عليها بعلمه وبإرادته وبقدرته المحيطة بكل شيء، كما أنه من حيث الأحدية وبتجليها موجود جنب كل شيء ولا سيما ذوي الحياة، بأسمائه وصفاته الجليلة، بحيث يخلق بسهولة تامة في آن واحد الذبابةَ في نظام النسر، والإنسانَ في نظام الكون العظيم، فيَخلق ذوي الحياة بمعجزات كثيرة وكثيرة بحيث لو اجتمعت جميعُ الأسباب لِخلقِ بلبل واحد أو ذبابة واحدة لعجزت، فالذي يخلق بلبلًا هو خالق الطيور لا غيره، والذي يخلق إنسانًا هو خالق الكون لا غيره.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الرابعة والخامسة: سر الوجوب والتجرد ومباينة الماهية، وسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزي]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة الرابعة والخامسة</strong>: هما.. (وبسر الوجوب والتجرد ومباينة الماهية، وبسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزي)</p>
<p style="text-align: justify;">إن نقل ما تفيده هاتان المرتبتان إلى أفهام عامة الناس عسير جدًّا، لذا نبين فحواهما باختصار مع ذكر بضع نِكاتٍ قصيرة منهما.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن قديرًا مطلقًا يملك وجودًا هو أقوى وأمتن مراتبِ الوجود، وهي مرتبة الوجوب الذي هو أزلي وأبدي، والمنـزّه عن الماديات والمجرّد عنها، ويحمل ماهية مقدسة مبايِنة لجميع الماهيات.. هذا القدير المطلق يسيرٌ إزاءَ قدرته إدارةُ النجوم كإدارة الذرات، والحشرُ الأعظم سهلٌ عليها كالربيع، وإحياءُ الناس جميعًا في الحشر هيّن عليها كإحياء نفس واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن مقدار أنملة من نوعٍ قوي من طبقات الوجود يمسك جبلًا ضخمًا لطبقة خفيفة من طبقات الوجود ويديره، فمثلًا المرآة، والقوة الحافظة وهما وجودان خارجيان -وهو وجود قوي- يمكنهما إن تضما وتديرا مائة من الجبال وألفًا من الكتب من الوجود المثالي والمعنوي الذي هو ضعيف وخفيف.. وهكذا، فكم هو أدنى من حيث القوة الوجودُ المثالي من وجود خارجي، فإن أنواع الوجود الحادثة والعارضة للممكنات أيضًا هي أدنى بألوف المرات وأخفُّ من وجودٍ واجب سرمدي أزلي، بحيث إن تجليًا من ذلك الوجود المقدس بمقدار ذرة يدير عالَمًا من الممكنات.</p>
<p style="text-align: justify;">آسف فإن أسبابًا ثلاثة شبيهة بالمرض الناشئ من التسمم في الوقت الحاضر، لا تسمح لبيان هذه الحقيقة العظيمة بنِكاتها، فأحيلها إلى رسائل النور وإلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة السادسة: سر انقلاب العوائق والموانع إلى حكم الوسائل المسهِّلات]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة السادسة</strong>: وهي: (وبسر انقلاب العوائق والموانع إلى حكم الوسائل المسهِّلات).</p>
<p style="text-align: justify;">أي كما أنه بقانون من جلوات الإرادة الإلهية والأمر التكويني -والذي تعبّر عنه العلومُ الحديثة بالعقدة الحياتية- تسري المواد اللازمة والأرزاق بتوجه تلك الإرادة والأمر من تلك العقدة الحياتية التي هي كمحرك ونابض لها إلى ثمراتِ شجرةٍ عظيمة فاقدة للشعور وإلى أوراقها وثمراتها، ولا تكون أغصانُها المتشعبة ولا جذوعُها القوية الصلدة عوائقَ وموانع دونها، بل تكون وسائلَ تيسيرٍ ووسائط تسهيل، كذلك في خلق الكون وإيجاد المخلوقات كلها تدع جميعُ الموانع الإحجامَ والممانعة إزاء تجلٍّ للإرادة الإلهية ولتوجه الأمر الرباني، وتصبح وسيلةَ تسهيلٍ وتيسير، فالقدرةُ السرمدية تَخلُق الكونَ ومخلوقاتِ الأرضِ قاطبةً بسهولة خلقها تلك الشجرةَ، لا يصعب عليها شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو لم تُسنَد جميع الخلق إلى تلك القدرة فإن إنشاء تلك الشجرة الواحدة وإدارتها تكون صعبةً صعوبةَ إدارةِ جميع الأشجار، بل صعوبةَ خلق الأرض وإدارتها، لأن كل شيء عندئذٍ يكون مانعًا وحائلًا، ولو اجتمعت الأسبابُ جميعُها في هذه الحالة لا تستطيع أن ترسل الأرزاق اللازمة من معدة عقدتها الحياتية ومن زمبركها الناشئة من الأمر والإرادة، وتوصيلَها بانتظام إلى ثمراتها وأوراقها وأغصانها، إلّا إذا أُسنِد إلى كل جزء من أجزاء الشجرة بل حتى إلى كل ذرة من ذراتها بصرٌ يبصر كلَّ الشجرة وكلَّ جزء منها وكلَّ ذرة من ذراتها، وعلمٌ محيطٌ بكل شيء، وقدرةً قادرة على كل شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا اصعد هذه المراتبَ الخمس وانظر كم في الشرك والكفر من مشكلات ومحالات، واعلم مدى امتناعهما وبُعدهما عن معايير العقل والمنطق، ومدى السهولة في طريق الإيمان والقرآن، بل مدى ما فيها من حق وحقيقة مستساغة بدرجة الوجوب، ومدى معقوليتها وقطعيتها وسهولتها ومقبوليتها بدرجة اللزوم، شاهِدْ هذه الحقيقةَ وقل: الحمد للّٰه على نعمة الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">(لقد سببت الضغوط والمضايقات تأجيل القسم الباقي من هذه المرتبة العظيمة إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه).</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة السابعة: سر الأحدية والصمدية]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة السابعة</strong>: وهي: (وبسّر أن الذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان ليست بأقل صنعة وجزالة من النجم والكل والكلي والشجر والعالم).</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنبيه</strong>: إن أسس حقائق هذه المراتب التسع وكنـزها وشمسها هي آيتا سورة الإخلاص: ﴿قل هو اللّٰه احد ٭ اللّٰه الصمد﴾، فهي إشارات قصيرة إلى لمعاتٍ من تجليات سر الأحدية والصمدية.</p>
<p style="text-align: justify;">نلقي نظرة إلى فحوى هذه المرتبة السابعة بنكتة أو نكتتين، محيلين تفاصيلها إلى رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وهي تعني أن الذرة التي تؤدي وظائف عجيبة في العين والدماغ ليست بأقل صنعة وإبداعًا من النجم، <strong>وليس الجزء بأقل جزالة من مجموعه الكل</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: ليس الدماغ والعين بأقلَّ إتقانًا وإبداعًا من الإنسان، ولا الفرد الجزئي بأقل إبداعًا من النوع عامة من حيث جمال الإتقان والغرابة في الخلق، ولا الإنسان بأقل صنعة من جنس الحيوان الكلي من حيث أجهزته العجيبة، ولا البذرة التي هي بمثابة فهرس وبرنامج وقوة حافظة بأقل إتقانًا من شجرتها الباسقة من حيث كمال الصنع والخزن، ولا الإنسان الذي هو كون صغير بأقل إبداعًا من الكون العظيم، من حيث إنه في أحسن تقويم ويملك أجهزة خارقة جامعة مهيأة للقيام بألوف الوظائف العجيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي يخلق الذرة إذن لا يعجز عن خلق النجم، والذي يخلق اللسان -وهو عضو في الإنسان- يخلق الإنسان بسهولة ويسر بلا شك؛ والذي يخلق الإنسان في أحسن تقويم لا شك أنه قادر على خلق الحيوانات كلها بسهولة كاملة، مثلما يخلقها أمام أنظارنا؛ والذي يخلق النواة بماهيةِ فهرسٍ وقائمةِ مفرداتٍ، ودفترِ قوانينَ أمريةٍ، وعقدةٍ حياتيةٍ، لا شك هو الذي يكون خالق جميع الأشجار؛ والذي جعل الإنسان أشبه ببذرة معنوية للعالم وثمرةٍ جامعة له، ومظهرًا لجميع أسمائه الإلهية ومرآة لها ومرتبطًا بالكائنات كلها وخليفة للأرض، لا شك أنه يملك قدرة قادرة على خلق الكون كله وتنسيقه بسهولةِ خلقِ الإنسان.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا فمن كان خالقًا وصانعًا وربًّا للذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان، فبالبداهة ولا شك أنه هو خالق النجوم والأنواع والكل والكليات والأشجار وجميعِ الكائنات وصانعُها وربُّها بالذات، فمحالٌ أن يكون غيرَه وممتنعٌ قطعًا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة الثامنة: سر كون الجزئيات نماذج مصغرة للكليات]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة الثامنة</strong>: (وبسرّ أن المحاط والجزئيات كالأمثلة المكتوبة المصغرة أو كالنقط المحلوبة المُعَصَّرة، فلا بد أن يكون المحيط والكليات في قبضة خالق المحاط والجزئيات، ليدرج مثالها فيها بموازين علمه، أو يعصرها منها بدساتير حكمته).</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن نسبة الجزئيات المحاطة والأفراد والنوى والبذور التي تتضمنها الكل والكليات إلى الكلّيّات الكبيرة المحيطة، شبيهةٌ بنماذج مصغرة وأمثلة مكتوب فيها ما كُتِب تمامًا في الكل والكليات كتابةً دقيقة تناسب تلك القطع الصغيرة؛ ولهذا فالكليات المحيطة هي في قبضة خالق تلك الجزئيات وتحت تصرفه بلا شك، وذلك ليُدرِج كتابَ ذلك المحيط الكبير بموازين علمه وبأقلامه الدقيقة في مئات من القطع والدفاتر الصغيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن نسبة الأجزاء والجزئيات المحاطة إلى الكليات المحيطة، ومثالهما شبيه بالقطرات المحلوبة أو القطرات المُعَصَّرة من الكليات المحيطة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا نواة البطيخ كأنها قطرة محلوبة من جميع أنحاء البطيخ، أو هي نقطة كتب فيها كتاب البطيخ كاملًا، حتى إنها تحمل فهرسه وقائمة محتوياته وبرنامجه.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الأمر هكذا، يلزم أن تكون تلك الجزئيات والقطرات والنقاط والأفراد بيد صانع ذلك الكل المحيط وتلك الكليات المحيطة، ليَعصر تلك الأفرادَ والقطراتِ والنقطَ منها بدساتير حكمته الحساسة.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن خالق نواةٍ واحدةٍ وفردٍ واحد هو خالق ذلك الكل الكبير والكليات، وخالقُ الكليات والأجناس التي تكبرها وتحيط بها أيضًا وليس غيره، ولهذا فخالق نفس واحدة يخلق جميع الناس، والذي يبعث إنسانًا ميتًا واحدًا يبعث الجن والإنس والأموات جميعًا في الحشر، وسيبعثهم، وهكذا شاهِدْ مدى أحقية دعوى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلّا كنفسٍ واحدة﴾ ومدى ثبوتها وقطعيتها، شاهدها بأسطع وأجلى صورتها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المرتبة التاسعة: لا فرق بين الكبير والصغير إزاء القدرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>المرتبة التاسعة</strong>: (وبسرّ كما أن قرآن العزّة المكتوبَ على الذرة المسماة بالجوهر الفرد بذرات الأثير ليس بأقل جزالة وخارقية صنعة من قرآن العظمة المكتوب على صحيفة السماء بمداد النجوم والشموس، كذلك إن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من دُرِّيِّ نجم الزُهرة، ولا النملة من الفيلة، ولا المكروب من الكركدن، ولا النحلة من النخلة، بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن غاية كمال السرعة والسهولة في إيجاد الأشياء أوقعت أهل الضلالة في التباس التشكيل بالتشكل المستلزم لمحالات غير محدودة تمجها الأوهام، كذلك أثبتت لأهل الهداية تساويَ النجوم مع الذرات بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات جلّ جلاله ولا إله إلّا هو اللّٰه أكبر).</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أود أن أبين مضمون هذه المرتبة الأخيرة بإسهاب ولكن مع الأسف حال دون ذلك العنتُ والضيق الناجم من التحكم الاعتباطي، والضعف الذي اعترى جسمي من التسمم فضلًا عن الأمراض المؤلمة، لذا اضطررت إلى الاكتفاء بإشارات قصيرة جدًّا إلى مضمونها.</p>
<p style="text-align: justify;">وهي تعني: كما لو كُتب قرآنٌ عظيم في الذرة -التي يطلق عليها في علم الكلام والفلسفة الجوهر الفرد غير القابل للانقسام- بذرات الأثير التي هي أصغر منها، وكُتب أيضًا قرآن عظيم آخر في صحائف السماوات بالنجوم والشموس، ثم قورن بينهما، فلا شك أن القرآن المكتوب بالجوهر الفرد ليس بأقلّ جزالة وإعجازًا وإبداعًا من القرآن العظيم والكبير الذي جمّل وجه السماوات، وربما هو أكثر منه جزالة من جهة.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك إن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من دُرِّيِّ نجم الزُهرَة، ولا النملة أدنى من الفيل، بل المكروب أكثر إبداعًا من الكركدن خلقة، والنحلة بفطرتها العجيبة أعجب من النخلة بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن خالق النحلة يخلق جميع الحيوانات، والذي يبعث نفسًا واحدة يجمع الناس على صعيد الحشر ويبعثهم جميعًا، وسيحشرهم حتمًا، فلا يصعب على تلك القدرة شيء، كما تشاهد مئات ألوف النماذج من الحشر في كل ربيع أمام أعيننا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومضمون الجملة العربية الأخيرة وفحواها المختصر هو أن أهل الضلالة لجهلهم بالحقائق الثابتة الراسخة للمراتب المذكورة، ولظهور الموجودات إلى الوجود في منتهى السرعة والسهولة، فقد التبس عليهم تشكيلها وإيجادها بقدرةِ صانعٍ قديرٍ مطلق القدرة، مع تشكّلها ووجودها بنفسها، فاتحين لأنفسهم أبواب خرافات ومحالات غير محدودة تمجّها الأوهام والأذهان، إذ في تلك الحالة- مثلًا- يلزم إعطاء كل ذرة من ذرات كائن حي قدرة قادرة على صنع كل شيء، وعلمًا وبصرًا يبصر كل شيء، أي إنهم بعدم قبولهم لإلهٍ واحدٍ أحدٍ اضطروا إلى قبول آلهة بعدد الذرات حسب مذهبهم، مستحِقين الدخول إلى أسفل سافلي جهنم.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أهل الهداية فقد منحت الحقائقُ القوية للمراتب السابقة والحججُ الرصينة إلى قلوبهم السليمة وعقولهم الصائبة قناعةً تامة قاطعة وإيمانًا قويًّا وتصديقًا بعين اليقين، حتى اعتقدوا بلا ريب ولا شبهة وبكل اطمئنانِ قلبٍ أنه لا فرق بين النجوم والذرات وأصغرِ شيء وأكبره إزاء القدرة الإلهية، حيث نشاهد أمامنا هذه المخلوقات العجيبة، فكل صنعة عجيبة منها تصدّق دعوى الآية الكريمة: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلّا كنفسٍ واحدة﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وتشهد أن حكمَها هو عين الحق ومحض الحقيقة، وتقول بلسان الحال: اللّٰه أكبر، ونحن بدورنا نقول: اللّٰه أكبر بعدد المخلوقات مصدقين حكمَ هذه الآية الكريمة بكل قوتنا وقناعتنا ونشهد أن حكمها هو عين الحق والحقيقة نفسها بحجج لا منتهى لها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللّٰهمّ صلّ وسلم على من أرسلته رحمةً للعالمين، والحمد للّٰه ربّ العالمين. </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بسم اللّٰه الرحمن الرحيم</strong></p>
<p style="text-align: center;">يَا اَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ.. بحق الاسم الأعظم وبحرمة القرآن المعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم (ﷺ)، أدخِل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا وأبدًا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب &#8220;الشعاعات&#8221;.. آمين. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين</p>
<p style="text-align: center;">يا أرحم الراحمين.. آتِ جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين. واعف عن ذنوب هذا العبد العاجز الـضعيف سعيد.. آمين</p>
<p style="text-align: left;"><strong>باسم جميع طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وللّٰه المثل الأعلى: كلزوم الضياء المحيط للشمس. (المؤلف)</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد كُتب القسم الثاني أثناء مكابدةِ مرض رهيب لم أره طوال حياتي من جراء تسمم، فأرجو النظر إلى تقصيراتي بنظر المسامحة، ويستطيع &#8220;خسرو&#8221; أن يصلح ويبدل ويعدل ما يراه غير مناسب. (المؤلف).</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن مرضي الشديد جدًّا لا يسمح بالإيضاح، وما كتبته إنما هو مصدر ومساعدة لمهمة &#8220;خسرو&#8221; في الترجمة ليس إلّا. (المؤلف)</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2667</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الخامس عشر: الحجة الزهراء [1/2]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25b3-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25ac%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b2%25d9%2587%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a1-1-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 17 Jul 2025 11:34:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2654</guid>

					<description><![CDATA[[هذا المقام الأول من الشعاع الخامس عشر يتضمن تلخيصًا للحجج الإيمانية حول الإيمان بالله ورسوله ﷺ مستقاة من كلمتَي الشهادة ومن سورة الفاتحة] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [الشعاع الخامس عشر‌] الشعاع الخامس  الحجة الزهراء‌  عبارة عن مقامين‌ [مقدمة]  يبدو هذا الدرس ظاهرًا رسالةً صغيرة، إلّا أنها في الحقيقة رسالةٌ عظيمة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا المقام الأول من الشعاع الخامس عشر يتضمن تلخيصًا للحجج الإيمانية حول الإيمان بالله ورسوله ﷺ مستقاة من كلمتَي الشهادة ومن سورة الفاتحة]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2663" aria-describedby="caption-attachment-2663" style="width: 716px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-large wp-image-2663" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-716x1024.jpg" alt="فمَن لا يؤمن بالحياة الباقية في الدار الآخرة إنما يقذف نفسه في جهنمَ معنويةٍ يُنشِئُهَا الكفر، فيقاسي العذاب دومًا ولمّا يزل في الدنيا، حيث تُنْـزِل الأزمنةُ الماضيةُ جميعُها والمستقبَلة والمخلوقات والكائنات بزوالها وفراقها مطرَ السَّوء على روحه وقلبه، فتذيقه آلامًا لا حدّ لها وأعذِبةً كعذاب جهنم قبل أن يَدخلها في الآخرة." width="716" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-716x1024.jpg 716w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n-210x300.jpg 210w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/298872402_148328367818270_7719128157078268085_n.jpg 736w" sizes="(max-width: 716px) 100vw, 716px" /><figcaption id="caption-attachment-2663" class="wp-caption-text">فمَن لا يؤمن بالحياة الباقية في الدار الآخرة إنما يقذف نفسه في جهنمَ معنويةٍ يُنشِئُهَا الكفر، فيقاسي العذاب دومًا ولمّا يزل في الدنيا، حيث تُنْـزِل الأزمنةُ الماضيةُ جميعُها والمستقبَلة والمخلوقات والكائنات بزوالها وفراقها مطرَ السَّوء على روحه وقلبه، فتذيقه آلامًا لا حدّ لها وأعذِبةً كعذاب جهنم قبل أن يَدخلها في الآخرة.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[الشعاع الخامس عشر‌]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>الشعاع الخامس </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>الحجة الزهراء</strong><strong>‌ </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>عبارة عن مقامين</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مقدمة]</h2>
<p style="text-align: justify;"> يبدو هذا الدرس ظاهرًا رسالةً صغيرة، إلّا أنها في الحقيقة رسالةٌ عظيمة وقوية وواسعة جدًّا، وهي فاكهةٌ إيمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكرية، ومن اتحادِ علم اليقين وعين اليقين في حياة النور المعنوية التحقيقية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[المقام الأول]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>المقام الأول</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>على ثلاثة أقسام</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[القسم الأول: خلاصة شرح كلمة التوحيد]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>القسم الأول</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">من الدرس الذي أُلقي في المدرسة اليوسفية الثالثة، وهو خلاصة الخلاصة للمكتوب العشرين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وبه نستعين﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">فالذي قضى خمسًا وثلاثين سنة معتزِلًا الناسَ، وودَّع الدنيا ونسيَها، ولا سيما في الليالي، حتى استوحش من الناس لكثرة ما عانى من المراقبة المستديمة والترصّد الدائم لأعماله ترصدًا ينطوي على حقد وضغينة وسوء طويّة، طوال ثلاثٍ وعشرين سنة، حتى أصبح يتضايق من أن يقضي ساعةً من وقته مع أحدٍ من الناس وفي مكان واحد، سوى مَن يشتاق إلى رسائل النور ومَن يقوم بمعاونته.. أقول: لقد نقلوا هذا الضعيف -أنا العاجز- إلى الزنـزانة الخامسة كرهًا، حيث الازدحام على أشده، ومنعوا إخوتي من التردد عليّ، بحجةِ رَفْعي دعوى إلى محكمة التمييز حول وضعي في السجن المنفرد أحد عشر شهرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فحينما كنت مضطربًا وقلِقًا على عدم تحمل العيش في هذا الازدحام الكثيف، إذا بالجو يبرد بردًا شديدًا -علامةً على الغضب- بحيث لو كنتُ في مكاني السابق لما تحملتُه قطعًا، فانقلب لي العُسر يسرًا، ونـزلتْ بي تلك الشدةُ رحمةً منه تعالى، فخطر للقلب:</p>
<p style="text-align: justify;">على الرغم من قيام طلاب النور بأداء وظيفتهم -ونيابةً عنك- في تبليغ حقائق رسائل النور بجدٍّ وإخلاص، في كل ردهة من ردهات السجن، فإن هذه الردهة الخامسة الشبيهة بموضع انـزواء الزاهدين يتجدد دائمًا ويتبدل، فهي إذن أحوجُ ما تكون إلى دروس النور، وكذا الشباب والشيوخ لا شك أنهم بأمسِّ الحاجة إلى دروس يقينية وراسخة في إثبات وجوده تعالى وإثبات وحدانيته سبحانه، حيث يقرؤون ما تكتبه الصحفُ من هجوم الروس على الإيمان بهجمات الإلحاد الرهيبة وإنكار الخالق العظيم.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي ورد إلى القلب أثناء الأذكار عقب الصلاة هو هذا، وذكرتُ بدوري التهليلَ الذي أذكره منذ السابق عقب صلاة الفجر عشر مرات، وهو:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لا إلٰهَ إلّا اللّٰه وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلى كل شَيءٍ قَدِيرٌ وإلَيْهِ المَصِيرُ&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا التهليل العظيم والتوحيد الجليل الذي يحمل الاسم الأعظم -حسب روايةٍ- قد فصَّله &#8220;المكتوب العشرون&#8221; العظيمُ تفصيلًا واضحًا ساطعًا كالشمس، وذلك في إحدى عشرة كلمةً من كلماته في أحد عشر برهانًا من براهينِ وجوب وجوده تعالى ووحدانية ربوبيته، وأوردَ إحدى عشرة بشارة من البشارات السارة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كنت أكرر هذه الجملة المقدسة بتدبر عميق مع التفكر في خلاصةٍ موجزة للمكتوب العشرين، فخطر للقلب فجأةً: ألقِ هذه الخلاصة الموجزة درسًا للعالِم الفاضل &#8220;نادر&#8221; ومن يقيم هنا من الشباب، وأنا بدوري قلت: بسم اللّٰه.. وبدأت بإلقاء الدرس:</p>
<p style="text-align: justify;">إن في هذا الكلام التوحيدي إحدى عشرة بشارة، وإحدى عشرة حجة إيمانية، سأشير إلى الحجج وحدَها بإشارةٍ قصيرةٍ جدًّا مُحيلًا إيضاحاتِها وبشاراتها إلى &#8220;المكتوب العشرين&#8221; وإلى أجزاء رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كتبتُ هذا الدرس، رأيتُ من الأنسب أيضًا إدراجَ مالم أُفصح عنه للمسجونين من كلمات ونكات فيه.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، فالكلمات الإحدى عشرة من ذلك الكلام التوحيدي هي الآتية:</p>
<h4 style="text-align: center;">[1: لا إله إلا الله]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الأولى: &#8220;لا إله إلّا اللّٰه&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن الحجة الإيمانية في هذه الكلمة هي رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;، تلك الرسالة الخارقة التي لا نظير لها، فقد أدت إلى نيل طلاب النور البراءة من المحكمة، وظهورِهم في سجن &#8220;دنيزلي&#8221; وانتصارهم في كلٍ من محاكم &#8220;أنقرة&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221; وانتشارها بالخفاء انتشارًا مؤثرًا، مثلما أصبح طبعُها سرًّا سببًا لاعتقال طلابها تسعة أشهر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن شعاع &#8220;الآية الكبرى&#8221; أظهر ثلاثةً وثلاثين إجماعًا عظيمًا وحججًا كلية في الكون كله، مع إشارته في كل حُجةٍ كليةٍ إلى براهينَ غيرِ محدودة تُثبت وجودَ واجبِ الوجود ووحدانيتَه إثباتًا ساطعًا واضحًا وضوح النهار، فيستنطق السماوات بكلمات النجوم في المقدمة، ثم الأرضَ بجُمَل الحيوانات والنباتات، وهكذا حتى يستنطق الكونَ كلَّه بكلمات حقائق الحدوث والإمكان والتغيّر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فعلى الذين يطلبون إيمانًا راسخًا لا يتزعزع، والباحثين عن سيفٍ لا ينثلم تجاه الفوضى الملحدة: أن يراجعوا رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;.</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[2: وحده]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثانية: &#8220;وحده&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">والإشارة الوجيزة إلى الحجة التي فيها هي أن في كل جهة من جهات هذا الكون وفي كل ناحية من نواحيه <strong>تُشاهَد وحدةٌ واضحة</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: الكون كلُّه أشبهُ ما يكون بمدينةٍ عامرة، وقصرٍ شامخ، وكتابٍ بليغ مجسم، بحيث إن كلَ آيةٍ فيه، بل كلَّ حرفٍ من حروفه، بل كلَّ نقطةٍ من نقاطه في حُكم معجزةٍ وقرآنٍ مجسَّد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، فكما يبين هذا وحدةً واضحةً في الكون، فإن مصباحَ ذلك القصر مصباحٌ واحد، وقنديلَه الذي يبيِّن الأوقات واحد أيضًا، وطبّاخه المالك للنار.. واحد؛ وساقيه بالماء.. واحد؛ وهكذا واحد.. واحد.. واحد.. حتى يبلغ الألفَ وواحدًا من الواحد والوحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبإظهار الكون هذه الوحدة في كل شيء، يثبت أن صاحبَ ذلك القصر وتلك المدينة وذلك الكتاب، ذلك القرآن الكبير المجسم، وكاتبَه ومصنّفَه، موجودٌ وواحدٌ أحد.</p>
<h4 style="text-align: center;">[3: لا شريك له]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثالثة: &#8220;لا شريك له&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">والإشارة المختصرة جدًّا إلى ما فيها من حجة هي: الآية الجليلة: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا﴾ التي هي منبعُ شعاع &#8220;الآية الكبرى&#8221; وأستاذه وأساسه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لو كان معه آلهةٌ ولها مُداخلة في الخلق والإيجاد والربوبية لَفَسد <strong>نظامُ</strong> الكون كلِّه واختل، بينما يُشاهَد أكملُ نظامٍ وأدقُّه في كل شيء، ابتداءً من جناح ذبابة صغيرة، ومن بؤبؤ عينها ومن حجيرتها الصغيرة، وانتهاءً إلى الطائرات الجوية، تلك هي الطيور التي لا تعد ولا تحصى، وإلى المنظومة الشمسية.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي كل شيءٍ في الوجود يُرى <strong>أكملُ</strong> <strong>نظامٍ</strong> سواءٌ أكان جزئيًّا أم كليًّا، صغيرًا أم كبيرًا، مما يُثبت هذا <strong>النظامُ الأكمل</strong> إثباتًا لا يحتمل الشك أنّ الشرك محالٌ وجودُه، وأنه معدومٌ أصلًا، ويُثبِت أيضًا إثباتًا واضحًا وجودَ واجبِ الوجود ووحدته.</p>
<h4 style="text-align: center;">[4: له الملك]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الرابعة: &#8220;له الملك&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">وإشارة قصيرة جدًّا إلى ما فيها من حجة طويلة هي أننا نشاهد بأبصارنا أنَّ وراء حجاب الغيب مَن هو متصرفٌ بالأمور، مالكٌ لقدرةٍ مطلقةٍ لا يَحُدُّها حدّ، ويملك من العلم ما لا يُحدّه حدود، إذ جَعل وجه الأرض مزرعةً واسعة سعةَ الأرض كلها، ينثر فيها كل ربيع بذورًا تزيد على مائة ألف نوع من النباتات، ينثرها جميعًا معًا ومختلِطًا بعضها ببعض، ثم يجني محاصيلَها جنيًا متمايزًا دون اختلاط ولا التباس، مع انتظام كامل، ويوزّع بيد الرحمة والحكمة على مائتي ألف نوع من الحيوانات ما يلائمُهم من رزق معيّن على حسب حاجتهم؛ وهكذا يُصرِّف الأمور على سعةِ مُلكه الواسع الفسيح، الغني المعطاء، ولا سيما مزرعة الأرض.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي لا يؤمن بهذا المتصرف الحكيم والمَلِك الرحيم يُضطر إلى إنكار هذه الأرض مع محاصيلها، ويكون كالسوفسطائيين الحمقى.</p>
<h4 style="text-align: center;">[5: وله الحمد]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الخامسة: وهي &#8220;وله الحمد&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارةً مختصرةً جدًّا إلى ما فيها من حجةٍ واسعةٍ جدًّا هي أننا نشاهد بأبصارنا وندرك بعقولنا إدراكًا لحدّ البداهة أن رزاقًا رحيمًا ومحسنًا كريمًا يتصرف ويدبّر أمور مدينة الكون، ويرعى شؤون حي الأرض، ويربّي معسكر الإنسان والحيوان، حتى إنه حوّل الأرض إلى سفينة تجارية، وإلى قطار لجلب الأرزاق، ليبعث على الشكر والحمد بما يغدُق من نِعَمه التي لا تعد ولا تحصى، جاعلًا من الربيع المبسوط على وجه الأرض ما هو بمثابة عربة القطار، المشحونة بمائة ألف نوع ونوع من أنواع الأطعمة، وملأ الأثداء الشبيهة بالمعلّبات باللبن السائغ لإمداد ذوى الحياة المعوِزين الذين نَفِدت أرزاقُهم نهاية الشتاء.</p>
<p style="text-align: justify;">فمَن يملك ذرةً من عقلٍ يؤمن بلا شك أن هذا الأمر إنما هو من أفعالِ رزاقٍ رحيم، ومن لا يؤمن بهذا ويضل ضلالًا بعيدًا يضطر إلى إنكار جميع النعم المنضودة والأرزاق المعينة الباعثة على الحمد والشكر، وليس هو إلّا أحمقَ حيوانٍ مضر.</p>
<h4 style="text-align: center;">[6: يُحيي]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة السادسة: وهي &#8220;يحيي&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة مختصرة جدًّا إلى ما فيها من حجة هي ما أُثبِتَ في &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; وفي أجزاء رسائل النور بالبراهين القوية أنه يُبعَث على سطح الأرض في كل ربيع جيشٌ سبحاني ضخم مؤلََّف من ثلاثمائة ألف نوعٍ من أنواع ذوى الحياة، وبما لا يحد من الأفراد في أشكال متنوعة وأنماط مختلفة، فتُوهَب لها الحياةُ، وتُجهَّز بكل ما يَلزم الحياةَ، وبانتظام كامل، مما يبين لنا مائة ألف نموذج من نماذج الحشر الأعظم، بل من أماراته.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي يحيي كل تلك المخلوقات المتنوعة غير المحدودة معًا، وهي مختلطةٌ ومكتنفة ومتشابكة بعضُها في بعض، بلا سهو ولا خطأ ولا نقص، ومن دون تحيُّر، ويميِّزها برغم اختلاطها وامتزاجها، وبلا نسيانٍ لأحد منها، ويَهَب لها الحياة بكمال الميزان والنظام، ويبعثها من نُطَفها التي هي قطراتُ ماء متماثلة، ومن نواها المتشابهة، ومن حبيبات لا يتميز بعضُها عن بعض إلّا قليلًا، ومن بويضات الحشرات التي هي عينُ الأخرى، ومن نُطف الطيور ومن بويضاتها التي هي عين بعضها أو بفروق طفيفة..</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي يحيي تلك المئات من الألوف من ذوى الحياة التي تضم أفرادًا لا تعد ولا تحصى، المتباينةِ صورةً وصنعة ومعيشةً، ويبعث تلك المئات من الألوف من الأحياء، ويكتب مائة ألف كتابٍ مختلفٍ بعضُها عن بعضٍ على صحيفة الأرض والربيع، يكتبها معًا ومتداخلًا وبلا خطأ كتابةً في أتم إتقان، ويتصرف فيها بعنايةٍ لا حدّ لها، ويعمل فيها بحكمة لا منتهى لها..</p>
<p style="text-align: justify;">نعم.. إن الذي يفعل هذا إنما هو الخلاق العليم وهو المحيي والحي القيوم.. فمَن لا يعتقد بهذا لا شك أنه مضطرٌّ إلى إنكار نفسه وإنكار جميع الأحياء المنتشرة على الأرض كافة، والمعلَّقة على شريط الزمان في جميع مواسم الربيع الماضية، والموجودة على وجوه الأرض الحية والفضاء الحي.. وما هو إلّا أحمقُ الأحياء وأشقاهم.</p>
<h4 style="text-align: center;">[7: ويميت]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة السابعة: وهي &#8220;ويميت&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة في منتهى الاختصار إلى حججها هي أننا نشاهد عندما تُسَرَّح ثلاثُمائة ألف نوعٍ من الأحياء من وظائفها باسم الموت في الخريف، فإنَّ كلَّ نوعٍ وكلَّ فردٍ يُودِع بذورَه إلى يد الحكمة للحفيظ الجليل، تلك البذور التي هي عُلَيباتُ صحائفِ أعماله، وفهارسُ أفعالهِ، وقوائم ما سيعمله في الربيع المقبل، وهي شبيهةٌ بروحه الباقية من جهةٍ -كبُذيرات التين المتناهية في الصغر، التي تحمل جميعَ قوانين الحياة لشجرتها، فهي بمثابة روحٍ باقيةٍ لها- فيَكتب فيها الخلّاقُ الحكيم، الحيُّ الذي لا يموت، بقلم القَدَر-كالكتابة في القوة الحافظة- تاريخَ حياة الشجرة وكأنها كتابٌ ضخم..</p>
<p style="text-align: justify;">فمَن لا يؤمن بهذا الخلّاق الحكيم الحي الذي لا يموت، ليس هو إنسانًا أحمق وحيوانًا فاقد الشعور فقط، بل هو كذلك أشقى من شيطانٍ تُضرم به نارُ جهنم ومحكوم عليه بالموت الأبدي.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذه الأفعال المذكورة والتي تشير إلى حجج هذه الكلمات، وهي أفعال حكيمة كلية محيطة وفي منتهى الإعجاز، وتضم ما لا يتناهى من المعجزات والخوارق.. هذه الأفعال لا يمكن أن تكون بلا فاعل قطعًا، بل ذلك محال بمائة محال، وباطل إطلاقًا، فإسنادُها إلى الأسباب العمياء الصماء العاجزة الفاقدةِ للشعور، الجامدةِ المختلطة المستولية غير المنتظمة، ممتنعٌ بألف مرةٍ ومرة، ولا أساس له قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو فُوِّضت تلك الأفعالُ الحكيمة إلى غير الفاعل الحكيم لَلَزمَ وجودُ قدرةٍ مطلقةٍ وحكمةٍ مطلقةٍ وإتقانٍ بديع كليٍّ تَخُص تَشَكُّل جميعِ الأعشاب والأزاهير في كل ذرةٍ من ذرات التراب.. ويَلزم وجودُ قابليةِ فهـمِ وإفهامِ أقوال ومكالمات وكلماتِ جميعِ الهواتف والراديوات في كل ذرة من ذرات الهواء، كما ذُكر في نكتة توحيدية في لفظ &#8220;هو&#8221; في &#8220;مرشد الشباب&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا المفهوم الغريب العجيب لا يسع أيَّ شيطان كان أن يقنع به أحدًا قط، فالكفر والإنكار الذي هو خارجٌ عن نطاق العقل إلى هذا الحد وبعيدٌ كل البعد عن الحقيقة وهو إهانةٌ للكائنات كلها وتَعدّ على حقوقها.. لا جزاءَ له إلّا النار، وهو عينُ العدالة، فينبغي القول: &#8220;لتعش جهنم لمثل هؤلاء المنكرين&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[8: وهو حي لا يموت]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثامنة: &#8220;وهو حي لا يموت&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة مختصرة جدًّا إلى ما فيها من حجة هي: أن الشُميسات المشاهَدة مثلًا أثناء النهار على حَبابِ وجهِ البحر وعلى سطح النهر الجاري، تختفي بذهاب تلك الحباب، فتَظهر الشُميسات التي تعقبها كسابقاتها، فتشير بهذا إلى الشمس التي في السماء وتشهد عليها، وتدل بزوالها ووفاتها على وجود شمس دائمية وعلى بقائها.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك المخلوقات على وجه بحر الكون المتبدل دومًا، وفي فضائه المتجدد الذي لا يحد، وفي مزرعة ذراته.. هذه المخلوقاتُ تسيل سراعًا وباستمرار في نهر الزمان الذي يتموج محتضنًا جميعَ الحوادث والموجودات الفانية، وتموت مع أسبابها الظاهرية، فيذوق كونٌ الموتَ كلَّ سنة، وكلَّ يوم، ويحل آخرُ جديدٌ محلَّه، وتموت دُنًى سيارةٌ باستمرار وعوالمُ سيالةٌ في مزرعة الذرات بعد أخذ المحاصيل منها.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما تُبيِّن الحبابُ والشُميساتُ بزوالها الشمسَ الدائمة، فإن وفاةَ تلك المخلوقات غير المحدودة وزوالَ تلك المحاصيل، وتسريحها مع أسبابها الظاهرية تسريحًا بكمال الانتظام، تدل دلالة قاطعة كالنهار الأبلج والشمسِ في وضح النهار على وجوب وجود الحي الذي لا يموت، على الشمس السرمدية، على الخلاق الباقي، على الآمر الأقدس، وعلى وحدانيته جلّ وعلا وعلى وجوده، دلالة ظاهرة أظهرَ من وجود الكائنات نفسها بألف مرة.. والشاهد على هذا كلُّ موجودٍ بحدِّ ذاته وكلُّ الموجودات معًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا شك أَنْ قد أدركتم مدى حماقةِ وصَمَمِ وجنايةِ مَن لا يسمع هذه الأصوات العالية التي تملأ فضاءَ الكون كله وهذه الشهاداتِ القاطعةَ الصادقة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[9: بيده الخير]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة التاسعة: وهي &#8221; بيده الخير&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة في منتهى الاختصار إلى ما فيها من حجة هي أننا <strong>نشاهد</strong> في كل دائرة من دوائر هذا الكون، وفي كل نوع من أنواعه، وفي كل طبقة من طبقاته، حتى في كل فرد من أفراده، بل في كل عضو من أعضائه، بل حتى في كل حجيرةٍ من حجيرات جسمه، <strong>مَخزنًا احتياطيًّا</strong>، <strong>ومستودَعًا</strong> لادّخار الرزق، <strong>ومزرعةً</strong> وخزينةً تُهيئ ما يلزمه ويَقيه ، وتُسلّم -ما فيها- يدٌ غيبية إلى يد ذلك المخلوق في أنسب وقت ومن حيث لا يحتسب، بل بشكل خارجٍ عن طَوقه وإرادته، ضمن انتظامٍ تامٍّ على وفق ميزان دقيق، ويتم ذلك كله في منتهى الحكمة وغاية العناية..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالجبال</strong> مثلًا تَدَّخِر كلَّ ما يلزم الأحياءَ والإنسانَ من معادنَ وأدوية، وكلَّ ما يلزم متطلبات الحياة، فهي خزائن مُلئت في غاية الكمال بأمر الواحد الأحد وبتدبيره، مثلما <strong>الأرضُ</strong> مزرعةٌ وبَيدرٌ ومطبخٌ تُهيئ أرزاق جميع الأحياء وبكمال الانتظام والميزان، وذلك بقوة الرزاق الحكيم، بل إن في كل <strong>إنسان</strong> وفي كل عضو من أعضائه مخزنًا ومستودعًا للادّخار، بل حتى في <strong>كل حجيرة</strong> من حجيرات الجسم أيضًا مخزنٌ صغير يناسبه لخزن الاحتياطي من الأرزاق..</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا <strong>في كل موجودٍ مخزنٌ</strong>، حتى إن <strong>مخزنَ الآخرة هو دارُ الدنيا</strong>، ومزرعةُ الجنة ومستودَعُها هو عالمُ الإسلام وعالم الإنسانية الحقة، الذي تنبعث منه الحسناتُ والحُسْنُ والأنوار؛ ومخزنٌ من مخازن جهنم هو المواد الفاسدة والطوائف الملوثة التي تُنتج حناظل الشرور والقبح والكفر، تلك الشرور الناتجة من العدم، والملوِّثة لعوالم الوجود التي هي الخير، ومخزنُ حرارة النجوم وموردها جهنمُ، وخزينةُ أنوارها ومصدرها الجنةُ..</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن كلمةَ &#8220;بيده الخير&#8221; بإشارتها إلى جميع تلك الخزائن غيرِ المحدودة تبين حجة ساطعة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذه الكلمة، وكذا عبارة: &#8220;بيده مقاليد كل شيء&#8221; حجتان للربوبية والوحدانية لا منتهى لِسَعَتهما، وهما ذات خوارق ومعجزات لا حدود لها، تبيِّنها هاتان الجملتان لمن لم يُطمَس على عينه، فانظر مثلًا من تلك الخزائن والمقاليد غير المحدودة إلى هذه فحسب:</p>
<p style="text-align: justify;">إن المدبِّر الحكيم المالك لمفاتيح البذور والنوى، تلك المخازنِ الصغيرةِ التي يَضُمُّ كلٌّ منها أجهزةَ منهاجِ مقدَّراتِ شجرةٍ ضخمةٍ أو زهرةٍ فوّاحة، كما يوقظ بوّابَ بذرةٍ بأمره &#8220;أَفِقْ&#8221; بمفتاح الإرادة، وبميزانِ نظام تام؛ كذلك يفتح خزينةَ الأرض الهائلة بمفتاح الغيث، فيفتح جميعَ المخازن الصغيرة، أي الحبيبات التي هي نطف النباتات وجميعَ مبادئ الحيوانات، والقطرات التي هي نُطف الطيور والحشرات المتشكلة من هواء وماء، يفتحها جميعًا ومعًا وبلا خطأ، وذلك بتلقّيها أمرَ الانفتاح والانكشاف..</p>
<p style="text-align: justify;">ويفتح سبحانه في الوقت نفسه جميعَ خزائن الكون الكلية والجزئية، المادية والمعنوية، بمفتاح خاص لكل منها، بيد الحكمة والإرادة والرحمة والمشيئة، فإن كنت تريد أن تعرف هذا وتراه فانظر إلى مخازنك الصغيرة وهي قلبُك ودماغُك وجسدك ومعدتك، وانظر إلى حديقتك وإلى الربيع الذي هو زهرةُ الأرض وإلى أزاهيره وثمراته، فإنه سبحانه يفتحها بيد غيبية بمفاتيح متباينة متنوعة آتية من مصنع ﴿كن فيكون﴾، يفتحها بكمال النظام والميزان والرحمة والحكمة، فيُخرِج رطلًا -بل مائة رطل- من المطعومات أحيانًا من درهمٍ من عُليبات صغيرة، يُخرجها بكمال الانتظام والميزان، مقيمًا بها ضيافةً فاخرة لذوي الحياة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهل من الممكن أن تتدخل قوةٌ عمياء وطبيعةٌ صماء ومصادفةٌ عشواء وأسبابٌ جامدة جاهلة عاجزة في فعلٍ لانهاية له يؤدّي إلى هذه الدرجة من الانتظام والعلم والبصيرة، وفي صنعةٍ دقيقةٍ ذات حكمة تامة لا تدنو منها المصادفةُ قطعًا، وفي تصرّفٍ موزون لا خطأ فيه إطلاقًا، وفي ربوبيةٍ جليلةٍ عادلةٍ عدالةً تامة لا ظلم فيها أصلًا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهل يمكن لمن لا يرى الأشياء كافة في آن واحد، ولا يستطيع إدارتها كلها دفعةً واحدةً، ولا يجعل الذراتِ والنجومَ السيارة معًا تحت أمره، أن يتدخل في هذه الإدارة وتصريفِ الأمور التي جوانبُها كلُّها ذات حكمة ومعجزة وميزان؟</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فمن لا يؤمن بمثل هذا المتصرف للأمور، المدبّر الرحيم، والربّ الحكيم، والذي بيده الخير، وله مقاليد كل شيء، ويضل ضلالًا بعيدًا، ليس له إلّا النار التي تستعر وتغضب حتى ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ كما قال تعالى، فتقول جهنمُ بلسان حالها: إنه يستحق عذابي الخالد، فليس هو أهلًا للرحمة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[10: وهو على كل شيء قدير]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة العاشرة: وهي &#8220;وهو على كل شيء قدير&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارةً مختصرةً جدًّا إلى ما فيها من حجة هي أن كل ذي شعور يأتي إلى هذه الدنيا المَضيف ويفتح عينه يرى: <strong>قدرةً</strong> تُمسك الكونَ كله في قبضتها، وتضم <strong>علمًا</strong> أزليًّا مطلقًا لا يضلّ ولا ينسى، <strong>وحكمةً</strong> سرمدية لا عبث فيها إطلاقًا، وتشمل <strong>عنايةً</strong> بالغة، بحيث تجعل كل فرد من أفراد جيش الذرات منجذبًا جذبةً مولوية، فتستخدمها في وظائف شتى، وتُجري في اللحظة نفسها الكرة الأرضية في دائرة واسعة تبلغ مسافتها أربعة وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، وتديرها كالعاشق المولوي المجذوب بالقانون نفسه، وإذ هي تجلب محاصيل المواسم إلى الحيوانات والإنسان، تجعل بالقانون نفسه في اللحظة نفسها الشمسَ مكوكًا ودولابًا، وتُديرها في مركزها دورانَ منجذبٍ عاشقٍ أيضًا مسخِّرةً النجومَ السيارة التي هي أفرادُ جيش المنظومة الشمسية، في خدمات ووظائف جليلة بكمال الميزان والانتظام.</p>
<p style="text-align: justify;">وأن <strong>القدرة</strong> نفسها تكتب بقانون <strong>الحكمة</strong> نفسها في اللحظة نفسها مئاتِ الألوف من الأنواع على صحيفة الأرض كافة، والتي كل منها بمثابة مئات الألوف من الكتب، تكتبها معًا ومتداخلة، وبلا التباس ولا سهو، مُظهرةً بها ألوفًا من نماذج الحشر الأعظم.</p>
<p style="text-align: justify;">وأن <strong>القدرة</strong> نفسها، في اللحظة نفسها تحوّل صحيفة الهواء إلى لوحةِ محوٍ وإثبات، جاعلةً من ذراتها كلها كأنها نهايات قلم ذلك الكتاب ونقاطِه، مستعمِلةً إياها في وظائف كثيرة ضمن ما يعيّنه <strong>الأمر والإرادة</strong> الإلهية، حتى إنها أعطت قابليةً إلى كلٍّ من تلك الذرات لتتلقى الكلمات والمكالمات كلها كأنها تعلَم بها وتنشرها بلا خطأ ولا حيرة، كأنها أُذينات صغيرة ولُسَينات دقيقة، مما يُثبت أن عنصر الهواء عرشٌ للأمر والإرادة الإلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فقياسًا على هذه الإشارة المختصرة: فالذي جعل هذا الكون في حكم مدينة منسّقة، وقصر عامر، ومَضيف فاخر، وكتاب معجز، وقرآن مبين، ويمسك في قبضة قدرته بميزان العلم ونظام الحكمة جميعَ طبقات المخلوقات ودوائرها وطوائفها ابتداءً من ذرة من ذراتها وانتهاءً إلى مجموع الكون كلِّه، ويدبِّر شؤونه ويتصرف فيه، ويُظهر ضمن تلك القدرة الجليلة حكمتَه البالغة ورحمتَه الواسعة، ويُعْلِم ضمن ربوبيته المطلقة ويُعرِّف بها وجودَه ووحدانيتَه تعريفًا ظاهرًا كالشمس في رابعة النهار، فيَطلب إزاء تعريفه التعرّفَ إليه بالإيمان، وإزاءَ تودُّدِه ودَّه بالعبادة، وإزاء آلائِه شكرَه وحمدَه.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذين لا يعرفون هذا الرحمن الرحيم ولا يَسْعون بالعبودية لحبِّه، بل يَضلُّون إلى الإنكار فيُضمرون نوعًا من العداء تجاهه.. هؤلاء ليسوا إلّا شياطين في صور أناسي، وفي حكم نماردة صغار وفراعنة صُغر، ولا شك أنهم يستحقون عذابًا خالدًا لا نهاية له.</p>
<h4 style="text-align: center;">[11: وإليه المصير]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الحادية عشرة: وهي &#8220;وإليه المصير&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أي إن المصير هو إلى دائرة حضوره، وإلى عالَمِه الباقي، وإلى دار آخرته، وإلى منـزل سعادته السرمدية، كما أنه مرجع جميع مخلوقات الكون فتستند إليه وترجع إلى قدرته جميعُ سلسلة الأسباب، علمًا أن الأسباب ستائرُ وُضعتْ أمام تصرفات تلك القدرة، لأجل الحفاظ على هيبتها وعزتها المقدسة، فجميعُ الأسباب الظاهرية ستائرُ لا تأثير لها في الإيجاد قطعًا، فلولا أمرُه جلّ وعلا وإرادتُه لا يقدر شيء -حتى الذرة- من الحركة.</p>
<p style="text-align: justify;">نشير إشارة مختصرة إلى ما في هذه الكلمة من حجة فنقول:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن حقيقة الحشر والآخرة والحياة الباقية التي تعبّر عنها هذه الكلمة المقدسة نحيل إثباتها والتصديق بها إلى &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; وذيولِها وإلى &#8220;الكلمة التاسعة والعشرين&#8221; التي تُثبت تحققَها القاطع كتحقق الربيع المقبل، وإلى &#8220;المسألة السابعة من رسالة الثمرة&#8221;، وإلى شعاع &#8220;المناجاة&#8221;، وإلى الأجزاء الإيمانية لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">حقًّا إن تلك الرسائل قد أثبتت هذا الركن الإيماني بحجج لا منتهى لها، بأنّ تَحقق الآخرة ثابتٌ بدرجةِ تَحقُّق وجود الدنيا، بحيث تلجئ حتى أعتى المنكرين إلى التصديق به.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن ثُلث القرآن المبين يبحث في الآخرة والحشر، ويبني كل الدعاوى على تلك الحقيقة، لهذا فكما أن جميعَ معجزات القرآن وحُججه التي تثبت أحقيتَه تدل على وجود الآخرة، كذلك جميعُ معجزات الرسول (ﷺ) الشاهدة على صدق نبوته وجميعُ دلائل نبوته وجميعُ حجج صدقه تشهد على الآخرة والحشر؛ لأن أعظم ما دعا إليه ذلك النبي الكريم (ﷺ) طوال حياته كلها هو الآخرة، كما أن مائة وأربعة وعشرين ألفًا من الأنبياء الكرام عليهم السلام قد دَعوا جميعُهم إلى الحياة الباقية والسعادة الأبدية، وبشّروا البشرية بها، وأثبتوا صدقَ دعواهم بما لا يُحد من المعجزات والدلائل القاطعة، فلا شك أن جميع معجزاتهم وحججهم الدالة على نبوتهم وعلى صدقهم في دعواهم تشهد أيضًا على الآخرة والحياة الباقية التي هي أعظمُ وأدوم دعواهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فقياسًا على هذا فإن جميع الأدلة التي تثبت سائر الأركان الإيمانية، تشهد بدورها على حدوث الآخرة وعلى انفتاح أبواب دار السعادة الخالدة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن خالق هذا الكون الذي خلقه بجميع ذراته وسياراته وأجزائه وطبقاته مقلِّدًا كلًّا منها بوظيفة بل وظائفَ كثيرة بكمال الحكمة ومسخِّرًا لها باستمرار إظهارًا لكماله وقدرته وربوبيته، والذي يُرسل طوائفَ المخلوقات قافلةً إثر قافلة، بل يرسل دنًى متعاقبة متجدّدة سيالة إلى مَضيف هذا العالم وإلى ميدان امتحان هذه الحياة الدنيوية لِيُظهر تجليات غير محدودة لأسمائه الحسنى السرمدية، وليلتقط صور تلك المخلوقات وأعمالها وأوضاعها بكامرات برزخية وسينمات أخروية منصوبة في عالم المثال، ومن بعد تسريحها يرسل طوائف أخرى قافلة إثر قافلة، بل يرسل نوعًا من دنى سيارة وسيالة إلى ذلك الميدان، لأجل أن تتسنّم وظائف جليلة وتصبح مرايا لتجليات أسمائه الحسنى.</p>
<p style="text-align: justify;">فهل من الممكن لهذا الخالق الجميل، الصانع الجليل، اللّٰه ذي الكمال، أن لا يجعل دار ثواب وجزاء؟! وأن لا يقيم الحشر والنشور لنوع الإنسان الذي يقابِل بالشعور والعقل في هذه الدنيا الفانية جميعَ مقاصد ذلك الخالق الكريم، والذي يحبّ ذلك الخالق ويحبّبه بجميع استعداداته، والذي يَعرفه ويُعرّفه، ويتوسل إليه بأدعية لا حدّ لها لبلوغ السعادة الأبدية والبقاء الأخروي، والذي يسأل الحياة الباقية التي هي اللذة بعينها.. يسألها بجميع فطرته وروحه واستعداده لما يتألم آلامًا لا حدّ لها بالعقل الذي يحمله، فهل يمكن أن لا يكون لهذا الإنسان ثواب وعقاب؟! حاش للّٰه وألف مرة كلّا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن تفاصيل وإيضاح هذه الإشارة المختصرة موجودة بأسطع صورها وأقوى حججها في رسائل النور؛ لذا نحيل إليها ونختصر هذه المسألة الطويلة جدًّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[القسم الثاني: خلاصة سورة الفاتحة]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>القسم الثاني</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>خلاصة مختصرة لسورة &#8220;الفاتحة&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">من درس واحد فقط أُلقي في المدرسة اليوسفية الثالثة في فترة قصيرة جدًّا أثناء نقلي من التجريد والسجن الانفرادي إلى الردهة العامة ومعاشرة الآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نموذج لدرسٍ قصير جدًّا أُلقي على طلاب النور في السجن</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد أَمرتْ &#8220;الفاتحة&#8221; التي في الصلاة، القلبَ لبيان قطرةٍ من بحرها ولمعةٍ من فيوضات الألوان السبعة لشمسها؛ ولقد كتبنا نكاتٍ لطيفة في غاية الطِّيب والجمال لهذه الخزينة القرآنية السامية في كلٍّ من المكتوب التاسع والعشرين -في قسم منه- وبخاصة في السياحة الخيالية في &#8220;ن&#8221; نعبد وفي رسالة &#8220;الرموز الثمانية&#8221;، وفي تفسير &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; وفي سائر أجزاء رسائل النور، إلّا أنني اضطررت -من جهة- إلى كتابة تفكري في الصلاة لإشارات تلك الخلاصة القرآنية الطيبة إلى أركان الإيمان وحججه فقط ولخلاصتها التي هي في منتهى الاختصار كالقسم الأول.</p>
<p style="text-align: justify;">أبدأ بـ&#8221;الحمد للّٰه&#8221; محيلًا‌ ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ إلى عدد من رسائل النور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿الحمدُ للّٰه رَبِّ العَالمَينَ </strong><strong>٭</strong><strong> الرّحمن الرّحيمِ </strong><strong>٭</strong><strong> مَالكِ يَومِ الدِّينِ </strong><strong>٭</strong><strong> إياكَ نَعْبُدُ وإياكَ نَسْتَعينُ </strong><strong>٭</strong><strong> إهدِنا الصِرَاطَ المُسْتَقيمَ </strong><strong>٭</strong><strong> صِراطَ الذينَ اَنعَمْتَ عليهم غَيرِ المغضُوبِ عَليهم ولاالضّآلين﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿آمين﴾ </strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[1: الحمد لله]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الأولى: وهي ﴿الحمد للّٰه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارةً في منتهى الاختصار إلى حجتها الإيمانية هي أن <strong>مبعث الحمد والشكر في الكون هو الآلاء والنِعَم التي تُغدَق قصدًا</strong>، ولا سيما إرسال اللبن الخالص السائغ للشاربين من بين فرثٍ ودمٍ للصغار والأطفال العاجزين، والإحسانات والهدايا الاختيارية، والإكرامات والضيافات الرحيمة التي غطَّتْ سطح الأرض برمّته، بل غمرت الكونَ كلَّه، وأن ما يُقدَّم لها من أثمان وقدْرٍ لقيمتها هي قول: &#8220;بسم اللّٰه&#8221; بدءًا ثم &#8220;الحمد للّٰه&#8221; ختامًا؛ وبينهما الإحساس بالإنعام من خلال النعمة نفسها، ثم البلوغ منه إلى معرفة الرب الجليل.</p>
<p style="text-align: justify;">فانظر إلى نفسك بالذات، وإلى معدتك وإلى حواسك؛ كم هي محتاجة إلى أمورٍ كثيرةٍ ونِعَمٍ وفيرة؟! وكم تطلب الأرزاق واللذائذ والأذواق بأثمان الحمد والشكر! أَبْصِر هذا وقِس على نفسك كل ذي حياة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن الحمد غير المتناهي المنطلق بألسنة الأحوال والأقوال إزاء هذه الآلاء الشاملة، يبين كالشمس الساطعة ربوبيةً عامة وموجوديةَ معبودٍ محمودٍ ومُنعِمٍ رحيم.</p>
<h4 style="text-align: center;">[2: رب العالمين]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثانية: وهي ﴿رب العالمين﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارةً مختصرةً جدًّا إلى ما فيها من حجةٍ هي أننا نشاهد بأبصارنا <strong>أن في هذا الكون ألوفَ العوالم والأكوان الصغيرة، بل ملايين منها، وأغلبها متداخل بعضها في البعض؛</strong> وبرغم أن إدارة كل منها وشرائطَ تدبير شؤونها متباينة، فإنها تُدار في منتهى التربية والتدبير والإدارة، فالكون كله صحيفة مبسوطة أمام نظره جل وعلا في كل آن، وجميع العوالم تُكتب كسطرٍ بقلم قدرته وقَدَره، وتُجدَّد وتُغيَّر، فتنبعث شهاداتٌ كلية وجزئية وبعدد الذرات والموجودات الحاصلة من تركّبها، وفي كل لحظة وآن، على وجوب وجود ربّ العالمين ووحدانيته، الذي يدير هذه الملايين من العوالم والكائنات السيالة بربوبيةٍ مطلقة ذات علم وحكمة لانهاية لهما، وذات عناية ورحمة وسعتا كلَ شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">إن من لا يصدّق بربوبيةٍ جليلةٍ تربّي وتدبّر الأمور؛ ابتداءً من مزرعة الذرات إلى المنظومة الشمسية وإلى دائرة درب التبانة؛ ومن حجيرةٍ في الجسم إلى مخزن الأرض وإلى الكون كله، تُربِّيها وتدبِّر شؤونها بالقانون نفسه وبالربوبية نفسها وبالحكمة عينها، ولا يستشعر بها ولا يدركها ولا يشاهدها، يجعل نفسه بلا شك أهلًا لعذاب خالد، ويسلب عنه الإشفاق والرحمة عليه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[3: الرحمن الرحيم]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثالثة: وهي ﴿الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة مختصرة جدًّا إلى ما فيها من حجة هي أنه <strong>يُشاهَد بوضوح ضوء الشمس وجودُ الرحمة غير المتناهية في الكون وحقيقتُها</strong>، فهذه الرحمة الواسعة تشهد شهادة قاطعة -كشهادة الضياء على الشمس- على رحمنٍ رحيمٍ محتجبٍ بستار الغيب.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن قسمًا مهمًّا من الرحمة هو الرزق، حيث يُعطى معنى الرزاق لاسم اللّٰه &#8220;الرحمن&#8221;، والرزقُ نفسه يدل على الرزاق الرحيم دلالةً واضحة إلى درجةٍ تَجعل مَن له ذرة من شعور مضطرًّا إلى التصديق والإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إنه سبحانه يهيئ أرزاق جميع ذوي الحياة، ولا سيما للعاجزين، وبخاصة للصغار، وهم منتشرون على الأرض كافة والفضاء كله، يهيئها لهم بصورة خارقة وهي خارج نطاق اختيارهم واقتدارهم، من غير شيء؛ من نوًى متماثلة، من قطرات ماء، من حبَّات تراب، حتى إنه يسخِّر للفراخ الضعاف العاجزة عن الطيران والجاثمة في أوكارها على قمم الأشجار، أمهاتِها وكأنها جندية متأهبة لتلقي الأوامر، فتجول الخضار وتجوب السواقي لجلب الأرزاق إليها، بل يسخِّر اللبؤةَ الجائعة لشبلها، فتُطعمه مما حصلت عليه من لحم دون أن تأكل، ويُرسل من بين فرث ملوّث ودم أحمر لبنًا سائغًا للشاربين، إلى صغار الحيوانات والإنسان، يرسله من ينابيع الأثداء، بلا اختلاط ولا امتزاج ولا تلوث، جاعلًا شفقة والداتهم مُعينةً لهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أنه يُهرِع الأرزاقَ الملائمة إلى جميع الأشجار المحتاجة إلى نوع من الرزق بصورة خارقة، يُنعم على مشاعر الإنسان التي تطلب نوعًا من أرزاق مادية ومعنوية؛ ويُحسن لعقله وقلبه وروحه مائدةً واسعة جدًّا من الأرزاق، <strong>حتى كأن الكائنات مئات الألوف من موائد النعم المتداخلة ومئات الألوف من سفرات الأطعمة المتباينة</strong>، مكتنفٌ بعضها ببعض كأوراق الزهرة وكأغلفة العرانيس، غلافًا داخل غلاف، فتَدُلُّ لمن لم يطمس على عينه، على الرحمن الرزاق والرحيم الكريم بألسنةٍ بعدد تلك السُفرات المبسوطة وبمقدار ما عليها من أطعمة، ألسنة متباينة متغايرة كلية وجزئية.</p>
<h5 style="text-align: center;">[سؤال الشر والجواب عليه]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>وإذا قيل</strong>: إن ما في هذه الدنيا من المصائب والقبائح والشرور تنافي تلك الرحمة التي وسعت كل شيء؛ وتعكّر صفوها!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: لقد أوفت جوابَ هذا السؤال الرهيب أجزاءُ رسائل النور؛ ولا سيما &#8220;رسالة القدر&#8221;، نحيل إليها مشيرين إشارة قصيرة إليه:</p>
<p style="text-align: justify;">إن لكل عنصر ولكل نوع ولكل موجودٍ <strong>وظائفَ</strong> متعددة كلية وجزئية؛ ولكلٍّ مِن تلك الوظائف <strong>نتائج</strong> كثيرة وثمرات وفيرة، <strong>والأكثرية المطلقة منها هي نتائج جميلة ومصالح نافعة وخيرات ورحمات</strong>، وقسم قليل منها يصبح شرًّا وقبحًا جزئيًّا وظاهريًّا وظلمًا إزاء فاقدي القابلية والمباشرين به خطأً، أو المستحِقين للجزاء والتأديب، أو لما يكون وسيلة لإثمار خيرات كثيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو مَنعت الرحمةُ ذلك العنصرَ وذلك الموجودَ الكلي عن القيام بتلك الوظيفة للحيلولة دون مجيء ذلك الشر الجزئي، لَمَا حصلت إذن جميعُ نتائجها الخيّرة الجميلة الأخرى، فيَحصل من الشرور والقبائح بعدد تلك النتائج، حيث إن عدم الخيرِ شرٌّ، وإفسادَ الجمال قبحٌ، بمعنى أن مئاتٍ من الشرور والمظالم تُقترف للحيلولة دون مجيء شرٍّ واحد، وهذا مناف كليًّا للحكمة والمصلحة والرحمة التي تتسم بها الربوبية.</p>
<p style="text-align: justify;">مثال ذلك: أن الثلج والبَرَد والنار والمطر وما شابهها من الأنواع ينطوي كلٌ منها على مئاتٍ من الحكم والمصالح، فإذا ما قام أحدُ المهمِلين بسوء اختياره بارتكاب شر بحق نفسه كأن أدخل يده في النار ثم قال: ليس في خَلقِ النار رحمة، فإن فوائد النار الخيّرةَ الرحيمة -النافعة وهي لا تعد ولا تحصى- تكذّبه في قوله وتصفعه على فمه.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أهواء الإنسان ومشاعره السفلية التي لا تَرى العقبى؛ لا تكون -قطعًا- مقياسًا ومحكًّا وميزانًا لقوانين الرحمانية والحاكمية والربوبية الجارية في الكون؛ إذ يَرى الوجودَ من خلال تلك المشاعر حسب ألوان مرآته، فالقلب المظلم الخالي من الرحمة يَرى الكائناتِ باكية قبيحة تتمزق بين مخالب الظلم وتتقلب في خضم الظلمات، بينما لو أبصرها ببصر الإيمان يجدها على صورة إنسان كبير متسربل بسبعين ألف حُلّة قشيبة مَخِيطة بالرحمات والخيرات والحِكَم، بعضُها فوق بعض كأنها حورية من الجنة لَبِست سبعين حلّة من حللها، ويجدها باسمةً دومًا بالرحمة ضاحكةً مستبشرة، ويُشاهِد نوعَ الإنسان الذي فيه كونًا مصغرًا، وكلَّ إنسان عالمًا أصغر، فيقول من أعماق قلبه وروحه: ﴿الحمدُ للّٰه رَبِّ العَالمَينَ ٭ الرّحمن الرّحيمِ ٭ مَالكِ يَومِ الدِّينِ﴾.</p>
<h4 style="text-align: center;">[4: مالك يوم الدين]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الرابعة: وهي ﴿مَالكِ يَومِ الدِّينِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة مختصرة جدًّا إلى ما فيها من حجة هي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن جميع الدلائل المشيرة على الحشر والآخرة والشاهدةِ على حجةِ &#8220;وإليه المصير&#8221; في ختام القسم الأول من هذا الدرس، تشهد كذلك على الحقيقة الإيمانية الواسعة التي تشير إليها ﴿مَالكِ يَومِ الدِّينِ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: كما أن ربوبيةَ صانع هذا الكون ورحمتَه الواسعة وحكمتَه السرمدية، وكذا جمالُه وجلالُه وكمالُه الأزلي الأبدي، وكذا صفاتُه الجليلة المطلقة ومئات من أسمائه الحسنى، تستدعي كلُّها الآخرة قطعًا -كما قيل في ختام الكلمة العاشرة- كذلك القرآن الكريم بألوف من آياته وبراهينه.. وكذا الرسول الكريم محمد (ﷺ) بمئات من معجزاته وحججه.. وكذا جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.. وكذا الكتب السماوية والصحف المقدسة بدلائلها غير المحدودة، تشهد جميعًا على الآخرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد، <strong>فمَن لا يؤمن بالحياة الباقية في الدار الآخرة إنما يقذف نفسه في جهنمَ معنويةٍ يُنشِئُهَا الكفر</strong>، فيقاسي العذاب دومًا ولمّا يزل في الدنيا، حيث تُنْـزِل الأزمنةُ الماضيةُ جميعُها والمستقبَلة والمخلوقات والكائنات بزوالها وفراقها مطرَ السَّوء على روحه وقلبه، فتذيقه آلامًا لا حدّ لها وأعذِبةً كعذاب جهنم قبل أن يَدخلها في الآخرة، كما وُضِّح ذلك في رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: نشير برمز ﴿يَومِ الدِّينِ﴾ إلى حجة عظيمة وقوية للحشر، ولكن حالة فجائية معينة سبّبت في تأخير تلك الحجة إلى وقت آخر، وربما لم تبق حاجة إليها بعد؛ لأن رسائل النور قد أَثبتت بمئات الحجج القوية القاطعة أن مجيء صبحِ الحشر وحلولَ ربيعِ النشور يقينٌ كمجيء النهار عقب الليل ومجيء الربيع عقب الشتاء.</p>
<h4 style="text-align: center;">[5: إياك نعبد وإياك نستعين]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الخامسة: وهي ﴿اياك نعبد واياك نستعين﴾.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">قبل الإشارة إلى ما فيها من حجة، ورَدَ إلى القلب بيانُ سياحةٍ خيالية ذات حقيقة بيانًا موجزًا بناءً على إيضاح &#8220;المكتوب التاسع والعشرين&#8221; لها، وهي كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">بينما كنت أبحث عن معجزات القرآن، كما هو مبين في رسائل النور، ولا سيما في تفسير &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; وفي رسالة &#8220;الرموز الثمانية&#8221;، وحينما <strong>وجدتُ</strong> بضع معجزات حول الإخبار الغيبي في آية الختام لسورة الفتح؛ والمعجزة التاريخية في الآية الكريمة: ﴿اليوم ننجيك ببدنك﴾، بل <strong>وجدتُ</strong> لمعاتِ إعجازٍ متعددةً في كثيرٍ من كلمات القرآن ونكاتٍ إعجازيةً دقيقة في بعض حروفه.. في هذه الأثناء وأنا أقرأ سورة الفاتحة في الصلاة ورد إلى قلبي سؤال؛ ليعلّمني معجزةً من معجزات &#8220;ن&#8221; التي في &#8220;نعبد&#8221; و&#8221;نستعين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">والسؤال هو: لِمَ قال: ﴿نعبد.. نستعين﴾ بنون المتكلم مع الغير، ولم يقل &#8220;أعبد.. أستعين&#8221;؟</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى حين غِرَّةٍ فُتح أمام خيالي ميدانُ سياحة واسعة من باب تلك الـ&#8221;ن&#8221;، فعلمتُ بدرجة الشهود السرَّ العظيم في صلاة الجماعة، وشاهدتُ منافعها الجليلة، وعلمتُ يقينًا أن هذا الحرف الواحد معجزة بذاتها، وذلك:</p>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت أصلى في ذلك الوقت في جامع &#8220;بايزيد&#8221;، وأثناء قولي: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾ رأيت أن جماعةَ ذلك الجامعِ يؤيدون دعواي هذه بقولهم مثل ما أقول؛ ويشاركونني مشاركةً تامةً في دعواي هذه وفي دعائي الذي في ﴿اهدنا﴾ مصدِّقين إياي.. في هذا الوقت بالذات رُفع ستارٌ من أمام خيالي فرأيت كأن مساجد إسطنبول كلها قد تحولت إلى &#8220;مسجد بايزيد&#8221; كبير، وجميع المصلين فيها يقولون مثلي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ مصدِّقين دعواي ومؤَمّنين على دعائي، ومن خلال اتخاذهم صورة شفعاء لي، رُفع ستار آخر أمام خيالي.</p>
<p style="text-align: justify;">فرأيت أن العالم الإسلامي قد اتخذ صورة مسجد عظيم جدًّا، وأخذت مكةُ المكرمة والكعبة المشرَّفة بمثابة محراب ذلك المسجد العظيم، وقد يمّم جميعُ المصلين الصافين المتراصين وجوهَهم بشكل حلقات شطرَ ذلك المحراب المقدس، وهم يقولون مثلي: ﴿إياك نعبد واياك نستعين ٭ اِهْدِنَا..﴾، وكلٌّ منهم يصدّق الكلَ ويدعو باسمهم، جاعلًا جميعَ المصلين شفعاء له.</p>
<p style="text-align: justify;">وحينما كنت <strong>أفكر أن طريقًا يسلكها جماعةٌ عظيمةٌ إلى هذا الحد لا تكون طريقًا عِوَجًا قطعًا، ولا تكون دعواها إلّا صوابًا، ولا يُرَدُّ دعاؤها، بل تطرد شبهات الشيطان</strong>.. وإذ أنا أصدّق منافع الصلاة العظيمة في جماعة تصديقًا شهوديًّا، رُفع ستارٌ آخر..</p>
<p style="text-align: justify;">ورأيت كأن الكون مسجد كبير، وجميع طوائف المخلوقات منهمكة في صلاة جماعية كبرى، ﴿كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾، يؤدي نوعًا من صلاةٍ خاصة به بلسان الحال، إيفاءً لعبوديةٍ واسعةٍ عظيمةٍ جدًّا إزاء ربوبية المعبود الجليل المحيطة، فيصدِّق كلٌّ منهم شهادةَ الجميع على التوحيد، بحيث يحصل كل منهم على إثبات النتيجة نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذ كنت أشاهد هذه الأمور، رُفع ستار آخر، ورأيت كما أن الكون الذي هو إنسان كبير يقول بلسان الحال وبلسان الاستعداد والحاجة الفطرية لكثير من أجزائه، وبلسان المقال لذوي الشعور من موجوداته: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ مُظهِرين عبوديّتهم لخالقهم إزاء ربوبيته الرحيمة، كذلك جسدي، هذا الكون الصغير، كجسدِ كل مصلٍّ معي في تلك الجماعة العظمى يقول بذراته وبقواه وبمشاعره أيضًا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بلسان الطاعة والحاجة، إزاء ربوبيةِ خالقه، منقادًا للأمر الإلهي مستسلمًا لإرادته سبحانه، ورأيت أن تلك الجماعة من الذرات والقوى والمشاعر تَعرِض في كل آن حاجَتها إلى عناية خالقها الجليل وتبسطها أمام رحمته وإعانته، وشاهدتُ بإعجابٍ السرَّ الرفيع للجماعة في الصلاة، وأبصرت المعجزةَ الجميلة لـ&#8221;ن&#8221; نعبد، واستودعت تلك السياحة الخيالية لدى باب &#8220;ن&#8221; الذي دخلتها منه، وحمدتُ اللّٰه قائلًا: الحمد للّٰه، وسعيت لأقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بلسان تلك الجماعات الثلاث، أولئك الأصدقاء الكبار والصغار.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن انتهت المقدمة، ونرجع إلى ما نحن بصدده، وهو إشارة مختصرة إلى الحجة التي تشير إليها ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا:</strong> إننا <strong>نشاهد</strong> بأبصارنا فعاليةً وخلَّاقية مَهِيبتين دائمتين وفي أتم انتظامٍ وانسجامٍ تَجريان في الكون بأسره، ولا سيما على سطح الأرض.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونشاهد</strong> ربوبيةً مطلقةً رحيمةً مدبِّرة ضمن هذه الفعالية والخلاقية، تستجيب لاستعاناتٍ واستغاثاتٍ تنطلق مما لا يُحد من ذوي الحياة غير المحدودة واستمداداتِها ودعواتِها الفعلية والحالية والقولية استجابةً تتسم بكمال الحكمة ومنتهى العناية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونرى</strong> تجلياتِ ألوهيةٍ مطلقةٍ ومعبودية عامة ضمن هذه الربوبية، وضمن مظاهر استجابةِ كلِّ كائن حي على حدةٍ استجابةً فعلية لمقابلة ألوف الأنماط من العبادات الفطرية والاختيارية التي تؤديها جميع المخلوقات، ولا سيما ذوي الحياة، وبخاصة طوائف الإنسان، يراها العقل السليم ويبصرها الإيمان، كما تخبر عنها جميع الكتب السماوية والأنبياء الكرام عليهم السلام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا:</strong> إن انشغال كل جماعة من الجماعات الثلاث المذكورة في المقدمة، بما ترمز إليه &#8220;ن&#8221; نعبد؛ انشغالَها جميعًا ومعًا بعبادات فطرية واختيارية وبأشكال مختلفة: تدل بالبداهة على أنها مقابَلةٌ شاكرةٌ إزاء ألوهيةٍ معبودة، وشهاداتٌ قاطعة لا حدّ لها على وجود المعبود المقدس.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن لكل جماعة من الجماعات الثلاث المذكورة ولكل طائفة من طوائفها، ولكل فرد من أفرادها، ابتداءً من مجموع الكون كله إلى جماعةِ ذراتِ جسد واحد، استعانةً فعلية وحالية، ولكل منها دعاء خاص بها كما يرمز إلى ذلك &#8220;ن&#8221; نستعين، فالسعي لإعانة كلٍّ منها وإغاثتِها واستجابةِ دعائها، شهادةٌ صادقة لا تقبل الشبهة قطعًا على مدبِّرٍ رؤوفٍ رحيمٍ.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فمثلًا</strong>: مثلما ذَكرتْ &#8220;الكلمة الثالثة والعشرون&#8221; أن استجابة الأنواع الثلاثة للأدعية التي تدعو بها جميع المخلوقات على الأرض كافةً، استجابةً خارقة جدًّا ومن حيث لا يحتسب، تشهد شهادة قاطعة على ربّ رحيم مجيب..</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أننا نشاهد بأبصارنا استجابةَ دعاءِ كلِّ نواة وكل بذرة تسأل خالقها بلسان الاستعداد لتصبح شجرة وسنبلة، كذلك نشاهد إرسالَ الأرزاق إلى جميع الحيوانات التي تقصر أيديها عنها، وإعطاءَها ما يلزم حياتها، واستجابةَ مطاليبها التي هي خارجة عن طوقها؛ والتي تسألها من واحدٍ أحدٍ بلسان الحاجة الفطرية.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الاستجابات والإمدادات تشهد شهادة صادقة على خالق كريم يستجيب لجميع تلك الأدعية المنطلِقة بلسان الحاجة الفطرية، كما نشاهدها بأم أعيننا؛ ويَدفع مخلوقاتٍ عجيبةً لا شعور لها لإمداد تلك الحيوانات في أنسب وقت وفي أتم حكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فقياسًا على هذين القسمين؛ فإن استجابةَ جميع أنواع الأدعية التي تُسأل بلسان المقال؛ ولا سيما أدعية الأنبياء عليهم السلام والخواص، استجابةً خارقة، تشهد على حجة الوحدانية التي في ﴿وإياك نستعين﴾.</p>
<h4 style="text-align: center;">[6: اهدنا الصراط المستقيم]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة السادسة: وهي ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارة في منتهى الاختصار إلى حجتها هي:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن أقصر الطرق المؤدية من مكان إلى آخر هي الطريق المستقيم، وأن أقصر الخطوط الممتدة بين نقطة وأخرى بعيدةٍ عنها هو الخط المستقيم؛ كذلك <strong>إن أصوبَ طريق في المعنويات وفي الطرق المعنوية وفي المسالك القلبية وأكثرَها استقامة هي أقصرُها وأيسرها</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن جميع الموازنات والمقايسات المعقودة في رسائل النور بين طريق الإيمان والكفر تبيّن بيانًا قاطعًا أن طريق الإيمان والتوحيد أقصرُ الطرق وأصوبُها وأيسرها وأكثرها استقامة، بينما طرق الكفر والإنكار طويلة جدًّا وذات مشكلات ومخاطر، فلا شك أن هذا الكون الذي يُساق في طريقٍ ذات استقامة وحكمة -وهي أقصر الطرق وأسهلها في كل شيء- لا يمكن أن تكون فيه حقيقة الشرك والكفر، بينما حقائق الإيمان والتوحيد واجبة وضرورية في هذا الكون ضرورةَ الشمس فيه.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن <strong>أيسر الطرق</strong> <strong>في الأخلاق الإنسانية</strong> وأنفعَها وأقصرها وأسلمها هي في الصراط المستقيم وفي الاستقامة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إذا فَقدتْ <strong>القوة العقلية</strong> الحدَّ الوسط، وهو الحكمة والاستقامة، التي هي سهلة نافعة، تهوي بالإفراط والتفريط في خبٍّ مضر وبلاهةٍ ذات بلية، فتعاني المهالك في طرقها الطويلة.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن لم تسلك <strong>القوةُ الغضبية</strong> طريقَ الشجاعة التي هي حدّ الاستقامة، هوت بالإفراط في تهور وتجبّر ذي أضرار بالغة وظلم شنيع، وبالتفريط إلى كثير من التخوف والتجبن المذلّ المؤلم، فتعاني عذابًا وجدانيًّا دائمًا جزاءً لما ارتكبت من خطأ أَفْقَدها حدَّ الاستقامة.</p>
<p style="text-align: justify;">وما في الإنسان من <strong>قوة شهوية</strong> إذا ضَيَّعت طريق الاستقامة السليمة والعفة تهوي بالإفراط في الفجور والفحش ذات المصائب، وبالتفريط في الخمود، أي الحرمان من أذواق النعم ولذائذها؛ فتعاني آلام ذلك المرض المعنوي.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا قياسًا على ما ذُكر؛ فإن <strong>الاستقامة هي أنفع طريق وأسهلها وأقصرها</strong> من بين جميع الطرق المسلوكة في حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية، وإذا ما فقد الإنسان الصراط المستقيم فإن تلك الطرق تكون طويلة جدًّا وذات بلايا كثيرة ومصائب وأضرار.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن <strong>﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ دعاءٌ جامعٌ وعبودية واسعة</strong>؛ كما أنها إشارة إلى حجة في التوحيد وإلى درس في الحكمة وتعليم الأخلاق.</p>
<h4 style="text-align: center;">[7: صراط الذين أنعمت عليهم]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة السابعة: وهي ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن إشارةً قصيرة إلى ما فيها من حجة هي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا:</strong> مَن المقصود في ﴿عليهم﴾؟ تفسّره الآية الكريمة: ﴿فأولئك مع الذين أنعم اللّٰه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ تُبيِّنُ الطوائفَ الأربع الذين نالوا في النوع البشري نعمةَ سلوك طريق الاستقامة؛ مشيرة بـ ﴿النبيين﴾ إلى سيدهم محمد عليه السلام، وبـ ﴿والصديقين﴾ إلى أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه، وبـ ﴿والشهداء﴾ إلى عمر وعثمان وعلي، فالآية الكريمة تخبر عن الغيب وتبين لمعةَ إعجازٍ بأن الذين يأتون بعد الرسول (ﷺ)، الصِّدِّيقُ رضي اللّٰه عنه ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، سيُستَشهدون ويتولّون الخلافة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا:</strong> إن <strong>هذه الطوائف الأربع الذين هم أصدقُ نوعِ البشر وأقومهم سلوكًا وأرفعهم شأنًا</strong>، قد دَعوا بكل ما أوتوا من قوة وبما لا يعد ولا يحصى من الحجج والمعجزات والكرامات والأدلة والكشفيات إلى حقيقة التوحيد، وصدَّقَ دعواهم أغلبُ البشر منذ سيدنا آدم عليه السلام، فلا شك أن تلك الحقيقة حقيقة قاطعة كقطعيةِ ثبوتِ الشمس، لذا فإن <strong>اتفاق</strong> هذا الجمِّ الغفير من خِيرة البشرية ممن أَظهروا صدقهم وعدلهم بمئات الألوف من المعجزات والحجج التي لاتحد، <strong>وإجماعَهم</strong> في المسائل الإيجابية كالتوحيد ووجوب وجود الخالق؛ لَهُوَ حجة قاطعة تزيل كل شبهة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الحقيقة الجليلة التي آمَنَ بها أولئك الطوائف الأربع المذكورون الذين يمثلون أقومَ نوع البشر الذي هو النتيجة المهمة لخلق الكون وخليفةُ الأرض؛ وأجمعُ الأحياءِ استعدادًا وأرفعها شأنًا؛ بل هم أصدق مرشديهم المصدقين، وأئمتهم في الكمالات، هؤلاء أخبروا بالإجماع والاتفاق عن تلك الحقيقة التي آمنوا بها واعتقدوا بها اعتقادًا جازمًا بحق اليقين وبعلم اليقين وبعين اليقين، واطمأنوا إليها اطمئنانًا لا يتزعزع، مُظهِرين الكون بموجوداته جميعًا دليلًا، تُرَى أَلَا يرتكبُ جنايةً لا تحد مَن ينكر و لا يَعرف هذه الحقيقةَ الجليلة؟! ألا يستحق عذابًا خالدا؟!</p>
<h4 style="text-align: center;">[8: غير المغضوب عليهم ولا الضالين]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة الثامنة: وهي ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">فهذه إشارة قصيرة إلى ما فيها من حجة:</p>
<p style="text-align: justify;">إن تاريخ البشرية والكتبَ المقدسة، يخبر بالاتفاق إخبارًا قاطعًا وبصراحة تامة، استنادًا إلى التواتر وإلى الحوادث الكلية الثابتة والمعارف البشرية والمُشاهَدات الإنسانية، أن استجابة استمدادات الأنبياء عليهم السلام -وهم أصحاب الصراط المستقيم- استمدادًا غيبيًا فوق المعتاد في ألوف من الحوادث، وإنجازَ مطاليبهم بذاتها، ونـزولَ الغضب والمصائب السماوية بأعدائهم الكفار في مئات من الحوادث، تدل دلالة قاطعة لا ريب فيها على أن لهذا الكون ولنوع الإنسان الذي فيه؛ ربًّا حاكمًا عادلًا محسنًا كريمًا عزيزًا قهارًا؛ قد مَنح من لدنه النصرَ المؤزّر والنجاة الخارقة لأنبياء كرام كثيرين، أمثال نوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح عليهم السلام في حوادث تاريخية واسعة، وأَنـزل في الوقت نفسه مصائبَ سماوية مرعبة في الدنيا على أقوام ظَلَمةٍ كَفَرة أمثال ثمود وعاد وفرعون إزاء عصيانهم الرسلَ.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن <strong>تيارَين عظيمين قد جريا متصارعَين في البشرية منذ زمن آدم</strong> عليه السلام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: هم <strong>أهل النبوة والصلاح والإيمان</strong> الذين نالوا النعمة وسعادة الدارين بسلوكهم الصراط المستقيم؛ فانسجمت بسلوكهم القويم أعمالُهم وحركاتهم مع جمال الكون الحقيقي ونظامه وتناسقه وكماله؛ لذا نالوا ألطاف رب العالمين؛ وسعادة الدارين؛ وأصبحوا السبب في رفع الإنسان إلى مراتب الملائكة بل أرفع منها؛ وكسبوا وأكسبوا أهل الإيمان جنة معنوية حتى في الدنيا؛ مع سعادة خالدة في الآخرة.. كل ذلك بسر حقائق الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والتيار الثاني</strong>: هم <strong>الذين ضلوا عن سواء السبيل</strong> جاعلين بالإفراط والتفريط؛ العقلَ وسيلةَ عذابٍ وأداةَ لمّ الآلام؛ فأردَوا البشرية في دركات سحيقة أضلَّ من الأنعام، فاستحقوا الغضب الإلهي، فنـزلت بهم صفعاتُ المصائب جراء ظلمهم الذي ارتكبوه في الدنيا؛ زد على ذلك أنهم جَعَلوا بالضلالة التي هم فيها وبالعقل المرتبط مع الموجودات؛ الكونَ موضعَ أحزان وآلام ومأتمًا عامًّا، ومذبحة لذوي الحياة؛ يتقلبون في دوامات الزوال والفراق، ومَسْلَخة قذرة ضربت الفوضى أطنابها في الآفاق، لذا انحصرت روحُ الضال ووجدانُه بجهنم معنوية في الدنيا، وأصبح أهلًا لعقاب أليم في الآخرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن الآية الكريمة التي في ختام سورة الفاتحة: ﴿الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ تبين هذين التيارين العظيمين.</p>
<p style="text-align: justify;">فمنبع جميع الموازنات المذكورة في رسائل النور وأساسها ومرشدها هي هذه الآية الكريمة؛ وحيث إن رسائل النور قد فَسرت هذه الآية الكريمة بمئات من موازناتها، نحيل إيضاحها إلى تلك الرسائل مكتفين بهذه الإشارة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[9: آمين]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الكلمة التاسعة: وهي، آمين. </strong></p>
<p style="text-align: justify;">وإشارة قصيرة جدًّا إليها هي: لما كانت&#8221; ن &#8220;التي في ﴿نَعْبُدُ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ تبين لنا الجماعاتِ العظيمةَ الثلاث؛ ولا سيما جماعة الموحدين في جامع العالم الإسلامي، وبخاصة ملايين المصلين الذين يؤدون الصلاة في ذلك الوقت، وتجعلنا ضمن صفوفهم؛ فاتحةً أمامنا طريقًا سويًّا لنكسب حظًّا من أدعيتهم، ولنغنم تصديقَهم لنا لنطقهم بمثل ما ننطق به نحن، ولنحظى بنوع من شفاعتهم؛ فنحن كذلك بقولنا: &#8220;آمين&#8221; نعزز أدعية أولئك الموحّدين المصلين؛ ونصدّق دعواهم؛ ونرجو بكلمة &#8220;آمين&#8221; أن يستجيب اللّٰه سبحانه وتعالى لاستعانتهم وشفاعتهم، محوِّلين عبوديتنا الجزئية ودعاءنا الجزئي ودعوانا الجزئية إلى عبودية كلية ودعاء كلي ودعوى كلية إزاء ربوبية كلية شاملة.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن كلمة &#8220;آمين&#8221; تَكسِب كلية واسعة، بل يمكن أن تكون بمثابة ملايين &#8220;آمين&#8221; بسر الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية، وبواسطة راديوات معنوية ورابطةِ الوحدة لجماعةٍ يَرْبون على الملايين من المصلين المتراصين في الصلاة في مسجد العالم الإسلامي.</p>
<p>﴿: وهكذا إذا ما أخذ رجل عامي شيئًا بقدر نواة، فالإنسان الكامل الذي ترقى روحيًّا يأخذ حظًّا كالنخلة، كلٌّ حسب درجته، ولكن الذي لم يرْقَ بعدُ، لا ينبغي له أن يتذكر هذه المعاني قصدًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> أثناء قراءته الفاتحة لئلا يفسد اطمئنانه وسكينته، وإذا ما ترقى إلى ذلك المقام فإن تلك المعاني ستظهر بنفسها. (المؤلف)</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿الحمد للّٰه رب العالمين﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[القسم الثالث: وأن محمدًا رسول الله]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>القسم الثالث</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>من درسٍ واحد فقط، أُلقي في المدرسة اليوسفية الثالثة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وبه نستعين﴾</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[مقدمة]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>المقدمة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد كُتب <strong>القسم الثاني</strong> بأمر معنوي صادر من سورة &#8220;الفاتحة&#8221; التي في الصلاة، وبفيض نورِ كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه..</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك <strong>هذا القسم</strong>، فقد اضطررتُ إلى كتابته -بدافعٍ من ثلاثة أسباب لا إذن لي في بيانها حاليًّا- بتنبيهٍ معنوي وارد من جملةِ: أشهد أن محمدًا رسول اللّٰه، وبفيضِ نورِ الآيةِ الكريمة التي في ختام سورة &#8220;الفتح&#8221; والتي أَظهرت خمسَ معجزات غيبية، وهي قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودينِ الحقّ ليُظهرهُ على الدّينِ كلّه وكفى باللّٰه شهيدًا ٭ مُحمّدٌ رسولُ اللّٰه والذينَ معهُ أشداءُ على الكفّارِ رُحماءُ بينهمْ&#8230;﴾ إلى آخر الآية..</p>
<p style="text-align: justify;">أما تفاصيل هذا القسم وإيضاحاته وحججه المسندة بالدلائل، فأحيلها إلى رسالة &#8220;المعجزات الأحمدية&#8221; المنشورة ضمن مجموعة &#8220;ذو الفقار&#8221;، وإلى الحزب النوري المؤلَّف باللغة العربية، وسيشار إليها بثلاث إشارات مختصرة جدًّا:</p>
<p style="text-align: justify;">ففي <strong>الإشارة الثانية والثالثة</strong> سيُكتب ما يشبه ترجمة القطعة الخاصة بشهادة &#8220;محمد رسول اللّٰه&#8221; في الرسالة الصغيرة المؤلفة هنا، والمستقاة من خلاصة الخلاصة للحزب النوري العربي، والتي هي وردي الدائم وتفكرٌ بالعربية مع كلمة التوحيد التي أكررها في الأذكار.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإشارة الأولى: ضرورة وجود الحقيقة المحمدية والرسالة الأحمدية]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الإشارة الأولى</strong>: إن محمدًا (ﷺ) الذي استَقبل مظاهرَ ربوبيةِ رب العالمين، وسرمديةِ ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبوديةٍ كليةٍ وتعريف لربّه الجليل، هذا النبي الكريم ضروريٌّ كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو <strong>أستاذ البشرية الأكبرُ،</strong> <strong>ونبيُّها الأعظم (ﷺ)</strong>، <strong>وفخر العالَم،</strong> القمين بخطابِ &#8220;لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أن حقيقته (أي <strong>الحقيقة المحمدية</strong>) هي سببُ خلق العالم، ونتيجتُه وأكملُ ثمراته؛ كذلك تتحقق بها <strong>وبالرسالة الأحمدية</strong> الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة، إذ تُصبح مرايا باقية للجميل الجليل السرمدي تعكس تجلياتِ صفاته الجليلة، وآثارَه القيّمة الموظَّفة لدى أفعاله الحكيمة جلّ جلالُه، ورسائلَه البليغة المرسلة من الملأ الأعلى، وتغدو حاملةً لعالم باق، منتجةً دارَ سعادة خالدة ودار آخرة أبدية يشتاق إليها ذوو الشعور كلهم.. وأمثالَها من الحقائق التي تتحقق <strong>بالحقيقة المحمدية</strong> و<strong>الرسالة الأحمدية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فكما يشهد هذا الكون شهادة قاطعة وفي منتهى القوة والثبوت على رسالته (ﷺ)، كذلك البشريةُ جمعاء بل جميع ذوى الشعور وفي مقدمتهم العالم الإسلامي، يشهدون جميعًا على ما بشّرت به الرسالة الأحمدية والحقيقة المحمدية بشارةً قوية قاطعة، تلك هي الحياة الخالدة التي تسألها البشريةُ بالعشق الدائم والشوق الملازم في كل حين وآن، تسألها بلسانِ جميعِ قوى ماهيتها الجامعة، وبألسنةِ جميع استعداداتها، وبألسنةِ جميع الأدعية والعبادات والتضرعات والتوسلاتِ المرفوعة إلى المولى القدير، فتَسأل حياةً باقية خالدة، نجاةً من العدم والعبث والإعدامِ الأبدي والفناء المطلق الذي هو أشد رهبةً وأكثر إيلامًا من جهنم.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما تشهد البشرية بهذا على أنه (ﷺ) فخرُ البشرية وأشرفُ المخلوقات طرًّا، كذلك فإن دخولَ مثل جميع الحسنات والخيرات التي يَكسبها يوميًّا ثلاثمائة وخمسون مليونًا من المؤمنين في كل عصر، في سجل حسناته (ﷺ) حسب قاعدةِ &#8220;السببُ كالفاعل&#8221;، ونيلَ تلك الشخصية المحمدية الفريدة مقامًا رفيعًا يحظى بعبودية كلية وفيوضات ربانية بقدرِ عبادةِ مئاتِ الملايين بل المليارات من العبّاد المحسنين.. هو شهادة قوية جدًّا على رسالته (ﷺ).</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإشارة الثانية: عشرون شهادة على <strong>رسالة سيدنا محمد ﷺ</strong>]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الإشارة الثانية</strong>: إن الفقرة الآتية التي أتأمل فيها دائمًا هي من أورادي، وتشير إلى أكثر من <strong>عشرين شهادة على رسالة محمد (ﷺ)؛</strong> نوجز فحواها باختصار، والفقرة هي:</p>
<p style="text-align: justify;">(<strong>محمّدٌ رسولُ اللّٰه صادقُ الوعدِ الأمينُ: بشهادةِ ظهوره دفعَةً مع أُمّيّتِه بأكمل دينٍ وإسلاميّةٍ وشريعةٍ، وبأقوى إيمانٍ واعتقادٍ وعبادَةٍ، وبأعلى دعوةٍ ومناجاةٍ ودعواتٍ، وبأعمّ تبليغٍ وأتمّ متانةٍ خارقاتٍ مثمراتٍ لا مثلَ لها</strong>)<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الأولى]</h5>
<p style="text-align: justify;">فأُولى تلك الشهادات هي: حجة الرسالة النابعة من <strong>إحدى عشرة حالة من حالاته (ﷺ)</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه مع كونه أمّيًّا لم يتعلم القراءة والكتابة، فقد أتى <strong>بدينٍ</strong> أوقع عقلاءَ أربعة عشر قرنًا وفلاسفتَها في حيرة وإعجاب وانبهار، وفاق الأديان السماوية، وقد أظهره دفعة واحدة من دون أن يكون له تجربة مسبقة.. وهذه حالة لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا <strong>الإسلامُ</strong> النابع من أقواله وأفعاله وحالاته، وإرشادُه ثلاثمائة وخمسين مليونًا من البشر في كل وقت، مربيًا أرواحهم مزكّيًا أنفسهم ومنوِّرًا عقولَهم، ودفعهم إلى الرقى المعنوي.. حالة لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا قد أتى <strong>بشريعة</strong> غراء عظيمة بحيث أدارت بقوانينها العادلة خُمُسَ البشر طوالَ أربعة عشر قرنًا من الزمان إدارةً حَققت له الرقيَّ المادي والمعنوي.. وهذه حالة لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا ظهورُه <strong>بإيمان راسخ</strong> واعتقاد جازم بحيث يستلهم منه جميعُ أهل الحقيقة في كل وقت، ويصدقون بالاتفاق على أنه في أرفع درجة وأسمى مرتبة، فضلًا عن عدم إيراث مخالفيه وأعدائه ومعارضيه في ذلك الوقت -برغم كثرتهم- أيةَ شبهة ولا وسوسة ولا شكٍّ قط، مما يبين بجلاءٍ أنه لا مثيل له في قوة الإيمان أيضًا، ولا نظير لإيمانه الرفيع الكلي.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا قد أظهر <strong>عبوديةً</strong> <strong>وعبادة</strong> عظيمتين بحيث وحَّدَ المبدأَ والمنتهى، من دون تقليد لأحد، مُلاحِظًا أدق أسرارِ العبادة، ومُراعِيًا لها حتى في أشد الأوقات اضطرابًا، وأدّاها على أتم وجه وأتقنه.. وهذه حالة لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا قد <strong>تضرع</strong> إلى خالقه الكريم <strong>ودعا</strong> <strong>دعوات</strong> لطيفة رقيقة بحيث لم يَبلغ أحدٌ مرتبةَ تلك الدعوات والمناجاة إلى هذا الزمان برغم تلاحق الأفكار.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: قد جعل ألفَ اسمٍ واسم من الأسماء الإلهية شفيعةً لدعائه في مناجاة &#8220;الجوشن الكبير&#8221;، فوصف خالقَه العظيم وصفًا بديعًا يليق به، وعرَّفه تعريفًا لا مثل له قط.. وهكذا فإن عدم بلوغ أحد ما بلغَه من معرفة اللّٰه، حالةٌ لا مثيل لها قط.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا إنه دعا الناس إلى الدين <strong>دعوةً</strong> ملؤها الثقة، وبلّغ <strong>رسالته</strong> بشجاعة وإقدام بحيث إن معارضة قومه وعمِّه والدولِ الكبرى في العالم وأتباعِ الأديان السابقة وعدائَهم لم ينل منه الخوف ولا الإحجام قطعًا، بل تحدى العالمين وظهر على الجميع.. فهذه حالة لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن <strong>مجموع هذه الحالات الثمان</strong> الخارقة التي لا نظير لها، شهادةٌ في منتهى القوة على صدقه (ﷺ) وثبوت دعوته، وهي حالات تُظهِر مدى اطمئنانه ومنتهى جديته ومبلغِ وثوقه وكمال صدقه وعدله (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فالعالم الإسلامي يهنئ ويبارِك هذا النبيَّ الكريم (ﷺ) بقوله في كل جَلسةِ تَشَهُّدٍ في الصلاة يوميًّا وبملايين الألسنة: &#8220;<strong>السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّٰه وبركاته</strong>&#8221; مقدِّمًا له ولاءَه لمهمة النبوة، ومصدِّقًا إياه في بُشراه بالسعادة الأبدية التي أتى بها، فيَستقبله بامتنان بالغ وشكر عميم إزاء فتحه طريقًا سويًّا إلى الحياة الباقية التي تبحث عنها البشريةُ بعشق دفين عميق وشوق فطريّ عارم وباستعداد قوي جدًّا، بقوله: &#8220;السلام عليك أيها النبي&#8221; معبّرًا به عن زيارةٍ معنوية له (ﷺ) ولقاءٍ معه، ومرحِّبًا ومهنئًا إياه باسمِ ثلاثمائةٍ وخمسين مليونًا بل مليارات من المؤمنين.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الثانية]</h5>
<p style="text-align: justify;">الشهادة الثانية من الشهادات العشرين الكليةِ، والتي تضم كثيرًا من الشهادات وهي:‌ (<strong>وبشهادة جميع حقائق الإيمان على تصديقه</strong>)‌.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن حقائق أركان الإيمان الستة وتحقُّقَها وصدقَها وصوابَها تشهد شهادةً قاطعة على رسالة محمد (ﷺ) وعلى صدقه وصوابه، لأن الشخصيةَ المعنوية لحياة رسالته، وأساسَ جميع دعاواه، وماهيةَ نبوته، إنما هي تلك الأركان الستة، لذا فإن جميع الدلائل الدالة على تحقق تلك الأركان تدل أيضًا على أن رسالة محمد (ﷺ) حق وأنه صادق مصدَّق؛ وكما بَينتْ رسالةُ &#8220;الثمرة&#8221; وذيولُ &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; دلالةَ سائر الأركان الإيمانية على تحقُّق الآخرة، كذلك كلُّ ركنٍ من الأركان بحججه معًا حجة على رسالته (ﷺ).</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الثالثة]</h5>
<p style="text-align: justify;">الشهادة الكلية الثالثة المتضمنة لألوف الشهادات:‌ (<strong>وبشهادة ذاته عليه الصلاة والسلام بآلاف معجزاته وكمالاته وعلوِّ أخلاقه</strong>)‌.</p>
<p style="text-align: justify;">أي هو كالشمس دليلٌ بنفسها، فكما أَثبتت الرسالةُ الخارقة، رسالةُ &#8220;المعجزات الأحمدية&#8221; على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في أَزْيَدَ من ثلاثمائة معجزة بروايات صحيحة، فكذلك انشقاق القمر إلى شقين بإصبعٍ من كفه المباركة (ﷺ) كما هو صراحةُ الآيةِ الكريمة: ﴿وانشق القمر﴾، وكذا نَبَعانُ الماء من أصابعه المباركة وتَدَفُّقه كما يتدفق من خمس عيون، وارتواءُ جيشٍ كاملٍ منه وشهادتُهم له، المنقولُ إلينا بروايات صحيحة متواترة، فضلًا عن تكرار هذه الحادثة العجيبة مرتين وفي مواضع أخرى..</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا رميُه حفنةً من ترابٍ بالكف نفسِها على جيش العدو المُغِير، ودخولُ التراب عينَ كل منهم، وانهزامُهم أثناء هجومهم كما هو صراحةُ الآيةِ الكريمةِ: ﴿وما رميتَ إذ رَميت﴾..</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا تسبيح الحصى في الكف نفسِه تسبيحًا واضحًا بيّنًا المرويُّ بروايات صحيحة.. وأمثالُها من المعجزات الباهرة التي ظهرت من يده المباركة (ﷺ) والمروي قسمٌ منها في كتب السِيرة والتاريخ بروايات متواترة قاطعة، وهي تربو على المئات، بل تبلغ الألف لدى أهل التحقيق من العلماء.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا اتفاقُ الأولياء والأعداء على أنه في ذروة الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>، واتفاقُ جميع أهل التحقيق السالكين طريقَه المقتفين أثرَه البالغين الكمالاتِ والمدركين الحقيقةَ بعين اليقين، وتصديقهم جميعًا بحق اليقين، أن الكمالات المحمدية هي في قمة الدرجات، كما يدل عليها فيوضات العالم الإسلامي النابعةُ من دينه (ﷺ)، وحقائقِ الإسلام العظيم، فلا شك أن ذلك النبي الكريم بذاته (ﷺ) يشهد شهادة واسعة كلية ساطعة على رسالته نفسه.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الرابعة]</h5>
<p style="text-align: justify;">الشهادة الرابعة المتضمنة لكثير من الشهادات القوية:‌ (<strong>وبشهادة القرآن بما لا يحد من حقائقه وبراهينه</strong>).‌</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن القرآن المعجزَ البيان يشهد بحقائقه وحججه التي لا تعد ولا تحصى على رسالته وصدقه (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن القرآن الكريم <strong>الذي</strong> هو معجزة باهرة بأربعين وجهًا (كما أثبتتها رسالة المعجزات القرآنية المنشورة ضمن مجموعة ذو الفقار).. <strong>والذي</strong> أنار أربعة عشر قرنًا من الزمان.. <strong>والذي</strong> أدار خُمُس البشرية بقوانينه الرصينة التي لا تتبدل.. <strong>والذي</strong> تحدى وما زال يتحدى جميعَ المعارضين حتى لم يجرؤ أن يعارضه أحد إلى الآن ولو بسورة واحدة، بل إن جهاته الستَّ نورانية لا تدخل فيها الشبهات قطعًا، وتُصدّق ستة مقامات كبرى على صدقه وعدله، ويستند إلى ست حقائق لا تتزعزع، كما أُثبِتَ ذلك في رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;.. <strong>والذي</strong> يُتلى في كل وقت بألسنة مئات الملايين وبكل لهفة وتوقير.. <strong>والذي</strong> يُكتَب في قلوب ملايين الحفاظ في كل دقيقة كتابة سامية.. <strong>والذي</strong> تترشح من شهادته جميعُ شهادات وإيمان العالم الإسلامي، وتنساب من نبعه جميعُ العلوم الإيمانية والإسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أنه يصدِّق تلك الكتبَ السماوية السابقة، ينال التصديق المعنوي أيضًا من جميع الكتب والصحف السماوية.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا القرآن العظيم بحقائقه كلها، وبحججه التي تُثبت صدقَه وعدله يشهد على صدقه (ﷺ) وعلى رسالته.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة 5، 6، 7، 8]</h5>
<p style="text-align: justify;">الشهادة الكلية الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة:‌</p>
<p style="text-align: justify;">(<strong>وبشهادة الجوشن بقدسيةِ إشاراته، ورسائلِ النور بقوة دلائلها، والماضي بتواتر إرهاصاته، والاستقبال بتصديق آلافِ حادثاته</strong>).‌</p>
<p style="text-align: justify;">أي كما أن &#8220;<strong>الجوشن الكبير</strong>&#8221; الذي يضم ألف اسمٍ واسم من الأسماء الإلهية صراحةً وإشارةً، ونابعٌ -من جهةٍ- من القرآن الكريم، هذه المناجاة النبوية الخارقة التي تفوق مناجاةَ جميع العارفين الذين عرجوا في مراتب المعرفة الإلهية وترقوا فيها، وقد أتى بها جبريل عليه السلام وحيًا في غزوة قائلًا: &#8220;انـزع الدرع (الجوشن) واقرأ هذا الجوشن&#8221;، فإن الحقائق التي تتضمنها هذه المناجاة والأوصاف المتوجهة فيها إلى ربه الجليل بالذات تشهد شهادة صادقة على صدق محمد (ﷺ) وعلى رسالته.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك <strong>رسائل النور</strong> المترشحة من القرآن الكريم، والمستفاضةُ -من جهةٍ- من &#8220;الجوشن الكبير&#8221; هي حجة واحدة على الرسالة المحمدية بأجزائها البالغة مائة وثلاثين رسالة، وذلك بإثباتها إثباتًا عقليًّا ومنطقيًّا جميعَ حقائق رسالته (ﷺ)، بل تعليمِها وتفهيمِها بسهولة ويُسرٍ ما تعجز عنه الفلسفة من مسائلَ بعيدة جدًّا عن العقل وإظهارِها أنها مسائل مستساغة معقولة كأنها مشهودة.. هذه الرسائل البالغة ثلاثين ومائة رسالة تشهد شهادةً كليةً على صدق محمد (ﷺ) وعلى رسالته.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا <strong>الماضي</strong> هو شهادة كلية على رسالته، إذ <strong>الإرهاصات</strong> التي هي خوارق سبقت البعثة وتُعدّ من معجزات النبي الذي سيأتي، قد ذكرت في وقائع كثيرة في كتب السيرة والتاريخ ذكرًا متواترًا قاطعًا، فتشهد هذه الإرهاصات شهادة صادقة على رسالته (ﷺ)، ولهذه الإرهاصات أنواع كثيرة سيُبيَّن قسمٌ منها في الشهادة الآتية، وقسمٌ آخر ذكر في مجموعة &#8220;ذو الفقار&#8221; ونقلتها كتب التاريخ نقلًا صحيحًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إرسالُ طير أبابيل لترمي جيش أبرهة الذي أتى لهدم الكعبة بحجارة من سجيل قُبيل ولادته (ﷺ)، وسقوطُ الأصنام في الكعبة ليلة الولادة المباركة، وتَصَدُّعُ إيوان كسرى، وخمودُ نار المجوس التي كانت تشتعل منذ ألف سنة، وإظلالُ السحاب له (ﷺ) كما أَخبر به بحيرا الراهبُ وحليمة السعدية.. وأمثالُها من الحوادث الكثيرة التي أخبرت عن نبوته (ﷺ) قبل بعثته.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا <strong>المستقبل</strong>، أي الحوادث التي وقعت بعد وفاته (ﷺ) وأَخبر عنها وهي كثيرة جدًّا ومتنوعة جدًّا؛ منها: <strong>إخباره الغيبي</strong> التي تخص الآل والأصحاب الكرام، والفتوحات الإسلامية، وقد أُثبتت في رسالة المعجزات الأحمدية (المنشورة ضمن مجموعة ذو الفقار) برواية صحيحة ثمانين حادثة وقعت كما أخبر.</p>
<p style="text-align: justify;">مثلًا: استشهاد سيدنا عثمان رضي اللّٰه عنه عند قراءته المصحف الشريف، واستشهاد سيدنا الحسين رضي اللّٰه عنه في كربلاء، وفَتْحُ الشام وفارس وإسطنبول، وقيامُ الدولة العباسية وسقوطُها ودمارها بيد جنكيز خان وهولاكو.. وما شابهها من معجزاته في إخباره الغيبي الذي ظهر في ثمانين حادثة، مما نقل إلينا نقلًا صحيحًا استنادًا إلى كتب السيرة والتاريخ التي ذكرتها بالتفصيل.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الإخبارات الغيبية مع سائر أنواعها التي تدل على صدقه (ﷺ) ومع وقائع مستقبلية كثيرة جدًّا تدل على صدقه، أي إن المستقبل يشهد شهادة قوية كلية على الرسالة المحمدية (ﷺ).</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة التاسعة]</h5>
<p style="text-align: justify;">الشهادة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، والتي تشير إليها:‌ (<strong>وبشهادة الآلِ بقوةِ يقينيّاتهم في تصديقه بدرجة حقّ اليقين.. والأصحاب بكمال إيمانهم في تصديقه بدرجة عين اليقين.. والأصفياء بقوّة تحقيقاتهم في تصديقه بدرجة علم اليقين.. والأقطاب بتطابقهم على رسالته بالكشف والمشاهدات باليقين</strong>) .</p>
<p style="text-align: justify;">فمن الشهادة الكلية التي تشهد شهادة صادقة على صدق محمد (ﷺ) وعدله:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة التاسعة</strong>: وهي شهادة <strong>آل محمد (ﷺ)</strong> الذين نالوا مرتبةَ &#8220;علماءُ أمتي كأنبياء بني إسرائيل&#8221;، والذين هم أكفاء لآل إبراهيم عليه السلام في صلوات التشهد، وهم الأولياء العظام والأئمة الاثنا عشر رضي اللّٰه عنهم، ويتقدم الجميعَ الإمام علي والحسن والحسين رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، والشيخ الكيلاني وأحمد الرفاعي وأحمد البدوي وإبراهيم الدسوقي وأبو الحسن الشاذلي (قدس اللّٰه أسرارهم)، وأمثالهم من الأقطاب والأئمة، يشهدون جميعًا وبالاتفاق وباعتقادهم اليقيني وبالكشفيات والمشاهَدات وبالكرامات والإرشاد التي أظهروها في الأمة، فيصدّقون بإيمانهم الراسخ الرسالةَ المحمدية وصدقَ الرسول الكريم (ﷺ).</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة العاشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة العاشرة</strong>: وهي شهادة <strong>الصحابة</strong> <strong>الكرام</strong> الذين هم أفضل الناس وأسماهم منـزلة بعد الأنبياء عليهم السلام، والذين أداروا العالم من الشرق إلى الغرب بالعدل والقسطاس المستقيم بعد أن تنوّروا بنور محمد (ﷺ) في فترة قصيرة برغم كونهم بَدْوًا وأُميين، وظهروا على الدول العظمى وغدَوا أساتذة الأمم الراقية ذات الحضارات والعلم والسياسة، ومعلِّمين لها وسياسيين حكماء عادلين، فحوَّلوا ذلك القرن إلى خير القرون وعصرِ السعادة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء الصحابة الكرام بعد تدقيقهم وتحرّيهم عن كل حال من أحوال محمد (ﷺ) ومشاهدتِهم بأبصارهم قوةَ معجزاته الكثيرة، تركوا عِداءهم السابق، وعافوا طريق أجدادهم، وضحَّوا بالنفس والنفيس تضحية كريمة رفيعة، وانضووا تحت راية الإسلام، كخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وأمثالهم ممن ترك آباءه وقبيلته، فإن إيمان هؤلاء الصحابة الكرام البالغَ درجة عين اليقين شهادةٌ صادقة كلية على صدق محمد (ﷺ) وعلى أحقية رسالته.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الحادية عشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة الحادية عشرة</strong>: وهي شهادة ألوف من <strong>أهل التحقيق</strong>، أي شهادة المجتهدين والأئمة الأعلام والعلماء المحققين الذين يطلق عليهم جميعًا: <strong>الأصفياء والصديقون</strong>، والفلاسفة الدهاة من أمثال ابن سينا وابن رشد الذين آمنوا إيمانًا منطقيًّا وعقليًّا، رغم اختلاف مسلك كلٍ منهم عن الآخر، مستندين إلى ألوف الحجج القاطعة والبراهين الدامغة، حتى بلغوا درجة علم اليقين.. فإن إيمان هؤلاء جميعًا بمحمد (ﷺ) ورسالته وصدقه وصوابه شهادةٌ كلية إلى حدّ لا يمكن أن يردّها إلّا من كان ذا ذكاء يكافئ ذكاءهم كلهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ورسائل النور هي واحدة من أولئك الشهود الصادقين في هذا العصر، الذين لا يُحصَون ولا يُعدُّون، ولكن لما سقطت الحجة بأيدي المنكرين لها ولم يجدوا عنها مصرفًا، حاولوا أن يسكتوها بالمحاكم بتغرير أفراد الأمن ودوائر العدل.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الثانية عشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة الثانية عشرة</strong>: وهي شهادة <strong>الأقطاب</strong> الذين يضم كلٌّ منهم قسمًا مهمًّا من الأمة الإسلامية ضمن حلقة درسه وإرشاده، ودفعوهم بالإرشاد الخارق والتوجيه الصائب والكرامات الظاهرة إلى الرقيِّ المعنوي مستندين في مواضع الحجج إلى المشاهدات والكشفيات.. فهؤلاء الذين هم أفذاذ أهل التحقيق والحقيقةِ قد شاهدوا كشفًا في رقيهم الروحاني صدقَ محمد (ﷺ) وصدق رسالته، وأنه في قمة مراتب الصدق والعدل والحق، فشهادة هؤلاء بالاتفاق والتطابق، على نبوته (ﷺ) وعلى رسالته، تصديقٌ قويٌّ إلى حدٍّ لا يمكن جَرحه إلّا مِنْ قِبَل مَن نال ما نالوه جميعًا من مراتب الكمالات والفضائل.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الثالثة عشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة الثالثة عشرة</strong>: عبارة عن <strong>أربع حجج</strong> قاطعة واسعة كلية وهي:‌</p>
<p style="text-align: justify;">(<strong>وبشهادة الأزمنة الماضية بتواتر بشارات الكواهن والهواتف والعرفاء في الأدوار السالفين، وبمشاهدة بشارات الرسل والأنبياء وبشهادتهم وبشارتهم عليهم السلام برسالة محمدٍ عليه الصّلاة والسّلام في الكتب المقدّسة</strong>)‌.</p>
<p style="text-align: justify;">إن خلاصة فحوى هذه الفقرة ستوضَّح هنا، أما إيضاحها الكامل وسندُها فهما في ختام رسالة &#8220;المعجزات الأحمدية&#8221; المنشورة ضمن &#8220;مجموعة ذو الفقار&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">والفقرة تعني أن مشاهير البشر في الأزمنة الماضية، وفي مقدمتهم الأنبياء الكرام عليهم السلام، والعارفون والكهان والهواتف، قد أخبروا بالاتفاق عن مجيء محمد (ﷺ) وعن رسالته، تلك الإخبارات التي تسمى &#8220;<strong>الإرهاصات</strong>&#8221; وهي صريحة ومكررة ومذكورة في كتب التاريخ والسيرة والحديث الشريف، بروايات صحيحة ومتواترة لقسم منها، وقد فَصَّلتْ رسالة &#8220;المعجزات الأحمدية&#8221; و بَيَّنتْ ما هو أقوى وأثبتُ من تلك الألوف من الإرهاصات، فنحيل إليها، ونقول بإشارةٍ في منتهى الاختصار:</p>
<p style="text-align: justify;">أما إخبار الأنبياء فلقد ذكر في &#8220;المكتوب التاسع عشر&#8221; عشرون آية تخص نبوة محمد (ﷺ) بما يقرب من الصراحة من مئات الآيات في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور، ولقد سَجل حسين الجسر في كتابه مائةً من تلك الآيات التي تبشر بنبوة محمد (ﷺ) رغم التحريفات الكثيرة التي طرأت على تلك الكتب من قِبَل النصارى واليهود.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الكهان ففي مقدمتهم الكاهنان الشهيران &#8220;شقّ وسطيح&#8221; فهم يخبرون عن الغيب بوساطة الروحانيين والجن، فأخبروا بروايات صحيحة متواترة وصريحة لا ريب فيها عن مجيء الرسول (ﷺ) وإزالته لدولة فارس، وعن ظهور نبي عن قريب في الحجاز.</p>
<p style="text-align: justify;">وأخبر كعب بن لؤي -من أجداد النبي (ﷺ)- وسيفُ بن ذي يَزَنْ من ملوك اليمن وتُبَّع من ملوك الحبشة وأمثالهم من العرفاء <strong>أولياءِ ذلك الزمان</strong>، أخبروا صراحةً عن رسالة محمد (ﷺ) وأعلنوها شعرًا، حتى قال أحد أولئك الملوك: &#8220;إني لأرجِّح خدمة محمد على هذه السلطنة&#8221;. وقال آخر: &#8220;لو أدركتُه لكنت له ابن عم&#8221; أي كنت كعلي رضي اللّٰه عنه مضحيًا ووزيرًا له.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ذُكر في &#8220;المكتوب التاسع عشر&#8221; ما هو مهم وثابت من هذه الأخبار.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال فإن هؤلاء العُرَفاء يشهدون شهادة صادقة كلية قوية على رسالة محمد (ﷺ) وعلى صدقيتها، كما نَشَر كتبُ التاريخ والسِّيَر هذه الأخبار نشرًا كاملًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا <strong>الروحانيون</strong>، هم لا يشاهَدون ولكن تُسمع أقوالهم، ويطلق عليهم: <strong>الهواتف</strong>، فهم يشهدون شهادة صادقة كالعارفين والكهان على رسالة محمد (ﷺ) وعلى نبوته شهادة صريحة جدًّا، وكذا كثرةٌ من المخبرين، بل حتى الذبائح التي تُذبح للأصنام، والأصنام نفسها وشواهد القبور كل أولئك قد أخبروا عن نبوته (ﷺ)، فيشهدون شهادة صدق على رسالته وأحقيته بلسان التاريخ.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الرابعة عشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة الرابعة عشرة</strong>: هي شهادة الكون القويةُ، تشير إليها هذه الفقرة العربية: (<strong>وبشهادة الكائنات بغاياتها وبالمقاصد الإلهية فيها على الرسالة المحمدية الجامعة؛ بسبب توقفِ حصولِ غاياتِ الكائناتِ والمقاصد الإلهية منها وتَقَرُّر قيمتها ووظائِفها وتَبَارُزِ حسنِها وكمالها وتحققِ حكمِ حقائقها على الرسالة الإنسانية لا سيما على الرسالة المحمدية؛ إذ هي المُظهِرة والمدار الأتم لها، ولولاها لصارت هذه الكائنات المكمَّلة والكتاب الكبير ذو المعاني السرمدية هباءً منثورًا متطايرةَ المعاني متساقطةَ الكمالات وهو محال من وجوه وجهات</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ذكرتْ رسالةُ &#8220;الآية الكبرى&#8221; فيما يخص هذه الفقرة العربية الآتيَ:</p>
<p style="text-align: justify;">هذا الكون كما أنه يدل على صانعه وكاتبه ومصوِّره الذي أوجده والذي يديره وينظمه ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير كأنه قصر باذخ، أو كأنه كتاب كبير، أو كأنه معرض بديع، أو كأنه مشهر عظيم..</p>
<p style="text-align: justify;">فهو كذلك يستدعي لا محالة وجودَ <strong>مَن يُعبِّر</strong> عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، <strong>ويعلَم ويُعلِّم</strong> المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، <strong>ويُعلِّم</strong> الحكم الربانية في تحولاته وتبدلاته، <strong>ويدرِّس</strong> نتائج حركاته الوظيفية، <strong>ويعلن</strong> قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات.. <strong>ويجيب</strong> عن الأسئلة الرهيبة المحيرة، من أين تأتى هذه الموجودات؟ وإلى أين المصير؟ ولِمَ لا تلبث هنا بل تمضى وترحل مسرعة؟ <strong>ويُوضِّح</strong> معانيَ ذلك الكتاب الكبير ويفسِّر حكمةَ آياته التكوينية.</p>
<p style="text-align: justify;">أي يقتضي داعيًا عظيمًا، ومناديًا صادقًا، وأستاذًا محققًا، ومعلمًا بارعًا، فالكون من حيث هذا الاقتضاء يدل ويشهد شهادة قوية وكُلِّية على صدق النبي الكريم (ﷺ) وصوابه الذي هو أفضل مَن أتمَّ هذه الوظائفَ والمهمات، وعلى كونه أفضل وأصدق مبعوث لرب العالمين، فيشهد الكون قائلًا: أشهد أن محمدًا رسول اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، <strong>إن ماهية الكون وقيمتَه ومزاياه تتحقق بالنور الذي أتى به محمد (ﷺ)</strong> وبه تُعلم وظائفُ ما فيه من موجودات ونتائجُها ومهماتها وقيمتها، وبه يكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيبَ إلهيةٍ بليغة وقرآنٍ رباني مجسّم ومعرضِ آثارٍ سبحانية مهيب، إذ لولا نوره (ﷺ) لاتخذ الكونُ ماهيةَ مأتمٍ موحش وخرابٍ مخيف ذا أخلاطٍ متشابهة واضطراباتٍ متعاقبة يتردى في خضم ظلماتِ العدم والعبث والزوال والفناء.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه الحقيقة فإن مزايا الكون وكمالاته وتحولاته الحكيمة ومعانيه السرمدية تقول بقوة: <strong>نشهد أن محمدًا رسول اللّٰه</strong>.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الشهادة الخامسة عشرة]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشهادة الخامسة عشرة</strong> التي تضم كثيرًا من الشهادات وهي: أن جميع التحولات والحركات والسكنات والحياة والممات وأمثالها من التصرفات الجارية في الكون إنما تتم بأمرِ وإرادةِ وقوةِ <strong>الذات الأقدس</strong> الواجب الوجود الذي يتصرف في هذا الكون ابتداءً من الذرات إلى السيارات، فتشهد إجراءاتُ ربوبيته وأفعالُ رحمانيته على الرسالة المحمدية (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">والفقرة العربية الآتية تعبّر عن هذه الشهادة السامية الرفيعة:</p>
<p style="text-align: justify;">(<strong>وبشهادة صاحب الكائنات وخلَّاقها ومتصرفها على الرسالة المحمدية؛ بأفعالِ رحمانيتهِ وبإجراءات ربوبيته؛ كفعل الرحمانية بإنزال القرآن المعجزِ البيانِ عليه، وبإظهار أنواع المعجزات على يديه، وبتوفيقه وحمايته في كل حالاته، وبإدامة دينه بكل حقائقه، وبإعلاء مقام حرمته وشرفه وإكرامه على جميع المخلوقات بالمشاهَدة والعيان، وكفعل ربوبيته بجعل رسالته شمسًا معنويةً لكائناته، وبجعل دينه فهرستةَ كمالاتِ عباده، وبجعل حقيقته مرآةً جامعةً لتجليات ألوهيته، وبتوظيفه بوظائف ضرورية لازمة لوجود المخلوقات في هذه الكائنات كلزوم الرحمة والحكمة والعدالة وكضرورة لزوم الغذاء والماء والهواء والضياء</strong>).</p>
<p style="text-align: justify;">نحيل تفاصيل هذه الشهادة السامية القاطعة الواسعة جدًّا إلى رسائل النور، وننظر إلى معناها الإجمالي بإشارة في منتهى الاختصار وهي:</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نشاهد بأعيننا في هذا الكون أنّ <strong>مِن عادة الربوبية</strong> الجارية في كل آن بالعدالة والحكمة والعناية، <strong>حمايةَ</strong> <strong>الأبرار</strong> <strong>وتأديب الكذابين</strong> الفاسدين، نشاهدها ضمن تصرفاته المنتظمة جل جلالُه، فبمقتضى أفعاله الرحمانية <strong>إنـزالُ القرآن</strong> المعجز البيان على محمد (ﷺ).. <strong>وإظهارُ أنواع المعجزات</strong> الكثيرة البالغة نحو ألف معجزة على يديه.. وحمايتُه له تحت جناح رأفته الشفيقة في كل حالاته، بل في أخطر أوضاعه حتى حمايته بالحمام والعنكبوت!.. <strong>وتوفيقُه</strong> توفيقًا معززًا في مهامه.. <strong>وإدامةُ دينه</strong> بجميع حقائقه.. <strong>وتتويجُ</strong> هامةِ الأرض والبشرية بإسلامه.. <strong>وإعلاءُ مقامه</strong> وشرفه إلى أرفع مقام وأشرفه.. <strong>وتفضيلُه</strong> على الموجودات كافة بمنحه مقامًا مرضيًّا مقبولًا ودائمًا يفوق أفاضل الإنسانية.. <strong>وإعطاؤه شخصيةً</strong> تحملُ أجملَ الخصال الحميدة الرفيعة باتفاق الأولياء والأعداء حتى جُعِلَ خُمُسُ البشرية من أمته.. كل ذلك يشهد شهادة صادقة قاطعة على صدقه (ﷺ) ورسالته.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا نشاهد <strong>من حيث أفعال ربوبيته</strong> جل وعلا: أن المتصرف بهذا العالم ومدبِّر شؤونه جعل رسالة محمد (ﷺ) شمسًا معنوية للكون، فقد أثبت في رسائل النور أنه بَدَّدَ بها جميعَ الظلمات، مُظهِرًا بها حقائقَ الكون النورانية.. وأبهج ذوى الشعور قاطبة بل الكون بأسره ببشارة الحياة الباقية.. وجعل دينه أيضًا فهرسَ كمالات جميع عباده المقبولين، ومنهجًا قويمًا لأفعال العبودية.. وجعل الحقيقة المحمدية -وهي شخصيته المعنوية- مرآة جامعة لتجليات أُلوهيته بدلالة القرآن الكريم والجوشن الكبير.. بل جعله ينال -علاوة على الحقائق التي أشرنا إليها- مثل حسنات أمته كافة في كل يوم طوال أربعة عشر قرنًا.. وبعثه إلى البشرية وأناط به وظائف جليلة سامية.. وجعله أحسن قدوة وأعظم مرشد وأكرم سيدٍ للبشرية قاطبة، بدلالة آثاره في الحياة الاجتماعية والمعنوية والبشرية، وجعَلَ البشرية محتاجة إلى دينه وشريعته وحقائقه التي أتى بها في الإسلام<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup> حاجتَها إلى الرحمة والحكمة والعدالة والغذاء والهواء والماء والضياء.. كلُّ هذه الحجج الكلية القاطعة البالغة اثنتي عشرة حجة، شهادةٌ سامية رفيعة على الرسالة المحمدية..</p>
<p style="text-align: justify;">فهل من الممكن أن لا تكون الرسالة المحمدية شمسًا معنوية للكون، وهي التي نالت هذا العددَ من الشهادات الكلية الواسعة من رب العالمين الذي لا يُهمل رعايةَ وتنظيمَ شيء مهما كان حتى جناح ذبابة وزُهَيْرة صغيرة؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فكل شهادة من هذه الشهادات الخمس عشرة تتضمن شهادات كثيرة جدًّا، حتى إن الشهادة الثالثة قد أثبتت دعوى: «أشهد أن محمدًا رسول اللّٰه» بقطعية تامة وقوة راسخة لاندراج ألف من الشهادات تحتها بلسان المعجزات، وأعلنت تحققها وقيمتها وأهميتها العظيمة، بحيث إن مئات الملايين من الألسنة في طول العالم الإسلامي وعرضه يعلنون تلك الدعوى إلى الكون خمس مرات في اليوم.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن ملياراتٍ من أهل الإيمان قد رضُوا وصدَّقوا بلا ريب أن أساس تلك الدعوى -وهو الحقيقة المحمدية- هي البذرة الأصلية للكون وسببُ خلقِه وأكمل ثمرته، وأن رب العالمين جل جلاله قد جعل تلك الشخصية المعنوية المحمدية داعيًا رفيعًا إلى سلطان ربوبيته وكشافًا صادقًا لطلسم الكائنات ومُعَمَّى الخلق، ومثالًا ساطعًا لألطافه ورحمته، ولسانًا بليغًا لشفقته ومحبته، وأعظم مبشر بالحياة الدائمة والسعادة الأبدية في العالم الباقي، وخاتمَ مبعوثيه وأعظمَ رسله (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فيا خسارةَ من لا يؤمن بحقيقةٍ لها هذه الماهية ولا يثق بها، أو لا يهتم بها! ويا فداحة خطئه وعِظَم ارتكابه بلاهةً وجناية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن سورة &#8220;الفاتحة&#8221; التي في الصلاة بإشاراتها في القسم الثاني تبين حججًا قاطعة على دعوى حقيقة التوحيد في &#8220;أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه&#8221; وتضع عليها ما لا يحد من علامات التصديق، كذلك تأتي في هذا القسم الثالث أيضًا بشهودٍ أقوياءَ يصدِّقون ما في التشهد مِنْ &#8220;أشهد أن محمدًا رسول اللّٰه&#8221;، ويضعون عليه ما لا يحد من علامات التصديق.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا أرحم الراحمين.. بحرمة هذا الرسول الأكرم (ﷺ)، وفِّقنا لنيل شفاعته واتباع سنته السنية، واجعلنا بجوار آله وأصحابه الكرام في دار السعادة الأبدية. آمين، آمين، آمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللّٰهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه بعدد حروف القرآن المقروءة والمكتوبة،</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> آمين.</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أحمد بن حنبل، المسند، ٤/٢٢٧؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٢٧، ٧/١٧١؛ البزار، المسند ٣/٢٦٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٠/٦٥.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد سألنا أستاذنا إيضاحًا عن كلمة &#8220;قصدًا&#8221; الواردة في هذا الهامش ودوّنّا أدناه ما ذكره نصًّا:<br /><br />
<p style="text-align: left;">باسم طلاب النور في المدرسة اليوسفية الثالثة/جَيلان<br /><br />
<p style="text-align: justify;">أرى أنه يمكن التفكر بالمعاني الواسعة الرفيعة للتشهد وسورة الفاتحة، ولكن بصورة إجمالية ومن دون أن تُقصد تلك المعاني قصدًا، وإنما بصورة تبعية، إذ إن تفاصيلها تورث على حضور القلب نوعًا من الغفلة، بينما معانيها المُجْمَلة تبدد الغفلة وتنور العبادة والمناجاة وتُسطعها، فتُظهر إظهارًا تامًّا القيم الرفيعة للصلاة والفاتحة والتشهد.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">أما المراد من &#8220;عدم الانشغال قصدًا&#8221; الوارد في ختام القسم الثاني فهو أن الانشغال بتفاصيل تلك المعاني بالذات قد تُنسي الصلاة أحيانًا، وربما تُخل بسكينة القلب والحضور، وإلّا فإني أشعر بفوائدها العظيمة إذا كان التفكر تبعيًّا وبشكل مختصر. (المؤلف)﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;تناوله العلماء معنًى ومبنًى، ولعل قول علي القاري هو الوسط بين المثبتين والنافين له، إذ يقول: إنه صحيح معنى ولو ضُعف مبنًى. (شرح الشفا ١/ ٢٦).</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه الفقرات المحصورة بين قوسين مركنين وردت في النص باللغة العربية.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حتى يقول سيدنا علي رَضِيَ اللّٰه عَنْهُ مشيدًا بشجاعة فائقة: إذا حزبنا أمر -في الحرب- احتمينا برسول اللّٰه (ﷺ) وتحصنًّا به. ونقلت التواريخ أن أعداءه كذلك شهدوا أنه (ﷺ) كان في ذروةِ كلِّ خصلةٍ نبيلة كما هو في الشجاعة. (المؤلف)</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;
<p style="text-align: justify;">وقد شعرت وأنا أعاني شيخوختي وضعفي بواحدٍ من مليون من الأرزاق المعنوية التي أتى بها هذا النبي الكريم محمد (ﷺ)، فلو كان بوسعي لشكرته بملايين الألسنة والصلوات، وذلك:<br /><br />
<p style="text-align: justify;">أنني أتألم غاية الألم من الفراق والزوال، مـع أن الدنيا التي أحبها والدنيويين يتركونني برحيلهم وبمفارقتهم لي، وأنا على علم برحيلي أيضًا، فيتملكني يأس أليم قاتم، ولكن أتسلى وأنجو كليًّا من هذا اليأس باستماع بشارةِ السعادة الأبدية والحياة الباقية من النبي الكريم (ﷺ)، حتى إنني عندما أقول &#8220;السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّٰه وبركاته&#8221; في التشهد، أقدم له بيعتي وطاعتي واستسلامي لمهمته، وأباركه في وظيفته مقدِّمًا نوعًا من الشكر إليه، مقابلَ تلك البشارة بالسعادة الأبدية، وهكذا ينطق المسلمون بهذا السلام خمس مرات يوميًّا. (المؤلف).<br /><br />
<p style="text-align: justify;"></div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a7%d8%a1-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2654</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الرابع عشر‌ [4/4]: دفاعات طلاب النور في محكمة أفيون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-4-4-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%b7%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-4-4-%25d8%25af%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25b7%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25a8-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2586%25d9%2588</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-4-4-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%b7%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 14 Jul 2025 08:00:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2650</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 – 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم] [هذا القسم هو الجزء الرابع والأخير من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن رسائل بَعَث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه حين كانوا جميعًا &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 </strong><strong>– 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم]</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم هو الجزء الرابع والأخير من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن رسائل بَعَث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه حين كانوا جميعًا في سجن أفيون]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2651" aria-describedby="caption-attachment-2651" style="width: 720px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2651" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/image-1.jpg" alt="أجل، إنني طالب من طلاب النور.. أقول هذا وأعلنه بكل سرور وقناعة، لأن إنكار هذا الأمر يتناقض تمامًا مع دروس الفضيلة التي لقنتني إياها رسائل النور، لذا فلست مستعدًا لاقتراف هذا الجرم، إن الشخص الذي يقرأ رسائل النور على الدوام لا يمكن أن يخفي قراءته هذه، بل على العكس من ذلك فإنه يفتخر بهذه ويعلنها دون تردد أو خشية، ذلك لأن رسائل النور لا تحتوي على أية جملة بل على أية كلمة توجب الخشية أو التردد." width="720" height="960" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/image-1.jpg 720w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/image-1-225x300.jpg 225w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /><figcaption id="caption-attachment-2651" class="wp-caption-text">أجل، إنني طالب من طلاب النور.. أقول هذا وأعلنه بكل سرور وقناعة، لأن إنكار هذا الأمر يتناقض تمامًا مع دروس الفضيلة التي لقنتني إياها رسائل النور، لذا فلست مستعدًا لاقتراف هذا الجرم، إن الشخص الذي يقرأ رسائل النور على الدوام لا يمكن أن يخفي قراءته هذه، بل على العكس من ذلك فإنه يفتخر بهذه ويعلنها دون تردد أو خشية، ذلك لأن رسائل النور لا تحتوي على أية جملة بل على أية كلمة توجب الخشية أو التردد.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[الشعاع الرابع عشر 4/4]</h1>
<h1 style="text-align: center;">[دفاعات طلاب النور]</h1>
<h2 style="text-align: center;">[تقدمة للأستاذ النورسي]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هذه دفاعات رفعها طلاب رسائل النور في محكمة أفيون سنة ١٩٤٨، فقد حوكموا أولًا وأشيع عن أحكام الإعدام لبث الخوف في النفوس، إلّا أنها انتهت بإعادة الرسائل.‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن العلاقات الخاصة الصافية التي تربط طلاب النور بالرسائل وبمترجمها (أي الأستاذ)، والتي لا يرجون منها إلّا الثواب في الآخرة.. أقول: إن الذين يحاولون أن يَصِموا هذه العلاقة الخالصة بأنها علاقات دنيوية أو سياسية، بُغْيَةَ إدانة الطلاب أمام المحاكم، بعيدون كل البعد عن الحقيقة والعدالة، فضلًا عن أن اتفاق ثلاث محاكم على تبرئة ساحتهم من تلك التهمة تَبهتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">زد على هذا نقول: إنه لا يمكن إلصاق تهمة الانتماء إلى التنظيمات والجمعيات السياسية إلى طلاب النور إلّا بأمرين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: إنكار الروابط الأساس التي تُبنى عليها الحياةُ الاجتماعية الإنسانية، ولا سيما الأمة الإسلامية، وهي المَحبة الصادقة بين الأقارب، والعلاقة الوثيقة بين القبائل والطوائف، والأخوة المعاوِنة معنويًّا ضمن المِلِّية الإسلامية، والآصرة القوية المتسمة بالتضحية والفداء مع أبناء جنسه وقومه، والرابطة التي لا تنفصم، والالتزام التام بحقائق القرآن وناشريها، تلك التي تنقذ حياته الأبدية، وأمثالها من الروابط التي تَشُد أبناء المجتمع وتحقق الحياة الاجتماعية السليمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: بقبول الخطر الأحمر القادم من الشمال الذي ينشر بذور الفوضى والإرهاب، والذي يُفني وشائج النسل والقوم فيقطع روابط الأبوة والبنوة مزيلًا علاقات القرابة والقوم، ويفتح الطريق إلى إفساد الحضارة البشرية والمجتمع الإنساني إفسادًا كليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">وبهذين الأمرين وحدهما يمكن إلصاق تهمة الانتماء إلى الجمعيات والتنظيمات إلى طلاب النور، ولأجل هذا يُظهر طلاب النور -دون تردد- علاقاتِهم التي لا تتزعزع بحقائق القرآن، وبإخوتهم الآخرة، فيبينون حقيقة حالهم أمام محكمتكم العادلة، من دون أن يتنازلوا إلى الدفاع عن أنفسهم بالحيَل والأكاذيب والتملق.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع خسرو]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;خسرو&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى:‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد وجَّه المدعي العام تهمتين لي: <strong>إحداهما</strong>: اتهام عام وكلي، <strong>والأخرى</strong>: اتهام خاص.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الاتهام العام</strong>: هو سعيي في سبيل رسائل النور، واشتراكي في الجرم الموهوم المسنَد إلى أستاذي.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>الاتهام الخاص</strong> فهو حول أمور شخصية وخاصة بحياتي التي تتسم بطابع الانزواء، ولا تُشكل في الحقيقة أيَّ ذنب أو جرم، لأنها مسائل جزئية ولا أهمية لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول ردًّا على اتهام مقام الادعاء حول اشتراكي في الجرم الموهوم لأستاذي وحول بذلي الخدمات في سبيل رسائل النور:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنني أشترك في مسلك أستاذي</strong>، <strong>بل أشترك معه وأساعده بكل روحي وقلبي</strong> <strong>في الجرم الموهوم المسنَد إليه</strong> في موضوع رسائل النور التي تؤدي خدمات مقدسة للعالم الإسلامي، ولا سيما لهذا الوطن ولهذه الأمة، وسأظل أحمد اللّٰه تعالى وأشكره حتى آخر عمري لتوفيقه إياي لهذه الخدمة الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ <strong>أَبْلغ دليلٍ</strong> للنجاح الذي رأيناه جراء خدمتنا لرسائل النور هو أنه بينما كان خطي في كتابة حروف القرآن رديئًا جدًا، إلّا أنه قد تحسن تحسنًا يفوق قدرتي وإمكانياتي، حيث استطعتُ كتابة ثلاث نسخٍ رائعةٍ لا مثيل لها من القرآن الكريم، إحداها بين أيديكم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الدليل الثاني</strong>: هو أنني وُفّقت إلى كتابةِ ما يقارب ستمائة رسالة من رسائل النور التي حَققتْ منافعَ كبيرة جدًّا لهذا الوطن، ولهذه الأمة، وللدين وللأخلاق الحسنة منذ عشرين عامًا؛ حتى إن أصدقائي يعلمون بأنني وُفِّقت إلى كتابة أربع عشرة رسالة في مدة قصيرة بلغتْ شهرًا واحدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أرى أنه من الفضول القيامُ بالدفاع عن النقاط التي تَوهّمها مقامُ الادعاء جُرمًا لي في خدمتي لأستاذي وهو يؤدي مهمته المقدسة، لأنني أصادق وأوافق بكل ما أملك من قوة على كل ما جاء في الدفاع الذي كتبه أستاذي وفي تتمة دفاعه، وأعُدّه دفاعًا لي، وأقدمه إلى محكمتكم السامية على هذا الأساس.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أستاذي -الموجود حاليًّا في محكمتكم- بمؤلفاته المباركة حول الإيمان وحقائق القرآن، وبرسائله النورانية، لم يَقصد أيةَ بغيةٍ دنيويةٍ ولا أي قصدٍ سياسي، فأنا وأصدقائي -إذ نؤيد أستاذنا ونبارك له خدماته المقدسة التي قدمها لهذا الوطن ولهذه الأمة- فإننا نقول بأنه حتى الوطنيين في حكومة &#8220;الاتحاد والترقي&#8221; أيدوا هذا، فنراهم يخصصون تسعة عشر آلاف ليرة ذهبية لأجل تمكينه من بناء مدرسته المسماة &#8220;مدرسة الزهراء&#8221; في مدينة &#8220;وان&#8221;، وقد أعجب حتى محبو الوطن بوطنية أستاذنا وبحميته الملية وبخدماته العلمية وأيدوها، لذا نرى أن مائة وستين نائبًا من مجموع مائتي نائب يوقعون بالموافقة على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لدار الفنون (الجامعة).</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أود أن أعرض على محكمتكم الموقرة وأن أعلن بأنني فخور جدًّا بالخدمة التي أديتُها لرسائل النور، بكوني مستنسِخًا لها طوال عشرين عامًا، هذه الخدمة التي عدّها مقامُ الادعاء جُرمًا وذنبًا لي، ذلك لأن أستاذي -بارك اللّٰه فيه- عَمِل طوال حياته لأداء خدمة مقدسة أراد فيها وضع اللبنات لسعادة هذا الوطن وهذه الأمة، وهذا هو السبب في أن أكثر حسّاده وأعدائه ضراوةً، والذين كانوا يسعون لإدانته في المحاكم، لم يستطيعوا التعرض لكلماته الشديدة والمؤثرة، ولم يكن أمامهم سوى التسليم بما يقول.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>خسرو آلتن باشاق</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع طاهري]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;طاهري&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تم تبليغي من قِبَل مقام الادعاء العام لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; بأن التهمة الموجهة لي ولأستاذي &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; ولأصدقائي الآخرين هي استغلال الشعور الديني لتحريض الشعب للإخلال بأمن الدولة، وأن هذا هو سبب تقديمي للمحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أجبت عن جميع الأسئلة التي وُجّهت إليّ (سواء في محكمة صلح &#8220;إسبارطة&#8221; أم في دائرة التحقيق في &#8220;أفيون&#8221;) إجاباتٍ صحيحة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قامت محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; بإعادة جميع كتبنا المصادَرة وذلك بعد أن أصدرت قرارها بتبرئتنا، ولم تعاقبنا؛ لأننا -مع إخوتنا الآخرين من طلبة أستاذي &#8220;بديع الزمان&#8221;- كنا نقرأ ونستنسخ رسائل النور ونتراسل بيننا، مع أنني قمت قبل ست سنوات -ودون إذنٍ من أستاذي- بطبع خمسمائة نسخةٍ من رسالة &#8220;الشعاع السابع&#8221; لبديع الزمان في مطبعة في &#8220;إسطنبول&#8221; بالأحرف القديمة، فقد قامت محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; بقرارها المؤرخ في ٢٠/٧/١٩٤٥ بإعادة جميع هذه الكتب بصناديقها إلينا، وعند ذلك تم توزيع هذه الرسائل -مقابل ثمن طبعها- على طلاب النور الذين كانوا في شوق إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، واستنادًا إلى الحُكم الذي اكتسب صورةً قطعية بقرار التمييز الذي صدر عن هذه المحكمة الموقرة، فقد قمت قبل سنتين بجلب الأوراق وجهاز الاستنساخ (الرونيو) من &#8220;إسطنبول&#8221; إلى &#8220;إسبارطة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قام أخي &#8220;خسرو آلتن باشاق&#8221; بكتابة مجموعتين من المجموعات الثلاثة الموجودة بين أيديكم، أما المجموعة الثالثة فقد قمت أنا بكتابتها.. قمنا أولًا بطبع مجموعة &#8220;ذو الفقار&#8221; و&#8221;المعجزات القرآنية&#8221; و&#8221;المعجزات الأحمدية&#8221;، وبعنا بعضها واشترينا من هذا المبلغ الأوراقَ اللازمة لمجموعة &#8220;عصا موسى&#8221; وتم طبعها، ثم اشترينا الأوراق لمجموعة &#8220;سراج النور&#8221; وطبعناها، وقد استغرق هذا مدة سنة واحدة؛ وعندما قمت بنقل ثلاثين مجموعة إلى &#8220;أكريدر&#8221; قبضوا عليَّ وسلَّموني إلى الجهات العدلية في &#8220;أكريدر&#8221;، ولم تمض مدة طويلة حتى دُوهِم بيت &#8220;خسرو آلتن باشاق&#8221; من قِبَل الجهات العدلية لمدينة &#8220;إسبارطة&#8221;، حيث صودر جهاز &#8220;الرونيو&#8221; ومجموعاتُ رسائل النور وقُدّمنا إلى المحكمة قبل سنة، وفي النتيجة أُصدر علينا (خسرو وأنا وصديق آخر معنا) الحُكمُ بالحبس لمدة شهر واحد لقيامنا دون إذن رسمي بطبع كتب دينية غير ممنوعة، فقمنا بتمييز هذا القرار، وقبل أن تَظهر نتيجةُ التمييز جيءَ بي إلى سجن &#8220;أفيون&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا يراد في محكمتكم الموقرة إيقاعُ العقوبة بي لأنني قدمت هذه الخدمة لديني ولإخواني في الدين، وذلك للمسائل الواردة في رسالة &#8220;الشعاع الخامس&#8221; -التي كانت المحكمة قد أعادتها لنا- والتي تحتوي على شرح لبعض الأحاديث الشريفة، كما أن المدعي العام لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; اتهمني واتهم مؤلف الرسالة و&#8221;خسرو آلتن باشاق&#8221; مع ستة وأربعين طالبًا من طلاب النور بالإخلال بأمن البلاد، وبكتابة هذه الرسائل وقراءتها مُطالِبًا بإيقاع العقوبة بنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وكمواطن حقيقي في هذا الوطن فإنني سأتكلم في حضوركم دون أن أحيد عن الحقيقة وأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني طالب منذ عدة سنوات لأستاذي &#8220;سعيد النورسي&#8221; الذي أكنّ له احترامًا كبيرًا، فقد ربَّانا برسائله وهذَّب أخلاقنا الدينية ورقَّاها، ومع أننا ننظر إليه بصفة &#8220;مجدد&#8221; إلّا أنه يرفض هذا ويردّنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أشهد عن يقين بأنه لا توجد عنده ولا في رسائله ولا عند طلابه أية محاولة للقيام بإخلال أمن البلاد، ولا سيما أن أحد الاتهامات الموجهة إلينا كان بخصوص أثمان الكتب، وعندما اطلعتْ محكمة &#8220;إسبارطة&#8221; على الحقيقة في هذا الخصوص عن قرب لم تُصدِر بحقنا أيةَ عقوبة، ذلك لأننا لا نحتاج في معيشتنا إلى أثمان هذه الكتب أبدًا ولا نعتاش عليها، ونحب أن نقول لمحكمتكم الموقرة بأنها مقابل أثمان جهاز الاستنساخ &#8220;الرونيو&#8221; وأثمان الورق والحبر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن جهودنا هذه وخدمتنا النابعة من نيات صافية وفي سبيل اللّٰه تعالى لا يمكن أن تُشكِّل ذنبًا أو جُرمًا، لذا نطلب من محكمتكم الموقرة ومن ضمائركم الحية إعادة رسائل النور إلينا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>طاهري</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع زبير]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;زبير&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إنني متهم بتهمة تشكيل جمعية سرية وبالإخلال بأمن الدولة، ولأنكم سوف تقتنعون بما سأعرضه عليكم أدناه اقتناعًا كاملًا بأنني لم أقترف مثل هذا الجرم فإنني أردُّ هذه التهمة منذ الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إنني طالب من طلاب النور.. أقول هذا وأعلنه بكل سرور وقناعة، <strong>لأن إنكار هذا الأمر يتناقض تمامًا مع دروس الفضيلة التي لقنتني إياها رسائل النور،</strong> لذا فلست مستعدًا لاقتراف هذا الجرم، إن الشخص الذي يقرأ رسائل النور على الدوام لا يمكن أن يخفي قراءته هذه، بل على العكس من ذلك فإنه يفتخر بهذه ويعلنها دون تردد أو خشية، ذلك <strong>لأن رسائل النور لا تحتوي على أية جملة بل على أية كلمة توجب الخشية أو التردد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">كنت قد حاولت بيان قيمة رسائل النور في كراسةٍ تتألف من أربعين إلى خمسين صفحة.. لا أقول بأنني مدحتها.. ذلك لأنني لست قادرًا على إيفاء جزء صغير من رسائل النور حقَّها، فكيف بكل هذه الرسائل؟</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأنَّ هذه الرسائل تفسير حقيقي للقرآن الكريم الذي هو عقل الكون وشمسه التي نورتْ وأضاءتْ طريق البشرية وهَدَتْها وأرشدتْها منذ ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما ذكرت، فإن وجدتم موضعًا -أيًّا كان- حول الجمعية السرية في المؤلفات التي حاولتُ بيانَ قيمتها، يمكنكم إيقاع العقوبة بي لكوني آنذاك مروِّجًا لمؤلفات ضارة، ولكن <strong>رسائل النور هذه التي</strong> أُلّفت بشكل رائع وغير مسبوق، <strong>والتي</strong> حازت على رضى الشخصيات العلمية وتأييدهم، <strong>والتي</strong> تملك قدرةَ إصلاح مجتمع فاسد وتملك قابليةَ إرشادِ إنسانِ القرن العشرين وإنقاذه من الضلالة ومن المادية ومن الإلحاد ومن عبادة الطبيعة ومن حياة السفاهة ومن ظلمة الأفكار الدامسة التي تفضي إليها هذه المادية، وتفتح الرسائل بفيض من القرآن الحكيم ونور منه أبوابَ السعادة الأبدية والسلامةِ الأبدية للبشرية.. فإذا لم يكن في كليات رسائل النور أيّ موضوع يؤيد التُهم المسنَدة إليها، فإن صدور أي عقاب ضدي يعد تناقضًا مع أسس العدالة، وهذا -حسب قناعتنا- هو ما ستراه محكمتكم وستَقبله.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قيل في أثناء استجوابي: يُقال إنك من طلبة رسائل النور؟</p>
<p style="text-align: justify;">أقول: إنني لا أجد في نفسي لياقة لكي أكون طالبًا لأستاذ عبقري مثل &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221;، فإن قَبِل هو هذا فإنني سأقول بكل فخر: أجل إنني من طلاب رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">كثيرًا ما تعرَّض مؤلف رسائل النور -أستاذي الذي لا مثيل له &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221;- إلى افتراءات من قِبل أعدائه الخفيين وسِيق إلى المحاكم، ولكنه بُرّئ من قِبل جميع هذه المحاكم، وقد قامت هيئةٌ مؤلَّفة من الأساتذة ومن علماء الإسلام بتدقيق كل سطر بعناية في المجموعة الكاملة لرسائل النور، واعترفوا في تقاريرهم بأن هذه الرسائل مؤلفة عن علم كبير، وأنها تفسير حقيقي للقرآن الحكيم.. فإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يُساق إلى المحكمة مرة أخرى؟ سأقول لكم قناعتي التامة حول هذا الأمر:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين يقرؤون رسائل النور، ولا سيما من الشباب الواعي يكتسبون إيمانًا قويًّا، فيصبح متدينًا تدينًا لا يهتز ولا يتوانى عن أية تضحية، ويكون مُحبًَّا لوطنه، وعندما يوجد إيمان صلد في أي موضع كان فلا يكون هناك مجال للسفاهة وللسقوط الأخلاقي الذي يكون نتيجة طبيعية لبعض الأيديولوجيات الضارة، وكلما زاد عدد المتسلحين بهذا الإيمان القوي ضاق المجال أمام توسع الماسونية والشيوعية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور تقوم -استنادًا إلى آيات القرآن الكريم- بالبرهنة على مدى زَيف الفلسفة المادية التي يستند إليها الشيوعيون، وذلك ببراهين وحجج قوية وتبرهن مدى بُعدها عن الحق وعن الحقيقة ببراهين عقلية وفكرية ومنطقية، فتنير بذلك أذهان الذين سقطوا في ظلمة هذه الفكرة الفاسدة وتنقذهم، وتقوم بإثبات وجود اللّٰه للماديين الذين لا يؤمنون إلا بما يشاهدونه بأعينهم بأدلة قوية يستحيل إنكارها أو الاعتراض عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه الرسائل تستقرئ نفسها على طلاب الثانوية وعلى طلاب الجامعة بما تتمتع به من أسلوبٍ أخاذ وأصيل ومن أدب راقٍ.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا فقد أدرك الشيوعيون والماسونيون أن رسائل النور تشكل عائقًا قويًّا أمام أفكارهم السامة، لذا فإنهم يتوسلون إلى مختلف الافتراءات والدسائس لكي يزيلوا رسائل النور ويمنعوا قراءتها، لأنها مستند قوي ومنبع ثرٌّ للإيمان لكونها تفسيرًا حقيقيًّا للقرآن الكريم؛ ومع أنه لم تظهر هناك أية أمارة على ما أسندوه إلى رسائل النور كذبًا، فإنهم مستمرون على هجومهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ويظهر من هذا أنهم يرومون إخافتنا وإبعادنا عن رسائل النور، ومن جهة أخرى كي يقدموا لنا كتبهم المسمومة، وهكذا يستطيعون محو الإيمان وإزالته من أُمتنا ومن شبابنا لكي يتم الانهيار الأخلاقي، فيضمنوا بذلك سقوط الحكومة سقوطًا ذاتيًّا ويسلموا وطننا وأمتنا إلى دولة أجنبية، فهذا هو أملُهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أودُّ أن أعلن في حضور محكمتكم بكل صراحة ودون أي تردد: ليعلمْ هؤلاء جيدًا، بل ليرتجفوا خوفًا، ذلك لأننا لن نخشى ألاعيبهم ولا نخشاهم، لأننا رأينا الحق والحقيقة وتَعَلمناها من رسائل النور وآمنا بها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الشباب التركي يقظ غير نائم، وهذه الأمة التركية المسلمة لا يمكن أن تكون خاضعة تحت حُكم دولة أخرى.. إن الشباب المسلم الفدائي -استنادًا إلى قوة إيمانه اليقيني- لا يمكن أن يسمح ببيع وطنه.. إن الأمة التركية المتدينة البطلة والشباب التركي المؤمن لا يمكن أن يجبنا أو يخافا؛ لذا فإننا نقرأ رسائل النور وسنداوم على قراءتها لأنها تسمو بنا إلى أعلى مستوى من الخلق الإنساني وإلى أعلى مراتبها، ولأنها تعلّمنا -نحن الشباب- الدينَ الذي هو سبب رقيّنا في جميع المجالات، ولأنها تبث فينا محبةَ الوطن ومحبة الأمة وتربينا على القيم الدينية التي تجعلنا نضحي بكل ما نملك في سبيلهما.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما ذكرت سابقًا فإنني استفدت فائدة كبيرة من رسائل النور مع أنني قرأت جزءًا يسيرًا منها، ولو كنت أَملك ثروة لصرفتها في نشر المجموعة الكاملة لهذه الرسائل التي تُحقق فوائد كثيرة جدًّا للوطن وللأمة وللإنسانية جمعاء، ذلك لأنني على أتم استعداد للتضحية بكل ما أملك في سبيل ديني وفي سبيل السعادة الأبدية لوطني ولأمتي وفي سبيل سلامتهما.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أحس بفراغ كبير في نفسي ، في روحي، وبينما كنت أبحث عن كتاب لأقرأه وجدت رسائل النور التي ما إن قرأتها حتى علمتُ بأنني لن أستطيع بَعدُ مفارقتَها، إذ أحسستُ بأنها هي التي تسدُّ هذه الحاجة القلبية لديَّ، لأنني وجدت فيها البراهين والأدلة العقلية والإيمانية المنقذة من الشبه العلمية والإيمانية، وتخلصتُ بذلك من القلق ومن الضيق الذي كانت الشبهاتُ تُحدثه وتولده فيّ، وأدركتُ من هذه الحقائق أن رسائل النور كُتِبَتْ لإنسان هذا العصر.</p>
<p style="text-align: justify;">لكي يملك الإنسان المزايا السامية كالأدب الجَم والتربية الراقية فإن عليه أن يملك إيمانًا قويًّا، ولما كانت رسائل النور تَعرِض الحقائق الإيمانية بأدلة غاية في القوة وبأمثلة واضحة، <strong>فقد أحسست أن إيماني يقوى كلما قرأتها</strong>، وهذا أنقذني من السقوط في هوة الضلالة، وأنقذني من العدول عن ديني الجامع لكل جوانب الحق والحقيقة -وهما أُسسُ أرقى مدنية- وأنقذني من أن أكون لقمة سائغة يلتهمها الوحش الأحمر، <strong>لذا فهي تنقذ قراءها من كثير من المصائب المادية والمعنوية</strong>، وتعطي لهم عِلمًا يفوق العلم الذي يملكه خريج الجامعة، وتبث فيهم حُبَّ الإسلام وحُبَّ الوطن والأمة، وتعلمهم إطاعة اللّٰه والعمل الجاد والنشاط والرحمة؛ فأيما قارئ لها لا يتخلى عنها ولا يغادرها مهما كان الثمن، ولا يمكن إخراج مثل هذه المشاعر الخالصة نحو رسائل النور من احترام وتوقير من قلب أي شخص مهما كان.</p>
<p style="text-align: justify;">توصَف رسائل النور من قبل مقام الادعاء العام بأنها مؤلفات ضارة؛ وأنا أَحتج بشدة على هذه الفرية التي لا يقول بها مَن كان له نصيب من ضمير ووجدان.</p>
<p style="text-align: justify;">ويذكر الادعاء بأنني كنت أشجع على قراءة رسائل النور.. أجل.. هذا صحيح، ولكن قلوب جميع المثقفين دُميت من الافتراء الآخر، بل بكيت وصُرّتْ أسنانهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن القرن العشرين هو القرن الذي تسود فيه الأفكار المدللة عليها بالبراهين، إذ لا يَلتفت أحد إلى أي شيء، ولا يمكن الإيمان بأي شيء دون دليل ودون برهان، لذا نطلب من مقام الادعاء إثباتَ أن رسائل النور كتب ضارة.</p>
<p style="text-align: justify;">من بين المقاصد والغايات ما يشيعه الأعداءُ الخفيون من افتراءات هو كسر التساند والرابطة فيما بيننا، النابعة من مشاعر الحب والاحترام والتراحم للأخوّة التي تربط بين قراء رسائل النور، الذين ارتبطوا بروابط الإسلام من أجل خدمة القرآن فقط وليس من أجل أي هدف آخر.. إذا كانت هذه هي غايتهم فهم واهمون وعبثًا يحاولون.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا -باعتباري أكثرَ قراء رسائل النور عامية وأقلَّهم فهمًا وفي الصفوف الخلفية منهم- أقول جوابًا لهؤلاء: لو كان أحدنا في الشرق والآخر في الغرب.. لو كان أحدنا في الشمال والآخر في الجنوب.. لو كان أحدنا في الآخرة والآخر في الدنيا.. <strong>فإننا جميعًا معًا</strong>، <strong>ولو اجتمعت قوى الكون لما استطاعت أن تُبعدنا عن أستاذنا &#8220;سعيد النورسي&#8221; ولا عن رسائل النور ولا أن تُفرق فيما بيننا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأننا نخدم القرآن، وسنظل نخدمه، ولأننا نؤمن بحقيقة الآخرة، فإنه ما من قوة تستطيع قلع هذه المحبة وهذا التساند المعنوي فيما بيننا، ذلك لأن المسلمين جميعًا سيجتمعون في دار السعادة الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">دعوني أذكر لكم -إن ســمحتم- الحقيقةَ المهمة التالية باســمِ أمنِ وسلامة وطننا وأمتنا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن من ضمن الخطط السرية للشيوعيين هو تحريض الشعب ضد الحكومة، بجانب التقارير المزيفة الكاذبة التي تقدم للمسؤولين في الحكومة لإيداع &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; في السجن وإظهار أن مؤلفاته ضارة، فإن هناك محاولاتٍ لترويج دعايات كاذبة لا يصدِّق بها أيُّ فرد من أفراد الشعب.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأنَّ هذه الأمة مقتنعة تمامًا ومنذ سنوات عديدة أن &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; عبقري نادر من عباقرة الإسلام في هذا العصر، وأن له شخصية فذة من جميع الأوجه، فإن من المستحيل على أية دعاية أن تقضي على هذه القناعة الصحيحة أو أن تفسدها.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أحمد اللّٰه سبحانه وتعالى وأثني عليه بما يَسَّر لي بلطفه الاستفادة من مؤلفات أستاذ كبير، وأنا مَدينٌ من كل قلبي ومن كل كياني لهذا الأستاذ، حيث إنني أخذت دروسًا قيِّمة حول الإيمان وحول الإسلام، وأنا أتقبل بكل رحابة صدرٍ البقاءَ في السجن سنوات عديدة من أجل هذا الأستاذ الفاضل الذي قضى سنوات عديدة وشاقة وهو يكتب ويؤلِّف، لكي ينقذ شبابنا من أن يكونوا طُعمة للشيوعية وأن يكون السجنُ الانفرادي الأبدي مصيرَهم.</p>
<p style="text-align: justify;">منذ عشرين عامًا تقوم رسائل النور -التي هي تفسير للقرآن الكريم- بإعطاء دروس الإيمان والإسلام والفضيلة إلى ملايين الأفراد، وتقيهم من الإلحاد، فلو حُكم عليَّ بالإعدام في سبيل هذه الرسائل لأسرعتُ إلى المشنقة وأنا أهتف: &#8220;اللّٰه.. اللّٰه.. يا رسول اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور التي تصون شبابنا من الوقوع في أحضان الشيوعية والخروجِ من دينه والسقوطِ في مهاوي البلايا والمصائب التي تؤدي به إلى خيانة الوطن التي لا عقاب لها إلّا الإعدام رميًا بالرصاص.. <strong>إنني مستعد أن يُحكم عليَّ بالإعدام رميًا بالرصاص من أجل رسائل النور هذه</strong>، وأَنْ أُبرِز صدري لتلك الرصاصات دون خوف أو تردد، ولو قطّعوني بالخناجر إربًا إربًا في سبيل أستاذي &#8220;بديع الزمان&#8221; لدعوت اللّٰه أن يجعل دمائي المتناثرة حوالي تكتب: &#8220;رسائل النور.. رسائل النور&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن قراءة رسائل النور وتحصيل العلم فيها شيء مبتكر وأصيل في الحقيقة ولا يوجد ما يشابهه؛ ذلك لأنَّ أي تحصيل علمي آخر تكون الغاية من الاستمرار فيه هي المنفعة المادية أو الحصول على موقع ما، أي إن الدوام لهذه الدروس لا تكون عن رغبة بل -في الغالب- للحصول على منافع مادية أو على شهرة، <strong>أما رسائل النور فتشبه جامعة حرة غير منظمة،</strong> والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي، بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع هذا فإن رسائل النور التي هي مؤَلَّف علمي وإيماني جاد، تُقرأ بكل شوق وبكل لهفة، وتُقرأ بمتعة وسرور كبيرين، إلى درجة أن قرّاءها الصادقين يحسون برغبة لقراءتها مرات عديدة، وأن الذين استنسخوا رسائل النور وقرؤوها عندما سِيقُوا إلى المحاكم وأصبحت حياتهم في خطر، فإنهم اعترفوا بقراءتهم لها وبعزمهم على دوام قراءتها، ولو أيقنوا أن قرار الإعدام سيصدر بحقهم لَما تزحزحوا عن موقفهم الثابت هذا؛ وهذه الخاصية الموجودة في رسائل النور ضمن صفاتها الخارقة للعادة، لا بد أنها تجعلكم تتساءلون: أأرواحُ هؤلاء المعترفين رخيصة عليهم إلى هذا الحد؟!</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فهناك حقيقة سامية في رسائل النور وفي &#8220;بديع الزمان&#8221;، ولا بد من عدم وجود أمور ضارة في هذه المؤلفات، لأنهم لم ينكروا قراءتها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن طلاب المدارس يَدرسون دروسهم لوجود قوةٍ تفرض عليهم النظام والدراسة، أما &#8220;بديع الزمان&#8221; فلم يُجبِر أحدًا على قراءة رسائل النور، ولكن هناك مئات الآلاف من القراء أكثرهم لم يشاهدوه ولكنهم متعلقون به برابطة قوية لا تنفصم، وارتضَوا لأنفسهم أن يكونوا طلبة لرسائل النور وأن يتلقوا دروسهم عنها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن مثل هذا النظام الرائع وغير الاعتيادي للتدريس لم يشاهَد لا في التاريخ القديم ولا في التاريخ المعاصر ولم يُشاهَد في أية جامعة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">قال لي السيد المدعي: &#8220;إن الاحترام الذي تبديه نحو &#8220;بديع الزمان&#8221; لا تبديه نحو المفسرين الآخرين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا صحيح.. فإن الاحترام والتوقير يتناسب مع درجة الكمال، والمنّة والشكر يتناسب مع مقدار الفائدة المستحصلة، فإنَّ عِظَم الفائدة المستحصلة من مؤلفات &#8220;بديع الزمان&#8221; لا نراه في غيرها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الماسونيين والشيوعيين يحاولون أن لا نعرف وأن لا يَعرف شبابُنا خاصةً &#8220;بديعَ الزمان&#8221; الذي يُعَدُّ من أكبر المؤلفين والمفكرين المسلمين في القرن العشرين، ولكن الشباب التركي المسلم والأمة الإسلامية وشبابها الواعين عرفوا هذا الأستاذ الرائد واستفادوا منه وجعلوا غيرهم أيضًا يستفيدون منه.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا هو السبب في أن الارتباط القوي نحو &#8220;بديع الزمان&#8221; والثقةَ به لا يمكن أن تهتز أو تنفصم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكون رسائل النور تقوم بتفسير آيات القرآن الحكيم بمهارة فائقة وبلغتنا التركية دون أن تفقد هذه الآياتُ خصوصيتها التي تعد أكبر معجزة لها، فإن جميع طبقات الشعب رجالًا ونساءً، موظفين وأصحابَ حِرف، علماء وفلاسفة.. يستطيعون قراءتها والاستفادة منها؛ ومن جراء الفوائد التي يرونها فيها -كل حسب استعداده- يزداد تعلقهم بها، فالجميع يقرؤونها.. طلاب الثانوية وطلاب الجامعة وأساتذة الجامعة والفلاسفة، وفضلًا عن استفادة هذه الطبقة المثقفة فإنهم يتفقون ويُجمِعون على روعة بيان التأليف وأسلوبه في رسائل النور، فيزداد شوقهم لقراءة المجموعة الكاملة لهذه الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">إن جميع من تعرَّف حديثًا على &#8220;بديع الزمان&#8221; وعلى رسائل النور من أصحاب الإدراك السليم يأسَفون على عدم معرفتهم لها في السابق، ولكي يعوّضوا عن المدة التي فقدوها وتأخروا فيها، نراهم يستغلون الفرص المناسبة -وإن كانت خمس دقائق- ليقرؤوا رسائل النور باستمرار، ولمْ تُشاهَد مثل هذه الرغبة الشديدة ومثل هذا التعلق الشديد بمؤلفات أي عالم اجتماعي أو عالم نفسي أو فيلسوف، إذ لا يستفيد من هؤلاء سوى الأشخاص المتعلمين، فعندما يطالِع طالب في مدرسة متوسطة، أو امرأةٌ تعرف القراءة كتابًا لفيلسوف ما، فإنهم قد لا يستفيدون منه، <strong>ولكن الجميع -كل حسب قابلياته- يستفيدون من رسائل النور. </strong></p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن هناك أمة كاملة تنتظر بلهفة قراركم بتبرئة &#8220;بديع الزمان&#8221; و&#8221;طلاب النور&#8221;، ولو لم يقم &#8220;سعيد النورسي&#8221; بتلقين طلابه دروسًا في الصبر والتحمل لدى أوقات المحن والشدائد -مثلما جمع طلابه عندما كان قائدًا للحامية الفدائية في أثناء الحرب- فإن آلافًا من طلاب النور كانوا سيضربون خيامهم على تلول مدينة &#8220;أفيون&#8221; ينتظرون فيها قرار البراءة من محكمة الجنايات الكبرى في &#8220;أفيون&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">لم يستطع أحد حتى الآن إثباتَ أن نشاط &#8220;سعيد النورسي&#8221; ونشاط طلاب النور يدخل من الناحية القانونية في إطار نشاطِ جمعية سرية؛ فلماذا لا يمكن إثبات ذلك؟!</p>
<p style="text-align: justify;">أَفَيعجز شخصٌ يُعَدُّ رجلَ قانونٍ مختصٍّ ارتقى حتى وصل إلى مقام الادعاء العام عن إثبات ذلك قانونيًّا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">كلا.. إنه ليس عاجزًا عن ذلك أبدًا، ولكنْ نظرًا لعدم وجود تشكيلة لجمعية سرية، فإنه لا يكون بوسع أحدٍ أن يثبت وجود مثل هذه الجمعية.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قال المدعي العام في البداية: &#8220;طلاب النور ليسوا جمعية&#8221;، فكان رأيه هذا وحُكمه صائبًا وضمن الإطار القانوني، ولكنه عاد بعد قليل -ولا أحد يدري لماذا- وقال: &#8220;إنهم جمعية&#8221;.. وهذا تناقض، ولا شك أنه رأيٌ له لا حُكم، ونحن على يقينٍ بأن هيئة المحكمة تدرك هذه الحقيقة إدراكًا تامًا وأنها ستقرر أنه &#8220;لا توجد جمعية سرية تؤلف بينهم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لو كان من عادة القلب أن تتقطع في موقف الحزن والأسى لكان من المفروض أن يتمزق القلب إلى عدد ذراته أسًى ولوعة أمام خبرٍ عن شاب سقط في هاوية الإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن قرار التبرئة الذي سيصدر عنكم سيكون وسيلة فعالة لإنقاذ شباب الإسلام والعالم الإسلامي من هذه الآفة الرهيبة، وهذا هو أحد الأسباب التي تربطني برباط لا ينفصم مع &#8220;بديع الزمان&#8221; ومع مؤلفاته.</p>
<p style="text-align: justify;">إن القرار الذي ستصدرونه لتبرئة رسائل النور والسماح بتداولها سينقذ الشباب التركي والمسلمين من مصيبة الإلحاد، ذلك لأنَّ رسائل النور التي هي خزينة الحقائق السامية ستُعرف وستشتهر في يوم من الأيام في جميع أنحاء الدنيا دون شك، وعلى هذا الأساس فسوف تكونون محط تقدير الإنسانية جمعاء، وستكون الأجيال الحالية وأجيال المستقبل شاكرة لكم لقراركم بالبراءة، وستذكركم هذه الأجيال بكل تقدير كلما قرأتْ رسائلَ النور واستفادت من فيضها العظيم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعندما أقول لكم بكل إخلاص هذه الكلمات فأرجو أن لا يذهبن بكم الظن إلى أنني أنافق أو أتملق.. أبدًا ومطلقًا.. ذلك لأنني لا أخشى من أحد ولا أرهب أحدًا في المحكمة التي تحاكم &#8220;بديع الزمان&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ولكني أرجو منكم أن تسمحوا لي ببيان قصير:</p>
<p style="text-align: justify;">إن استمر المدعي في كيل هذه التهم الشنيعة بحق رسائل النور وبحق مؤلفها وقرائها مع أنها (رسائل النور) تُعَد علاجًا مؤثرًا ضد الشيوعية وضد الماسونية في هذا الوطن المبارك، وإذا لم يتخل عن اتهاماته الخاطئة تمامًا وسائر انفعالاته الشخصية وعواطفه الذاتية، فإنه يكون بذلك عونًا للماسونية وللشيوعية، وعونًا لترعرعهما وانتشارهما.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[جزء من اللائحة المقدمة إلى محكمة التمييز‌]</h3>
<p style="text-align: justify;">جزء من اللائحة المقدمة إلى محكمة التمييز‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور تقوم -عن طريق البرهنة- بتقوية الإيمان المتضعضع للذين تؤثر فيهم شبهاتٌ تَبُثُّها منشوراتُ منظماتِ الإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">إن سرًّا دقيقًا من أسرارِ تعلقِ الشباب وتمسكِهم برسائل النور وكأنَّ بهم مَسًّا من كهرباء هو الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قام &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; منذ سنواتٍ عديدة بإنكار ذاتٍ وتضحياتٍ لا مثيل لها وفي زمن شيخوخته ومرضه، (أي في مرحلة يحتاج فيها إلى الرعاية وإلى الاهتمام)، وبصبر وتحمل لا يوصَفان أمام جميع أنواع الاضطهاد والتعذيب من قِبَل أعدائه المتسترين من الماسونيين والشيوعيين ومن الذين انخدعوا بهم، وعَلِم بثاقب بصره وأدرك بملاحظته الواقعية المؤامراتِ المدهشةَ الخفية والدسائسَ المرعبة والخططَ المُحاكة ضد الإيمان، وعرف كيف يُحبط هذه الخططَ بمؤلفاته الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">لكن أليس من المُحزن وأليس من المؤلم أن يقاسي هذا الرائدُ الإسلامي وهذه الشخصية الكبيرة الفذة من عذاب السجون منذ خمسة وعشرين عامًا، ومن الحبس الانفرادي التام، وأن يحاوَل القضاء عليه؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن وإن قاسى مؤلف رسائل النور وعوقب نتيجةً للأوهام الناشئة من إهانات الشيوعيين ودسائسهم، فإن الإقبال المتزايد على قراءة رسائل النور بكل شوق سوف يدوم ويستمر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أول دليل وأكبره هو أن الشباب الذي قرؤوا رسالة &#8220;عصا موسى&#8221; التي استُنسخت بالأحرف الجديدة، بدؤوا بتعلم القراءة بأحرف القرآن لكي يستطيعوا قراءة الرسائل الأخرى، وهكذا هدموا سدًّا كبيرًا وهو الجهل بخط القرآن الكريم، هذا الجهل الذي كان مانعًا وعائقًا أمام تعلم الكثير من العلوم؛ وفضلًا عن إجبارهم على قراءة كثير من الكتب التي كتبت لإبعاد الناس عن الدين والإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">وحينما يقبل شباب أية أمة على القرآن وعلى العلوم التي تتنور منه، ويتجهز بهذه العلوم ويتسلح بها، <strong>فمعنى ذلك أن تلك الأمة بدأت تسير في طريق الرقي والتقدم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الشباب الظامئة أرواحُهم إلى الإيمان وإلى الإسلام، قد بدؤوا بمَلء أرواحهم بفيوضات رسائل النور التي هي تفسير للقرآن الكريم، وبذلك فإن الشباب الذين سيملكون إيمانًا يقينيًّا، وعن علم سيجاهدون الإلحاد والشيوعية، ولن يسمحوا أبدًا ببيع أوطانهم إلى أعداء الإسلام.</p>
<p style="text-align: justify;">لذلك فإنْ استطاع الشيوعيون أن يُفنوا ويقضوا على الورق وعلى الحبر، لقام شباب أمثالي أو شيوخ بفداء أنفسهم لأجل نشر رسائل النور التي هي خزانة الحقائق، حتى وإن اضطروا إلى أن يعملوا من جلودهم ورقًا ومن دمائهم حبرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، نعم، نعم.. ألفَ مرةٍ نعم.</p>
<p style="text-align: justify;">يقول المدعي العام ضمن اتهاماته: &#8220;لقد قام &#8220;سعيد النورسي&#8221; بتسميم أفكار شباب الجامعة بمؤلفاته&#8221;، ونحن نقول ردًا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لو كانت رسائل النور سمًّا، فإننا في حاجة إلى أطنان من هذا السُّمّ، وإذا كان يعرف مكانًا يَكثُر فيه هذا السمّ فليرسله إلينا على جناح السرعة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما نتعرض -نحن طلاب النور- إلى ظلم الظالمين ونحن نؤدي خدماتنا في سبيل الإيمان والإسلام، فإننا نفضِّل أن نسلم الروح في السجون وعلى أعواد المشانق وليس على فراش الراحة، لأننا نَعُدّ الموتَ ظلمًا في السجون -بسبب خدمتنا القرآنية- فضلًا إلهيًّا كبيرًا، ونفضل هذا الموت على العيش في حياةٍ ظاهرُها الحرية وباطنُها وحقيقتها استبداد مطلق.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>زبير كوندوز آلب</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من ولاية قونية</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ملاحظة</strong>: بعد إرسال هذا الدفاع ولائحةِ الدفاع المقدمة إلى محكمة التمييز، أَرسلت رئاسةُ محكمة التمييز برقيةً طلبتْ فيها إطلاقَ سراح &#8220;زبير&#8221; من السجن فورًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع مصطفى صونغور]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;مصطفى صونغور&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">طلَبَ مقامُ الادعاء إيقاع العقوبة بي أيضًا بتهمة انتسابي لجمعية النوريين وقيامي بتحريض الشعب ضد الحكومة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لا توجد جمعية باسم جمعية النوريين، ولست منتسبًا لأية جمعية من هذا القبيل. إنني منتسب إلى جمعية الإسلام المقدسة والعظيمة.. الجمعية الإلهية والنورانية التي تبشر الإنسانيةَ جمعاء بالسعادة الأبدية وبالسلامة الأبدية، والتي وضعها منذ أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة فخرُ الكائنات محمد (ﷺ)، والتي لها ثلاثمائة وخمسين مليون منتسب في كل عصر؛ وقد عقدتُ العزم -بحمد اللّٰه- بكل قوتي على إطاعة أوامره المقدسة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما رسائل النور التي اعتبر المدعي تتلمذي عليها ذنبًا وجُرمًا، <strong>فقد</strong> <strong>علّمتْني</strong> وظائفي الدينيةَ والإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعلمتْني</strong> أن الإسلام أسمى وأقدسُ دينٍ، وأنه السبيل الوحيد لسعادة البشرية،</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعلمتْني</strong> <strong>أن القرآن</strong> هو الأمر الإلهي النازل من رب العالمين سبحانه وتعالى، الحاضرِ الناظر في كل مكان، <strong>وأن</strong> الوجود بأجمعه بدءًا من الذرات وانتهاءً بالنجوم وبالشموس هو تحت قدرته وتحت إدارته الأزلية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعلمتْني</strong> <strong>أن القرآن</strong> معجزة إلهية يحيط نظرُه بكل الحوادث منذ الأزل إلى الأبد، <strong>وأنه</strong> أسمى من جميع الكتب، وكتابٌ معجزٌ من أربعين وجهًا، وكلامٌ أزليٌّ يبشر البشرية جمعاء بالسعادة الأبدية، فيجعل المشتاقين إليه يشعرون بعظم المنة عليهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأن الرسول (ﷺ)</strong> المرسَل من قِبَل رب العالمين كان بكل أحواله أكملَ الناس جميعًا وأصدقَهم وأسماهم في نواحي الكمال، <strong>وأنه</strong> قدم للناس جميعًا -بنور الإسلام- أكبر بُشرى وأقدسَ سلوان، <strong>وأنه</strong> أدار بسلطنته المعنوية خُمس نوع البشر منذ أربعة عشر قرنًا، ويُكتَب في دفتر حسناته جميعُ ما كسبتْه أمته من حسناتٍ منذ ألف وثلاثمائة ونيف من السنين، <strong>وأنه</strong> سببُ خلق الكائنات، <strong>وأنه</strong> حبيب اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعلمتْني</strong> <strong>أن الآخرة والجنة وجهنم</strong> حق وحقيقة، وذلك ببراهينَ وحجج باهرة مستقاة من القرآن المعجز.</p>
<p style="text-align: justify;">أما رسائل النور فإنها بكلماتها وجملها تشهد أنها فيض من نور القرآن الكريم ونور محمد (ﷺ)، وذلك بانتسابها للقرآن الكريم، وكونِها تفسيرًا خاصًا له، وبهذا الاعتبار فهي سماوية وعرشية.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن رسائل النور -المتهمة بأنها تحرّض الناس ضد الحكومة- بكل أجزائها كـ&#8221;الكلمات&#8221; و&#8221;المكتوبات&#8221; و&#8221;اللمعات&#8221; و&#8221;الشعاعات&#8221; إنما تعطي دروسًا حول الحقائق الإلهية وحول الدساتير الإسلامية وحول الأسرار القرآنية.</p>
<p style="text-align: justify;">فكيف إذن يُعدّ جُرمًا أو ذنبًا قراءةُ رسائل النور، وهي مؤلفاتٌ تعد في الذروة من ناحيةِ تدريسها وتلقينها للأخلاق الفاضلة والحقائق الإيمانية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهل يعد جُرمًا أو ذنبًا القيامُ باستنساخ هذه الرسائل التي تُهدي إلينا السعادة الأبدية، أو جَعْلُ أخ مؤمن يستفيد منها من الناحية الإيمانية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">أيعد هذا تحريضًا للناس ضد الحكومة؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهل زيارة مؤلِّف مثل هذه الرسائل المباركة الذي بلغ الذروة في الإيمان وفي الأخلاق وفي الفضيلة، أو تكوينُ أخوّة في سبيل القرآن الكريم مع طلاب النور المجهّزين بالإيمان الراسخ وبالعقيدة التي لا تتزعزع، والذين أخذوا على أنفسهم حفظَ شرف الإسلام وحقائقِ القرآن في هذا العصر والذين لا هدف لهم سوى اكتساب رضى اللّٰه.. أيُعدّ هذا تشكيلَ جمعية؟</p>
<p style="text-align: justify;">أيّ ضمير نقي وأي ضمير عادل يستطيع إصدار عقوبة على هذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن رسائل النور</strong> بجميع أجزائها -اعتبارًا من &#8220;الكلمات&#8221; و&#8221;اللمعات&#8221; وانتهاءً بـ&#8221;الشعاعات&#8221;- التي أقرَّ بها كبار العلماء، والتي تَهَب مرتبة إيمانية عالية وشوقًا إسلاميًّا كبيرًا لمن يقرؤها، ليست إلا <strong>تفسيرًا نورانيًّا للقرآن</strong> ذي البيان المعجز، وكل جزء من أجزائها <strong>شمس تزيل الأمراض</strong> المعنوية وتبدد الظلمات المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما أستاذنا مؤلفُ رسائل النور</strong> فقد أمضى حياته كلها في سبيل الإيمان وفي سبيل القرآن، وتحمَّلَ في هذا السبيل جميعَ أنواع الأذى والمصاعب، وحاول بنشره هذه الحقائق القرآنية في هذا العصر إنقاذَ أبناء هذا الوطن المبارك من الهجوم الشرس للشيوعية ولكل أنواع الإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن الصفحة البيضاء لحياته الخالية من أي نقص تشهد بأنه موظف ومؤهل للقيام حاليًّا بهذه المهمة المقدسة، فهو -حاشاه- لم يُلَقِّنّا دروسًا غير أخلاقية، ولا دروسًا في فن التخريب، بل لقننا دروسًا في إنقاذ الإيمان، وهذا ربما يشكل أكبر غاية وأهم هدف للبشرية على سطح الأرض.</p>
<p style="text-align: justify;">إن قيامه منذ ما يقرب من خمس وعشرين سنة بمحاولة إنقاذ إيمانِ مئاتِ الآلاف من الناس برسائل النور، ولا سيما من أمثالي من المساكين الذين لم نكن نعرف شيئًا عن الإسلام، وإعطاءنا دروسًا في الإيمان الذي هو السعادة القصوى والغاية من الحياة: يعد دون شك فضلًا إلهيًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول للذين يَقلبون الحقائق، فينكرون قيامه بهذه الخدمة المقدسة، ويرونه خطرًا على الحياة الاجتماعية:</p>
<p style="text-align: justify;">إنْ كان ذنبًا وجُرمًا قيامُه بإنقاذ الناس من آفات رهيبة كالتردي الأخلاقي والإلحاد وعدم الإيمان، وإرشادُ الناس إلى الإيمان وإلى السير في الطريق الذي رسمه اللّٰه تعالى، والدعوة إلى إطاعة أوامر الدين وإسعاد الناس بالسعادة الدائمية للإسلام.. إن كان هذا ذنبًا وجُرمًا فأنتم تستطيعون آنذاك القولَ بأنه ضار للحياة الاجتماعية، وإلّا فإن هذا الادعاء أكبر فرية، وهو جريمة لا تغتفر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور لا تستهدف الدنيا، بل تستهدف السعادة الأخروية الدائمة، وتستهدف نيل رضى اللّٰه الباقي الأزلي الرحيم ذي الجلال، الذي لا يشكل الحسنُ والجمال في الدنيا إلا ظِلًا خافتًا لجماله، ولا تشكّل لطائفُ الجنة جميعًا إلا لمعةً من محبته سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام مثلُ هذا الهدف الإلهي المقدس ومثل هذا الهدف السامي موجودًا، فإنني أبرِّئ رسائل النور وأنزهها ألف مرة من الوقوع في أمور سفلية ومحرمة تؤدي إلى نتيجة كتحريض الناس ضد الحكومة؛ ونحن نلوذ بحمى اللّٰه تعالى من شرور هؤلاء الذين لا يريدون منا أن نتعلم أمور ديننا ولا أن نخدم إيماننا، فيفترون علينا مثل هذه الافتراءات لكي يقضوا علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا يمكن أبدًا إطفاء نور رسائل النور</strong>.. وأكبر دليل على هذا هو أنه رغم المحاولات التي جرت منذ خمس وعشرين سنة للقضاء عليها، فإنها -على العكس من ذلك- انتشرت وسطعت أكثر، ذلك لأن صاحبها ومولاها هو اللّٰه ذو الجلال الذي بيده مقاليد كل شيء منذ الأزل إلى الأبد، ولأن حقائقها هي الحقائق القرآنية التي تَكفل اللّٰه تعالى بحفظها والعنايةِ بها، وستَبقى أنوارُها تتشعشع على الدوام إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إنْ كان جُرمًا قراءةُ رسائل النور واستنساخُها التي تُعلّمنا الإيمانَ والإسلام بكل شوق وبكل حُب، والتي لا هدف لها سوى مرضاة اللّٰه تعالى، والتي هي تفسير نوراني للقرآن المعجز البيان في هذا العصر.. وإنْ كان إعطاء هذه الرسائل -المشتملة على الحقائق الإيمانية- إلى إخوة مؤمنين جُرمًا.. وإنْ كانت الرابطة الدينية والأخوّة الإسلامية التي تجمع المؤمنين في سبيل مرضاة اللّٰه وفي طريق القرآن والإيمان والتي تعد من الأوامر القدسية للدين.. إنْ كانت هذه الرابطة في نظركم تعتبر تشكيل جمعية، فإن من دواعي سعادتي أن أكون منتسبًا لمثل هذه الجمعية، وهي سعادة أكبر من جميع المكافآت ومن جميع الأوسمة، وإنني أحمد اللّٰه تعالى حمدًا لا حدّ له لِمَا مَنّ على مسكينٍ مثلي بفضله وبلطفه هذه السعادة الكبيرة عندما جعلني طالبًا من طلبة رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وليس لي في الختام سوى القول: ﴿حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل﴾، ﴿حسبي اللّٰه لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>المعلم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى صونغور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لائحة دفاع &#8220;مصطفى صونغور&#8221; في محكمة التمييز‌]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>لائحة دفاع &#8220;مصطفى صونغور&#8221; في محكمة التمييز</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">١- لقد عدّت محكمة الجنايات الكبرى قيامي بقراءة رسائل النور واستنساخها وإعطاءها إلى أحد الإخوة المؤمنين المحتاجين ليستفيد منها، ذنبًا وجرمًا لأنني قمت -حسب الادعاء- بتحريض الشعب ضد الحكومة، علمًا بأنني سبق وأن قلتُ في دفاعي جوابًا على هذا الاتهام:</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور التي تعدونها تحرّض الناس ضد الحكومة ليست في الواقع إلا تفسيرًا حقيقيًّا للقرآن الكريم، فهي -بكل أجزائها- تعطي دروسًا في الحقائق الإيمانية، وتَهَبُ لكل من يقرؤها أو يستنسخها سعادة كبرى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولم يكن من هدفها أبدًا أمور دنيوية سافلة وفانية، كتحريض الناس ضد الحكومة، والتي هي من أعمال أصحاب الفتن وأعمال الساقطين، بل هدفها هو نيل رضى اللّٰه، وهو أسمى مرتبة للسعادة والحبور.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنني أفتخر لكوني خادمًا عاجزًا وطالبًا من طلاب رسائل النور التي أكسبتني عند قراءتها واستنساخها أحلى نعمة وأكبر فضيلة، وهي نعمة الإيمان وفضيلته.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني ذكرت أن تتلمذي على رسائل النور يعد أكبر فضل إلهي، وأنني أحمد اللّٰه تعالى وأشكره شكرًا دائمًا إذ أحسن بي هذه النعمة التي أسبغها على شخص فقير ومسكين مثلي، ومع ذلك فقد تم إصدار حكم بعقوبتي، لأنهم عدّوا ارتباطي بالإيمان وبالإسلام جُرمًا دون أن يستندوا إلى أي قانون وإلى أي دليل، فخالَفوا الحق والحقيقة مخالفة تامة وصريحة.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- إنني أَشهد أنه عندما كنت أدرُس في معهد &#8220;كول كوي&#8221; في &#8220;قسطموني&#8221; فإن بعض المعلمين كانوا يلقنوننا دروسًا إلحادية ويقولون لنا: إن محمدًا (ﷺ) -حاشاه- هو الذي كتب القرآن الكريم، وأن الإسلام في حكم المَلْغيّ، وأن المدنية تسير في طريق التقدم، لذا فإن من الخطأ الكبير ومن الرجعية اتباع القرآن الكريم، حتى إن أحد المعلمين قال لنا في أحد الأيام:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن المسلمين يقضون حياتهم في ألم وفي عذاب دائم لأنهم يصلون ويذكرون الآخرة، وأن جوًا من الكآبة يسود جوامع الإسلام على الدوام، بينما يقضي النصارى حياتهم في نشوة دائمة وفي جو من الموسيقى واللهو&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد كانوا يحاولون أن يقطعوا كل ما يربط بين قلوبنا وبين الإيمان والإسلام من روابط، وأن يُحِلّوا فيها بدلًا منهما الكفر والإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فبينما كنت محقونًا بمثل هذه الأفكار المسمومة، ومعرَّضًا لاغتيال إيماني بهذه الدروس الإلحادية الضارة إلى درجةِ أنني انسقتُ في تيار هذه الأفكار وبدأت أنشرها حوالي والعياذ باللّٰه، إذا بي أقرأ بعض رسائل النور التي تَستمد نورَها من القرآن الكريم والتي تَعرِض حقائقَ الإيمان وحقائق الإسلام ببراهين ساطعة وأدلة خارقة، وتبرهن على أن الدين الإسلامي كان دائمًا وسيلةً لسعادة الإنسان ولسلامته، وأنه شمس معنوية لن تنطفئ ولا يمكن إطفاء نورها، وإذا بهذه الرسائل تَطرد كل الأفكار المسمومة وتنشر في قلبي الإيمانَ، وفي ظل هذا الفرح الغامر والسعادة اللانهائية</p>
<p style="text-align: justify;">عرضتُ حالي على الأستاذ &#8220;بديع الزمان&#8221; مؤلفِ هذه الرسائل والشخصِ المشفق الوفي والرائد الحقيقي، وكيف أنني نجوت من حياة الغفلة والضلالة ورسوت على شاطئ الإيمان والنور، وكيف أن رسائل النور التي تُكسِبنا الإيمان الحقيقي تُعَدّ شمسَ الهداية لجميع الناس في هذا العصر ووسيلة سعادة لهم، وأنه بقيامه بتأليف هذه الرسائل ووضعِ نفسه في مثل هذه المهمة المقدسة إنما يقوم بخدمة إيمانية عظمى، وأنه بذلك يُعدّ نعمة إلهية كبيرة للبشرية جمعاء ولا سيما لأهل الإيمان، وأعلنت له عن أسفي الشديد وعن ألمي البالغ وعن نفوري الشديد لما تقدم به بعض العصابات الخفية من أتباع &#8220;الدجال السفياني&#8221; من اعتداءات شنيعة على القرآن وعلى الإسلام، وكيف أنهم -كما ذكرت آنفًا- يزيّنون الإلحاد لأبناء هذه الأمة الإسلامية البطلة ويحاولون هدم الأسس الإسلامية الإلهية المقدسة التي ترتبط بها الملايين من الناس، ويسعون إلى هدم سعادتهم الأبدية؛ وأبديتُ له أسفي البالغ ونفوري الشديد من هؤلاء المجانين الذين يصفقون لهؤلاء المفسدين ويهللون لتخريباتهم الظالمة والدنيئة، وخاطبتُ أصدقائي في الدراسة الذين دَاخَلَهم الشك قائلًا:</p>
<p style="text-align: justify;">هلموا لنتخلص من أهواء النفس هذه، ولنركع أمام حقائق القرآن، ولنُسرع إلى مدرسة النور المرشدة في هذا العصر إلى طريق السعادة، ولنترك أكاذيب هؤلاء السفهاء الكذابين.. هذه الأكاذيب التي سمعناها أشهرًا وسنين وصفقنا لها والتي قدموها لنا وكأنها هي الحقيقة نفسها، ولنجعل &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; أستاذًا لنا ونتمسك بدروسه بكل قلوبنا لكي نخرج من الظلمات إلى النور.</p>
<p style="text-align: justify;">أليس هذا الخطاب نابعًا من الفرحة التي استمدها من إيمانه ومن حب القرآن والإسلام والتمسك والاعتصام بهما، ومن الحب الكبير الذي يُكنّه لأمته، ومن الرغبة في أن يكتسب كل شخص إيمانًا حقيقيًّا لكي ينال السعادة اللانهائية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فهل الانتساب إلى اللّٰه والنظر إلى الإسلام كأسمى دين وكمنبع للفضيلة وبشارة للسعادة وإعلانُ ذلك يُعدّ جُرمًا؟</p>
<p style="text-align: justify;">في هذا الزمان بدأ هجومٌ هدَّام ومدمر على الإسلام وعلى القرآن من جميع الجهات، وبدأت الافتراءات تُكال للقرآن وللنبي محمد (ﷺ) ومحاولة النيل من تلك الذات السامية الرفيعة، في حينِ تُسمح بالكتب التي تنفث سموم الإلحاد والانسلاخ من الدين والأخلاق، وتُكال المدح والثناء لشُقاة من أعداء للإسلام تافهين عصاةٍ للّٰه، وتُذْكَر أعمالهم غيرُ المشروعة المبتدعةُ بالإعجاب والتقدير، وتُهمَل سمو القرآن وعلوه ورفعةُ شأن الرسول الكريم (ﷺ) وأحقيتُهما.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أن <strong>رسائل النور تبين</strong> وجود اللّٰه تعالى، <strong>وتبين أن</strong> موجوداتِ هذا الكون بأجمعها تشهد على وحدانية خالقها، <strong>وأنه</strong> واجب الوجود، <strong>وأن</strong> الإنسان بما جهزه اللّٰه من عقل وفكر أفضلُ مرآةٍ لأسماء اللّٰه الحسنى، لذا يُعدُّ سلطانًا على سائر المخلوقات، ولو انتسب الإنسان إلى اللّٰه وصان نفسه من الضلالة ومن السفاهة ومن كبائر الآثام لاستحق مرتبةَ ضيفٍ كريم في أعلى عليين وتنعّم بنعيم الجنة الخالدة الأبدية، أما إن كَفَر بخالقه ووقع في الضلالة وفي الغفلة وأشرك به وعصاه فإنه يكون أضل من الحيوان، ويستحق مرتبة أسفل سافلين في عذاب خالد في جهنم؛ <strong>وأن</strong> القرآن كلام اللّٰه الذي لا تتغير أحكامه ولا تتبدل أوامره؛ <strong>وأن</strong> الإسلام يأخذ بأيدينا إلى أفضل مدنية، وأن السعادة الحقيقية والدائمة لا يمكن أن تتحقق للبشرية إلّا باتباع أوامر القرآن والانتساب إليه..</p>
<p style="text-align: justify;">هذه هي الأمور التي أوضحتْها رسائلُ النور وبرهنتْ عليها بشكل قاطع، ومن هنا تَستمِد رسائلُ النور مكانتَها السامية، لأنها تقتبِس من معجزات القرآن ومن النور الإلهي.. فهل الإيمان بهذا ونشرُه والإعلانُ عنه يُعدّ جُرمًا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">والغريب أن قراءة الروايات والأساطير التي تُكتب لإلهاب الشهوات الفانية غير المشروعة ونشرَ الكتب التي تضر بسلامة الأمة وسلامة الوطن، والتي تهاجم الإسلام، ومن ثم مدح هذه الكتب وتقريظها والثناء عليها.. كل هذا مسموح به ولا يعد ذنبًا، ولكن قيامنا بقراءةِ واستنساخ رسائل النور التي تُعرِّفنا بشمس الإسلام -التي اهتدت بها مئاتُ الملايين من الناس ووجدتْ فيها السعادةَ الحقيقية- وتدعو إليها وتُعرّفنا بها وتبشر بالحقائق الإيمانية، ومدح هذه الرسائل والثناء عليها -مع أننا عاجزون عن إيفاء حقها من الثناء- يعدّ ذنبًا وجُرمًا!!</p>
<p style="text-align: justify;">فهل هناك إنسان يحمل في قلبه ذرة من الإيمان وذرة من الحرص على سلامة هذا البلد وهذه الأمةِ يستطيع أن يعد هذا ذنبًا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">حكامَ الجزاء المحترمين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه الدعوى المعروضة على مقامكم الرفيع هي في الحقيقة دعوى الإيمان والقرآن، ودعوى السعادة الأبدية والخلاص لملايين الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">إن جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وعلى رأسهم رسولنا الأكرم (ﷺ)، وجميع الأولياء وأهل الحقيقة وجميع أجدادنا المؤمنين الذين رحلوا إلى الدار الآخرة لهم علاقة من الناحية المعنوية بهذه الدعوى العظيمة، وأنتم اليوم تملكون في أيديكم فرصةَ اكتسابِ محبةِ أولئك الملايين من أهل الحقيقة ودعاءِهم وشفاعتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن الحقيقة السامية المسماة برسائل النور أمامكم، فهل المراتب والمقامات الدنيوية الفانية والسفلية هي غايتها؟ أم إن غايتها هي نيل رضى اللّٰه تعالى الذي هو السعادة العظمى والفرحة الكبرى والهناء التي ما بعدها هناء؟ أَوَ تحفز كلماتها الإنسان إلى الأخلاق الرديئة والهابطة أم تجهزهم بالإيمان وتجملّهم بالفضيلة وبالأخلاق السامية؟</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم تجدون رسائل النور أمامكم، وهي منبثقة من الإعجاز المعنوي للقرآن المبين الذي هو نور إلهي، فما دام اكتسابُ الإيمان، والانتقال بهذا الإيمان في الدنيا إلى سعادة الدار الآخرة أهمَّ غاية للإنسان، وما دامت رسائل النور تقدم -بفيض من القرآن- الحقائقَ الإيمانية وتقرّب مئاتِ الآلاف من قرائها ومستنسخيها إلى هذا الهدف، فلا مناص أمام عدالتكم السامية وحُبِّكم للحقيقة إلّا فهمُ الوجه القرآني، والوجهِ الحقيقي لرسائل النور وتقديرُ قيمتها الحقيقية، ومعرفةُ أن طلاب النور لا يَسْعون إلا لنيل رضى اللّٰه تعالى وأنه لا هدف لهم سواه.</p>
<p style="text-align: justify;">حكامَ الجزاء المحترمين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن أستاذنا العزيز &#8220;بديع الزمان&#8221; الذي ارتقى إلى أعلى مرتبة للفضيلة وللأخلاق الكريمة، يحاول بكل ما يملك من شفقة ورحمة وحنان إنقاذ الإنسان من الظلام الفكري الدامس ومن السجن الأبدي، وهو الذي تَحمَّل جميعَ صنوف الألم والعذاب في سبيل المهمة الملقاة على عاتقه لنشر الحقائق القرآنية.. أستاذُنا هذا يُرمَى في السجون دون وجه حقٍ وخلافًا للعدالة مع كونه مريضًا وشيخًا كبيرًا ووحيدًا دون أهل، مع أن غايته تنحصر فقط في إنقاذ إيمان الناس بما يملكه من علم كبير وذكاء خارق وإيمان رفيع وعبودية كبيرة. وإن قلب الإنسان لَيتفطر ألمًا مما قاساه هذا الشيخ المبارك المحب لخير الإنسانية في سجن &#8220;أفيون&#8221; من البرد القارس ومن الآلام الكبيرة والمضايقات العديدة مع أنه في الخامسة والسبعين من العمر، لذا فإننا ننتظر من عدالتكم السامية المرتبطة بالحقائق ومن حُبكم وتعلقكم بحب الإنسانية تجليَ الشفقة والرحمة للعدالة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى صونغور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع محمد فيضي]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;محمد فيضي&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى:‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد عدَّ المدعي العام كوني سكرتيرًا لأستاذي &#8220;سعيد النورسي&#8221; ومتعلقًا تعلقًا شديدًا به وبرسائل النور وقيامي بخدمة كبيرة في هذا المجال.. لقد عدّ ذلك تهمة تستوجب مساءلتي.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول إزاء هذا بأنني أَقبل هذه التهمة بكل ما أوتيت من قوة وأنني أفتخر بها، ذلك لأنني فُطرتُ على حب العلم والشوق إليه؛ والدليلُ على ذلك أنه عندما قاموا بتفتيش منـزلي في حادثة &#8220;دنيزلي&#8221; وجدوا فيه خمسمائة وثمانين من الكتب العلمية والعربية وسجلوها رسميًّا، ومع أنني شخص فقير وفي مقتبل العمر، ومعرفتي باللغة العربية لا تزال ناقصة، فإن عشقي للعلم ورغبتي الشديدة في التعلم هي التي دفعتني إلى اقتناء هذه الكتب المتنوعة التي لا توجد عند واحدٍ بالألف من الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">فطرتي العلميةُ هذه كانت تدفعني للبحث عن أستاذ وعن مرشد حقيقي، وحمدًا للّٰه حمدًا لانهاية له، إذ دلني على بُغيَتي عن قرب، فيما كنت أحسبه بعيدًا.. أجل إن حياة أستاذي &#8220;سعيد النورسي&#8221; تشهد أنَّ غايته الوحيدة هي الشوق العلمي واستحصال العلوم الإسلامية، وقد تأكدتُ من مشاهدتي ومن قراءتي لتاريخ حياته -وهو كتاب مطبوع- ومن المعلومات التي استقيتُها من طلابه القدماء أن رغبتي الفطرية في العلم موجودة لدى أستاذي بشكل خارق للعادة، إلى درجة أنه ما زال يحتفظ بصفة طالب العلم -خلافًا لجميع العلماء المتخرجين من المدارس الإسلامية القديمة- مما جعله قادرًا على تحمل جميع البلايا والمصائب.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأن أهل السياسة لم يفهموا الأحوال العجيبة لأستاذي؛ فقد سعوا لربط هذه الأحوال بنوع من السياسة التي لا علاقة له بها، حتى إنهم ألقوه في غياهب السجون، ولكن اللّٰه تعالى جعل هذا العشق العلمي الموجود لديه مفتاحًا للحقائق القرآنية، فظهرتْ رسائلُ النور التي أذهلت جميع العلماء والفلاسفة.</p>
<p style="text-align: justify;">في هذه الأثناء وجدتُ أستاذي في مدينة &#8220;قسطموني&#8221; بجانبي، أنا الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي بما فُطرتُ عليه من حب العلم، وأنا أَعدُّ هذا إحسانًا إلهيًّا سأظل أشكر اللّٰه تعالى عليه حتى آخر عمري؛ ولكي يحتفظ أستاذي بعزة العلم ومكانته فإنه لا يَقبل -ولم يكن يقبل في السابق أيضًا- الصدقاتِ والهدايا وما شابههما، ويمنع طلابه من ذلك أيضًا، ولم يُحنِ رأسه لأحد، ومن أوضاعه غير الاعتيادية أنه لم يرض في الحرب وهو في الخط الأمامي من جبهة القتال الدخولَ إلى الخندق حفاظًا على العزة العلمية، وأنه وقف أمام ثلاثة من القواد المرعبين<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> موقف الأستاذ المحافظ على عزته العلمية دون أن يبالي بغضبهم، بل أسكتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنت أعلم أن أستاذي هذا حافظ على شرف هذه الأمة وهذا الوطنِ وعلى شرف علماء الأمة التركية وضحى في سبيل ذلك بكل شيء فقد قبلته أستاذًا حقيقيًّا لي، ولو افترضنا فرضًا محالًا وقلنا: إن له مائة نقيصة، لكان علينا أن ننظر نظرة التسامح إليها، وألا نعترض عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قدّره الوطنيون -باسم الوطن وباسم الأمة- في عهد المشروطية، وكذلك الحال في العهد الجمهوري، ومثال تقديرهم لخدمات الأستاذ الجليلة للعلم هو: قيام حكومةِ الاتحاد والترقي بتخصيص تسعة عشر ألف ليرة ذهبية لمدرسة أستاذي &#8220;مدرسة الزهراء&#8221; في مدينة &#8220;وان&#8221; والتي أرادها أن تكون نظيرة &#8220;الأزهر&#8221;، ومع أن أساسها أُرسي إلّا أنّ بدء الحرب العالمية الأولى أدى إلى تأجيل بنائها، وقبل أربع وعشرين سنة قامت الحكومة الجمهورية -بعد موافقةِ وتأييدِ مائة وستين نائبًا- بتخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لبناء دار فنون الأستاذ (مدرسة الزهراء).</p>
<p style="text-align: justify;">وقيامُ هذا الأستاذ الكريم وحده بمحاولة إنشاء جامعة كجامعة الأزهر التي تعاون في إنشائها آلاف العلماء، واقترابُه جدًّا من تحقيق هذا الهدف، يحتِّم على جميع الوطنيين وعلى جميع محبي الأمة مع جميع علماء الدين تقدير هذا الأستاذ والثناء عليه، ولأننا قد ظفرنا بمثل هذا الأستاذ، فنحن مستعدون لتحمل جميع المشاق والمصاعب.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أكنّ لعلّامة الزمان هذا أخلصَ آيات التقدير والاحترام، لأنه استطاع بفيوضاته العلمية وبحقائق آثاره السامية التي تناهز المائة والثلاثين كتابًا مساعدتي في المضي في طريق العلم والإيمان، وسأظل أحمل له هذا التقدير إلى الأبد إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن التحريات استمرت لمدة أشهر لإثبات التهمة الموجهة إليّ من قبل الادعاء العام حول &#8220;استغلال الدين والمشاعر الدينية لغرض إنشاء جمعية سرية مخلة بأمن الدولة&#8221;، إلّا أن هذه التحقيقات لم تسفر عن شيء، ذلك لأن مثل هذه الجمعية لا وجود لها، ولا توجد لنا أية علاقة بأية جمعية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن علاقتنا الوحيدة هي مع رسائل النور التي دخلت في امتحان صعب في مواجهة قوانين الحكومة الجمهورية، ولكنها حصلت على البراءة من قبل المحاكم ذات الصلاحية، وعلى الاحترام والتوقير من قبل الهيئات المتخصصة، وهذه العلاقة لا تعدّ خيانة للوطن وللأمة، بل هي علاقة علمية نافعة للوطن وللأُمة، ولا يوجد أي هدف وأية نيَّة أخرى خارج هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على ذلك، ولكون موضوعِ براءتنا وإخلاصنا ظاهرًا تمامًا، فإننا نطالب محكمتكم العادلة السامية بإصدار قرار براءتنا مثلما فعلت محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; فتَحقق بذلك تجلي العدالةِ.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>محمد فيضي باموقجي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من قسطموني</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع أحمد فيضي]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;أحمد فيضي&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..</p>
<p style="text-align: justify;">أليس من حق المؤمن ومن واجبه الالتقاءُ بعالم ديني وقراءةُ كتبه المتعلقة بحقائق الدين واستنساخُ هذه الكتب والإسراعُ إلى نجدة إخوانه في الدين في سبيل خدمة دينه وقرآنه ورسوله (ﷺ)؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهل هناك أية مادة قانونية تمنعنا من أداء هذه الخدمة الدينية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهل يُعَدُّ ذنبًا قيام بعض الجهات بنقد التيارات الكافرة والتيارات غير الأخلاقية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">نحن طبقة متدينة من الشعب لا شائبة فيها، ولا علاقة لها مع السياسة ولا مع إدارة الدولة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ حملَ حُسنِ ظنٍّ تجاهَ شخصٍ ما وتقديرَه يُعدّ قناعة شخصية، ونحن نعتقد بأن &#8220;بديع الزمان&#8221; أكبر عالم ديني في زماننا هذا، ونراه رجل حقٍّ وحقيقة، قام بإيضاح حقائق الدين دون أي نفاق أو تملق لأحد.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إطلاقنا عليه صفة &#8220;المجاهد&#8221; فنابعٌ من خدماته الدينية ودفاعه ضد التيارات الهدامة للإيمان والأخلاق التي تهدد بلدنا مستندًا في ذلك إلى الحقائق القرآنية الراسخة.</p>
<p style="text-align: justify;">وليس بمقدورِ أحدٍ أن يؤاخذنا على قناعاتنا الوجدانية، ونحن في بلد يسمح بحرية العقيدة، لذا فنحن غير مضطرين إلى إعطاء الحساب لأحد.</p>
<p style="text-align: justify;">أما بخصوص موضوع الأشخاص الذين سيظهرون في آخر الزمان حسب ما ورد في الحديث النبوي فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إننا لم نخترع هذه المواضيع من عندنا، ذلك لأنها موجودة في الدين؛ فالرسول (ﷺ) يقول في بعض أحاديثه بأن عمر الأمة المحمدية لن تزيد كثيرًا عن الألف وخمسمائة سنة<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذه الأحاديث تصف كثيرًا من الحوادث التاريخية المهمة في حياة الأمة المحمدية وفي حياة الدنيا بأسرها، وذلك تحت عنوان: &#8220;علامات القيامة&#8221;، وهي تنبِّه الأمة المحمدية وتحذرها من شرورها، وتقول بأن الذين يقعون في هذه الشرور عن غفلة أو عن جهل سيقعون في الشقاوة وفي الهلاك الأبدي؛ وهناك أدلة دينية لا حدّ لها حول هذه الأمور.</p>
<p style="text-align: justify;">نحن أناس آمنا باللّٰه وبرسوله وبالقرآن، إذن فاستنادًا إلى هذا الإيمان واستنادًا إلى صدق الرسول (ﷺ) أفلا نعمل على خلاص أنفسنا من الهلاك الأبدي؟!</p>
<p style="text-align: justify;">أفلا نبصر ما يجري حوالينا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ألا نشرح هذا استنادًا إلى الحقائق الدينية ونتساءل: &#8220;هل جاء هذا الزمان الخطر؟!</p>
<p style="text-align: justify;">أنحن هذا الجيلُ المشرفُ على هذه المهالك والمخاطر؟ أنتجاهل البراهين الساطعة الموجودة أمامنا، ونتجاهل الحقائق الثابتة والحقائق العلمية التي تُثبت لنا الوجود الإلهي، ونترك ديننا وننساق وراء التيار الذي يَعد الإلحاد من أكبر أركان المدنية الأوروبية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وإنْ فعلنا ذلك فمن ينقذنا من الهلاك الأبدي؟ أنتجاهل هذا ولا نفكر فيه؟ أيمكن لمن يعتقد بأنه لا يوجد شيء فوق القرآن وفوق الحقائق القرآنية أن يرمي بنفسه إلى الهلاك الأبدي خوفًا من عقوبات فانية؟ وهل يمكن أن يهتم ببعض القيم الفانية؟ وهل يتخلى عن وظيفته في إيفاء الخدمة للّٰه ولرسوله ولدينه؟!</p>
<p style="text-align: justify;">هذه هي في الحقيقة العواملُ الحقيقية التي تربطنا بـ&#8221;بديع الزمان&#8221;، فهل هناك منبع ديني آخر نُزيل به عطشَ أرواحنا إلى حاجتها الأزلية؟&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">يوصينا المدعي العام المحترم بقراءة الكتب العربية والعلمية التي تزخر بها المكتبات والتي لا تتماشى مع روح عصرنا الحالي، وقد لا يعجب المدعي العام المحترم -ومن يفكرون مثله- بالخزينة العلمية المتمثلة بمجموعة رسائل النور وبالحقائق العالية والسامية التي تحويها هذه الرسائل.. قد لا تعجبه هذه الرسائل وقد ينتقدها، وهذا شيء راجع إليه، وهو حُرٌّ في ذلك، ولكنه لا يستطيع التدخل في حُبنا أو تفضيلنا لهذا الكتاب أو ذاك، فنحن نحب رسائل النور ونرى أنها كتاب دين حقيقي لا نفاق فيه، وأنها تفسير للقرآن الكريم.. إن مقاييس التفضيل والترجيح مسألة تقدير وجداني وقلبي لا يستطيع أحد أن يتدخل فيه.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إننا نعتقد بأن مؤلف رسائل النور يعطي درس الحقيقة نفسها، وأن إنكار المدعي العام لهذا وعدم قبوله لا يُضعف اعتقادنا هذا ولا يهزه، ونحن لا نتقبل رسائل النور من أجل كرامتها الكونية، بل من أجل ظهور الكرامة العلمية الكاملة التي تتحدى الأوساط العلمية في دروس النور، ومع أن تحصيل مؤلفها العلمي لم يتجاوز ثلاثة أشهر، فإنه يفيض علمًا وينشر هذا العلم، وهو يستخدم في خوارق علمه وفي أكثر المسائل العلمية تعقيدًا منطقًا عاليًا حيَّر أكبر المفكرين وأذهلهم، ويستخدم أسلوبًا جذابًا رائعًا ومشوقًا فياضًا بالحرارة نابضًا بالعشق وبالعواطف الجياشة، وذلك بلغةٍ تَعلّمها بعد منتصف عمره، حتى لتبدو كتاباته وكأنها بحر إيمان وخزينة توحيد ومحيط حكمة، فهل تستطيعون أن تَدلّونا على بديع زمان ثانٍ؟</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم تستكثرون علينا أن نَعد تمثالَ الفضيلة هذا أستاذًا لنا، وهو الذي لم يلتفت إلى بريقِ جميع الظواهر الفانية، ولم يسمح لنفسه التنـزلَ إلى أية منافع مهما كبرت، ولا إلى الأمور التي تُلوث الإنسان مهما كانت نداءاتُ هذه الأمور قوية، ولم ينتظر أو يتوسل من أحد شيئًا، ولم يقبل ما عُرض عليه، وأعطى أفضلَ مثال للعفة وللنـزاهة، وصبر على جميع أنواع المكاره والمضايقات، ونذر نفسه لإظهار الحقيقة وإظهار الأنوار القرآنية والمعارف المحمدية.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أمام آلام البلد والأمة فقد كان قلبه الرحيم يبكي ألمًا وشفقة، وعلى الرغم من كل أنواع الغدر والإهانة التي تَعرّض لها فإنه لم يتخل عن إيفاء وظيفته لإسعاد مَنْ حواليه؛ فعلى الرغم من شيخوخته ومن بؤسه فإنه بذل جهودًا مضنية وناضل بكل قوة في سبيل اللّٰه تعالى لإنقاذ الناس من غيابة الجهل ومن لجة الإلحاد؛ وفي هذا الوقت الذي ضاعت فيه المقاييس الأخلاقية فإننا نراه -بجانب كرامته العلمية المذكورة أعلاه- مثالًا للتضحية والإيثار، ومثالًا للاستقامة وللنـزاهة، وأنموذجًا يحتذى للكمال ومحرابًا للفضيلة.. أَتَرون هذا إفراطًا منا؟</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن هذه هي نظرتنا نحو &#8220;بديع الزمان&#8221; ونحو مؤلفاته، فهل ارتباطنا به الناشئ عن إيماننا، وهل اشتراكُنا مع آيات القرآن الكريم ومع الأحاديث النبوية الشريفة في تقبيح الكفر والانحدار الأخلاقي يجعلنا ملوثين بأوضار السياسة الفانية؟</p>
<p style="text-align: justify;">وهل يمكن إطلاق صفة الإفساد على أعمالِ إصلاحِ نفوسٍ بريئة لِقِسْم من أبناء هذا البلد الذين لم يتيسر لهم منذ خمسة وعشرين عامًا تعلُّمُ حقائق الدين؟ وهل إنقاذهم من الهلاك الأبدي وإبلاغهم عن اللّٰه وعن رسوله (ﷺ) وعن القرآن إفساد لهم؟</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;">نحن لسنا أرباب السياسة أبدًا، لأننا نرى أن السياسة تَحمِل آلاف البلايا والمخاطر والمسؤوليات لأمثالنا ممن هم خارج مسلك السياسة؛ ونحن أصلًا لا نُعير أيّ اهتمام بالمظاهر الفانية، لأننا لا ننظر إلى الدنيا إلّا من وجهها الخيِّر المؤدي إلى رضى اللّٰه، لذا فإننا نعترض بشدة على اتهامنا بالجري وراء السياسة ومعارضة الدولة، ولو كان هذا هو قصدنا وهدفنا إذن لكانت هناك أقل ظاهرة وعلامة على هذا في ظرف هذه السنوات البالغة خمسًا وعشرين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، نحن نحمل صفة معارضة، ولكنها معارضة ضد السقوط الأخلاقي وضد الإلحاد، وهذه المعارضة ناشئة عن اشتراكنا -بالضرورة- مع القرآن الكريم في شدة توبيخه وصرامة بيانه في هذه المواضيع.</p>
<p style="text-align: justify;">فإذا لم يكن بياننا للأسباب الموجبة التي شرحناها والنابعة عن الإخلاص وعن النية الصافية وعن الحقيقة كافيًا لإقناعكم، فأصدروا أيّ عقاب ترغبون فيه بحقنا، ولكن لا تنسوا أبدًا أن سيدنا عيسى عليه السلام الذي ينتسب إليه الآن ستمائة مليون نصراني قد حُكم عليه من قِبَل رجال الحُكم في ذلك العهد بالإعدام كأي لص عادي، مع أن قلبه كان يخفق لسعادة الإنسانية ولتبليغ الأمانة الملقاة على عاتقه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن كلامنا الحر هذا يدفعكم لإصدار عقوبة ضدنا، ولكننا سنستقبل هذه العقوبةَ وهذا الحُكمَ بكل فخر، وكل ما سنفعله هو أن نرفع يد الضراعة إلى قاضي الحاجات هاتفين: ﴿حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>أحمد فيضي قول</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من ناحية أُورْتَاقْلَارْ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع جيلان]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;جَيلان&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">إن مقام الادعاء العام الذي استهول الأمر وجعل من الحَبَّة قُبَّة خصَّني بحصة كبيرة من التُهم المزعومة الموجهة إلى رسائل النور، وقدمني بصورةِ رجلٍ سياسي خطر ورجلِ تآمر، لأنني قمت بخدمة أستاذي ورسائل النور، تلك الخدمة التي أفتخر بها في الحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول ردًّا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني على علاقة وثيقة بأستاذي &#8220;بديع الزمان&#8221; الذي استفدت فائدة كبيرة من قراءة كتبه الدينية والإيمانية والأخلاقية، إلى درجةِ أنني مستعد بتضحية نفسي وحياتي رخيصةً في هذه السبيل.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن هذه العلاقة لم تكن -كما زعم المدعي العام- علاقة ضارة بالوطن وبالأمة، ولا كانت في سبيل تحريض الشعب ضد الدولة، بل هي علاقةٌ وُثقى لا تنفصم أبدًا، لأنها من أجل إنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي للقبر الذي لا يمكن لأحد أن يجد منه مهربًا، وإنقاذِ إيمان أمثالي من إخواني في الدين في هذا الزمن الخطر، وتزكيةِ أخلاقهم وجَعْلِهم أعضاءً نافعين لهذا الوطن ولهذه الأمة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني من القريبين إليه؛ فقد خدمته على فترات متقطعة أربع سنوات، وأنا فخور بذلك؛ وطوال هذه المدة لم أشاهد منه إلّا الفضيلة الخالصة، ولم أسمع منه كلمة واحدة حول كونه مهديًّا أو مجددًا.. إن مئات الآلاف من رسائل النور ومئات الآلاف من طلبة النور الذين أنقذوا إيمانهم بقراءتها يشهدون على كمال تواضعه.</p>
<p style="text-align: justify;">فأستاذي المبارك هذا يرى نفسه طالبًا من طلبة النور، ويقدّم نفسه على هذا الأساس.. من اليسير ملاحظةُ ومشاهدةُ ذلك بسهولة من قراءة الرسائل الموجودة بين أيديكم، ولا سيما رسالة &#8220;الإخلاص&#8221; الموجودة ضمن مجموعة &#8220;عصا موسى&#8221;، إذ يقول فيها:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن الحقائق الباقية هي كالشمس وكالألماس، لا تُبنى على الأشخاص، ولا يمكن لأشخاص فانين أن يتملّكوها&#8221;؛ وهو يكرر هذا في كثير من رسائله وخطاباته، وليس من شأن العقل السليم أن يحكم أنه يدّعى الفخر والتباهي بنفسه أو أنه مهدي ومجدد.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا ما قرأتم الرسائل والمكاتيب بدقة وبإنصاف علمتم وتأكدتم أنه علّامة زمانه، هذا الذي قلما يجود الدهر بمثله في العلم بالدين، ولم يقابَل بنظيره كمنقذ للإيمان منذ عصور، فهو ذو عطاء وبركة للوطن والأمة تفوق ما يقدمه جيش كامل من المنافع، وبخاصة في عصر انتقلت إلينا الشرارات الحمراء للبلشفية تريد الْتِهامَ بلادنا.. فيا أسفًا إنني لم أحظَ بالتتلمذ على يديه وعلى هذه المؤلفات القيمة منذ نعومة أظفاري.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شاهدت في نفسي منافع جليلة لا تعد ولا تحصى من قراءة رسائل النور، لذا قمت بطبع رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221; في مدينة &#8220;أسكي شهر&#8221; وبإذن رسمي، وذلك لكي يستفيد أمثالي من أبناء هذا الوطن، أي قمت بخدمة وطنية سامية؛ وأنا أرغب أن أسألكم:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قمت -وأنا الشخص الفقير لرحمة اللّٰه تعالى- بطبع رسائل النور التي تُعدّ تفسيرًا حقيقيًّا للقرآن الكريم، وبعيدةً عن أي تجريح أو طعن من الآخرين، أي قمت بخدمة إيمانية، فهل من الحق وهل من العدل أن أقابَل بمثل هذه المعاملة الخشنة في الوقت الذي كان من المفروض ومن الضروري أن أقابَل بالتقدير؟</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أطلب من محكمتكم العادلة أن تُصدِر حكمها بإعطاء الحرية لنشر رسائل النور التي هي غذاء أرواحنا وسببُ نجاتنا ومفتاحُ سعادتنا الأبدية، وإذا كان قسمٌ مما ذكرته وعددته أعلاه يعدّ في نظركم ذنبًا أو جُرمًا، فإنني أود أن أبين لكم بأنني سأتقبل بصدرٍ رحبٍ أية عقوبة تصدرونها مهما كانت شديدة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>جَيلان جالشقان</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من أميرداغ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع مصطفى عثمان]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;مصطفى عثمان&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">ردًّا على التهمة الموجهة إليّ حول اشتراكي بفعاليات &#8220;بديع الزمان سعيد النورسي&#8221; المزعومة في تشكيل جمعية سرية، واستغلالِ المشاعر الدينية للإخلال بأمن الدولة وقيامِه ضد النظام القائم، أقول ما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أجل، لقد قمت -مثل طلاب النور- بالحصول على رسائل النور وقراءتها لكي أتعلمَ الأخلاق القرآنية التي هي شعار التربية المدنية والدينية اللائقة بالشرف التاريخي لأُمتنا التركية المسلمة، وأحفظَ ديني وإيماني من تأثير الأيديولوجيات الأجنبية، وأكون عضوًا نافعًا لوطني وأمتي.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد حلَّ الفساد والرذيلة محل الأخلاق التي عُرف به أجدادنا الذين سَجلوا مآثرهم في التاريخ، وبدأ هذا الفساد يستشري وينتشر ويُفسد الحياة الاجتماعية إلى درجةِ أن أصحاب الخُلق السيء أنفسَهم أصبحوا يتقززون من مثل هذا السقوط الأخلاقي المنتشر، الذي أقلق الرأي العام، وأصبح حديث المجالس في كل بيت، وحديثَ الصحف والمجلات التي تُعَدُّ لسانَ الرأي العام والمعبِّرَ عنه، ثم إن هذه الأحوال المؤلمة في انتشار سريع وقد أخذت طابع البلاء العام.. <strong>في مثل هذه المرحلة استطاعت رسائل النور أن تنقذني من السقوط الأخلاقي مثلما أنقذت جميعَ قرائها المسلمين</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أعطيتُ هذه الرسائل لمن طلبها مني بإصرارٍ -بعد أن عرف أنني قرأتها- وذلك لكي يستفيدوا من تهذيبها للأخلاق، وبعملي هذا ساعدت على إنقاذ كثير من الأفراد الذين كانوا على وشك الانحدار الأخلاقي، وعلى وشك أن يكونوا أعضاء مضرين بالوطن والأمة، فاستطاعت رسائل النور بتعليماتها وبتلقيناتها أن تنقذَ هؤلاء وأن تجعلَ أفرادًا مفيدين للبشرية، وتحصنَهم أمام الوباء الشيوعي الأحمر الذي بدأ ينتشر في بلدنا والذي بدأ العالم يرتجف منه رُعبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن &#8220;بديع الزمان&#8221; يُعدّ مجاهدًا معنويًّا يستحق التقدير والتبجيل، أما السلاح النوراني والفعال لهذا الجهاد فهو رسائل النور التي استطاعت في ظرف عشرين سنة أن تُحوِّل عشرين ألفًا من الأفراد -وربما أكثر- إلى أفراد مفيدين للوطن وللأمة، فكيف يكون حثّي على قراءة الرسائل ذنبًا، وكيف يكون تأليف رسائل النور تهمة في حق مؤلفها؟! أسأل هذا من ضمائركم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: أما ما ادَّعاه المدعي العام حول كون ذلك الحديث &#8220;موضوعًا&#8221; فهو حُكمٌ غير عِلميّ، لأن ذلك الحديث &#8220;صحيح&#8221; ووارد في كتب الأحاديث وعلماء الحديث يقبلونه.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي عهد المشروطية -أي قبل عهد الحرية- تقدّم اليابانيون والكنيسة الإنجليزية الإنكليكانية بأسئلة إلى علماء ذلك العهد، فقدِم علماء إسطنبول بهذه الأسئلة إلى &#8220;بديع الزمان&#8221; الذي أدرج تأويل هذا الحديث ضمن الرسالة التي أصبح اسمها الآن &#8220;الشعاع الخامس&#8221;، وإن قبول هؤلاء العلماء الأعلام بهذه الأجوبة وعدم اعتراضهم عليها يدل على صحة الحديث.</p>
<p style="text-align: justify;">وليس هذا الجزء فقط من رسائل النور، بل إن جميع الحقائق الواردة فيها وجميع دروسها قوية جدًّا، بحيث لا يستطيع عالِمٌ إسلاميٌّ حقيقيٌّ الاعتراضَ عليها، لذا نرى أن جميع العلماء الحقيقيين في هذا البلد -ومنذ عهد المشروطية- وعلى رأسهم رئاسة الشؤون الدينية اضطروا إلى تقدير هذه الرسائل وتوقيرها، لذا لا يمكن أن تُطمسَ حقائقها وبراهينها القوية من قِبَل فرد أو فردين ممن لا نصيب لهم من العلم الحقيقي، ولا يملكون من العلم إلا اسمه، بل سيكون هذا أمرًا مضحكًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور تُقرأ بكل تقدير في جميع أرجاء الوطن ومن قِبَل كافة طبقات الشعب لإنقاذ حياتهم الأبدية وإيمانهم، ولأن منافعها المادية والمعنوية ظاهرة وجليلة، لذلك فإن آلافًا من المواطنين الذين استفادوا وأعجبوا بحقائق القرآن وحقائق الإيمان يحملون عاطفة العرفان بالجميل والامتنان العميق لمؤلف هذه الرسائل.. فهل قيامُ بعض هؤلاء بكتابة رسائل إلى المؤلف -انطلاقًا من العرفان بجميله- وفهمُ الحديث الشريف الذي هو موضوع الاتهام استنادًا إلى الحقائق التي لا يمكن أن تُرد، والنظرُ إليه وكأنه قد تحقق في هذا الوطن بناءً على بعض الأفعال والآثار، وبيانُ تمنياتهم بأن لا يقع وطننا في أحضان الفوضى وفي أحضان هذا الخطر الأحمر: تُعدّ خيانة للنظام القائم؟! وهل هي نقد للانقلاب؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن هذا العالِم المُبجَّل دخل عدة محاكم بسبب هذه الافتراءات، وصدرتْ قراراتُها بتبرئته، إلا أنه لا يزال متهمًا بنفس التُّهم السابقة، ويُسجن في سجن انفرادي ويقدّم للمحاكمة، مع أنه شخص منـزوٍ ومتقدم في العمر وشخص وحيد، أما نحن فقد عُدّت مساعينا العلمية ومحاولاتنا لإنقاذ إيماننا دليلًا على أننا نحاول الإخلال بأمن الدولة، ونحن نتساءل من محكمتكم: أيُّ وجدانٍ وضميرٍ عادلٍ يستطيع إصدار مثل هذا القرار؟! نَدَعُ ذلك لضمائركم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: ولنأتِ إلى سبب التهمة الأخرى القائلة بأننا &#8220;نحمل صور بديع الزمان وكأنها صور مقدسة ونجمع خطاباته، ونرسل له الرسائل&#8221; نقول ردًا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن من حقي -كأي فرد آخر- أن أبعث له الرسائل وبطاقات التهنئة، وأن أصادق محبيه، وأن أحمل صورته.. ليس فقط صورته البسيطة، بل لو زينت صورته بإطار من الجواهر أو الذهب لكان شيئًا زهيدًا بجانب ما أسداه إليّ هذا العلامة الكبير من فضل، <strong>فقد أنقذ حياتي المعنويةَ والأبدية من الإعدام، وجعلني أتذوق السعادة في حياتي المادية،</strong> وأصبح بمؤلفاته وسيلة لإنقاذ إيمانِ آلاف الأفراد الآخرين مثلي.. هذا من حقي، ولا أظن أنه يُشكل ذنبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الختام أقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن رجال الأمن في ولايتين وفي أقضيةٍ عدة يشهدون بأن طلبة النور -الذين أنقذوا أنفسهم من الأخلاق السفيهة بقراءة رسائل النور، وأنقذوا غيرهم كذلك- قد خدموا طوال سنين عديدةٍ هذا الوطن وهذه الأمةَ خدمةً جليلةً لا يستطيع إيفاءها الآلاف من رجال الأمن، لذا فإنهم بدلًا من أن يروا التقدير والمديح، فقد أُسيءَ فهمهم، وعوملوا وكأنهم عملاء للأجانب، فقد اعتُقِلنا وقُدِّمنا للمحاكم، وتعطلت مصالحنا وأشغالنا، وتُركت عوائلنا وأطفالنا في وضعٍ بائس، فأية ديمقراطية تَرضى لعوائلنا هذا الوضع المفجع ولأطفالنا البكاء؟! وضميرُ أيّ حاكم عادل يرضى بهذا؟! أسأل هذا من محكمتكم ومن ضمائركم.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإنني أسأل باسم محكمتكم المحترمة وباسم الأمة التركية المجيدة وباسم مجلسه العادل الذي تعملون في ظله: أن تصدروا قراركم بحرية نشر رسائل النور التي لا يمكن أبدًا إنكار فوائدها ومنافعها الجمة، وأن تصدروا قراركم أيضًا ببراءتنا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى عثمان</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من صَفْرانْبُولُو</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع حفظي بيرم]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;حفظي بيرام&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة&#8221; أفيون &#8220;للجنايات الكبرى‌..</p>
<p style="text-align: justify;">إن التهم الموجهة إليّ هي قيامي بقراءة مؤلفات العالم الإسلامي &#8220;بديع الزمان&#8221; المتهم باستغلال المشاعر الدينية للإخلال بأمن الدولة، علمًا بأن هذه المؤلفات قيِّمة وذات نفع كبير للأمة وللبلد، وهي تعطي دروسًا مفيدة جدًّا عن الحقائق القرآنية والإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك قيامي بإعطاء بعض هذه المؤلفات إلى عدد من أصدقائي -نزولًا عند طلبهم- بعد أن اكتشفتُ مدى استفادتي منها من الناحية الدينية والأخلاقية، وذلك اتباعًا لشعارنا (أي مَبدئنا) في السعي لنيل الثواب والأجر بنشر هذه التربية الدينية والأخلاقية، وكذلك قيام بعض معارفي بإرسال رسائِل صداقةٍ أو رسائلَ علمية إلى عنواني.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه هي المعاذير التي تم الاستناد إليها لجعلي في الذنب مع المومَئ إليه.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أعترض على إيراد هذه المسائل كسبب للاتهام:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إنني لا أعتقد أن قيامي بقراءة رسائل النور بقصد التعلم وللحفاظ على ديني وإيماني، ولا قيامي بإعطاء هذه الرسائل إلى بعضهم بقصد التعلم ذنبًا أو جريمة؛ ذلك لأن هذه الرسائل مرَّت من محاكم عديدة وبُرِّئت من قِبَلها وأعيدت إلى مؤلِّفها، وهي رسائل حازت على تقدير علماء البلدان الإسلامية وعلماء بلادنا، وهي لا تحتوي على أفكار فاسدة كما زعم المدعي العام، فكل رسالة من هذه الرسائل تفسير مهم للقرآن الكريم من بدايتها وحتى نهايتها، وهي تدعو الناس إلى السمو الخلقي وإلى الفضيلة، وتعطي دروسًا إسلامية وتربية دينية بشكل مؤثر، فتكون سببًا لحفظ الأمم من السقوط في الهاوية.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فهي ليست كتبًا مفيدة لهذه الأمة ولهذا البلد وحده، بل هي أيضًا مفيدة للإنسانية جميعها من الناحية المعنوية، ذلك لأنه ما من أحد سجل حادثة ضارة للوطن أو للأمة أو ضد إدارة الدولة اشترك فيها طالب من طلاب النور في أي مكان أبدًا، ولم يسجِّل رجال الأمن والشرطة أيةَ حادثة من هذا القبيل ضدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم لا توجد هناك جمعية سرية لكي تكون قراءة رسائل النور قراءة سرية، ذلك لأن طلاب النور لا علاقة لهم بأية جمعية، علمية كانت أم سياسية، ظاهرة كانت أم سرية، حتى إن &#8220;بديع الزمان&#8221; ومعه العديد من طلاب النور قُدِّموا إلى محكمة الجنايات الكبرى في &#8220;دنيزلي&#8221; قبل عدة سنوات وبنفس هذه التهم، وقامت المحكمة ببحث دقيق وتحقيق عميق، ثم اضطرت إلى إصدار قرارها بتبرئة الجميع وتبرئة رسائل النور كذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا أدري كيف تُعد قراءةُ مؤلفاتِ مؤلِّفٍ صدر القرار بتبرئته وتبرئة كتبه.. كيف يعد ذلك دليلًا على جُرم كبير مثل جُرم الإخلال بأمن الدولة والسعي ضد النظام القائم، وكيف تكون سببًا للاتهام؟! وما هي درجة العدالة في هذا الأمر؟! أُحيلُ هذا السؤالَ إلى ضمائركم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: ثم هناك رسالة أخرى أُرسلت إليّ وأنا في السجن من قضاء &#8220;بايزيد&#8221; من شخص لا أعرفه، وأصبحت هذه الرسالةُ سببًا لاتهامي.. إنني لم أرَ هذه الرسالة، ولا أدري محتوياتها، فإن كانت إحدى رسائل النور فإني أقبل بها، اسألوا عنها لكي أجيبكم عن اتهامي هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ورد في كلمة المدعي العام شيء حول المهدوية، ولم أسمع هذا إلّا منه، أما أستاذي فهو بريء من هذه الادعاءات، فهذا الأمر لم يُرد لا في حديثه ولا في رسائله، وقد اعتاد في كل مناسبة التنبيه على طلابه بضرورة ابتعادهم عن تعظيمه أو إبداء احترام مفرط أو إعطاء رتبة عالية له؛ ونحن على يقين بأنه أفضل علماء عصره وأنه بريء من حُب الشهرة ومن حُب الجاه، فهو عالم أصيل.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>السجين</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>حفظي بيرام</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع مصطفى آجت]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;مصطفى آجت&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; الكبرى للجنايات..</p>
<p style="text-align: justify;">أُجيبُ عن الاتهام الموهوم الذي اتهم به الادعاءُ العام أستاذي &#8220;بديع الزمان&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">إن خدماتي لأستاذي ولرسائل النور ليست إلّا قطرة من بحر اللطف والإحسان الذي قوبلتُ به، فأنا لست نادمًا قطعًا بهذا الانتساب، فكما يُضحَّى بقطع زجاجية في سبيل كسب خزينة الألماس الثمينة جدًا، فإنني مستعد في كل وقت لأُضحي بحياتي في سبيل رسائل النور التي هي وسيلة لإنقاذ حياتي الأبدية، فلقد تحققت منافع أخروية ودنيوية لرسائل النور، لذا فإن التخلي عن تلك المنافع الجليلة، وإبداءَ الفتور تجاه رسائل النور وأستاذي المحترم، لئلا يصيب الحياة الدنيوية المضطربة القصيرة ضرر من سجن تافه ومضايقات لا تلبث أن تزول.. إنني أعدّ هذا التخلي إهانة عظيمة لأستاذي علّامة الزمان، ولغايته الوحيدة الجليلة التي هي خدمة الإيمان والقرآن؛ فأنا لا أريد قطعًا أن أخالف أوامره ولا أن أحيد عن إذنه.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ الحكام المحترمين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لِمَ تستهولون كوني طالبًا -مع فقري- لعالِم عظيم يجاهد البلشفية التي تحاول بث سمومها في وطننا العزيز؟! إن هذا بلا شك يُثبت أن الثروة التي يمتلكها النور تفوق كثيرًا ثروة الدنيا بأسرها، فأطلِقوا يد أستاذي ورسائل النور كي ينقذ ملايين الشباب من الأمة التركية، ليصبحوا أبناء نافعين للبلاد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن حاجتنا نحن شبابَ الأمة التركية إلى رسائل النور أكثر بكثير من حاجة المختنق إلى الهواء العليل، ومن حاجةِ من يعيش في الظلام الدامس إلى النور الواضح، ومن حاجة الجائع العطشان التائه في الصحراء إلى الماء السلسبيل والغذاء النافع، بل من حاجة الغريق إلى النجاة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا يتلاءم مع شرف العدالة إهدارُ وإفناءُ حياةِ &#8220;بديع الزمان&#8221; الذي كَسَب حُسنَ ظننا المفرط وتوجهَنا نحوه وارتباطنا الوثيق به، وإفناءُ ضعفاءَ أصبحوا طلابًا له بنية خالصة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في السجن</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى آجت من أميرداغ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع خليل جاليشقان]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;خليل جاليشقان&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..</p>
<p style="text-align: justify;">في لائحة الاتهام التي قدمها المدعي العام عدّ خدمتي لأستاذي كذنب كبير اقترفته.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أستاذي الذي قَدِم إلى بلدتنا ضيفًا سنة ١٩٤٤م وهو مقيم فيها منذ أربع سنوات.. إن أستاذي هذا قد ترك ومنذ أربعين سنة كل لذائد الحياة ومتاعها وراحتها ونذر نفسه لخدمة الإيمان والإسلام، ولا سيما لإنقاذ السعادة الأبدية للمسلمين في وطننا، ولوضع سد أمام الأفكار الضارة لدين هذه الأمة التركية المسلمة كالأفكار البلشفية التي لها أضرار مادية ومعنوية بليغة والأفكارِ الضارة الأخرى للوطن وللأُمة، وذلك بوساطة الدروس الإيمانية والأخلاقية لرسائل النور التي اعترف بفضلها جميعُ العلماء. فهل قيامي -وأنا فخور بذلك- بخدمة أستاذي بين حين وآخر طوال ثلاث سنوات يعد ذنبًا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنهم يرون أن تركي لمهنتي كخياط في سبيل هذه الخدمة ذنبٌ كذلك. ولئن ضحيتُ بحياتي في سبيل أستاذي وفي سبيل رسائل النور -التي أرشدتنا إلى الحق وإلى الحقيقة، والتي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم- فهل أُعدّ مذنبًا وخائنًا للوطن؟! أسأل هذا منكم.</p>
<p style="text-align: justify;">رئيسَ المحكمة الموقر..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأتُ بعض رسائل النور واستنسخت بعضها، وبدأت بحمد اللّٰه تعالى حمدًا كبيرًا بالاستفادة من هذه الرسائل، إذ كان قلبي منذ البداية متعلقًا تعلقًا كبيرًا بالعلم ومشتاقًا له، ومع أنني مرتبط بهذه الرسائل عن قرب، إلا أنني لم أجد فيها لا تحريضًا للشعب ضد الحكومة، ولا دعوة لتأسيس جمعية سرية تقوم بإخلال الأمن، ولم أسمع من أستاذي أيّ شيء حول دعوى المهدوية أو دعوى التجديد ولا أي تحريض ضد الأمن.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الهدف الوحيد والخدمة الوحيدة لرسائل النور ولأستاذنا ولنا نحن طلبة النور هي إيفاء خدمة مقدسة للإسلام، ولا سيما إيفاء خدمة مقدسة للأُمة التركية المسلمة من ناحية الإيمان والأخلاق؛ لذا فمن الضروري ومن الواجب عدمُ التعرض لرسائل النور ولطلابها من جراء خدماتهم هذه.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا هو هدفنا، وهذه هي غايتنا وليس شيئًا آخر، وإن إيفاءنا هذه الوظائفَ هو في سبيل الحصول على رِضَى اللّٰه تعالى؛ ومن الطبيعي أننا لا يمكن أن نؤدي هذه المهمة المقدسة في سبيل الدنيا وفي سبيل متاعها ومنافعها، ولا نتنـزل أصلًا لهذا. إن طلبة النور الطاهرين لا يشغل قلوبَهم أهدافٌ وغايات دنيوية، لأن قلوبهم مشغولة بالإيمان وبأمور الآخرة، لذا فإنه لم يخطر ببالنا أبدًا ما اتهمَنَا به المدعي العام من القيام بتشكيل جمعية سرية، ولا نتحمل مثل هذا الاتهام.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نعتقد بأنكم اقتنعتم بماهية أهدافنا وغايتنا نحن طلاب النور، واقتنعتم بعدم وجود أية علاقة لنا بالتهم التي أوردها المدعي العام، لذا فإننا نطلب من محكمتكم الموقرة ومن ضمائركم أن تعيدوا لنا كُتبنا، وتسمحوا بكونها حرة، وتصدروا قراركم ببراءتنا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>خليل جالشقان</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من أميرداغ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع مصطفى كول]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;مصطفى كول&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لست عضوًا في جمعية سرية، كما أن أستاذي &#8220;بديع الزمان&#8221; لم يشكل مثل هذه الجمعية، إذ قام على الدوام بإعطائنا دروسًا حول الحقائق القرآنية، وحظَّر علينا وبشدة أن تكون لنا أية علاقة بالسياسة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني فقط طالب للأستاذ الكبير &#8220;سعيد النورسي&#8221;، وأنا متعلق به وبرسائل النور من أعماق قلبي وروحي، وأنا مستعد لأية عقوبة في سبيل رسائل النور وفي سبيل أستاذي.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لقد أنقذ أستاذي برسائل النور إيماني وحياتي الأخروية</strong>، فغايته تنحصر في إنقاذ جميع المسلمين وجميع مواطنينا من الإلحاد لكي ينالوا السعادة الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ظهر بوضوح في جميع المحاكم بأنه لا توجد لنا أية علاقة بأي هدف سياسي، ومع أن هذه هي الحقيقة فلا نزال نُقَدَّم للمحاكم من دون سبب ومن دون وجه حق، ونحن نفهم من هذا أنهم يريدون تحطيم وحدتنا وتساندنا، مع أن تساندنا وتعاوننا لا يهدف أية غاية دنيوية أو سياسية، وكل ما في الأمر أننا نوقر أستاذنا توقيرًا كبيرًا، لأن كل من يقرأ رسائل النور يكتسب إيمانًا قويًّا وإسلامًا قويًّا وخلقًا وكمالًا عاليين.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن لا نملك إلّا أن نُكنّ لأستاذنا حُبًّا شديدًا، وأنا مرتبط بمثل هذا الأستاذ وبمثل طلاب رسائل النور هؤلاء بكل جوارحي، ولا يمكن لهذا الارتباط أن ينفصم أو ينقطع وإن شُنقت.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا مع جميع أخواني أبرياء، ونحن نطالب وبكل قوتنا بحرية رسائل النور، وأنا أطالب بتبرئة أستاذنا الكبير وتبرئة إخواني الأبرياء من طلبة النور وتبرئتي كذلك.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى كول</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>من إسبارطة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع إبراهيم فاقازلي]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع &#8220;إبراهيم فاقازلي&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى..</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الحكام المحترمون..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن التهمة الموجهة إلينا باطلة أولًا، وتتعلق بالدنيا، فهي سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا شك أنكم -أيها الحكام المحترمون- قد عرفتم مِن نظرتكم الأولى لنا بأننا لسنا من الذين يعملون في ميدان السياسة، ولو قام المئات من ذوي الصلاحية بتوكيد هذه التهمة السمجة والغريبة عنا، ولو كان عقلي أكبر بمئات المرات من عقلي الحالي، لكان التأثير المعنوي الذي تركتْه لديّ رسائلُ النور ومؤلِّفُه الموقر كافيًا لي لكي أهجر لذة السياسة المؤقتة والفانية، وأهرب بكل كياني ووجودي إلى الطريق المؤدي إلى الآخرة، وإلى الطريق المؤدي إلى النجاة من جهنم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن علاقتنا.. سواء أكانت مع مؤلف رسائل النور المبجل واحترامَنا له أو قراءتنا لرسائل النور واستنساخها أو علاقتنا وارتباطنا مع طلاب النور.. <strong>هذه العلاقات كلها علاقات أخروية</strong>، وقد أقرت محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; للجنايات الكبرى ومحكمة التمييز العليا هذا الأمرَ وصادقتْ عليه، وإن الأفكار التي استلهمناها من رسائل النور تدعونا بأن لا نفرط في هذه العلاقة النورانية، وأن لا نستبدلها بأي عرض دنيوي ومادي، وسيبقى إيماننا هذا معنا حتى آخر لحظة من أعمارنا.</p>
<p style="text-align: justify;">هيئةَ المحكمة الموقرة..‌</p>
<p style="text-align: justify;">ما دمنا قد جُمعنا ها هنا بسبب هذه التهمة المذهلة، فإنني أرى أن ضميري وحُبي لبلدي يُحتِّمان عليَّ أن أُبين لكم هذه الحقيقة المهمة:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شاهدت في أوساطنا وفي البيئة التي أعيش فيها مدى الإصلاحات الكبيرة التي أنجزتْها رسائلُ النور، وشاهد الناسُ هذا كذلك، ففي أثناء ما يزيد عن عشر سنوات عرف العديد من الأفراد -وأنا منهم- الطريقَ إلى بيوتهم والاهتمامَ بعوائلهم، وتركوا الأمور الشائنة وعرفوا طَعم السعادة العائلية، وآباءُ هؤلاء وأمهاتهم يرفعون الآن أيديهم بالدعاء لمَنْ كان السبب لمثل هذا التحول، وتستطيعون أن تسمعوا المزيد حول هذا الأمر من أهالي ولايتنا وما يجاورها.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما دخلتْ رسائلُ النور إلى سجن &#8220;دنيزلي&#8221; كان تأثيرها في المسجونين إيجابيًّا جدًّا، ولا يزال هذا التأثير الإيجابي أحاديثَ الناس، وكذلك عندما دخلتْ إلى سجن &#8220;أفيون&#8221; رأيت كل سجين أتحدث معه يدعو لطلاب النور بالخير، ويذكر لي الفرق الكبير بين أحوالهم السابقة وأحوالهم الحالية.. هذه حقائق ملموسة وموجودة أمام جميع الأنظار.</p>
<p style="text-align: justify;">والحقيقة أنني أستغرب جدًّا كيف يمكن أن يقال: إنني أشتغل في ساحة السياسة لمجرد أنني قمت بإرسال خطابات مَحَبّةٍ إلى مؤلف رسائل النور المحترم؟!</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الرسائل التي كانت مفيدة لي ولجميع أبناء جنسي من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، ومن ناحية الحياة الأخروية، لكونها تفسيرًا حقيقيًّا للقرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">أو لأنني قمت بإرسال رسائلِ محبةٍ إسلامية ورسائلِ سلوان إلى بعض مواطِنِيَّ؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول وسط هذه الدهشة والاستغراب بأنه لا يمكن أن يكون هذا العمل موضع تهمة أو ذنب، والاحتمالُ الوارد هنا هو أن أعداء القرآن الكريم -وبالتالي رسائل النور- المتخفين هم الذين نفثوا الأوهام والظنون والخوف منا، في نفوس موظفي جهاز العدل وجهاز الأمن، لكي يُلقوا بنا في غياهب السجون، ولكن سيَعرف الحكام المحترمون هذه الحقائق دون شك، وسيضعون أيديهم على ضمائرهم لكي يُصدِروا قراراتهم العادلة التي لها ثواب كبير عند اللّٰه تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">وسيجعلون الأمة التركية المسلمة التي تنتظر هذه القرارات بكل اهتمام في جميع أرجاء هذا الوطن.. ممتنة وشاكرة لهم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>إبراهيم فاقازلي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود: القائد خورشيد باشا في المحكمة، والقائد الروسي نيقولا نيقولافيج، ومصطفى كمال.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إشارة إلى الحديث النبوي (إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم).</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-4-4-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%b7%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2650</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الرابع عشر‌ [3/4]: رسائل من السجن</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-3-4-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-3-4-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d8%25a6%25d9%2584-%25d9%2585%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d8%25ac%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-3-4-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 10 Jul 2025 12:05:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2646</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 – 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم] [هذا القسم هو جزء ثالث من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن رسائل بَعَث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه حين &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 </strong><strong>– 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم]</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم هو جزء ثالث من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن رسائل بَعَث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه حين كانوا جميعًا في سجن أفيون]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2647" aria-describedby="caption-attachment-2647" style="width: 720px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2647" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن-شعاع14.jpg" alt="كل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن، يمكن أن يُكسِب المرءَ ثوابَ عبادة عشرة أيام، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين.وهذا الربح العظيم مشروط لأهل الإيمان بأداء الفرائض، والتوبة إلى اللّٰه من الذنوب والمعاصي التي دفعته إلى السجن، والتوجه إليه تعالى بالشكر صابرًا محتسبًا، علمًا أن السجن نفسَه يحول بينه وبين كثير من الذنوب." width="720" height="960" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن-شعاع14.jpg 720w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن-شعاع14-225x300.jpg 225w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /><figcaption id="caption-attachment-2647" class="wp-caption-text"> كل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن، يمكن أن يُكسِب المرءَ ثوابَ عبادة عشرة أيام، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين.<br />وهذا الربح العظيم مشروط لأهل الإيمان بأداء الفرائض، والتوبة إلى اللّٰه من الذنوب والمعاصي التي دفعته إلى السجن، والتوجه إليه تعالى بالشكر صابرًا محتسبًا، علمًا أن السجن نفسَه يحول بينه وبين كثير من الذنوب.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[الشعاع الرابع عشر: 3/4]</h1>
<h1 style="text-align: center;">[رسائل من السجن]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسائل من السجن</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أنوارُ سلوانٍ ثلاثة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا..</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الإخوة الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد رأيت أنوارَ سُلوانٍ ثلاثةً، أبينها في نقاط ثلاث للذين ابتُلوا بالسجن ومن يقوم بنظارتهم ورعايتهم ومن يعينهم في أعمالهم وأرزاقهم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[السجن يمكن أن يكون وسيلة نجاة أخروية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الأولى</strong>: أن <strong>كل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن، يمكن أن يُكسِب المرءَ ثوابَ عبادة عشرة أيام</strong>، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية -من حيث النتيجة- إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا الربح العظيم <strong>مشروط لأهل الإيمان بأداء الفرائض</strong>، <strong>والتوبة</strong> إلى اللّٰه من الذنوب والمعاصي التي دفعته إلى السجن، <strong>والتوجه إليه تعالى بالشكر صابرًا محتسبًا</strong>، علمًا أن <strong>السجن نفسَه يحول بينه وبين كثير من الذنوب</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[زوال الألم لذة]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: أن <strong>زوال الألم لذةٌ، كما أن زوال اللذة ألمٌ</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كل من يفكر في الأيام التي قضاها بالهناء والفرح يشعر في روحه بحسرة وأسف عليها، حتى ينطلق لسانُه بكلمات الحسرات: أواه.. آه.. بينما إذا تفكر في الأيام التي مرت بالمصائب والبلايا فإنّه يشعر في روحه وقلبه بفرح وبهجة من زوالها حتى ينطلق لسانه بـ: &#8220;الحمد للّٰه والشكر له، فقد ولّت البلايا تاركةً ثوابَها&#8221;، فينشرح صدره ويرتاح.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إنّ ألمًا مؤقتًا لساعة من الزمان يترك لذة معنوية في الروح، بينما لذةٌ مؤقتة لساعة من الزمان تترك ألمًا معنويًّا في الروح، خلافًا لذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هذه، وساعاتُ المصائب التي ولّت مع آلامها أصبحت في عِداد المعدوم، وأنّ أيام البلايا لم تأتِ بعدُ، فهي أيضًا في حكم المعدوم.. وإنّه لا ألمَ من غير شيء.. ولا يَرِدُ من العدم ألمٌ.. فمن البلاهة إذن إظهار الجزَع ونفاد الصبر الآن، من ساعات آلامٍ ولّتْ، ومن آلامٍ لم تأتِ بعدُ، علمًا أنها جميعًا في عِداد المعدوم.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن الحماقة أَيضًا إظهار الشكوى من اللّٰه وتركُ النفس الأمارة المقصّرة من المحاسبة، ومن بعد ذلك قضاءُ الوقت بالحسرات والزفرات.. أَوَ ليس من يفعل هذا أَشدَّ بلاهةً ممن يداوم على الأكل والشرب طَوالَ اليوم خشيةَ أَنْ يجوع أو يعطش بعد أيام؟</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنّ الإنسان إن لم يُشتِّتْ قوة صبره يمينًا وشمالًا -إلى الماضي والمستقبل- وسدَّدَها إلى اليوم الذي هو فيه، فإنها كافيةٌ لتحل له حبالَ المضايقات.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنني أَذكر -ولا أَشكو- أَنّ ما مرَّ عليَّ في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> في غضون أيامٍ قلائل من المضايقات المادية والمعنوية لم أَرها طوال حياتي، ولا سيما حرماني من القيام بخدمة النور مع ما فيّ من أمراض، وبينما كان قلبي وروحي يعتصران معًا من الضيق واليأس، إذا بالعناية الإلهية تمدني بالحقيقة السابقة، فانشرح صدري أيّما انشراح، وولّت تلك المضايقات، فرضيتُ بالسجن وآلامه والمرض وأَوجاعه؛ إذ مَن كان مثلي على شفير القبر يُعَدّ ربحًا عظيمًا له أن تتحول ساعةٌ من ساعاته التي يمكن أن تمر بغفلة إلى عشر ساعات من العبادة.. فشكرت اللّٰه كثيرًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إعانة السجناء صدقة مأجورة]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong>: إن القيام <strong>بمعاونة المسجونين</strong> بشفقة ورأفة وإعطاءهم أرزاقهم التي يحتاجون إليها وضماد جراحاتهم المعنوية ببلسم التسلّي والعزاء، مع أنه عمـل بسيـط، إلّا أَنّه يحمل في طياته ثوابًا جزيلًا وأجرًا عظيمًا.. حيث إن <strong>تسليم أرزاقهم</strong> التي تُرسل إليهم من الخارج يكون <strong>بحكم صَدقة</strong>، وتُكتب في سجل حسناتِ كلِّ مَن قام بهذا العمل، سواءٌ الذين أَتَوا بها من الخارج أو الحراس أو المراقبون الذين عاونوهم، ولا سيما إن كان المسجون شيخًا كبيرًا أو مريضًا أو غريبًا عن بلده أو فقيرًا معدمًا، فإن ثواب تلك الصدقة المعنوية يزداد كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وهذا الربح العظيم مشروط بأداء الفرائض</strong> من الصلوات لتُصبح تلك الخدمة لوجه اللّٰه.. <strong>مع شرط آخر</strong> هو أن تكون الخدمة <strong>مقرونة بالشفقة والرحمة والمحبة</strong> <strong>من دون أَن يحمّل شيئًا من المنّة</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الشباب في أمسّ الحاجة إلى رسائل النور]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>حاشية صغيرة لرسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>المسجونين هم في أمَسِّ الحاجة إلى ما في رسائل النور</strong> من سلوان حقيقي وعزاء خالص، ولا سيما أولئك الشبان الذين تلقَّوا صفعات التأديب ولطمات التأنيب بنَـزواتهم وأهوائهم، فقضوا نضارةَ عمرهم في السجن، <strong>فحاجة هؤلاء إلى النور كحاجتهم إلى الخبز</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إيقاظٌ للشباب]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن عروق الشباب تنبض لهوى المشاعر، وتستجيب لها أكثرَ مما تستجيب للعقل وترضخ له، وسَورات الهوى -كما هو معلوم- لا تبصر العقبى، فتُفضِّل درهمًا من لذة حاضرة عاجلة على طنٍ من لذة آجلة، فيُقْدِم الشابُّ بدافع الهوى على قتل إنسان بريء للتلذذ بدقيقة واحدة من لذة الانتقام، ثم يقاسي من جرائها ثمانيةَ آلاف ساعة من آلام السجن.. والشاب ينساق إلى التمتع لساعة واحدة في اللهو والعبث -في قضيةٍ تخص الشرف- ثم يتجرع من ورائها آلام ألوف الأيام من سجنٍ وخوفٍ وتوجسٍ من العدو المتربص به.. وهكذا تضيع منه سعادةُ العمر بين قلق واضطراب وخوف وآلام.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى غرار هذا يقع الشباب المساكين في ورطات ومشاكل عويصة كثيرة حتى تُحوّل ألطفَ أيام حياتهم وأحلاها إلى أمرّ الأيام وأقساها، وفي حالة يرثى لهم ولا سيما بعد أن هبّت عواصفُ هوجاء من الشمال تحمل فتنًا مدمّرة لهذا العصر؛ إذ تستبيح -لهوى الشباب الذي لا يرى العقبى- أعراضَ النساء والعذارى الفاتنات وتدفعهم إلى الاختلاط الماجن البذيء، فضلًا عن إباحتها أموالَ الأغنياء لفقراء سفهاء.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خطر يهدد الشباب]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن فرائص البشرية كلَها لترتعد أمام هذه الجرائم المنكرة التي تُرتكب بحقها، فعلى الشباب المسلم في هذا العصر العصيب أن يشمّروا عن سواعد الجد لينقذوا الموقف، ويَسُلُّوا السيوفَ الألماسية لحجج رسائل النور وبراهينها الدامغة -التي في رسالة &#8220;الثمرة&#8221; و&#8221;مرشد الشباب&#8221; وأمثالهما- ويدافعوا عن أنفسهم، ويصدّوا هذا الهجوم الكاسح الذي شُنّ عليهم من جهتين.. وإلّا فسيضيع مستقبلُ الشباب في العالم، وتذهب حياتُه السعيدة، ويفقد تنعّمه في الآخرة، فتنقلب كلُها إلى آلامٍ وعذاب؛ إذ سيكون نـزيلَ المستشفيات، بما كَسبت يداه من إسراف وسفاهة.. ونـزيلَ السجون، بطَيشه وغيّه.. وستبكي أيامُ شيخوخته بكاءً مرًا، ويزفر زفرات ملؤها الحسرات والآلام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إذا ما صان نفسه بتربية القرآن، ووقاها بحقائق رسائل النور، فسيكون شابًا رائدًا حقًا، وإنسانًا كاملًا، ومسلمًا صادقًا سعيدًا، وسلطانًا على سائر المخلوقات.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لنغنم شبابًا دائمًا]</h3>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الشاب إذا دفع ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة من يومه في السجن إلى إقامة الفرائض، وتاب عن سيئاته ومعاصيه التي دفَعَتْه إلى السجن، وتجنّب الخطايا والذنوب مثلما يجنّبه السجنُ إياها.. فإنه سيعود بفوائدَ جمّة إلى حياته وإلى مستقبله وإلى بلاده وإلى أمته وإلى أحبّائه وأقاربه، فضلًا عن أنه يكسب شبابًا خالدًا في النعيم المقيم بدلًا من هذا الذي لا يدوم خمسَ عشرة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الحقيقة يُبشِّر بها ويخبر عنها عن يقين جازم جميعُ الكتب السماوية وفي مقدمتها القرآنُ الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إذا ما شكر الشاب على نعمة الشباب -ذلك العهدِ الجميل الطيب- بالاستقامة على الصراط السوي، وأداء العبادات، فإن تلك النعمة المهداة تزداد ولا تنقص، وتبقى من دون زوال، وتصبح أكثر متعةً وبهجة.. وإلّا فإنها تكون بلاء ومصيبة مؤلمة ومغمورة بالغم والحزن والمضايقات المزعجة حتى تذهب هباءً فيكون عهدُ الشباب وبالًا على نفسه وأقاربه وعلى بلاده وأمته.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حين يتحول السجن إلى محل عبادة وخلوة]</h3>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن <strong>كلَّ ساعة من ساعات المسجون الذي حُكم عليه ظلمًا تكون كعبادة يومٍ كامل له</strong>، إن كان مؤديًا للفرائض، ويكونُ <strong>السجن</strong> بحقه <strong>موضعَ انـزواء واعتزال من الناس</strong> كما كان الزهّاد والعُبّاد ينـزوون في الكهوف والمغارات ويتفرغون للعبادة، أي يمكن أن يكون هو مثل أولئك الزهاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وستكون كل ساعة من ساعاته -إن كان فقيرًا ومريضًا وشيخًا، متعلقًا قلبُه بحقائق الإيمان، وقد أناب إلى اللّٰه، وأدّى الفرائض- في حُكم عبادة عشرين ساعة له، ويتحوّل السجنُ بحقّه إلى مدرسة تربوية إرشادية، وموضعِ تحابب ومكان تعاطف، حيث يقضي أيامَه مع زملائه في راحة فضلًا عن راحته وتوجه الأنظار إليه بالرحمة، بل لعله يفضّل بقاءَه في السجن على حريته في الخارج التي تنثال إليه الذنوب والخطايا من كل جانب، ويأنس بما يتلقى من دروس التربية والتزكية فيه.</p>
<p style="text-align: justify;">وحينما يغادره لا يغادره قاتلًا ولا حريصًا على أخذ الثأر، وإنما <strong>يخرج رجلًا صالحًا تائبًا إلى اللّٰه</strong>، قد غنم تجاربَ حياتية غزيرة، فيُصبح عضوًا نافعًا للبلاد والعباد، حتى حدا الأمر بجماعةٍ كانوا معنا في سجن &#8220;دنيزلي&#8221; إلى القول، بعد ما رأوا الذين أخذوا دروسًا إيمانية في سمو الأخلاق ولو لفترة وجيزة من رسائل النور:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لو تلقّى هؤلاء دروسَ الإيمان من رسائل النور في خمسة عشر أسبوعًا، فإنه أجدى لإصلاحهم من إلقائهم إلى السجن خمس عشرة سنة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الموتُ لا يفنى من الوجود، والأجلُ مستورٌ عنا بستار الغيب، ويمكنه أن يحلّ بنا في كل وقت.. وأن القبر لا يُغلق بابُه.. وأن البشرية تغيب وراءه قافلةً إثر قافلة.. وأن الموت نفسه بحق المؤمنين ما هو إلّا تذكرة تسريح وإعفاء من الإعدام الأبدي -كما وُضّح ذلك بالحقيقة القرآنية- وأنه بحق الضالين السفهاء إعدام أبدي كما يشاهدونه أمامهم؛ إذ هو فراق أبدي عن جميع أحبتهم وأقاربهم بل الموجودات قاطبة.. فلا بد ولا شك بأن أسعد إنسان هو مَن يشكر ربه صابرًا محتسبًا في سجنه مستغلًا وقته أفضل استغلال، ساعيًا لخدمة القرآن والإيمان مسترشدًا برسائل النور.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خلاصة تجربتي]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها الإنسان المبتلَى بالملذات والمُتع..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد علمتُ يقينًا طوال خمس وسبعين سنة من العمر، وبألوفِ التجارب التي كسبتُها في حياتي، ومثلها من الحوادث التي مرت عليّ: <strong>أن الذوقَ الحقيقي، واللذةَ التي لا يشوبها ألم، والفرحَ الذي لا يكدّره حُزن، والسعادةَ التامة في الحياة إنما هي في الإيمان، وفي نطاق حقائقه ليس إلّا.</strong> ومن دونه فإن لذةً دنيوية واحدة تحمل آلامًا كثيرة كثيرة. وإذ تُقدِّم إليك الدنيا لذةً بقدر ما في حَبَّةِ عنب، تصفعك بعشر صفعات مؤلمات، سالبةً لذةَ الحياة ومتاعَها.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها المساكين المبتلَون بمصيبة السجن..</p>
<p style="text-align: justify;">ما دامت دنياكم حزينة باكية، وأن حياتكم قد تعكرت بالآلام والمصائب، فابذلوا ما في وسعكم <strong>كيلا تبكي آخرتُكم</strong>، ولتفرح وتحلو وتسعد حياتكم الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">فاغتنموا يا إخوتي هذه الفرصة، إذ كما أن مرابطةَ ساعة واحدة أمام العدو ضمن ظروف شاقة يمكن أن تتحول إلى سنة من العبادة، فإن كل ساعة من ساعاتكم التي تقاسونها في السجن تتحول إلى ساعات كثيرة هناك <strong>إذا ما أديتم الفرائض</strong>، وعندها تتحول المشقات والمصاعب إلى رحماتٍ وغفران.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حكمة سَوق القدَر الإلهي لنا إلى المدرسة اليوسفية]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لا أعزيكم، بل أهنئكم..</p>
<p style="text-align: justify;">إذ <strong>ما دام</strong> القدر الإلهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثة لحكمة اقتضاها، <strong>وأنه</strong> سيطعمنا قسمًا من أرزاقنا دعتنا إلى هنا، <strong>وما دامت</strong> تجاربنا القاطعة قد علّمتنا -لحدّ الآن- أن العناية الإلهية لطيفة بنا وقد جعلتنا ننال سر الآية الكريمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾، <strong>وأن</strong> إخواننا الحديثي العهد في المدرسة اليوسفية هم أحوج الناس إلى السلوان الذي تورثه رسائل النور، <strong>وأن</strong> العاملين في دوائر العدل هم أشد حاجة من الموظفين الآخرين إلى القواعد والدساتير السامية التي تتضمنها رسائل النور، <strong>وأن</strong> أجزاء هذه الرسائل تؤدي لكم مهمتكم خارج السجن وبكثرة كاثرة، <strong>وأن</strong> فتوحاتها لا تتوقف، <strong>وأن</strong> كل ساعة فانية هنا في السجن تصبح بمثابة ساعات من العبادة الباقية&#8230; [فـ]ينبغي لنا -وفق النقاط المذكورة- أن نتجمل بالصبر والثبات شاكرين خالقنا مستبشرين إزاء هذه الحادثة.</p>
<p style="text-align: justify;">أُعيد إليكم الرسائلَ الصغيرة المسلية كلها، والتي كتبناها في سجن &#8220;دنيزلي&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن تُسَلِّيكم أيضًا تلك الفقرات المشحونة بالحقائق.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ظهور المُفتين والأئمة والوعاظ في صفوف النور]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: حمدًا للّٰه بما لا يُحدّ من الحمد للّٰه.. لقد ظهر في الساحة روّادٌ معنويون من المفتين والوعاظ والأئمة والعلماء، الذين <strong>هم الأصحاب الحقيقيون لرسائل النور</strong>، حيث كان الشباب والمعلمون والطلاب هم طلبة النور الغيارى لحدّ الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">فألف ألف تهنئة وبارك اللّٰه فيكم يا أدهم وإبراهيم وعلي عثمان.. فلقد بيّضتم وجوه أهل المدارس الشرعية، وحوّلتم إحجامهم وترددهم إلى شجاعة وإقدام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: ما ينبغي أن يتأسف ويندَم أولئك الذين وَلّدوا هذه الحادثة من جراء فعالياتهم وانفعالاتهم الخالصة للّٰه؛ لأن سجن &#8220;دنيزلي&#8221; قد بارك الذين لم يأخذوا الحذر في أعمالهم من حيث النتيجة، حيث التعب قليل والفائدة المعنوية عظيمة جدًّا، نسأل اللّٰه أن لا تكون هذه &#8220;المدرسة اليوسفية الثالثة&#8221; قاصرة عن التي قبلها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: علينا الشكر للّٰه على ظروفنا العصيبة هذه في السجن وذلك لما فيها من زيادة الثواب حسب المشقة، <strong>ونسعى</strong> في الوقت نفسه لأداء وظيفتنا التي هي خدمة الإيمان بإخلاص، أما <strong>التوفيق في أعمالنا</strong> أو الحصول على نتائج خيّرة فيها فموكولة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى ولا نتدخل فيها، بل نظل صابرين شاكرين للّٰه إزاء هذه المعتكفات قائلين: خير الأمور أحمزها.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلينا أن نعلم أن هذه الحادثة ما هي إلّا علامة على قبول أعمالنا، وهي وثيقة وأمارة على اجتيازنا الامتحان في جهادنا المقدس.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[طلب بسيط من مدير السجن: لا أريد اللقاح ولا المشفى]</h2>
<p style="text-align: justify;">إلى السيد مدير السجن والهيئة الإدارية:‌</p>
<p style="text-align: justify;">طلبٌ بسيط لا أهميةَ له ظاهرًا، إلّا أن له أهمية قصوى بالنسبة لي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>حياتي</strong> التي مضت في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، <strong>وعمري</strong> الذي ناهز الخامسة والسبعين: <strong>قد أوهَنا جسدي</strong>، بحيث أصبح <strong>لا يطيق اللقاحات</strong> ضد الأمراض.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أُجري عليَّ قبل مدة مديدة اللقاح، ودام جراحُه طوال عشرين سنة، حتى أصبح بمثابة سم ملازم. يعرف ذلك الطبيبان الصديقان في &#8220;أميرداغ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وقبل أربع سنوات أجروا عليَّ اللقاح مع المحكومين في سجن &#8220;دنيزلي&#8221;، فلازمتُ الفراش عشرين يومًا، علمًا بأنه لم يُلحِق الضررَ بأيٍّ منهم، وقد كفاني حفظُ اللّٰه وعنايته فلم أضطر إلى الذهاب إلى المستشفى.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن <strong>جسدي لا يتحمل اللقاح قطعًا</strong>، فضلًا عن أن عذري شديد، إذ قد بلغتُ من العمر الخامسة والسبعين، ونَحَلَ جسمي، وربما لا يتحمل سوى لقاحِ طفلٍ في العاشرة من العمر، فضلًا عن أنني أقضي حياتي منفردًا في تجريد مطلق ولا أختلط مع أحد من الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">وقبل شهرين أَرسل الوالي طبيبين إلى &#8220;أميرداغ&#8221; وكشفوا عليَّ كشفًا كاملًا، ولم يجدوا أي مرض سارٍ إلّا الضعف الشديد والتشنج الظهري.</p>
<p style="text-align: justify;">فحالتي هذه لا تَحمِلني قطعًا على إجراء التلقيح، <strong>وأرجوكم رجاءً حارًا لا ترسلوني إلى المستشفى</strong>، <strong>فلا تلجئوني إلى البقاء تحت تحكم الأطباء ومن لا أعرفهم</strong>، فإني لا أستطيع البقاء في هذا الوضع ولم أُطقه طوال حياتي، ولا سيما في هذه السنوات العشرين التي قضيتُها في التجريد المطلق.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أنني بدأت أجد الراحة في دخولي القبر في هذه الفترة، إلّا أنني <strong>فضَّلتُ السجن حاليًّا على القبر</strong> لِمَا وجدت من معاملةٍ إنسانية في هذا السجن، ولكيلا أمس مشاعر الهيئة الإدارية، فضلًا عن القيام ببث العزاء والسلوان في قلوب المسجونين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لم يجد الأعداء نقصًا في رسائل النور]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لا تتألموا على الإهانات والأذى التي ينـزلونها بشخصي بالذات، لأنهم <strong>لا يستطيعون أن يجدوا نقصًا في رسائل النور</strong>، فينشغلون بشخصي الاعتيادي المقصّر كثيرًا، فأنا راضٍ عن هذا الوضع، بل لو وجدتُ ألوفًا من الإهانات والتحقير والآلام والبلايا الشخصية لأجل سلامة رسائل النور وظهور قيمتها لشكرت اللّٰه شكرًا مكللًا بالفخر، وذلك مقتضى ما تعلمته من درس النور، لذا لا تتألموا عليّ من هذه الناحية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن هذا التعدي السافر الواسع النطاق والهجوم الشديد الظالم، قد خف حاليًّا من العشرين إلى الواحد، فلقد جمعوا بضعة أشخاص بدلًا من ألوف الخواص من طلاب النور، وجمعوا عددًا محدودًا من إخوة جدد بدلًا من مئات الألوف من المهتمين بالرسائل المرتبطين بها، مما يعني أن المصيبة قد تحولت إلى أخف حالاتها بالعناية الإلهية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: لا تقلقوا يا إخوتي ولا تيأسوا.. فإن الوالي السابق الذي كان يحيك المؤامرات ويدبر الدسائس ضدنا طوال سنتين قد ولّى بفضل العناية الإلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولربما قد خفف وزير الداخلية الهجوم علينا لسببين: أنه من بلدتي، وأن أجداده أهل دين حقًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: لقد أثبتتْ تجاربُ كثيرة وحوادث عديدة بما يورث القناعة التامة: أن الأرض تهتز والسماء تبكي ببكاء رسائل النور وحزنها، ولقد شاهدنا هذا مرارًا بأم أعيننا وأثبتناه كذلك في المحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأعتقد أنّ تَوافُقَ ابتهاج الصيف -في بدايته- في هذه السنة بانتشار رسائل النور سرًّا، وتبسمَها باستنساخها بالرونيو، وتطابقَ حدّة الشتاء وغضبه وبكائه بالقلق على مصادرة الرسائل والتحريات الكثيرة في كل مكان وتوقفِ نشاطها، ما هو إلّا <strong>أمارة قوية على أن رسائل النور معجزة كبرى ساطعة لحقائق القرآن العظيم تتجلى في هذا العصر</strong>، حيث الأرض والسماء ذات علاقة معها.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تهنئة القادمين إلى السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد خطر لي اليوم فجأة أن أهنئ القادمين إلى هذه المدرسة بدلًا من تقديم التعازي لهم -بمناسبة قضية رسائل النور- بسَوقٍ من القدر الإلهي والرزق المقسوم فيها، لأن كل واحد من الأكثرية ينقذ إلى حدٍّ ما عشرين أو ثلاثين، بل مئةً، بل ألفًا من إخواننا الأبرياء بديلًا عنهم من الأتعاب والمشاق.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن دوام عملكم في سبيل الإيمان بوساطة رسائل النور، يعني أن كل واحد منكم يؤدى عملًا كبيرًا في وقت قليل، نظيرَ ما ينجزه البعض في عشر سنوات من أعمال تنجز في مائة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن الداخلين في هذه المجاهدة المرهقة، والحاضرين هذا الامتحان الجاري في هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221; الحديثة، وأخْذَهم حظَّهم فعلًا من نتائجه القيمة الكلية، وملاقاتَهم بيُسر إخوتهم الخالصين المخلصين المشتاقين إلى رؤيتهم، وتَبَادُلَهم أبحاث درسٍ ممتع لذيذ، وكذا عدمُ دوام أوقات الراحة في الدنيا بل ذهابُها هباءً منثورًا.. أقول: إن الذين يكسبون مغانم عظيمة إلى هذا الحد، وبمثل هذه الأتعاب القليلة يستحقون التهنئة حقًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. إن هذا الهجوم الواسع الذي شُن علينا، إنما هو لصدّ فتوحات رسائل النور وغزوها القلوب، إلّا أنهم أدركوا أنهم كلما تعرضوا لرسائل النور ازدادت سطوعًا وكسبت أهمية أكثر وتوسعت دائرة الدروس، <strong>فلا تُغلب رسائل النور، إلّا أنها تنضوي تحت ستار &#8220;سرًّا تنورت&#8221;</strong>، ولأجل هذا بدّلوا خطتهم، فلا يتعرضون للأنوار ظاهرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إننا تحت العناية الإلهية، فعلينا الشكر العظيم لربنا الجليل مع التجمل بكمال الصبر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حالتان غريبتان للمؤلِّف]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد آن أوان بيان حالتين غريبتين من أحوالي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: أُخطِرَ إلى قلبي أن في عدم لقائنا -في سجن التجريد المطلق- لقاءً حرًا بإخوتي الذين أُحبهم أكثر من روحي، فيه مصلحةٌ وعناية إلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن كثيرًا من إخواننا في الآخرة ممن كان يصرف خمسين ليرة للمجيء إلى &#8220;أميرداغ&#8221; لأجل لقاء يدوم خمسين دقيقة، وأحيانًا عشر دقائق، وأحيانًا يرجع خائبًا دون لقاء.. كانوا يُلْقُون أنفسهم إلى هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221; بحجة بسيطة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كان وقتي الضيق وحالتي الروحية النابعة من الانزواء يسمحان بذلك، فإن الخدمة النورية ما كانت لتسمح بالمجالسة التامة والمحاورة الكاملة مع أولئك الأصحاب الأوفياء.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها:</strong> لقد شاهد المجاهدون في جبهات متعددة من الحرب عالِمًا جليلًا فاضلًا، وذكروا له مشاهدتهم، فقال: إن بعض الأولياء قد ظهروا بمظهري وأدَّوا بدلًا عني في موضعي أعمالًا لأجل إكسابي ثوابًا وليستفيد أهل الإيمان من دروسي.</p>
<p style="text-align: justify;">ومثل هذا تمامًا، فقد شاهدوني في جوامع &#8220;دنيزلي&#8221; وأنا نزيلُ سجنِها، حتى أبلغوا ذلك إلى الجهات المسؤولة وإلى المدير والحرّاس، وقال بعضهم في قلق واضطراب: &#8220;مَن يفتح له باب السجن!&#8221; فالأمر نفسه يحدث هنا تمامًا.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أنه بدلًا من إسناد حادثة جزئية خارقة إلى شخصي المقصر جدًّا، فإن رسالة &#8220;ختم التصديق الغيبي&#8221; تثبت خوارق لرسائل النور وتبيِّنها كاسبةً ثقة أهل الإيمان برسائل النور أكثر بكثير من تلك الحادثة بمائة مرة، بل بألف مرة، فضلًا عن تصديق أبطال النور بأحوالهم الخارقة وكتاباتهم الرائعة لمقبولية رسائل النور.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[توجيه الطلاب إلى وظائف معينة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا عليّ، فإنني سعيد ومحظوظ لأني معكم في بناية واحدة، فأنا راضٍ ومسرور.</p>
<p style="text-align: justify;">إن وظيفتنا الحالية إرسالُ نسخة من &#8220;الدفاع&#8221; إلى &#8220;إسبارطة&#8221;، وإنْ أمكن كتابةُ عشرين نسخة منه بالآلة الطابعة بالحروف القديمة والحروف الجديدة، كي يُبرَز إلى المدعى العام هناك وتعطى نسخةٌ منه إلى محامينا، ونسخة أخرى إلى المدير كي يسلمه هو إلى وكيل دعوانا، وليرسَل إلى المسؤولين في &#8220;أنقرة&#8221; بالحروف الجديدة والقديمة كما كان في &#8220;دنيزلي&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن أمكن تهيئةُ خمسة نسخ للدوائر المسؤولة، لأن رسائل النور المصادَرة قد أُرسلت بالحروف القديمة إلى تلك الدوائر، ولا سيما إلى هيئة ديوان رئاسة الشؤون الدينية وأعيدت إلى هنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم أبلِغوا وكيلنا السيد أحمد، أنه عند طبعه الدفاع بالآلة الطابعة عليه أن يلاحظ بدقة صحةَ العبارات والكلمات، لأن إفادتي لا تشبه إفادات الآخرين، فإن خطأً في حرفٍ واحد، وأحيانًا في نقطة واحدة، يغيِّر المسألة ويفسد المعنى.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا أعيدوا آلتي الطابعة بالحروف القديمة والجديدة إنْ لم يسمحوا بهما.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا لا تضجروا يا إخوتي ولا تقلقوا ولا تيأسوا، فإن العناية الإلهية ستسعفنا سريعًا بمضمون الآية الكريمة: ﴿إن مع العسر يسرًا﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما يورث الانشغال برسائل النور]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور تواجهكم وتقابلكم بدلًا مني، فهي ترشد وتعلِّم تعليمًا جيدًا إخوانَنا الجدد المشتاقين لدروس النور.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ثبت بالتجارب أن الانشغال برسائل النور، سواءٌ قراءتها أو استقراؤها أو كتابتها: يورث الفرح للقلب والراحة للروح والبركة في الرزق والصحة للجسد.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أنعم اللّٰه عليكم حاليًّا ببطل من أبطال النور، وهو &#8220;خسرو&#8221;، وستكون المدرسة اليوسفية أيضًا موضع دراسة مباركة لمدرسة الزهراء إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني كنت إلى الآن أُخفي خسرو ولا أظهره إلى أهل الدنيا، إلّا أن المجموعات التي نُشرت قد أظهرته إظهارًا لا لبس فيه لأهل الدنيا، فلم يبق شيء للإخفاء، ولهذا أظهرتُ بضعًا من خدماته إلى بعض الإخوة الخواص، وسوف نبين -أنا وهو- الحقيقة إن لزم الأمر بعينها ولا نخفي شيئًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن الآن يواجهنا شخصان عنيدان رهيبان من بين الذين يستمعون إلى الحقيقة، وقد ظهر أنهما يعملان لصالح الزندقة والشيوعية -أحدهما معروف في &#8220;أميرداغ&#8221; والآخر معروف هنا- وهما يحاولان نشر الشبهات ضدنا بمنتهى المكر والدسيسة، وذلك لقذف الرعب في قلوب الموظفين.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا علينا الأخذ بالحذر الشديد، وعدمُ إبداء القلق، وانتظارُ العناية الإلهية بالتوكل لتمدنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أخلاق الإيمان والصلح داخل السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">يا إخوتي في الدين ويا زملائي في السجن..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطر لقلبي أن أبين لكم حقيقة مهمة، تنقذكم بإذن اللّٰه من عذاب الدنيا والآخرة، وهي كما أُوَضِّحُها بمثال:</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ أحدًا قد قتل شقيقَ شخصٍ آخر أو أحد أقربائه، فهذا القتل الناجم من لذةِ غرورِ الانتقام التي لا تستغرق دقيقة واحدة تورثه مقاساة ملايين الدقائق من ضيق القلب وآلام السجن، وفي الوقت نفسه يظل أقرباء المقتول أيضًا في قلق دائم وتحيّن الفرص لأخذ الثأر، كلما فكروا بالقاتل ورأوا ذويه، فتضيع منهم لذةُ العمر ومتعة الحياة بما يكابدون من عذاب الخوف والقلق والحقد والغضب.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا علاج لهذا الأمر ولا دواء له إلّا الصلح والمصالحة بينهما، ذلك الذي يأمر به القرآن الكريم، ويدعو إليه الحق والحقيقة، وفيه مصلحة الطرفين، وتقتضيه الإنسانية، ويحث عليه الإسلام.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن المصلحة والحقيقة في الصلح، ﴿والصلح خير﴾؛ لأن <strong>الأجل واحد لا يتغير، فذلك المقتول على كل حال ما كان ليظل على قيد الحياة ما دام أجلُه قد جاء، أما ذلك القاتل فقد أصبح وسيلة لذلك القضاء الإلهي</strong>، فإن لم يَحُلَّ بينهما الصلحُ فسيظلان يعانيان الخوف وعذاب الانتقام مدة مديدة؛ لذا يأمر الإسلام بعدم هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن لم يكن ذلك القتلُ قد نجم من عداء أصيل ومن حقد دفين، وكان أحد المنافقين سببًا في إشعال نار الفتنة، <strong>فيلزم الصلح فورًا</strong>، لأنه لولا الصلح لعظمت تلك المصيبة الجزئية ودامت، بينما إذا ما تَصالح الطرفان وتاب القاتل عن ذنبه، واستمر على الدعاء للمقتول، فإن الطرفين يكسبان الكثير، حيث يدب الحب والتآلف بينهما، فيصفح هذا عن عدوه ويعفو عنه واجدًا أمامه إخوة أتقياءَ أبرارًا بدلًا من شقيق واحد راحل، ويستسلمان معًا لقضاء اللّٰه وقدره، ولا سيما الذين استمعوا إلى دروس النور، فهم مدعوون لهجر كل ما يفسد بين اثنين، إذ الأُخوّة التي تربطهم ضمن نطاق النور، والمصلحة العامة، وراحة البال وسلامة الصدر التي يستوجبها الإيمان.. تقتضي كلُّها نبذَ الخلافات وإحلال الوفاق والوئام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد حصل هذا فعلًا بين مسجونِين يعادي بعضهم بعضًا في سجن &#8220;دنيزلي&#8221;، فأصبحوا بفضل اللّٰه إخوة متحابين بعد أن تلقّوا دروسًا من رسائل النور، بل غدَوا سببًا من أسباب براءتنا، حتى لم يجد الملحدون والسفهاء من الناس بُدًّا أمام هذا التحابب الأخروي، فقالوا مضطرين: &#8220;ما شاء اللّٰه.. بارك اللّٰه!&#8221; وهكذا انشرحت صدورُ السجناء جميعًا وتنفسوا الصعداء بفضل اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ إني أرى هنا مدى الظلم الواقع على المسجونين، حيث يشدد الخناق على مائة منهم بجريرة شخص واحد، حتى إنهم لا يخرجون معًا إلى فناء السجن في أوقات الراحة.. إلّا أن المؤمن الغيور لا تسعه شهامتُه أن يؤذي المؤمن قط، فكيف يسبب له الأذى لمنفعته الجزئية الخاصة، فلا بد أن يسارع إلى التوبة والإنابة إلى اللّٰه حَالَما يشعر بخطئه وتسبّبه في أذى المؤمن.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسائل النور في بلاد الحرمين]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إني أهنئ رسائل النور وأهنئكم وأهنئ نفسي بالبشارات القيّمة التي زفّها خسرو وحفظي والسيد من &#8220;بَارْطِنْ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الذين سافروا إلى الحج في هذه السنة مثلما وجدوا علماء أجلاء في مكة المكرمة يسعون إلى ترجمة مجموعات من رسائل النور إلى العربية والهندية، كذلك وجدوا المدينة المنورة قَبِلَتها ورضيَت عنها بحيث وضعوها في الروضة المطهرة لدى الحجرة الشريفة للقبر النبوي المبارك (ﷺ)، بمعنى أن تلك الرسائل قد نالت القبول النبوي ودخلت ضمن رضى الرسول الكريم محمد (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد زارت رسائلُ النور تلك الأماكنَ المقدسة بدلًا عنا كما هي نيتنا وكما أبلغنا المسافرون إلى الحج.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن فائدة أخرى من الفوائد الكثيرة جدًّا لِمَا ينشره أبطال النور من هذه المجموعات المصحَّحة أنهم أنقذوني من مهمة التصحيح والقلق عليه، وأصبحوا بمثابة مائة مصححٍ بما أوجدوا من المصادِر المصححة، فشكرًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أسأل اللّٰه تعالى أن يكتب ألف حسنة في سجل حسناتهم لكل حرف من حروف تلك المجموعات، آمين، آمين، آمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[بشارة في رؤيا مباركة]</h2>
<p style="text-align: center;">رؤيا لطيفة ذات بشارة ظهر تأويلها‌</p>
<p style="text-align: justify;">أتاني &#8220;علي&#8221; الذي يعاونني في الأمور وقال: لقد رأيت فيما يرى النائم أنك و&#8221;خسرو&#8221; قد قبّلتما يدَ الرسول الكريم (ﷺ)، وإذا بي أستلم رسالة تتضمن أن مجموعةَ &#8220;عصا موسى&#8221; المكتوبة بخط &#8220;خسرو&#8221; قد شاهدها الحُجاج في الروضة المطهرة، بمعنى أن تلك المجموعة قد قَبّلت اليدَ المعنوية للرسول الكريم (ﷺ) ونالت رضاه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مزيتان لطلاب رسائل النور]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء وزملائي في السجن..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لا تقلقوا من عدم التقاء بعضنا بالبعض الآخر، <strong>فنحن نتواجه معنًى في كل وقت</strong>، فإن قرأتم أيّةَ رسالة تحصلون عليها أو تستمعون إليها، فإنكم تشاهدونني وتتحاورون معي خلال تلك الرسالة بصفةِ خادم القرآن العظيم بدلًا من شخصي الاعتيادي، علمًا أنني كذلك أواجهكم خيالًا في جميع أدعيتي وفي كتاباتكم وعلاقاتكم؛ وحيث إننا معًا ونعمل ضمن دائرة واحدة، <strong>فكأننا نتقابل دائمًا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: نقول للقادمين الجدد من طلاب رسائل النور في هذه المدرسة اليوسفية الحديثة:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ثبت بحجج قوية وبإشارات قرآنية أوقفت الخبراء وألجأتهم إلى الاستسلام: &#8220;أن <strong>طلاب النور الصادقين ستختم حياتهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان</strong>.. وأن كل طالب -حسب درجته- يكون شريكًا لمكاسبِ جميع إخوانه المعنوية ولأدعيتهم، وذلك بفيض أنوار الاشتراك المعنوي النوري، كأنه يؤدي العبادة ويستغفر بألف لسان&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فهاتان <strong>الفائدتان</strong> والنتيجتان المهمتان، وفي هذا الزمان العجيب تزيلان جميع الصعاب والمشقات، وهكذا تُربِح رسائل النور طلابها هذين الربحين العظيمين بثمن زهيد جدًّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أوصلوا حقائق الإيمان إلى أعلى منصب]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن الدفاعات المرفوعة في محكمة &#8220;أفيون&#8221; تتضمن <strong>حقائق جليلة ذات علاقة بنا وبرسائل النور وبهذه البلاد وبالعالم الإسلامي</strong>، فلا بد أن تُستنسخ منها ما يقرب من عشر نسخ بالحروف الجديدة لترسل إلى الدوائر العليا في &#8220;أنقرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن وظيفتنا الآن هي تبليغ تلك الحقائق إلى أركان الحكومة وإلى دوائر العدل وإلى الأمة، ولا أهتم قطعًا لو أبرؤوا ساحتنا أو عاقبونا، ولربما <strong>هذه الوظيفة هي إحدى الحِكم المقدَّرة بالقدَر الإلهي، فساقنا إلى هذه المدرسة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أسرِعوا على قدر الإمكان في استنساخها بآلة الرونيو، <strong>فنحن مضطرون إلى إبلاغها تلك الدوائر العليا حتى لو أخلو سبيلَنا اليوم</strong>، فلا يغرركم أحد بتأخيرها، كفى التأخير والتأجيل، وليكن هذا الدفاع مسكَ الختام لدفاعات قُدّمت طوال خمس عشرة سنة إزاء مسألة واحدة وتجاه الظلم القاسي والعذاب الأليم الذي لا نظير له والحجج التافهة المختلقة.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دمنا قد حصلنا على صلاحيةِ استنساخِ دفاعاتِنا بالرونيو حسب القانون، ومن المحاكم السابقة، فلا يستطيع أحد أن يمنعنا من استعمال حقنا هذا قانونًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن لم تجدوا حلًّا للأمر رسميًّا فليستنسخ محامينا حوالي خمس نسخ، وليكن أمينًا على الحفاظ على سلامتها وصحتها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[العناية الإلهية جاءت بنا إلى هذا السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الجدد ويا مسجونين القدامى..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد بتُّ على قناعة تامة من أن <strong>العناية الإلهية هي التي ألقَت بنا إلى ههنا</strong> وذلك لأجلكم أنتم، أي <strong>إن مجيئنا إلى هنا إنما هو لبث السلوان والعزاء الذي تحمله رسائل النور إليكم</strong>.. وتخفيفِ مضايقات السجن عنكم بحقائق الإيمان.. وصونِكم من كثير من بلايا الدنيا ولأوائها.. وانتشالِ حياتكم المليئة بالأحزان والهموم من العبثية وعدم الجدوى.. وإنقاذِ آخرتكم من أن تكون كدنياكم حزينة باكية.. فما دامت الحقيقة هي هذه، فعليكم أن تكونوا إخوة متحابين كطلاب النور، وكأولئك الذين كانوا معنا في سجن &#8220;دنيزلي&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فها أنتم أولاء ترون الحراس الذين يحرصون على القيام بخدماتكم يعانون الكثير من المشقات في التفتيش، بل حتى إنهم يفتشون طعامكم لئلا تكون فيه آلة جارحة، ليَحُولوا دون تجاوزِ بعضكم على بعض، وكأنكم وحوش مفترسة يقضي الواحد على الآخر ليقتله، فضلًا عن أنكم لا تستمتعون بالفرص التي تتاح لكم للتفسح والراحة خوفًا من نشوب العراك فيما بينكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا فقولوا أنتم الإخوة الجدد الذين يحملون بطولة فطرية وشهامة وغيرة.. قولوا أمام الهيئة ببطولة معنوية عظيمة في هذا الوقت:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;ليست الآلات الجارحة البسيطة وحدَها، بل لو سلّمتم إلى أيدينا أسلحة نارية أيضًا فلا نتعدى على أصدقائنا وأحبابنا هؤلاء الذين نُكِبوا معنا، حتى لو كان بيننا عداءٌ أصيل سابق. فقد عفونا عنهم جميعًا، وسنبذل ما في وسعنا أن لا نجرح شعورهم ونكسر خاطرهم، هذا هو قرارنا الذي اتخذناه بإرشاد القرآن الكريم وبأمر أخوّة الإسلام وبمقتضى مصلحتنا جميعًا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا <strong>تُحَوّلون هذا السجن إلى مدرسة طيبة مباركة</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سجننا هذا اجتماع أخَوي]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين هم في سياسة واحدة أو مهنة واحدة، أو وظيفة واحدة أو في خدمة تتعلق بالحياة الاجتماعية أو لهم نوع من تجارة خاصة.. كل طائفة من طوائف أهل الدنيا هؤلاء لهم اجتماع عام يخصهم يتذاكرون فيه أمورهم.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك طلاب النور العاملون في الخدمة المقدسة للإيمان التحقيقي، فإن مجيئَهم إلى الاجتماع العام في هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221; بأمر القدر الإلهي وباقتضاء العناية الربانية وسَوقِها، لا شك أنه يحمل فوائد معنوية جليلة جدًّا وسينعمون بتلك الفوائد والنتائج القيمة إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن كل واحد من أركان طلاب النور سيكون بمثابة حرفِ أَلِفْ، حيث إن &#8220;حرف ألف&#8221; قيمتُها واحدة إن كانت بمفردها ولكنها مع أخواتها، أي أربع ألفات معًا متكاتفة ومواجهة بأحوالها تصبح قيمتها ألفًا ومائة وإحدى عشرة، وكذلك سيكون ثواب ذلك الأخ المنخرط في هذا الاجتماع وقيمته وخدمته السامية ألفًا بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[في السجن تحلوا بالحذر والاتزان]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقِّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطعُ تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، إلّا أنهم أبدَوا حجة تافهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا.</p>
<p style="text-align: justify;">بل إن انشغالهم بشخصي الذي لا أهمية له، وانصرافَهم عن شد الخناق على رسائل النور وطلابها، وإنزالَهم الإهانات والعذاب بي، وإيلامي قلبًا وحقيقةً مع عدم تعرضهم لرسائل النور، يجعلني في رضًى عن هذا الوضع، بل أشكر ربي صابرًا فلا أضطرب ولا أقلق أبدًا، وأنتم كذلك لا تتألموا، فإني على قناعة من أنّ صرفَ أعدائِنا المتسترين أنظارَ الموظفين في السجن إليَّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامةُ ومصلحةُ رسائل النور وطلابها.</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى بعض الإخوة ألّا يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، <strong>وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم</strong>، <strong>دون إبداء القلق والاضطراب</strong>، ولا يفتحوا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لأن هناك جواسيس يحرّفون كلام إخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذَ الحذر، ويصرفون كلامهم إلى معانٍ مغايرة، ويستهولون الأمور التافهة، ويخبرون المسؤولين بها.</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه؛ ومع هذا فلا تضطربوا قطعًا، واعلموا <strong>أننا تحت رعاية العناية الإلهية</strong>، وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم للّٰه، فنحن مكلفون بالشكر <strong>لأن درهمًا من التعب والمشقة يورث طنًا من الثواب والرحمة</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إجراء احتياطي لحفظ الدفاعات القضائية]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أَودعتُ جميعَ أعمال الدفاع إلى طلاب النور الأركان الذين قَدِموا والذين سيَقدُمون إلى هنا، وذلك بناء على سببين مهمين وبإخطار قوي، فاضطررت إلى هذا الأمر قلبًا.. أُودِعُها بخاصة إلى كل من: خسرو، رأفت، طاهر، فيضي، صبري.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الأول</strong>: لقد علمت قطعًا من دائرة التحقيق، ومن أمارات عديدة، أنهم يحاولون إحداث مشكلات ضدي، بكل ما لديهم من قوة، والتهرب من ظهوري وغلبتي عليهم فكرًا، ولهم في ذلك إشعار رسمي، فكأنني إذا تكلمت بشيء فسأبين قدرة علمية وقابلية سياسية بحيث أُلْزِمُ المحاكمَ الحجةَ وأُسكتُ السياسيين، لأجل ذلك يمنعونني عن الكلام بمعاذير واهية، حتى إنني أثناء التحقيق أجبت عن أحد الأسئلة قائلا: لا أتذكر. فتعجب الحاكم وحار في الأمر وقال: كيف ينسى شخص مثلك يملك ذكاءً وعلمًا فوق المعتاد؟</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنهم يعتقدون أن رفعة شأن رسائل النور وتحقيقاتها العلمية الدقيقة من بنات أفكاري، ومن هنا يأخذهم العجب والحيرة، فلا يريدونني أن أتكلم مع أحد، وكأن كل من يقابلني ويواجهني سيكون مباشرة طالبًا غيورًا من طلاب النور! ولهذا يمنعونني من المقابلة مع أي أحد كان، حتى إن رئيس الشؤون الدينية قال: &#8220;كل من يقابله ينجذب إليه، إن جاذبيته قوية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن <strong>مصلحتنا تقتضي أن أُودِع شؤوني إليكم الآن</strong>، وما لديكم من دفاعاتي القديمة والجديدة تشترك بدلًا عني في مشاوراتكم بعضكم مع بعض، فهي كافية لهذا الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الثاني</strong>: أُجّل إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الإشارة القصيرة إلى الإخطار المعنوي فهي أن الذي جعلني أترك السياسة وقراءة الجرائد وأمثالها من الأمور الفانية خلال خمسة وعشرين عامًا ومَنعني من الاشتغال بها، هو واجب أخروي جليل جدًا، مع حالة روحية ذات أثر فعال.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذان السببان أيضًا يمنعانني كليًّا عن الاشتغال بهذه المسألة بتفرعاتها الدقيقة، فأنتم تؤدون أيضًا مهمتي بالاستشارة أحيانًا مع موكلَيكم الاثنين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الشخص المعنوي يؤدي الوظيفة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ورد الآن في الصلاة إلى القلب الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنه بناء على حُسن الظن المفرط الذي يحمله الإخوة الأعزاء ينتظرون منك درسًا وإرشادًا لهم، وهمّة ومددًا ماديًّا ومعنويًّا، فمثلما وكّلتَ الإخوةَ الخواصَّ في أمورك الدنيوية وأودعتها إلى <strong>الشورى</strong> فيما بين الأركان -وحَسَنًا فعلتَ- كذلك بتوكيلك <strong>الشخص المعنوي</strong> للخواص الخالصين في أعمالك الأخروية والقرآنية والإيمانية والعلمية فإنهم يؤدون تلك الوظيفة مع وظيفتهم وعلى أفضل وجه وأكمله، وهم فعلًا يؤدونها الآن وعلى الدوام.</p>
<p style="text-align: justify;">مثلًا: إن كان الذي يواجهك ويسترشد بنصيحةٍ ودرسٍ منك مُؤقّتًا بمقدار درهم، فإنه يستطيع أن يأخذ مائة درهم من النصيحة والدرس والإرشاد من جزء من أجزاء رسائل النور، فضلًا عن أنه يصاحبها وينتصح منها بدلًا منك.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الخواص من طلاب النور يؤدون وظيفتك هذه كل وقت، ونسأل اللّٰه أن يكون شخصهم المعنوي المالك لمقام رفيع والدعاء المقبول ظهيرًا لهم وأستاذًا ومعينًا.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا ورد الإخطار فأَوْرَثَ السلوان لروحي وزفَّ لها البشرى والراحة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حادثتا انفجار مُريبتَين في السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن وقوع <strong>حادثتَي الانفجار في غضون اليومين</strong> الماضين من دون أن يكون هناك سبب ظاهري، لا تشبهان المصادفة، وتَنُمَّان عن مغزى عميق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أُولاها</strong>: انفجار المدفأة الحديدية القوية الموجودة في ردهتي فجأة، وأحدثت صوتًا قويًّا حطمت القطعة الفولاذية التي تحتها، فهَلِعَ منها &#8220;الخياط حمدي&#8221;، وأوقعنا في حيرة. علمًا أنها تتحمل حرارة الفحم الحجري في عزّ الشتاء.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: تهشم القدح الموضوع على مشربة الماء تهشمًا عجيبًا في ردهةِ &#8220;فيضي&#8221; من دون سبب ظاهري، وذلك في اليوم التالي لانفجار المدفأة.</p>
<p style="text-align: justify;">والذي يرد إلى الخاطر أن <strong>القنابل الموضوعة لِتنفجرَ علينا قد فجرتها نُسَخُ الدفاع</strong> المرسلةُ إلى دواوين المسؤولين الستة في &#8220;أنقرة&#8221;، وأن مدفأة الغضب التي تستعر لِتَحْرِقَنا بنارها قد تحطمت دون أن يُلحقَ بنا الضرر.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعل تلك المدفأة المباركة التي كانت أنيسةً نافعةً وتستمع إلى آهاتي وتضرعاتي تخبرني قائلةً: لا حاجة إليّ، وسترحل من هذا السجن.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عمران الأوقات المباركة بالعبادة والخدمة الإيمانية]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">انتابني اليوم قلق وحزن لأجلكم بإخطارٍ معنويٍّ ورَدَ إلى القلب، فلقد حزنتُ لأحوال إخواننا الذين يرغبون في الخروج حالًا من السجن من جراء قلقهم على هموم العيش، وفي الدقيقة التي فكرتُ في هذا، وردت خاطرة ميمونة إلى القلب مع حقيقة وبشرى هي أنه:</p>
<p style="text-align: justify;">ستَحُلُّ الشهور الثلاثة المباركة جدًّا الحاملة لأثوبة عظيمة بعد خمسة أيام، فالعبادات مثابة فيها بأضعافها، إذ الحسنة إن كانت بعشر أمثالها في سائر الأوقات ففي شهر رجب تتجاوز مائة حسنة، وفي شهر شعبان تزيد على ثلاثمائة حسنة، وفي شهر رمضان المبارك ترتفع إلى الألف حسنة، وفي ليالي الجُمَع فيه إلى الآلاف، وفي ليلة القدر تصبح ثلاثين ألف حسنة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن <strong>الشهور الثلاثة سُوقٌ أخروية</strong> سامية رفيعة للتجارة، بحيث تُكسِب المرء هذه الأرباحَ والفوائد الأخروية الكثيرة جدًّا.. وهي مَشْهَرٌ عظيم ومعرض ممتاز لأهل الحقيقة والعبادة.. وهي التي تَضْمن عمرًا لأهل الإيمان بثمانين سنة خلال ثلاثة شهور، فقضاء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تُكسِب ربحًا بعشرة أمثالها، لا شك أنه ربح كبير وفوز عظيم، فمهما كانت المشقات فهي عين الرحمة.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن الأمر هكذا <strong>من حيث العبادة</strong>، فهي كذلك <strong>من حيث الخدمة النورية</strong> والعملِ لنشر رسائل النور، إذ تتضاعف الخدمات إلى خمسة أضعافها باعتبار النوعية إن لم تكن باعتبار الكمية، لأن القادمين والمغادرين لدار الضيافة هذه (السجن) يصبحون وسائط لنشر دروس النور، <strong>وقد ينفع أحيانًا إخلاصُ شخصٍ واحد بمقدار عشرين شخصًا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن كان هناك شيء من المشقات والمضايقات، فلا أهمية له إزاء انتشار سر الإخلاص الموجود في رسائل النور بين صفوف المسجونين الذين هم أحوج الناس إلى ما في الرسائل من سلوان، ولا سيما ممن تسري في عروقهم بطولات سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">أما من حيث هموم العيش، فمن المعلوم أن <strong>هذه الشهور هي سُوق الآخرة</strong> وقد دخل بعضكم هذا السجن بدلًا عن الكثيرين من الطلاب، بل إن بعضكم قد دخله بدلًا عن الألف، فلا شك أنه ستكون لهم مساعدات وإمدادات لأعمالكم الخارجية.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا وردت الخاطرة وفرحتُ بها فرحًا تامًا، وعلمت أن <strong>البقاء هنا إلى العيد نعمة إلهية عظيمة</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إلى رئاسة الوزارة ووزارة العدل ووزارة الداخلية‌]</h2>
<p>إلى رئاسة الوزارة ووزارة العدل ووزارة الداخلية‌<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>..</p>
<p>إن جميع رجال الدولة يعرفونني عن كثب، ولا سيما أولئك الذين عاصروا الظروف الجسام التي مرت على البلاد منذ إعلان الحرية (الدستور) وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال غزو الحلفاء للبلاد ودخولهم &#8220;إسطنبول&#8221;، وما أعقبته من أحداثٍ لحين تشكلِ الحكومة الوطنية، وفترة إعلان الجمهورية.. فالذين يحيطون علمًا بتلك الظروف ممن يتولون الآن مناصب في الدولة يعرفونني معرفة جيدة.. ومع هذا فاسمحوا لي أن أعرض مَشاهِدَ من حياتي أمامكم عرضًا سريعًا:</p>
<h3 style="text-align: center;">[سعيد القديم]</h3>
<p style="text-align: justify;">&#8220;ولدتُ في قرية &#8220;نورس&#8221; التابعة لولاية &#8220;بتليس&#8221;، وطوالَ فترة حياة التلمذة وتحصيلِ العلوم دخلتُ في مناقشات علمية حادة مع كل مَن قابلته من العلماء، كنت أتغلب عليهم بفضل العناية الربانية، حتى بلغتُ &#8220;إسطنبول&#8221;، وهناك في جوِّها المشوب بآفة الشهرة والصيت لم أنقطع عن مناظراتي العلمية، إلا أن وشاية الحاسدين والخُصَماء، أدَّت بي أن أُساق إلى مستشفى المجاذيب بأمر السلطان عبد الحميد -رحمه اللّٰه رحمة واسعة- ثم استقطبتُ نظر حكومة الاتحاد والترقي، بناءً على خدماتي أثناء إعلان الدستور وحادثة ٣١ مارت، طرحتُ عليهم مشروع بناء جامعة في مدينة &#8220;وان&#8221; باسم &#8220;مدرسة الزهراء&#8221; على غرار الأزهر الشريف.. حتى إنني وضعت حجرها الأساس بنفسي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن ما إن اندلعت الحرب العالمية الأولى حتى شكلتُ من طلابي والمتطوعين &#8220;فرق الأنصار&#8221; وتوليت قيادتهم، فخضنا معارك ضارية في جبهة القفقاس مع الروس المعتدين في &#8220;بتليس&#8221;.. وقعت أسيرًا بيدهم، إلّا أن العناية الربانية أنجتني من الأسر، وأتيت &#8220;إسطنبول&#8221;. وعُينتُ فيها عضوًا في &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221;، وبادرت إلى مجاهدة الغزاة المحتلين لإسطنبول في تلك الظروف الحرجة، وبكل ما وهبني اللّٰه من طاقة.. إلى أن انتهت حروب الاستقلال وتشكلت الحكومة الوطنية في &#8220;أنقرة&#8221;، فنظرتْ من جديد -تثمينًا لخدماتي تلك- إلى مشروع تأسيس الجامعة في &#8220;وان&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سعيد الجديد]</h3>
<p style="text-align: justify;">إلى هنا كانت حياتي طافحة بخدمة البلاد، وفق ما كنت أحمله من فكرة خدمة الدين عن طريق السياسة، ولكن بعد هذه الفترة وَلَّيْتُ وجهي كليًّا عن الدنيا، وأقبرتُ &#8220;سعيدًا القديم&#8221; -حسب اصطلاحي- وأصبحت &#8220;<strong>سعيدًا جديدًا</strong>&#8221; يعيش كليًّا للآخرة، فانسللت من حياة المجتمع، ونفضتُ يدي عن كل ما يخصهم، فاعتزلت الناس تمامًا، واعتكفت في &#8220;تل يوشع&#8221; في &#8220;إسطنبول&#8221;، ومن ثم في مغارات في جبال &#8220;وان&#8221; و&#8221;بتليس&#8221;، بتُّ في مجاهدة مستديمة مع روحي ووجداني، انفردت إلى عالمي الروحي رافعًا شعار &#8220;أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة&#8221;، صرفت كل همي ووقتي إلى تدبّر معاني القرآن الكريم، وبدأت أعيش حياة &#8220;سعيد الجديد&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ولادة رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى.. وفي هذه الأثناء تولدتْ من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم.. أمليتُها على مَن حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم &#8220;رسائل النور&#8221;، إنها انبعثت حقًا من نور القرآن الكريم، لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعةٍ تامة ويقينٍ جازم بأن <strong>هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري، وإنما هي إلهام إلهيّ أفاضه اللّٰه سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم،</strong> فباركتُ كلَّ من استنسخها، لأنني على يقين أن لا سبيل إلى حفظ إيمان الآخرين غير هذه السبيل، فلا تُمنَع تلك الفيوضات عن المحتاجين إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا تلقفتْها الأيدي الأمينة بالاستنساخ والنشر، فأيقنت أن هذا تسخير رباني وسَوق إلهي لحفظ إيمان المسلمين، فلا يستطيع أحد أن يمنع ذلك التسخير والسَّوق الإلهي، فاستشعرت بضرورة تشجيع كل مَن يعمل في هذه السبيل امتثالًا بما يأمرني به ديني.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الرسائل التي تربو على المائة والثلاثين رسالة لا تبحث بحثًا مقصودًا عن أمور الدنيا والسياسة، وإنما تخص كليًّا أمور الآخر ة والإيمان، وعلى الرغم من كل هذا فقد أصبحت الشغل الشاغل للانتهازيين والمتصيدين في الماء العكر حتى أوقفتني السلطات في كل من &#8220;أسكي شهر&#8221; و&#8221;قسطموني&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221;.. وأجرت المحاكمُ تدقيقات علمية على الرسائل، قام بها خبراء متخصصون، إلّا أن الحقيقة -بفضل اللّٰه سبحانه- كانت تتجلى بنصاعتها دومًا، وتتبوأ العدالة مكانتها اللائقة بها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[اتهامات باطلة]</h3>
<p style="text-align: justify;">بَيد أن هؤلاء المتربصين للفرص المتصيدين في الماء العكر لم يسأموا أبدًا، بل تسببوا في اعتقالي في هذه المرة، وأتوا بي إلى &#8220;أفيون&#8221; يسندون إليَّ التهم الآتية وأنا رهن التوقيف للاستجواب:</p>
<p style="text-align: justify;">١- إنك قد شكلت جمعية سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- إنك تنشر أفكارًا تعادى النظام.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- إنك تستهدف غاية سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">والأسباب الموجبة لهذه الاتهامات ودلائلها هي بضع عشرة جملة في عدد من رسائلي.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الوزير المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;آتوني جملة لا يمكن تأويلها، وأنا أحكم بها عليكم بالإعدام&#8221;، قالها نابليون؛ تُرى أية جملة يتفوّه بها الإنسان لا تكون سببًا للتأويلات والجرم والذنب؟ ولا سيما من كان مثلي بالغًا الخمس والسبعين من العمر وقد تخلى عن أمور الدنيا ونفض يده عنها كليًّا وحصر حياته كلَها للآخرة. فلا بد أن تكون كتاباتُ مثل هذا الشخص حرة طليقة، لأنها مقرونة بحُسن النية وحُسن الظن، فليس فيها تردد ولا تحرّج، لذا فإنّ تحري الجرم والتنقيب عن التهمة بالتدقيق تحت سطور هذه الكتابات، ظلم واضح فاضح لا غير.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذا فإن رسائل النور البالغة ثلاثين ومائة رسالة، لا تتضمن -قصدًا- ما يتعلق بأمور الدنيا قط، بل كلها تتعلق بالآخرة والإيمان، فلا غَرْو أنها <strong>مقتبسةٌ من فيض نور القرآن الكريم، وليس فيها أية غاية وقصد دنيوي ولا سياسي قط،</strong> فما من محكمةٍ تناولت أمور هذه الرسائل إلّا وقررت تبرئتها بالقناعة نفسها، ولهذا فإن إشغال المحاكم بما ليس ضروريًّا لها ولا يلزمها وعزلَ أهل العمل المؤمنين الأبرياء عن أعمالهم وأشغالهم أمر مؤسف بحق البلاد والعباد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن &#8220;سعيدًا القديم&#8221; الذي بذل كل حياته في سبيل إسعاد هذه الأمة ونشرِ الأمن والسعادة في ربوع البلاد، وانسحب انسحابًا كليًّا عن الدنيا بأسرها وكفّ يده عن أمورها كليًّا، أيمكن له أن يشتغل بالسياسة بعد أن أصبح &#8220;سعيدًا جديدا&#8221; وبلغ من العمر الخامسة والسبعين؟ أعتقد أنكم مقتنعون كذلك بهذا قناعة تامة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لي غاية واحدة]</h3>
<p style="text-align: justify;"> لي غاية واحدة وهي أنني في هذا الوقت الذي أتقرب فيه إلى القبر.. وفي هذا الوطن الذي هو بلاد إسلامية، نسمع نعيق أبوام البلاشفة.. هذا النعيق يهدد أسس الإيمان في العالم الإسلامي، ويشدّ الشعب ولا سيما الشباب إليه، بعد سلب الإيمان منهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني بكل ما أملك من وجود، أُجاهد هؤلاء، وأدعو المسلمين وبخاصة الشباب إلى الإيمان، فأنا في جهاد دائم مع هذه المجموعة الملحدة، وسأمثُل إن شاء اللّٰه في ديوان حضوره سبحانه وأنا رافع راية هذا الجهاد، وكل عملي ينحصر في هذا، وأخشى ما أخشاه أن يكون الذين يحولون بيني وبين غايتي هذه هم بلاشفة أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فغايتي المقدسة هي التكاتف والتساند والترابط مع كل من يجاهد أعداء الإيمان هؤلاء.. أعطُوني حريتي وأطلِقوا يديّ كي أعمل بالتكاتف مع القوى المجاهدة في سبيل إعلان التوحيد وترسيخ الإيمان في هذه البلاد وإصلاح الشباب المتسمم بالشيوعية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أنجع علاج بثُّ السلوان]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن أنجع علاج في هذه الدنيا، ولا سيما في هذا الزمان، وبخاصة للمبتلين بالمصائب، ولطلاب النور الذين انتابهم ضجر شديد ويأس قاتم هو <strong>تسلية أحدهم الآخر</strong>، <strong>وإدخال السرور في قلبه</strong>، <strong>وإمداد قوته المعنوية،</strong> <strong>وضماد جراحات</strong> الضيق والحزن والسأم، <strong>وتلطيف قلبه المغموم</strong>، كأخ حقيقي مضح، إذ الأخوة الحقة والأخروية التي تربطنا لا تتحمل التحيز والإغاظة.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أعتمد عليكم كليًّا وأستند إليكم، وأنتم على علم بقراري وعزمي بأنني عازم على أن أضحي مسرورًا لأجلكم أنتم بروحي، لا براحتي وشرفي فحسب، بل قد تشاهدون هذا مني فعلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنني أقسم لكم: إنه منذ ثمانية أيام يتألم قلبي من عذاب شديد، من جراء حادثة تافهة سببت دلالًا ظاهريًّا بين ركنين من أركان النور، فأحزن أحدُهما الآخرََ بدلًا من أن يكونا مبعث سلوان. فصرختْ روحي وقلبي وعقلي معًا، وبكت قائلة: &#8220;أواه! أواه! الغوث الغوث يا أرحم الراحمين، احفظنا وأجرنا من شياطين الجن والإنس، واملأ قلوب إخواني بالوفاء التام والمحبة الخالصة والأخوّة الصادقة والشفقة الكاملة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي الثابتين الصلبين صلابة الحديد.. أعينوني في مهمتي! فإن قضيتنا في منتهى الدقة والحساسية، فلقد سلمتُ إلى شخصكم المعنوي جميعَ مهماتي، لشدة ثقتي واطمئناني بكم، فعليكم إذن أن تسعَوا -ما وسعكم- لإمدادي وعوني، فعلى الرغم من أن الحادثة تافهة جزئية، فإن وقوع شعرة، مهما كانت صغيرة في عيننا تؤلم، وفي ساعتنا توقفها، إن هذه الحادثة الجزئية تعد كبيرة حيث أخبرتْ عنها الانفجاراتُ الثلاثة المادية والمُشاهَدات الثلاث المعنوية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دعوة إلى التساند الحقيقي]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن انفجار مدفأتي وتهشّم أقداح &#8220;فيضي&#8221; و&#8221;خسرو&#8221; ينبئان عن وقوع مصيبة ستحل بنا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه ينبغي التساند الحقيقي والترابط الصادق الذي هو أقوى مرتكز ونقطة استنادٍ لنا مع غضِّ النظر عن أخطاء بعضنا البعض، وعدم الاستياء من &#8220;خسرو&#8221; الذي هو بطل النور والممثل لشخصه المعنوي وفي موقعي أنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد كنت أشعر قبل بضعة أيام ضيقًا شديدًا في صدري وأقول في قلق: &#8220;لقد وجد أعداؤنا وسيلة للتغلب علينا&#8221;..</p>
<p style="text-align: justify;">حذار.. حذار.. حذار.. اعملوا فورًا على رأب الصدع في ترابطكم الوثيق الفولاذي.. <strong>أُقسم باللّٰه إن هذه الحادثة</strong> -ولا سيما في هذه الفترة- <strong>تُلحق الضرر بالعمل للقرآن وخدمة الإيمان أكثر من دخولنا السجن</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اغتنام الليالي المباركة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن &#8220;ليلة المعراج&#8221; بمثابة &#8220;ليلة قدر&#8221; ثانية، فكسب الثواب بالعمل المتواصل -كلما أمكن- يرتفع في هذه الليلة من الواحد إلى الألف.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا بالسر الكامن في الاشتراك المعنوي ستؤدون عبادات وتدعون دعوات في هذه الليلة المباركة، ولا سيما في هذا المعكتف المُثاب عليه كثيرًا، بأربعين ألف لسان كبعض الملائكة المسبّحة بأربعين ألف لسان، ومن ثم تشكرون ربكم بعبادات هذه الليلة، إزاء عدم تضررنا بواحد من ألف من الأضرار التي كانت تلحق بنا نتيجة العاصفة السابقة.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نبارك أخذكم الحذر التام، ونبشركم في الوقت نفسه أن العناية الربانية قد تجلت بحقنا تجليًا واضحًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الاشتغال برسائل النور يزيل الضجر]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أبارك ليلتكم، ليلةَ المعراج، بكل ما أملك من روح وجسد.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن دعوانا منذ عشرين سنة هي أن طلاب النور لا يتعرضون -ما أمكن- لنظام البلاد ولا يمسّون أمنَها بسوء، إلّا أن قضية سجننا هذه يمكن أن تُعد أمارة قوية وحُجة على جرح دعوانا تلك، حيث إن الذين يهاجموننا يزعمون أننا نُخِلّ بأمن البلاد ونظامِها أولًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن العناية الإلهية قد ظهرت بشكل خارق بكرامة إخلاصكم ووفائكم، إذ قد خَفَّت شدة المصيبة من المائة إلى الواحد، وغدت القُبة حَبة بفضله تعالى، وإلّا فإن الذين يستهولون الأمور ويجعلون الحَبة قُبة بحقنا يستغلون هذه الفرصة لبثِّ الافتراءات ضدَّنا، وربما يحملون الناس على تصديقها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: لا تفكروا فيّ ولا تقلقوا عليّ أبدًا، فإن وجودي معكم في بناية واحدة يزيل كل صعابي ومشقاتي ومضايقاتي.. وحقًّا إن اجتماعنا هنا له أهميةٌ عظيمة من جهات شتى، وفوائدُ جمةٌ لخدمة الإيمان، حتى إن إرسال تلك الحقائق المهمة التي تتضمنها &#8220;تتمة الاعتراض&#8221; إلى الدوائر العليا السِّتِّ هذه المرة، وجلبَها أنظارَهم وإجرائَها حكمها فيهم -إلى حدٍّ ما- أزال جميعَ مشقاتنا وأتعابنا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: إن الانشغال برسائل النور -حسب الإمكان- يزيل الضجر والضيق، ويمكن أن يعدّ خمسة أنواع من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خامسًا</strong>: لقد خفّت المصيبة السابقة من شدتها من المائة إلى الواحد بفضل دروس رسائل النور، وإلّا لكانت تصبح -من حيث الظرف الدقيق زمانًا ومكانًا- الحبةُ قبابًا كثيرة، أي هي بمثابة إلقاء الشرارة في البارود، حتى إن فريقًا من الموظفين الرسميين قالوا: &#8220;إن الذين استمعوا إلى دروس النور لم يتدخلوا في الأمر&#8221;، فلو كان الجميع يستمعون إليها لمَا حدث شيء قط.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا تُفسحوا يا إخوتي المجال -قدر المستطاع- إلى الثنائية والتفرقة، لئلا يُضاف شيء آخر إلى ضيق السجن وضجره؛ وليكن المسجونون أيضًا إخوة متحابين كطلاب النور، ولا يهجرنّ بعضُهم بعضًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حذار من اهتزاز المحبة الخالصة فيما بينكم]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء المخلصين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تَحتّم علينا بدرجةِ الوجوب استعمالُ دساتيرِ لمعةِ الإخلاص وسرِّ الإخلاص الحقيقي فيما بيننا وتجاه بعضنا للبعض الآخر، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وبكل ما نملك من قوة.</p>
<p style="text-align: justify;">إذْ علمتُ بخبرٍ يقينيٍّ أنه قد عُيّن ثلاثة أشخاص، منذ ثلاثة شهور، ليُلقوا الفتور فيما بين الإخوة الأوفياء هنا، باستغلال اختلاف الأفكار والمشارب فيما بينهم، وعاملِين على تثبيط عزائم الأقوياء منهم، وبث الشبهات والأوهام والخوف في قلوب الرقيقين منهم القليلي الصبر والتحمل، لِجَعْلِهم يتخلون عن القيام بخدمة النور، فيمددوا مدةَ محاكمتنا لهذه الأغراض.</p>
<p style="text-align: justify;">فحذار.. حذار.. <strong>وإياكم أن تهتز تلك المحبة الصميمية الصادقة التي ربطت قلوبكم،</strong> <strong>إذ إن اهتزازًا طفيفًا في الأُخوّة والمحبة بقدر ذرة واحدة يضرنا أيَّما ضرر</strong>، لأن بعض علماء الدين في &#8220;دنيزلي&#8221; قد ابتعدوا عنا بسبب تزعزعٍ طفيف، نحن نضحي بأرواحنا رخيصةً في سبيل أُخوَّتنا إن استوجب الأمر، وهذا ما تقتضيه خدمتنا القرآنية والإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فلا يضجرنَّ أحدٌ من الآخر مما يسببه توتر الأعصاب الناجم عن الضيق الشديد ومن أي سبب آخر، بل ليَسْعَ كلٌّ منكم بزيادة محبته لأخيه وزيادة صميميته وإخلاصه له، وليُحمِّل نفسَه التقصيرَ بكمال التواضع والتسليم، وإلا فسوف نتضرر عظيمَ الضرر، إذ تصبح الحبة الصغيرة قبة عظيمة تستعصي على الإصلاح.</p>
<p style="text-align: justify;">أختصر الكلام هنا مُحيلًا الموضوعَ إلى فراستكم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[المفسدون يتربصون وعلاج ذلك]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">بناءً على إخطار معنوي مهم، إنّ لكم مهمة أو مهمتين نوريتين، تلك هي السعي بكل ما أوتيتم من قوة بدروس رسائل النور، لئلا يحدث بين المسجونين المبتلين المساكين في هذه &#8220;المدرسة اليوسفية الثالثة&#8221;، الانحيازُ إلى جهة والانشقاق، حيث <strong>إن مفسدين خطرين يتربصون تحت الستار ليستغلوا الاختلاف والأغراض الشخصية والحقد والعناد</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام معظم أصحابنا في السجن يحملون روح البطولة والتضحية بروحهم لأجل بلادهم وأمتهم وأحبتهم إن استوجب الأمر، فلا شك أن الواجب على أولئك الرجال الشهام <strong>أن يضحّوا بعنادهم وأغراضهم الشخصية وعداواتهم لأجل سلامة الأمة وراحة المسجونين</strong>، والنجاة من إفساد المتسترين الذين يعملون بخفاء لصالح الفوضى والإرهاب ويلقحون أفكار الناس بالشيوعية، فيضحون بتلك العداوة التي لا فائدة فيها قطعًا، بل فيها ضرر كبير ولا سيما في هذا الوقت العجيب.</p>
<p style="text-align: justify;">وإلّا، (أي بخلاف هذا)، سيكون الأمر في هذا الوقت العصيب كمن يُلقي الشرارة في البارود، وسيلحق الضرر بمائة سجين ضعفاء وبطلاب النور الأبرياء، وبولاية &#8220;أفيون&#8221; هذه، بل ربما يكون وسيلة لطرف أصابع منظمة أجنبية دخلت البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إننا <strong>قد دخلنا السجن لأجل أولئك بالقدر الإلهي</strong>، بل قِسمٌ منا لا يريد مغادرةَ السجن لاستدامة سعادتهم وراحتهم المعنوية، ونحن مستعدون للتضحية براحتنا وهنائنا في سبيل راحة الآخرين من إخواننا، وتحمُّلِ كل ضيق وضجر بالصبر الجميل، فلا بد أن إخواننا الجدد أولئك أيضًا يصبحون كمسجونِي سجن &#8220;دنيزلي&#8221;، <strong>فلا يضجر بعضهم من بعض، ولا يهجره ولا يسأم منه ويستاء</strong>، بل عليهم -وهذا ضروري- أن يتصالحوا فيما بينهم إخوانًا متحابين تلطيفًا لخاطر أُخُوّتنا ولأجل حرمة شهر شعبان وشهر رمضان المبارك.</p>
<p style="text-align: justify;">وبدورنا نحن جميعًا -وأنا كذلك- نعدّهم ضمن دائرة طلاب النور، حتى إنهم قد دخلوا ضمن دعواتنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة في تأجيل موعد المحاكمة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصادقين.‌.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن في تأجيل موعد محاكمتنا وحضور إخواننا الذين أُخلُوا منها هنا يوم المحاكمة، فيه خير كثير.. والخير فيما اختاره اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لما كانت قضية رسائل النور تهم العالم الإسلامي كله وبخاصة هذا البلد، لذا تستدعي أمثال هذه الاجتماعات الصاخبة المثيرة الجالبة لأنظار الناس عامة إلى حقائق رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا تلقي رسائل النور دروسَها الرائعة وبصراحة تامة على الأصدقاء والأعداء، حتى أظهرت أخفى أسرارها إلى أعدى أعدائها دون إحجام ولا تردد، في مثل هذه الاجتماعات التي هي فوق حسباننا وخارج حذرنا وخلاف إخفائنا للرسائل، وتُضادد تهوين معارضينا لشأنها، فضلًا عن أنها خارج طوقنا وإرادتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هذه، فينبغي لنا أن نعدّ مضايقاتنا التي نعانيها هنا -وهي جزئية وقليلة جدًّا- علاجًا مرًّا نتناوله بالصبر والشكر قائلين: &#8220;كل حال يزول&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد كتبتُ لمدير هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت أسيرًا في &#8220;روسيا&#8221; قامت الثورة البلشفية أولَ ما قامت من السجون، كما أن الثورة الفرنسية قد اندلعت من السجون أيضًا، وحمَلَها أولئك المسجونون المذكورون في التاريخ باسم الفوضويين.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا نحن طلاب النور قد سعينا في كل مرة في سجن &#8220;أسكي شهر&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221;، وكذلك هنا (في أفيون) قدر المستطاع لإصلاح المسجونين، وقد تكلل ذلك السعيُ الجميل في &#8220;أسكي شهر&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221; بالثمرات الطيبة، وستثمر هنا إن شاء اللّٰه فوائدَ أكثر.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنه في هذا الوقت الدقيق والمكان الحرج مضت تلك الزوبعة<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> وخفَّت شدتها من المائة إلى الواحد بفضل دروس النور، إذ لولا ذلك لكانت التيارات الخارجة المفسدة تتمنى الفرصَ لتستغل الاختلافات وأمثالَ هذه الحوادث، ولكانت تلقي الشرارة في البارود وتشب الحريق.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا بد من الاجتماع، وقد قدَّره الله في السجن]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين الثابتين في خدمة القرآن، يا من لا يتهربون منا من شدة الضيق..</p>
<p style="text-align: justify;">أحزنتني نفسي الآن في التفكير لأجلكم، جراء ضيق مادي ومعنوي، ولكن.. إذا بخاطرٍ يَرِد إلى القلب، وهو أنكم لو تحملتم عشرةَ أضعافِ هذه المشقات والمتاعب وبصورة أخرى لكانت زهيدة في سبيل لقاء أحدٍ من الإخوة هنا لقاءً عن قرب.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم <strong>من الضرورة بمكان أن يكون لطلاب النور كلَّ بضعِ سنين اجتماعٌ يجتمعون فيه دفعة واحدة</strong>، كما كان أهل الحقيقة سابقًا يجتمعون مرة أو مرتين كل سنة ويديمون فيه مسامراتِهم ومحاوراتهم على وفق مشرب رسائل النور المكلل بالتقوى والرياضة الروحية، ومسلكِها المتسم بإلقاء الدروس إلى الناس كافة وإلى المحتاجين خاصة بل حتى إلى المعارضين، <strong>ولأجل إنطاق الشخص المعنوي في دائرتها</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فالمدرسة اليوسفية هذه أفضل مكان لطلاب النور وملائم جدًّا لهذه الأغراض، بحيث تَهُون أمامه المشقاتُ حتى لو كانت ألف مشقةٍ وضيق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن اجتناب بعض إخوتنا الضعفاء وانسحابَهم</strong> من ميدان العمل للنور لسآمتهم في سجوننا السابقة <strong>كان خسارة جسيمة لحقت بهم</strong>، بينما لم يلحق أي ضرر برسائل النور وطلابها، بل <strong>انضم بدلًا منهم من هو أكثر ثباتًا وإخلاصًا منهم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن امتحان الدنيا عابر ويمضي بسرعة ويسلِّم لنا ثوابه وثمراته، فعلينا الاطمئنان إلى العناية الإلهية شاكرين ربنا من خلال الصبر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رجاء لإعادة المصحف الشريف]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: عندما تسلّمون القطعتين الأخيرتين إلى رئيس المحكمة، بوساطة شخص فاضل تختارونه ليطّلع عليها اطلاعًا غير رسمي، ليكن ذلك بعد طبعهما بالحروف الجديدة أو بالحروف القديمة، وقدِّموا معهما إليه مذكرة أخرى تكتبون فيها:</p>
<p style="text-align: justify;">إن &#8220;سعيدًا&#8221; يقدم لكم شكرَه الجزيل ويقول: لقد فتح الحراس الشبابيك إلّا أن المدعي العام لا يسمح لأي واحد من إخوتي بالمجيء إليَّ، وإنه يرجو منكم رجاءً حارًا أن <strong>تعيدوا إليه المصحف الشريف المحجوز في المحكمة</strong> والمكتوب بخط نفيس معجز كي يتلو فيه هذه الشهور المباركة، علمًا أنه قد أُرسلت ثلاثة أجزاء من ذلك المصحف إلى رئاسة الشؤون الدينية ليسعَوا في طبعه بالصورة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلاوة على ذلك يرجو منكم أن تسلموا إليه إحدى المجموعات التي سُلّمت إلى المحكمة، كي تكون له مدارَ تَسَلٍّ في تجريده المطلق وضيقه الشديد، وليأنسَ بمطالعتها ويصاحبها في عزلته هذه عن الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أن تلك المجموعات قد مرت على ثلاث محاكم أو أربع دون أن يعترضوا عليها، فضلًا عن تقديرِ الكثير من علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة والشام وحلب وكبار علماء الأزهر بمصر، بل إعجابهم بها من دون أن ينتقدوا منها ولا يعترضوا عليها، وذلك بشهادة الحجاج القادمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أصلِحوا الجفاء فورًا]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن لدى &#8220;فيضي&#8221; نسختين من &#8220;الحزب النوري&#8221;، فإن لم تكونوا بحاجة إليهما فلترسَل إحداهما إليّ، أو ليكتب &#8220;محمد فيضي&#8221; نسخة أخرى، فضلًا عن أننا بحاجة إلى &#8220;رسالة رمضان&#8221; و&#8221;الآية الكبرى&#8221; المطبوعة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أصلِحوا فورًا الجفاءَ الموجود فيما بينكم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">حذار.. حذار من هذا.. لأن انحرافًا ولو طفيفًا جدًا، يُلحِق بدائرة النور ضررًا أيما ضرر، فلا تنفعلوا بالأحاسيس الناشئة من الضيق، فلقد أشار انفجارُ مدفأتي إلى هذه الحادثة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[قررت ألا أنظر إلى أي تقصير منكم]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين: خسرو ومحمد فيضي وصبري..‌</p>
<p style="text-align: justify;">كنت آمُلُ أن أُودع إليكم -بكل ثقتي وقناعتي- الحفاظ على سلامة رسائل النور ثم أَدخلَ القبر سليم القلب، وكنت أعتقد أنه لا يمكن أن يَحُول شيءٌ -مهما كان- بين بعضكم البعض الآخر، والآن هناك إشعار رسمي موضوع بخطة رهيبة لإحداث جفوة بين أركان طلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنتم مستعدين للتضحية -إذا استوجب الأمر- بحياتكم لأجل الآخرين، بمقتضى وفائكم الخالص وترابطكم الوثيق برسائل النور، فلا شك، بل ويحتم عليكم أن تضحوا بمشاعركم الجزئية العابرة التي لا أهمية لها في سبيل الآخرين، إذ بخلاف ذلك ستَلحق بنا بلا شك -في هذه الفترة- أضرارٌ جسيمة، كما أن هناك احتمالَ الافتراق عن دائرة النور.. <strong>أقول ذلك وأنا أرتعد من هذا المصير</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد انتابني ضيقٌ شديدٌ منذ ثلاثة أيام لم أرَ مثله قط، وهزَّني هزًّا عنيفًا، وعلمتُ الآن قطعًا أنَّ تدللًا من بعضكم على البعض الآخر وإن كان طفيفًا -كشعرة في العين- يقع وقوع القنبلة في حياتنا النورية.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنني أبلغكم هذا أيضًا: لقد بُذِلَتْ جهودٌ مضنية لإظهارنا ذوي علاقة مع الزوبعة السابقة، <strong>فيحاولون الآن إلقاء الجفاء -ولو قليلًا- فيما بينكم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني <strong>قررتُ أن لا أنظر إلى تقصير أيٍّ منكم</strong>، رغم أنني أقاسي -في سبيل الحفاظ على مشاعركم- المتاعب والمضايقات أكثر منكم بعشر مرات، فأطلب منكم باسم أستاذِنا الشخصِ المعنوي لطلاب النور، تركَ الأنانية وعدم الأخذ بها محقًّا كان المرء أم غير محق.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن كانت هناك أصابع خفية تلعب في ذلك المكان العجيب، لوجودكم معًا، فليذهب أحدكم إلى ردهة &#8220;طاهري&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اغتنام ليلة النصف من شعبان]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين.. ويا زملاء الدراسة في هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221;..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن الليلة القادمة هي <strong>ليلة النصف من شعبان</strong>، <strong>وهي بمثابة نواة سامية لسنة كاملة</strong>، <strong>ونوع من برنامج للمقدرات البشرية</strong>، لذا تكتسب هذه الليلة قدسية من ليلة القدر، فمثلما الحسنات تتضاعف إلى ثلاثين ألف ضعف في ليلة القدر، يرتفع العملُ الصالحُ وكل حرف من الحروف القرآنية في ليلة النصف من شعبان إلى عشرين ألف ثواب.</p>
<p style="text-align: justify;">فلئن كانت الحسنة بعشرِ أمثالها في سائر الأوقات، ففي الشهور الثلاثة ترتفع إلى المائة وإلى الألف، وفي هذه الليالي المشهورة ترتفع إلى عشرة آلاف، وعشرين ألفًا، وثلاثين ألفًا من الحسنات، فهذه الليالي المباركة تعدل عبادة خمسين سنة، لذا فالانشغال &#8211; قدر المستطاع &#8211; بتلاوة القرآن الكريم والاستغفار والصلوات على الرسول الكريم (ﷺ) في هذه الليلة ربح عظيم جدًّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[العبادة الجماعية في الليالي المباركة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا.. سلّمكم اللّٰه في الدارين.</p>
<p style="text-align: justify;">نبارك لكم ليلة النصف من شعبان بكل قلوبنا وأرواحنا، تلك الليلة التي يمكن أن يغنم فيها أهل الإيمان عمرًا معنويًّا يَعدل خمسين سنة من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">فكل طالب مخلصٍ خالص للنور في هذه الليلة كأنه يعبد ربه ويستغفره بأربعين ألف لسانٍ كبعض الملائكة المسبِّحين بأربعين ألف لسان.. هكذا نأمُل من رحمته تعالى باطمئنان تام وبسرِّ الاشتراك المعنوي وبفيض التساند المعنوي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[شرح حديث الدجال للمعارضين]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد اعترض البعض في الادعاء على مسألة من &#8220;الشعاع الخامس&#8221; تتعلق بالدجال، متأثرين في اعتراضهم هذا بادعاءات بعض أصحاب الأهواء والبدع من العلماء، <strong>الذين ينكرون مجيء الدجال أو حتى عدد من الدجالين في الإسلام</strong>، ولعلّ الحديث النبوي التالي يُعتبر خيرَ دليل على دحض تلك المزاعم.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد ورد في الحديث الصحيح: &#8220;لن تزال الخلافة في ولد عمي -صِنْو أبي- العباس حتى يسلِّمها إلى الدجال&#8221;، وهذا الحديث الشريف فضلًا عن أنه يعتبر معجزة رائعة من معجزات نبينا (ﷺ)، فإنه يدل دلالة صريحة على أن الخلافة العباسية ستظهر وتستمر مدة طويلة بما يقرب من خمسمائة سنة، ثم تدمَّر على يد دجالٍ من الدجالين الثلاثة من أمثال &#8220;جنكيز&#8221; و&#8221;هولاكو&#8221; ويتولى حكومة دجالية في العالم الإسلامي؛ أي إنه يدل دلالة ظاهرة على أن العالم الإسلامي سيُفْتَتَن بثلاثة من الدجالين طبقًا للأحاديث المختلفة الواردة.</p>
<p style="text-align: justify;">على أن الخبر الغيبي الوارد في هذا الحديث ينطوي على معجزتين قطعيتين من معجزات الرسول (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إحداها</strong>: أن الخلافة العباسية ستقوم فيما بعد وتدوم خمسمائة عام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيها</strong>: أن هذه الخلافة ستنقرض على يد دجال ظالم طاغ من أمثال &#8220;جنكيز&#8221; و&#8221;هولاكو&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا عجبًا! هل يمكن لصاحب الشريعة الذي أَخبر في كتب الأحاديث عن أشياء جزئية تعود إلى شعائر الإسلام والقرآن أن لا ينبئ عن الأحداث العجيبة التي في زماننا هذا؟! وهل يمكن أن لا يُشار إلى تلاميذ رسائل النور الذين نذروا أنفسهم لخدمة القرآن خدمة مخلصة، وبشكل رائع وواسع، لا سيما في زمن عجيب كزماننا هذا، وفي ظروف صعبة وشديدة كظروفنا.. تلك الخدمات التي يعترف بها الأعداء والأصدقاء؟!</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[قضية فلسطين]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إلى الرائد النوري العزيز وخادم القرآن أخي رأفت بك..‌</p>
<p style="text-align: justify;">هذه نكتة من نكات الآية الجليلة: ﴿وَضُرِبَتْ عليهم الذِّلَةُ والْمسْكَنَةُ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">إن اليهود لما أفرطوا في حُب الحياة والتكالب على الدنيا استحقوا أن يَتلقَوا صفعةَ الذل والمسكنة في كل عصر وكل مكان.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن الأمر بالنسبة لقضية فلسطين هذه يختلف بعض الشيء، فقد حلّ محل حُبِ الحياة والتكالبِ على الدنيا -الذي هو جبلّة اليهود وديدنُهم على مر العصور- شعورٌ قومي وديني؛ حيث بدؤوا يحسون أن &#8220;فلسطين&#8221; هي مقبرة بني إسرائيل، وأن الأنبياء السابقين كانوا من قومهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وبالنظر إلى شعورهم القومي والديني هذا فإنهم لم يتلقَّوا صفعة تأديب بسرعة هذه المرة، وإلّا فكيف يكون باستطاعة ثلة قليلة من الناس أن تعيش وسط ذلك الجمع الهائل من العرب الذين يطوقونها من كل صوب دون أن يتلقَّوا صفعة سريعة وتُضربَ عليهم الذلة والمسكنة؟!</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سؤال حول كروية الأرض]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: هل هناك آية كريمة تدل على كروية الأرض؟ وفي أية سورة من سور القرآن الكريم؟ فإن شبهةً تجول في فكري حول تسويتها أو كرويتها، وحيث إن أراضي كل حكومة تحدها البحار فما الذي يحافظ على أطراف هذه البحار الواسعة؟</p>
<p style="text-align: justify;">الملا علي من أميرداغ‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: <strong>لقد حَلَّت رسائل النور هذه المسألة</strong> وما شابهها من المسائل، علمًا أن علماء الإسلام قد قبلوا بكروية الأرض، وأنها لا تخالف الدين.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا يدل ورود السطح في الآية الكريمة<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> على عدم كرويتها.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن استقبالَ القبلة شرط في الصلاة لدى المجتهدين، والشرط يسري في جميع الأركان، لذا يَلزم استقبال القبلة في الركوع والسجود، وهذا إنما يمكن بكروية الأرض.</p>
<p style="text-align: justify;">والقبلة شرعًا عمودٌ نورانيٌّ يَصعد من فوق الكعبة إلى العرش، وتمتد من أسفلها إلى الفرش، فاستقبال القبلة في أركان الصلاة إنما يكون بكروية الأرض وبكون القبلة عمودًا نورانيًّا كما ذكرنا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الخير فيما اختاره الله في عدم الإفراج]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ﴾</p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">نبارك من كل قلوبنا وأرواحنا حلولَ شهر رمضان المبارك، ونسأله تعالى أن يجعل ليلة القدر لكم خيرًا من ألف شهر. آمين.. ويقبلَها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إنني أعتقد أن بقاءنا هنا إلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة، إذ لو أُفرج عنا لحُرِمنا من خيرات هذه &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221;، فضلًا عن أننا سننشغل بأمور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهرِ رمضان الذي هو شهر أُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن <strong>فالخير فيما اختاره اللّٰه</strong>، وستكون إن شاء اللّٰه أفراحٌ كثيرة وخيرات أكثر.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد علمتم أيضًا يا إخوتي في المحكمة أنهم لا يستطيعون وجدان شيء علينا حتى بقوانينهم أنفسهم، لذا يتشبثون بأمور جزئية جدًّا لا تمسُّ القانون بشيء ولو بقدر جناح بعوضة، فينقِّبون في مكاتب جزئية وأمور جزئية خاصة جدًّا، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمة وسيلة تكون سببًا للتعرض لنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن لنا مصلحةً أخرى، وهي أنهم <strong>ينشغلون بشخصي</strong> الذي لا أهمية له، فيهوّنون من شأني <strong>بدلًا من انشغالهم بطلاب النور</strong> الكثيرين ورسائلِ النور الواسعةِ الانتشارِ، فلا يَسمحُ القدر الإلهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النور، بل يشغلهم بشخصي فحسب.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري أبيّن لكم ولجميع أصحابي وأصدقائي أنني أرضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما أملك من روح وجسد، بل حتى بنفسي الأمّارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم أنتم، <strong>فكما أن الجنة ليست رخيصة فإن جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي يُنـزِلها بنا أعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونثأر لأنفسنا بأضعافِ أضعافِها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزءٌ منها في الدنيا.. فنحن بدلًا من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على اللّٰه والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، من دون أن يساورنا القلق، مع أخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدِّ أواصر المحبة ووشائج الألفة والمسامرة المباركة مع إخوتنا هنا في الأيام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائِه في جوٍّ من الأخوّة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالأوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الألف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظٌّ عظيمٌ يؤتيه اللّٰه من يشاء.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن دروسَ النور المؤثِّرة تأثيرًا جيدًا في هذا الامتحان العسير واستقراءَها حتى للمعارضين فتوحاتٌ نورية لها أهميتها وقيمتها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاشية</strong>: إن إنكار بعض إخواننا كونَه طالبًا من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولا سيما (&#8230;) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم أنه عمل سيء، إلّا أن خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[علينا النظر إلى الجهة الحسنة من كل شيء]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن الليالي المقبلة تُكسب المرء ثمانين ونيفًا من سني العمر المليء بالعبادة، واحتمالُ وقوع ليلة القدر فيها واردٌ حسب ما ورد في الحديث الصحيح: &#8220;تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup> فعلينا إذن السعي لاغتنام هذه الفرصة الثمينة، فهي سعادة عظمى ولا سيما في مثل هذه الأماكن المثابة عليها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: بمضمونِ: &#8220;مَن آمن بالقدر أمِنَ مِن الكدر&#8221;، وكذا حسب القاعدة الحكيمة: &#8220;خذوا من كل شيءٍ أحسنَه&#8221;، وكذا قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هَداهُم اللّٰه وأولئك هم أولوا الألباب﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">فحسب هذه الآية الجليلة والقواعد السابقة: علينا أن ننظر إلى الجهة الحسنة من كل شيء، والوجهِ الجميل المبشِّر منه لكي لا تنشغل قلوبُنا بما لا يعني من الحالات القبيحة العابرة التي لا حاجة لنا إليها، بل هي مضرة تورث الضيقَ والانقباض.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ذُكر في &#8220;الكلمة الثامنة&#8221;: رجلان يدخل أحدهما الحديقة بينما يغادرها الآخر. فالمحظوظ السعيد هو الذي ينظر إلى الأزاهير وما شابهها من الأشياء الجميلة في الحديقة، فينشرح ويرتاح ويهنأ، بينما الآخر الشقي يحصر نظره في الأمور القذرة الفاسدة لعجزه عن التنظيف، فينتابه الغثيان ويتضايق بدلًا من أن ينسرَّ في الحديقة، ويتركها هكذا..</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن صفحات الحياة الاجتماعية البشرية الحالية ولا سيما &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221; هي بمثابة حديقة، فيها أشياء قبيحة وحسنة معًا، وفيها أمور محزنة ومفرحة جنبًا إلى جنب، فالكيّس مَن أشغل نفسه بالأمور الجميلة، من دون أن يعبأ بالقبيحة والفاسدة منها، فيشكرُ ربّه وينسرُّ في موضع الشكوى والقلق.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لمعة الإخلاص خير ناصح]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين الثابتين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">أبارككم بكل روحي وقلبي، فلقد ضمدتم جرحنا بسرعة، وأنا بدوري فرِحتُ تمام الفرح وانسررت الليلةَ بالشفاء.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم أن &#8220;مدرسة الزهراء&#8221; تتوسع وتزوّد الأذهان والقلوب بسر الإخلاص الحقيقي والتضحية الجادة وترك الأنانية والتواضع التام وذلك ضمن دائرة النور، وتقوم بنشر هذه الأمور في الأوساط، فلا بد إذن أن لا يُفسد تلك الدروسَ القوية والعلاقة الأخوية المتينة ما يتولد من المشاعر والأحاسيس من أمور عابرة في منتهى الجزئية ولا الدَّلُّ فيما بينكم.. <strong>إن لمعة &#8220;الإخلاص&#8221; خير ناصح في هذا المجال</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد وُضِعتْ في الوقت الحاضر خطةٌ رهيبة لضربنا وتشتيتِ رسائل النور وزعزعةِ الروابط بين طلابها، وذلك بإلقاء الجفاء بين الطلاب وإحداثِ السآمة فيما بينهم وإيجادِ الفرقة من حيث اختلاف المشرب والفكر.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ارفعوا الهجر والسخط فورًا]</h2>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز السيد رأفت..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بحرمة القرآن العظيم، وبحق ارتباطكم القرآني، وبشرف خدماتكم العظيمة في مسلك النور طوال عشرين سنة.. ارفعوا ما بينكم من هجر وسخط</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فهو رهيبٌ رغم كونه شيئًا جزئيًّا -ظاهرًا- إلّا أنه أليمٌ فجيعٌ بالنسبة لأوضاعنا الحالية الدقيقة. فهو عونٌ عظيمٌ للمنافقين المتسترين الذين يسعون لإبادتنا وإفنائنا.</p>
<p style="text-align: justify;">تخلَّوا يا إخوتي عن استياء بعضكم عن بعض، الشبيه بِإلقاء الشرارة في البارود، واحملوا الآخرين عن التخلي عنها، إذ بخلاف ذلك هناك احتمال قوي أن يَلحق الضررُ بنا وبالخدمة القرآنية والإيمانية بالأرطال بسبب حق جزئي شخصي لا يعادل درهمًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإني أُطَمْئِنُكم -مقسِمًا باللّٰه- أنه <strong>إذا أهانني أحدُكم أشدَّ إهانة وأشنع تحقير، وحطَّ من كرامةِ شخصيتي كليًّا، ولم يتخلّ -في الوقت نفسه- عن الخدمة القرآنية والإيمانية والنورية، فإنني أصفح عنه وأتنازل له عن حقي</strong>، وأُصالحه، وأسعى لعدم الاستياء منه.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دمتم تعلمون أن أعداءنا يستغلون جفاءً جزئيًّا فيما بين الإخوة، تصالَحوا فورًا، وتخلَّوا عن التدلل الذي لا معنى له، بل فيه ضرر بليغ، وإلّا فسيكون ضررًا جسيمًا لخدمتنا الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت العناية الإلهية قد وَهبت لنا الكثيرين بدلَ الضائعين المفارِقين لنا، فستُسعفنا وتمدّنا بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[قلوب الخبراء أصبحت من النوريين]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا.. فنحن في ظل العناية الإلهية وتحت رعايتها.. إن المشقات الظاهرة تحمل رحمات كثيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أرغموا الخبراء على أن يهوّنوا جزءًا من الرسائل.. لا شك أن قلوب الخبراء قد أصبحت من &#8220;النوريين&#8221;.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة في تأجيل الإفراج]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين الذين لا ينال منهم القلق والاضطراب، ولا يتركون الآخرة بالعودة إلى الدنيا الفانية..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لا تحزنوا من بقائنا هنا مدة أخرى لرغبتهم في توسيع دائرة قضيتنا، بل كونوا راضين شاكرين كما أنا راضٍ شاكر، إذ العمر لا يتوقف، بل يحث الخطى نحو الزوال، وينال البقاء بثمراته الأخروية في مثل هذه المعتكفات، فضلًا عن أن دائرة دروس رسائل النور تتوسع.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: اضطر علماء هيئة الخبراء إلى قراءة &#8220;سراج النور&#8221; بإمعان، علمًا أن هناك احتمالَ ورود نقيصة لخدمتنا الإيمانية -بجهةٍ أو جهتين- فيما إذا أُفرج عنا في هذه الفترة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أرغب في مغادرة السجن بالرغم من أنني أقاسي المضايقات أكثر منكم بكثير، وأنتم كذلك اجهدوا -حسب المستطاع- على الصبر والتحمل والتعود على نمط الحياة هنا، مع الاشتغال باستنساخ رسائل النور ودراستها لتجدوا السلوان والسرور.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[التفسير نوعان ورسائل النور تفسير للقرآن]</h2>
<p>إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p><strong>أولًا</strong>: ربما كان عددٌ منا يسافر لأداء فريضة الحج في هذه السنة لو كان السفر إليه حرًّا مسموحًا به<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نسأل اللّٰه تعالى أن يَقبل نياتِنا هذه وكأننا سافرنا إلى الحج فعلًا</strong>، ويمنحَ خدمتنا الإيمانية والنورية ثوابًا عظيمًا كثواب الحج ونحن نعاني هذه الأحوال المليئة بالمضايقات والمشقات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: <strong>إن رسائل النور تفسير قيّم وحقيقي للقرآن الكريم</strong>، لقد كرَّرنا هذا الكلامَ، وخطر الآن للقلب بيانُ حقيقته وذلك لعدم وضوح معناه الحقيقي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>التفسير نوعان:</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: التفاسير المعروفة التي تُبيِّن وتوضح وتثبِت معانيَ عبارات القرآن الكريم وجُمَلَه وكلماته.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>القسم الثاني من التفسير</strong>: هو إيضاحُ وبيانُ وإثبات الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم إثباتًا مدعَّمًا بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة؛ ولهذا القسم أهمية كبيرة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما التفاسير المعروفة والمتداولة فإنها تتناول هذا النوع الأخير من التفسير تناولًا مجملًا أحيانًا، إلّا أن رسائل النور اتخذت هذا القسم أساسًا لها مباشرة، فهي تفسير معنوي للقرآن الكريم بحيث تُلزِم أعتى الفلاسفة وتُسكتهم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نسعى لإقرار الأمن]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">تُرى هل نحن ورسائلُ النور أكثر إضرارًا في الأوساط، بحيث يَكتب كلُّ محرر للصحف ما يشاء ويَعقد كل صنف اجتماعًا دون مداخلةِ أحد؟!</p>
<p style="text-align: justify;">والحال <strong>إذا انعدمت التربية الدينية فلا تكون لدى المسلمين وسيلة للإدارة سوى الاستبداد المطلق والرشوة التي لا تحدها حدود</strong>، إذ كما لا يتهود المسلم -التارك لدينه- حقًّا ولا يتنصّر حقًّا، بل يكون ملحدا ويضل ضلالًا بعيدًا، كذلك لا يكون شيوعيًّا قط بل فوضويًّا إرهابيًّا، وعندئذٍ لا يمكن إدارته إلّا بالاستبداد المطلق.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن طلاب النور فإننا نسعى لمعاونة الإدارة وإقرار الأمن والنظام وإحراز السعادة للأمة والوطن، والذين يجابهوننا هم إرهابيون ملحدون أعداء الأمة والوطن، فالأَولى للحكومة بل الألزم لها أن تسعى لحمايتنا ومعاونتنا لا التعرض لنا والتعدي علينا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الحكمة في إطالة مدة البقاء في السجن]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن الإفراج عن كل من &#8220;رأفت&#8221; و&#8221;أدهم&#8221; وأفراد عائلة &#8220;جالشقان&#8221; و&#8221;برهان&#8221; وأمثالهم من طلاب النور الناشرين، يدل على أن انتشار رسائل النور ليس محظورًا، فلا تتعرض لها المحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه علامة على الإقرار بعدم وجود تحزب وتشكيل جمعية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن إطالة مدة قضيتنا وجلبهم الأنظار إلى رسائل النور في ميدان واسع <strong>إنما هي بمثابة دعوة عامة لقراءتها</strong>، <strong>وإعلان رسمي لها</strong> يثير لدى السامعين المشتاقين الرغبة في قراءتها.. <strong>وهي</strong> <strong>وسيلة لكسبنا</strong> نحن وأهلِ الإيمان <strong>المنافعَ العظيمة</strong> التي تفوق مشقاتِنا بمائة درجة.. <strong>وهي</strong> <strong>إشارة</strong> إلى <strong>تأثير مثل هذا الدرس الإيماني</strong> النـزيه في أوسع دائرة في الأرض -كالقنبلة الذرية- إن شاء اللّٰه إزاء هجوم كلي شامل قاسٍ شرس تشنّه جيوشُ الضلالة الرهيبة في هذا الزمان.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مِن خطط الأعداء]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء: رأفت، محمد فيضي، صبري..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تلقيت إخطارًا قلبيًّا فأرجوكم رجاءً خالصًا لأجل رسائل النور، وبركة هذا العيد المبارك، ولأجل حقوق الأخوّة السابقة فيما بيننا: اسعوا أيها الإخوة الثلاثة لضماد جرحنا الجديد الغائر، لأن أعداءنا ينفّذون خطتين اثنتين علينا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أُولاها</strong>: التهوين من شأني.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: بث الجفاء فيما بيننا، بنشر روح الانتقاد والاعتراض والاستياء فيما بينكم، ولا سيما مع &#8220;خسرو&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إني أُعلن لكم: لو كان لـ&#8221;خسرو&#8221; ألف تقصير وخطأ فإني أخاف من الكلام عليه، لأن الكلام عليه خيانة عظيمة في الوقت الحاضر، حيث يَعني الكلامَ على رسائل النور مباشرة، وعليَّ بالذات، ويكون لصالح الذين استضعفونا، فهو خيانة عظيمة إلى حدٍّ فجّرَتْ مدفأتي.</p>
<p style="text-align: justify;">وإني على قناعة من أن <strong>التعذيب الذي يذيقونني إياه مؤخرًا ناتج من انحلال الترابط فيما بينكم</strong>، والذي ليس له مغزى قط، بل فيه ضرر كبير.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أصابع رهيبة تتدخل هنا في السجن، ولا سيما في الردهة السادسة، لا تدفعوني يا إخوتي إلى البكاء والحزن في عيدنا هذا، تصالَحوا فورًا صلحًا قلبيًّا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ضرورة البقاء في السجن في هذه الفترة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أريد أن يُخْلُوا سبيل اثنين أو ثلاثةٍ من إخواننا اليوم، إلّا أن العناية الإلهية قد أخّرتهم لفوائد يحصلون عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">بل إن بقاءنا في وضعنا هذا بما يقرب من عشرين يومًا ضروري، بل ضروري جدًّا، لأن وجودنا معًا في هذا العيد ضروري لنا ولرسائل النور، ولخدمتنا وراحتنا المادية والمعنوية، ولنأخذَ حظَّنا كاملًا من أدعية الحجاج، ولنجاة رسائل النور المرسلة إلى &#8220;أنقرة&#8221; من المصادرة، ولتزايد عدد الذين يشفقون على كوننا مظلومين فينسلكوا في مسلك النور، وليكون حُجةً على أننا لا نستجير بخونة الوطن والأمة بالرضى عن الأخطاء العظيمة التي تُرتكب حاليًّا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نحن مكلفون بالشكر]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">السجن هو أفضل مكان لنا في هذه الفترة الطافحة بالشبهات والأوهام والاضطرابات والقلاقل.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن رسائل النور ستُكسب لنا ولهم الإفراج بإذن اللّٰه، إذ ما دامت رسائل النور تستقرئ نفسها بشكل لا مثيل له، وإلى هذه الدرجة الواسعة خلال هذه الظروف الصعبة المحيطة، وإزاء معارضين كثيرين جدًّا، وتدفع طلابَها إلى أنواع شتى من العمل للإسلام في السجن، ولا تفسح المجال إلى تذللهم بفضل العناية الإلهية.. <strong>فنحن إذن مكلفون بأداء الشكر للّٰه بدل الشكوى</strong>، والاطمئنان إلى هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن تحملي جميع الشدائد والمضايقات الشديدة نابع من هذه القناعة والاطمئنان، فلا أتدخل في مشيئة اللّٰه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أسلوب القراءة في أثناء التصحيح]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن إحدى النسختين، لي، والأخرى للمدير.. صحِّحوا أخطاء النسخة الأخرى على نسختي المكتوبة بخطي.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كنت أطالع رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; هذه المرة، وجدت أنها ذات قيمة عالية ولا سيما المقام الثاني والمحاورة المعنوية في الختام، وقد استفدت منها أيّما استفادة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل أن تستفيدوا، <strong>ليقرأْها أحدُكم وليستمع إليها الآخر</strong>، وليتولَّ اثنان من إخواننا المطالعةَ أثناء التصحيح ولا يظلوا عاطلين عن العمل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; الخاصة بي والمكاتيبُ الموجودة هنا وغيرها يجب أن لا تضيع، ولا تبقى معطَّلةً عن القراءة، فلقد عهدتُ نظارتها ومراقبتها إلى &#8220;جيلان&#8221;.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تأجيل قضيتنا فيه خير]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: <strong>إن تأجيل قضيتنا فيه خير</strong>، والخير فيما اختاره اللّٰه، فقد كان قلبي يرغب في هذا التأخير. وإطلاقُ حرية رسائل النور يستدعيه كذلك. وستُوَفَّقون -بهذا التأخير- إن شاء اللّٰه إلى بث السلوان فيما بينكم، وإلى تقوية الروح المعنوية، وإلى مذاكرةٍ علمية وإقامة جلسات طيبة، وإلى كتابة رسائل النور ومطالعتها وإلى إزالة نقطة الزحمة<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup> وتحويلها إلى رحمة، وإلى تبديل هذه الساعات الفانية إلى ساعات خالدة باقية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن تهانينا بالعيد قد جرت في المنـزل المؤقت للمحكمة، لذا فأنا أُرسل إليكم حلاوة العيد وهي ماء زمزم، أتى به رائد مدينة قونية &#8220;الأخ زبير&#8221; وعسل قرية &#8220;نورس&#8221; الذي له مغزى عظيم عندي؛ ضعوا الماء في وعاء العسل ورجّوه جيدًا ثم صبوا فيه ماء زمزم، واشربوه هنيئًا مريئًا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الرابطة الأخوية بين طلاب النور]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد طُرح عليّ سؤال ذو مغزى هام، من مصدر هام جدًّا؛ فقد سألوني ما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;">على الرغم من أنكم لستم جمعية، وذلك بشهادة ثلاث محاكم أصدرت حكمَها بالبراءة بهذا الصدد؛ وبعد أن أخذتْ ستُّ ولايات على عاتقها مهمةَ الرصد والتجسس طوال عشرين عامًا، وتَبيّن لها في النهاية أَنْ لا علاقة لكم بتلك التهمة، وأنها مختلَقَة من أساسها.. على الرغم من ذلك كله، <strong>فإن العلاقة التي تربط &#8220;طلاب النور&#8221; بعضهم ببعض لا يوجد لها نظير في أي جمعية أو هيئة</strong>.. فهلا تفضلتم بإيضاح هذه المسألة وحل تلك المعضلة؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأجبتهم قائلًا: نعم، إن طلاب النور ليسوا جمعية أو شبه جمعية، ولن يكونوا.. خاصة وأنهم يربأون بأنفسهم عن أن ينتموا إلى ذلك النوع من الجمعيات التي تتشكَّل لأغراض شخصية أو جماعية، مستهدِفةً كسب المنافع السياسية أو الدنيوية -إيجابيةً كانت تلك المنافع أم سلبية- بَيد أن أبناءَ وبنات وأحفاد أبطال هذا الوطن القدامى من فدائيي الإسلام، الذين قدَّموا ملايين الأرواح -بكمال المسرّة والرضى- في سبيل نيل مرتبة الشهادة، لا بد أنهم قد ورِثوا حظًا من روح تلك التضحية والفداء حتى أظهروا تلك العلاقة الخارقة التي دفعت أخاهم هذا العاجز الضعيف إلى القول أمام محكمة &#8220;دنيزلي&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">«<strong>إن الحقيقة التي افتدتها ملايين الأبطال برؤوسهم، فداءٌ لها رؤوسنا أيضًا</strong>».</p>
<p style="text-align: justify;">قال هذه الجملة باسمهم، وأسكت المحكمة، تاركًا إياها في حيرة وتقدير وذهول.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن <strong>في طلاب النور فدائيين حقيقيين خالصين مخلصين للّٰه، لا يريدون إلّا وجهه ونيل رضاه والحياة الآخرة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فلم يجد الماسونيون والشيوعيون وأهل الضلالة والإفساد والزندقة والإلحاد والطاشناق وأمثالهم من المنظمات الخطرة وسيلةً لدحر أولئك النوريين، فغرَّروا بالحكومة ودوائر العدلية بوساطة قوانين مطاطة بغيةَ تشتيتهم وكسر شوكتهم.. ألا حبطت أعمالهم.. فلا ينالون شيئًا منهم بإذن اللّٰه، بل سيكونون وسيلة لزيادة عدد الأبطال المضحين للنور والإيمان.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لماذا تخشاكم عصابات الأرمن؟]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">سأذكر لكم ما جرى من محاورة قبل أربعين سنة، شبيهةٍ بالتي جرت أمس:</p>
<p style="text-align: justify;">كانت علاقة طلاب &#8220;سعيد القديم&#8221; وطيدة جدًّا مع أستاذهم، حتى بلغت مرتبة التضحية والفداء، لذا كان &#8220;سعيد القديم&#8221; يتمكن من التصدي للفعاليات الكثيرة التي كانت تقوم بها عصابات الأرمن وفدائيو الطاشناق في حوالي مدينة &#8220;وان&#8221; و&#8221;بتليس&#8221;، بل كان يُوقِفهم عند حدّهم إلى درجة ما.</p>
<p style="text-align: justify;">وحينما وجد لطلابه بنادق الماوزر، وتحولت مدرسته إلى ما يشبه المعسكر -إذ الكتب كانت جنبًا إلى جنب مع البنادق- حضر قائد عسكري برتبة فريق وشاهَدَ هذا المنظر، وقال: &#8220;هذه ليست مدرسة دينية بل ثكنة عسكرية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وأمَر قائلًا: &#8220;اجمعوا بنادقه&#8221; لما ساورته الشكوك من جراء حادثة &#8220;بتليس&#8221;، فحصلوا منا خمس عشرة بندقية، وبعد حوالي شهرين اندلعت الحرب العالمية الأولى، فاسترجعتُ بنادقي منهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال، ولمناسبة هذه المواقف والأحوال سألوني:</p>
<p style="text-align: justify;">إن عصابات الأرمن التي تملك فدائيين رهيبين تخشاكم، حتى إنها تجنبت الاحتكاك معكم وتفرقوا بعيدًا عنكم لَمَّا صعدتم جبل &#8220;أرَك&#8221; في &#8220;وان&#8221;.. تُرى ما القوة التي فيكم حتى يكون الأمر هكذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أجيبهم: إن فدائيي الأرمن الذين يقومون بهذه البطولات الخارقة، إنما يقومون بـها <strong>في سبيل الحصول على حياة دنيوية فانية</strong>، ولأجل كسب <strong>مصلحة قومية مؤقتة صغيـرة</strong>، وللحفاظ على سلامتها.. ونحن نُجابه هؤلاء بالطلاب الذين يَسْعَون في سبيل الحصول على <strong>حياة باقية خالدة</strong>، <strong>ولأجل كسب مصالح إيجابية لأمة الإسلام السامية العظيمة،</strong> وقد أيقنوا بأن الأجل واحد لا يتغير، فلا شك أن هؤلاء الطلاب لا يتخلفون قطعًا عن أولئك الفدائيين.</p>
<p style="text-align: justify;">﴿أقول باسم إخوتي -مع عجزي-:  سنظهر أننا وارثي أجدادنا في البطولة والشجاعة أيضًا كما أننا وارثيهم في الدين -إن لزم الأمر،- بل سنتفوق كثيرًا إن شاء اللّٰه.﴾</p>
<p style="text-align: justify;">بل إذا لزم الأمر يَفْدون بحياتـهم وبأجلهم المحتوم وبعمرٍ لا يعدو بضع سنوات ظاهرية، في سبيل الفوز بملايين السنوات من العمر الخالد، وفي سبيل الحفاظ على سلامة مليارات من الناس المؤمنين الأتقياء.. يَفدونها دون تردد، وبكل فخر واعتزاز.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا بد من الامتحان والتمحيص]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء ذوي الشفقة والوفاء..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد اشتد عليّ منذ يومين أثر الرشحة (الزكام) سواء في رأسي وفي أعصابي، ففي مثل هذه الحالات أشعر بحاجة إلى الأُنس بالأصدقاء والتسلي بلقائهم، ولكن ضايقتْني وحشةُ الانفراد والتجريد العجيب مضايقة شديدة، فورد إلى القلب شكوى على هذه الصورة.</p>
<p style="text-align: justify;">لِمَ هذا التعذيب؟ وما فائدته لخدمتنا في سبيل القرآن والإيمان؟</p>
<p style="text-align: justify;">وفجأةً أُخطِر للقلب صباحَ هذا اليوم، الآتي: إن دخولكم هذا الامتحان القاسي، وتمييزَكم الدقيق في المحك مرات عدة لِيخلص الذهب عن النحاس، واختبارَكم من كل جانب وناحية بتجارب ظالمة لمعرفة مدى بقاء حظوظ نفوسكم الأمارة ودسائسها، ومن ثم تمحيصكم بثلاث ممحِّصات، كان ضروريًّا جدًّا لخدمتكم التي هي خالصة لوجه الحق والحقيقة، لذا سمح القدر الإلهي والعناية الربانية به.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن الإعلان عن هذه الخدمة السامية، في ميدانِ امتحان كهذا، تجاهَ معارضين عنيدين ظَلَمة يتشبثون بأتفه حجة.. جَعَل الناسَ يفهمون أن هذه الخدمة القرآنية نابعة من الحق والحقيقة مباشرة، ولا تُداخلها حيلة ولا خداع، ولا أنانية ولا غرور، ولا غرض شخصي، ولا منافع دنيوية وأخروية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ ما كان عوام المؤمنين يثقون بها لولا هذا الامتحان، حيث كان لسان حالهم يقول: ربما يقولون ليغرروا بنا ويخدعونا.</p>
<p style="text-align: justify;">ويرتابُ خواص المؤمنين ويقولون: ربما يعملون هكذا وصولًا إلى مقامات معينة، وكسبًا لثقة الناس بهم ونيلًا للإعجاب، كما يفعله بعض أهل المقامات المعنوية، وعندئذ لا يثقون بالخدمة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بعد الابتلاء، اضطر حتى أعتى عنيد مرتاب إلى التسليم بالأمر، لذا إن كانت مشقتكم واحدة فإن ربحكم ألف إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول حادثة عدم القيام للقائد الروسي]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن إعلان الحادثة التي وقعت أثناء أسري في روسيا<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup> في الجريدة، قد زَيَّد من توجه الناس وإقبالهم رغم شدة المنع والسعي لتجنيب الناس عنّا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قال رئيس الحراس: إن ثلاثة أشخاص رسميين قد قالوا أمس في فِناء السجن وهم من المؤيِّدين لإنـزال الإهانات بنا ولا سيما بي: عندما يظهر &#8220;سعيد&#8221; من النافذة يتجمع الناس وينظرون إليه، فعليه أن لا يقف أمام النافذة، وإلّا فبدِّلوا ردهته إلى أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لا تهتموا.. فلقد قررتُ أن أتحمل المضايقات مهما كانت، وستتبدل -إن شاء اللّٰه- إلى أفراح ومسرات ببركة دعواتكم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ أصل تلك الحادثة صحيح، ولكن لم أفصّل في بيانها لعدم وجود شاهدٍ لي في الحادثة، إلّا أنني <strong>لم أكن أعلم أن مفرزة من الجنود قد أتوا لإعدامي</strong>، وعلمت ذلك بعدئذٍ. ولم أعرف أيضًا ما قاله القائد الروسي من كلام لإرضائي، فالنقيب المسلم الذي كان حاضرًا في أثناء الحادثة والذي أَخبر &#8220;الجريدة&#8221; بها، قد فهم إذن ما قاله القائد الروسي مكررا: &#8220;معذرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..‌</p>
<p style="text-align: justify;">إنني <strong>كلما انشغلت برسائل النور تضاءلتْ المضايقاتُ وخفّت</strong>، بمعنى أن وظيفتنا هي الانشغال برسائل النور وعدم الاهتمام بالأمور العابرة، مع التحلّي بالصبر والتجمل بالشكر.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سجية تحير العقول]</h2>
<p style="text-align: center;">سجية تحير العقول لبديع الزمان‌</p>
<p style="text-align: justify;">هذا المقال نشر في مجلة &#8220;أهل السنة&#8221; الصادرة بإسطنبول في ١٥ تشرين الأول ١٩٤٨ بقلم صاحبها المحامي.‌</p>
<p style="text-align: justify;">عندما جُرِحْتُ وأُسـِرْتُ في موضعِ &#8220;بتليس&#8221; في الحرب العالمية الأولى، وقع بديع الزمان أيضًا في اليوم نفسه أسيرًا، فأُرسل إلى أكبر معسكر للأسرى في سيبريا، وأُرسِلتُ إلى جزيرة &#8220;نانكون&#8221; التابعة لـ&#8221;باكو&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي يوم من الأيام عندما يزور نيقولاي نيقولافيج المعسكرَ المذكور للتفتيش -يقوم له الأسرى احترامًا- وعندما يمر من أمام بديع الزمان لا يحرك ساكنًا ولا يهتم به، مما يلفت نظر القائد العام، فيرجع ويمر من أمامه بحجة أخرى، فلا يكترث به أيضًا، وفي المرة الثالثة يقف أمامه، وتجري بينهما المحاورة الآتية بوساطة مترجم:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; أَمَا عرفني؟</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; نعم، أعرفه إنه نيقولاي نيقولافيج، خال القيصر والقائد العام لجبهة القفقاس.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; فَلِمَ إذَن قَصَد الإهانة؟</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; كلا.. معذرة، إنني لم أستهن به، وإنما فعلتُ ما تأمرني به عقيدتي.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; وماذا تأمر العقيدة؟</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إنني عالم مسلم، أحمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممن لا يحمله، فلو أنني قد قمت له احترامًا لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي؛ ولهذا لم أقم له.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إذن فهو بإطلاقه صفةَ عدم الإيمان عليَّ يكون قد أهانني وأهان جيشي وأهان أمتي والقيصَر، فلتُشَكَّل حالًا محكمةٌ عسكرية للنظر في استجوابه.</p>
<p style="text-align: justify;">وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلبِ العفو منه، إلّا أنه أجابـهم بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;"> &#8220;إنني راغب في الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسـول الكريم (ﷺ)، فأنا بحاجة إلى جواز سفرٍ فحسبُ للآخرة، ولا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وتجاهَ هذا الكلام يُؤْثِر الجميعُ الصمتَ منتظرين النتيجة.</p>
<p style="text-align: justify;">وتُنهي المحكمة أعمالَها بإصدارِ قرارِ الإعدام بموجَب مادةِ إهانة القيصر والجيش الروسي. وتَحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام، ويقوم بديع الزمان إلى الضابط الروسي قائلًا له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأؤدي واجبي.</p>
<p style="text-align: justify;">فيقوم إلى الوضوء.. وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولاي نيقولافيج ويخاطبه: &#8220;أرجو منك المعذرة؛ كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاتخذتُ الإجراءات القانونية بحقكم، ولكن الآن أدركت أنكم تستلهمون هذا العمل من إيمانكم، وتنفذون ما تأمركم به عقيدتكم؛ لذا أبطلتُ قرار الحكم بحقكم. إنكم تستحقون كل تقدير وإعجاب لصلاحكم وتقواكم، أرجو المعذرة فقد أزعجتكم، وأكرر رجائي مرارًا: أرجو المعذرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه العزة الدينية، وهذه السجية الرفيعة التي هي قدوة حسنة للمسلمين جميعًا أخبرني عنها أحد أصحابه في معسكر الأسر، وهو برتبة نقيب، وكان شاهد عِيان للحادثة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا ما إن عرفت هذا حتى اغرورقت عيناي بالدموع دون اختيار مني<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>عبد الرحيم زابسو</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إرسال حصة الطعام لبيعها إلى المحتاجين]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لانقطاع شهيتي عن الطعام، ولتضرري من الهدية، أرسلتُ إليكم ما وقع لي من حصة الطعام وهي: ثلاثُ قِطَع من الدهن، وسلَّة من العنب، وكيس من التفاح، وعلبتان من الشاي والسكر.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد كنت عازمًا على إرسال شيءٍ ما هديةً لكم، ولكن علمت أنه لديكم منه أيضًا، وقد قبلتُه لئلا تسخط عليَّ &#8220;مدرسة الزهراء&#8221; قائلةً: لَم يأكل من هديتي!</p>
<p style="text-align: justify;">بيعوا هذه المواد إلى المحتاجين بأثمان رخيصة وإلى المستحقين، لأنني سأشتري بأثمانها البيض واللبن والخبز، كي تكون هديةً مباركةً حقًّا، وشفاءً لي وللشارين ولمدرسة الزهراء وشُعَبها، وليكن &#8220;خسرو&#8221; المشرف على البيع، ويتولى &#8220;جيلان&#8221; و&#8221;حفظي&#8221; أمر البيع.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[المُصِرُّ على العِناد لا تُطهِّرُه إلا النار]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لمناسبة ما نشر في الجريدة حول حادثةِ أسرِي، أُخطر إلى قلبي الآن:</p>
<p style="text-align: justify;">إن قائدًا جبّارًا للروس قد تخلّى عن حِدّته وهدَّأ غضبُه إزاء ما أبديتُه من عزة الإيمان، فاعتذَر.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن الموظفين الرسميين الذين يَرَون صلابة الإيمان لدروس رسائل النور القوية الخالصة، والتي تَفُوق مائةَ درجةٍ على الصلابة التي أبداها شخصي، أقول: إنْ لم تَلِنْ قلوبُهم، وأصروا على عنادهم، فلا يُطهِّرهم إذن إلّا نار جهنم.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن هذا العمر القصير المحدود لا يسعه جزاءُ هذا الجرم العظيم؛ حيث إن الدهن لا يمكن أكله إذا فسد، بخلاف اللبن والحليب، نسأله تعالى أن تكون رسائل النور قد أنقذت الكثيرين منهم قبل أن يفسدوا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[معاملة محيِّرة وقعت خلال الأسر]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد أُخطر إلى قلبي بيانُ معاملةٍ محيرة وذات عبرة وقعت خلال أسري لمرتين (في روسيا وهنا):</p>
<p style="text-align: justify;">كنا في &#8220;قوصتورما&#8221;، في روسيا، مع تسعين من ضباطنا الأسرى في ردهة واحدة، وكنتُ أُلقي عليهم أحيانًا الدرسَ، وذات يوم حضر القائد الروسي وشاهَد الموقفَ وقال: إن هذا الكردي قائدَ المتطوعين قد ذبح كثيرًا من جنودنا، ويأتي الآن ويلقى دروسًا سياسية هنا، لا يمكن هذا، أمنعُه قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بعد يومين قال: &#8220;يبدو أن دروسكم غير سياسية، بل دينية وأخلاقية.. استمر عليها&#8221; فسمح بإلقاء الدرس.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي أسري الثاني: مَنعتْ &#8220;العدليةُ&#8221; أن يَحضر عندي أحد إخوتي الخواص الذي استمعَ إلى دروسي طوال عشرين سنة، ويُحسِن إلقاءَ الدرس أفضل مني؛ ومَنعتْ كذلك أن يأتيني من يعاونني في أموري الضرورية الخاصة كيلا يأخذ درسًا مني.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال، أن رسائل النور لا تدع حاجة إلى تلقّي الدروس من غيرها، فضلًا عن أنه لم يَبق لنا درسٌ غيرها، وليس لنا سرٌّ يُخفى.. وعلى كل حال فقد حال شيء عن ذكر هذه المسألة الطويلة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ظهور سعيد الثالث]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;">تَعرِض لي حالةٌ روحيةٌ مهمةٌ لمرتين أو ثلاث، وهي حالة شبيهة بالتي دفعَتني لأنـزوي في جبَل يوشع بإسطنبول قبل ثلاثين سنة وجعلتْني أنسلُّ من الحياة الاجتماعية البرّاقة لـ&#8221;دار الحكمة الإسلامية&#8221;، بل لم أسمح حتى ببقاء المرحوم &#8220;عبد الرحمن&#8221; معي، وهو الطالب الأول لرسائل النور وبطلُها الرائد، كي ينجزَ بعضَ أعمالي الضرورية.</p>
<p style="text-align: justify;">تلك الحالة التي هي انقلابٌ روحي أظهر ماهية &#8220;سعيد الجديد&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن بدأتْ عندي تباشيرُ شبيهةٌ بتلك الحالة، وأعتقد أنها إشارة إلى ظهور <strong>&#8220;سعيد الثالث&#8221; الذي يكون تاركًا للدنيا كليًّا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن رسائل النور وطلابَها الغيارى سيؤدون مهماتي بدلًا عني، فلم يعُد هناك حاجة إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم أن كل جزء من الأجزاء الجامعة لرسائل النور، وكل طالب من طلابها الثابتين يُدرِّس ويرشد أفضل مني وأتم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أهمية نكتة توحيدية في لفظ هو]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إنني أخال -بناءً على بعض الأمارات- أن رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221; تعطى لها أهمية أكثر من المجموعات الأخرى لرسائل النور، فأعتقد أن ما فيها من &#8220;نكتة توحيدية في لفظ «هو»&#8221; قد قصمت ظهرَ أعدائنا الزنادقة وشتتت <strong>طاغوتَ الطبيعة</strong> التي يستندون إليها. فلم يَعُد لشيءٍ ما أن يخفيه بعد أن كان التراب الكثيف يخفيه إلى حدٍ ما.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنه بعد ظهور تلك النكتة التوحيدية لا يمكن إخفاؤه في الهواء الرقيق الشفاف، بمعنى أنه لا يستطيع أن يخفي نفسه في أية جهة كانت.</p>
<p style="text-align: justify;">ليغرروا العدلية بالكفر العنادي والتمرد الارتدادي، وستصرِف رسائلُ النور بإذن اللّٰه أنظارَ العدلية إلى صالحها، وستُفشِل هذا الهجومَ وتجعله بائرًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن ما نُشر في هذه الفترة، سواء في مجلة &#8220;أهل السنة&#8221; أو الجريدة المحلية هنا، وكذا المقابلة الصحفية التي أجراها &#8220;زبير&#8221; بحرارة، أصبح بمثابةِ إعلانٍ جيدٍ للاشتغال برسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">اقرأوا -بدلًا مني- الأبحاث التي تَخصُّنا وتروق لي، وأعلموني بها.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الأخذ بالحذر ضروري]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين محمد ومصطفى وإبراهيم وجيلان..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد شاهدتُكم أمس وأنتم الأربعة في جلسة أخوية لطيفة، فسررتُ بها كثيرًا وشكرتُ اللّٰه عليها، واستمعت إليها بفرح وسرور وكأنني معكم في الجلسة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن شاهدت فجأة أن هناك في جهتيكم مَن يَسترِق السمع إليكم، ودام الاستماع نصف ساعة من الزمان، فقلقتُ وقلت في قلبي: ربما بينهم جاسوس يغيّر معاني الكلام فيجعل من الحبة قبة حيث كانوا يُلقون السمع باهتمام، ولا يتلفت إليهم الإخوة المتكلمون لعدم اهتماهم بالحذر، ولمتعة الجلسة والمؤانسة التي فيها، فكتبت إليكم جوابًا بهذا الشأن.</p>
<p style="text-align: justify;">والحمد للّٰه.. فقد علمتُ أن الكلام ما كان فيه ضرر، ومع هذا <strong>فالأخذ بالحذر ضروري في هذه الفترة الحرجة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد علمتُ من رسالة &#8220;المَلاحق&#8221; الحاملة لحُسن ظنٍّ مفرطٍ بحقي بما يفوق حدّي مائة درجة، أنه سيكون نظير المرحوم &#8220;حسن فيضي&#8221; الذي هو رائد طلاب النور في &#8220;دنيزلي&#8221;، وسيظهر في &#8220;أفيون&#8221; بإذن اللّٰه من أمثال &#8220;حسن فيضي&#8221; الكثيرون، فلا تكون &#8220;أفيون&#8221; قاصرة عن &#8220;دنيزلي&#8221; وعندها تتبدل مشقاتُنا مسراتٍ ورحمات.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إثارة الاهتمام إلى قراءة جرائد إسلامية]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..‌</p>
<p style="text-align: justify;">ما كنت أهتم بالجرائد، إلّا أن نَشرَ مجلّةِ &#8220;أهل السنة&#8221; و&#8221;سبيل الرشاد&#8221; مقالاتٍ لصالحنا، حيَّرتْ -بلا شك- الأعداءَ الزنادقةَ والحاسدين، وقد أثار اهتمامي احتمالُ محاولة هؤلاء لإسكات أولئك الأصدقاء</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سُلوان ذو حقيقة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">سُلوان ذو حقيقة يزيل مصائبي المضجرة.‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: تحوُّل المشقات إلى رحمات ومسرات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: الانشراح النابع من الرضى والتسليم لعدالة القدر الإلهي.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالث</strong>: السرور الناشئ من رعاية العناية الإلهية الخاصة بطلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرابع</strong>: اللذة الناشئة من زوال المصيبة التي هي عابرة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الخامس</strong>: الأثوبة العظيمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادس</strong>: عدم التدخل في مشيئة اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السابع</strong>: حصول أخف الجراحات وأقل المشقات عند أشد الهجوم شراسة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثامن</strong>: تضاؤل المصيبة بدرجات كثيرة بالنسبة للمبتلَين الآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>التاسع</strong>: الفرح المنبعث من تأثير الإعلانات الرفيعة عن الانتهاء من الامتحان العسير في خدمة النور والإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه المسرات المعنوية التسع، علاج لذيذ ومرهم لطيف إلى حدّ لا يمكن تعريفه لتهدئة آلامنا الشديدة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[توضيح لما قيل في المحكمة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إنه لَعناية إلهية أنني لم أتمكن من سماع ما قاله المدعي العام من افتراءات، وإلّا كنت أجيبه بكلام قاس.</p>
<p style="text-align: justify;">وما قلته في المحكمة: &#8220;سأحيلك إلى المحكمة&#8221;. أعني به: أحيلك إلى المحكمة الكبرى لظلمك إيانا، وإلى محكمة دنيوية لتصرفك غير القانوني.</p>
<p style="text-align: justify;">وقصدي مِن: &#8220;ليس لي محام&#8221;، أن لنا جميعًا محاميًا لمسألتنا الكلية التي تخصنا معًا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الهجوم عليّ شخصيًّا فأنا المتكفل بالإجابة عنه.. أبلغوا هذا &#8220;أحمد حكمت&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن دفاعاتنا السابقة كافية لدحض افتراءات المدعي العام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: لقد كَتب إليّ كل من &#8220;مصطفى عثمان&#8221; و&#8221;جيلان&#8221;، أن ما قيل في المحكمة لا يؤدي إلى تأثير سيء في وسط دائرة النور، ولا يعكر صفو القلوب قطعًا؛ ووجدت البطل الرائد &#8220;طاهري&#8221; قد تلقى الأمر هكذا أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: أظن أن الكفر والضلالة لأنهما يهجمان علينا بشكل منظم مستندَين إلى منظمات ومؤسسات، فإن القدَر الإلهي يعذبنا بظلمهم الشنيع المستند إلى المنظمات، بمعنى أن اتحاد أهل الإيمان فيما بينهم في الوقت الحاضر أمر ضروري، ونحن لجهلنا بتلك الحقيقة نتلقى صفعة تأديب عادلة من القدر الإلهي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أفضل مكان لنا الآن هو السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن أفضل مكان لنا هو السجن في زمن حكمِ وزارة مستبدة تمنع الحج وتهدر ماء زمزم وتحظره، وتسمح بإنزال أشد الظلم بنا، ولا تكترث بمصادرة &#8220;ذو الفقار&#8221; و&#8221;سراج النور&#8221; وترفع درجة الموظفين الذين يتولون تعذيبنا قصدًا، وبلا سند قانوني، ولا تُلقي السمع إلى أصواتنا المرتفعة ولا إلى بكائنا بكاءَ المظلومين المنطلقِ من مساكننا بلسان الحال.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أفضل مكان لنا في فترة حكم هذه الوزارة هو السجن، إلّا أنه إذا نُقلنا إلى سجن آخر فستحل السلامة كليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: كما أنهم حمَلوا أبعد الناس عنا بالإكراه على قراءة أخص الرسائل سرية، كذلك يدفعوننا دفعًا وبإصرار لنشكل جمعية.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن الأخوّة الإسلامية الموجودة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد نَمَتْ لدى طلاب النور نموًا خالصًا طاهرًا مكللًا بالتضحية الجادة والفداء التام الذي ورثوها عن أجدادنا الأوائل الملايين الأبطال الذين ضحوا بكمال الشوق بأرواحهم في سبيل حقيقة، فارتبط النوريون بتلك الحقيقة ارتباطًا وثيقًا بحيث لا يدع حاجة لحدّ الآن إلى تشكيل منظمات، سياسية كانت أم رسمية علنية كانت أم سرية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فهناك حاجة في الوقت الحاضر بحيث يسلط القدر الإلهي أولئك علينا، فهم يقترفون الظلم بإسناد جمعية موهومة إلينا، والقدَرُ الإلهي يقول لنا: لِمَ لم تُكوِّنوا بإخلاص تام وبتساند تام حزبَ اللّٰه الحقيقي؟</p>
<p style="text-align: justify;">فصفَعَنَا صفعةَ تأديبٍ بأيديهم، وقد عَدَل.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وضع الإمكانات بدل الوقوعات في الاتهامات]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لا أجدكم بحاجة إلى السلوان، يكفي أنكم تشدون الروح المعنوية بعضكم لبعض؛ وتكفيني كذلك اللوحة التي تقابلني.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد عُلم أن هذا الهجوم الأخير ما كان إلّا ظلمًا وعملًا غيرَ قانوني وترهيبًا لم ينجم إلّا من أوهام وضعف، فقد كانت أوضاع الناس وموقف أفراد الأمن بمثابة اعتراضٍ على ذلك الهجوم العابث.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: هل تكفي دفاعاتي لما تُسنَد إلينا من اتهامات؟ وهل المحامون و&#8221;زبير&#8221; يسعون في الأمر؟ ألديهم شيء من القلق؟</p>
<p style="text-align: justify;">عليهم أن لا يقلقوا قطعًا، إن المواد التي يتهموننا بها توجِب اتهام جميع من يحمل الأخوّة الإيمانية، حتى جماعات المصلين لجميع الأئمة، وطلاب جميع المعلمين والأساتذة.. بمعنى أنهم وجدوا أنفسهم أمام معارضين أقوياء فهجموا علينا هذا الهجوم بوضع الإمكانات بدل الوقوعات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن قناعتي الشخصية هي أننا يجب أن نبقى في السجن حتى الربيع، إذ <strong>من المعلوم أن الأمور تتوقف في الشتاء،</strong> وستُمدنا العناية الإلهية إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الأخذ بالحذر]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: الأخذ بالحذر والحيطة مع الاستشارة والثبات أمور ضرورية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد سلمت أعمالي هنا إلى &#8220;زبير&#8221; و&#8221;جيلان&#8221;، حيث أُخطر لي إخطارًا معنويًّا أن &#8220;زبير&#8221; بديلُ ابن أخي المرحوم &#8220;عبد الرحمن&#8221;، و&#8221;جيلان&#8221; بديلُ ابن أخي الآخر المرحوم &#8220;فؤاد&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لقد نجونا من مكائد هائلة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إن الاعتداء والهجوم في هذه المرة قد شن في دائرة واسعة جدًّا.‌</p>
<p style="text-align: justify;">فقد هاجمَنَا كلٌّ من رئيس الحكومة والوزراء؛ هاجموا وفق خطة مرسومة بُنِيت على أوهام رهيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">فحسبَ ما تلقيته من خبر وبأمارات كثيرة، إن الإخباريات الكاذبة للمنافقين المتخفين، وبدسائسهم الماكرة، لفّقوا لنا علاقة قوية وارتباطًا وثيقًا بالمنظمة الداعية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، وبالجمعية السرية للطريقة النقشبندية، بل أظهرونا كأننا في مقدمتهم ورائدوهم.. حتى ساقوا الحكومة إلى اضطراب وقلق كبير، مبينين المجموعات الكبيرة لرسائل النور المجلدة في إسطنبول والمرسَلة إلى العالم الإسلامي -التي كسبت الرضى والقبول هناك- دليلًا على نشاط النوريين! فقذفوا في رَوع الحكومة الخوف والهلع، وأثاروا عِرق الغيرة والحسد لدى بعض العلماء الرسميين، وهيجوا الأوهام والشكوك لدى الموظفين حتى جعلوهم ضدنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد حسِبوا أن هناك وثائق كثيرة وأمارات عديدة تُديننا، واعتقدوا كأن سعيدًا الجديد لا يتحمل الأوضاع كما كان سعيد القديم، فيخل بالنظام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن الحمد للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر، فلقد خفف وطء تلك المصيبة من الألف إلى الواحد، فهم لم يستطيعوا أن يعثروا على أية علاقة كانت مع المنظمات والجمعيات، فهي غير موجودة أصلًا، فكيف يجدونها؟</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا اضطر المدعي العام إلى اختلاق الأكاذيب والافتراءات وإسناد أمور جزئية تافهة غير ذات مسؤولية إلينا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هي هذه، فقد نجونا إذًا نحن ورسائل النور من تسع وتسعين بالمائة من المصيبة، لذا ينبغي لنا انتظار رعاية العناية الإلهية وترقبها بالشكر والصبر والتضرع لتتجلى علينا تجليًا كاملًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فعلينا إذن الشكرُ، بل ألف شكر وليس الشكوى، وأن نمدّ يد العون إلى القادمين والمغادرين لهذه المدرسة اليوسفية وتسليتهم بدروس النور.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سلوك بعض الطلبة غيرَ مسلك النور]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الصدّيق..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد علمتُ بإخطارٍ شديد أنك و&#8221;أحمد فيضي&#8221; قد سلكتما سلوكًا خارج مسلك النور الذي هو: عدم المجابهة والمبارزة، وعدم الانهماك مع أهل الدنيا (السلطة الحاكمة)، وعدم الدخول في أمور السياسة، والدفاع فقط عند الاضطرار القاطع.</p>
<p style="text-align: justify;">فما أدليتما به وقرأتماه من فقراتٍ في المحكمة من أمور كثيرة ومُضرّة كانت تنم عن المجابهة والمبارزة وبأسلوب سياسي، وقد ألحَقَ أضرارًا كثيرة لرسائل النور، حتى ولّدت إنـزالَ العقاب بنا جميعًا، وإلى تشديد الخناق عليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا لا أسخط عليك ولا على &#8220;أحمد فيضي&#8221;، ولكن <strong>كان يجب إراءته لي أولًا</strong>؛ لقد أعطي لكما ذلك الوضع (الدفاع) كقضاء إلهي مادي، وعليكم العمل مثلي لأجل ترميمه.</p>
<p style="text-align: justify;">والألزم لـ&#8221;فيضي&#8221; ترك الدفاع السياسي بكل ما يملك من قوة، والتوجه الكلي إلى رسائل النور كـ&#8221;طاهري&#8221;، ولينشغل مع الطلاب الجدد.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود: سجن &#8220;أفيون&#8221; حيث دخله الأستاذ النورسي وطلاب النور سنة ١٩٤٨.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;كَتَبَ هذه العريضة محامو الأستاذ وبإذنه وأُرسلت إلى الدوائر العليا المذكورة.- (صونغور).</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود العصيان الذي دب في صفوف المسجونين في سجن &#8220;أفيون&#8221; ولم يشترك فيه طلاب النور قط. (المؤلف).</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;(وإلى الأرض كيف سطحت) (الغاشية: ٢٠).</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: البخاري، فضل ليلة القدر ٣؛ مسلم، الصيام، فضل ليلة القدر برقم ١١٦٥- ١١٦٧.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;سُمِح بالسفر إلى الحج لأول مرة في تركيا في سنة ١٩٤٧.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الزحمة: تعني بالتركية الإزعاج.</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود عدم قيام الأستاذ النورسي للقائد الروسي.</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;على الرغم من أن أستاذنا لم يأمرنا بإدخال هذه الفقرة التي كتبتها الجريدة، فإنها أدرجت هنا لأنها تتضمن عبرًا غالية، وتستجيش المشاعر وتثير الاهتمام. (خسرو).</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-3-4-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2646</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الرابع عشر‌ [2/4]: تتمة دفاعات محكمة أفيون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-2-4-%d8%aa%d8%aa%d9%85%d8%a9-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-2-4-%25d8%25aa%25d8%25aa%25d9%2585%25d8%25a9-%25d8%25af%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d9%2585%25d8%25ad%25d9%2583%25d9%2585</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-2-4-%d8%aa%d8%aa%d9%85%d8%a9-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Jul 2025 09:32:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2640</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 – 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم] [هذا القسم هو جزء ثانٍ من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن تتمة دفاعات النورسي في محكمة أفيون] تأليف: &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 </strong><strong>– 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم]</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم هو جزء ثانٍ من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، وهو يتضمن تتمة دفاعات النورسي في محكمة أفيون]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2644" aria-describedby="caption-attachment-2644" style="width: 720px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2644" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-2.jpg" alt="إن أمثالي إما أن يصعدوا على المشنقة بكل فخر ويُعدَموا، وإما أن يكونوا أحرارًا في الموقع الذي يستحقونه. " width="720" height="960" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-2.jpg 720w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-2-225x300.jpg 225w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /><figcaption id="caption-attachment-2644" class="wp-caption-text">إن أمثالي إما أن يصعدوا على المشنقة بكل فخر ويُعدَموا، وإما أن يكونوا أحرارًا في الموقع الذي يستحقونه.</figcaption></figure>
<h2 style="text-align: center;">[عريضة مرسلة إلى مجلس الوزراء‌]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>عريضة مرسلة إلى مجلس الوزراء</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لي رجاء مهم جدًّا:‌</p>
<h3 style="text-align: center;">[أعيدوا سراج النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">في خاتمة المجموعة المسماة &#8220;سراج النور&#8221; والتي تزيد عن ثلاثمائة صفحة توجد خمسَ عشرة صحيفة -وهي &#8220;الشعاع الخامس&#8221;- كُتبت منذ زمن طويل، كانت سببًا لصدور قرار من مجلس الوزراء بمصادرة تلك المجموعة وجمعها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن من الممكن إخراجَ هذا القسم الذي تُوُهِّمَ ضررُه، من مجموعة &#8220;سراج النور&#8221; التي ثبتت وتحققت فائدتُها للجميع، ولا سيما لأصحاب المصائب والبلايا وللشيوخ وللذين لديهم شكوك في نواحي الإيمان، ثم السماح بما تبقى من الثلاثمائة صفحة للنشر.. فباسم جميع من استفادوا من هذه المجموعة وسُرّي عنهم من أصحاب المصائب والرزايا والشيوخ وباسم جميع المحتاجين إلى الحقائق الإيمانية نرجو من مجلس الوزراء السماحَ بنشرها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أعيدوا ذو الفقار]</h3>
<p style="text-align: justify;">وفي مجموعة &#8220;ذو الفقار&#8221; البالغة أربعمائة صفحة والتي كُتبت قبل ثلاثين سنة للرد على فلاسفة أوروبا، وردت صفحتان فقط من تفسير آيتين حول الإرث وحول تحجب النساء.</p>
<p style="text-align: justify;">وورد سطر واحد حول المصارف في رسالةِ &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; التي كتبت قبل ثلاثين سنة عند تناول آيةِ: ﴿وأحل اللّٰه البيع وحرم الربا﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وقبل ثلاثين سنة عندما كنت عضوًا في &#8220;دار الحكمة&#8221; كتبتُ جوابًا لستة أسئلة تَقدَّم بها رئيسُ أساقفة الأنكليكان لإنكلترا إلى المشيخة الإسلامية، وهناك سطر واحد فقط في هذه الإجابة لا يسمح به القانون المدني الحالي.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نرجو منكم إعادةَ مجموعةِ &#8220;ذو الفقار&#8221; إلينا والمصادَرةِ بحجةِ وجود صفحتين وسطر واحد فقط فيها قيل: إن القانون المدني الحالي لا يسمح به. مع أن هذه الرسالة قوبلت في العالم الإسلامي باستحسان كبير وأَثبتت عمليًّا فوائدها الكبيرة، لأنها برهنت بشكل رائع على ثلاثة أركان إيمانية، فطلَبُ إعادتها إلينا من حقنا، ذلك لأنه إنْ وجدت خمسُ كلمات ممنوعة في رسالة ما تُحذف تلك الكلمات ويُسمح بنشر باقي الرسالة؛ لذا فنحن نطلب ضمان هذا الحق القانوني المهم لنا. وباسم جميع من يخدم القرآن والإيمان ويسعى إلى تحقيق الأمن والنظام ويخدم هذا الوطن وهذه الأمة عن طريق رسائل النور نطالبكم بإنقاذنا من الظلم الواقع علينا من الذين يجعلون من الحبة قبة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن رسالة &#8220;الهجمات الست&#8221; التي كتبتُها قبل ثمانية عشر عامًا في ساعةِ غضب وحدّةٍ لِتعرضي إلى ظلم شديد.. هذه الرسالة لم أرها منذ ذلك، الوقت أبقيتُها سِرّية خاصة ولم أسمح بنشرها، ومع أنها وقعت في أيدي ثلاث وأربع محاكم، إلّا أن هذه المحاكم أعادتها إلى أصحابها.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة شكر في ثلاث نقاط]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>&#8220;رسالة شكر&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">رسالة شكر أقدّمها إلى هيئة الخبراء في ديوان رئاسة الشؤون الدينية، أبين فيها &#8220;<strong>ثلاث نقط</strong>&#8221; لأُعِينَهم بها على تصحيح انتقادات جزئية وردت في تدقيقاتهم وأُجيب عنها بوضوح.‌</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة1: شكر للعلماء]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الأولى</strong> إنني أُقدم شكري إلى أولئك العلماء الأفاضل بثلاث جهات، فأنا ممتنّ لهم بصفتي الشخصية:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: قيامهم بتلخيص ثلاث عشرة رسالة من مجموعة &#8220;سراج النور&#8221; -مما سوى رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8220;- تلخيصًا يبعث على التقدير والإعجاب.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: ردّهم لِما دار عليه اتهامنا، وهو: إنشاء طريقة صوفية، تشكيل جمعية، والإخلال بأمن البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثتها</strong>: تصديقهم لدعواي في المحكمة، وهو ما قلته أمام المحكمة: إذا وجد شيء من الذنب فإنه يعود لي، فطلاب النور بريئون منه، ولقد سعوا في سبيل النور إنقاذًا لإيمانهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فأولئك الخبراء ينقذون أيضًا طلاب النور ويبرّئون ساحتهم ويسندون الذنوب إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري أقول لهم: ليرضَ اللّٰه عنهم. إلّا أنهم جعلوا كلًّا من المرحوم &#8220;حسن فيضي&#8221; والمرحوم &#8220;الحافظ علي&#8221; وأشخاص من أمثال هذين الشهيدين ووارثيهم شركاء بذنوبي، لذا فقد أخطأوا في هذه الجهة، لأن أولئك الميامين سابقون في خدمة الإيمان وليسوا شركاء في الذنوب، وهم بريئون من أخطائي وذنوبي، وقد أرسلَتْهم العنايةُ الإلهية مُعينين لي رأفةً بضعفي.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة2: حول الشعاع الخامس]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong> لقد اعترض أولئك الخبراء على رواياتٍ في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; فقالوا عن بعضها: ضعيفة. وعن أخرى: موضوعة. وخطّأوا تأويل قسم منها. وقد كتب الادعاءُ العام لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; تقريره في ضوء ذلك، بينما أثبتنا واحدًا وثمانين خطأً من أخطائه في قائمةٍ تبلغ خمس عشرة صفحة. فليطلع الخبراء الأفاضل على تلك القائمة.</p>
<p style="text-align: justify;">نقدم أدناه نموذجًا منها:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قال المدعي: جميعُ تأويلاته مغلوطة، والروايات إما أنها موضوعة أو ضعيفة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[حول تأويل أحاديث أشراط الساعة]</h4>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن التأويل يعني أن هذا المعنى ممكنٌ مرادُه من هذا الحديث، أي يحتمل هذا المعنى، أما ردّ إمكان واحتمالِ ذلك المعنى -حسب علم المنطق- فيكون بإثبات محاليته. بينما شُوهِد ذلك المعنى عيانًا، وتحقق فعلًا فردٌ من كلية الطبقة الإشارية لمعنى الحديث، لذا لا يُعترض على ذلك المعنى قطعًا، لأن الحديث قد أَظهر بلمعةِ إعجازٍ غيبي ذلك المعنى وأَشهدَ له هذا العصرَ.</p>
<p style="text-align: justify;">علاوة على ذلك فقد أثبتنا في تلك القائمة أخطاءَ المدعي من <strong>ثلاثة وجوه</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحدها</strong>: أنَّ الإمام أحمد بن حنبل الحافظ لمليون من الأحاديث الشريفة، وكذا الإمام البخاري الحافظ لخمسمائة ألف حديث، لم يَجرءا على نفي تلك الروايات على إطلاقها. علمًا أن إثبات نفيها غير ممكن منطقيًّا، وأن المدعي نفسه لم يطلع على جميع كتب الأحاديث النبوية، وأن الأكثرية العظمى لأمة الإسلام في كل عصر قد انتظروا رؤية معاني تلك الروايات، أو فردًا من كليةِ معانيها، بل إن تلك المعاني قريبة من تلقي الأمة بالقبول، وقد برز في الواقع أفراد منها بذاتهم وشُوهِدوا عيانًا..</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن إنكار تلك الروايات إنكارًا كليًّا خطأٌ من عشر جهات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوجه الثاني</strong>: أن الرواية الموضوعة تعنى أنها ليست حديثًا مسندًا عن فلان وعن فلان. ولا يعنى أن معناها خطأ. ولما كانت الأمة قد تلقتها بالقبول، ولا سيما أهل الحقيقة والكشف، وقسم من أهل الحديث وأهل الاجتهاد، بل انتظَروا تحقيق معانيها، فلا بد أن لتلك الروايات حقائق متوجهة إلى العموم كما هي في الأمثال المضروبة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوجه الثالث</strong>: أني أسأل: هل هناك مسألة أو رواية لم يُعترض عليها في كتاب لعلماء مختلفين في المشارب والمذاهب. فمثلًا: إن إحدى الروايات التي تذكر مجيء دجالين في الأمة هي هذا الحديث الشريف: &#8220;لن تزال الخلافة في ولد عمي -صِنْوِ أبي- العباس حتى يسلمّها إلى الدجال&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا الحديث الشريف يخبر عن فتنة &#8220;جنكيز خان&#8221; و&#8221;هولاكو&#8221;، وأن دجالًا سيظهر بعد خمسمائة سنة وسيهدم الخلافة.. وأمثالها من الروايات الكثيرة التي تخبر عن أشخاصِ آخر الزمان، وعلى الرغم من ذلك فقد رفض بعض أهل المذهب المباين أو ذوو الأفكار المفرطة هذه الرواياتِ. وقالوا: إنها رواية ضعيفة أو موضوعة..</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال، إن سبب اقتصاري على ما ذكرت مما ينبغي أن يطول هو حدوث زلزلتين هنا في الساعة التي كنت أكتب هذا الجواب، مثلما حدث أربع زلازل وقت شن الهجوم على رسائل النور وطلابها. والأمر على النحو الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">هو توافق حدوث زلزلتين أثناء ما كنت أعاني من ألَم جراء عمليات جراحية أجراها تقرير الخبراء الذي سُلِّم لي مساءً، فضلًا عن الحزن الذي غشاني من الانفراد وعدم اللقاء مع الآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد تسلمتُ تقرير الخبراء لرئاسة الشؤون الدينية بعد بقائي ثمانية شهور في السجن الانفرادي ومقاساتي المضايقات الشديدة، وإذ أنا منتظر أن يكونوا لي معينين، إذا -في الصباح- أجد أنهم يعززون ادعاء المدعي، حيث ورد: &#8220;إن سعيدًا قال: إن الزلازل الأربع الماضية هي من كرامات رسائل النور&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلما كتبتُ في القائمة، أقول: إن رسائل النور من نوع الصدقة المقبولة التي تكون وسيلة لدفع المصائب، فمتى ما هوجمت تجد المصائبُ الفرصةَ سانحة أمامها فتنـزل، وأحيانًا تغضب الأرض بالزلزال.فما إن عزمتُ على كتابة هذا، وقع زلزالان هنا<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> مما حملني على ترك كتابة ذلك البحث، لذا ننتقل إلى النقطة الثالثة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة3: لا حرج في التقريظ]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong> يا علماءنا المدققين المنصفين ذوى الحقيقة..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد دأب أهلُ العلم -منذ القديم- على عادة فيما بينهم، وهي وضعهم تقريظًا وثناءً -وأحيانًا مبالَغًا فيه- نهايةَ مؤلَّفٍ جيدٍ جديد.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الذي يبدي المؤلِّف امتنانه لأولئك المقرّظين، لا يُتهم حتى من قبل منافسيه أنه يدّعي الإعجاب وحبَّ الظهور.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن كتابة عدد من طلاب النور الخواص الخالصين -كالمرحوم حسن فيضي والشهيد الحافظ علي- تقاريظَ بناءً على عجزي وضعفي وغربتي وعدمِ وجود الأهل والأقارب، وإزاءَ هجوم أعداء كثيرين ظَلَمة، وحثًّا للمحتاجين إلى النور، وعدَّ تلك التقاريظ نوعًا من الغرور والإعجاب بالنفس، رغم إحالتي ما يخصني من المدح والثناء إلى رسائل النور، ورغم عدم ردّي له ردًا كليًّا.. أقول: إنني لم أستطع أن أوفق بين تلقيكم ذلك المدح أنه إعجاب بالنفس وبين ما تحملونه من دقة علمية وتعاون رؤوف وإنصاف.. لذا فأنا متألم من هذا. علمًا أن أصدقائي الخالصين أصحاب التقاريظ لم تخطر ببالهم السياسةُ وشؤونها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا يقال لقولهم: إن رسائل النور في هذا الزمان يَصدُق عليها معنى فرد وجزئي من المعنى الإشاري الكلي، لأن الزمان يُصدّق ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">ولنفرض أن هذا الكلام مبالَغ فيه كثيرًا أو خطأ، فهو خطأ علمي ليس إلّا. فكل شخص يستطيع أن يكتب قناعته الشخصية. وأنتم أدرى بالأفكار المتباينة والقناعات المختلفة في كتب الشريعة التي دوّنها أصحابُ المذاهب الاثني عشر، ولا سيما أصحابُ الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية، وما يقرب من السبعين من فِرَق دائرة علماء الكلام وأصول الدين.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أنه لم يأت زمان نحن في أمس الحاجة فيه إلى اتفاق علماء الدين وعدم خوضهم في مجادلات فيما بينهم مثل هذا الزمان. فنحن مضطرون إلى نبذ الاختلاف في الأمور الفرعية وعدم جعلها مدار المناقشات.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاثة أسئلة موجهة إلى العلماء]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثلاثة أسئلة أوجهها للعلماء المنصفين من الخبراء</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول:</strong> شخص يُثني على آخرَ بنية خالصة، أيكون الشخص المثنى عليه مسؤولًا، وبخاصة إن كان المثنى عليه لا يرضى بالثناء بكل قوته ويحيله إلى غيره؟ إلّا أنه لم يوبِّخ ذلك الصديق الحميم لئلا ينفر منه، بل اكتفى بالقول: إن هذا الثناء فوق حدّي بمائة درجة. فهل يُعدّ سكوته هذا إعجابًا بالنفس وتحرّيًا للمصلحة الذاتية؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الثاني:</strong> في غمرة الهجوم العنيف الذي يُشَن على الدين حاليًّا، إذا ما أبدى أحد طلاب النور العاشقين للحقيقة قناعته الشخصية الخاطئة، بخطأ علمي جزئي لا ضرر فيه، هل يستحق هذه الإهانة والاستخفاف؟ علمًا أن هناك مسائل دينية تُقدَّر بضخامة الشُّم الرواسي.</p>
<p style="text-align: justify;">وبينما يَنتظر ذلك التلميذ الكاتب للتقريظ تذكيرًا شفيقًا من علماءَ وأساتذة من أمثالكم على ذلك الخطأ، أَوَيجوز عقابه من قبل العدلية؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الثالث:</strong> إن رسائل النور التي تصدت منذ عشرين سنة لأعتى المعارضين الذين لا يحصيهم العد وأنقذت إيمانَ مئات الألوف من الناس وآزرت إيمانَهم.. أيليق انتقادكم لها في مسألة أو مسألتين فيها؟</p>
<p style="text-align: justify;">إني أذكّر أولئك العلماء الأفاضل أنهم انتقدوا المقدمة التي يستهل بها بحث الثناء لأحمد فيضي، وكأنني قد أثنيتُ بها على نفسي، علمًا أن تلك المقدمة هي ردّي لذلك الثناء ورفعه.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد رفعتُ فعلًا قسمًا منه وصححتُ القسم الآخر، ولكن لضرورة الاستعجال لم أتمكن من إكماله، فأرسلت المقدمة كاملة إلى أحد إخوتي، وهم بدورهم وضعوها في موضعها من ذلك البحث الذي اتخذناه بحثًا خاصًّا جدًّا، ولكن أثناء إرسالهم لها إلى أخ آخر قَبضتْ عليها الحكومة.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا ترى إن تقريظًا علميًّا وخاصًّا جدًّا، وهو بحث نابع عن قناعة وجدانية ولا يتداول إلّا بين أصدقاء ليقوموا بتصحيحه تصحيحًا كاملًا هل يستحق هذا الاعتراض الشديد؟</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن جمعَ رسائل خاصة للتهنئة والحث على العمل، والقيام بتجليدها حفاظًا عليها، في مجلد أو مجلدين، حصلت عليها الشرطة أثناء التحري، هل يمكن استخراج الأحكام من مثل هذه الرسائل، ثم تكون محورَ سؤال وجواب ومن ثم محاولة إلصاقها بالسياسة؟ أَوَ يحتاج الأمر إلى هذا؟ وما أشبه هذا الأمر بمن لا يرى ثعابين مَرَدة تهاجم القرآن لكنه في الوقت نفسه ينشغل بلسع البعوض! أليس الأمر هكذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ ترك &#8220;سراج أوغلو&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> الذي يَعدّ الدين والتربية المحمدية سمًا زعافًا، والانشغال بمجموعة &#8220;سراج النور&#8221; التي تبين الحقيقة واضحة كالشمس، وهي البلسم الشافي لجراحات الإنسانية جمعاء، ولا سيما الاحتجاج بوجود تأويلات لأحاديث ضعيفة في رسالة في ختامها، ألا يكون عونًا على مصادرتها؟</p>
<p style="text-align: justify;">إننا مع عدم امتعاضنا من انتقاداتكم الجزئية ننتظر منكم أيها العلماء الأفاضل ضمادًا لجراحاتنا و[أن] تكونوا أعوانًا لنا بقوة فراستكم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[فقرات من كلامنا أدانونا بها]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مقدمة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">الفقرات المذكورة أدناه لغرض تقديم شيءٍ من المساعدة إلى محكمة التمييز الموقَّرة التي فسخَتْ لصالحنا قرارَ إدانتنا من قِبَل محكمة &#8220;أفيون&#8221; وأوردت دلائل صائبة ذات حقيقة؛ نشير -باختصار- إلى قسم من أخطاء وردت في القرار المذكور، فندرج أدناه تلك الفقرات المستلة من الرسائل الخاصة السرية، التي عدّتها المحكمةُ ذنبًا لإدانتنا، فنبين أخطاءهم ونضع الذين أدانونا في موضع المسؤولية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إلغاء الخلافة]</h3>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: لقد كتبوا في ختام القرار ما يشبه قائمة تضم جميع ذنوبي لأجل إنزالِ أشد العقوبات بي:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;نذكر مما رفضه سعيد النورسي من مواد: إلغاء السلطنة والخلافة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا خطأ وسهو في الوقت نفسه، لأن ما كتبتُه في لمعة &#8220;الشيوخ&#8221; هو الآتي: &#8220;لقد أحزنتني وفاة سلطنة الخلافة&#8221; وقد أجبتُ عن استفسار محكمة أسكي شهر قبل خمس عشر سنة عن هذا جوابًا ألزمَهم الصمت. فالذي يَعدّ خاطرة لا أهمية لها ذنبًا، ومرت عليها هذه المدة المديدة، ونالت من قرار العفو والبراءة ما نالت.. أقول إن الذي يَعدّها ذنبًا هو الذي يكون مذنبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل إسناد هذا الذنب الموهوم، ذَكَر القرار ما أوردتُه في إحدى اللمعات وفي رسالة &#8220;المعجزات الأحمدية&#8221; على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، الحديث الشريف الآتي: &#8220;الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون مُلكًا عَضوضًا وفسادًا وجبروتًا&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد كتبتُ في رسالة قديمة أن هذا الحديث الشريف يبين ثلاث معجزات غيبية مستقبلية، ولكن جاء في القرار -كأنه ذنب اقترفته-: &#8220;إن سعيدًا قد قال في رسالة: سيكون فسادًا وجبروتًا بعد الخلافة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">يا أعضاء هيئة الخبراء السطحيين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي يعدّ بيان إعجاز حديث شريف يخبر بإشارة غيبية عن حادثة ستقع في زماننا هذا يسري دمارُها في الأرض كلها، وعن فساد عظيم مادي ومعنوي يدب في البشرية كافة.. أقول إن من يَعُدّ هذا ذنبًا هو المذنب مادة ومعنى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[&#8220;المنجزات الثورية&#8221; بدعة]</h3>
<p style="text-align: justify;">وكتبوا أيضًا &#8220;ومن ذنوبه: أنه يعدّ المنجزات الثورية (حركات الانقلاب) بدعةً وضلالةً وإلحادًا، فيَعُدّ إغلاق التكايا والزوايا والمدارس الدينية، وإقرار العلمانية، ووضع أسس القومية بديلًا عن مبادئ الإسلام، وفَرْضَ لبس القبعة، ورفع الحجاب، وفرض كتابة الحروف اللاتينية بديلًا عن الحروف القرآنية، وأداء الأذان والإقامة باللغة التركية، وإلغاء دروس الدين في المدارس، ومنح المرأة حقوقًا في الميراث كالرجل، وإلغاء تعدد الزوجات، وأمثالها من الأعمال.. يعدّ كل ذلك بدعة وضلالة وإلحادًا.. فلا شك أنه متهم بالرجعية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">يا أعضاء هيئة الخبراء العديمي الإنصاف..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنْ كان بمقدوركم</strong> إنكار ما يأمر به القرآنُ الكريم الذي هو إمام سماوي مقدس لثلاثمائة مليون في كل عصر، ويضم مناهج سعاداتهم جميعًا، وهو الخزينة المقدسة الحاوية على أسرار الحياتين الدنيوية والأخروية، يأمر في كثير من آياته الكريمة بصراحة تامة بما لا يحتمل التأويل، بالحجاب وقواعد الميراث ويسمح بتعدد الزوجات، ويدعو إلى ذكر اللّٰه، ويحث على تدريس علوم الدين ونشرها والحفاظ على الشعائر الدينية..</p>
<p style="text-align: justify;">وإن كان بمقدوركم إدانة جميعِ مجتهدي الإسلام والقضاة وشيوخ الإسلام..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وإن كان بمقدوركم</strong> إنكار تقادم الزمان على تلك الرسائل وقرار عدة محاكم لها بالبراءة وقوانين العفو الصادرة بحقها وإنكار وجه سريتها وخصوصيتها..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وإن كان بمقدوركم</strong> رفع حرية الضمير والمعتقد وحرية الفكر من البلاد ومن الحكومات.. وإنكار كون مخالفة تلك الرسائل مخالفة فكرية وعلمية فحسب..</p>
<p style="text-align: justify;">أقول <strong>إنْ كان بمقدوركم</strong> هذا فاعتبروني مذنبًا بتلك الأمور. وإلّا تكونوا أنتم المذنبون الرهيبون في محكمة العدالة والحق والحقيقة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[مَن يفسر القانون الإلهي؟]</h3>
<p style="text-align: center;">(فقرة أدلينا بها وكتبتْها المحكمة بإعجاب وحيرة ضدنا مع أنها ضدهم)</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل الموقرة..</p>
<p style="text-align: justify;">إن إدانة مَن يفسّر أقدسَ دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليونًا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا. هذا المفسِّر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدَّق به ثلاثمائة وخمسون ألف تفسير، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادُنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة..</p>
<p style="text-align: justify;">أقول: إن إدانة هذا المفسر قرارٌ ظالم لا بد أن ترفضه العدالةُ، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولا بد أن تردّ هذا الحكم الصادر بحقه وتنقضه&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاث شخصيات لي]</h3>
<p style="text-align: justify;">(فقرة كتبتها المحكمة في قرارها بإعجاب وتقدير وكأنها تكون مادة ضدنا، والحال أنها تدينهم.)</p>
<p style="text-align: justify;">يبحث سعيد النورسي في &#8220;المكتوب السادس والعشرين &#8220;عن نفسه ويقول:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن في أخيكم هذا الفقير ثلاث شخصيات كُلّ منها بعيدة عن الأخرى كل البعد، بل بعدًا شاسعًا جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: شخصية مؤقتة خاصة خالصة لخدمة القرآن وحده، بكوني دلّالًا لخزينة القرآن الحكيم السامية. فما تقتضيه وظيفةُ الدعوة إلى القرآن والدلالةِ عليه من أخلاق رفيعة سامية ليست لي، ولا أنا أملكها، وإنما هي سجايا رفيعة يقتضيها ذلك المقام الرفيع وتلك الوظيفة الجليلة. فكل ما ترونه من أخلاق وفضائل من هذا النوع فهي ليست لي، وإنما هي خاصة بذلك المقام، فلا تنظروا إليّ من خلالها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشخصية الثانية</strong>: حينما أتوجه إلى بابه تعالى وأتضرع إليه، يُنعم عليّ سبحانه بشخصية خاصة في أوقات العبادة بحيث إن لتلك الشخصية آثارًا ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو <strong>معرفة الإنسان تقصيرَه أمام اللّٰه</strong> وإدراكُ فقره نحوه وعجزِه أمامه والالتجاءُ إليه بذل وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأكثر تقصيرًا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعتْ في ذلك الوقت الدنيا برمّتها في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالحٌ وفاضل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثتها</strong>: هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من &#8220;سعيد القديم&#8221;، وهي عروق ظلت من ميراث &#8220;سعيد القديم&#8221;. فتُبدي أحيانًا رغبةً في الرياء وحب الجاه، وتبدو فيّ أخلاقٌ وضيعة مع المبالغة في الاقتصاد إلى حدّ الخسة، حيث إنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا أيها الإخوة.. لن أبوح بكثير من المساوئ الخفية لهذه الشخصية ومن أحوالها السيئة، لئلا أنفّركم عني كليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أظهر سبحانه وتعالى عنايته الرحيمة فيّ بحيث يُسخّر شخصيتي هذه -التي هي كأدنى جندي- في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها.. فله الحمد والمنة ألفَ ألفِ مرة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل</strong>.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿الحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[إن كان لكم جرأة فتعرضوا لي وانتظروا عدالة القدَر]</h3>
<p style="text-align: justify;">(هذه جملة سجّلتها المحكمة في القرار بتخوف شديد ضدنا، والحال أن تلك الجملة الشديدة التي كُتبتْ قبل خمس عشرة سنة قد عدّلت إلى هذه الصيغة.)</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إخوتي.. مراعاةً لمشاعر الأبرياء والشيوخ، لا تثأروا لي ممن يقتلني ظلمًا، فحسبهم عذاب القبر والسَّقر&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ينبغي أن تحملهم هذه الفقرة السابقة على الإنصاف:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إنكم ترون أن لنا خلافًا ومعارضة كلية معكم، ومعاملاتُكم القاسية شاهدةٌ على ذلك، فأنتم تضحون بدينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم؛ ونحن بدورنا مستعدون على الدوام للتضحية بدنيانا في سبيل ديننا، وفي سبيل آخرتنا، وهذا هو سر المعارضة التي بيننا حسب ظنكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا جرم أن التضحية ببضع سنين من حياتنا التي تمضي في ذل وهوان في ظل حُكمكم القاسي قساوةَ الوحوش لنكسِبَ بها شهادة خالصة في سبيل اللّٰه، تُعدّ ماءَ كوثر لنا، ولكن استنادًا إلى فيض القرآن الحكيم وإشاراته، أُخبركم يقينًا بالآتي لترتعدَ فرائصُكم:</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم لن تعيشوا بعد قتلي، فإن يدًا قاهرة ستأخذكم من دنياكم هذه التي هي جنتكم وأنتم مغرمون بها، وتطردكم عنها، وتقذف بكم فورًا إلى ظلمات أبدية، وسيُقتل بعدي رؤساءكم الذين تَنمرَدوا وطغَوا قِتلة الدواب، ويُرسَلون إليّ، وسأمسك بخناقهم أمام الحضرة الإلهية، وسآخذ حقي منهم بإلقاء العدالة الإلهية إياهم في أسفل سافلين.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الشقاة الذين باعوا دينهم وآخرتهم بحطام الدنيا..</p>
<p style="text-align: justify;">إن كنتم تريدون أن تعيشوا حقًّا فلا تتعرضوا لي ولا تمسّوني بسوء، وإن تعرضتم فاعلموا أن ثأري سيؤخذ منكم أضعافًا مضاعفة.. اعلموا هذا جيدًا ولترتعدْ فرائصكم!</p>
<p style="text-align: justify;">وإني آمل من رحمة اللّٰه سبحانه أن موتي سيخدم الدين أكثر من حياتي، وأن وفاتي ستنفلق على رؤوسكم انفلاقَ القنبلة، وستشتت رؤوسَكم وتبعثرها.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن كانت لكم جرأة، فتعرّضوا لي، فلئن كان لكم ما تفعلونه بي، فلتَعلمُنّ أن لكم ما تنتظرونه وتلاقونه من عقاب.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور يخشاها الجبابرة]</h3>
<p style="text-align: center;">(هذه الفقرة أوردتها المحكمة لإدانتي والحال أنها تتهمهم بالإفراط)</p>
<p style="text-align: justify;">يَرِد في الرسائل:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;دخل مصطفى كمال ديوان رئاسة الجمهورية بأنقرة وهو على أشد الغضب وقال له: &#8220;إننا دعوناك إلى هنا لِتُقدِّم لنا أفكارًا راقية وآراء قيمة، ولكنك ما إن أتيت كتبتَ أشياء حول الصلاة، فأوقعتَ فيما بيننا الاختلاف والتفرقة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وردّ عليه سعيد: &#8220;إن من لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم أبدى مصطفى كمال نوعًا من الاسترضاء له متراجعًا عن غضبه وحدّته.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أنه (أي سعيد) قد جرحَ مشاعرَ مصطفى كمال وخرق مبادئه، إلّا أن مصطفى كمال لم يمسّه بسوء.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنها لكرامة ساطعة لرسائل النور وقوة عظيمة خارقة لشخصها المعنوي ولطلابها الروّاد والأبطال في المستقبل: أن يخشى منها قوادٌ جبابرة كما كانوا يخشون من &#8220;سعيد القديم&#8221;.&#8221;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[نرفض تحويل آيا صوفيا إلى متحف]</h3>
<p style="text-align: center;">(فقرة ألزمت المحكمةَ وجعلتْها مسؤولة مع أنها اتُّخِذت ضدنا في القرار)</p>
<p style="text-align: justify;">يُذكر -في الرسائل- &#8220;إننا لسنا مع زعيم أصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل &#8220;جامع أياصوفيا&#8221; إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكرًا ولا موضوعًا، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية، ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ويكتب في عريضته المؤرخة في ٢٩/٨/١٩٤٨:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;وَرَدَ هذا الفكرُ إلى قلبي: إنه ضروري جدًّا لصالح الأمة ولنفع البلاد أن تحافِظ الحكومة عليّ حفاظًا تامًا وتَمُدّ يد المعاونة إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنها تُضيق الخناقَ عليّ، مما يومئ إلى أن الذين يحاربونني هم منظمة الزندقة السرية وقسم من منظمة الشيوعية الذين التحقوا بهم، هؤلاء قد قبضوا على زمام الأمر في عدد من المناصب الرسمية المهمة في الدولة، فيهاجمونني ويجابهونني، أما الحكومة فإما أنها لا تعرفهم أو تسمح لهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ويا ترى أي ذنب وأي جريرة في أن تَنتقدَ أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوَّل جامع أياصوفيا الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرة الساطعة لخدماتها وجهادها في سبيل القرآن، وهدية تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوَّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات؟!</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[التلاعب بالمفاهيم وتحريف المصطلحات]</h3>
<p style="text-align: justify;">(هذه الفقرة هي أقوى فقرة ظنت المحكمةُ أنها تنـزل العقاب بسعيد. وهو الكلام الذي أطلقه سعيد في محكمة دنيزلي تجاه أعدائه المتسترين، إلّا أن المحكمة قد فهمتها خطأ، بل خطأ كليًّا، أنها فقرة ضد الدولة والحكومة تمامًا، وأظهرتها سببًا لإنـزال العقاب بي.)</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أَطلق على قسم من القوانين الحديثة للدولة التي سنّت هذه القوانين الانقلابية ووضعتها موضع التنفيذ اسمَ &#8220;الاستبداد الكفري الاعتباطي&#8221;، وعلى الجمهورية اسم &#8220;الاستبداد المطلق&#8221;، وعلى النظام اسم &#8220;الارتداد المطلق&#8221; وعلى الشيوعية والمدنية اسم &#8220;السفاهة المطلقة&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[فوائد دنيوية وأخروية لرسائل النور]</h3>
<p style="text-align: center;">(فقرة كتبت في قرار المحكمة بإعجاب وتقدير)</p>
<p style="text-align: justify;">ويذكر: أن لكتابة رسائل النور <strong>فوائد دنيوية وأخروية</strong> كثيرة جدًا، منها:</p>
<p style="text-align: justify;">١- الجهاد المعنوي تجاه أهل الضلالة.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- مساعدة الكاتب لأستاذه على نشر الحقائق.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- خدمة المسلمين من حيث الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- كسب العلم بالقلم.</p>
<p style="text-align: justify;">٥- القيام بعبادة فكرية التي تعدل ساعة منها أحيانًا سنة من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">٦- حُسن الخاتمة ودخول القبر بالإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا لها <strong>خمس أنواع من الفوائد الدنيوية</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;">١ &#8211; البركة في الرزق.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- الانشراح والسرور في القلب.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- اليسر في العيش.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- التوفيق في الأعمال.</p>
<p style="text-align: justify;">٥ &#8211; الاشتراك في أدعية طلاب النور جميعهم، لكسبه فضيلة طالب العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">وسيدرك شبابُ الجامعة هذه الأمور عن قريب وستحوّل الجامعة إلى مدرسة نورية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[رؤوسنا فداء للحقائق القدسية]</h3>
<p style="text-align: center;">(إنه لمحير أن تعدّ هذه التضحية الخالصة جرمًا وذنبًا)</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>إحدى</strong> الخطتين اللتين حاكهما المنافقون المتسترون في جنح الظلام هي التهوين من شأني. وكأن قيمة الأنوار الرفيعة لرسائل النور تسقط بهذا من عليائها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والثانية</strong>: هي بث القلق والاضطراب في صفوف طلاب النور، وكأنهم بهذا يعيقون انتشار رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا يا إخوتي.. <strong>إن حقيقةً سامية افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رؤوسُنا نحن الضعفاء أيضًا</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[تسمية رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">(لقد اعترضوا على واحد من الأسباب التسعة الداعية إلى تسمية رسائل النور بهذا الاسم. فقالوا: إننا لا نرى مَن تسمّى باسم &#8220;نور&#8221; من بين طلابه الممتازين.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أجبنا عنه في الهامش فإن كلًا من &#8220;نوري بنلي ونوري الساعاتي&#8221; من الممتازين في خدمة النور حاليًّا، بمعنى أنهم لا يجدون ما ينتقدونه ولكنهم يضطرون إلى التشبث بحجج جزئية تافهة.)</p>
<p style="text-align: justify;">إنه يذكر في &#8220;الكلمة السادسة والعشرين&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب إطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبًا) واللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعًا) هو أن كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:</p>
<p style="text-align: justify;">أن قريتي اسمها: نورس.</p>
<p style="text-align: justify;">واسم والدتي المرحومة: نورية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في القرآن: نوري.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر من يلازمني من طلابي من يسمَّون باسم نور.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: اسم &#8220;النور&#8221; من الأسماء الحسنى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي اللّٰه عنه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[رسالة الهجمات الست]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن رسالة &#8220;الهجمات الست&#8221; وذيلها قد كتبت قبل عشرين سنة لمجابهةِ تَعَدٍّ ظالمٍ شديد، وهي رسالة في غاية الخصوصية والسرية، وقد مرّت بين يدي محاكم كثيرة، وكُتبت في حالة سَورة غضب انتابتني، والحرب العالمية الثانية أظهرت أن تلك السَّورة كانت محقةً، إلّا أن مصادرتها -وكأنها قد كتبت حاليًّا- وعدَّها ذنبًا وجريرة: بُعدٌ عن العدالة عظيم.)</p>
<p style="text-align: justify;">تُستهل مقدمة ذيل &#8220;الهجمات الست&#8221; بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">كُتب هذا الذيل (للتداول الخاص)، لتجنُّب ما يرد في المستقبل من كلمات الإهانة وشعور الكراهية، أي لئلا يصيب بصاقُ إهانتهم وجوهَنا، أو لمَسْحِه عنها عندما يُقال: تبًّا لرجال ذلك العصر العديمي الغيرة!</p>
<p style="text-align: justify;">وكُتب تقريرًا ولائحة لترن آذانٌ صمّ، آذانُ رؤساءِ أوروبا المتوحشين المتسترين بقناع الإنسانية.. ولينغرز في العيون المطموسة، عيونِ أولئك العديمي الضمير الجائرين الذين سلّطوا علينا هؤلاء الظلمة الغدّارين.. وليُنـزِل صفعةً كالمطرقة على رؤوسِ عبيدِ المدنيةِ الدنيّة التي أذاقت البشرية في هذا العصر آلامًا جهنمية حتى صرخت في كل مكان: لتعش جهنم!</p>
<h4 style="text-align: center;">[أيها القيادات.. على أي نظام تعتمدون؟]</h4>
<p style="text-align: justify;">لقد حدثت في الفترة الأخيرة اعتداءات شنيعة كثيرة على حقوق المؤمنين الضعفاء، من الملحدين المتخفين وراء الأستار، وأخص بالذكر اعتداءهم عليّ تعديًا صارخًا، باقتحامهم مسجدي الخاص الذي عَمّرتُه بنفسي، وكنا فيه مع ثلّة من رفقائي الأعزاء، نؤدي العبادة، ونرفع الأذان والإقامة سرًّا، فقيل لنا: لِمَ تقيمون الصلاة باللغة العربية وترفعون الأذان سرًّا؟</p>
<p style="text-align: justify;">نفد صبري في السكوت عليهم، وها أنذا <strong>لا أخاطب هؤلاء السفلة</strong> الدنيئين الذين حُرموا من الضمير، وليسوا أهلًا للخطاب، <strong>بل أخاطب أولئك الرؤساء</strong> المتفرعنين في القيادة الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهواء طغيانهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فأقول: يا أهل الإلحاد والبدعة.. إني أطالبكم بالإجابة عن ستة أسئلة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الأول</strong>: إن لكل حكومة -مهما كانت- ولكل قوم، بل حتى أولئك الذين يأكلون لحم البشر، بل حتى رئيس أية عصابة شرسة، منهجًا وأصولًا ودساتير، يحكمون وفقها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فعلى أيّ أساس من دساتيركم وأصولكم تتعدّون</strong> هذا التعدي الفاضح؟! <strong>أظهِروه لنا</strong>.. أم إنكم تحسبون أهواء عددٍ من الموظفين الحقراء قانونًا؟ إذ ليس هناك قانون في العالم يسمح بالتدخل في عبادة شخصية خاصة! ولا يُسنّ قانون في ذلك قطعًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لا يُتوقَّع من هؤلاء رقيٌّ ولا حضارة]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إنه ليبعث على الأسف اتخاذُهم جملة أو جملتين من رسالة &#8220;الإشارات السبع&#8221; ذريعةً لمصادرتها وحُجةً علينا مع أنها رسالة قديمة وخاصة وسرية، وتتضمن حقيقة قوية ورصينة، بحيث تستحق أن تعلَن لصالح الحياة الاجتماعية على البشرية جمعاء والعالم أجمع.)</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>أحمق الحمقى في الدنيا هو من ينتظر من أمثال هؤلاء الملحدين السفهاء الرقيَّ وسعادةَ الحياة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قال أحد هؤلاء الحمقى، وهو يشغل منصبًا مهما: &#8220;إننا تأخرنا لقولنا: اللّٰه.. اللّٰه.. بينما أوروبا تقدمت لقولها: المدفع.. البندقية!&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن جواب أمثال هؤلاء: السكوت حسب قاعدةِ: &#8220;جواب الأحمق السكوت&#8221;، ولكننا نقول قولًا لأولئك العقلاء الشقاة الذين يتبعهم هؤلاء الحمقى:</p>
<p style="text-align: justify;">أيها البائسون.. هذه الدنيا إنما هي دار ضيافة..</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الموتُ موجودًا، وأن المصير إلى القبر حتمًا، وأن هذه الحياة ماضية راحلة، وستأتي حياةٌ باقية خالدة، فإن قيل: المدفع.. البندقية مرة واحدة، فلا بد من القول ألف مرة: &#8220;اللّٰه.. اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[رؤوس الرؤساء مخمورة.. لا يقرؤون ولا يفقهون]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن ما يوجب الحيرة، أن جملة من &#8220;اللمعة السادسة عشرة&#8221; وهي لصالحنا، حوّلوها إلى جملة ضدنا، وأبدوا رغبة في مصادرة تلك الرسالة القيمة.)</p>
<p style="text-align: justify;">من&#8221; اللمعة السادسة عشرة&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">إن مصيبة الحرب وبلاءها ضرر بالغ لخدمتنا القرآنية.. إن القدير ذا الجلال الذي يطهّر وجه السماء الملبّد بالغيوم ويبرز الشمس الساطعة في وجه السماء اللامع خلال دقيقة واحدة، هو القادر أيضًا على أن يزيل هذه الغيوم السوداء المظلمة الفاقدة للرحمة، ويُظهر حقائق الشريعة كالشمس المنيرة بكل يسر وسهولة وبغير خسارة.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه أن لا يكلِّفنا ذلك ثمنًا غاليًا، وأن يمنح رؤوس الرؤساء العقلَ ويهب لقلوبهم الإيمان. وهذا حسْبُنا، وحينها تتعدل الأمور بنفسها وتستقيم.</p>
<p style="text-align: justify;">ما دام الذي في أيديكم نورًا، وليس هراوة وصولجانًا، فالنور لا يُعارَض ولا يُهرَب منه، ولا ينجم من إظهاره ضرر، فلِمَ إذن توصون أصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من إبراز رسائل نيّرة كثيرة للناس كافة؟</p>
<p style="text-align: justify;">مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو: أن <strong>رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون،</strong> فيؤوّلونه إلى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا، وللحيلولة دون الهجوم ينبغي عدم إظهار النور لهم لحين إفاقتهم واسترجاع رشدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هناك غير منصفين كثيرين، ينكرون النور، أو يغمضون أعينهم دونَه، لأغراض شخصية خاصة، أو خوفًا أو طمعًا..</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل هذا أوصي إخوتي أيضًا ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم أن لا يعطوا الحقائق أحدًا من غير أهلها، أن لا يقوموا بعمل يثير أوهام أهل الدنيا وشبهاتهم عليهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[حجاب المرأة شريعة إلهية]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن الحجاب أمر قرآني، و قد أُجيب عنه جوابًا شافيًا في الرسائل. علمًا أن هذه الرسالة قد كتبت سابقًا وقاسينا العقاب بسببها. ولكن رغم هذا اتخذوها ذنبًا اقترفناه واعتبروها حُجة علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن بداية حقيقة جليلة وردت في رسالة &#8220;الشيوخ&#8221; و&#8221;مرشد الشباب&#8221;، تلك الحقيقة القيمة النافعة للناس كلهم، جعلوها جريرة لنا ومبررًا لمصادرة تلك الرسالة.. كل ذلك يدل على أنهم لا يجدون ما يتذرعون به للانتقاد والجرح.)</p>
<p style="text-align: justify;">في &#8220;اللمعة الرابعة والعشرين&#8221;، بعد الإيضاح أن الحجاب أمر قرآني يقول: &#8220;ولقد طرق سمعَنا أن صباغَ أحذيةٍ قد تعرض لزوجةِ رجلٍ ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهارًا جهارًا في قلب العاصمة &#8220;أنقرة&#8221;! أليس هذا الفعل الشنيع صفعةً قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي &#8220;اللمعة السادسة والعشرين&#8221; الخاصة بالشيوخ:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;ففي ذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدتُ إلى قمّة قلعة أنقرة، التي أصابها الكِبر والبلى أكثر مني، فتمثّلتْ تلك القلعةُ أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد وأسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة.. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل.</p>
<p style="text-align: justify;">فالماضي أوحشني بدلًا من أن يسلّيني ويمنحني النور.</p>
<p style="text-align: justify;">والمستقبل تراءى لي على صورة مقبرةٍ كبرى مُظلِمةٍ لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضًا من أن يؤنسني.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم نظرت إلى زمني الحاضر، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التاريخية على شكلِ نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[كفتني بركة الاقتصاد]</h3>
<p style="text-align: justify;">(كان عليهم أن يقدّروا هذه الجملة حق قدرها إلّا أنهم انتقدوها واتخذوها حجة علينا.)</p>
<p style="text-align: justify;">يَذكر: &#8220;لقد صرفتُ كثيرًا من مرتّبي الذي كنت قد قبضته وأنا في &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221; وادّخرت قليلًا منه لأداء فريضة الحج. وقد كفَتني تلك النقود القليلة ببركة القناعة والاقتصاد، فلم يُرَق مني ماءُ الوجه. وما زالت بقية من تلك النقود المباركة موجودة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم في &#8220;اللمعة الثانية والعشرين&#8221; بعد أن يشير إلى أنها رسالة سرية خاصة لإخوته الصادقين الخالصين يقول:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;الإشارة الأولى: لِمَ يتدخل أهل الدنيا بأمور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أنك لا تتدخل في شؤون دنياهم؟</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة إسبارطة وأهاليها&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[بركة رسائل النور على أجيال المستقبل]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن الذين يتوهمون هذا الأمل الخالص والرغبة النـزيهة النابعة من الشفقة الإيمانية والذي يوجب الإعجاب.. يتوهمونه ذنبًا نقترفه، لا شك أنهم هم المذنبون.)</p>
<p style="text-align: justify;">في رسالة موقَّعة باسم &#8220;سعيد&#8221; يُذكر: &#8220;تُرى ما حكمة تراكض الأطفال الأبرياء الذين تتراوح أعمارهم من السابعة إلى العاشرة لمجرد ملاحظتهم إياي وأنا أتجول في العربة الحصانية، ثم التفافهم حول يدي؟</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أحار أمام هذا المنظر، ولكن إذا بخاطر يخطر إلى قلبي فأدركت أن هؤلاء الأطفال الأبرياء يستشعرون بحسٍ قبل الوقوع أنهم سينالون السعادة برسائل النور وسينجون من مهالك معنوية ستحيط بهم&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[إنقاذ الإيمان من وظائف المجدد الأكبر]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن عدّ هذه الفقرة الآتية ذنبًا ظلمٌ وخارج عن الإنصاف تلك التي كانت في البداية دفاعًا لي وفي النهاية تمنيًا ورغبة.)</p>
<p style="text-align: justify;">يذكر: &#8220;إن قسمًا من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يشيران معًا إلى حقيقة نورانية في هذا العصر، ويُظهران المجدد الأكبر الذي سيأتي في آخر الزمان، وإن أهم وظيفة من وظائفه الثلاث الجليلة هي إنقاذ الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">ويذكر أن إحياء الشريعة وإقامة الخلافة وما شابهها من الوظائف العظيمة الشاملة لدائرة واسعة جدًا، لا ضرر من عدم ذكرهما، حيث إنه يكون وسيلة لانتقاد المعارضين وهجوم السياسيين، لذا يرفع بعض الجمل ويعدّلها وسيعيدها إلى إخوته المدققين.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي رسالة موقّعة باسم &#8220;سعيد النورسي&#8221; :</p>
<p style="text-align: justify;">بينما سُترت الآيتان الكريمتان: ﴿انا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ و﴿وينصرك اللّٰه نصرًا عزيزًا﴾ الموجودتان على الباب الخارجي لبناية الوزارة الحربية المتحولة إلى الجامعة بالرخام، فإن إبرازَهما مثال على السماح لاستعمال الخط القرآني، ووسيلة لما تقصده رسائل النور من استعمال الخط القرآني وإشارة إلى تحول الجامعة إلى مدرسة نورية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[مسألة المهدوية]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن ما بيّنوه من نقد حول إيضاحي للحقيقة الواردة في رسالة تكبيرات الحجاج، جوابُه المسكت المقنع هو الهامش الذي وضعه&#8221; خسرو&#8221;.)</p>
<p style="text-align: justify;">يقول في رسالة موقعة باسم &#8220;سعيد النورسي&#8221;، ومعنونة بتكبيرات الحجاج:</p>
<p style="text-align: justify;">إن قسمًا من طلاب النور الذين لهم أهمية، يظنون بك أنك <strong>الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان من آل البيت،</strong> ويصرّون على ظنهم هذا، ولكنك ترفض بإصرارٍ أيضًا ما يدور في أذهانهم، وتتحرز منه وتتجنّبه، وهذا في ذاته تناقض وتضادٌّ نريد حلَّه.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم يُردف إزاء سؤالهم هذا قولَه:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن الشخص المعنوي الذي يمثل مهديَّ الرسول المنتظر له <strong>ثلاث وظائف</strong>، وأهم تلك الوظائف هي <strong>إنقاذ الإيمان</strong>، ثم <strong>إحياء الشعائر الإسلامية</strong> باسم الخلافة المحمدية، ويسعى ذلك الشخص لإنجاز هذه المهمة نظرًا لتعطّل كثير من أحكام القرآن وقوانين الشريعة المحمدية.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن طلاب النور يرون أن الوظيفة الأولى كليًّا في عهدة رسائل النور. أما الوظيفتان التاليتان فهما بالنسبة للأولى ثانوية وثالثية، لذا يتلقون الشخص المعنوي لرسائل النور أنه نوع من المهدي حقًّا، ويعطَى ذلك الاسمُ أحيانًا إلى هذا الضعيف العاجز الذي يَعتقد قسمٌ منهم أنه يمثل ذلك الشخص المعنوي، حتى إن قسمًا من الأولياء يرون في كراماتهم الغيبية أن رسائل النور هي مهدي آخر الزمان ومرشده. وهم يقولون: إن هذا الأمر يُفهم بالتحقيق والتأويل، ولكن هناك التباس في نقطتين، لا بد من التأويل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: أن الوظيفتين الأخيرتين، رغم أنهما ليستا بأهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن الخلافة المحمدية والاتحاد الإسلامي هما لدى عامة الناس وأهل السياسة ولا سيما في أفكار هذا العصر: أهم من الوظيفة الأولى بألف مرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أن اللّٰه يبعث في كل عصر مهديًّا ومرشدًا -وقد بعث فعلا- إلّا أنهم لم يحرزوا لقب المهدي الأكبر لآخر الزمان، حيث إنهم أدَّوا في جهة من الجهات وظيفة واحدة من تلك الوظائف الثلاث.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثانية</strong>: أن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان هو من آل البيت، وإني وإن كنت بمثابة ولد معنوي لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه حيث تلقيت منه درسَ الحقيقة، وأن آل محمد شامل لطلاب النور الحقيقيين في معنًى من معانيه، وأُعَدّ من هذه الجهة من آل البيت، إلّا أنه ليس في مسلك النور إظهارُ الشخصيات وإبراز الأنانية، ولا الرغبة في نيل مقامات شخصية رفيعة، ولا الحصول على السمعة والصيت، بل <strong>حتى لو أُعطيتُ مقامات أخروية فإني أرى نفسي مضطرًّا للتخلي عنها لكيلا أخلّ بالإخلاص في النور</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا يعني أنه يجيب بما يُشَمُّ منه موافقته الجزئية للموضوع إذ ليس فيه ردّ حاسم ورفض جاد لهذه المسألة: المهدية.</p>
<p style="text-align: justify;">﴿(٭): أيتها الهيئة غير المنصفة: كيف يكون إذن الردّ الحاسم؟ باسم طلاب النور.. خسرو.﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور وسيلة لدفع البلايا والآفات]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن الحوادث المذكورة في هذه الفقرة واقعة فعلًا وبصورة عجيبة محيرة، فإن حدوث الزلزلة عقب ثلاث دقائق من قولي: &#8220;لا تُحزنوني إن الأرض تغضب عليكم&#8221;، كان المفروض عليهم أن يأخذوا المسألة بجدّ ويستحسنوا الموقف، وذلك بمقتضى الشفقة، حيث إنها ليست موضع انتقاد واعتراض.)</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;بعد مرور عشر ساعات على أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات وهو يعاني الضيق، دبّ الحريق في دائرة المعارف، حتى كأنها في الوقت نفسه، مما أَظهر أن <strong>رسائل النور وسيلة لدفع البلايا</strong> بحيث لو هوجمت وجدت البلايا لها منفذًا فتنـزل&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الرسالة المرقمة مائة وواحدًا وأربعين:</p>
<p style="text-align: justify;">بعد أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات ونصف الساعة، يَذكر حوادث الحريق التي نشبت في دائرة المعارف في &#8220;أنقرة&#8221; وفي كراج السيارات وفي معمل في&#8221; إزمير &#8220;وفي عمارة كبيرة في &#8220;أطنه&#8221;.. ثم يذكر قوله: &#8220;لا تحرموني من الرسائل، <strong>وإلّا تكن خسارة جسيمة لي ولهذا الوطن، فالأرض تحتد وتغضب بالزلزلة</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد قولته هذه بثلاث دقائق وقعت الزلزلة ودامت ثلاث ثوانٍ، وأظهرت غضبَ الأرض، وشبت النار في دائرة المعارف، في وقت الهجوم على رسائل النور وطلابها، وقد ثبت هذا فعلًا لدى المحكمة أن حدوث الزلازل ونشوب الحريق تلازم وقت الهجوم على رسائل النور، فهذه الحوادث لا يمكن أن تكون مصادفة.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أصبحت رسائل النور وسيلة لدفع كثير من البلايا في هذه البلاد، فهناك وقائع كثيرة جدًّا على هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الرسالة المرقمة مائة وسبعًا وأربعين يذكر أن الشتاء قد غضب غضبًا شديدًا، في الوقت الذي شُنّ الهجوم علينا وقد أظهر غضبُ الهواء وحدّتُه بالعواصف والبرد الشديد أنه متى ما توقفت الهجمات على الرسائل وطلابها، فإن ابتهاج طلاب النور يبدّل تلك العواصف القاسية إلى أيام ربيع بهيجة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحريق الذي دبّ في دائرة المعارف صفعة قوية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[بِمَ تعيش؟!]</h3>
<p style="text-align: justify;">(إن الحالة التي يجب أن تُبارَك، لا يُنظر إليها نظر الاعتراض.)</p>
<p style="text-align: justify;">سألوني في هذه المرة في المحكمة ضمن أسئلة لا معنى لها، قائلين: <strong>بِمَ تعيش؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;">فقلت: <strong>ببركة الاقتصاد</strong>.. إن من كان في &#8220;إسبارطة&#8221; ويعيش في شهر رمضان على رغيف واحد، وكيلو من اللبن وكيلو من الرز، لا يتنازل للدنيا كلها لأجل العيش، ولا يضطر إلى قبول الهدايا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[شبابنا يطلب العلم والفضيلة]</h3>
<p style="text-align: justify;">(قد ساق الثناءُ الساطع لـ&#8221;زبير &#8221; ودفاعُه الذي قرأه أمام المحكمة إلى التقدير والاستحسان بإذن اللّٰه بحيث أدرجوه بإعجاب في القرار.)</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما كتبه&#8221; زبير&#8221; في إحدى الملازم المطبوعة بالآلة الطابعة والمعنونة بـ(شبابنا يطلب علمًا وأخلاقًا راقية تعلّم الحق والحقيق) جاء في صفحتها العاشرة&#8221;: إن رسائل النور التي تنقذ مسلمي القرن العشرين والبشرية عامة من ظلمات الأفكار الباطلة القاتمة ليست من بنات أفكار المؤلف نفسه بل إلهام قذفه رب العالمين إلى قلب المؤلف، فهي رسائل راقية قيمة نفيسة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وجاء في الصفحة الثانية عشرة:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إذا ما قيل لطالب يخدم في مجال رسائل النور: استنسخْ هذه الكتبَ بدلًا عن رسائل النور، أعطيك ثروة &#8220;فورد&#8221; وغناه. لأجابهم قبل أن يَرفع طرفَ قلمِه من كتابة رسائل النور: لا أقبل حتى لو أَعطيتم لي ثروةَ الدنيا كلها وسلطنتَها&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الصفحة الخامسة عشرة:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن كانت درجة ارتباطنا لنـزيهي الفكر من المؤلفين مائة درجة، فإن درجة ارتباطنا لشخصية عظيمة كبديع الزمان الذي يرشدنا إلى سعادة الدنيا والآخرة بلايين البلايين، بل بغير نهاية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الصفحة الثانية عشرة:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن الشخص المعنوي لرسائل النور قد شخَّص أمراض هذا العصر الاجتماعية والروحية والدينية، وعرض لإنسان هذا العصر بعناية اللّٰه ما يداويه من العِلل الاجتماعية المزمنة بأدوية نابعة من حقائق القرآن&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الصفحة الرابعة والأربعين:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;قال بديع الزمان: من يقرأ هذه الرسائل لسنة كاملة يمكن أن يكون عالمًا جليلًا في هذا الزمان. نعم، إنه كذلك.&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الصفحة الرابعة والخمسين:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن الحكام الذين قرؤوا رسائل النور لا يُتوقع صدور قرارات غير صائبة منهم&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عشر نقاط إلى رئاسة محكمة التمييز]</h2>
<p style="text-align: justify;">إلى رئاسة محكمة التمييز‌</p>
<p style="text-align: justify;">في جلسة محكمة التمييز التي راجعْناها لإبطال القرار الجائر الذي أصدرتْه محكمة &#8220;أفيون&#8221; في حقنا لم يَدَعوا لي فرصة للكلام، بل تَلَوا علينا اتهامًا ثالثًا شديد اللهجة، ولم يسمحوا لأحد أن يساعدني في الكتابة، وفضلًا عن رداءة خطي في الكتابة فقد كنت مريضًا، وهذه الشكوى التي كتبتها وأنا مريض أقدمها إلى مقامكم &#8220;الذي أنصفني مرتين إنصافًا تاما&#8221; كلائحة تمييز.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هذه عريضة إلى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى إلى المقام الإلهي، ولتسمعها محكمة التمييز في الوقت الحالي والأجيال الآتية في المستقبل وليسمعها أساتذة دار الفنون &#8220;الجامعة&#8221; وطلابها المثقفون، فمن مئات المصائب والبلايا التي واجهتها طوال ثلاث وعشرين سنة اخترت عشرًا منها لعرضها على عدالة المقام الإلهي ذي الجلال الحاكم المطلق مشتكيًا إليه:</p>
<h3 style="text-align: center;">[1: لم نقترف جرمًا]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: مع أنني شخص مقصر، فقد نذرت كل حياتي في سبيل سعادة هذه الأمة وفي سبيل إنقاذ إيمانها، ولقد سعيت بكل جهدي للعمل برسائل النور لكي أضحى بنفسي في سبيل حقيقة افتدتها ألوف الأنفس، وهي الحقيقة القرآنية، واستطعتُ بتوفيق من اللّٰه تعالى وفضل منه أن أتحمل شتى ضروب التعذيب، فلم أتقهقر ولم أنسحب.</p>
<p style="text-align: justify;">أسوق مثالًا واحدًا من التصرفات الغادرة والظالمة التي واجهتها في سجن أفيون وفي محكمتها:</p>
<p style="text-align: justify;">مع أنهم أسمعوني وأسمعوا طلابَ النور الأبرياء الذين كانوا ينتظرون السلوان من عدالة المحكمة ثلاث مرات لائحة الاتهام المليئة بالافتراءات، وكانت قراءة اللائحة تستغرق كل مرة ساعتين في الأقل، إلّا أنهم لم يسمحوا لي بالكلام وبالرد إلّا لمدة دقيقة واحدة أو دقيقتين، مع أنني رجوت منهم أن يسمحوا لي بالدفاع عن حقوقنا لمدة خمس أو عشر دقائق.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني أبقيت معزولًا لمدة عشرين شهرًا في سجن انفرادي، إلّا أنهم لم يأذنوا لأحد بزيارتي ورؤيتي إلّا لصديقين أو ثلاثة ولمدة ثلاث أو أربع ساعات فقط، وقد ساعدتني هذه الزيارة مساعدة جزئية جدًّا في كتابة دفاعي.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم منعوا هؤلاء أيضًا، وعاملوهم معاملة قاسية وعاقبوهم، وأجبرونا على سماع لائحة الاتهام للمدعي العام البالغة خمس عشرة صحيفة والتي ملأها بالأكاذيب المغرضة وبالافتراءات وبسوء الفهم، حتى إنني أحصيت فيها واحدًا وثمانين خطأً، ولم يسمحوا لي بالكلام وبالرد، ولو سمحوا لي بذلك لقلت لهم:</p>
<p style="text-align: justify;">بينما لا تتعرضون لليهود ولا للنصارى ولا للمجوس الذين ينكرون دينكم ويهينون أجدادكم -بوصفهم بأنهم كانوا على ضلالة- وينكرون نبيكم (ﷺ) ولا يقبلون بقوانينِ قرآنكم الكريم، ولا للمنافقين المرتدين من الفوضويين من أنصار البلشفية، وذلك تحت شعار حرية الفكر وحرية الوجدان، وإن الحكومة البريطانية التي نعلم مدى تعصبها للنصرانية ومدى جبروتها، تسمح للملايين من المسلمين الموجودين تحت حكمها بقراءة القرآن في كل وقت وأخذِ دروس منه، هذه الدروس التي تَرُدّ كل العقائد الباطلة وكل الدساتير الكافرة للإنكليز.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن المعارضين لكل حكومة يستطيعون إبداء آرائهم علنًا ويستطيعون نشر هذه الأفكار، ولا تتعرض لهم محاكم هذه الحكومات، أما أنا فقد تم تدقيق أربعين سنة من حياتي وتدقيق مائة وثلاثين كتابًا من كتبي وجميع مكاتيبي ورسائلي حتى السرية منها في محكمة &#8220;إسبارطة&#8221; وفي محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; وفي محكمة جزاءِ &#8220;أنقرة&#8221; وكذلك في رئاسة الشؤون الدينية، كما قامت محكمة التمييز بهذا التدقيق مرتين -وربما ثلاث مرات- وبقيت رسائل النور بكل نسخها الخاصة منها وغير الخاصة في يدها مدة حوالي ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يجدوا فيها أي شيء يستوجب عقوبة مهما كانت صغيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أتساءل ما هو الذنب الذي اقترفناه لكي تقوموا بإصدار عقوبة قاسية في حقنا وسجننا سجنًا انفراديًّا وأنا بهذه الدرجة من الضعف وفي هذا الوضع القاسي من الظلم والقهر؟! وأي قانون أو مصلحة أو وجدان يرضى بهذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">مع أن رسائل النور -التي تجدون مجموعتها كاملة بين أيديكم- أصبحت مرشدًا قويًّا وقويمًا لأكثر من مائتي ألف طالب من طلاب النور الحقيقيين المستعدين للتضحية، فخدمت بذلك أمن البلد واستقراره.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن دفاعي الذي قدمته والذي بلغ أربعمائة صفحة أثبت براءتنا بشكل قاطع لا يقبل الشك، لذا <strong>ستُسألون هذه الأسئلة أمام المحكمة الكبرى يوم الحشر</strong> دون ريب.</p>
<h3 style="text-align: center;">[2: رفض التشريعات الغربية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثانية</strong>: لقد عدّوا تفسيري للآيات القرآنية الصريحة حول الحجاب والإرث وذكر اللّٰه وتعدد الزوجات، وقيامي برد الاعتراضات المثارة ضدها من قِبَلِ المدنية الغربية الحالية ردًّا مفحمًا.. عدّوا ذلك إحدى التهم الموجهة إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكرر هنا الفقرة التي أوردتُها قبل خمسة عشر عامًا في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; ثم في محكمة التمييز في أنقرة، وستكون هذه الفقرة شكواي في محكمة الحشر الكبرى وتنبيهًا وإيقاظًا للجماعات المثقفة للأجيال القادمة، وستكون هي مع &#8220;رسالة الحجة الزهراء&#8221; بمثابة لائحة تمييز، كما أنني أكرر هذه الفقرة للمدعي العام الذي لم يترك لي فرصة للكلام والذي أثبتُّ ثمانين خطأ ورد في لائحته الاتهامية التي ملأها بالمغالطات، وأعرضها مرة أخرى على هيئة المحكمة التي أصدرت حكمًا عليّ بسنتين من الحبس الانفرادي الشديد وبسنتين من النفي والإقامة الجبرية:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أقول لمحكمة وزارة العدل: إن إدانة من يفسر أقدس دستور إلهيّ وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليونًا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا.. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدق به ثلاثمائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرار ظالم لا بد أن ترفضه العدالة إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولا بد أن ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه؛ ولتسمع هذا الآذان الصماء لعصرنا الحالي.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا يعني إدانة شخص ترك السياسة واعتزل الحياة الاجتماعية ولا يؤمن من الناحية الفكرية العلمية ببعض القوانين الأجنبية التي قُبِلت في هذا البلد بمقتضى ظروف معينة، لقيامه بتفسير هذه الآيات إنكارًا منهم للإسلام وإهانة لمليار من أجدادنا الأبطال المتدينين واتهامًا لملايين التفاسير القرآنية؟!</p>
<h3 style="text-align: center;">[3: الإخلال بالأمن]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالثة</strong>: من الأسباب التي ذكروها لتبرير الحكم عليّ هي القيام بالإخلال بالأمن والاستقرار؛ وعلة هذا أنهم قاموا بتفسير خاطئ لمعنى بعضِ الجمل الواردة في خطاباتٍ شخصية ورسائلَ خاصة لا تتجاوز الخمسين جملة، مع أن رسائل النور تحوي أكثر من مائةِ ألفِ كلمة وجملةٍ، ونظروا إلى احتمالٍ واهٍ وبعيدٍ جدًّا لا يتجاوز واحدًا في المائة بل واحدًا من ألف، وعدوا هذا الاحتمال البعيد واقعًا ويريدون به عقابنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أُشهد الذين يعرفون الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة من حياتي والآلافَ من طلبة النور الأصفياء فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">عندما بدأ القائد العام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول ببذر بذور الخلاف بين المسلمين، حتى خدع شيخَ الإسلام وبعضَ العلماء الآخرين وجعل أحدَهم يهاجم الآخر، ووسَّع الخلاف بين جماعة الاتحاديين وجماعة &#8220;الائتلاف&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup> لكي يهيئ الجو لانتصار اليونانييـن واندحار الحركة المـلية الوطنية، قمـت آنذاك بتأليف كتـابي &#8220;الخطوات السـت&#8221; ضد الإنكلـيز وضد اليونانييـن، وقام السـيد &#8220;أشرف أديب&#8221; بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي لم يحفل بتهديد القائد الإنكليزي بإعدامه، ولم يهرب إلى أنقرة مع أن حكومة أنقرة استدعته تقديرًا منهم لنضاله، وفي روسيا لم يحفل بقرار الإعدام الذي أصدره القائد الروسي، واستطاع في حوادثِ ٣١ مارت بخطبة واحدة تهدئةَ ثماني كتائبَ هائجةٍ من الجيش وإعادتَها إلى الطاعة، وعندما قال له باشوات المحكمة العسكرية العرفية<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;أنت أيضًا رجعي فقد طالبتَ بحكم الشريعة&#8221; لم يحفل بتهديدهم أدنى احتفاء، بل أجابهم: &#8220;إذا كانت المشروطية عندكم تعني استبدادَ فئةٍ معيّنة، فليَشهد الثقلان أنني رجعي، وأنا مستعد للتضحية بروحي في سبيل مسألة واحدة فقط من مسائل الشريعة&#8221;، مما أذهل الضباطَ الكبار. وبينما كان يَتوقع حكمَ الإعدام أصدروا قرارهم بتبرئته وتخلية سبيله، ولم يشكرهم على قرارهم هذا، بل هتف وهو في طريقه للخروج: &#8220;لتعش جهنم للظالمين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي ديوان الرئاسة في أنقرة -كما أُدرج في قرار لمحكمة أفيون- عندما قال له مصطفى كمال في غضب: &#8220;لقد دعوناك هنا لكي نستأنس بآرائك السديدة، فإذا بك تكتب أمورًا حول الصلاة فبذرتَ الخلاف فيما بيننا&#8221;!</p>
<p style="text-align: justify;">فأجابه أمام ما يقرب من خمسين نائبًا: &#8220;إن أكبر مسألة بعد مسألة الإيمان هي الصلاة، ومن لا يصلي يعدّ خائنًا، وحكم الخائن مردود&#8221;. فاضطر ذلك القائد الصارم إلى كظم غيظه وإلى إرضائه بعض الترضية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه لم يسجِّل رجال أمن الحكومة في ست ولايات أيةَ حادثة تخل بالأمن لطلبة النور، مع أنهم يعدّون بمئات الآلاف، سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولم يَسمع أحد أن طالبًا من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم أو جناية، وما دخل السجن إلّا وأصلح المسجونين.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن مئات الآلاف من نُسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهِد أحد ضررًا لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة، وأصدرت ثلاثُ محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما أن مئات الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم هل يجوز أن يُتَّهم شخصٌ منـزوٍ ومنعزلٌ وكبيرُ السن وفقيرٌ ويرى نفسه على حافة القبر وتَرَكَ بكل قوته وقناعته الأشياءَ الفانية، فلا يهتم بأية رتبة دنيوية، بل هو في شغل شاغل بما يكفّر عن تقصيراته السابقة وبأمور تنفع حياته الخالدة، وهو لشدة شفقته ولرغبته في تجنيب الأبرياء والشيوخ أيةَ أضرار تلحق بهم فإنه يتجنب الدعاء على ظالمِيه ومعذبيه.. هل يجوز أن يُتهَم مثل هذا الشخص ويقالَ بحقه: إن هذا الشيخ المنـزوي يحاول الإخلال بالأمن ويفسد الاستقرار، وغايته هي المؤامرات الدنيوية وهي القصد من اتصالاته ومكاتيبه، لذا فهو مذنب؟!</p>
<p style="text-align: justify;">إن من يقول هذا بحقه ويحكمون عليه في ظلِّ ظروف قاسية لا شك أنهم مذنبون، ومذنبون جدًّا، وسيدفعون ثمن هذا في المحكمة الكبرى يوم الحشر.</p>
<p style="text-align: justify;">مثل هذا الرجل الذي هدّأ ثماني كتائب عسكرية وأجبرها على الانقياد للنظام بخطبة واحدة، واستطاع قبل أربعين سنة بمقالة واحدة أن يجعل الآلاف من الناس ينحازون إليه ويكونون أنصاره، ولم يُحنِ رأسه أمام ثلاثة قواد جبارين -المذكورين سابقًا- ولم يخش منهم ولم يتملق لهم، وقال أمام المحاكم: &#8220;ألا فلتعلموا جيدًا بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفُصِل كل يوم واحدٌ منها عن جسدي فلن أحني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، فلن أخون الوطن والأمة والإسلام&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فهل يجوز بعد هذا أن يقال لمثل هذا الشخص الذي لم يكن له علاقة مع أحد في مدينة &#8220;أميرداغ&#8221; إلا مع بضعة من أصدقاء الآخرة إضافة إلى ثلاث من الذين كانوا يقومون بشؤون خدمته.. هل يجوز أن يقال: &#8220;إن سعيدًا هذا عمل سرًّا في أميرداغ كي يخل بالأمن، فقد سمم أفكار بعض أفراد الشعب هناك، فقام عشرون شخصًا هناك بمدحه وكتابة مكاتيب خاصة له، مما يبرهن على أنه يعمل سرًّا ضد النظام الثوري للحكومة&#8221;؟!</p>
<p style="text-align: justify;">واستنادًا إلى هذه التهمة فقد اتُّبِعتْ سياسة عدائية ضده وحكم عليه بالحبس الشديد لمدة سنتين، حيث وضع في سجن انفراديّ وفي عزلة تامة، ولم يسمحوا له بالكلام والدفاع عن نفسه في المحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">لأجل كل هذا فإنني أحيل هؤلاء الذين عذبوني وابتعدوا هذا الابتعاد عن العدالة وعن الإنصاف إلى ضمائرهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وهل يُعقَل وهل من الممكن أن يقوم مثل هذا الشخص الذي نال توجُّه الناس إليه أكثر مما يستحقه، والذي حَمَل الألوفَ على الطاعة والانقياد بخطبة واحدة، وجَعَل الآلاف من الناس ينضمون إلى جمعية الاتحاد المحمدي بمقالةٍ واحدةٍ منه، واستمع إلى خطبته خمسون ألف شخص في جامع أياصوفيا بكل تقدير.. هل يعقل وهل يمكن أن يقوم مثل هذا الشخص بعمل سري طوال ثلاث سنوات في مدينة أميرداغ ثم لا يوفق إلّا في إقناع بضعة أشخاص ويترك أمور الآخرة وينغمس في مؤامرات السياسة فيملأ قبره -القريب منه- بالظلمات بدلًا من النور؟! أيمكن هذا؟! إن الشيطان نفسه لا يمكن أن يقنع بهذا أحدًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[4: القبعة الإفرنجية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرابعة</strong>: لقد أبرزوا عدم قيامي بلبس القبعة كسبب مهم لإدانتي ولم يسمحوا لي بالكلام، وقد كنت ناويًا أن أقول لهم:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد بقيت في مدينة &#8220;قسطموني&#8221; مدة ثلاثة أشهر ضيفًا في مركز الشرطة هناك ولم يقل لي أحد: &#8220;عليك أن تضع القبعة على رأسك&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي ثلاث محاكم لم أضع قبعة على رأسي ولم أحسر عن رأسي في جلسات هذه المحاكم، ولم يتعرض أحد لي.</p>
<p style="text-align: justify;">صحيح أن بعض الظالمين الذين لم يكن لديهم نصيب من الدين اتخذوها حجة وتعرضوا لي بشكل غير رسمي بالأذى طوال ثلاث وعشرين سنة، وضيقوا عليّ كثيرًا وآذوني؛ وأن الأطفال والنساء وأكثر القرويين والموظفين في الدوائر الرسمية والذين يلبسون غطاء الرأس، غير مضطرين إلى لبس القبعة، إذ لا فائدة أو مصلحة مادية في ذلك، إذن فإن شخصًا منـزويًا مثلي قاسى عشرين عامًا بسبب عدم لبس القبعة والافتراءات، علمًا بأن جميع المجتهدين وجميع شيوخ الإسلام منعوا لبسها، والآن يعودون إلى إيذائي وعقوبتي دون أي وجه حق، فكما لا يتعرض أحد إلى الذين يشربون الخمر جهارًا نهارًا في شهر رمضان ولا يصلون، وذلك باسم الحرية الشخصية، لذا فإن الذين يتهمونني من أجل زيي مرارًا وتكرارًا بهذا العناد وبهذه الشدة سوف يُسأَلون عن هذا عندما يُشاهِدون الحبس الانفرادي الأبدي في القبر ويحضرون إلى المحكمة الكبرى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[5: مصادرة رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الخامسة</strong>: إن رسائل النور التي حازت قبول مائة ألف من أهل الإيمان، والتي قَدمت طوال عشرين عامًا منافعَ عديدة -خالصةً من أية شائبة من الضرر- للأمة وللوطن تُصادَر لأتفه الأسباب.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا صودرت مجموعةُ &#8220;ذو الفقار-المعجزات الأحمدية&#8221; -التي أَنقذت إيمانَ مائة ألف شخص- لورود تفسير صحيح ومحقّ لآيتين كريمتين في صفحتين فقط من مجموع صفحاتها البالغة أربعمائة صفحة، مع أن هذه المجموعة تعرضت لمرور الوقت، وصدرت خلاله قوانين عفو عديدة، فهل يجوز مصادرة تلك المجموعة القيمة النافعة من أجل صفحتين فقط؟</p>
<p style="text-align: justify;">والآن تتم مصادرة رسائل أخرى قيمة بسبب كلمة أو كلمتين -يفسرونها تفسيرًا خاطئا- ضمن ألف كلمة، وكل من سمع لائحة الادعاء الثالثة هذه والقرارَ الذي نشرناه يتأكد مما نقول.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن فإننا نقول لكل مصيبة نراها: ﴿إنا للّٰه وإنا إليه راجعون﴾ و﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾.</p>
<h3 style="text-align: center;">[6: مديح الناس وثناؤهم]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادسة</strong>: أنني أقول للذين يتهمون المترجم المسكين لرسائل النور (يعني نفسه) بسبب قيام بعض طلبة النور بثناء مبالَغ فيه وحسن ظن مفرط، بإرسال رسائلِ تشجيع وتهنئة وتقدير وشكر بعد أن استفادوا استفادة كبرى من البراهين الإيمانية التي لا تتزعزع، واكتسابهم العلوم الإيمانية بدرجة علم اليقين&#8230; أقول لهم:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني شخص ضعيف وعاجز ومنفي ونصف أمي، وعندما كانوا يثيرون الناس ضدي بدعاياتهم ويخوفونهم مني، كنت كلما أجد دواء لأدوائي من أدوية القرآن الكريم ومن حقائقه الإيمانية الرفيعة كتبت تلك الحقائق القيمة إيمانًا منى بأنها ستكون علاجًا شافيًا لأبناء الأمة والوطن، ولما كان خطي رديئًا جدًّا فقد كنت بحاجة ماسة إلى معاونين، فيسّرت العناية الإلهية لي معاونين خاصين وصادقين وثابتين.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن الطبيعي أنني لا أستطيع أن أرد بشكل قاطع حسنَ ظنهم ومدحهم المخلص، أو أن أوبخهم على هذا فأجرح مشاعرهم، فمثل هذا التصرف يخالف الأنوار المستلهمة من خزينة القرآن الكريم ويعاديها ويهوّن منها.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا، فلكي لا يبتعد عني هؤلاء المعاونون من ذوي الأقلام الألماسية والقلوب الشجاعة، فإنني كنت أحول مديحهم لشخصي العاجز المفلس إلى رسائل النور التي هي صاحبة الحق في هذا المديح، لأنها تعكس المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، أحيلها إلى الشخصية المعنوية لطلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كنت أقول لهم: &#8220;إنكم تعطون لي حصة تزيد على حصتي بمائة مرة&#8221; كنت أوذي مشاعرهم إلى حدّ ما، فهل هناك مادة قانونية تضع شخصًا في موقع الاتهام واللوم لأن أفرادًا آخرين يمدحونه بالرغم من أنه كاره لهذا المديح؟ أتوجد مثل هذه المادة القانونية لكي يمكن تبرير قيام موظف رسمي اتهامي باسم القانون؟</p>
<p style="text-align: justify;">هذا مع العلم أنه قد ذكر في الصفحة رقم (٥٤) من القرار المنشور للائحة الاتهام ضدنا قولي: &#8220;إن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان سيكون من نسل آل البيت، أما نحن معشر طلاب النور فيمكن أن نُعَدّ من آل البيت من الناحية المعنوية فقط. ثم إنه لا يوجد في مسلك النور مكان للأنانية أو لتبجيل شخص أو الرغبة في مقامات دنيوية، أو التطلع نحو الجاه والشهرة أبدًا، بل إنني أرى نفسي مضطرًّا حتى لترك المقامات الأخروية -إن أُعطيتْ لي- كي لا أخل بالإخلاص الموجود في المسلك النوري&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كما ورد في الصفحة (٢٢) وفي الصفحة (٢٣) من قرار اللائحة هذه العبارات: &#8220;معرفة الإنسان تقصيره أمام اللّٰه وإدراك فقره نحوه وعجزه أمامه والالتجاء إليه بذل وخشوع.. فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز أفقر وأكثر تقصيرًا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل.. لن أبوح بكثير من مساوئ شخصيتي الثالثة ومن أحوالها السيئة لئلا أنفركم عني كليًّا، فالفضل الإلهي هو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها، فالنفس أدنى من الكل والوظيفة أسمى من الكل، فألف شكر وشكر للّٰه سبحانه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن اللائحة اقتبست العبارات أعلاه من كلامنا وأدرجتها في متنها، إلّا أن الذين يريدون وضعي في موضع المذنب لمجرد قيام بعض الأشخاص بمدحي ووصفي بأنني مرشد عظيم ومهدي -بأنني هديتهم بالمعنى الوارد في رسائل النور- لا شك أنهم يستحقون نيل جزاءهم على ما اقترفوه من ذنوب كبيرة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[7: إعادة اتهامنا بعد تبرئتنا]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>السابعة</strong>: قامت محكمة دنيزلي ومحكمة الجنايات الكبرى في &#8220;أنقرة&#8221;، ومحاكم التمييز بإصدار قراراتها بالإجماع على تبرئتنا وعلى تبرئة رسائل النور بأجمعها، حيث أعادت هذه الرسائلَ وكذلك جميعَ خطاباتنا إلينا، ومع أنهم قالوا إنه &#8220;حتى على فرض وقوع خطأ في قرار التبرئة لمحكمة دنيزلي، فما دامت محكمة التمييز قامت بتبرئتكم، فإنّ قرار التبرئة أصبح قطعيًّا وثابتًا ولا يمكن سَوقُكم إلى المحكمة مرة أخرى&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني قضيت ثلاث سنوات في مدينة &#8220;أميرداغ&#8221; منـزويًا لا أتصل إلا مع بضعة أشخاص ممن يقومون بشؤون خدمتي بشكل متناوب، وكانوا يعملون كمساعدِي خياط، ولا أتحدث مع أحد إلّا مع بعض المتدينين في حالات نادرة وضرورية ولمدة بضع دقائق فقط، وسوى إرسال رسالة واحدة فقط في الأسبوع من أجل التشجيع على قراءة رسائل النور، حتى إنني لم أرسل إلى شقيقي المفتي إلّا ثلاث رسائل طوال ثلاث سنوات، بل تركت التأليف الذي كنت عاكفًا عليه منذ ثلاثين سنة سوى تأليف نكتتين اثنتين بعشرين صفحة تناولتْ موضوعين مهمَّين ومفيدَين جدًّا لأهل الإيمان ولأهل القرآن، وهما &#8220;حكمة التكرار في القرآن&#8221;، و&#8221;بعض المسائل حول الملائكة&#8221;.. لم أؤلف عداهما، ولكني وافقت على ضمّ الرسائل التي برأتْها المحاكم وجعْلِها بشكل مجلدات.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما قامت المحكمة بإرجاع خمسمائة نسخة من &#8220;رسالة الآية الكبرى&#8221; التي كانت مطبوعة بالأحرف القديمة، فقد أعطيتُ موافقتي لإخواني باستنساخها بوساطة جهاز الاستنساخ -لعلمي بأن القانون لا يمنع ذلك بصورة رسمية- وذلك لكي يستفيد العالم الإسلامي منها، وانشغلتُ فقط بتصحيحها ولم أنشغل أبدًا بالسياسة، حتى إنني فضلتُ البقاء في غربة أليمة ولم أرجع إلى بلدتي -كما فعل جميع المنفيين الآخرين- رغم صدور الإذن الرسمي بذلك، لكي لا أنشغل بالدنيا وبالسياسة.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن القيام بتوجيه هذا الاتهام الثالث المحتوي على أمور باطلة وكاذبة وعلى تفسيرات خاطئة ومحاوَلة إدانةَ مثل هذا الرجل يحتوي على معنَيَيْن مذهلَين -لن أقولهما الآن- وقد أثبتتْ المدةُ الأخيرة البالغة عشرين شهرًا هذا الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول: حسبهم القبر وسقر، وأحيل أمري إلى المحكمة الكبرى يوم القيامة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[8: رسالة الشعاع الخامس]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثامنة</strong>: بعد أن بقيتْ رسالة &#8220;الشعاع الخامس&#8221; سنتين لدى محكمة دنيزلي ومحكمة أنقرة أعيدت إلينا، وبعد أن صدر القرار بتبرئتها سمحتُ بنشرها -مع دفاعي في تلك المحكمة- في آخر مجموعة &#8220;سراج النور&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">صحيح أنني كنت أحتفظ بها كرسالة خاصة ليست معروضة على الناس، ولكن ما دامت المحكمة شَهَّرت بها وأعلنتها ثم أعادتها إلينا بعد براءتها، فقلت بأنه لا ضرر إذن من نشرها، لذا أذنتُ لهم بنشرها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكان أصل هذه الرسالة قد كتب قبل حوالي أربعين سنة حول تأويلاتِ أحاديثَ متشابهة كانت قد انتشرت بين الناس منذ القديم، ومع أن عددًا من علماء الحديث ضعّفوا قسمًا من هذه الأحاديث، إلّا أنني قمت بكتابة هذه الرسالة إنقاذًا لأهل الإيمان من الشبهات، لأن المعاني الظاهرة لهذه الأحاديث كانت تتسبب في اعتراضات كثيرة عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن قسمًا من تأويلاتها الخارقة ظهرت أمام الأعين، لذا اضطررنا إلى إخفاء هذه الرسالة وجَعْلِها رسالة سرية خاصة لكي لا تُفسَّر تفسيرًا خاطئًا، وبعد أن قامت عدة محاكم بتدقيقها وتشهيرها ثم إعادتها إلينا، إلّا أنها عادت مرة أخرى إلى اتخاذها سببًا في إدانتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإننا نحيل مدى ابتعاد هذا العمل عن العدالة وعن الحق وعن الإنصاف إلى ضمائر هؤلاء الذين يريدون إدانتنا بسبب من قناعاتنا الوجدانية، كما نحيل شكوانا هذه إلى المحكمة الإلهية الكبرى ونقول: ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾.</p>
<h3 style="text-align: center;">[9: ؟]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>التاسعة</strong>: وهذه نقطة مهمة جدًّا، ولكننا نمسك عن ذكرها لئلا نُغضِب الذين حكموا علينا، وذلك لأجل قيامهم بقراءة رسائل النور.</p>
<h3 style="text-align: center;">[10: ؟]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>العاشرة</strong>: وهذه نقطة قوية ومهمة، ولكننا نمسك أيضًا عن ذكرها حاليًّا لكي لا تدفعهم إلى الاستياء والامتعاض.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في السجن الانفرادي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عريضة إلى مجلس الوزراء]</h2>
<p style="text-align: center;">عريضة مقدمة إلى مجلس الوزراء‌</p>
<p style="text-align: justify;">هذا قسم من العريضة المقدمة إلى مجلس الوزراء</p>
<p style="text-align: justify;">قبل خمسة عشر عامًا وأثناء محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">يا أهل الحل والعقد..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تعرضتُ لظلم يندر وجوده في الدنيا، ولما كان السكوت على هذا الظلم يعدّ استهانة بالحق وعدمَ احترام له، فقد اضطررتُ إلى إفشاء حقيقة مهمة جدًا، فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إما <strong>قوموا بإعدامي وببيان ذنبي</strong> الذي استلزم حكمًا مقداره مائة سنة وسنة ضمن دائرة القانون وإطاره، أو <strong>برهِنوا على أنني مجنون وفاقد للعقل</strong>، أو <strong>أعطوا لرسائلنا ولنا ولأصدقائنا الحرية الكاملة</strong> وحاسِبوا الذين تسببوا في إيقاع الأذى بنا.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، لا بد أن يكون لكل حكومة قانون واحد، وأصول واحدة، حيث تُعطى العقوبات على أساس ذلك القانون، فإذا لم يكن في قوانين الحكومة الجمهورية ما يبرر إيقاع الأذى الشديد بي وبأصدقائي، فإن من المفروض ومن الواجب تقديمَ الترضية الضرورية والتقدير والمكافأة لنا مع إعطائنا كاملَ الحرية.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأنه لو كانت خدمتي القرآنية تعدّ عملًا عدائيًّا موجهًا ضد الحكومة، فإنه يلزم إصدارُ حكم عليّ بالسجن لمدة مائة سنة وسنة أو بالإعدام، وكذلك إصدار عقوبات قاسية على الذين ارتبطوا معي في هذه الخدمة بشكل جديٍّ بدلًا من الحكم عليّ بسنة واحدة وعلى أصدقائي بستة أشهر.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن لم تكن خدماتنا هذه موجهة ضد الحكومة، فعليها أن تقابلنا بالتقدير والمكافأة بدلًا من العقاب والسجن والأذى والاتهام، ذلك لأن مائة وعشرين رسالة، أصبحت ترجمانًا لهذه الخدمة، واستطاعت أن تتحدى فلاسفة أوروبا وأن تهدم كل أسسهم الفكرية وتجعلها أثرًا بعد عين.</p>
<p style="text-align: justify;">لا شك أن هذه الخدمة الفعالة والمؤثرة ستؤدي إما إلى نتيجة مخيفة، أو إلى ثمرة علمية راقية ونافعة جدًا، لذا لا يمكن إصدار قرار بحبسي سنة واحدة وكأننا نلعب لعب الأطفال من أجل ذر الرماد على العيون واستغفال العامة والتستر على مؤامرات الظالمين ضدنا، ذلك لأن <strong>أمثالي إما أن يصعدوا على المشنقة بكل فخر ويُعدَموا، وإما أن يكونوا أحرارًا في الموقع الذي يستحقونه</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن اللص الماهر الذي يستطيع أن يسرق ألماسات بقيمة آلاف الليرات، إن قام بسرقة قطع زجاجية بقيمة عدة قروش وتم الحكم عليه بنفس الحكم من سرقة ألماسات ثمينة، فإنه ما من لص أو ذي عقل وشعور يفعل ذلك، لأن أمثال هذا اللص يكون ذكيًّا وحاذقًا ولا يتورط في عمل في غاية الحمق والبلاهة.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة..‌</p>
<p style="text-align: justify;">لنفرض أنني كنت مثل ذلك اللص حسب ما تتوهمون، فلماذا أختار ناحية بائسة من نواحي مدينة &#8220;إسبارطة&#8221; حيث بقيتُ منـزويًا فيها مدة تسع سنوات؟!</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فبدلًا من توجيه أفكارِ بضعةٍ من الأفراد المخلصين &#8220;الذين تم الحكم عليهم بأحكام خفيفة&#8221;، نحو معاداة الحكومة وإلقاءِ نفسي ورسائلِ النور -التي هي غاية حياتي وهدفها- في الخطر، فقد كان من الأفضل لي البقاءُ في موقع كبير في &#8220;أنقرة&#8221; أو في &#8220;إسطنبول&#8221; كما كنت في السابق، وتوجيهُ الآلاف من الناس نحو الغاية التي ابتغيها، عند ذلك كنت أستطيع أن أتدخل وأن أشارك في أمور الدنيا بعزة تليق بمسلكي بدلًا من التعرض لمثل هذه العقوبة التافهة والذليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل أن أبين مدى الخطأ الذي يقع فيه الذين يريدون دفعي إلى رتبة واطئة لا نفع فيها ولا أهمية لها، فإنني أقول مضطرًّا مذكِّرًا ببعض أنانيتي وريائي السابقين وليس من أجل الفخر والمدح:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين تيسرتْ لهم رؤية دفاعي الذي طبع تحت عنوانِ &#8220;شهادة مدرستين للمصيبة&#8221;، يشهدون أنه استطاع بخطبة واحدة جَلْبَ ثماني كتائب من الجنود إلى الطاعة في أحداثِ ٣١ مارت، وكما كتبتْ الجرائد آنذاك: استطاع بمقالة واحدة في زمن حرب الاستقلال باسم &#8220;الخطوات الست&#8221; أن يحوّل رأيُ العلماء في إسطنبول ضد الإنكليز، مما كان له أثر إيجابي كبير في الحركة الملية &#8220;الوطنية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي جامع أيا صوفيا استمع الآلاف إلى خطبته.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي مجلس المبعوثان (المجلس النيابي) في أنقرة استُقبل بتصفيق حار، وقام مائة وثلاث وستون نائبًا بالموافقة على تخصيصِ مائة وخمسين ألف ليرة لمدرسة دار الفنون (الجامعة)، وعندما دعا إلى الصلاة قابَل حدةَ رئيس الجمهورية في ديوان الرئاسة وردَّ عليه دون خوف أو وجل.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كان في &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221; رأت حكومة الاتحاد والترقي بالإجماع أنه أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر.</p>
<p style="text-align: justify;">أما كتابه &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; الذي ألّفه في جبهات القتال -والذي تمت مصادرته الآن- فقد أعجب به القائد العام أنور باشا إعجابًا كبيرًا، إلى درجة أنه هرع إلى استقباله بكل احترام -وهذا ما لم يفعله مع أحد- وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب، كما ذَكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خير وبكل تقدير.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثل هذا الرجل لا يستطيع أن يسكت على معاملته بهذه الصورة وكأنه تورط في جرائم تافهة كسرقة بغلة أو خطف بنت أو نشل جيب، لأنه لو سكت لكان هذا وصمة له ولعزته العلمية القدسية ولخدماته وللألوف المؤلفة من أصدقائه الغالين، لأنكم عندما تعاقبونه بحبسه سنة واحدة فكأنكم تعاملونه معاملة سارقِ نعجة أو خروف.</p>
<p style="text-align: justify;">فبعد قيامكم بوضعه دون أي سبب تحت الإقامة الجبرية وتحت المراقبة مدة عشر سنوات مليئة بالمضايقات وبالآلام، وبعد هذا التعذيب تقومون الآن بحبسه سنة واحدة وبإبقائه تحت الإقامة الجبرية سنة أخرى، وبدلًا من معاناته من تحكم وتجبر شرطي عادي أو رجل بوليس سري عادي -وهو الذي لم يتحمل تحكم السلطان- فإنه من الأفضل والأولى له أن يُشنق.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو أن مثل هذا الرجل أراد التدخل في أمور الدنيا ورغب في ذلك، وكانت وظيفته ومهمته المقدسة تسمح له بذلك، إذن لاستطاع أن يقود أمرًا أعظم بعشرات المرات من حادثةِ &#8220;مَنَمَنْ&#8221; ومن ثورة &#8220;الشيخ سعيد&#8221;، أي لأسمعكم صوتًا راعدًا كدوي المَدافع وليس طنينًا كطنين أجنحة الذباب!</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إنني أعرِض أمام أنظار حكومة الجمهورية بأن ما أتعرض له حاليًّا من مصائب ومن بلايا هو نتيجة لمؤامراتِ ودعاياتِ منظمة بلشفية سرية، فهناك جو من الدعايات العامة الشاملة التي لم يشاهَد لها مثيل في السابق، وجو من الخوف ومن الإرهاب، والدليل على هذا هو أنه ما من أحد من أصدقائي -الذين يبلغ عددهم مائة ألف- استطاع أن يبعث لي رسالة واحدة منذ ستة أشهر، ولم يستطع أن يرسل لي تحية أو سلامًا. وأصحاب المؤامرات هذه الذين يحاولون خداع الحكومة واستغفالها استطاعوا بتقاريرهم السرية ترتيبَ تحقيقات واستجوابات وتحريات في كل مكان، بدءًا من الولايات الشرقية للبلد إلى الولايات الغربية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الخطة التي كان المتآمرون يحيكونها رُتبت وكأن هناك حادثةً مهمةً أُعاقَب عليها -مع الآلاف من الأشخاص مثلي- عقابًا قاسيًا، ولكنها انتهت في الأخير إلى عقوبة تافهة جدًّا يمكن أن تفرض على أي شخص اعتيادي قام بحادثة سرقة تافهة؛ إذ عوقب خمسة عشر شخصًا بريئًا من بين مائة وخمسة عشر بالسجن لمدة ستة أشهر!</p>
<p style="text-align: justify;">فهل هناك شخص يملك شعورًا وعقلًا يقوم بوخز أسد كبير في ذيله وخزة خفيفة بسيف قاطع حاد يحمله في يده فيثيره ضده؟ ذلك، لأنه لو كان يريد حفظ نفسه من ذلك الأسد، أو لو كان يريد قتله لاستعمل ذلك السيف القاطع في موضع آخر من ذلك الوحش.</p>
<p style="text-align: justify;">إن قيامكم بإصدار عقوبة خفيفة ضدي يدل على أنكم تتوهمون أنني مثل هذا الرجل، ولو أنني كنت شخصًا يتصرف مثل هذا التصرف البعيد عن العقل وعن الشعور فلماذا ملأتم هذا البلد بطوله وعرضه بجو من الخوف؟ وما الداعي لكل هذه الدعايات التي تستهدف جلب عداء الرأي العام ضدي؟</p>
<p style="text-align: justify;">لقد كان من المفروض أن تتعاملوا معي كتعاملكم مع مجنون عادي فترسلوني إلى مستشفى المجاذيب.</p>
<p style="text-align: justify;">أما لو كنت شخصًا مهمًّا كأهمية التدابير التي تتخذونها ضدي، فليس من العقل ومن المنطق وخز ذلك الأسد أو ذلك الوحش في ذيله وإثارته للهجوم عليه، بل عليه أن يحافظ قدر الإمكان على نفسه منه.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإنني فضلتُ حياةَ الانزواء منذ عشر سنوات باختياري وتحملت من الآلام والمضايقات مالا يتحمله إنسان، ولم أتدخل في أي شأن من شؤون الحكومة ولم أرغب في ذلك أصلًا، ذلك لأن مهمتي المقدسة تمنعني من هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">يا أهل الحل والعقد..‌</p>
<p style="text-align: justify;">هل من الممكن لمن استطاع قبل خمس وعشرين سنة -بشهادة جرائد ذلك الوقت- أن يكسب إلى جانب أفكاره ثلاثين ألف شخص بمقالة واحدة كتبها، وجَلَبَ نحوه أنظارَ واهتمامَ جيشِ الحركة<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>، وأجاب بست كلمات على أسئلةِ كبيرِ قساوسةِ إنكلترة الذي طلب الإجابة عليها بستمائة كلمة، والذي كان يخطب في بداية عهد الحرية كأي سياسي متمرس.. هل من الممكن أن لا يوجد في مائة وعشرين رسالة من رسائل هذا الشخص سوى خمس عشرة كلمة تتعلق بالسياسة وبأمور الدنيا؟ أيمكن لأي عقل أن يقتنع بأن مثل هذا الرجل يسلك طريق السياسة وله أهداف دنيوية؟</p>
<p style="text-align: justify;">لأنه لو كان يهتم بالسياسة وبالتعرض للحكومة لظَهَر ذلك صراحةً أو إيماءً في مائة موضع من كتاب واحد فقط، ولو كانت غايته توجيه النقد السياسي أَمَا كان بإمكانه أن يجد ما ينقده غير موضوع الحجاب وغير موضوع الميراث وهما من المواضيع ومن الدساتير الموجودة منذ السابق؟</p>
<p style="text-align: justify;">إن أي شخص يملك فكرًا سياسيًّا معينًا يستطيع أن يجد مئات الآلاف من المواضيع التي ينتقدها لنظام هذه الحكومة التي قامت بانقلاب كبير، ولا يقتصرَ على موضوعين معلومين فقط. فهل يمكن حصر الانقلاب الذي قامت به حكومة الجمهورية على مسألتين صغيرتين فقط؟</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني لم أقصد توجيه أي انتقاد لها فقد التقطوا كلمتين أو ثلاثًا وردت في كتاب أو كتابين كتبتهما سابقًا وادّعَوا بأنني أهاجم نظام الحكومة وأهاجم انقلابها. وأنا أسألكم الآن: هل يعقل إشغال البلد بطوله وعرضه ونشر جو من الخوف فيه لمجرد تناولي لمسألة علمية لا تتطلب إصدار أية عقوبة من جرائها مهما كانت صغيرة؟</p>
<p style="text-align: justify;">إن القيام بإصدار عقوبة خفيفة وتافهة في حقي وفي حق بضعة أشخاص من أصدقائي ونشر دعايات مكثفة وشديدة ضدنا في عموم البلد، وإشاعة جو من الخوف والإرهاب بين الناس لكي ينفّروهم منا ويبغّضونا في أعينهم، وجَلْب وزير الداخلية &#8220;شكري قايا&#8221; قوةً كبيرة إلى مدينة إسبارطة لتقوم بمهمةٍ يستطيع القيام بها جندي واحد -وهي القيام بإلقاء القبض عليّ وسجني- وقيامَ رئيس الوزراء &#8220;عصمت إينونو&#8221; بزيارة الولايات الشرقية بهذه المناسبة، وكذلك منعي من الحديث والتكلم شهرين كاملين في السجن، وعدم السماح لأي أحد بالسؤال عن حالي أو إرسال تحية لي وأنا وحيد في هذه الغربة.. كل هذا يشير إلى وضع غريب جدًّا لا معنى له ولا حكمة فيه لا تليق بأية حكومة في الدنيا -علمًا بأن مصدر كلمة &#8220;الحكومة&#8221; هو تناول الأمور بالحكمة- وليس فقط بحكومة الجمهورية التي من المفروض أنها تراعي القوانين وتحترمها.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أريد حفظَ حقوقي في إطار القانون، كما أتهم كل من يخالف القانون ويدوس عليه باسم القانون بأنه يرتكب جناية، ولا شك أن قوانين حكومة الجمهورية ترفض أعمال هؤلاء الجناة، وآمل أن تعاد لي حقوقي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ملاحظة: المكتوب السادس عشر (من المكتوبات) مع ذيله يعدّ دفاعًا عن الأستاذ النورسي وعن رسائل النور، ولهذا أدرجَه الأستاذ النورسي هنا ضمن الشعاع الرابع عشر هذا، فمن شاء فليراجعه في موضعه من &#8220;المكتوبات&#8221;. (المترجم)</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: كنـز العمال ١٤/٢٧١ برقم ٣٣٤٣٦ـ؛ مسند الفردوس ٣/٤٤٧؛ مجمع الزوائد ٥/١٨٦؛ جمع الفوائد ١/٨٤٩؛ الديلمي، المسند ٣/٤٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/٤٢٠.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حدث هذا الزلزال في ١٨/٩/١٩٤٨ ضحوة يوم الجمعة. باسم طلاب النور في سجن أفيون (خليل، مصطفى، محمد فيضي، خسرو)</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;رئيس الوزراء في ذلك الوقت.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;عن سفينة أن الرسول (ﷺ) قال: &#8220;الخلافة بعدي في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك&#8221; (رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه. وانظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٣٠٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧).</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;جماعة الاتحاديين: هم جماعة الاتحاد والترقي الذين هرب قادتهم إلى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أمام قوات الحلفاء. أما جماعة &#8220;الائتلاف&#8221; فهم جماعة سياسية ظهرت بعد انتهاء الحرب وكانوا خصومًا للاتحاديين.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وهي المحكمة العسكرية العرفية التي عقدت برئاسة خورشيد باشا المعروف بقسوته، والتي انعقدت بعد حوادث ٣١ مارت المذكورة أعلاه وأصدرت قرارات عديدة بالإعدام، وكان الأستاذ النورسي ضمن المتهمين المقدمين إلى المحكمة.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;جيش الحركة: هو الجيش الذي وجهه الاتحاديون من مدينة &#8220;سلانيك&#8221; حيث كانت مركز قوتهم بقيادة &#8220;محمود شوكت باشا&#8221; لقمع العصيان الذي حدث في ٣١ مارت وإعادة سلطة الاتحاديين.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-2-4-%d8%aa%d8%aa%d9%85%d8%a9-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2640</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الرابع عشر‌ [1/4]: الدفاعات.. دفاعات محكمة أفيون</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-1-4-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-1-4-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25af%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25aa</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Jul 2025 15:37:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2634</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 – 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم] [هذا القسم هو جزء أول من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، يتضمن دفاعات النورسي في محكمة أفيون] تأليف: بديع الزمان &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة أفيون، وكان ذلك في عامَي 1948 </strong><strong>– 1949، كما يتضمن دفاعات طلاب النور كذلك، والرسائل التي بعث بها الأستاذ النورسي إليهم]</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم هو جزء أول من أربعة أجزاء من الشعاع الرابع عشر، يتضمن دفاعات النورسي في محكمة أفيون]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2635" aria-describedby="caption-attachment-2635" style="width: 720px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2635" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-1.jpg" alt="لا تبارزوا رسائل النور المستنِدة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب، وإلّا فسيكون أمر هذه البلاد مؤسفًا إذا ما حاول أحدٌ طمسَ نورها، وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور أيضًا. ألا فلتعلموا جيدًا بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كلَّ يومٍ واحدٌ منها عن جسدي، فلن أَحني هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها." width="720" height="960" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-1.jpg 720w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/دفاعات-أفيون-1-225x300.jpg 225w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /><figcaption id="caption-attachment-2635" class="wp-caption-text">لا تبارزوا رسائل النور المستنِدة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب، وإلّا فسيكون أمر هذه البلاد مؤسفًا إذا ما حاول أحدٌ طمسَ نورها، وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور أيضًا.<br />ألا فلتعلموا جيدًا بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كلَّ يومٍ واحدٌ منها عن جسدي، فلن أَحني هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">الشعاع الرابع عشر</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>[الدفاعات.. دفاعات محكمة أفيون]</strong></p>
<h1 style="text-align: center;">[دفاعات محكمة أفيون]</h1>
<h2></h2>
<h2 style="text-align: center;">[وجِّهوا إليَّ تهمةً حقيقية]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>تتمة قصيرة جدًّا لإفادتي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أُبيّن لمحكمة أفيون:</p>
<p style="text-align: justify;">إن إفادتي التي قدمتُها لأنظاركم ولعدالة القانون، والتي تتضمن تحرّيَ منـزلي تحرِّيًّا غيرَ قانوني بثلاثة وجوه، وسَوقي للاستجواب ومن ثم توقيفي واعتقالي، كلُّ ذلك تعرّضٌ لكرامةِ ثلاث محاكم ومسٌّ لعدالتها واحترامها، بل استخفافٌ بها؛ لأن تلك المحاكم الثلاث وهيئاتِ الخبراء الثلاث، قد أتمَّت تدقيقَ ما ألّفتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات، وما كتبتُه من مكاتيب، وأجمَعوا قرارهم على براءتنا، فأُعيدت إلينا كتبُنا ومكاتيبُنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد البراءة، ومنذ سنوات ثلاث وأنا أعيش في انـزواء عن الناس، وتحت ترصّد شديد بحيث لا أكتب لبعض أصدقائي غير رسالة واحدة لا ضرر فيها، فعلاقتي بالدنيا شبه مقطوعة، بل لم أذهب إلى موطني رغم السماح.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن فإن تجديدَ المسألةِ نفسها بما ينمّ عن <strong>عدم الاكتراث بالقرار العادل للمحاكم الثلاث، إنما هو استهانة بكرامة تلك المحاكم وحطٌّ من شرفها</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا <strong>لأجل الحفاظ على كرامة تلك المحاكم</strong> التي عَدلتْ في حقي، أرجو من محكمتكم <strong>أن تبحث عن سبب آخر ومسألةٍ أخرى لتتهموني بها</strong> غير المسائل التي هي: &#8220;رسائل النور، تشكيل جمعية، تأسيس طريقة صوفية، احتمال الإخلال بالأمن والنظام&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ذنوبي وتقصيراتي كثيرة، لذا قررت أن أُعِينَكم بقدر ما يتعلق الأمر بمسؤوليتي، فلقد تعذبتُ خارج السجن عذابًا يفوق كثيرًا عمّا في داخله، حتى غدا القبر أو السجن موضعَ راحتي الآن، ولقد سئمت الحياةَ حقًا.. كفى الإهانات والتعذيب والترصد المؤلم فيما يشبه السجن الانفرادي طوال عشرين سنة، فلقد بلغ السيلُ الزبى، وأوشك أن يمسّ غيرةَ اللّٰه، وعندها يا لخسارة هذه البلاد.. إني أذكّركم بهذا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أعظم ملجأ لنا وأقواه:‌ ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾.. ﴿حسبي اللّٰه لا إله إلّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رد على لائحة الادعاء]</h2>
<p style="text-align: center;">&#8220;ردّ على لائِحة الادعاء&#8221;‌</p>
<p style="text-align: center;">﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وبه نستعين﴾</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;بعد صمت دام ثمانية عشر عامًا، اضطررت إلى إعادة تقديم هذه الدعوى ردًًّا على لائحة الادعاء، رغم تقديمها إلى المحكمة وتقديم صورةٍ منها إلى المراجع العليا في أنقرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;أدناه خلاصةٌ لدفاع قصير -هو الحقيقة عينها- قد قلته للمدعين العامين وضابطي الشرطة الذين أتوا لتحري منـزلي في &#8220;قسطموني&#8221; ثلاث مرات، وقلته أيضًا لمدير الشرطة ولثلة من أفراد الشرطة -في المرة الثالثة- ولمحكمة دنيزلي وأفيون.</p>
<p style="text-align: justify;">فليكن معلومًا لديكم أن ما قلته لهم هو:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أعيش معتكفًا ومنـزويًا منذ عشرين سنة، فطوال ثماني سنوات في &#8220;قسطموني&#8221; بقيتُ مقابل مخفر الشرطة، وكذا الحال في بقية الأماكن؛ كنت طوال هذه الفترة تحت المراقبة والترصد الدائم، وقد تحرّوا منـزلي عدة مرات، ومع ذلك لم يعثروا على أية أمارة لها علاقة بالدنيا أو بالسياسة، فلو كان لي شيء من التدخل بها لكانت الشرطة والعدلية تعلم به، أو علمتْ به ولكن لم تُعِرْ له بالًا، <strong>بمعنى أنهم مسؤولون أكثر مني</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الأمر هكذا فلِمَ تتعرضون لي إلى هذا الحد دون داع إليه وبما يُلحق الضرر بالبلاد والعباد؟ علمًا أنه لا يُتعرض في الدنيا كلِّها للمنـزوين المعتكفين المنشغلين بآخرتهم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نحن طلاب النور]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>نحن طلابَ النور آلينا على أنفسنا أن لا نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله</strong>.. فضلًا عن أن <strong>القرآن الكريم قد منعَنا بشدة من الاشتغال بالسياسة</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[وظيفة رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن مهمة رسائل النور الأساس هي <strong>خدمة القرآن الكريم</strong>، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يُودِي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سُمًّا زعافًا وجحيمًا لا يطاق؛ <strong>ومنهجها</strong> في ذلك هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعَمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تُلزم أشد الفلاسفة والمتزندقة تمردًا على التسليم بالإيمان، لذا فليس من حقنا أن نجعل رسائل النور أداة لأي شيء كان، وذلك لأسباب:</p>
<h3 style="text-align: center;">[لماذا لا نتدخل بالسياسة]</h3>
<p style="text-align: justify;"> <strong>أولًا</strong>: كي لا تُحوَّل الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسةً إلى قطع زجاج متكسر في نظر أهل الغفلة، حيث يتوهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضًا معينة، وكي لا نمتَهن تلك المعاني القرآنية القيمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير لَيمنعُنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بشؤون السلطة الحاكمة. لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتُلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب، فإن وراء كل واحد منهم عددًا من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء، فإذا نزل بأحد أولئك المبتلَيْنَ المستحِقين للعقاب كارثةٌ أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضًا سيحترقون بنارهم دون ذنب جَنَوْه.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا لأن <strong>حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه</strong>، لذا فقد مُنِعْنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يُخل بأمن البلاد ونظامها عن طريقِ وسائلَ سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: في زمن عجيب كزماننا هذا، <strong>لا بد من تطبيق خمسةِ أسس ثابتة</strong>، حتى يمكنَ إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام. وهذه المبادئ هي:</p>
<p style="text-align: justify;">١- الاحترام المتبادل.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- الشفقة والرحمة.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- الابتعاد عن الحرام.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- الحفاظ على الأمن.</p>
<p style="text-align: justify;">٥- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخولُ في الطاعة.</p>
<p style="text-align: justify;">والدليل على أن <strong>رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُثبت وتُحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احترامًا جادًّا</strong> محافِظةً بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو أن رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عامًا أن تجعل أكثر من مائة ألف رجل أعضاء نافعين للبلاد والعباد دون أن يتأذى أو يتضرر بهم أحد من الناس، ولعل محافظتَي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول.</p>
<p style="text-align: justify;">فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلا شك أن أكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية، ويعملون -سواءٌ بعلم أو بدون علم- لحساب الفوضوية والتطرف.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مائة وثلاثين رسالةً من أجزاء رسائل النور التي مَنحت مائة وثلاثين حسنة وفائدة لهذه البلاد، لا تزيلها الأضرار الموهومة التي يتوهمها أهلُ الغفلة القاصرُو النظرِ الشكاكون، من نقصٍ وقصورٍ في رسالتين أو ثلاث؛ فالذي يهوّن من شأن تلك الرسائل بهذه الأوهام والشبهات ظَلومٌ مبين.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ما تهمتي؟]</h3>
<p style="text-align: justify;">أما تقصيراتي وذنوبي التي تَمَسُّ شخصي الذي لا أهمية له، فإني أضطر دون رغبة مني إلى القول بأن <strong>الذي</strong> قضى حياة الاغتراب -التي هي أشبه ما تكون بالسجن الانفرادي- طوال اثنتين وعشرين سنة، معتكِفًا ومنـزويًا عن أحوال الناس، <strong>والذي</strong> لم يخرج باختياره طوال هذه الفترة إلى مجمع الناس في السوق وفي الجوامع الكبيرة، <strong>والذي</strong> أُجري عليه أشدُّ أنواع الضيق والعنت وخالَف أمثالَه من المنفيين فلم يراجع الحكومةَ ولو لمرة واحدة، ولم يقرأ جريدة ولم يستمع إليها، بل لم يكترث بها طوال هذه الفترة -وخير شاهد على هذا القريبون من أصدقائه وأحبّائه خلال سنتين في قسطموني وخلال سبع سنوات في أماكن أخرى- بل لم يَعرف أحداثَ الحرب العالمية ولا المنتصر من المغلوب، ولم يهتم بالمعاهدة والصلح، بل لم يعرف حتى من هم أطراف الحرب، ولم يتحرك فضوله لمعرفتهم، ولم يسأل عنهم ولم يستمع إلى الراديو القريب منه خلال ثلاث سنوات سوى ثلاث مرات؛ <strong>والذي</strong> يواجه الكفر المطلق برسائل النور، ذلك الكفر الذي يفني الحياة الأبدية ويزيد آلام الحياة الدنيا ويجعلها عذابًا في عذاب، والشاهد الصادق لذلك مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم برسائل النور المترشحة من فيض نور القرآن العظيم والتي تجعل الموت بحق مائة ألف شخص تذكرة تسريح بدلًا من الإعدام الأبدي..</p>
<p style="text-align: justify;">تُرى أي قانون يسمح بالتعرض لهذا الرجل (يقصد نفسه) وجعْلِه في يأسٍ من الحياة، ودفعه إلى البكاء والحزن، مما يدفع مائة ألف من إخوانه إلى البكاء؟! بل أية مصلحة في ذلك؟ أَلاَ يرتكبون باسم العدالة غدرًا لا مثيل له ولا نظير؟ أفلا يكون باسم القانون خروجًا عن القانون؟!</p>
<h3 style="text-align: center;">[من حقنا أن نرفض مبادئكم]</h3>
<p style="text-align: justify;">أما إذا قلتم واحتججتم بتصرفكم هذا بما يحتج به فريق من الموظفين في هذه التحريات، وادعيتم كما يدعون، بأنك وطائفة من رسائلك تخالفان نُظمنا ومبادئنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالجواب:‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: ليس من حق نظمكم ومبادئكم المبتدَعة هذه أن تدخل معتكفاتِ المنـزوين إطلاقًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن ردّ أمرٍ ما شيء، وعدمَ قبوله قلبيًّا شيء آخر، وعدم العمل به شيء آخر تمامًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن ولاة الأمور إنما ينظرون إلى اليد لا إلى القلب، وهناك في كل قُطر وفي كل مكان معارِضون شديدون للحكومة لا يتدخلون في شؤون الإدارة والأمن، حتى إنه في عهد سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه لم يُمَسَّ النصارى بشيء مع أنهم كانوا ينكرون الإسلام وقوانين الشريعة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى هذا، واستنادًا إلى مبدأ حرية الفكر والوجدان، إذا كان بعض طلاب النور يرفضون نظمكم ومبادئكم، وينتقدونها على أساس علميّ نقدًا بَنّاءً، أو إنْ صدرت منهم أعمال وتصرفات لا تتفق وتلك المبادئ، بما في ذلك إضمار العداء لأولى الأمر، <strong>فليس من</strong> <strong>حق القانون أن يحاسبهم على ذلك</strong> بشرط واحد وهو أن لا يتدخلوا في الشؤون الإدارية، وأن لا يُخِلّو بالأمن والنظام.</p>
<p style="text-align: justify;">أما بالنسبة للرسائل، فقد أطلقنا على تلك الرسائل أنها سرية وخاصة، وحظرنا نشرها، حتى إن أحدهم قد أتى لي بنسخة واحدة من الرسالة التي سببت هذه الحادثة لمرة أو مرتين طوال ثماني سنوات في قسطموني، وضيعناها في اليوم نفسه، وأنتم الآن تشهرونها بالقوة والإكراه، وقد اشتهرت حقًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم أنه إذا وجد نقص يوجب الذنب في رسالة ما، فإن تلك الكلمات وحدها تُحذف ويُسمح بالبقية، ولقد وجدوا خمس عشرة كلمة فقط هي مدار النقد من بين مائة رسالة من رسائل النور بعد إجراء تدقيقات عليها دامت أربعة أشهر في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221;، ووجدوا في صفحتين فقط من بين أربعمائة صفحة من مجموعة &#8220;ذوالفقار&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> موضعَ نقدٍ بعدم تلاؤمها مع القانون المدني، حيث فيهما تفسير الآيات الكريمة الخاصة بميراث المرأة وحجابها، ذلك التفسير الذي كتب قبل ثلاثين سنة.. كل ذلك يُثبت أن هدف رسائل النور ليست الدنيا، بل الناس كافة بحاجة إليها، فلا تصادَر تلك المجموعة (ذوالفقار) لأجل تلكما الصفحتين.. ولترفعْ إذن الصفحتان وتُعَدْ لنا مجموعتنا. نعم، من حقنا أن نطالب بإعادتها لنا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إذا خِلْتم الإلحاد ضربًا من متطلبات السياسة، وقلتم بزعمكم -كما يزعم البعض-: &#8220;إنك برسائلك هذه تفسد علينا مدنيتنا وتَحُول دون تمتعنا بمباهج الحياة وملذاتها&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أقول: &#8220;إنه <strong>لا يمكن لأي شعب أن يعيش بلا دين</strong>، وهذا دستور عام معترف به في الدنيا كلها، ولا سيما إن كان هناك كفر مطلق، فإنه يسبب لصاحبه عذابًا أشد إيلامًا من عذاب جهنم في الدنيا نفسها، كما أُثبتَ ذلك بأدلة وبراهين لا تقبل المناقشة في رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221;، تلك الرسالة المطبوعة رسميًّا، إذ لو ارتد مسلم -والعياذ باللّٰه- فإنه يقع في الكفر المطلق، ولن يبقى في الكفر المشكوك فيه الذي يمهل الحياة لصاحبه إلى حدٍ ما؛ ولا يكون كملاحدة الأجانب أيضًا، بل من حيث التمتع بملذات الحياة التي قد يتصورها، لا يكون حظه من ذلك سوى الهبوط إلى مرتبة أدنى من مرتبة الحيوانات بمائة مرة التي لا معنى للماضي والمستقبل لديها، وذلك لأن موت الموجودات السابقة واللاحقة وفراقها الأبدي، يترك في نفسه آلامًا مستمرة متعاقبة بسبب ضلاله.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إذا جاء الإيمان ولامس بشاشةَ القلب وتمكّن فيه، فإن أولئك الأصدقاء الذين لا يحصيهم العد سيَحْيَوْن فجأةً ويقولون بلسان حالهم: نحن لم نمت.. ولم نفنَ.. وحينئذٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذائذ فيحاء وروضة غناء.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تبارزوا رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هي هذه، فإنني أذكّركم بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا تبارزوا رسائل النور المستنِدة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب</strong>، وإلّا فسيكون أمر هذه البلاد مؤسفًا إذا ما حاول أحدٌ طمسَ نورها، وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا فلتعلموا جيدًا بأنه <strong>لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كلَّ يومٍ واحدٌ منها عن جسدي، فلن أَحني هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق،</strong> ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">لا شك أنه لا يُنظر إلى نقائصَ تقع في إفادةِ معتكِف منذ عشرين سنة، ولا يقال: إنه خرج عن الصدد لدفاعه عن رسائل النور..</p>
<p style="text-align: justify;">إذ <strong>ما دامت</strong> محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; لم تجد غير مادة أو مادتين لرسالة أو رسالتين من بين مائة من الرسائل السِّرّية الخاصة والعلنية العامة، أثناء إجراء التدقيق عليها خلال أربعة أشهر، علمًا أن المادتين توجبان عقابًا خفيفًا، حتى إن المحكمة حكمت بالسجن لمدة ستة أشهر على خمسة عشر من المتهمين البالغ عددهم مائة وعشرين شخصًا، ونحن بدورنا قضينا هذا العقاب..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دامت</strong> جميع أجزاء رسائل النور قد أصبحت في متناول المسؤولين -قبل سنوات- وأعيدت إلى أصحابها بعد إجراء التدقيق عليها خلال شهور عدة..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دامت</strong> لم تظهر أية أمارة تمس العدلية والأمن طوال ثماني سنوات في &#8220;قسطموني&#8221; رغم التحريات الدقيقة..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دام</strong> قد تحقق لدى هيئة التحريات الأخيرة في &#8220;قسطموني&#8221; -قبل سنوات- أن بعض الرسائل وُجدت تحت أكوام الحطب، مما يومئ إلى عدم نشرها بل فقدانها..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دام</strong> مدير الشرطة في قسطموني ومسؤول العدلية قد وعداني وعدًا قاطعًا بإعادة الكتب المخفية لي، وقبل استلامي لها ساقوني في اليوم التالي بمجرد مجيء أمر التوقيف من إسبارطة..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دامت</strong> محكمتا &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;أنقرة&#8221; قد برأتا ساحتنا أعادتا إلينا جميع الرسائل..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فلا بد</strong> وبناء على هذه الحقائق الست بمقتضى واجبِ محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; ومدعيها العام كما هو من واجب عدلية &#8220;أفيون&#8221; ومدعيها العام أخذُ جميع حقوقي المهمة بنظر الاعتبار، فأنا على أملِ أن المدعي العام الذي يدافع عن الحقوق العامة سيدافع عن حقوقي الشخصية التي أصبحت بمثابة الحقوق العامة لمناسبة رسائل النور، بل أنتظر ذلك منه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سعيد القديم يتكلم]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن سعيدًا الجديد الذي انسحب من ميدان الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، ويجهل القوانين الحاضرة وأصول الدفاع الحالية، والذي قدّم مائة صحيفة من الدفاع المبرهن ببراهين لا تُجرَح، والذي قدّمها سابقًا إلى محكمتَي &#8220;أسكي شهر ودنيزلي&#8221;، وقاسى جزاء تقصيراته إلى ذلك الوقت، ومِن بعده في قسطموني وفي أميرداغ حيث قضى حياته فيما يشبه السجن المنفرد وتحت الرقابة الدائمة.. أقول: إن هذا السعيد الجديد -وأمره هذا- يؤثر جانب الصمت ويدع الكلام <strong>لسعيد القديم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">يقول <strong>سعيد القديم</strong>: لما كان سعيد الجديد قد أعرض عن الدنيا ولا يتكلم مع أهلها ولا يجد مبررًا للدفاع إلّا إذا اضطر إلى ذلك، إلّا أن المسألة تمس الكثيرين من الأبرياء من الفلاحين وأصحاب الأعمال، حيث يُعتقلون بمناسبة علاقتهم الواهية معنا، ويصيب أعمالَهم الكسادُ لعجزهم عن تدارك حاجات أهليهم وأطفالهم في موسم العمل هذا.. إن هذا الأمر قد مَسَّ وجداني مسًّا قويًّا وأبكاني من الأعماق.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا أقسم باللّٰه العظيم أنه لو كان باستطاعتي أن آخذ على عاتقي جميع مشاق أولئك لأخذتها، فالذنب كله يعود لي -إن كان هناك ذنب- وهم أبرياء أصلًا، فلأجل هذه الحالة المؤلمة، على الرغم من سكوت &#8220;سعيد الجديد&#8221; أقول:</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاثة أسئلة أوجهها إلى وزير الداخلية]</h3>
<p style="text-align: justify;">لما كان &#8220;سعيد الجديد&#8221; يجيب عن مائة من الأسئلة التافهة للمدَّعين العامين -لولايات &#8220;إسبارطة&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221; و&#8221;أفيون&#8221;- فأنا كذلك من حقي أن أسأل ثلاثة أسئلة من وزير الداخلية التي يرأسها &#8220;شكري قايا&#8221;، وأسأل من وزارة العدل الحاضرة. والأسئلة هي:</p>
<h4 style="text-align: center;">[السؤال الأول: أي قانون يحاسِب على الإمكانات بدل الوقوعات]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الأول</strong>: بأي قانون يجري توقيفي وتوقيف مائة وعشرين شخصًا معي، جراء مشادّة كلامية لم تفض إلى حادثة، جرت بين شخص اعتيادي من &#8220;أكريدر&#8221; وهو ليس من طلاب النور وبين عريفِ شرطة (جاويش) لمجرد أن وُجد بحوزته أحد مكاتيبي الاعتيادية، ومن ثم إجراء التحقيق عليه من قبل المحكمة في أربعة أشهر، ومن بعد ذلك إبراء ساحةِ الجميع سوى خمسة عشر شخصًا من الضعفاء المساكين، مع إلحاق ضرر ماليٍّ لأكثر من مائة شخص بأكثر من ألف ليرة؟</p>
<p style="text-align: justify;">تُرى بأي أصلٍ من أصول القانون يمكن جعل الإمكانات والاحتمالات بدلًا عن الوقوعات؟ وعلى وفق أيّ دستور يتم إضرار سبعين شخصًا من &#8220;دنيزلي&#8221; ضررًا ماليًّا يقدّر بألوف الليرات بعد أن كسبوا البراءة؟</p>
<h4 style="text-align: center;">[السؤال الثاني: لماذا يُعَمَّم الجرم؟]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الثاني</strong>: الدستور الإلهي هو: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن وجود رسالة صغيرة قد حظرنا نشرَها، ولم أحصل عليها خلال ثماني سنوات سوى مرةً أو مرتين، وقد كُتب أصلُها قبل خمسٍ وعشرين سنة وهي التي تنقذ الإيمان من الشبهات في نقاط مهمة فيها، وتُنجي المرءَ من الوقوع في إنكار الأحاديث المتشابهة.. أقول: إن حصول هذه الرسالة الصغيرة لدى رجل لا نعرفه وفي مكان بعيد عنا، ومَنْحَها معنًى مغايرًا لها، ووجدانَ مكتوبٍ في &#8220;كوتاهية&#8221; و&#8221;بَالِيكَسِيرْ&#8221; ينمّ عن تعرض طفيف، ثم توقيفَنا جراء ذلك في شهر رمضان المبارك حينها وفي هذا الجو القارس حاليًّا، مع كثير من الفلاحين والكَسَبة الأبرياء، وتوقيفَ شخصٍ لمجرد وجودِ مكتوبٍ اعتيادي قديم لنا بحوزته، أو أخذني في جولة بسيارته، أو أبدى علاقةَ صداقةٍ معنا، أو لقراءته أحدَ كتبي، وإلحاقَ ضرر مادي ومعنوي بهم وبالوطن وبالأمة بقدر أُلوف الليرات استنادًا إلى شبهات تافهة..</p>
<p style="text-align: justify;">أتساءل: أيُّ قانون من قوانين العدالة يُجري كلَّ هذا؟ وحسبَ أيةِ مادةٍ قانونية تنفذ الأمور؟ إننا نطالِب بمعرفة تلك القوانين لئلا نخطئ في المسير!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن حقيقةَ أحد الأسباب التي أدت إلى اعتقالنا في كل من &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;أفيون&#8221; هي &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاعُ الخامس</a></strong>&#8220;، علمًا أن هذه الرسالة كُتب أصلُها قبل فترةِ &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221; بكثير، بِنِـيّة إنقاذ إيمان العوام تجاه المنكرين لطائفة من أحاديث نبوية شريفة لجهلهم بمراميها وتأويلاتها، حتى قالوا: لا يطيب لها العقلُ.</p>
<p style="text-align: justify;">ولنفرض فرضًا محالًا أن هذه الرسالة متوجهةٌ إلى الدنيا والسياسة، وكُتبت في الوقت الحاضر، ولكن لأنها رسالة سرية، ولم يُعثر عليها عندنا لدى إجراء التحريات، وإن ما أخبرتْ به من أمور مستقبلية هي صحيحةٌ، وأنها تزيل الشبهات الواردة على الإيمان، ولا تمسّ الأمن والنظام ولا تتعرض لأشخاص معينين، بل تُبيّن حقيقة علمية بيانًا كليًّا.. أقول: لو فرضنا هذا فرضًا محالًا، فلا يشكِّل أيضًا ذنبًا، وذلك لأنها أَخذت بالسرية التامة للحيلولة دون حدوث مناقشة حولها قبل أن تَنشُرها وتُعلن عنها المحاكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنّّ ردَّ شيءٍ ما ورفضَه يخالف تمامًا عدمَ قبوله قبولًا علميًّا، ويباين كليًّا عدم العمل به، فتلك الرسالة لا تَقبل علميًّا النظامَ الذي سيأتي في المستقبل القريب، بل ترفضه، وهذا لا يشكّل ذنبًا، ولا نجد احتمال وجود ذنبٍ بمثل هذا في قوانين العدالة في العالم كله.</p>
<p style="text-align: justify;">حاصل الكلام: إن <strong>الكفر المطلق يُبيد الحياةَ الأبدية، ويحوِّل الحياة الدنيوية إلى سمّ زعاف ويمحو لذتَها ومتعَها</strong>.. فرسائل النور منذ ثلاثين سنة تقطع دابرَ هذا الكفر، وقد حازت التوفيقَ في دحرها المفهومَ الكفري الرهيب الذي يحمله الماديون الطبيعيون، وتُثبت ببراهين ساطعة دساتيرَ سعادة هذه الأمة في حياتَيها، وتستند إلى حقيقة القرآن السامية.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائلُ هذا شأنُها لو كانت لها ألف نقص ونقص -وليست مسألة أو مسألتين- <strong>تترجح حسناتُها التي تفوق الأُلوف على نقائصها بل تُذهبها</strong>؛ نحن ندّعي هذا ومستعدون للإثبات.</p>
<h4 style="text-align: center;">[السؤال الثالث: لماذا التعرض للأبرياء؟!]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الثالث</strong>: من المعلوم أنه لو شوهدت خمسُ كلمات غير مستساغة قانونًا في مكتوب يحمل عشرين كلمة فإن تلك الكلمات الخمس تُحذف ويُسمح للأُخريات؛ ولقد تُوُهِّم في خمس عشرة كلمة وَهْمًا ظاهريًّا على أنها تحمل ذنبًا، وذلك في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; بعد إجراء التدقيق عليها لمدة أربعة أشهر، ولم تجد هيئةُ الوكلاء في مجموعةِ &#8220;ذوالفقار&#8221; البالغةِ أربعمائة صفحة ما يخالف القانون الحالي سوى صفحتين فقط، لا تلائمان القوانين الحاضرة، علمًا أن الصفحتين لم تتعرضا إلّا لتفسيرِ آيتين كريمتين<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> كُتب قبل ثلاثين سنة، وأن خبراء &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;أنقرة&#8221; لم يجدوا إلّا خمسة عشر سهوًا في رسائل النور التي أصبحت وسيلةً لإصلاح مئات الألوف من الناس إلى الآن، وحَققتْ للبلاد والأمة ألفًا من المنافع.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنّ أخذ عائلة &#8220;جَالِشْقان&#8221; إلى التوقيف في موسم العمل هذا وفي عزّ الشتاء القارس مع أي مبدأ يتلاءم من مبادئ الجمهورية؟ وأيُّ قانون من قوانينها يجيزه؟</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا بأن كل ما قامت به هذه العائلةُ هي أنها قَدّمت خدمات بسيطة للرسائل واستنسخوها لإنقاذ إيمانهم، وعاونوني في غربتي في &#8220;أميرداغ&#8221; إشفاقًا على شيخوختي وابتغاءً لوجه اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دامت مبادئ الجمهورية لا تتعرض للمَلاحدة وفقًا لمبدأ حرية الضمير والوجدان، فمن الأَولى والأحق أن لا تتعرض لأولئك الذين لا علاقة لهم بالدنيا، ولا يجادلون مع أهلها، ويعملون لآخرتهم وإيمانهم ووطنهم بشكل نافع، كما لا ينبغي ولا يحقّ لأرباب السياسة الذين بيدهم السلطة في آسيا التي تشرفت بالأنبياء أن يحملوا الشعب على التخلي عن الصلاح والتقوى اللذَين هما بمثابة الغذاء والعلاج من الحاجات الضرورية لهذه الأمة منذ ألف عام.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه من مقتضى الإنسانية الصفحُ عن تقصيراتٍ تَرِد ضمن أسئلةِ مَن قضى عشرين سنة من عمره معتكفًا منـزويًا عن الناس.. تلك التي يسألها بعقلِ &#8220;سعيد القديم&#8221; قبل عشرين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أذكّركم بالآتي لمنفعة الأمة والأمن وكواجب من واجباتي الوطنية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن اعتقالَ أو محاولةَ الإساءة إلى أولئك الذين لهم علاقة واهية بنا و برسائل النور، قد يدفع بالكثيرين ممّن لهم منافعُ إيجابية للوطن والنظام أن يتحولوا إلى أناس مُعادين للإدارة، ويفسح المجالَ للفوضى والإرهاب.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن عدد الذين أنقذوا إيمانَهم برسائل النور، واندفع بها خطرُهم عن المجتمع، بل أصبحوا أعضاء نافعين إيجابيين يزيد كثيرًا على مائة ألف شخص، وهم يشغلون مناصب رفيعة في كل دائرة من دوائر الحكومة الجمهورية، ويمثلون مختلف طبقات الناس، وهم يعملون بتفانٍ وإخلاص كاملين وعلى أتمّ وجه من الصدق والنفع والاستقامة.. فالإنصاف يقتضي إذن حمايةَ هؤلاء ومساندتهم لا محاولةَ الإساءة إليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن فريقًا من الموظفين الرسميين الذين ضربوا صفحًا عن الإنصات إلى شكوانا ولم يسمحوا لنا بالكلام، ويتذرعون بمختلف الحجج والادعاءات الزائفة في مضايقتنا لَيحملوننا على الاعتقاد اعتقادًا قويًّا، بأنهم بتصرفهم هذا إنما يفسحون المجال للفوضى في البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إني أقول باسم مصلحة الحكومة: ما دامت محكمَتَا &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;أنقرة&#8221; لم يتعرضا &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">للشعاع الخامس</a></strong>&#8221; بعد إجراء التدقيق عليه وأُعيد إلينا، فمن الضروري للإدارة أن لا تُقحمه في أمور رسمية ثانية فتجعلَ منه موضع نقاش، فكما أننا قد أخفينا تلك الرسالة قبل أن تحصل عليها المحكمةُ وتُعلن عنها، فعلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; أن لا تجعل منها مدار سؤال وجواب؛ لأن تلك الرسالة قويّة، لا تُردّ؛ وقد أخبرتْ عن حوادثَ قبل وقوعها، ووقعتْ كما أخبرتْ؛ فضلًا عن أنها لا تستهدِف أمور الدنيا، وكل ما في الأمر أن أحدَ معانيها الكثيرةِ تُوافق رجلًا مات وانتهى أمره<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد حملني وجداني أن أذكّركم لمصلحة البلاد والأمة ولأجل صيانة الأمن والنظام والإدارة بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">لا يدفعنّكم التعصب لذلك الرجل الميت إلى إقحام ذلك الخبر الغيبي والمعنى الوارد في تلك الرسالة في أمور رسمية، فإنها تفسح المجالَ لزيادة الإعلان عنها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إعادة إبراز نص الدفاع المرفوع في دنيزلي، وفيه تسعة أسس]</h3>
<p style="text-align: justify;">إلى السادة رئيس محكمة أفيون والمدعي العام والأعضاء‌..</p>
<p style="text-align: justify;">أُقدّم لكم هنا نصَّ الدفاع الذي كنت قد قدمتُه إلى المراجع العدلية في &#8220;دنيزلي&#8221; والذي اشتمل على تسعة أُسس.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني -كما تعلمون- شخص قد ترك الحياة الاجتماعية ولا سيما الحياة الرسمية والسياسية التي لها نواحٍ دقيقة، لذا فإنني لا أعلم ما يجب عليّ عملُه حيالها، ولا أفكّر في ذلك، إذ إن التفكير فيه يؤلمني ألمًا شديدًا، ولكني مضطر إلى أن أُدرج دفاعي هذا لأنني تعرضت في محكمة سابقة إلى أسئلة متكررة عديدة لا داعي لها من شخص لا يتصف بالإنصاف، وهذا الدفاع (الذي يعدّ بمثابةِ خاتمة للأجوبة التي قدمتها آنذاك) قد يَخرج أحيانًا عن الصدد، وقد يكون فيه تكرارٌ لا لزوم له، وقد يخلو من النظام والاتساق، وقد يحوي على عبارات عنيفة يمكن أن تُستغل ضدي، أو جملًا تخالف بعض القوانين الجديدة التي لا أعرفها، ولكن ما دام هذا الدفاع يتوجّه نحو الحقيقة ويستهدفها لذا يمكن التجاوز عن جوانب القصور هذه من أجل الحقيقة. إن دفاعي كان يستند إلى تسعة أسس:</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 1: أعمِلوا قانون حرية الوجدان]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: ما دامت حكومة الجمهورية لا تتعرض لأهل الإلحاد ولأهل السفاهة وذلك تحت شعار <strong>حرية الوجدان</strong> السارية في الجمهورية، لذا فإن عليها -من باب أَولى- أن لا تتعرض لأهل الدين ولأهل التقوى.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دامت أيةُ أمة لا تستطيع العيشَ دون دين، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أممَ قارة آسيا لا تشبه أمم أوروبا من ناحية الدين، وأن الإسلام لا يشبه النصرانية من زاوية الحياة الشخصية والحياة الأخروية، فالمسلم الملحد لا يشبه الملاحدة الآخرين، لذا أصبح هذا الدين حاجةً فطرية في أعماق هذه الأمة التي نَوّرتْ أرجاء الدنيا منذ ألف عام بدينها وبدفاعها البطولي عن تمسكها بهذا الدين تجاه جميع غارات العالم وهجومه عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">وليس هناك أي تقدم وأية مدنية تستطيع الحلول محلَّ تعلّم الصلاح والدين وحقائق الإيمان في نفس هذه الأمة.. لا تستطيع أن تحل محله ولا أن تنسيها إياه.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن على أية حكومة تحكم أمة هذا الوطن وتأخذ العدالة والأمن بنظر الاعتبار أن لا تتعرض لرسائل النور، ويجب أن لا تسمح لأحد أن يقوم بهذا التعرض.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 2: فرق بين الرفض والتمرد]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثاني</strong> هناك فرق كبير بين أن ترفض وتردَّ شيئًا ما وبين أن لا تعمل بذلك الشيء؛ ففي كل حكومة هناك جماعةٌ معارضة لها بشدة، فقد يكون هناك جماعة مسلمون تحت حكم مجوسي، وقد يكون هناك يهود أو نصارى تحت حكم إسلامي كما في عهد عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، ومع ذلك تصان الحرية الشخصية لمن لا يخلّ بالأمن ولا يتعرض لإدارة الحكومة، فالحكومات يهمها الظاهر ولا تنقّب ما في داخل القلوب.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا بأن أي شخص يروم التعرض للأمن وللسياسة ولإدارة الدولة لا بد أن يطالع الجرائد ويتتبع ما يجري في الدنيا من أحداث لكي يحيط علمًا بالتيارات وبالأوضاع المساعدة له، لكي لا يخطئ في تصرفه ولا تزلّ قدمُه.</p>
<p style="text-align: justify;">أما رسائل النور فقد منعت طلابَها عن هذا منعًا باتًا، حتى إن أصدقائي المقربين يعلمون بأنني ومنذ خمس وعشرين سنة تركت الجرائد ولم أسأل ولم أستفسر عن أية جريدة، ولم يكن لدي فضول أو رغبة فيها فضلًا عن قراءتها.</p>
<p style="text-align: justify;">وأما الآن فلا أعرف (ومنذ عشر سنوات) أي شيء عن أخبار العالم وأوضاعها سوى عن هزيمة الألمان وانتصار البلاشفة.. إلى هذه الدرجة منعتني رسائل النور وأبعدتني عن الحياة الاجتماعية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فمن المفروض ومن الواجب أن تَمنع حكمةُ الحكومة وقانونُ السياسة ودستورُ العدالة التعرضَ لي أو لإخواني من أمثالي، وكلُّ من يتعرض لا يفعل ذلك إلّا تحت تأثير أوهامه أو أحقاده أو عناده.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 3: قصتي مع الشعاع الخامس ومؤسس الجمهورية]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثالث</strong> لقد اضطُررت إلى تقديم الشرح الطويل التالي جوابًا على اعتراضات خاطئة لا معنى لها ولا ضرورة لها، التي قدّمها المدعي العام في المحكمة السابقة حول ما جاء في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8220;، ولم يكن هذا المدّعي يستند إلى مادة في القانون، بل إلى حُبٍّ وتعصبٍ لشخص ميت.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد كنا نحتفظ بـ&#8221;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; بشكل سري قبل أن تقع هذه الرسالة في يد الحكومة، ورغم التحريات التي أُجريت لم تعثر الحكومةُ عندي على نسخة منها، ولم تكن غاية هذه الرسالة إلّا إنقاذَ إيمان العوام وإزالةَ شبههم وإنقاذَهم من ردِّ وإنكار بعض الأحاديث المتشابهة، ولم تلتفت هذه الرسالة إلى شؤون الدنيا إلّا بالدرجة الثالثة أو الرابعة وكشيء عرضي، علمًا بأن ما أخبرَتْه كان صحيحًا ولم تتعرض لأهل السياسة ولأهل الدنيا ولم تخاصمهم أو تبارزهم، بل اكتفتْ بسَوقِ الأخبار دون أن تُعيِّن الأشخاصَ أو أن تسمِّي المسميات، بل تبين حقيقةَ حديث نبوي بشكل كلي وعام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكنهم قاموا بتطبيق هذه الحقيقة على شخص مدهش عاش في هذا العصر فانطبقت عليه تمامًا، لذا فقد أظهروا اعتراضهم لأنهم حسِبوا أن هذه الرسالة أُلّفت في هذه السنوات، علمًا بأن تاريخ هذه الرسالة أَقْدَمُ من تاريخِ انتسابي إلى &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221;، ولكنها نُسِّقت فيما بعد ودخلت ضمن رسائل النور، وإليكم التفاصيل:</p>
<p style="text-align: justify;">قدِمتُ إلى إسطنبول قبل أربعين سنة، أي قبل عام واحد فقط من إعلان الحرية<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>، وكان القائد الياباني العام آنذاك قد وجَّه إلى علماء الإسلام بعض الأسئلة الدينية، فوجَّه علماءُ إسطنبول هذه الأسئلة إليَّ كما طرحوا عليَّ أسئلة أخرى عديدة بهذه المناسبة، ومن ضمن هذه الأسئلة ما ورد في أحد الأحاديث الشريفة أنه &#8220;يصبح شخص رهيب في آخر الزمان وقد كتب على جبينه: هذا كافر&#8221;، فقلت: &#8220;سيتولى أمر هذه الأمة شخص عجيب، ويصبح وقد لبس قبعة على رأسه، ويُكره الناس على لبسها&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فسألوني بعد هذا الجواب: &#8220;ألا يكونُ من يلبسها آنذاك كافرًا؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت: &#8220;عندما تستقر القبعة على الرأس ستقول: لا تسجد، ولكن الإيمان الموجود في الرأس سيرغم تلك القبعة على السجود إن شاء اللّٰه، وسيُدخلها الإسلام.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم قالوا: &#8220;وسيشرب هذا الشخص ماءً، وستنثقب يدُه، وعند ذلك سيعلم الجميع أنه &#8220;السفياني&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأجبتهم: &#8220;هناك مَثلٌ يُضرب للمسرف فيُقال عنه: أن يدَه مثقوبة وكفَّه منخرقةٌ، أي إن المال لا يبقى في يده، بل يسيل ويضيع&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن ذلك الشخص المدهش والعجيب سيُبتلى بالإدمان على الخمر (وهو سائل)، وسيمرض جراء هذا الإدمان، مما سيقوده إلى إسرافات لا حدود لها، وسيُعوِّد غيرَه أيضًا على الإسراف.</p>
<p style="text-align: justify;">فسأل أحدُهم: عندما يموت هذا الشخص سيهتف الشيطان في منطقة &#8220;ديكيلي طاش&#8221; في إسطنبول للدنيا أن فلانًا قد مات؟</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت له آنذاك: سيُعلَن هذا النبأ عن طريق البرقيات.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكني عندما سمعت فيما بعد باختراع الراديو علمتُ أن جوابي القديم لم يكن تامًّا.. وقلت بعد ثماني سنوات عندما كنت في دار الحكمة: سيتم إعلان النبأ إلى العالم أجمع بوساطة الراديو.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم سألوا أسئلة عديدة حول سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وحول دابة الأرض والدجال وعن نزول عيسى عليه السلام، فأجبت عنها، حتى إن قسمًا من هذه الأجوبة أدرج في بعض مؤلفاتي القديمة.</p>
<p style="text-align: justify;">بعد مدة أرسَل &#8220;مصطفى كمال&#8221; رسالتين بالشفرة إلى صديقي &#8220;تحسين بك&#8221; الذي كان واليًا سابقًا على مدينة &#8220;وان&#8221; يستدعيني إلى &#8220;أنقرة&#8221; لكي يكافئني على قيامي بنشر رسالة &#8220;الخطوات الست&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>، فذهبتُ إليها، فعرض عليَّ -مصطفى كمال- تعييني في وظيفة الواعظ العام في الولايات الشرقية براتب قدره ثلاثمائة ليرة في محل الشيخ السنوسي، وذلك لعدم معرفة الشيخ اللغة الكردية؛ وكذلك تعييني نائبًا في مجلس المبعوثان (المجلس النيابي) وفي رئاسة الشؤون الدينية مع عضوية في &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221;، وكان يريد بذلك إرضائي وتعويضي عن وظيفتي السابقة.</p>
<p style="text-align: justify;">وكان السلطان &#8220;رشاد&#8221; قد خصص تسعة عشر ألف ليرة ذهبية لإنشاء مدرسة الزهراء -التي كنتُ قد وضعت أسسها- ودارِ الفنون في مدينة &#8220;وان&#8221;، فقرر مجلس المبعوثان زيادةَ هذا المبلغ إلى مائة وخمسين ألف ليرة ورقية، حيث وقّع ثلاث وستون ومائة نائبًا من بين أعضاء المجلس البالغ عددهم مائتي نائب بالموافقة على ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكني عندما لاحظت أن قسمًا مما جاء من الأخبار في المتن الأصلي لرسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; ينطبق على شخص شاهدته هناك، فقد اضطررت إلى ترك تلك الوظائف المهمة، إذ اقتنعت بأن من المستحيل التفاهم مع هذا الشخص أو التعامل معه أو الوقوف أمامه، فنبذت أمور الدنيا وأمور السياسة والحياة الاجتماعية، وحصرت وقتي في سبيل إنقاذ الإيمان فقط.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بعض الموظفين الطاغين والبعيدين عن الإنصاف استكتبوني رسالتين أو ثلاثًا من الرسائل المتوجهة إلى الدنيا، ثم قمت -نـزولًا عند رغبة بعض الذوات- بجمعِ وتنظيمِ أصولِ تلك الرسائل القديمة بمناسبة الأسئلة المتعلقة بالأحاديث النبوية المتشابهة حول علامات يوم القيامة، حيث أخذتْ هذه الرسالة اسم &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; من رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن أرقام رسائل النور ليست مطّردة مع ترتيبِ أو تسلسل تأليفها، فـ&#8221;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/30/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b0/">المكتوب الثالث والثلاثون</a></strong>&#8221; مثلًا أُلّف قبل &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/01/03/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84/">المكتوب الأول</a></strong>&#8220;، كما أن أصل &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; هذا مع بعض أجزاء رسائل النور تم تأليفُها قبل رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">على أية حال فإن تعصب المدعي العام لمصطفى كمال وصداقته له -وهو يشغل مثل هذا المقام- أدّى إلى أسئلة واعتراضات غير قانونية وغير ضرورية وخاطئة، مما ساقني إلى تقديم هذه الإيضاحات الخارجة عن الصدد، وأنا أبين هنا أحد أقواله كمثال على كلامه المشوب بالمزاج الشخصي الخارج عن القانون.</p>
<p style="text-align: justify;">قال: ألم تندم من قلبك على ما أوردتَه في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8220;؟ ذلك لأنك قمت بإهانته وتحقيره عندما قلت عنه: إنه أصبح مثل قربة الماء من كثرة شربه الخمرَ والشراب؟</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول جوابًا على تعصبه الذميم والخاطئ تمامًا الناشئ من صداقته له: لا يمكن إسناد شرفِ انتصارِ الجيش البطل إليه وحده، ولكن تكون له حصة معينة فقط من هذا الانتصار، فمِن الظلم ومن الخروج على العدالة بشكل صارخ إعطاءُ غنائمِ الجيش وأمواله وأرزاقه إلى قائد واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما قام ذلك المدعي العام البعيد عن الإنصاف باتهامي لكوني لا أحب ذلك الشخص ذا العيوب الكثيرة، إلى درجة أنه وضعني موضع الخائن للوطن، فإنني أتهمه أيضًا بعدم حبه للجيش، ذلك لأنه عندما يعطي إلى صديقه ذاك كلَّ الشرف وكل المغانم المعنوية، فإنه يكون بذلك قد جرد الجيش من الشرف، بينما الحقيقة هي وجوب توزيع الأمور الإيجابية والحسنات والأفضال على الجماعة وعلى الجيش، أما الأمور السلبية والتقصيرات والتخريبات فيجب توجيهها إلى القيادة وإلى الرأس المدبر وإلى الممسك بزمام الأمور.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن <strong>وجود أي شيء</strong> لا يتحقق إلا بتحقق جميع شرائطه وأركان وجوده، والقائد هنا شرط واحد فقط من هذه الشروط؛ أما <strong>انتفاء أي شيء</strong> وفسادُه فيكفي له عدم وجود شرط واحد أو فساد ركن واحد فقط؛ لذا يمكن عزو ذلك الفساد إلى الرأس المدبر وإلى الرئيس، لأن الحسنات والأمور الجيدة تكون عادة إيجابية ووجودية، فلا يمكن حصرها على من هم في رأس الدولة، بينما السيئات والتقصيرات عدمية وتخريبية، ويكون الرؤساء هم المسؤولين عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دام هذا هو الحق وهو الحقيقة، فكيف يمكن أن يقال لرئيس عشيرة قامت بفتوحات: &#8220;أحسنت يا حسن آغا&#8221;؟ وإذا غُلبت تلك العشيرة، وجّهت إلى أفرادها الإهانة والتحقير؟! إن مثل هذا التصرف يكون مجانبًا للحق تمامًا ومعاكسًا له.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن ذلك المدعي العام الذي قام باتهامي قد جانب الحق والحقيقة وجانَبَ الصوابَ، ومع ذلك فهو بزعمه قد حكم باسم العدالة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى مثالِ خطأِ هذا الشخص فقد جاءني قُبيل الحرب العالمية السابقة في مدينة &#8220;وان&#8221; بعضُ الأشخاص المتدينين والمتقين وقالوا لي: &#8220;هناك بعض القواد تصدر منهم أعمالٌ ضد الدين، فاشترك معنا لأننا سنعلن العصيان عليهم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم: &#8220;إن تلك الأعمال اللادينية وتلك السيئات تعود إلى أمثال أولئك القواد، ولا يمكن أن نحمّل الجيش مسؤوليتها، ففي هذا الجيش العثماني قد يوجد مائة ألفٍ من أولياء اللّٰه، وأنا لا أستطيع أن أَمتشق سيفي ضد هذا الجيش، لذا لا أستطيع أن أشترك معكم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فتركني هؤلاء، وشهروا أسلحتهم، وكانت النتيجة حدوثَ واقعة &#8220;بتليس&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup> التي لم تُحقق أي هدف، وبعد قليل اندلعت الحرب العالمية، واشترك ذلك الجيش في تلك الحرب تحت راية الدين ودخل حومة الجهاد، فارتقت منه مئات الآلاف من الشهداء إلى مرتبة الأولياء، فقد وقّعوا بدمائهم على شهادات الولاية، وكان هذا برهانًا وتصديقًا على صحة سلوكي وصواب تصرفي في تلك الدعوى.</p>
<p style="text-align: justify;">على أية حال.. لقد اضطررت إلى الإطالة قليلًا، وقد ساقتني إليها تصرفاتُ المدعي العام العجيبة والمتسمة بالإهانة تجاهي وتجاه رسائل النور؛ مع أن من الواجب عند مَنْ يتكلم باسم العدالة أن لا يَسمح لأية عواطف شخصية ولا لأية مؤثرات خارجية بالتأثير عليه وجرِّه إلى الخطأ وإن كان جزئيًّا، أو إلى عدم الحياد، وإلى الحكم بانفعالات شخصية ونفسية.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 4: لماذا الاتهام بعد التبرئة؟]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الرابع</strong> بعد أن قامت محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; بتدقيق مئات الرسائل والخطابات طوال أربعة أشهر، أعطت حكمًا بالسجن ستة أشهرٍ لخمسة عشر شخصًا فقط من بين مائة وعشرين متهمًا، أما بالنسبة لي فقد حُكم عليّ بالسجن سنة واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمع أنهم دققوا مائة رسالةٍ (من رسائلي) فلم يجدوا فيها شيئًا سوى خمسَ عشرة كلمة في رسالة أو في رسالتين، وصدر القرار ببراءتي في مسائل تشكيل الطرق الصوفية والجمعيات السياسية وفي موضوع القبعة، وقد قضينا مدة الحكم في السجن.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد ذلك وفي &#8220;قسطموني&#8221; لم يجدوا شيئًا لإدانتي مع أنهم تحروا وبحثوا وفتشوا كثيرًا ولعدة مرات.</p>
<p style="text-align: justify;">وقبل سنوات وَضَعَت الحكومة يدَها في &#8220;إسبارطة&#8221; على جميع أجزاء رسائل النور بلا استثناء، العلنية منها والسرية الخاصة، وبعد تدقيق هذه الرسائل لمدة ثلاثة أشهر أعادَتْها إلى أصحابها.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد عدة سنوات بقيتْ جميعُ الرسائل تحت تدقيق محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; ومحكمة &#8220;أنقرة&#8221; لمدة سنتين، ثم أُعيدت جميعها إلينا.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فما دامت هذه هي الحقيقة فإن القيام باتهامي واتهامِ رسائل النور و&#8221;طلبةِ رسائل النور&#8221; من قِبل أناس يتكلمون باسم القانون ولكنهم يتصرفون بحقد ويلوموننا تحت تأثيرِ أهواء ومشاعر شخصية وبشكل غير قانوني، لا يعني اتهامنا فقط، بل يعني قبل ذلك اتهامَ محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221;، وكذلك اتهامَ حكومة &#8220;قسطموني&#8221;، واتهامَ موظفي الأمن في تلك الولاية، ويعني أيضًا اتهامَ جهاز العدالة في &#8220;إسبارطة&#8221; وكذلك محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; ومحكمة الجنايات الكبرى في &#8220;أنقرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إنهم يقومون بإشراك كل هذه المؤسسات معنا في الذنب (إن كان لنا أي ذنب)؛ لأنه لو كان لنا أي ذنب فمعنى ذلك أن الجهات الأمنية في تلك الولايات الثلاثة أو الأربعة لم تستطع أن ترى شيئًا رغم مراقبتها الدقيقة، أو أنها رأت ولكنها أغمضت عيونها، كما أن تلك المحكمتين لم تستطيعا معرفة ذلك مع قيامهما بالفحص الدقيق طوال سنتين، أو أنهما لم يُقرَءا باهتمام، إذن فإن هذه الجهات تكون هي المتهَمة أكثر مما نكون نحن.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا علمًا بأنه لو كانت لدينا رغبة في التوجه إلى الأمور الدنيوية، لما كان الصوت الصادر منا مثل طنين الذباب، بل لكان صوتًا هادرًا كدويّ المدافع.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن رجلًا دافع بكل شدة وصلابة دفاعًا مؤثرًا ودون خوف أو وجل أمام المحكمة العرفية العسكرية التي انعقدت بسبب أحداث ٣١ مارت<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>، وفي مجلس المبعوثان دون أن يبالي بغضب مصطفى كمال وحِدَّته.. كيف يُتهم هذا الشخص بأنه يدير سرًّا خلال ثماني عشرة سنة ودون أن يشعر به أحد مؤامرات سياسية؟!</p>
<p style="text-align: justify;">إن من يقوم بمثل هذا الاتهام لا شك أنه شخص مغرض؛ وكما أمَّلنا من المدعي العام لمحكمة &#8220;دنيزلي&#8221;، فإننا نأمل من المدعي العام لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; أن ينقذنا من اعتراضات هؤلاء المغرضين ومن أحقادهم، وأن يُظهر وجهَ العدالة وحقيقتَها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 5: دستور طلاب النور تجاه السياسة]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الخامس</strong> إن من الدساتير الأساسية لطلبة النور هو <strong>عدمُ التعرض قدر الإمكان للسياسة ولأمور الحكومة وشؤونها وإجراءاتها</strong>، ذلك لأن القيام بخدمة القرآن بإخلاص يكفيهم ويُغنيهم عن أي شيء آخر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الداخلين الآن ساحةَ السياسة مع وجود تيارات قوية سائدة <strong>لا يستطيع أحد منهم أن يحافظ على استقلاليته وعلى إخلاصه</strong>، لأنَّ تيارًا من هذه التيارات سيجرّه إليه ويجعله يعمل لحسابه ويستغله في مقاصده الدنيوية، مما يؤدي إلى الإخلال بقدسية عمله وخدمته.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أشد أنواع الظلم مع أشد أنواع الاستبداد قد أصبحا دستورًا وقانونًا من قوانين الصراع والنـزاع المادي في هذا العصر، وهذا يعني أن كثيرًا من الأبرياء يذهبون ضحيةَ خطأِ فردٍ واحد، أو يقع هذا الفردُ مغلوبًا على أمره.. عند ذلك يَتوهم مَن هَجَر دينَه من أجل دنياه أو جعل دينَه وسيلةً لدنياه أن حقائق القرآن المقدسة -التي لا ينبغي أن تُستغل لأي شيء- قد تم استغلالُها في ساحة الدعاية السياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أفرادَ الأمة بجميع طبقاتها.. المعارضين منهم أو المؤيدين، الموظفين منهم أو العامة.. جميعَهم لهم حصة في تلك الحقائق القرآنية وهم بحاجة إليها، لذا كان <strong>على طلبة النور أن يبقوا محايدين تمامًا،</strong> وكان من الضروري لهم عدمُ الخوض في السياسة وفي الصراع المادي وعدمُ الاشتراك فيه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 6: رسائل النور فيضٌ قرآني فوق التهمة]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس السادس</strong> لا يجوز التهجم على رسائل النور بحجةِ وجودِ قصورٍ في شخصي أو في بعض إخواني، ذلك لأن رسائل النور مرتبطة بالقرآن مباشرة، والقرآن مرتبط بالعرش الأعظم، إذن فمن ذا يجرُؤ أن يمد يده إلى هناك، وأن يحل تلك الحبال القوية؟</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن <strong>رسائل النور لا يمكن أن تكون مسؤولة عن عيوبنا وعن قصورنا الشخصي</strong>، لا يمكن هذا ولا يجوز أن يكون أبدًا، حيث إن بركتها المادية والمعنوية وخدماتها الجليلة لهذه البلاد قد تحققت بإشاراتِ ثلاث وثلاثين آية قرآنية وبثلاث كرامات غيبية للإمام علي رضى اللّٰه عنه وبالإخبار الغيبي للشيخ الكيلاني قدس سره، وإلا فإن هذا البلد سيواجه خسائر وأضرارًا مادية ومعنوية لا يمكن تلافيها.</p>
<p style="text-align: justify;">وسيَرتد كيدُ الأعداء الخفيين لرسائل النور من الملاحدة إلى نحورهم وستفشل بإذن اللّٰه الخططُ الشيطانية التي يحيكونها والحملات التي يشنونها عليها؛ ذلك لأن طلبة النور ليسوا مثل الآخرين، فبِعون اللّٰه تعالى وعنايته لا يمكن تشتيتهم، ولا حملهم على ترك دعوتهم، ولا التغلب عليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو لم يكن القرآن مانعًا عن الدفاع المادي فإن طلبة النور -الذين كسبوا محبة جماهير هذه الأمة وتقديرها في حكم شريان في هذه الأمة- والذين هم موجودون في كل مكان، لن يشتركوا في حادثة جزئية كحادثة الشيخ سعيد أو حادثة &#8220;مَنَمَن&#8221;، إذ لو وقع عليهم -لا سمح اللّٰه- ظلم شديد إلى درجة الضرورة القصوى، وهوجِمت رسائل النور، فإن الملاحدة والمنافقين الذين خدعوا الحكومة سيندمون لا محالة ندمًا شديدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">والخلاصة أنه ما دمنا لا نتعرض لدنيا أهل الدنيا، فيجب عليهم أن لا يتعرضوا لآخرتنا ولا لخدماتنا الإيمانية.</p>
<h5 style="text-align: center;"> [حول الموقف من النظام الجمهوري]</h5>
<p style="text-align: justify;">(أدرج فيما يلي خاطرةً قديمة وقصةَ دفاعٍ لطيفةً حول محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; بقيت مخفيةً حتى الآن ولم تُدرج في المضابط الرسمية للمحكمة، كما لم ترد في دفاعي أمام تلك المحكمة).</p>
<p style="text-align: justify;">سألوني هناك: <strong>ما رأيك حول النظام الجمهوري؟ </strong></p>
<p style="text-align: justify;">فقلت لهم: تستطيعون أن تتأكدوا من كتاب &#8220;تاريخ حياتي&#8221; الموجود لديكم بأنني كنت شخصًا متدينًا ومن أنصار النظام الجمهوري، وذلك قبل أن تأتوا أنتم إلى الدنيا.. هذا باستثناء رئيس المحكمة المتقدم في العمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وخلاصة ذلك أنني كنت آنذاك منـزويًا -كحالي الآن- تحت قبة خالية، فكانوا يأتون لي بالحساء، وكنت أقوم بإعطاء النمل حبات الحساء واكتفي بغمس الخبز في سائل الحسـاء.</p>
<p style="text-align: justify;">سألوني في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; عن السبب؟</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت: &#8220;إن أمة النمل وكذلك النحل تعيـش في نظام جمهوري، وأعطي النمل الحبات احترامًا لنظامها الجمهوري&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم قالوا: &#8220;أنت تخالف بذلك السلف الصالح&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأجبتهم: &#8220;<strong>لقد كان الخلفاء الراشدون خلفاء ورؤساء جمهورية في الوقت نفسه</strong>، فالصِّدِّيق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان دون شك بمثابة رئيس جمهورية للعشرة المبشرة وللصحابة الكرام، ولكن ليس تحت عنوان أو شكل فارغ، بل كل منهم رئيس جمهورية متدين يحمل معنى العدالة الحقيقية والحرية الشرعية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فيا أيها المدّعي العام ويا أعضاء المحكمة.. أنتم تتهمونني الآن بمعاداة فكرٍ كنت أحمله منذ خمسين سنة، أما إنْ كان سؤالُكم حول الجمهورية العلمانية فإن <strong>ما أعلمه هو أن معنى العلمانية هو البقاء على الحياد</strong>، فكما لا تتعرض مثلُ هذه الحكومة للملحدين ولأهل السفاهة بحجة حرية الضمير فيجب أن لا تتعرضَ لأهل الدين ولأهل التقوى.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنني الآن لا أعلم الأوضاع السياسية والأحوال التي تعيش فيها الحكومةُ الجمهورية، لأنني قد اعتزلت الحياة الاجتماعية منذ خمس وعشرين سنة، فإن كانت قد دخلت في مرحلة مرعبة ومذهلة من العمل لحساب الملاحدة وبدأت بسنّ القوانين التي تدين من يعمل لآخرته ولإيمانه -والعياذ باللّٰه- فإني أقول لكم دون خوف أو خشية: إنه لو كان لي ألف نفس لما ترددت في التضحية بها في سبيل إيماني وفي سبيل آخرتي، واعملوا أنتم ما بدا لكم، وسيكون آخر كلامي: ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو قمتم بإعدامي ظلمًا أو بسجني مع الأشغال الشاقة فإنني سأردُّ عليكم بقولي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني وبفضل ما كشفَته رسائل النور بصورة قاطعة لن أُعدَم، بل أُسرّح وأَذهب إلى عالم النور والسعادة، أما أنتم يا أعداءنا المتسترين والمتخفين الذين تسحقوننا لأجل الضلالة فأقول لكم بأنني متهيئٌ لكي أُسلّم الروح باطمئنان وبراحة قلب، لأنني أعلم وأرى أنه سيُحكم عليكم بالإعدام الأبدي وبالحبس الانفرادي المؤبَّد، لذا فإن انتقامي منكم سيكون تامًا وكاملًا. هذا ما قلتُه لهم.</p>
<h4 style="text-align: center;"> [أساس 7: لسنا تنظيمًا سياسيًّا]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس السابع: </strong>استنادًا إلى بعض التحقيقات السطحية -التي جرت في أماكن أخرى- فقد اتهمَتنا محكمةُ &#8220;أفيون&#8221; بالسعي لإنشاء جمعية سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول جوابًا على هذا:‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن جميع مَن صادقني يشهد بأنني لم أقرأ جريدةً واحدة منذ تسعة عشر عامًا ولم أستمع إليها ولم أسأل عنها، وفي ظرفِ عشرةِ أعوام وخمسةِ أشهر لم أعرف من الأخبار سوى هزيمةِ ألمانيا والخطر الشيوعي، لم أعرف أيَّ خبر آخر ولم يكن عندي فضول أو رغبة للمعرفة..</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فمثل هذا الشخص لا يمكن أن تكون له أدنى علاقة بالسياسة ولا الجمعيات السياسية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن رسائل النور البالغَ عددُها مائة وثلاثين رسالة، موجودةٌ كلها في متناول اليد وأمام الأنظار، وقد اقتنعتْ محكمةُ &#8220;أسكي شهر&#8221; بأنه لا يوجد في رسائل النور أيّ هدف آخر وأية غاية دنيوية عدا حقائق الإيمان، لذا لم تتعرض إلّا لرسالة واحدة أو لرسالتين.</p>
<p style="text-align: justify;">أما محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; فلم تتعرض لأية رسالة، كما أن جهاز الأمن الضخم في &#8220;قسطموني&#8221; بالرغم من قيامه بالترصّد والمراقبة الدائمة طوال ثمانية أعوام لم يجد من يتهمه سوى شخصين كانا يعاونانني في شؤوني وثلاثة أشخاص آخرين بأسباب واهية، وهذا حجةٌ قاطعة بأن <strong>طلاب النور لا يشكّلون بأي حال من الأحوال جمعيةً سياسية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إن كان مفهومُ الجمعية عند الادعاء العام هو جماعة إيمانية تعمل لآخرتها، فإننا نقول جوابًا له: لو قمتم بإطلاق تسمية الجمعية على طلاب دار الفنون (الجامعة) وعلى أصحاب كل مهنة من المهن، عند ذاك يمكن إطلاق اسم الجمعية -بهذا المفهوم- علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إن كان المقصود هو جماعة تقوم بالإخلال بالأمن الداخلي ببواعث دينية فإننا نردّ على ذلك بأن عدم تورط طلاب النور طوال عشرين سنة بأية حادثة مخلّة بالأمن الداخلي في أي مكان، وعدمَ تسجيل أي شيء ضدهم في هذا الخصوص لا من قبل الحكومة ولا من قبل المحاكم، لَدليلٌ ساطع على بطلان هذه التهمة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما إن كنتم تتوهمون أن تقوية المشاعر الدينية ستؤدي في المستقبل إلى الإخلال بالأمن الداخلي وأن هذا هو ما تقصدونه من توجيه تهمة الجمعية إلينا فإننا نقول:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن جميع الوعاظ (وعلى رأسهم رئاسة الشؤون الدينية) يؤدون الخدمات نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن طلبة النور ليسوا بعيدين فقط عن الإضرار بالأمن والإخلال بالاستقرار، بل إنهم يعملون بكل قواهم وبكل قناعاتهم لحفظ الأمة من الفوضى والفتن، ويحاولون بكل جهدهم تأمين الاستقرار والأمن والدليلُ على هذا هو ما جاء في الأساس الأول أعلاه.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، <strong>نحن جماعة هدفُنا وبرنامجُنا إنقاذ أنفسنا أولًا ثم إنقاذ أُمتنا من الإعدام الأبدي ومن السجن البرزخي الانفرادي المؤبّد</strong>، ووقاية مواطنينا من حياة الفوضى والسفاهة، ومحافظةُ أنفسنا (بالحقائق القوية الفولاذية الواردة في رسائل النور) من الإلحاد الذي يروم القضاء على حياتنا في الدنيا وفي الآخرة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 8: رسائل النور خاليةٌ من الشُّبَه]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثامن</strong> إنهم يقومون بتوجيه التُّهم إلينا استنادًا إلى بعض الجمل المؤثرة الواردة في رسائل النور، واستنادًا إلى بعض التحقيقات السطحية التي جرت في بعض الأماكن، ونقول نحن جوابًا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما دامت</strong> غايتُنا محصورةً في الإيمان وفي الآخرة وليست في الصراع والنـزاع والمبارزة مع أهل الدنيا..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دام</strong> التعرض الجزئي القليل جدًّا الوارد في رسالة أو رسالتين لم يكن مقصودًا من قِبَلنا، بل ربما ارتطمنا بهم عرَضًا ونحن نسير نحو هدفنا، لذا لا يمكن عدّه غرضًا سياسيًّا..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وما دامت</strong> الاحتمالاتُ والإمكانات تعدّ شيئًا والوقائع شيئًا آخر، ذلك لأن الاتهام الموجه ليس في أننا قمنا بالإخلال بالأمن بل هو &#8220;يُحتمل&#8221; أو من الممكن أن نخلّ بالأمن، وهو اتهام باطل ولا معنى له، ويشبه اتهام أي شخص باقتراف جريمةِ قتل لأن من الممكن أن يقوم بذلك، علمًا أن المحاكم في &#8220;أسكي شهر&#8221; وفي &#8220;قسطموني&#8221; وفي &#8220;إسبارطة&#8221; وفي &#8220;دنيزلي&#8221; لم تستطع العثور (بالرغم من تدقيقها الشديد) على أي دليلِ اتهام في آلاف النسخ من الرسائل والمكاتيب المتبادلة بين عشرات الآلاف من الأشخاص طوال عشرين عامًا، ومع أن محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; لم تعثر على شيء سوى رسالةٍ صغيرة، فاضطرت باستعمالِ مادة قانونية مطاطة إلى إلقاء المسؤولية علينا، ومع أنها تصرفتْ بشكل يُدين كل من ألقى درسًا دينيًّا إلّا أنها مع ذلك لم تستطع إلا إصدار الحكم بإدانة خمسة عشر شخصًا فقط من بين مائة شخص ولمدة ستة أشهر، ولو افترضنا أنَّ شخصًا مثلنا كان بينكم وتم القيام بتدقيق عشرين رسالة من رسائله الخاصة التي كتبها في ظرف سنة واحدة.. لو تم هذا ألا يمكن العثور في هذه الرسائل على عشرين جملة تضعه في موقف حرج وفي موقف المسؤولية؟</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن <strong>العجز عن العثور على عشرين جملة حقيقية تدين صاحبها من بين عشرين ألف نسخة</strong> من الرسائل والمكاتيب لعشرين ألف شخص طوال عشرين سنة برهان قاطع على أن <strong>الهدف المباشر لرسائل النور هو الآخرة، ولا علاقة لها بالدنيا</strong>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 9: لا يوجد ما نُدان به]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس التاسع</strong>: لقد سُجل في قرار الادعاء لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; الموادُّ التي أوردها المدعى العام المنصف لمحكمة &#8220;دنيزلي&#8221;، وحكامُ التحقيق غير المنصفين والسطحيين في أماكن أخرى، وبدلالةِ ما عوملنا من معاملات أثناء التحقيق، والمواد هي نفسها وأبرزت المكاتيب من دون تاريخ يُذكر، والمراسلات التي تمت خلال عشرين أو خمس عشرة سنة أو عشر سنوات، فتلك المواد أُجيب عنها في الأساس الثالث والسؤال الثاني في ادعائي، والتي تدور حول <strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong> والرسائل البالغة مائة وثلاثين رسالة ومكاتيب مرت بالتدقيق في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; وقضينا عقابه وشملَتها قوانينُ العفو، وبرأت ساحتَها محكمةُ &#8220;دنيزلي&#8221;، فالآن يحاولون أن يجدوا معاذير واهية من تلك الرسائل كي تكون موادَ اتهام لنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا تُرى إن الذي أخضع بخطاب منه ثمانيَ كتائبَ من الجيش في حادثةِ &#8220;٣١ مارت&#8221; مع أنهم لم يعيروا سمعًا لشيخ الإسلام ولا لكلام العلماء، هل يمكن أن يُقنِع ويَستغفِل طوال ثماني سنوات أمثالَ هؤلاء الرجال فقط؟ فهل يمكن أن يُقال إنه تمكّن فحسب من استغفال خمسة رجال في ولاية عظيمة، ولايةِ قسطموني؟</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد أخرجتم جميعَ كتبي والرسائل الخاصة والسرية منها والعلنية في &#8220;قسطموني&#8221; وحوادث &#8220;دنيزلي&#8221;. وبعد إجراء التدقيق عليها -لمدة ثلاثة أشهر- لم يعثروا في تلك الولاية العظيمة على غير فيضي وأمين وحلمي وتوفيق وصادق.</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء الخمسة كانوا يعاونونني في أعمالي الشخصية ابتغاء وجه اللّٰه. وعثروا في ظرفِ ثلاث سنوات ونصف السنة في &#8220;أميرداغ&#8221; على ثلاثة أصدقاء، وبعثوهم إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كنت أعمل كما ورد في تلك التحقيقات السطحية، لكنتُ أستطيع استغفال خمسمائة شخص لا خمسة أشخاص أو عشرة، بل لكنت أستطيع استغفال خمسة آلاف شخص بل خمسمائة ألف.</p>
<p style="text-align: justify;">أُبيّن ما قلتُه في محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; للحقيقة ولإظهار مدى خطئهم. وأدناه أُورِدُ نموذجًا أو نموذجين منها: إنهم يؤاخذوننا لقيامنا بجمع آيات كريمة من القرآن الكريم تُعين على التفكر في آيات اللّٰه -في الكون- تلك التي هي منبع رسائل النور، وذلك اتباعًا لعادة إسلامية جرت منذ عصر النبوة. وسمّينا مجموعة تلك الآيات: &#8220;حزب القرآن&#8221; أيمكن أن يقال لمن يقوم بمثل هذا العمل: إنهم يحرفون الدين..</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إني رغم مقاساتي سنةً واحدة من العقاب النازل بي حول &#8220;رسالة الحجاب&#8221; التي عثروا عليها تحت أكوام الحطب والوقود، نراهم يريدون إدانتنا بها كأنها استنسخت ونشرت هذه السنة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني لما اعترضت بكلمات قاسية على ذلك الشخص المعروف الذي تولى رئاسة الحكومة بأنقرة، لم يقابلني بشيء، بل آثر الصمت. إلّا أن بعد موته أظهرت حقيقةُ حديثٍ شريف خطأَه -كنت قد كتبته قبل أربعين سنة- فتلك الحقيقة والانتقادات التي كانت فطرية وضرورية واتخذناها سرية، وعامة غير خاصة على ذلك الشخص قد طبقها المدعي العام بحذلقة على ذلك الشخص، وجعلها مدار مسؤولية علينا. فأين عدالة القوانين التي هي رمز الأمة وتذكارها وتجل من تجليات اللّٰه سبحانه، من محاباة شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إننا جعلنا حريةَ الوجدان والعقيدة التي اتخذتْها حكومةُ الجمهورية أساسًا لها مدارَ استناد لنا. ودَافَعْنا عن حقوقنا بهذه المادة، ولكن اتخذتها المحكمةُ مدارَ مسؤولية وكأننا نعارض حرية الوجدان والعقيدة.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي رسالة أخرى انتقدتُ سيئات المدنية الحاضرة وبينت نواقصها، فأُسند إليّ في أوراق التحقيق شيء لم يخطر ببالي قط، وهو إظهاري بمظهر من يرفض استعمال الراديو<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup> وركوبَ القطار والطائرة. فأكون مسؤولًا عن كوني معارضًا للرقي الحضاري الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">فقياسًا على هذه النماذج، يمكن تقدير مدى بُعد المعاملة عن العدالة. نأمل أن لا تهتم محكمة &#8220;أفيون&#8221; لما ورد في أوراق التحقيق من أوهام وشبهات كما لم تهتم بها محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; العامة ومدعيها العام المنصف. وأغرب من جميع ما ذكر هو أن الطائرة والقطار والراديو التي تعتبر من نعم اللّٰه العظيمة وينبغي أن تقابَل بالشكر للّٰه، لم تقابِلها البشرية بالشكر فنـزلت على رؤوسهم قنابل الطائرات.</p>
<p style="text-align: justify;">والراديو نعمة إلهية عظيمة بحيث ينبغي أن يكون الشكر المقدم لأجله في استخدامه جهازًا حافظًا للقرآن الكريم يُسمِع البشرية جمعاء. ولقد قلنا في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/14/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-20-%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1%d8%b7%d8%a8-%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%b3-%d8%a5%d9%84%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8/">الكلمة العشرين</a></strong>&#8220;: إن القرآن الكريم يخبر عن خوارق المدنية الحاضرة، وبيّنّا فيها عند حديثنا عن إشارة من إشاراتِ آيةٍ كريمة، بأن الكفار سيَغلِبون العالم الإسلامي بوساطة القطار. ففي الوقت الذي أحثُّ المسلمين إلى مثل هذه البدائع الحضارية فقد جعلها بعض المدعين العامين لمحاكمَ سابقة مدارَ اتهام لنا وكأنني أعارض هذه الاختراعات.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أحدهم قال: إن رسالة النور نابعة من نور القرآن الكريم، أي إلهام منه، وهي وارثة، تؤدي وظيفةَ الرسالة والشريعة. فأَورد المدعى العام معنى خطأ فاضحًا ببيانه ما لا علاقة له أصلًا وكأن &#8220;رسالة النور رسول&#8221; وجعلوا ذلك مادةَ اتهام لي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أثبتنا في عشرين موضعًا في الدفاع وبحجج قاطعة أننا لا نجعل الدين والقرآن ورسائل النور أداة ووسيلة لكسب العالم أجمع، ولا ينبغي أن تكون وسائل قطعًا. ولا نستبدل بحقيقة منها سلطنةَ الدنيا كلها. ونحن في الواقع هكذا. وهناك ألوف من الأمارات على هذه الدعوى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن يبدو من سير الادعاء لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; وفي قرارها المبني على تحقيقات أخرى: أننا نبتغي الدنيا ولا نسعى إلّا لحبك المؤامرات وكسب حطام الدنيا ونجعل الدين أداة لمواد خسيسة تافهة ونعمل على الحط من قيمته.. فيتهموننا على هذا الأساس.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الأمر هكذا فنحن نقول بكل ما نملك: ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة أفيون]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: center;">تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة &#8220;أفيون&#8221;‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن مخاطَبي في هذا الاعتراض ليس محكمةَ &#8220;أفيون&#8221; ولا مدّعيها العام، بل أولئك الموظفين العاملين هنا وفي دائرة التحقيقات ممن تساورهم الشكوكُ والأوهامُ والأغراض الشخصية، فيتخذون مواضعَ ضدّنا مستندين إلى تحقيقات ناقصة وإخباريات مختلقة استند إليها مدّعون عامون ومخبرون ومتحرون في أماكن أخرى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[اتهامنا بأننا تنظيم سياسي: لا أصل له]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن إطلاق اسم &#8220;الجمعية&#8221; -التي لا تخطر على البال ولا أصل لها أساسًا- على طلاب رسائل النور الأبرياء الذين ليس لهم أيةُ علاقة بالسياسة، ومن ثم عَدُّ أولئك المساكين الداخلين في تلك الدائرة ممن ليس لهم غايةٌ غيرُ الإيمان والآخرة، أنهم ناشرو تلك الجمعية وأعضاؤها الفعالون ومن منتسبيها، أو جعلُ الذين قرؤوا رسائل النور أو استقرؤوها أو استنسخوها مذنبين ودفعُهم إلى المحكمة.. كل هذه الأمور بعيدةٌ بُعدًا واضحًا عن العدالة.</p>
<p style="text-align: justify;">والحجة القاطعة عليها هي أنَّ الذين يقرؤون مؤلفاتٍ ضارةً كالسم الزعاف والتي تهاجم القرآن، كمؤلفات &#8220;الدكتور دوزي&#8221; وأمثاله من الزنادقة، لا يُعَدّون مذنبين حسب دستورِ حرية الفكر والحرية العلمية، بينما تُعَدّ ذنبًا قراءةُ وكتابةُ رسائل النور التي تبين الحقائق القرآنية والإيمانية وتعلّمها المحتاجين إليها حاجة ماسة والمشتاقين إليها وتوضّحها لهم وضوحَ الشمس الساطعة</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنهم اتهمونا على بضع جُمل فحسب وردت في رسائل اتخذناها رسائل سرية -لئلا تُفسّر تفسيرًا خاطئًا، وذلك قبل الإعلان عنها في المحاكم- علمًا أن تلك الرسائل قد دققتها محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; -سوى واحدةٍ منها- واتخذت ما يستوجب الأمر لها، ولم تعترض إلّا على مسألة أو مسألتين من رسالة &#8220;الحجاب&#8221;، وقد أجبتُ عنها في عريضتي وفي اعتراضي بأجوبة قاطعة، وقلنا: &#8220;إن ما في أيدينا نورٌ ولا نملك صولجان السياسة&#8221;، وأثبتنا ذلك في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; بعشرين وجهًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; قد دققت جميعَ الرسائل دون استثناء، ولم تعترض على أية رسالة منها.. ولكن أولئك المدَّعين غير المنصفين قد عمَّموا حكمَ تلك الجمَل المعترَض عليها التي لا تتجاوز جملتين أو ثلاثًا على جميع الرسائل، حتى صادروا مجموعة &#8220;ذو الفقار&#8221; البالغة أربعمائة صفحة لأجل صفحات منها فقط؛ وجعلوا قارئي الرسائل ومستنسخيها مذنبين، واتهموني بأنني أُعارض الحكومة وأتحدّاها.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أُشهد أصدقائي القريبين منى والذين يقابلونني.. أُشهدهم مُقسِمًا باللّٰه: إنني منذ أكثر من عشر سنوات لا أعرف سوى رئيسين للجمهورية ونائبًا واحدًا في البرلمان ووالي &#8220;قسطموني&#8221;، فلا أعرف معرفةً حقيقيةً أحدًا غيرَهم من أركان الحكومة ووزرائها وقوادها وموظفيها ونوابها، وليس لي الفضول لمعرفتهم، إلّا أن شخصًا أو شخصين أظهرا قبل سنة علاقة نحوي فعرفتُ عن طريقهما خمسةً أو ستةً من أركان الحكومة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهل من الممكن لمن يريد مبارزة الحكومة أن لا يعرف مَن يبارز، ولا يتحرك فيه الفضول لمعرفتهم، ولا يهتم بمن يواجههم، أهُم أعداءٌ أم أصدقاء؟</p>
<p style="text-align: justify;">يُفهم من هذه الأحوال أنهم يختلقون معاذيرَ لا أصل لها قطعًا، فما دام الأمر هكذا، فإنني أقول لأولئك الظلمة غير المنصفين ولا أخاطب هذه المحكمة:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أعير أقلَّ اهتمام بما تعتزمون إنزالَه بي من عقاب، مهما بلغت درجتُه من الشدة والقسوة، لأنني على عتبة باب القبر، وفي السن الخامسة والسبعين من عمري، فهل هناك سعادةٌ أعظمُ من استبدال مرتبة الشهادة بسنة أو سنتين من حياة بريئة ومظلومة كهذه؟</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني موقنٌ كلَّ اليقين ولا يخالجني أدنى شك في أن الموت بالنسبة لنا تسريح وتأشيرةُ دخول إلى عالم الطمأنينة والسعادة، ولنا آلاف البراهين من رسائل النور على ذلك، وحتى إنْ كان الموتُ إعدامًا ظاهريًّا لنا، فإن مشقةَ ساعة من الزمان تتحول بالنسبة لنا إلى سعادة ومفتاح للرحمة وفرصة عظيمة للانتقال إلى عالم البقاء والخلود.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أنتم يا أعداءنا المتسترين ويا أولئك الذين يضللون العدالة في سبيل إرضاء الزندقة ويتسببون في خلق الأوهام الزائفة في أذهان المسؤولين في الدولة لينشغلوا بنا دون داعٍ أو سببٍ.. اعلموا قطعًا -ولترتَعدْ فرائصُكم- أنكم تحكمون على أنفسكم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي الدائم، وأن الانتقام لنا يؤخذ منكم أضعافًا مضاعفة، فها نحن أولاء نرى ذلك ونشفق عليكم، ولا شك أنَّ حقيقة الموت التي ظلّت تُفرغ هذه المدنية مائة مرة إلى المقابر، لا بد أن تكون لها غايةٌ ومطلبٌ فوق غاية العيش والحياة، وإن محاولة الخلاص من براثن ذلك الإعدام الأبدي هي قضية في مقدمة القضايا الإنسانية، بل هي من أهم الضروريات البشرية وأشدها إلحاحًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت هذه هي الحقيقة، أفَليس من دواعي العجَب والغرابة أن يَتهم نفرٌ من الناس طلابَ رسائل النور -الذين اهتدوا إلى ذلك السر وعثروا على تلك الحقيقة-، ويلصقوا اتهامات باطلة برسائل النور التي أَثبتت تلك الحقيقةَ نفسها بآلاف الحجج والبراهين؟ إن كل مَن له مسكة من عقل -بل حتى لو كان مجنونًا- يدرك تمام الإدراك بأن أولئك النفر باتهاماتهم تلك إنما يضعون أنفسهم موضع الاتهام أمام الحقيقة والعدالة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سبب اتهامنا بأننا تنظيم سياسي]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن هناك ثلاث مواد توهم بوجود جمعية سياسية لا علاقة لنا بها أصلًا، هي التي خدعت هؤلاء الظلمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: العلاقة الوطيدة التي تربط طلابي منذ السابق، قد أوحت لهم وجودَ جمعية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثانية</strong>: أنَّ بعضًا من طلاب رسائل النور يعملون بأسلوب جماعي كما هو لدى الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان، والتي تسمح بها قوانين الجمهورية ولا تتعرض لها؛ لذا ظنَّ البعضُ فيهم أنهم جمعية، والحال أنَّ نيَّة أولئك الأفراد القليلين ليس تشكيل جمعية أو ما شابهها، بل هي أخوّة خالصة وترابُط وثيق أخروي بحت.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالثة</strong>: أنَّ أولئك الظلمة يعرفون هم أنفسهم أنهم قد غرقوا في عبادة الدنيا وضلوا ضلالًا بعيدًا، ووَجدوا بعضَ قوانين الحكومة منسجمة معهم، لذا يقولون ما يدور في ذهنهم: إن سعيدًا ورفقاءه معارضون لنا ولقوانين الحكومة التي تساير أهواءنا، فهم إذن جمعية سياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول: أيها الشقاة.. لو كانت الدنيا أبديةً خالدة، ولو كان الإنسان يظل فيها خالدًا، ولو كانت وظائفُه منحصرةً في السياسة وحدها، ربما يكون لفِرْيَتكم هذه معنى. ولكن اعلموا أنني لو دخلت العمل من باب السياسة لكنتم ترون ألفَ جملةٍ وجملة صيغت بأسلوب التحدي السياسي، لا عشرَ جمل في رسالة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولنفرض فرضًا محالًا أننا نعمل -كما تقولون- ما وَسِعَنا لمقاصد دنيوية وكسبِ مُتَعها الرخيصة والحصولِ على سياستها -ذلك الفرض الذي لم يحاول الشيطان أن يقنع به أحدًا- فما دامت جميعُ وقائعنا طوال عشرين سنة لا تُبرز شيئًا لملاحقتنا، إذ الحكومة تنظر إلى كسب الشخص لا إلى قلبه، والمعارضون موجودون في كل حكومة بشكل قوي، فلا شك أنكم لا تستطيعون أن تجعلونا في موضع التهمة بقوانين العدالة.</p>
<p style="text-align: justify;">كلمتي الأخيرة:‌ ﴿حسبي اللّٰه لا إله إلّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حادثة غير قانونية بعشرة وجوه]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>&#8220;حادثة غير قانونية&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[إعادة سجننا بعد التبرئة حادثةٌ غير قانونية من عشرة وجوه]</h3>
<p style="text-align: justify;">بعد براءتنا من محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; ورغم اعتزالي الناسَ وانسحابي إلى الاعتكاف طوال ثلاث سنوات تاركًا السياسة كليًّا، فإن هذه الحادثة الجديدة التي أفضَتْ بنا إلى سجنِ &#8220;أفيون&#8221; لا تَمُتُّ إلى القانون بشيء، بل غيرُ قانونية بعشرة وجوه:</p>
<h4>[1]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong> إن رسائل النور قد مرّت بثلاث محاكم، وثلاث هيئات للخبراء، ومن سبع مراجع مسؤولة في &#8220;أنقرة&#8221;، وعند كثير من مدققي العدلية، في ظرف سنتين.. <strong>فاتفقوا كلهم من دون استثناء على براءة جميع الرسائل وبراءةِ &#8220;سعيد&#8221; ومن معه من أصدقائه البالغ عددهم خمسة وسبعين شخصًا</strong>، ولم يعاقَبوا حتى بجزاء يوم واحد، وعلى الرغم من هذا فإن تجاوزهم على تلك الرسائل وكأنها أوراق مخلّة بأمن البلد، يَجعل كل من يملك مسكة من الإنصاف أن يدركَ مدى خروج الأمر عن القانون.</p>
<h4>[2]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong> إن الذي ظَلَّ في الانـزواء والاعتكاف في &#8220;أميرداغ&#8221; طوال ثلاث سنوات بعد البراءة، وعاش غريبًا، حتى إنَّ بابَه كان يُغلَق من الداخل والخارج معًا، ولا يَقبل أحدًا من الناس لمقابلته إلّا للضرورة القصوى، والذي تخلَّى حتى عن التأليف الذي كان مستمرًا عليه طوال عشرين سنة، يأتي المتحرّون ويكسرون قفلَ الباب ويداهمون غرفته إجراءً لسياسة دنيوية!</p>
<h4>[3]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالث</strong> إنه كما قال في المحكمة: أنَّ من لم يهتم بأخبار الحرب العالمية -بشهادة سبعين شاهدًا- ولم يستفسر عنها، وما زال مستمرًا على حاله، ولم يقرأ أية صحيفة كانت منذ خمس وعشرين سنة ولم يستمع إليها، والذي قال: &#8220;أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة&#8221; منذ ثلاثين سنة، ونفَرَ من السياسة بكل ما لديه من قوة، وقاسى ما قاسى من العذاب طوال اثنين وعشرين عامًا، ولم يراجِع ولو لمرة واحدة الدوائرَ الحكومية -لضمان راحته- دفعًا لجلب الأنظار إليه حيث إنه لا يتدخل بالأمور السياسية.. فعلى الرغم من كل هذا أيوافقُ القانونَ مداهمةُ منـزله ومعتكَفه وكأنه يدير المؤامرات السياسية، وشدُّ الخناق عليه بما لم يُرَ مثله؟! إن مَنْ يملك وجدانًا ولو بمثقال ذرة يتألم على هذا الوضع.</p>
<h4>[4]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرابع</strong> بعد تدقيق دام ستة أشهر في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; تمت تبرئة رسائل النور من تُهمِ محاولةِ تشكيل جمعية سياسية أو تأسيس طريقة صوفية. ومع أن الرئيس الكبير حرض بعض أفراد وزارة العدل وموظفيها مدفوعًا إلى ذلك بأوهامه وبحقده الشخصي، إلا أن رسائل النور بُرِّئت من تهمة تشكيل أية جمعية وأية طريقة صوفية، هذا ما عدا &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/07/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/">رسالة الحجاب</a></strong>&#8221; (التي تُعدّ جزءًا صغيرًا فقط من رسائل النور) حيث جعلوها تكأة وحُجة -ليست قانونية بل بقناعة شخصية ووجدانية- مما أدّى هذا الأمر إلى الحكم بالسجن لمدة ستة أشهر لعدد من طلاب النور لا يتجاوز عددُهم عشرةَ طلاب من بين مائة منهم، ولما كان هؤلاء موقوفين منذ أربعة أشهر ونصف حتى موعد فحص الرسائل وتدقيقها فإنهم لم يُسجَنوا سوى شهر ونصف الشهر.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد عشر سنوات قامت محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; أيضًا بتدقيقِ وتمحيصِ جميع ما كُتب من مكاتيب ورسائل ومؤلفات في عشرين سنة تدقيقًا جيدًا دام تسعة أشهر -على إثر اتهام هذه المؤلّفات بالتحريض على تأسيس جمعية أو طريقة صوفية- وأُرسلت إلى محكمة الجزاء الكبرى في &#8220;أنقرة&#8221; خمسة صناديق من هذه الكتب، حيث دُققت تلك الرسائل والكتب سنتين اثنتين من قبل محكمة الجزاء الكبرى في &#8220;أنقرة&#8221; ومحكمة &#8220;دنيزلي&#8221;، واتفقت المحكمتان بالإجماع على تبرئة هذه الرسائل والكتب من التُّهم الموجهة إليها كتشكيل جمعية أو طريقة صوفية وما شابهها من التُّهم<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup> وإعادتها إلى أصحابها كما برّأت سعيدًا وأصدقاءه.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن كم يكون خروجًا على القانون اتهامُ &#8220;سعيد&#8221; باعتباره &#8220;رجلًا سياسيًّا يسعى لتشكيل جمعية&#8221; أو &#8220;رجل مؤامرات&#8221; أو ما شابه ذلك، وتحريضُ موظفي العدالة ضدَّه باعتباره &#8220;رجل طريقة&#8221;؟! يَعلم ذلك كلُّ من لم يمُت شعورُه.</p>
<h4>[5]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الخامس</strong> لما كانت &#8220;الشفقة&#8221; دستورَ حياتي منذ ثلاثين سنة، وأساسَ مسلكي ومسلك رسائل النور، فإنني لا أتجنّب التعرض للمجرمين الذين ظلموني وحدَهم، بل لا أستطيع حتى مقابلتَهم بالدعاء عليهم، وذلك لكي لا أتسبب في إلحاق الضرر بأي شخص بريء، بل إن هذه الشفقة هي التي منَعتني من أن أتعرض أو حتى أن أدعُو على بعض الفساق بل الظالمين اللادينيين الذين اندفعوا بحقد شديد في ظلمي، ذلك لكي لا أتسبّبَ في ضرر مادي يَلحق بالشيوخ والعجائز المساكين من أمثال والد ذلك الظالم أو والدته، أو في الإضرار بأنفُس بريئة مثلِ أولاده؛ لذا فمن أجل أربع أو خمس من الأنفس البريئة لا أستطيع التعرّض لذلك الظالم الغدّار، بل أعفو عنهم أحيانًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فبسرّ هذه الشفقة لا أكتفي قطعًا بعدم التعرض للحكومة وللأمن فقط، بل أوصي جميع أصدقائي بذلك إلى درجةِ أن بعض رجال الأمن المنصفين في ولايات ثلاث قد اعترفوا أن <strong>&#8220;طلاب رسائل النور&#8221; هم رجال أمن معنويون</strong>، لأنهم يحافظون على الأمن وعلى النظام؛ وهذه حقيقة يشهد عليها آلافُ الشهود، ويصدّقها فترةُ حياةٍ تمتد عشرين سنة، ومع طلاب يبلغ عددُهم الآلاف، لم يسجِّل رجالُ الأمن أيةَ حادثة منهم تمس الأمن.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع وجودِ كل هذه البراهين فقد اقتحموا بيت هذا الضعيف وكأنه رجلُ ثورة ورجل مؤامرة، وعاملوه دون إنصاف من قِبَل هؤلاء الأشخاص الغلاظ وكأنه سفّاح ارتكب مائة جريمة (مع أنهم لم يجدوا شيئًا في منـزله)، وقاموا بمصادرة نسخة نادرة من القرآن المعجز<sup class="modern-footnotes-footnote ">10</sup> واللوحات الموجودة فوق رأسه وكأنها أوراق ضارة.</p>
<p style="text-align: justify;">تُرى أي قانون يجيز مثل هذه التصرفات ضد آلاف الأشخاص المتدينين الذين حافظوا على الأمن بحُسن خُلقهم؟! وأيةُ مصلحة في تحريض هؤلاء ودفعِهم بالقوة للوقوف ضد الأمن والنظام؟!</p>
<h4>[6]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادس</strong> بفضل من اللّٰه تعالى إنني رجل عَرف من فيض القرآن منذ ثلاثين سنة كيف أن الشهرة المؤقتة والفانية للدنيا وجاهُها المتسم بالأنانية والأثرة، وعبادة الشهرة والصيت فيها، أمرٌ لا فائدة ولا خير منه ولا معنى له، فألفُ حمد وشكر للّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فقد حاول منذ ذلك الحين وبكل جهده الصراعَ مع نفسه الأمّارة؛ ومع أن أصدقاءه والذين خدموه يعلمون علم اليقين ويشهدون بأنه قام بكل ما في وسعه لكسر شوكةِ نفسه والتخلّص من أنانيته وتجنب النفاق والتصنع، وقد حاول منذ عشرين سنة معارضة كل الذين أثنَوا عليه ومدحوه وتوجهوا نحو شخصه مدفوعين بحُسن الظن الذي تَهَشّ له نفسُ كل إنسان، وخالف كلَّ الذين رأوه أهلًا لمقامات معنوية، بل فرّ منها بكل ما يملك من قوة، وردَّ حُسن الظن المفرط الذي يحمله أصدقاؤه القريبون إليه وخلّانه الخاصّون، إلى درجةِ أنه آلمهم وجرح شعورَهم، وفي رسائله الجوابية لم يقبل أبدًا مديحَهم وحُسن ظنهم الزائد عن الحد في حقه، إذ نَسب كلَّ الفضيلة إلى رسائل النور التي هي عبارة عن تفسير للقرآن الكريم ولم يَنسبها لنفسه، بل حرمها من الفضائل، ووجّه &#8220;طلاب رسائل النور&#8221; للتعلق بالشخصية المعنوية لرسائل النور، وعدَّ نفسَه مجرد خادم عادي للقرآن الكريم، وهذا يُثبت إثباتًا قاطعًا بأنه لم يسْعَ أبدًا لإبراز شخصه وتحبيب نفسه بل ردَّ ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع ذلك فهل هناك قانون يسمح بتحميل أية مسؤولية عليه، ويسمح بالهجوم على دار هذا الشخص الغريب والمريض والمنـزوي في غرفته والمتقدم جدًّا بالعمر والذي لا حول له ولا قوة، والقيامِ بكسر قفل داره ودخول موظفي التفتيش إلى غرفته وكأنه مجرم عتيد، وذلك لمجرد أن بعض أصدقائه البعيدين عنه مدحوه خلافًا لرغبته وأَثنَوا عليه ثناءً يزيد عن حقه ورأوه أهلًا لمقام معنوي لما يحملونه من حُسن ظنٍّ مفرط، ثم لقيام واعظ لا يعرفه في مدينة &#8220;كوتاهية&#8221; بالتفوه ببعض الكلمات في حقه؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني لم أُرسِل أيةَ رسالة إلى تلك المدينة، إلّا أنه تمتْ كتابةُ رسالةٍ وُضع عليها توقيع مزوّر لي، مما دعا إلى توهُّم مسؤوليتي عنها، وكذلك وجود كتاب مؤثِّر لا يُعرف كاتبه في مدينة &#8220;باليكسر&#8221;.. أهذه الأمور تسمح لهم باقتحام الدار والتفتيش فيها؟! مع أنهم لم يجدوا في الدار سوى الأوراد وسوى اللوحات.. أيُّ قانون في الدنيا وأية سياسة فيها تسمح بمثل هذا الهجوم؟!</p>
<h4>[7]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السابع</strong> في مثل هذا الوقت الذي تُوجد فيه كل هذه التيارات الحزبية الفوارة في الداخل وفي الخارج، أي في الوقت الذي تهيأت له فرصةُ الاستفادة، أي فرَص كسب سياسيين عديدين إلى جانبه بدلًا من أفراد معدودين من أصدقائه، فإنه كَتب إلى جميع أصدقائه قائلًا لهم: &#8220;إياكم والانجراف في التيارات أو الدخول إلى معترك السياسة وإياكم والإخلال بالأمن&#8221;، وذلك لتجنب التدخل كليًّا في السياسة والإضرار بإخلاصه، وتجنّب جلب أنظار الحكومة عليه والابتعاد عن الانشغال بالدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قام التيار السابق نتيجةً لأوهامه بمدّ يد السوء والضرر إليه جراء تجنّبه هذا، أما التيار الجديد فلادعائه: &#8220;أنه لا يساعدنا ولا يتعاون معنا&#8221;، وقد سبَّبا له ضيقًا وكربًا شديدين، ولكنه مع هذا لم يتدخل أبدًا في دنيا أهل الدنيا، بل انشغل بأمور آخرته إلى درجة أنه لم يرسل إلى أخيه الموجود في قرية &#8220;نُورْس&#8221; رسالة واحدة طوال اثنتين وعشرين سنة، ولم يرسل لأصدقائه في تلك المحافظات عشر رسائل طوال عشرين عامًا.. فأي قانون يسمح إذن بالتعرض لهذا الشخص الضعيف المنشغل بآخرته مثلَ هذا التعرض؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الذي لا يتعرض أحد ضد انتشار كتب الملاحدة، وهي كتب ضارة جدًّا للبلاد وللأمة وللأخلاق، ولا لمطبوعات الشيوعيين، وذلك باسم قانون الحرية، فإنه تتم مصادرة أجزاء رسائل النور وكأنها أوراق ضارة وتُقدّم إلى المحكمة! هذا مع أن ثلاث محاكم لم تجد في هذه الرسائل أي أمر مضر، فهي تدعو منذ عشرين سنة إلى خير الحياة الاجتماعية لهذه البلاد ولهذه الأمة وتقوية أخلاقها وترسيخ أمنها، وإلى تقوية الأخوة الإسلامية مع العالم الإسلامي، هذه الأخوة التي تُعدّ ركنَ استنادٍ وقوةً حقيقية، وإلى إعادة صداقة العالم الإسلامي لهذه الأمة وتقويتها بصورة مؤثرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أَمر وزير الداخلية علماءَ رئاسة الشؤون الدينية بتدقيق رسائل النور بُغية نقدها، وبعد ثلاثة أشهر من التدقيق لم تقم بنقدها، بل أدركت قيمتَها حق الإدراك وذكرت بأنها &#8220;مؤلَّف ذو قيمة كبيرة&#8221;، ووَضعت رسائلَ أمثال &#8220;ذو الفقار&#8221; و&#8221;عصا موسى&#8221; في مكتبتها؛ كما شاهد الحُجاج مجموعة رسائل &#8220;عصا موسى&#8221; في الروضة الشريفة للرسول الكريم (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">فهل هناك قانون أو ضمير أو إنصاف يسمح بمصادرة رسائل النور وجمعها وتقديمها إلى المحكمة؟!</p>
<h4>[8]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثامن</strong> بعد اثنتين وعشرين سنة من النفي غير المبرر والمتسم بالضنك، وبعد أن أُعيدت له الحرية، فإنه لم يشأ الذهاب إلى بلده الذي ولد فيه حيث يوجد الآلاف من أهله وأحبائه، بل اختار حياة الغربة والعزلة لكي لا يقرب من الدنيا ومن معترك الحياة الاجتماعية والسياسية، وتَرَك الصلاة في الجامع -مع وجود ثواب كبير في صلاة الجماعة- واختار الصلاة المنفردة في غرفته.. أي إنه شخص يميل إلى تجنّبِ ما يبديه الناسُ نحوه من احترام.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن عشرين سنة من عمره تشهد ويشهد معها آلافٌ من الشخصيات التركية الموقرة بأنه يفضّل تركيًّا واحدًا ذا دين وتقوى على العديد من الأكراد غير الملتزمين، كما أثبت في المحكمة أنَّ أخًا تركيًّا واحدًا قويَّ الإيمان مثل &#8220;الحافظ علي&#8221; يُرجَّح على مائة كردي.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن شخصًا يتجنب لقاء الناس إلّا لضرورة ماسة لكي يتجنب مظاهر توقيرهم واحترامهم له، ولا يذهب حتى إلى الجامع، وعَمِلَ بكل جهده وعَبْر جميع مؤلفاته -منذ أربعين سنة- على ترسيخ الأخوة الإسلامية وعلى تنمية روح المحبة بين المسلمين، وعدَّ الأمة التركية حاملةً لراية القرآن ونائلة لثناء القرآن، وأحبَّ هذه الأمة حبًَّا جمًّا لهذا السبب، وصَرَف حياته من أجلها.. أيجوز أن يقول والٍ سابق في كتاب رسمي غادرٍ حاول منه نشر دعاية معينة قصَد منها إخافة أصدقائه: &#8220;إنه كردي وأنتم أتراك، وهو شافعي وأنتم حنفيون&#8221; بغية محاولة إلقاء الرعب في قلوب الجميع وجعلهم يحذرون منه ويتجنبونه؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني أتسائل: أهناك قانون أو مصلحة في محاولةِ إجبار شخص منـزوٍ وإكراهِه على لبس القبعة.. مع أنه لم يجبره أحد على تغيير قيافته طوال عشرين عامًا وخلال محكمتين اثنتين؟ هذا علمًا بأن القبعة رفعت عن رؤوس نصف العساكر.</p>
<h4>[9]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>التاسع</strong> وهنا نقطة مهمة جدًّا وقوية<sup class="modern-footnotes-footnote ">11</sup> ولكني أسكت عنها لأنها تتعلق بالسياسة.</p>
<h4>[10]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>العاشر</strong> وهذا أيضًا لا يسمح به أي قانون، ولا توجد فيه أية مصلحة، وإنما هو عبارة عن أوهام لا معنى لها، وعن مبالغات تجعل من الحَبَّة قُبَّة، وهو تعرّضٌ وتهجُّم لا يُقِرّه أي قانون، وهنا أيضًا نَسكت لئلا نمَسَّ السياسة التي يُحظر النظر إليها حسب مسلكنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإننا نقول ونحن أمام أوجه عشرة من أوجه المعاملات غير القانونية: ﴿حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عشر نقاط في بيان عدالة قضيتنا]</h2>
<p style="text-align: justify;">نقاط أخرى أودّ أن أعرضها على إدارة مدينة &#8220;أفيون&#8221; ومحكمتها وشرطتها‌:</p>
<h4 style="text-align: justify;">[1]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: أن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا وظهور أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا: إشارة قدرية منذ الأزل على أن الدين هو السائد وهو الحاكم في آسيا، وتأتي الفلسفة في الدرجة الثانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذا الرمز القدري، فإن الحاكم في آسيا إن لم يكن متدينًا فعليه -في الأقل- ألّا يتعرض للعاملين في سبيل الدين، بل عليه أن يشجعهم.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[2]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثانية</strong>: أن <strong>القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب</strong>، فلو خرج القرآن -والعياذ باللّٰه- من هذه الأرض لجُنَّت الأرض، وليس ببعيدٍ أن تنطح رأسها الذي أصبح خاليًا من العقل بإحدى السيارات وتتسبب في حدوث قيامة.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن القرآن هو العروة الوثقى وحبل اللّٰه المتين يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض أكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم، وهذه الرسائل التي أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة في هذا العصر وفي هذا الوطن لهذه الأمة تعد نعمة إلهية كبرى ومعجزةً قرآنية لا تنطفئ، لذا فليس على الحكومة التعرض لها وترويع طلابها منها ليبتعدوا عنها، بل عليها حماية هذه الرسائل والتشجيع على قراءتها.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[3]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالثة</strong>: بناءً على قيام أهل الإيمان الآتين بتقديم حسناتهم إلى أرواح الذين سبقوهم مع دعواتهم بالمغفرة لهم، فقد قلت في محكمة &#8220;دنيزلي&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">لو سألكم أهل الإيمان -الذين يعدون بالمليارات- في يوم المحكمة الكبرى وسألوا الذين يضيقون على طلاب رسائل النور الذين يعملون في سبيل إظهار حقائق القرآن ويحكمون عليهم بالسجن، وقالوا: &#8220;إنكم كنتم في غاية التسامح مع كتب الملاحدة والشيوعيين ومنشوراتهم باسم قانون الحرية، وتسامحتم مع الجمعيات التي ربّت وغذّت الفوضى، ولم تتعرضوا لهم أبدًا، ولكنكم أردتم أن تقضوا على رسائل النور وعلى طلابها بالسجن وبشتى وسائل التضييق، مع أنهم كانوا يحاولون إنقاذ الوطن والأمة من الإلحاد ومن الفساد وإنقاذ مواطنيهم من الإعدام الأبدي&#8221;.. لو سألوكم هذا فماذا سيكون جوابكم؟</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن أيضًا نوجه هذا السؤال إليكم.. لقد قلت هذا لهم، وعند ذلك قام أولئك الذوات المحترمون الذين كانوا من أهل الإنصاف والعدالة بإصدار قرار بتبرئتنا وأظهروا عدالة جهاز العدالة.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[4]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرابعة</strong>: كنت أنتظر أن تستدعيني &#8220;أنقرة&#8221; أو &#8220;أفيون&#8221; إلى لجنة الشورى وتعاطي الأسئلة والأجوبة حول المسائل الكبيرة التي أخذت رسائلُ النور على عاتقها القيامَ بها.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن رسائل النور هي أقوى وسيلة وأنجع دواء لهذه الأمة في هذا البلد في سبيل إعادة الأخوّة الإسلامية السابقة والمحبة السابقة وحسن الظن والتعاون المعنوي بين ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم، وفي سبيل البحث عن وسائل هذا التعاون.</p>
<p style="text-align: justify;">ونذكر أدناه أمارة واضحة على ذلك:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قام في هذه السنة في مكة المكرمة عالم كبير بترجمة أجزاء كبيرة من رسائل النور إلى اللغة الهندية وإلى اللغة العربية، وأرسل هذه التراجم إلى الهند وإلى الحجاز قائلًا:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن رسائل النور تحاول تحقيق وحدتنا وأُخوَّتنا الإسلامية التي هي أقوى سند نستند إليها، وهي بذلك ترينا أن الأمة التركية هي دائمًا في المقدمة من ناحية الدين والإيمان&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كما كنت أتوقع أن تثار أسئلة في مسائل كبيرة كالجبال الشوامخ أمثال: ما درجة خدمة رسائل النور وطلابها ضد الشيوعية التي تحولت إلى حركة فوضوية في وطننا؟ وكيف يمكن صيانة هذا الوطن المبارك وحفظه من هذا السيل الجارف المخيف؟</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أنتظر وأتوقع هذا، فإذا بي أُفاجأ بمسائل تافهة لا تزن جناح ذبابة، ولا تتجاوز مسائل جزئية لا تستلزم مسؤولية، نابعة من أحقاد شخصية وافتراءات مقصودة تجعل من الحبة قبة.. وهكذا قاسيت من هذه الشروط والظروف القاسية آلامًا لم أتجرعها حتى الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد وُجهت إلينا الأسئلة نفسها حول المسائل التي وجهت إلينا في ثلاث محاكم سابقة، والتي برأتنا منها هذه المحاكم، مع إضافة مسألة أو مسألتين شخصيتين تافهتين وأسئلة لا معنى لها.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[5]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الخامسة</strong>: لا يمكن الوقوف أمام رسائل النور ومبارزتُها، لأنها لا تُغلب؛ فهي قد أسكتت منذ عشرين سنة أكثرَ الفلاسفة عنادًا، وتعلن حقائق الإيمان كالشمس في رابعة النهار؛ لذا فعلى الذين يحكمون هذا البلد الاستفادة من قوتها.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[6]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادسة</strong>: إن التهوين من شأني بأخطائي الشخصية التي لا أهمية لها وإسقاطي في نظر عامة الناس بإنزال الإهانات بي، لا يضرّ رسائل النور، بل يمدّها -من جهة- إذ لو سكت لساني الفاني فإن ألسنة مئات الآلاف من نسخ رسائل النور لن تكفّ عن النطق، ولن تسكت عن الكلام والتبليغ، كما أن الألوف من طلبتها الأوفياء الذين مُنحوا قوةَ النطق ووضوح الحجة سيديمون تلك الوظيفة النورية القدسية الكلية إن شاء اللّٰه إلى يوم القيامة، كما كان شأنهم إلى الآن.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[7]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>السابعة</strong>: كما ذكرنا في دفاعاتنا أمام المحاكم السابقة والتي سردنا فيها حججنا، فإن أعداءنا السريين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين خدعوا الحكومة واستغفلوها، واستغلوا الأوهام والمخاوف المتسلطة على بعض أركانها، ووجهوا جهاز العدالة ضدنا، إما أنهم من المخدوعين بشكل سيء جدًّا، أو من المنخدعين، أو هم يعملون لصالح الفوضويين من الذين يحاولون قلب نظام الحكم بشكل غادر، أو هم من أعداء الإسلام ومن المرتدين الذين يحاربون الحقيقة القرآنية ومن الملاحدة الزنادقة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء لم يترددوا أبدًا عندما حاربونا من إطلاق صفة النظام على الردة التامة، ومن إطلاق صفة &#8220;المدنية&#8221; على السفاهة والتسيب الأخلاقي الرهيب، ومن إطلاق صفة &#8220;القانون&#8221; على نظام الكفر القهري المنفلت والمرتبط بالأهواء.. وهكذا استطاعوا أن يضيقوا علينا تضييقًا شديدًا، واستغفلوا الحكومة وخدعوها ووجهوا جهاز العدالة للانشغال بنا دون أي داعٍ، لذا فإننا نحيل هؤلاء إلى قهر القهار ذي الجلال ونلتجئ إلى حصنِ ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾، ليحفظنا من شرور هؤلاء.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[8]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثامنة</strong>: قامت روسيا في السنة الماضية بإرسال العديد من الحجاج إلى حج بيت اللّٰه الحرام من أجل الدعاية وإظهار الروس بمظهرِ من يحترمون القرآن أكثر من الأمم الأخرى، ولتأليب العالم الإسلامي من الناحية الدينية ضد هذه الأمة المتدينة في هذا الوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه نظرًا للانتشار الجزئي لأجزاء كبيرة من رسائل النور في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي دمشق وحلب وفي مصر، وحيازتها على تقدير العلماء، وقيامها بكسر الدعاية الشيوعية، فإنها أظهرت للعالم الإسلامي بأن الأمة التركية وإخوتهم لا يزالون متمسكين بدينهم وبقرآنهم، وأنها بمثابة الأخ الكبير للعالم الإسلامي، وبمثابة قائد مقدام في سبيل خدمة القرآن.. أي إن رسائل النور بينت هذه الحقيقة في تلك المراكز والمدن الإسلامية وأظهرتها.</p>
<p style="text-align: justify;">فإذا كانت الخدمات الجليلة لرسائل النور تقابَل بهذه الأنواع من التضييق والآلام، ألا ترون من الممكن أن تحتد الكرة الأرضية وتغضب؟!</p>
<h4 style="text-align: justify;">[9]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>التاسعة</strong>: أُورِدُ هنا تلخيصًا لإثبات مسألة معينة أوردتُها في مرافعتي أمام محكمة &#8220;دنيزلي&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">ولو فرضنا أن قائدًا رهيبًا وعبقريًّا استطاع بذكائه أن ينسب لنفسه جميع حسنات الجيش، وأن ينسب سيئاته وسلبياته الشخصية للجيش، فإنه يكون بذلك قد قلل عدد الحسنات التي هي بعدد أفراد الجيش إلى حسنة شخص واحد، وعندما نسَب سيئاته وأخطاءه إلى الجيش يكون قد كثّر هذه السيئات بعدد أفراد الجيش، وهذا ظلم مخيف ومجانب للحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فقد قلت للمدعي العام في إحدى محاكماتي السابقة عندما هاجمني لكوني وجهت صفعة تأديب لذلك الشخص عندما قمت قبل أربعين سنة بشرح حديث نبوي، قلت للمدعى العام: حقًا إنني أقلل من شأنه بإيراد أخبار من الأحاديث النبوية، إلّا أنني أقوم في الوقت نفسه بصيانة شرف الجيش وحفظه من الأخطاء الكبيرة، وأما أنت فتقوم بتلويث شرف الجيش الذي يعد حامل لواء القرآن، وقائدًا مقدامًا للعالم الإسلامي، وتلغي حسناته لأجل صديق واحد لك. فخضع ذلك المدعى العام للإنصاف، بإذن اللّٰه، ونجا من الخطأ.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[10]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>العاشرة</strong>: لما كان من المفروض أن يقوم جهاز العدالة بحفظ حقيقة العدالة وحفظ حقوق جميع المراجعين له دون أي تمييز، والعملِ في سبيل الحق وباسمه وحده، فإننا نرى أن الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه في أيام خلافته يَمْثُل أمام المحكمة مع يهودي ليتحاكما<sup class="modern-footnotes-footnote ">12</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد شاهد أحد مسؤولي العدل أن أحد الموظفين احتد وغضب على سارق ظالم وهو يقطع يده، فأصدر أمره بعزل ذلك الموظف في الحال، وقال آسفًا: &#8220;من خلط مشاعره الذاتية بإجراء العدالة فقد اقترف ظلمًا كبيرا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن الموظف عندما يقوم بتنفيذ حكم القانون إن لم يشفق على المحكوم فليس له أن يحتدّ عليه، فإن فعَلَ ذلك كان ظالمًا.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن أحد الحاكمين العادلين قال: &#8220;إن الشخص الذي يقوم بتنفيذ قصاص القتل إن احتد وغضب أثناء ذلك التنفيذ يُعَدُّ قاتلًا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فما دامت الحقيقة الخالصة والبعيدة عن الأغراض هي التي لا بد أن تسود في المحكمة، فإن من الغريب أن يتعرض طلاب النور -البريئون والمحتاجون إلى من يُسَرِّي عنهم وإلى تجلي العدالة في حقهم- إلى إهانات ومعاملات قاسية هنا، رغم صدور قرارٍ بتبرئتنا من ثلاث محاكم، ورغم وجود أمارات عديدة لاستعداد تسعين في المائة من هذه الأمة للشهادة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا يدل على أنه لا يمكن صدور أي ضرر من طلاب النور، بل على العكس من ذلك فإنهم يقدّمون فوائد جمة لهذه الأمة ولهذا الوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأننا قررنا أن نتحمل كلَ مصيبة وكلَ إهانة بكل صبر، فإننا نسكت ونحيل الأمر إلى اللّٰه تعالى، ونقول: &#8220;لعل في هذا الأمر خيرًا&#8221;، ولكنني خشيت أن تؤدي هذه المعاملات الموجَّهة إلى هؤلاء الأبرياء نتيجةً لتبليغات مُغرضة إلى قدوم البلايا، لذا اضطررتُ إلى كتابة هذا الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا كان هناك أي تقصير أو ذنب في هذه المسألة فإنه يعود إليّ. ولم يَمُد لي هؤلاء المساكين يدَ المساعدة إلّا بدافع من إيمانهم ومن أجل آخرتهم ضمن مرضاة اللّٰه تعالى، ومع أنهم كانوا يستحقون التقدير، فإن القيام بمثل هذه المعاملات القاسية تجاههم قد أغضب حتى الشتاء.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن الغريب أيضًا والمحيِّر أنهم ساقوا أوهام تشكيل جمعية مرة أخرى، مع أن ثلاث محاكم دَققت هذه الناحيةَ وأصدرت قرارَها بالبراءة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه لا يوجد فيما بيننا أيّ أمر يستدعي اتهامنا بتشكيل أية جمعية، ولم تجد المحاكمُ ولا رجال الأمن ولا أهل الاختصاص أيةَ أمارة حول ذلك، إذ لا توجد بيننا سوى رابطة الأخوة الأخروية مثلما يوجد ما بين المعلم وتلاميذه، وما بين أستاذ جامعي وبين طلابه، وما بين حافظ القرآن وتلاميذه الذين يسعون لحفظ القرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذين يتهمون طلاب النور بتشكيل جمعية عليهم أن ينظروا بنفس المنظار إلى جميع أهل المهن وإلى جميع الطلاب وإلى جميع الوعاظ أيضًا، لذا فلا أجد لزامًا عليَّ أن أدافع عن هؤلاء الذين جيءَ بهم إلى السجن هنا نتيجة اتهامات تافهة لا أساس لها أبدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما قمتُ بالدفاع ثلاث مرات عن رسائل النور التي يهتم بها هذا البلد والعالم الإسلامي، والتي صدرت منها فوائد مادية ومعنوية كبيرة لهذه الأمة، فسأقوم بالدفاع عنها مرة أخرى منطلِقًا من الحقيقة نفسها، وليس هناك أي سبب يمنع دفاعي هذا ولا يوجد أي قانون أو أية سياسة تستطيع أن تَحُول بيني وتمنعني عن هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، نحن جمعية.. جمعية لها منتسبون يبلغ عددهم في كل عصر ثلاثمائة وخمسين مليونًا، وفي كل يوم يُظهِر كل منتسب حرمته وتوقيره الكامل لمبادئ هذه الجمعية المقدسة بأدائه الصلاة خمس مرات، ويُظهر استعداده لخدمة هذه المبادئ، ويهبّون لمساعدة بعضهم بعضًا بأدعيتهم وبمكاسبهم المعنوية حسب دستورهم المقدس: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ها نحن أولاء أفراد هذه الجمعية العظيمة المقدسة، وظيفتنا الخاصة إيصال حقائق القرآن الإيمانية بشكلها اليقيني إلى أهل الإيمان، وإنقاذُهم وإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي ومن السجن البرزخي الانفرادي، ولكن لا توجد لنا أية علاقة بالجمعيات الدنيوية والسياسية المتّسمة بالألاعيب وبالأساليب الملتوية، ولا توجد لنا أية علاقة بلعبة الجمعيات أو بأية جمعية سرية مع أن هذه هي التهمة الموجهة إلينا على الدوام ونحن أصلًا لا نتدنى أبدًا إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد أن قامت أربعُ محاكم بتدقيق هذا الأمر وتمحيصه جيدًا قررت إصدار قراراتها بالبراءة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مرفق دفاع: كفى ظلمًا]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>تتمة ومرفق للدفاع المقدَّم إلى ستة مراجع في &#8220;أنقرة&#8221;</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإلى محكمة &#8220;أفيون&#8221; للجنايات الكبرى</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أقول وأصرح لمحكمة &#8220;أفيون&#8221; بأن <strong>تحمّلي وصبري قد نَفِدا</strong>، وأنه يجب وضع حدّ لهذا الأمر، <strong>فنحن منفيون منذ اثنتين وعشرين سنة دون أي سبب</strong>، وتحت الترصد الدائم، وكأن حبسي المنفرد وعزلي المطلق عن العالم لا يكفي، فقد قدموني للمحاكم ست مرات، وأدخلوني السجن ثلاث مرات، دون أي مبرر قانوني (سوى مسألتين أو ثلاث)، بل جراء أوهام وتوقع احتمالات، لأنهم لم يجدوا في مائة رسالة من رسائل النور أيَّ مأخذ قانونيٍّ ضدنا، وعاقبوا طلاب النور بغرامات مالية بلغت مئات الآلاف من الليرات، وهذا ظلم وغدر لا مثيل له، وستَلْعن الأجيالُ القادمة بكل شدة مسببي هذا الظلم والقائمين به، أما <strong>يوم المحكمة الكبرى</strong> فإننا نؤمن الإيمانَ كله بأن هؤلاء الظالمين سيُرمَون إلى جهنم وفي أسفل سافلين، وهذا ما جَعَلَنا نجد بعض التسرية، وإلّا فإنه كان في مقدورنا أن ندافع بكل قوة عن حقوقنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا ففي خمس عشرة سنة دخلنا ست محاكم، وتم تدقيق رسائل النور ومكاتيبنا مدة عشرين سنة، وكانت النتيجة أننا بُرِّئنا من قِبَل خمس محاكم تبرئة كاملة، أما محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; فلم تَجد ما يُوجِب الإدانة إلّا بضعَ جُملٍ في رسالة صغيرة هي &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/07/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/">رسالة الحجاب</a></strong>&#8221; واتخذتْها عذرًا، واستندت إلى مادة قانونية مطاطة، وأصدرت حكمًا بعقوبة بسيطة ضدنا، ولكننا كتبنا في &#8220;اللائحة التصحيحية&#8221; التي قدمناها رسميًّا إلى &#8220;أنقرة&#8221; بعد محكمة التمييز، وأشرنا إلى أمر واحد فقط كأنموذج على عدم قانونية الحكم، وقلنا:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن آية الحجاب التي توضِّح عادةً من العادات الإسلامية القوية الواردة في الدستور المقدس لدى ثلاثمائة وخمسين مليونًا منذ ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا.. هذه الآية الكريمة تعرّضت لاعتراض أحد الزنادقة، ولانتقاد المدنية؛ لذا قمت بتفسيرها والدفاع عنها متَّبِعًا إجماعَ ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير، مقتديًا في ذلك نهج أجدادنا طوال ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا؛ فإذا كانت هناك عدالة في الدنيا فيجب إصدار حكم بنقض العقوبة الصادرة والحكم الصادر بحق رجل قام بمثل هذا التفسير، لكي تُمسح هذه اللطخة العجيبة عن جبين جهاز العدالة في هذه الحكومة الإسلامية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما قَدَّمتُ هذه اللائحة التصحيحية التي كتبتُها إلى المدعي العام هناك أُصيب بالذعر وقال:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;أرجوك.. لا ضرورة لكل هذا، فعقوبتك خفيفة، والفترة الباقية قليلة جدًّا، فلا حاجة لتقديم هذه اللائحة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا شك أنكم على علمٍ بأنني أدرجتُ نماذج أخرى عجيبةً من الاتهامات ضمن الاعتراضات والدفاعات التي أرسلتُها إليكم وإلى المراجع الرسمية في &#8220;أنقرة&#8221; على غرار هذا الأنموذج، لذا فإني أطلب من محكمة &#8220;أفيون&#8221; وآمل منها باسم العدالة <strong>إعطاءَ الحرية الكاملة لرسائل النور التي لها بركةٌ وخدمةٌ تُعادِل خدمة جيشٍ بأكمله</strong> في سبيل مصلحة هذه الأمة وهذا الوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">وبذهاب أصدقائي الذين دخلوا السجن بسببي، فقد خطر على قلبي فكر يسوقني لاقتراف ذنب يستحق أكبر عقوبة لكي أودع هذه الحياة، وهو ما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;">بينما كان من المفروض أن تقوم الحكومة بحمايتي وبمد يد العون والمساعدة لي، لوجود مصلحة كبيرة للأمة أو منفعة كبيرة للوطن في هذا الأمر، فإن قيامها بالتضييق عليَّ يشير إلى أن عصابة الإلحاد الخفيةَ التي تحاربني منذ أربعين سنة، والبعضَ من أفراد عصابة الشيوعيين التي التحقتْ بها الآن، استطاعوا احتلالَ أماكن مهمة في المراكز الرسمية، وهؤلاء هم الذين يقودون الحملة ضدي.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الحكومة فهي إما تجهل هذا الأمر أو أنها تسمح بذلك عن علم، وهناك أمارات عديدة مقلقة حول هذا الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">السيد رئيس المحكمة..</p>
<p style="text-align: justify;">لو سمحتم فإنني أود أن أطرح سؤالًا يحيرني كثيرًا: لماذا يقوم أهل السياسة بتجريدي من جميع حقوقي المدنية، ومن حقوقي في الحرية، بل ربما من حقوقي في الحياة، مع أنني لم أشترك في السياسة ولم أدخل معتركها؟!</p>
<p style="text-align: justify;">لقد عاملوني وكأنني سفّاح خضب يديه بدماء مئات الضحايا، فوضعوني في حبسٍ منفردٍ ومنعزلٍ ثلاثة أشهر ونصف، وحاولوا أثناءها التعرض لحياتي، وأقدموا على تسميمي إحدى عشرة مرة.. وعندما أراد أصدقائي الحريصون وتلاميذي الصادقون حمايتي من شر هؤلاء منعوا اتصالهم بي، بل إنهم حرموني حتى من مطالعة كتبي المباركة والخالية من أي ضرر، والتي أجد الأُنس معها في وحدتي وشيخوختي ومرضي وغربتي.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد رجوت المدعي العام أن يعطيني كتابًا واحدًا من كتبي، ومع أنه وعدَ بذلك إلّا أنه لم يفعل، فاضطررت إلى البقاء وحيدًا في قاعة كبيرة ومقفَلة وباردة دون أي شاغل أشغل به نفسي، وأوعزوا إلى الموظفين وإلى الخدم والحراس التعاملَ معي بعداوة وبخشونة بدلًا من المعاملة الحسنة التي قد أجد فيها بعض السلوان وبعض التسرية؛ وهاكم أنموذجًا صغيرًا من معاملتهم هذه:</p>
<p style="text-align: justify;">كتبتُ عريضة إلى المدير وإلى المدعي العام وإلى رئيس المحكمة، وأرسلتها إلى أحد إخواني لكي يكتبها بالحروف الجديدة التي أَجهَلها، وفعلًا تمت الكتابة وقُدّمت العريضة لهم. لقد عدُّوا هذا جُرمًا كبيرًا صادرًا مني، فقاموا بتغطيةِ وسدِّ جميع نوافذ غرفتي وسمّروها، ومع أن الدخان كان يؤذيني، فإنهم لم يتركوا نافذة واحدة دون تغطيتها وسدِّها.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن أنظمة السجن تقضي بأن لَا تتجاوز مدةُ الحبس الانفرادي خمسة عشر يومًا، فإنهم حبسوني حبسًا انفراديًّا مدة ثلاثة أشهر ونصف، ولم يسمحوا لأي صديق بالاتصال بيَّ.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنهم أرَوني لائحة اتهام بأربعين صفحة كتبوها وهيؤوها في ثلاثة أشهر، ولأنني لا أعرف الحروف الجديدة، ولكوني مريضًا، وذا خط رديء، فقد رجوتهم أن يبعثوا إليّ مَن يقرأ هذه اللائحة مع طالبَين من طلابي -من الذين يفهمون لغتي لكي يقوما بكتابة اعتراضي ودفاعي- فلم يأذنوا بذلك ولم يقبلوه، وقالوا: &#8220;ليأتِ المحامي لكي يقرأه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم لم يسمحوا حتى بذلك، بل قالوا لأحد الإخوان &#8220;اكتب اللائحة بالحروف القديمة وأعطها له&#8221;. ولكن كتابة تلك اللائحة لا يمكن أن تتم إلّا في ستة أو سبعة أيام! وهكذا فبدلًا من قراءةٍ تستغرق ساعة واحدة، فقد مددوا هذا العمل إلى ستة أو إلى سبعة أيام، وذلك لكي يمنعوا أيّ اتصال معي، وهذا عمل استبدادي مذهل يلغي كل حقوقي في الدفاع؛ ولا يتعرض سفاح ارتكب مائة جريمة وحُكم عليه بالإعدام إلى مثل هذه المعاملة في أية بقعة من بقاع الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">والحقيقة أنني في ألم شديد، لأنني لا أعرف أي سبب لمثل هذا التعذيب.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قيل لي بأن رئيس المحكمة شخص عادل ورحيم، لذا فقد قمتُ بتقديم هذه الشكوى إلى مقامكم كتجربة أولى وأخيرة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أربعة أسس في لائحة الاتهام]</h3>
<p>توجد أربعة أسس في لائحة الاتهام:‌</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 1]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الأول:</strong> وهو الادعاء بأنني شخص أفخر بنفسي وأُمَجِّدها.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد رددتُ هذا الادعاء بكل ما أملك من قوة، وكانت اللجنة المختصة في محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; قد ذكرتْ أنه &#8220;لو ادَّعى سعيد أنه المهدي المنتظر لقَبل كلُّ طلابه ذلك&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 2]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثاني:</strong> قيامه بإخفاء مؤلفاته.</p>
<p style="text-align: justify;">يجب أن لا تُعطى معاني خاطئة من قبل الأعداء المتسترين، لأن الإخفاء لم يكن بقصدٍ سياسي أو بأي قصد يضر بأمن البلاد، ولا يُعَدُّ وجود جهاز طبع بالحروف القديمة عذرًا لهم للهجوم علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما قضية الصفعة الموجهة من رسائل النور إلى مصطفى كمال<sup class="modern-footnotes-footnote ">13</sup> فقد عرفتْ بها ست محاكم، وكذلك المراجع الرسمية في &#8220;أنقرة&#8221;، فلم يعترضوا عليها، وأصدروا قرارهم بتبـرئتنا، وأعادوا لنا جميع كتبنا ومن ضمنها &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن قيامي بإظهار سيئاته ليس إلّا من أجل صيانة كرامة الجيش، أي إن عدم محبة شخصٍ فردٍ ليس إلّا من أجل كَيل الثناء إلى الجيش بكل حب.</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 3]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثالث:</strong> على الرغم من وجود مائة ألفِ طالبٍ من طلاب النور، وإحالة مائة ألف نسخةٍ من رسائل النور إلى ست محاكم في ظرف عشرين سنة، فلم تُسجَّل لدى موظَّفي أمنِ عشرِ ولاياتٍ أيُّ شيء يُخِلُّ بالأمن أو يقلق هدوء البلد؛ وإن عدم وجود أية مادة تشير إلى هذا الإخلال لا في هذه المحاكم الست ولا عند موظفي هذه الولايات العشر لَهُوَ أكبر دليلٍ وأفضل ردٍّ على التهمة العجيبة القائلة بأننا نُحرِّض على الإخلال بالأمن.</p>
<p style="text-align: justify;">أما بخصوص لائحة الاتهام الجديدة هذه فمن العبث القيام بالرد عليها، لأنه ليس إلّا تكرارًا لتُهم سابقة سبق وأن تمت الإجابة عليها عدة مرات، وسبق لثلاث محاكم إصدارُ قراراتها بتبرئتنا منها، وهي مسائل لا أهمية لها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان اتهامنا في هذه المسائل يُعد في الحقيقة اتهامًا لمحكمة الجنايات الكبرى في &#8220;أنقرة&#8221; ولمحكمة &#8220;دنيزلي&#8221; ولمحكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; (لأن هذه المحاكم برّأتنا في هذه المسائل)، لذا فإنني أدَع الإجابة عنها لهذه المحاكم.</p>
<p style="text-align: justify;">زد على هذا فهناك مسألتان أو ثلاث مسائل أخرى:‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الأولى</strong> مع أنهم أصدروا قرارًا ببراءتنا وبإعادة ذلك الكتاب إلينا بعد تدقيق وتمحيص تامَّين دام سنتين في محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;محكمة الجنايات الكبرى في أنقرة&#8221;، فإنهم يُلَوِّحون بمسألة أو مسألتين واردتَين في رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; بخصوصِ قائدٍ مات وانتهى أمره كمادة اتهام ضدنا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن فنقول: إن توجيه نقدٍ صائبٍ كليٍّ بحق شخصٍ مات وانتهى أمره وانقطعت صلته بالحكومة لا يُعدّ في نظر القانون ذنبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم قام مقامُ الادعاء باستخراج تأويل متحذلق من معنى عام وكلي، وطبّق هذا في حق ذلك القائد، علمًا بأنه ما من قانون يَعُدّ وجودَ معنى في رسالة خاصة وسرية يدِقّ على أفهام العامة ولا يدركها سوى واحد في المائة.. ما من قانون يعد ذلك ذنبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن تلك <strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الرسالة</a></strong> شرحت تأويلَ الأحاديث المتشابهة بشكل رائع، وعندما نكون بصدد بيان المعنى الحقيقي لحديث وانطبق هذا المعنى بحق شخص مقصّر فما من قانونٍ يَعُدُّ هذا ذنبًا، خاصة وأن هذا البيان موجود منذ حوالي أربعين عامًا، وتم تقديمه لثلاث محاكم ولمحكمتكم، وقُدّم مرتين خلال ثلاث سنوات إلى ستة مراجع رسمية في &#8220;أنقرة&#8221;، ولم يتم الاعتراضُ على دفاعي وعلى اعتراضاتي التي قَدمتُ فيها إجاباتٍ قطعية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن نقدَ ذلك الشخص الذي كان ضمن انقلابٍ أدَّى إلى مساوئ عديدة، لا ترجع إليه وحده حسنات ذلك الانقلاب، بل ترجع إلى الجيش وإلى الحكومة، أما هو فقد تكون له حصة واحدة منها؛ فكما أن قيامنا بنقده من زاويةِ سيئاته لا يُعد ذنبًا، لا يجوز القول: إن ذلك يعني الهجومَ على حركة الانقلاب. ويا ترى أيُّ ذنب وأيّ جريرة في أن تَنتقِد أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوّل جامعَ &#8220;آيا صوفيا&#8221; الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرّةُ الساطعة لخدماتها وجهادِها في سبيل القرآن، وهديةٌ تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان، وجعل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات؟!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثانية</strong> حول موجِبات الاتهام في لائحة الادعاء العام:</p>
<p style="text-align: justify;">بعدما كسبنا البراءة في ثلاث محاكم، فإن بيانًا رائعًا لتأويل حديث شريف (في <strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>) قبل أربعين سنة أنقذ الأمة، حيث إن شيخ الإسلام -للجن والإنس- &#8220;علي أفندي الزنبللي&#8221; قد قال: &#8220;ليس هناك أي جواز في لبس القبعة، حتى لو لبست مزاحا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كما لم يجوّز لبسَها شيوخُ الإسلام وعلماؤه، مما جعل عوام أهل الإيمان أمام خطر حين اضطروا إلى لبسها<sup class="modern-footnotes-footnote ">14</sup> إذ أصبحوا أمام خيارين: إما أن يتركوا دينهم، أو يقوموا بحركة عصيان.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إحدى فقرات رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; ذَكرتْ أنه: &#8220;ستعلو القبعةُ الرؤوس، وستقول: لا تسجدْ، ولكن الإيمان الموجود في ذلك الرأس سيُجبر تلك القبعة أيضًا على السجود ويجعلها إن شاء اللّٰه مسلمة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنقذتْ عوام أهل الإيمان من التمرد والعصيان، كما أنقذتهم من التخلي عن دينهم باختيارهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فضلًا عن أنه ليس هناك قانون يطالب الأشخاص المنـزوين بمثل هذه الأشياء، وأن ست حكومات في ظرف عشرين سنة لم تجبرني على لبس القبعة، كما أن النساء والأطفال وأئمة المساجد والموظفين في دوائرهم ومعظم القرويين غير مجبرين على لبسها، وفي الآونة الأخيرة رُفعت عن رؤوس الجنود.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن لبس الطاقية وأغطيةِ الرأس غير ممنوع في كثير من الولايات، ورغم كل هذا فقد أصبح هذا<sup class="modern-footnotes-footnote ">15</sup> عنصرَ اتهام ضدي وضد إخواني؛ فهل يوجد في العالم كله قانون أو مصلحة أو أصل يَعد مثل هذا الاتهام (الخالي من أي معنى) ذنبًا؟!</p>
<h4 style="text-align: center;">[أساس 3]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثالث</strong> المتخذ مدارًا للاتهام: وهو زعم التحريض للإخلال بالأمن في &#8220;أميرداغ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول ردًا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نشير إلى الاعتراض الذي قدمْتُه إلى هذه المحكمة وإلى ست مراجع رسمية في &#8220;أنقرة&#8221; بعلم هذه المحكمة وإذنها، وهو اعتراضٌ لم يُرَدّ عليه، لذا فإنني أقدم الاعتراض نفسه كجواب للائحة الاتهام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: يشهد كل من تكلم معي في &#8220;أميرداغ&#8221; ويشهد الأهالي وموظفو الأمن بأنني بعد صدور القرار ببراءتي ابتعدتُ بكل قوتي -وأنا قابع في انـزوائي- عن المشاركة في أية سياسة دنيوية، حتى إنني تركت التأليف والتراسل، فلم أكتب إلّا فقرتين صغيرتين حول الملائكة وحول حكمة التكرار في القرآن، ولم أكن أكتب سوى مكتوب واحد فقط في الأسبوع أحث فيه على قراءة رسائل النور، حتى إنني لم أبعث لأخي المفتي<sup class="modern-footnotes-footnote ">16</sup> -الذي كان من طلابي طوال عشرين عامًا- سوى ثلاث أو أربع رسائل في ظرف ثلاث سنوات، وكان يبعث إليّ ببطاقات تهنئة العيد على الدوام، وكان يَقلق عليَّ قلقًا كبيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أخي الآخر الساكن في بلدتي فلم أبعث له طوال عشرين عامًا أية رسالة أبدًا، ومع ذلك نرى أن لائحة الاتهام تقوم بحذلقة لا مثيل لها بتكرار الأسطوانة القديمة واتهامي بالإخلال بالأمن، وبالوقوف ضد الحركة الانقلابية.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول ردًَّا على هذا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما يزيد عن عشرين ألف نسخة من رسائل النور، طوال عشرين عامًا، طالعها عشرون ألفًا، بل مائة ألف من الناس بكل شوق وبكل قبول، ومع ذلك لم تجد ستُّ محاكم ولم يجد رجالُ الأمن في عشر ولايات معنيةٍ أيَّ شيء ضدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا يبين بأنه لو كان هناك احتمال واحد فقط من ألوف الاحتمالات ضدنا فإنهم يأخذون به، ويتخذون هذا الاحتمال وكأنه أمر واقع لا محالة، مع أنه لو كان هناك احتمال واحد ضمن احتمالين أو ثلاثة، ولم يَظهر أي أثر له فلا يُعَدُّ ذلك الاحتمال ذنبًا. حتى إن واحدًا بالألف من الاحتمال غير وارد، وهناك احتمالٌ واردٌ لكل شخص -ومنهم المدعي العام- وهو احتمالُ قيامه بقتلِ أشخاص عديدين، أو القيام بالإخلال بالأمن خدمةً للشيوعيين وللفوضويين.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن النظر إلى مثل هذه المبالغة في الاحتمالات وكأنها أصبحت حقيقة وواقعة، واستعمالَها على هذا الأساس خيانة للعدالة وللقانون.</p>
<h5 style="text-align: center;">[وجود معارضةٍ لكل حكومة أمرٌ طبيعي]</h5>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثم إن من الطبيعي وجود معارضة لكل حكومة</strong>، وإن <strong>المعارضة الفكرية لا تعدُّ جناية</strong>؛ فالحكومةُ تأخذ بالظاهر ولا تحاسِب على ما في القلوب. ونحن نخشى أن يكون الأشخاص الذين يوجِّهون مثل هذه التهم الباطلة في حق شخص لم يصدر منه أي ضرر ضد الوطن وضد الأمة، بل كانت له فوائد وخدمات كثيرة، ولم يتدخل في شؤون الحياة الاجتماعية، بل وأجبروه على العيش في عزلة تامة، والذي قوبلت مؤلفاتُه بكل تقدير في أهم المراكز الإسلامية<sup class="modern-footnotes-footnote ">17</sup>.. نخشى أن يكون هؤلاء الأشخاص أداة في خدمة الشيوعية وفي خدمة الفوضوية دون أن يشعروا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[فرية ادعاء المهدوية]</h5>
<p style="text-align: justify;">هناك أماراتٌ أعلمُ منها أن أعداءنا الخفيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْمَ وجود فكرة المهدية -من الناحية السياسية- فيها ويدّعون أن رسائل النور وسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى أن يعثروا على سند لهم لهذه الأوهام الباطلة؛ ولعل العذاب الذي أتعرض له نابعٌ من هذه الأوهام.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;حاشا ثم حاشا.. إنني لم أقم بمثل هذا الادعاء، ولم أتجاوز حدي ولم أجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية أو أداة لنيل الشهرة والمجد، وإن السنوات الثلاثين الأخيرة خاصة، من عمري البالغ خمسة وسبعين عامًا تشهد، وتَشهد رسائلُ النور البالغةُ مائة وثلاثين رسالة، ويَشهد الآلاف من الأشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[لا نطلب مقامًا حتى ولو كان معنويًّا أو أخرويًّا]</h5>
<p style="text-align: justify;">أجل، إن طلاب النور يعرفون هذا، كما أنني سردت الحجج التي أَظهرتْ في المحاكم أنني <strong>لم أسْعَ من أجل مقام أو مرتبة لشخصي أو من أجل الحصول على مرتبة أو مقام أو شهرة معنوية أو أخروية</strong>، بل سعيت بكل ما أملك من قوة لتوفير خدمة إيمانية لأهل الإيمان، وربما كنت مستعدًا لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها، بل -إن لزم الأمر- بالتضحية حتى بالمراتب الأخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع أن الجميع يسعون للحصول على هذه المراتب، ويعلم أصدقائي المقربون بأنني -إن لزم الأمر- أقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من أجل أن أكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان<sup class="modern-footnotes-footnote ">18</sup>، وقد ذكرتُ هذا وبرهنتُ عليه في المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الاتهام إسنادَ عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.</p>
<p style="text-align: justify;">أيتوهم هؤلاء التعساء أن الدنيا باقية وأبدية؟ أم يتوهمون أن الجميع مثلهم يستغلون الدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ إن هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخصٍ تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد للتضحية بحياته الأخروية إن لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وأنه غير مستعد لأن يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة إيمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى الهجوم على شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءٌ أكانت من قريب أو بعيد، وذلك بسر الإخلاص، وتحمَّلَ عذابًا لا مثيل له طوال عشرين عامًا، ومع ذلك لم يتنـزل -حسب المسلك الإيماني- إلى السياسة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه يَعد شخصَه من جهة النفس- أقل مرتبةً من كثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دومًا دعاءهم واستغفارهم له، ومع أنه يَعُد نفسه ضعيفًا وغير ذي أهمية، إلا أن بعض إخوانه الخلص أسندوا إليه في رسائلهم الخاصة بعضًا من فضائل النور، وذلك لكونه ترجمانًا للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من رسائل النور، ولم يخطر ببالهم في ذلك أيّ معنى سياسي، بل على مجرى العادة، ذلك لأن الإنسان قد يخاطب شخصًا عاديًّا ويقول له: &#8220;أنت وليّ نعمتي&#8230; أنت سلطاني&#8221;. أي يعطون له -من زاوية حسن الظن- رتبًا عالية لا يستحقها، وهي أكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته.</p>
<h5 style="text-align: center;">[لا نردُّ المديح وإنما نحيله إلى رسائل النور]</h5>
<p style="text-align: justify;">وكما هو معلوم فإن هناك عادة قديمة جارية مقبولة -لم يعترض عليها أحد- فيما بين الطلاب وبين أساتذتهم، وهي قيام الطلاب بمدحٍ مبالَغ فيه لأساتذتهم قيامًا منهم بحق الشكر، ووجودُ بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة.. فهل يعد هذا ذنبًا بأي وجه من الوجوه؟</p>
<p style="text-align: justify;">صحيح أن المبالغة تُعد في جانب منها مخالفة للحقيقة، ولكن شخصًا مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه&#8230; أفيَستكثر عليّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف أَنْ أَشُدَّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وأَنْ أُنقذهم من الابتعاد والهرب وأَحُول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وأن أُحَوّل هذا المديح إلى رسائل النور ولا أردّهم ردًا كاملًا وقاطعًا؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق أو عن القانون وعن الإنصاف عندما يحاولون أن ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتيًّا وهو على أبواب القبر، وكأن هذه الخدمة مسخرة لغرض من أعراض الدنيا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن آخر ما نقول: لكل مصيبة ﴿إنا للّٰه وإنا اليه راجعون﴾</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ملحق في 4 نقاط]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>ملحق</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة 1: حول تفسير آيات الميراث]</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد ورد في ختام قرار التحقيقات الأخيرة التي أُجريَتْ من قِبَل محكمة التحقيقات ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لقد قرر مجلس الوزراء قبل أربعة أشهر منعَ نشر رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/27/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a925-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/#aldya_althany_khfwt_alflsft_aza_hkmt_alqran">المعجزات القرآنية</a></strong>&#8220;، أي &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/27/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a925-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/#aldya_althany_khfwt_alflsft_aza_hkmt_alqran">الكلمة الخامسة والعشرين</a></strong>&#8220;، ومصادرةَ أعدادها من السوق نظرًا لورود شرح لثلاث آيات قرآنية، وهذا الشرح يعارض القانون المدني الحالي ويصادم المدنية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وجوابًا على هذا نقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/27/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a925-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/#aldya_althany_khfwt_alflsft_aza_hkmt_alqran">المعجزات القرآنية</a></strong>&#8221; موجودة الآن ضمن رسالة &#8220;ذو الفقار&#8221;، هذه الرسالة يقارب عدد صفحاتها أربعمائة صفحة، كنت قد نشرتُها ردًّا على انتقادات المدنية الغربية للقرآن الكريم ردًّا قاطعًا لا يمكن جرحه أو الاعتراض عليه، ويَشغل هذا صفحتين منها في معرضِ تفسيرٍ لثلاث آيات قرآنية، وموجودٌ بصورة متفرقة في ثلاث رسائل قديمة لي.</p>
<p style="text-align: justify;">الآية الأولى كانت آية الحجاب، والآية الثانية كانت حول الإرث وهي آيةُ: ﴿فلأمّه السدس﴾، أما الآية الثالثة فكانت أيضًا حول الإرث وهي آيةُ: ﴿فللذكر مثل حظّ الأنثيين﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني قمت بشرح حِكَمِ حقائقِ هذه الآيات في صفحتين اثنتين وقبل عشرين عامًا (بعضها قبل ثلاثين عامًا) شرحًا ألزم الفلاسفةَ، إلّا أنهم توهموا وكأنها كُتبت اليوم؛ وبدلًا من منع رسالة &#8220;ذو الفقار&#8221; البالغة أربعمائة صفحة، فقد كان في الإمكان إخراج هاتين الصفحتين فقط منها ثم إعادتها إلينا، وهذا حق قانوني لنا؛ إذ لو وُجدت كلمةٌ واحدة أو كلمتان ضارتان في خطاب ما، حُذفت هاتان الكلمتان وسُمِح بنشر ذلك الخطاب، وقياسًا على هذا فإننا نطالب بحقنا هذا من محكمتكم العادلة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعدم وجود إمكانية مجيء أحدهم عندي ليقرأ لي لائحةَ الاتهام البالغةَ أربعين صفحة والصادرة قبل شهر، فقد قرؤوا هذه اللائحة لي اليوم (المصادف لليوم الحادي عشر من حزيران).. قرؤوا اللائحة واستمعتُ أنا، فوجدت أن الدفاع الذي كتبتُه قبل شهرين، وكذلك تتمة هذا الدفاع وملحقه الذي كتبتُه قبل شهر والذي أرسلته إلى مقامكم وإلى ست مراجع في أنقرة: يردُّ لائحةَ الاتهام هذه ردًّا قاطعًا، لذا لا أجد أيّ مسوِّغ لكتابة دفاع جديد، ولكني أُحب تذكيرَ مقام الادعاء عندكم بنقطتين أو ثلاث، فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن السبب الذي حدا بي إلى عدم الإجابة على هذه اللائحة يعود إلى أنني لم أشأ أن أطعنَ في كرامةِ ثلاث محاكم عادلةٍ أَصدرت قراراتها ببراءتنا ولم أشأ أن أهينها، ذلك لأن تلك المحاكم حققت بشكلٍ دقيقٍ جميعَ الأسس الواردة في لائحة الاتهام هذه ثم أصدرت قراراتها بالبراءة. إن عدمَ احترام هذه القرارات وعدَّها وكأنها لا شيء يُعَدُّ تجاوزًا واعتداءً على شرف جهاز العدالة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة 2: حول آية الحجاب]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: لقد حاول مقام الادعاء بحذلقةٍ إعطاءَ معانٍ لم تخطر على بالنا لمسألتين أو ثلاث من بين آلاف المسائل لاتهامنا، بينما توجد هذه المسائل في أمهات رسائل النور، وحازت على رضى وقبولِ المحققين من علماء الأزهر في مصر وعلماء الشام وحلب وعلماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وخاصة على رضى وقبول العلماء المحققين لرئاسة الشؤون الدينية، لذا فقد دهشتُ واستغربتُ عندما رأيت المدعي العام يورد بعض الردود وبعض الاعتراضات العلمية في لائحة الاتهام وكأنه عالمٌ من علماء الدين وشيخٌ من شيوخه!</p>
<p style="text-align: justify;">ولنفرض جدلًا أن لي بعضَ الأخطاء، فلا يمكن أن تُعد ذنبًا يحاسِب عليه القانون، بل مجرد خطأ علمي، هذا مع العلم أن أي عالم من آلاف العلماء لم يرَ هذه الأخطاء التي يشير إليها المدعي العام ولم يعترض عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن ثلاث محاكم برّأتنا وبرأت رسائل النور كلَّها سوى خمسَ عشرة كلمة واردة في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/07/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/">اللمعة الرابعة والعشرين</a></strong>&#8221; حول (الحجاب)، حيث أصدرت محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; عقوبات خفيفة بحقي وبحق خمسة عشر بالمائة من أصدقائي؛ وكنت قد ذكرت في تتمة دفاعي التي قدمتها إليكم بأنه لو كانت هناك عدالة على سطح الأرض لما قَبِلتْ ذلك الحُكم ضدي بسبب تفسيري ذاك، الذي اتبعتُ فيه حُكم ثلاثمائةٍ وخمسين ألف تفسير.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد حاول المدعي العام بذكائه وبمعاذير شتى اختيارَ بعض الجمل لكتاب ولخطابات تعود إلى عشرين سنة مضت وتحويرَها ضدنا، بينما أصبحت خمس أو ست محاكم -وليست ثلاث محاكم فقط- من المحاكم التي برأتنا شريكةً لنا في هذا الذنب أو الجرم المزعوم.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أذَكّر مقام الادعاء العام بضرورة عدم التعرض إلى كرامة تلك المحاكم العادلة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة 3: حول انتقاد مؤسس الجمهورية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong>: إن نقدَ ومعارضةَ رئيس مات وانتهى أمره وانقطعت صلتُه بالحكومة، لكونه سببًا في بعض السلبيات في الانقلاب لا يُعدُّ ذنبًا أو جرمًا في نظر القانون.</p>
<p style="text-align: justify;">ولم يكن انتقادُنا له صريحًا، بل قام المدعي العام -بحذلقته- بتطبيق ما جاء في بياننا بشكل عام وكلي على ذلك الرئيس، فما كان سرًّا من المعاني التي لم نوضحها أظهره هذا المدعي العام على الجميع وفضحه وركّز عليه أنظارَ الناس جميعًا، فإن كان هناك ذنبٌ في هذه المعاني فمن المفروض أن يكون المدعي العام شريكًا فيه، ذلك لأنه جلب أنظار الجماهير لهذه المعاني وحرّضهم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نقطة 4: حول تهمة التنظيم والجمعية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الرابعة</strong>: على الرغم من قيام ثلاث محاكم بإصدار قراراتها بتبرئتنا بشكل قاطع من تهمة تشكيل جمعية، إلّا أن المدعي العام يحاول تكرار الأسطوانة القديمة حول الأوهام والمزاعم الخاصة بتشكيل جمعية سرية، ويُجهد نفسه في البحث عن أي معاذير غير حقيقية في هذا المجال.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أن هناك عدة جمعيات سياسية ضارة لهذه الأمة ولهذا الوطن، فإنه يؤذَن لها ويسمح لها بأداء نشاطها، بينما يتم إلصاق تهمة &#8220;استغلال الدين لتحريض الناس على الإخلال بالأمن&#8221; بنا، مع أن هناك آلافَ الشهود وآلاف الشواهد وقراراتِ ستِ ولايات بعدم التعرض لنا، تُثبت بأن الصداقة الموجودة بين طلاب النور -وهي صداقة دراسة- هي في صالح الأمة وفي صالح الدين، وهي في سبيل تأمين السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية، وأن هؤلاء الطلاب وقفوا وجاهدوا متساندين ضد جميع تيارات الإفساد سواء أكانت من الخارج أم من الداخل.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن إلصاقَ تهمةِ تشكيل جمعية سرية والإخلالِ بالأمن مع أنه لم يسجَّل في ظرف عشرين عامًا أيّ حادثةِ إخلال للأمن ضد أي طالب من طلاب النور الذين يتجاوز عددهم مئات الآلاف.. إن مثل هذه التهم لا يحتدّ لها النوعُ الإنساني وحده، بل يحق لهذه الأرض أيضًا أن تحتدّ وتردّ هذه التهمة.</p>
<p style="text-align: justify;">على أي حال، فإنني لا أجد مبررًا لإطالة الكلام، إذ إن دفاعي (الذي كتبتُه قبل لائحة الاتهام هذه) وتتمة دفاعي كافيتان للرد وللإجابة على المدعي العام.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في سجن أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[توضيح إلى محكمة أفيون]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أوضّح لمحكمة أفيون ولرئيس محكمة الجنايات الكبرى أنه:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قطعتُ علاقتي بالدنيا لأنني مفطور منذ البداية على عدم تحمل التحكم، وتبدو الحياة الآن أمام عيني ثقيلة جدًّا إلى درجة أنني أرى بأنني لا أستطيع العيش في مثل هذه الحياة المليئة بتحكمات لا معنى ولا ضرورة لها، إذ لا أستطيع تحمّل تحكمات ونوازع السيطرة لدى المئات من الأشخاص الرسميين خارج السجن، فقد مللتُ من مثل هذه الحياة، وأنا <strong>أطالبكم بكل ما أَملك من قوة أن تعاقبوني</strong>، وبما أنني لا أستطيع نيل الموت فإن من الضروري لي البقاءَ في السجن.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنتم تعلمون جيدًا أن الاتهامات الباطلة التي أَسْنَدها لي مقامُ الادعاء غيرُ موجودة وغيرُ واردة أصلًا، لذا فهي لا تكفي لإيقاع العقوبة بي، <strong>ولكن وجود تقصيرات كبيرة عندي تجاه الوظيفة الحقيقية هو الذي يسبب لي عقابًا معنويًّا</strong>، ولو كان الاستفسار مناسبًا فإنني مستعد للإجابة على استفساراتكم.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل إن <strong>ذنبي الوحيد</strong> المتأتي من تقصيراتي الكبيرة، والذي لا يُغتفر من حيث الحقيقة، هو أنني -بسبب عدم التفاتي إلى الدنيا- لم أعمل ما أنا مكلف به من إيفاء وظيفةٍ جليلةِ الشأن في سبيل الوطن والأمة وفي سبيل الدين، وأن عدم علمي ذلك لا يشكل عذرًا بالنسبة إليّ، وقد توصلت الآن إلى هذه القناعة في سجن &#8220;أفيون&#8221; هذا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا نتبرؤ من علاقاتنا]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن الذين يتهمون طلاب النور الذين تنحصر علاقتُهم الأخروية الخالصة برسائل النور وبمؤلفها، ويحاولون تحميلهم مسؤولية تشكيل جمعية سياسية، بعيدون كل البُعد عن العدالة والحقيقة.. أَثبتَ ذلك قرارُ التبرئة لثلاث محاكم بثلاث جهات، فضلًا عن هذا نقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>جوهر الحياة الاجتماعية الإنسانية</strong> ولا سيما <strong>للأمة الإسلامية</strong> وأساسَها هو: <strong>وجود</strong> محبة خالصة بين الأقرباء، <strong>ووجودُ</strong> رابطة وثيقة بين القبائل والطوائف، <strong>ووجود</strong> أخوة معنوية وتعاونية نحو إخوته المؤمنين ضمن القومية الإسلامية، <strong>ووجود</strong> علاقةِ فداء نحو قومه وجنسه، <strong>ووجود</strong> التزام قوي ورابطة قوية لا تهتز مع الحقائق القرآنية التي تنقذ حياته الأبدية، ومع ناشري هذه الحقائق، وأمثالها من <strong>الروابط</strong> التي تحقق أساس الحياة الاجتماعية، وإن إنكارها لا يؤدي إلّا إلى قبول الخطر الأحمر الذي يتربص بنا في الشمال، والذي يبذر بذور الفوضى ويحاول القضاء على الأجيال وعلى القومية، ويجمع أطفالَ الناس هناك ويضعهم تحت تصرفه، ويحاول إزالة شعور القرابة وشعور القومية وإفسادَ المدنية البشرية والحياة الاجتماعية إفسادًا تامًا..</p>
<p style="text-align: justify;">أقول: إنه بذلك الإنكار وذلك القبول يمكن إطلاق اسم الجمعية على طلاب النور، لذا فإن طلاب النور الحقيقيين يُظهرون علاقاتهم المقدسة مع الحقائق القرآنية، ويظهرون ارتباطهم الذي لا ينفصم مع إخوانهم في الحياة الآخرة؛ ولأنهم يتقبلون برحابة صدر أية عقوبة تقع عليهم بسبب هذه الأخوة فإنهم يعترفون بهذه الحقيقة كما هي في حضور محكمتكم العادلة، ولا يتدنَّون عند الدفاع عن أنفسهم إلى دَرَك الحيلة والنفاق والكذب.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ذيل تتمة الاعتراض]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>ذيل تتمة الاعتراض المقدم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إلى الادعاء العام لمحكمة أفيون</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[أولًا: ادعاؤكم فيه مئة خطأ]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أُبيّن للمحكمة أن هذا الادعاء الجديد أيضًا مبني على ادعاءات قديمة لمحكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221;، ومبني على التقرير المقدم من قبل خبراء سطحيين بعد تحقيقاتهم العابرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ادعيت في محكمتكم: إن لم أُثبت مائةَ خطأ في هذا الادعاء فأنا راضٍ بإنزال عقاب مائة سنة من السجن بي، وها أنا الآن أثبت دعواي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن شئتم أقدم لكم الجدول المتضمن للأخطاء التي تزيد على المائة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثانيًا: أتنازل عن جميع حقوقي بشرط]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: عندما أُرسِلتْ أوراقُنا وكُتُبُنا من محكمة&#8221; دنيزلي&#8221; إلى أنقرة كتبتُ لإخوتي -في غضون ترقبي وقلقي على صدور قرارٍ ضدنا- الفقرةَ التي في ختام بعض دفاعاتي، وهي أنه <strong>إذا استطاع موظفو العدالة الذين يدققون رسائل النور بهدف النقد والتقييم، أن يقووا إيمانهم وينقذوه، ثم حكموا عليّ بالإعدام، اشهدوا بأنني قد تنازلت لهم عن جميع حقوقي، لأننا خدام الإيمان ليس إلّا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن المهمة الأساس لرسائل النور هي تقوية الإيمان وإنقاذه، لذا نجد أنفسنا ملزمين بالخدمات الإيمانية، دونما تمييز بين عدوٍ وصديق، ومن غير تحيّز لأية جهة كانت.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا.. أيها السادة أعضاءُ المحكمة، استنادًا إلى هذه الحقيقة، وفي ضوئها، قد استطاعت رسائل النور بحقائقها الناصعة وبراهينها الساطعة أن تستميل نحوها قلوب الكثيرين من أعضاء المحكمة وحملتهم على التعاطف معها، فلا يهمني بعدُ ما تريدون فعله، وما تقررون في حقي.. افعلوا ما شئتم فإني مسامحكم.. ولن أثور أو أغضب عليكم إطلاقًا، <strong>وهذا هو السبب في أنني تحملت أشد أنواع الأذى والجور والاستبداد والتعرض والإهانات المتكررة التي أثارت أعصابي والتي لم أُقابَل قبلُ بمثلها طوال حياتي كلها</strong>.. بل إنني لم ادعُ على أحد بالشر أو السوء.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن مجموعات رسائل النور التي بين أيديكم لهي دفاعي غير القابل للجرح أو الطعن، وهي خير دليل على زيف جميع الادعاءات المثارة ضدنا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لمثير للعجب والحيرة أنه في الوقت الذي دقق علماء أجلاء -من مصر والشام وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة وعلماء من رئاسة الشؤون الدينية- مجموعاتِ رسائل النور ولم ينتقدوا منها شيئًا، بل استحسنوها وقدروها حق قدرها، وفي الوقت الذي حملت الرسائل مائة ألفٍ من أهل الحقيقة على التصديق بها رغم الظروف الصعبة المحيطة، ورغم ما أعانيه من الاغتراب والشيخوخة وقلة النصير، وفضلًا عن الهجمات الشرسة المتلاحقة.. أقول: في الوقت الذي تقدَّر الرسائلُ هكذا، إذا بالذكي<sup class="modern-footnotes-footnote ">19</sup> الذي استجمع علينا ادعاءات واهية يتفوه بخطأ فاحش ينم عن سطحيته وسطحية نظرته للأمور، إذ قال: إن القرآن الكريم عبارة عن مائة وأربعين سورة! هذا الشخص نفسه يقيّم رسائل النور فيقول: &#8220;إن رسائل النور مع أنها تحاول تفسير القرآن الكريم وتأويل الأحاديث الشريفة، إلّا أنها لا تحمل ماهية علمية وقيمة راقية من حيث تقديمها المعرفة إلى قرائها&#8221;! ألا يُفهم من تنقيده هذا أنه بعيد كل البعد عن القانون والحقيقة والحق والعدالة!</p>
<p style="text-align: justify;">وأشكو إليكم أيضًا:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أسمعتمونا الادعاء العام كاملًا طوال ساعتين والذي أدمى قلوبنا لما فيه من أخطاء تربو على المائة سجّلناها في أربعين صفحة، إلّا أنكم لم تفسحوا لي مجال دقيقتين من الزمان كي أجيبه في صفحة ونصف الصفحة رغم إصراري على ذلك، لذا أطالبكم باسم العدالة بقراءة اعتراضي بتمامه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثالثًا: لكل حكومة معارضون]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن لكل حكومة معارضين، ولا يسمح القانون بالتعرض لهم ما داموا لم يخلّوا بالنظام، أفيمكن لي ولأمثالي ممن أعرضنا عن الدنيا ونسعى للقبر أن نَدَع السعي للحياة الباقية على وفق المسلك الذي سلكه أجدادنا الميامين طوال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وبهدي تربية قرآننا العظيم، وفي ضوء دساتير يقدّسها ثلاثمائة وخمسون مليونًا من المؤمنين في كل عصر، ثم ننشغل بحياة دنيوية قصيرة فانية، وننقاد لقوانين ودساتير غير أخلاقية للمدنية السفيهة، بل قوانينَ جائرةٍ وحشية كما هي في البلشفية، وننحاز إليها تحت ضغوط أعدائنا ودسائسهم؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فليس هناك قانون في العالم كله ولا إنسان يملك ذرة من الإنصاف يُكره الآخرين على قبول هذا بذاك.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أننا نقول لأولئك المعارضين: <strong>إننا لم نتعرض لكم فلا تتعرضوا لنا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا بناء على هذه الحقيقة، إننا لسنا مع زعيم أصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل &#8220;جـامع أياصوفيا&#8221; إلى دار للأصنام، وجَعَل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات، <strong>لسنا معه فكرًا ولا موضوعًا</strong>، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية، ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.</p>
<p style="text-align: justify;">والواقع أنه بالرغم من حياة الأَسْر والتشرد التي عشتها خلال هذه السنوات العشرين، والتي ذقت فيها ألوانًا من العذاب، وتعرضت لأقسى وأشنع أساليب الظلم والاستبداد، ومع أن هناك مئات الألوف من إخواني النوريين الأوفياء، فإننا لم نتدخل في الأمور السياسية ولم تُسجَّل حادثة واحدة تدل على تعرضنا للأمن أو إخلالنا بالنظام.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما أتعرض له في أخريات أيامي هذه، من الإهانات المتكررة والمعاملات الظالمة التي أُقابَل بها، وحياة الاغتراب والتشرد التي أعيشها والتي لم أر مثلها من قبلُ جعلني أمَلُّ الحياة.. إنني سئمت الحرية المقيدة، تلك الحرية التي يحدها التحكم ويعقلها الجور والاستبداد.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد رفعتُ إليكم طلبًا لا لإطلاق سراحي وتخفيف عقابي وإبراء ساحتي كما هو المألوف، بل لإنزال أشد العقاب بي وأقساه، نعم أشده وأقساه لا أخفِّه وأهونه، ذلك لأنه لا سبيل للتخلص من مثل هذه المعاملة العجيبة المنكرة سوى أحد أمرين: السجن أو القبر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الطريق إلى القبر مسدود أمامي لا أستطيع الحصول عليه، لأن الانتحار محظور شرعًا، ثم إن الأجل سر خفي، لا يدرك الإنسان كُنهَه بَلْهَ أن تطاله يداه، لذا فقد رضيت بالسجن الذي أنا رهين اعتقاله وتجريده منذ حوالي ستة أشهر، إلّا أنني لم أقدم هذا الطلب في الوقت الحاضر إلّا نزولًا عند رغبة إخواني الأبرياء.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رابعًا: لا أطلب ثناءً لنفسي]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: إنني خلال هذه السنوات الثلاثين من حياتي، والتي أطلقتُ فيها على نفسي اسم &#8220;سعيد الجديد&#8221; أدّعي فأقول بأنني قد بذلت ما وسعني الجهد لكبح جماح نفسي الأمارة بالسوء، وصونها من العُجب والتطلع إلى الشهرة والتفاخر، بل قد جرحتُ أكثر من مائة مرة مشاعرَ طلاب النور الذين يحملون حسن ظنٍ مفرط بشخصي. يشهد على هذا ما كتبته في رسائل النور وحقائقها المتعلقة بشخصي، والمنصفون ممن يختلفون إليَّ بجد، والأصدقاء جميعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا لست المالك لبضاعة النور، بل لست إلّا دلّالًا ضعيفًا بسيطًا في حانوتِ مجوهراتِ القرآن، كما أنني بتصديق من إخواني المقربين، وبما شاهدوا من أماراتها العديدة، عازم على ألّا أضحي بالمناصب الدنيوية وأمجادها الزائفة وحدها، بل لو أُسند إليّ -فرضًا- مقاماتٌ معنوية عظمى، فإنني أضحي بها أيضًا لخدمتي للإيمان والقرآن، خشية اختلاط حظوظ نفسي بإخلاصي في الخدمة، وقد قمت بهذا فعلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع ذلك فقد جعلَتْ محكمتُكم الموقرة مشاعرَ الاحترام التي أبداها نحوي بعضُ إخواني -نظيرَ انتفاعهم برسائل النور كشكر معنوي من قبيل احترامٍ زائدٍ عن احترام المرء لأبيه- مع رفضي وعدم قبولي لها، جعلَتْها مدارَ استجوابنا وكأنها مسألة سياسية، وحملتم فريقًا منهم على التنكر لذلك الاحترام، فيا عجبًا أي ذنب وأي جريرة في امتداح جاء على لسان الغير ولم يرض به هذا العاجز ولا يرى نفسه لائقًا بذلك؟!</p>
<h3 style="text-align: center;">[خامسًا: لسنا تنظيمًا]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>خامسًا</strong>: إني أعلن لكم بصراحة تامة أن محاولة إلصاق تهمة الانتماء إلى التكتلات والتجمعات والتدخل في الشؤون الداخلية، إلى طلبة النور الذين لا علاقة لهم -بأيّ وجه- بالتحزب والتجمع والتكتلات والتيارات السياسية المختلفة، ما هي إلّا من وحي منظمةِ الزندقة المتسترة التي تعمل منذ أربعين سنة على هدم الإسلام ومحو الإيمان، خادمةً بذلك لنوع من البلشفية، والتي سبّبت -هذه المنظمة- في تغذية روح التطرف والفوضى في هذه البلاد، سواء بعلم أو بغير علم، واتخذت موقفًا مضادًّا تجاهنا.</p>
<p style="text-align: justify;">بيد أن ثلاث محاكم مختلفة قد اتفقت على تبرئة ساحة رسائل النور وَطَلَبَتِها من تهمة الانتماء إلى التكتلات، سوى محكمة واحدة، وهي محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; حيث حكمت عليّ بالسجن لمدة عام واحد، ولمدة ستة أشهر على خمسة عشر من إخواني من مجموع مائة وعشرين شخصًا، ولعل الذي دفع محكمةَ أسكي شهر إلى اتخاذ ذلك القرار يعود إلى ورود فقرة كُتبت قديمًا جاءت ضمن <strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/07/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/">رسالة صغيرة</a></strong> تتعلق بمسألة واحدة وهي &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/07/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8/">الحجاب</a></strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">وكان نص تلك الفقرة كما يأتي: &#8220;لقد طرق سمعَنا أن صباغَ أحذية قد تعرض لزوجةِ رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهارًا جهارًا في قلب العاصمة أنقرة! أليس هذا الفعل الشنيع صفعة قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذن فإن اصطناع الأسباب الواهية والاتهامات الباطلة ضد طلبة رسائل النور الآن، إن هو إلّا بمثابة الحكم ضد تلك المحاكم الثلاث، ومحاولةٌ لإلصاق التهمة بها ووصمِها بوصمة الخيانة والعار.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سادسًا: لا تبارزوا رسائلَ النور]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>سادسًا</strong>: لا يمكن المبارزة مع رسائل النور، فقد اتفقت كلمة علماء الإسلام الذين اطلعوا عليها أنها تفسير قيم صادق للقرآن الكريم، أي إنها تنطوي على براهين دامغة لحقائقه الناصعة وهي معجزة معنوية من معجزات القرآن في هذا العصر، وسدٌّ منيع أمام الأخطار والمهالك التي تتربص بهذه البلاد وبهذه الأمة من الشمال.</p>
<p style="text-align: justify;">فالواجب يقتضي -من حيث الحقوق العامة- أن تعمل محكمتكم الموقرة على الترغيب في هذه الرسائل بدلًا من تخويف طلابها وترغيبهم عنها، هذا ما نعلمه، بل ننتظره منكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم أن عدم التعرض لكتب الملاحدة وبعض الساسة المتزندقين ومجلاتهم وجرائدهم -مع ضررها الفادح على الأمة والبلاد والأمن العام- تحت ستار الحرية العلمية، يدفعنا حتمًا إلى القول والتساؤل: ما الجانب المحظور من التحاق شاب بريء يحتاج إلى العون والمساعدة إلى صفوف طلبة النور كي ينقذ إيمانه وينجو من التردي في هاوية الأخلاق الذميمة؟ أفليس من الحكمة والعدل والواجب أن تحتضن الحكومة ووزارة المعارف (التربية) هذا العملَ وتُشجعه وتقدره حق قدره بدلًا من أن تعمل على مكافحته وعلى ملاحقتنا دون سبب؟!</p>
<p style="text-align: justify;">كلمتي الأخيرة: نسأل اللّٰه أن يوفق الحكام إلى إحقاق الحق وإقرار العدل.. آمين</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿الحمد للّٰه رب العالمين﴾</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[كلمتي الأخيرة]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>كلمتي الأخيرة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أودّ أن أبيّن لهيئة المحكمة ما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد <strong>أدركتُ</strong> من لائحة الاتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الانفرادي بأن <strong>شخصي هو الهدف في هذه المسألة</strong>، فقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي، وقد زُعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وأنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة؛ و ردًّا على هذا فإنني أقول لكم بصراحة تامة:</p>
<p style="text-align: justify;">لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور، ولا إلى طلاب النور الميامين من أجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصيًّا، لأنهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، وإلّا فسيلحق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير، وقد يكون ذلك سبيلًا إلى خطر عليهما.</p>
<p style="text-align: justify;">وأريد أن أؤكد لكم: لقد قررتُ أن أَقبل -في ضوء مسلكي الحالي- أيَّ أذى وأيةَ إهانة وأيَّ عذاب وأيَّ عقاب موجه إلى شخصي، بشرط ألّا يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة، وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء، فبينما أبكي من ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جدًّا، وقد شاهدتم أنتم أيضًا ورأيتم كيف حاول مَن كتب لائحة الادعاء البحثَ عن أسباب واهية ومعاذيرَ باطلة، فقدم جميعَ ما كتبتُه من كتب ومن خطابات سرية خاصة وغير خاصة في ظرفِ عشرين أو ثلاثين سنة من حياتي كأنني قد كتبتها بأجمعها في هذه السنة، وساق لبعضها معانيَ خاطئةً، وقدمها وكأنها لم تظهر للعيان ولم تدخل أية محكمة ولم يشملها أي قانون من قوانين العفو ولم تتعرض لمرور الزمن.. كل هذا من أجل النيل مني، والحطِّ من شأني.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع أنني ذكرت أكثر من مائة مرة بأني أعترف بضآلة شأني وصغر قيمتي، ومع أن معارضِيَّ يحاولون بكل وسيلةٍ النَّيلَ مني وتهوينَ أمري، إلا أن سبب محبة عامة الناس لي محبةً أقلقت رجال السياسة يعود إلى أن <strong>تقوية الإيمان يحتاج في هذا الزمن وفي هذه الظروف حاجة ملحة وقطعية إلى أشخاص لا يضحون بالحقيقة -في موضوع الدين- من أجل أي شيء على الإطلاق</strong>، ولا يجعل أحدهم الدين وسيلة وآلة لأي غرض ولأي شيء، ولا يعطي لنفسه حظًّا، وذلك لكي يمكن الاستفادة من إرشاداته في دروس الإيمان وتحصل القناعة التامة به.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه لم يحدث في أي ظرف من الظروف أَن اشتدت الحاجة إلى الخدمة مثلما بَلغتَه في عصرنا هذا، وذلك لأن الأخطار قد داهمتنا من الخارج بشدة وضراوة بالغتين، ومع اعترافي وإعلاني بأن شخصي العاجز لا يكفي لسدِّ هذه الحاجة أو مَلء ذلك الفراغ، فقد ذهب البعض إلى الظن بأن شيئًا من ذلك يمكن أن يتحقق على يديّ، لا لمزية معينة في شخصي، بل لشدة الحاجة إلى من يقوم بمثل هذا العمل، ولعدم بروز أحد بروزًا ظاهرًا لتحمل تلك المسـؤولية العظمى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد تأملتُ منذ أمد طويل في هذه المسألة في حيرة وتعجب، إذ على الرغم من أخطائي وعيوبي الشخصية المدهشة، وعدم جدارتي للقيام بمثل هذا العمل الجليل بأي وجه كان، فقد بدأت أفهم الحكمة في التفات العامة وإبدائهم ضربًا من مشاعر الاحترام نحوي.</p>
<p style="text-align: justify;">والحكمة هي أن الحقائق التي تحتوي عليها رسائل النور، والشخصية المعنوية التي يمثلها كيانُ طلبتها، قد يَمَّـمتا وجهَ تلك الحاجة شطرهما، ولا سيما في ظرفٍ مثل ظرفنا ومثل وسطنا الحاليين، ومع أن حظي من الخدمة قد لا يبلغ الواحد في الألف، فإن البعض يعتقدون فيّ تجسيدًا لتلك الحقيقة الخارقة وممثلًا لتلك الشخصية الأمينة المخلصة، فيُبدون نحوي ذلك النوعَ من الالتفات.</p>
<p style="text-align: justify;">والواقع أن هذا النوع من الالتفات بقدر ما هو ضارٌّ بي، ثقيل على نفسي أيضًا، حتى إنني آثرت الصمت بغير حق عن تلك الخسائر المعنوية، حفاظًا على الحقائق النورية وشخصيتها المعنوية. وربما يعود السبب في ذلك النوع من الالتفات إلى إشارة مستقبلية للإمام علي رضي اللّٰه عنه وللشيخ الكيلاني قُدِّس سره، ولبعض الأولياء الآخرين، بإلهامٍ إلهيّ إلى حقيقة رسائل النور، وشخصيةِ طَلَبَتِها المعنوية.. وما ذلك إلّا لكون تلك الرسائل مرآة صغيرة عاكسة لمعجزة القرآن المعنوية في عصرنا الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعل ذلك البعض قد أخذ شخصي الضعيف بنظر الاعتبار، لا لشيء إلّا لكوني خادمًا لتلك الحقيقة الخارقة، ولقد أخطأتُ عندما لم أصرف التفاتهم الجزئي لشخصي -بتأويلٍ- إلى رسائل النور، والسبب في هذا يعود إلى ضعفي وكثرة الأسباب التي قد تدفع مساعدِيَّ إلى الخوف، وما قبولي جزءًا مما يخصّ شخصي في الـظاهر إلّا لإضفاء سمة الاعتماد وصبغة الثقة على أقوالي لا غير.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أنذركم بما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;">لا داعي إطلاقًا للقضاء على شخصي الفاني المشارف على باب القبر، ولا داعي كذلك إلى إعطاء مثل هذه الأهمية لوجودي، وإنه مما يجب أن تَعلموه جيدًا هو أن <strong>المبارزة مع رسائل النور محاولةٌ يائسة</strong>.. إنكم لن تستطيعوا مبارزتها، فلا تبارزوها.. إنكم لن تتغلبوا عليها. ولئن حاولتم مبارزتها، فلن تعودوا إلّا بأضرار جسيمة على الأمة والبلاد معًا، ولكن لن تستطيعوا تشتيت شمل طلبتها أو تفكيك وحدتهم مهما حاولتم.. إذ ليس من السهل حملُ أحفاد أجدادنا وأبنائهم البسلاء الذين ضحَّوا بأكثر من خمسين مليونًا من الشهداء في سبيل الحفاظ على القرآن وحقائقه القيمة، على التنكر والنسيان لماضيهم المجيد، ولا الحيلولة دون بطولاتهم الدينية الرائعة التي كانت دومًا محط أنظار العالم الإسلامي وموضع إعجابه، وحتى لو انسحبوا من الميدان فإن أولئك الطلاب الأوفياء لن يتخلوا عن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لتلك الحقيقة ولن يرضوا -بذلك التخلي- أن يصيب الضرر الوطن والأمة والأمن.</p>
<p style="text-align: justify;">وآخر قولي: ﴿فإنْ تولَّوا فقل حسبي اللّٰه لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;">
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مجموعة تضم رسالة <strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/27/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a925-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/#aldya_althany_khfwt_alflsft_aza_hkmt_alqran">المعجزات القرآنية</a></strong> و<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/01/16/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b3%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3/">المعجزات الأحمدية</a></strong> و<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/11/21/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d8%b1%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b4%d8%b1/#alkhatmt">رسالة الحشر</a></strong>.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الآية الكريمة: (للذكر مثل حظّ الانثيين) و (فلأمّه السدس).</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود مصطفى كمال.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إعلان الحرية: المقصود منه الإعلان الثاني للدستور، أي المشروطية الثانية وتم ذلك سنة ١٩٠٨ من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;في تلك الفترة كانت هناك حكومتان: حكومة الخلافة في إسطنبول تحت الاحتلال الإنكليزي. وحكومة منشقّة في أنقرة برئاسة مصطفى كمال تقاتل دول الاحتلال. وكان الأستاذ النورسي في إسطنبول آنذاك فنشر هناك هذه الرسالة الموجهة ضد احتلال الإنكليز ودحض سياستهم، وكان لها وقع كبير آنذاك.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;واقعة بتليس: عصيان قامت به العشائر الكردية المحيطة بمدينة بتليس ضد حكم الاتحاد والترقي قبيل الحرب العالمية الأولى.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حوادث ٣١ مارت: هي حركةُ تمرد في الجيش عام ١٩٠٩م تسببت في اندلاعها جماعةُ الاتحاد والترقي واتهموا السلطان عبد الحميد بإثارتها كمبرر لعزله، مع أن السلطان نفى هذا الاتهام وطلب تشكيل لجنة تتقصى الحقائق إلا أن الاتحاديين رفضوا ذلك وعزلوا السلطان.</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لأجل تقديم الشكر للّٰه تجاه نعمة الراديو، وهى نعمة إلهية عظمى، فقد قلت: &#8220;إن ذلك يكون بتلاوة القرآن الكريم من الراديو كي يُسمع ذلك الصوت الندي إلى العالم أجمع فيكون الهواء بذلك قارئًا للقرآن الكريم&#8221; (المؤلف).</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن أساس رسائل النور وهدفها هو إظهار الحقيقة القرآنية والعملُ من أجل &#8220;الإيمان التحقيقي&#8221;؛ لذا فقد حصلت على قرار بالتبرئة عن تهمةِ تشكيلِ طريقة صوفية من ثلاث محاكم.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">ثم إنه ما من شخص ادعى خلال عشرين سنة أن &#8220;سعيدًا أعطاني إذنًا بالدخول والانتساب إلى طريقة صوفية&#8221;.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">ثم إنه لا يجوز أن يكون انتسابُ أكثريةِ أجدادِ هذه الأمة منذ ألف عام إلى مسلك معين سببًا في اتهامه أو تحميله مسؤولية ما.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">ثم إن المنافقين المتسترين يُلصقون اسم &#8220;الطريقة&#8221; على حقيقة الإسلام. فلا يُتهم كل من يتصدى للدفاع عن دين هذه الأمة بأنه صاحب &#8220;طريقة&#8221;.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">أما تهمة الجمعية، فالذي عندنا هو أخوة إسلامية هدفها أخوة أخروية، وليست جمعية سياسية، لذا فقد أصدرت محاكم ثلاث قراراتِها بالتبرئة أيضًا من هذه التهمة. (المؤلف).</div><div>10&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;نسخة من القرآن الكريم بخط اليد تبين الوجه الجميل للإعجاز في توافقات لفظ الجلالة.</div><div>11&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن وجود النصارى واليهود في الحكومات الإسلامية، وكذلك وجود المسلمين في الحكومات النصرانية والمجوسية، يدل على أنه لا يمكن من الناحية القانونية التعرض لأي شخص معارض لم يتعرض بسوء إلى إدارة الدولة أو إلى أمنها بشكل فعلي.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">وأيضًا إن الاحتمالات والإمكانات لا يمكن أن تكون مدار مسؤولية، وإلا استلزم تقديم الجميع للمحاكم على أساس احتمال قيامهم باقتراف الجرائم. (المؤلف).</div><div>12&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/١٣٩-١٤٠؛ الذهبي، ميزان الاعتدال ٢/٣٥٣؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء ص ١٨٤-١٨٥.</div><div>13&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أَوردَ الادعاءُ العام اتهامًا نتيجة سوء فهم فيما ورد من كرامة رسائل النور التي تجلى بعضها كصفعات تأديبية، إذ زعموا أننا نقول: إن البلايا والزلازل التي حدثت في أثناء الهجوم على طلاب النور وعلى رسائل النور إنما هي صفعات من رسائل النور&#8230; حاشا ثم حاشا، نحن لم نقل ولم نكتب هذا، بل ذكرنا في مواضع عدة مع إيراد الأدلة، أن رسائل النور بمثابة صدقات مقبولة، لذا فهي وسيلة لدفع البلايا، فعندما يتم الهجوم على رسائل النور تَبهت الأنوار وتجد المصائب الفرصةَ سانحة للظهور.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">أجل إن مئات الحوادث والوقائع وشهادة وتصديق الآلاف من طلاب النور ترينا استحالة وجود المصادفة في توافق تلك الحوادث كما أظهرنا ذلك جزئيًّا في المحاكم، فإننا نؤمن بشكل قاطع بأن هذه التوافقات دليل على قبول رسائل النور ودليل على الكرم الإلهي، وهو نوع من الكرامة المهداة من القرآن الكريم إلى رسائل النور. (المؤلف).</div><div>14&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وذلك بموجب قانون الأزياء الذي أَجبر الناس على لبس القبعات.</div><div>15&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أي عدم لبس القبعة.</div><div>16&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود هو عبد المجيد.</div><div>17&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;في الخطأ الثمانين من الأخطاء المائة التي وقع فيها المدعي العام، نراه يقول: &#8220;إن التأويل الوارد في <strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong> يُعدّ خطأً&#8221;.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">وجوابي على ذلك هو: وردت في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/04/30/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a3%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9/">الشعاع الخامس</a></strong>&#8221; الجملة التالية: &#8220;أحد التأويلات -واللّٰه أعلم- هو هذا التأويل&#8221;.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">ومعنى هذه الجملة: &#8220;أن من الممكن أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث الشريف&#8221;، لذا فلا يمكن من الناحية المنطقية تكذيب هذه الجملة، إلّا عند إثبات استحالتها.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">ثانيًا: منذ عشرين عامًا، بل منذ أربعين عامًا، لم يقم أحد بردّ التأويلات التي أوردناها ردًّا منطقيًّا وعلميًّا سواء أكانوا من معارضيَّ أو ممن يحاولون معارضة رسائل النور، ولم يقل أحد من أولئك العلماء المعارضين: &#8220;إن هذه التأويلات فيها نظر&#8221;، بل صدّقوها مع ألوف من علماء طلاب النور.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">لذا فإنني أحيل إلى مقامكم تقدير مدى البعد عن الإنصاف عندما يَردُّ هذا التأويلَ شخصٌ لا يعرف حتى عددَ السور الموجودة في القرآن الكريم.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">والخلاصة: أن معنى التأويل لحديث شريف أو لآية كريمة هو: أنه معنى واحد محتمل من عدة معاني محتملة وممكنة. (المؤلف).</div><div>18&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ذكر لي الأخ &#8220;محمد فرنجي&#8221; وقال: كنت أزور الأستاذ مرارًا، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد.<br /><br />
<p style="text-align: justify;">وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له، فوقع في نفسي شيء، إذ كيف يدخل جهنم من كان سببًا لهداية أناس كثيرين جدًّا؟<br /><br />
<p style="text-align: justify;">وإذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير إلي بيده ويقول: ليس خالدًا.. ليس خالدًا.. بل مثلما يدخل أحدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل إلى الجنة.</div><div>19&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود المدعي العام.</div>]]></content:encoded>
					
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2634</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الثالث عشر‌: رسائل من السجن</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d8%25a6%25d9%2584-%25d9%2585%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d8%25ac%25d9%2586</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 06 Jul 2025 14:11:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2630</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن رسائل بعث بها الأستاذ النورسي وهو سجين إلى إخوانه الذين كانوا معه في السجن في زنزانات أخرى فيها تثبيت وسلوان وصبر وشكر، وكان ذلك في واقعة سجن دنيزلي التي وقعت خريف عام 1943 واستمرت تسعة أشهر] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; الشعاع الثالث عشر &#160; الشعاع الثالث &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن رسائل بعث بها الأستاذ النورسي وهو سجين إلى إخوانه الذين كانوا معه في السجن في زنزانات أخرى فيها تثبيت وسلوان وصبر وشكر، وكان ذلك في واقعة سجن دنيزلي التي وقعت خريف عام 1943 واستمرت تسعة أشهر]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2632" aria-describedby="caption-attachment-2632" style="width: 768px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2632" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن.jpg" alt="نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحو الحياتَينِ معًا له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم، فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنـزل بنا بالرضا والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته." width="768" height="576" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/07/رسائل-من-السجن-300x225.jpg 300w" sizes="(max-width: 768px) 100vw, 768px" /><figcaption id="caption-attachment-2632" class="wp-caption-text">نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحو الحياتَينِ معًا له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم، فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنـزل بنا بالرضا والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">الشعاع الثالث عشر</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الشعاع الثالث عشر</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>[رسائل من السجن]</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>هذا الشُّعاعُ عبارةٌ عن رسائلَ نَيِّرةٍ في غايةِ الأهميّة، بَعَثَ بها الأستاذُ النُّورسيُّ إلى طُلّابِه (في السِّجن)، وهي تُبَيِّنُ بوضوحٍ تامٍّ جِهادَ رسائلِ النورِ الساطع.</p>
<h2>[الخير فيما اختاره الله]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمهِ سبحانَهُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">إخوتي الأعزَّاءَ الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">أُهَنِّئُ ليلتَكمُ المباركةَ التي مرَّت (ليلةَ القدرِ) مع العيدِ السعيدِ المقبل، أُهَنِّئُكم بكلِّ ما أَملِك، وأُوْدِعُكم أمانةً إلى رحمةِ الرّحمنِ الرّحيمِ وإلى وَحدانيّتِه جلَّ وعَلا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومعَ أنّني لا أراكم بحاجةٍ للسُّلوان، فمضمونُ &#8220;مَن آمَنَ بالقَدَرِ أَمِنَ منَ الكَدَرِ&#8221; كافٍ ويُغني، إلّا أنّني أقولُ: لقد شاهدتُ شُهودَ يقينٍ السُّلوانَ الكاملَ الذي يَبْعَثُهُ المعنى الإشاريُّ للآيةِ الكريمة: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وذلك [أني] بينما كنت أتأمل في قضائنا شهرَ رمضان المبارك براحةٍ وطمأنينةٍ مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق تَحُلُّ بنا، والتي لم تخطر على بال، فشاهدتُها شهودَ عيانٍ أنها محضُ العناية الإلهية لي ولرسائل النور ولكم ولشهر رمضاننا ولأُخُوَّتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة أَذكر بضعَ فوائد منها فقط:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: أنها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعالٍ شديدٍ وجِدِّيةٍ صارمةٍ والتجاءٍ قويٍّ وتضرعٍ رقيق، متغلبًا على المرض.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتُها</strong>: أن الرغبة كانت شديدة في لقاء كلٍّ منكم والقربِ منكم في هذه السنة أيضًا، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها إزاء لقاء واحدٍ منكم والمجيءِ إلى &#8220;إسبارطة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثتُها</strong>: أن جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودُفعة، سواءٌ في &#8220;قسطموني&#8221; أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهَد أن يد عنايةٍ ربانيةٍ وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بـ: &#8220;<strong>الخيرُ فيما اختاره اللّٰه</strong>&#8221; وتستقرئ رسائلُ النور -التي أفكر فيها دومًا- حتى الغارقين في الغفلة المتسنِّمين وظائفَ دنيويةً مرموقةً، فاتحة ميادين عملٍ جديدةً في ساحات أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه إزاء آلامِ كلٍّ منكم وحسراته المتجمعة عليّ، والتي تمسّ عَطفي ورقَّتي إليكم كثيرًا، فضلا عن آلامي، ووقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كلُّ ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الأثوبة المائة بمثابة عشر ساعاتٍ من العبادة، حتى يبلغ الألفَ ساعةٍ من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الذين درسوا رسائلَ النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حقَّ الفهم، وأدركوا أن الدنيا فانيةٌ عابرة، وأنها ليست إلّا متجرًا مؤقتًّا، والذين ضحَّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا أن المشقاتِ الزائلةَ التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذُ دائمةٌ وفوائدُ خالدة، قد بَدّلت -هذه الفوائدُ- التألمَ لحالكم والبكاءَ عليكم النابعَ من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: &#8220;الحمد للّٰه على كل حال سوى الكفر والضلال&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فإلى جانب هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص أُخُوَّتنا، وتخص رسائل النور، وشهرَنا المبارك، شهرَ رمضان، بحيث <strong>لو رُفع الحجاب، لحملتْكم تلك الفوائدُ على القول: &#8220;يارب لك الحمد والشكر، حقًّا إن هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا&#8221;</strong>، وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.</p>
<p style="text-align: justify;">لا تعاتبوا -يا إخوتي- الذين أصبحوا السببَ في وقوع الحادثة، إن هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدةٍ مديدة، إلّا أنها جاءت مخفَّفة معنًى، وستزول بسرعةٍ بإذن اللّٰه، فلا تتألموا، بل استرشِدوا بالآية الكريمة: ﴿وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الإيمان التحقيقي مبعث سعادة حتى في الدنيا]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">إنني محظوظ جدًّا لوجودي بقُربكم، وأخاطِب أحيانًا خيالَكم فأجد السلوان.</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا أنه لو كان من المستطاع لتحمّلت جميعَ مشاقّكم وضيقكم، وبكل فخر وسرور، فأنا أُحب لأجلكم &#8220;إسبارطة&#8221; وحواليها بترابها وحجرها، حتى إنني أقول، وسأقوله في المحافل الرسمية: لو عاقبني مسؤولو الدولة في &#8220;إسبارطة&#8221; وبرّأتني ولايةٌ أخرى لفضّلت هذه المدينة أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنني من إسبارطة بثلاث جهات رغم أني لا أستطيع الإثبات تاريخيًّا، ولكن لي القناعة بأن أصلَ &#8220;سعيد&#8221; المولود في ناحية &#8220;إسباريت&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> قد رحل من هنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن ولاية إسبارطة قد وهبت لي من الإخوة الصادقين ما يجعلني لا أضحّي لأجل كل منهم بـ&#8221;عبد المجيد&#8221; وبـ&#8221;عبد الرحمن&#8221;، بل أضحّى بسعيد وبكل امتنان ورضى.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أعتقد أنه ليس هناك على الكرة الأرضية -حاليًّا مَن يعاني من الضيق قلبًا وروحًا وفكرًا أَقل من طلاب النور، لأن <strong>قلوبَهم وأرواحهم وعقولهم لا تعاني الضيق بفضل أنوار الإيمان التحقيقي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>المصاعب المادية والمشقات الدنيوية فهم يقابلونها بصدور ملؤها الشكر والصبر لِما تعلّموه من رسائل النور أنها عابرة تافهة، حاملةٌ للثواب ووسيلةٌ لانفتاحِ مجالِ عملٍ لخدمةِ الإيمان وتوسعها</strong>.. فهم يُثبتون بأحوالهم أن <strong>الإيمان التحقيقي هو مبعث السعادة حتى في دار الدنيا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنهم يَسْعَون بجدٍّ لتحويل هذه المشقات الفانية إلى رحمات باقية، قائلين:</p>
<p style="text-align: center;">&#8220;لنرَ المولى ماذا يفعل   *   إنما يفعله هو الأجمل&#8221;‌</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يُكثر من أمثال أولئك ويجعلهم مدار شرف هذه البلاد واعتزازها وسعادتها ويرزقهم السعادة الأبدية في جنة الفردوس. آمين.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[بين الشعاع الخامس والشعاع السابع]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين!‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن نـزول هذا القضاء الإلهي بنا -من زاوية عدالة القدر- ناشئٌ من ميلِ عددٍ من طلاب النور الجدد إلى كسب أمورٍ دنيويةٍ أيضًا برسائل النور، مما لا ينسجم مع سر الإخلاص؛ لذا وجدوا أنفسَهم أمامَ نفعِيين دنيويين، منافسين لهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحصول على رسالة كُتب أصلُها قبل خمس وعشرين سنة -أي الشعاع الخامس- في مكان بعيد، والتي لم أحصل عليها إلّا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيِّعت في الوقت نفسه، دَفَعَ أشباهَ العلماء إلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; -مع عدم موافقتي- بدلًا من رسالة &#8220;مفتاح الإيمان&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> التي كنت أرغب في طبعها، بالحروف الجديدة، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس هذا الخبر على الدوائر الحكومية، فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">فكأن &#8220;الشعاع الخامس&#8221; قد طُبع، خلافًا للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة، حتى زجّونا ظلمًا وعدوانًا في هذا المعتكف (السجن).</p>
<p style="text-align: justify;">أما القدَر الإلهي فقد ساقنا إلى هنا لنكسب به منافع، <strong>فلقد أكسبَنا ثوابًا عظيمًا أكثر مما كان يغنمه الزهادُ المنـزوون في معتكفاتهم الاختيارية</strong>، ودعانا القدَرُ الإلهي إلى المدرسة اليوسفية مرة أخرى <strong>ليعلِّمنا درسَ الإخلاص تعليمًا تامًّا،</strong> وليقوّم علاقاتِنا وأواصرَنا مع الدنيا التي هي تافهة حقًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نقول إزاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم: إن &#8220;الشعاع السابع&#8221; (رسالة الآية الكبرى) من أوله إلى آخره بحثٌ في الإيمان، فلقد التبس عليكم الأمر وانخدعتم.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن الشعاع الخامس يختلف عنه كليًّا، وهو رسالةٌ خاصةٌ وسِرِّيَّةٌ للغاية، حتى لم يُعثَر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة، وإن أصل هذه الرسالة قد كُتِب قبل عشرين سنة، فنحن لا نرضى بطبعها وحدَها، بل ولا بإراءتها أيضًا إلى أي أحدٍ كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدَّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحدًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[معيَّتُنا قائمة وباقيةٌ بإذن الله]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">مع تهنئتي لكم بعيدكم السعيد مرة أخرى أقول: لا تتأسفوا على عدم اللقاء فيما بيننا لقاءً ظاهريًّا، <strong>فنحن في الحقيقة معًا دائمًا،</strong> وستدوم هذه المعية في طريق الأبد بإذن اللّٰه، وإنني على قناعة من أن الأثوبة الأبدية التي تكسبونها في عملكم في سبيل الإيمان والفضائل والمزايا الروحية والمباهج القلبية التي تحصلون عليها تزيل الغموم والضجر الذي ينتابكم مؤقتًا في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه لم يحصل لحدّ الآن نظير ما حصل لطلاب النور بمعاناتهم أقل مشاق في سبيل أعظم عمل مقدس.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحو الحياتَينِ معًا له أهميته البالغة في هذا الوقت، <strong>وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر</strong>، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم، فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنـزل بنا بالرضا والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أحد إخواننا الأبطال قد تحمل المسؤولية الكاملة المترتبة على طبع رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;، أنه أظهر حقًا أنه أهلٌ للفضيلة والشرف الأخروي الرفيع، باستنساخه للحزب القرآني<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> والحزب النوري<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>، لقد أبكتني حالتُه بكاءً ممزوجًا بسرور عميق.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد جلب الشعاع السابع (الآية الكبرى) الأنظار إليها، إذ المصادرة الحالية المؤقتة تنطوي على حكمةِ تهيئة مجالاتٍ وفتوحات لائقة بها في المستقبل، فنحن نأمل من رحمته تعالى أن لا يُضيِّع خدماتِ ومصاريفَ أخينا المذكور ورفقائه، بل يجعلها ساطعة منورة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي يُدخلكم جميعًا ضمن أدعيته الواردة بصيغة المتكلم مع الغير، أمثال: &#8220;أجِرنا، وارحمنا، واحفظنا&#8221;، دون استثناء أحدٍ منكم، ويسعى على وفق دستورنا: &#8220;الاشتراك المعنوي&#8221; الذي هو بمثابةِ أجساد كثيرة وروح واحدة، ويتألم أكثر من آلامكم ومقاساتكم، وينتظر الهمة والعون والثبات والمتانة والشفاعة من شخصكم المعنوي هو:</p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[للقرآن معانٍ كليّة لا تحصى أفرادُها]</h2>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الصادق السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أسئلتكم المتّسمة بالعلم، قد أصبحت مفاتيحَ لحقائق جليلة من مجموعة &#8220;المكتوبات&#8221; لكليات رسائل النور، لذا لا أقف غير مكترث بأسئلتكم، فالجواب المختصر لهذا السؤال هو:</p>
<p style="text-align: justify;">لما كان <strong>القرآن الكريم خطبةً أزلية</strong>، يخاطب طبقات البشر كافة وطوائف أصحاب العبادة كافة، <strong>فلا بد أن يكون له من معانٍ متعددة على وفق مداركهم</strong>، وأن يتضمن معناه الكلي مراتبَ كثيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد يفضّل بعضُ المفسرين المعنى <strong>الأعم</strong> فحسب، أو المعنى <strong>الصريح</strong> وحدَه، أو <strong>الواجب</strong> فقط، أو المعنى الذي يفيد <strong>سُنَّة مؤكدة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: يذكر [بعض المفسرين] أن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الّليْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يبين ركعتي صلاة التهجد التي هي سنّة نبوية مهمة، واستخلص [بعضهم] من قوله تعالى: ﴿وإدْبَارَ النَجُوم﴾ أنها سُنّة الفجر المؤكدة، والحال أن المعنى الأول له أفراد كثيرة جدًّا فضلًا عن ذلك المعنى.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي.. إن المحاورة معك لم تنقطع.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[طُلاب الآخرة بالأمس هم طلاب النور اليوم]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء:‌</p>
<p style="text-align: justify;">أدّيتُ الآن صلاة الظهر، ووردتم بخاطري في أثناء الأذكار، بأن كلًّا منكم يحزن لتفكّره بنفسه وبأحوال أقاربه الساكنين معه.</p>
<p style="text-align: justify;">وفجأة ورد إلى القلب أن الذين آثروا آخرتَهم على دنياهم في السابق قد انـزووا في مغارات وصوامعَ إنقاذًا لأنفسهم من آثام الحياة الاجتماعية، وذلك سعيًا لكسب الآخرة سعيًا خالصًا، وقد قضَوا حياتَهم في المداومة على الرياضة الروحية.. أقول: <strong>لو كان أولئك في هذا الزمان لكانوا طلابًا لرسائل النور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">فلا شك أن هؤلاء -وهم تحت هذه الظروف الحالية- محتاجون أكثر من أولئك بعشر مرات، ويغنَمون من الفضائل والمزايا أكثر منهم بعشر مرات، و ينعمون بالاطمئنان أكثر منهم بعشر درجات.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اغتنام يوم عرفة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الميامين..</p>
<p style="text-align: justify;">سلام وافر كثير.. لقد كنا في مدينتنا سابقًا نقرأ سورة &#8220;الإخلاص&#8221; ألف مرة يوم عرفة، ولكني الآن أستطيع قراءتها خمسمائة مرة قبل يوم عرفة بيوم، وخمسمائة مرة يوم عرفة، فمن يستطع منكم أن يقرأها كلَها مرة واحدة فليفعل.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أنني لا ألتقيكم ولا بواحد منكم، ولكنني في أغلب الأوقات أستطيع رؤية كل منكم وألتقي به لقاءً خاصًّا ضمن الدعاء وأحيانًا باسمه.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[صابرون شاكرون في الخدمة الإيمانية]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تألمت في أذكار صلاة الفجر اليوم على حال &#8220;الحافظ توفيق&#8221;، إذ خطر لي أنه يعاني للمرة الثانية المشاق والعنت.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن خطر بالبال فجأة: هنّئه! إنه كان يرغب في أن يسحب نفسه قليلًا عن المقام العظيم لرسائل النور ويتخلف عن كسب حظها العظيم لأجل حذرٍ لا نفع فيه، بيد أن قدسية عمله وعظمتَه وفّقته أيضًا لاغتنام تلك الحصة العظيمة وذلك الثوابِ الجزيل.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، ينبغي عدم التخلف عن مثل هذا الشرف المعنوي الرفيع لأجل تعب قليل وضيق عابر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم يا إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لما كان كلُ شيء عابرًا زائلًا.. إن كان لذةً ومتعة: تذهب دون جدوى وتخلّف حسرة وأسفًا؛ بينما يَدَع فوائد جليلة دنيوية وأخروية إن كان تعبًا وضيقًا، من حيث زاوية نظر الخدمة المقدسة، حيث تنطوي على فوائد لذيذة حلوة تزيل تلك المشقات، فإني أطمئنكم بأنني راضٍ عن حالي وأتحلّى بالصبر الجميل والشكر الكامل على الرغم من أنني أكبركم سنًّا -سوى واحد منكم- وأكثركم معاناة ومشقات.</p>
<p style="text-align: justify;">وما الشكر على المصيبة إلّا لأجل الثواب الذي فيها، ولفوائدها الأخروية والدنيوية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أين عدالة القدَر في مصيبتنا؟]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن موانع كانت تحول دون إتمامِ مسائلِ رسالة &#8220;الثمرة&#8221;، أحدُها: البرد الشديد، والآخر: اندهاش الماسونيين من قوتها. ولكن بزوال تلك الموانع سيُباشَر بها بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أفكر جانب القدر الإلهي في هذه المصيبة التي حلت بنا، فأجد مصاعبي تتلاشى وتتحول إلى رحمة إلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما هو موضح في &#8220;رسالة القدر&#8221; أن <strong>في كل حادثة سببين اثنين</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: سبب ظاهري، يَحكم الناسُ على وفقه، وكثيرًا ما يظلمون.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والآخر</strong>: سبب حقيقي، يَقضي القدرُ الإلهي على وفقه، فيعدل -تحت ظلم البشر- في الحادثة نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;">مثال ذلك: يُلقى أحدُ الأشخاص في السجن بتهمة سرقة لم يرتكبها، ولكن يقضي القدرُ الإلهي عليه بسجنه لجناية له خفية، فيَعدل من خلال ظلم البشر نفسه.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي قضيتنا هذه، والامتحانِ العسير الذي دخلنا فيه لأجل تمييز الألماس من قطع زجاجية تافهة، وفرزِ الصدّيقين الفدائيين من المترددين المرتابين، وتمحيصِ الخالصين المخلصين ممن لا يدَعون أنانيتهم ومصالحهم الشخصية.. هذا الامتحان العسير الذي دخلناه ينطوي على سببين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: خدمةُ الدين خدمة فائقة، من خلال تساندٍ وترابط وإخلاص قوي، حتى أثار حفيظةَ أهل الدنيا والسياسة، وقد نظر البشر إلى هذا السبب فظلَمَنا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: لمّا لم يُبيِّن كلٌّ منا إخلاصًا تامًّا، ولا أظهر تساندًا كاملًا ولا أهلية تستحقها الخدمة المقدسة، نظرَ القدَرُ الإلهي إلى هذا السبب، وعَدَل في حقنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا القدر الإلهي هو رحمة إلهية بحقنا في عين العدالة نفسها، إذ جَمع في مجلسٍ واحدٍ إخوةً مشتاقٌ بعضهم إلى بعض، وبدّل المصاعبَ إلى عبادات، وحوَّل الأموال الضائعة إلى صدقات، واستقطب الأنظار إلى الرسائل المستنسَخة، وأفهمنا أن أموال الدنيا وأولادَها، وراحةَ الإنسان فيها أمور مؤقتة زائلة، وأنه سيدَعها حتمًا تمضي إلى التراب، فلا داعي لأن يُفسد آخرتَه لأجلها، بل ليتعوّد على الصبر والتحمل، وأن يكون قدوة حسنة ورائدًا بطلًا، بل إمامًا لإخوانه في المستقبل.. وما شابهها من النواحي الأخرى التي كلُّها رحمةٌ إلهية محضة.</p>
<p style="text-align: justify;">بيد أن هناك جهة واحدة فقط تشغل فكري، وهي أن القلب والروح سينشغلان بجروحِ ما ألَمَّ بنا من مصاعب ومضايقات في حياتنا التي دخلناها، والتي هي بحكم الضرورة، مثلما يَترك العقلُ والقلب والعين وظائفَها المهمة إذا ما جُرح إصبع من الإنسان، فتنشغل تلك الجوارح بذلك الجرح.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن تلك الحالة ساقتني فكرًا إلى مجلس الماسونيين مع أنه كان من الضروري نسيان الدنيا في ذلك الوقت، وأشغلت فكري بإنـزال صفعات التأديب بهم؛ وقد وجدتُ السُّلوانَ في احتمالِ أن يقبل سبحانه وتعالى هذه الحالة -حالة الغفلة- نوعًا من جهادٍ فكري.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تسلمت سلام الأخ &#8220;علي كول&#8221; شقيق &#8220;الحافظ محمد&#8221; المعلم القدير لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري أرسل ألف سلام ودعاء إليه وإلى جميع إخوته، وإلى جميع أهالي قرية &#8220;ساو&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup> أحياءً وأمواتًا.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وسائل الزنادقة لمحاربة النور]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم يا إخوتي، لا داعي للإخفاء، إن أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية، فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملًا بأن يفرِّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل مُتَعِها المخدِّرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الأخوّة فيما بينهم، مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة.. هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنهم انخدعوا، لأن <strong>مسلك رسائل النور قد أسس على الإخلاص التام، وتركِ الأنانية،</strong> واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان أن مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا أيضًا هو في الإيمان، فضلًا عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أيًّا كانت أن تبلغها.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن اللّٰه، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لطيفة]</h3>
<p style="text-align: justify;"> <strong>لطيفة</strong>: ناداني أحدهم صباحًا من قاعة الجندرمة المجاورة لي، فصعدتُ الشباك.</p>
<p style="text-align: justify;">فقال: إن باب قاعتنا قد انسد من تلقاء نفسه، ولا نقدر على فتحه مهما حاولنا..</p>
<p style="text-align: justify;">قلت: هذه إشارة لكم بأن الذين تراقبونهم وتسدون عليهم الباب، فيهم أبرياءٌ أمثالكم. فلقد أهانوني بحجة لقاءٍ لدقيقة واحدة مع أحد إخوتي في الدين لم أره منذ عشر سنوات وسدّوا حتى الباب الخارجي الآخر بحجة أخرى، فانسد بابُكم عقابًا لذاك.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أحاديث ودية]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[بركةٌ مشهودة]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أَصرف منذ سنة من كيلو من الشعرية والرز، ولم تبق لي شبهة أن <strong>فيها بركة عظيمة،</strong> إلّا أنكم الآن لا تدَعوني لأطبخ بنفسي، لذا أقدّمها لكم هدية مباركة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد شاهدت مرةً بركةً خارقة من تلك الشعرية، فقد كنت أجفف حباتها بعد الطبخ، وشاهدتُ -أنا وآخرون- أن كلًّا من حباتها <strong>كانت تطول إلى عشرة أمثالها</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رُبّ إظهارٍ خيرٌ من إخفاء]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">كان الحراس وغيرُهم يسمعونني عندما كنت منشغلًا هذه الليلة بقراءة الأوراد، فخطر للقلب: ألا يُنقص هذا الإظهارُ من الثواب؟ فقلقت واضطربت، ولكن خطر بالبال قولُ حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي يقول: &#8220;<strong>رُبّ إظهارٍ خيرٌ من إخفاء</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن قراءة الأوراد علنًا، فيها استفادةُ الآخرين أو تقليدُهم أو تنبيههم من الغفلة أو إظهارُ العزة الدينية بما يشبه من إعلانٍ للشعائر الإسلامية أمام الضال السادر في السفاهة، وغيرها من الفوائد.. ولاسيما في هذا الزمان.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا يدخل الرياءُ في أعمال الذين تعلّموا دروسَ الإخلاص تعلُّمًا تامًّا، بل هو أفضل من الإخفاء بكثير، بشرط عدم تدخل التصنع، وهكذا وجدتُ السلوان من هذا الكلام.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما استدعاني حاكم التحقيق قبل يومين كنت أفكر في كيفية الدفاع عن إخواني، وفتحت كتاب &#8220;الحزب المصون&#8221; للإمام الغزالي، وإذا بالآيات الكريمة الآتية تلفت نظري: ﴿إنّ اللّٰه يُدافِعُ عَن الَّذينَ آمَنُوا..﴾، ﴿يَسْعى نُورُهم بَينَ أيْديهِم وَبأيْمانِهم..﴾، ﴿اللّٰه حَفِيظٌ عَليهِم..﴾، ﴿طُوبى لَهُم..﴾، ﴿رَبَّنا اتْمِم لَنا نُورَنا وَاغْفِر لَنا ..﴾.</p>
<h3 style="text-align: center;">[كونوا إخوانًا حقيقيين]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصدّيقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين اجتازوا الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين -القديمة والجديدة<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>&#8211; ولم يتزعزعوا، ولم يدَعُوا درسهم الإيماني، ولم يتخلَّوا عن صفة &#8220;الطالب&#8221; مهما كانت الظروف، ولم تنل من معنوياتهم هذه الكثرةُ الهائلة من الهجمات.. إن هؤلاء يرحب بهم الملائكة والروحانيون، كما سيرحب بهم أهلُ الحقيقة والجيلُ المقبل.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا مقتنع بهذا، ولكن الضيق المادي شديدٌ لوجود المرضى والفقراء المساكين فيما بينكم، فتجاه هذا الأمر، ليكن كلٌّ منكم مسليًا لكلٍّ من أولئك، وقدوة حسنة له في الصبر والأخلاق، وأخًا شفيقًا عليه في التساند واللطف، ومخاطَبًا ذكيًّا ومجيبًا عن أسئلته في أثناء الدرس الإيماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولَّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، هكذا أتصور الأمر وأتسلى به يا إخوتي يا من أحبهم أكثر من روحي.</p>
<h3 style="text-align: center;">[جبة مولانا خالد النقشبندي]</h3>
<p style="text-align: justify;">سأرسل لكم يومًا جبة مولانا خالد قدس سره والتي عمرها مائة وعشرون سنة، فكما أنه قد ألبسَنيها فأنا بدوري سأرسلها إليكم متى شئتم، ليلبسها كلٌّ منكم باسمه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[اللقاح يزعجني]</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد أجرى الطبيب عليَّ لقاح الجدري في بداية مجيئنا هنا، فتورّمت الذراع، وتسرب الورم إلى الأسفل حتى لا يَدَعُني أن أنام، ويزعجني في أثناء الوضوء.. تُرى هل أن جسمي لا يتحمل التطعيم بالجدري، أم هناك معنى آخر في الأمر؟</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أخذتُ التطعيم بالجدري قبل عشرين عاما في &#8220;أنقرة&#8221; ويلتهب موضع التطعيم إلى الآن بين حين وآخر، ويزعجني. فأخشى أن يكون هذا كذلك مثله، فكيف الأمر عندكم؟</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حكمةٌ إلهيةٌ في دخولنا السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن حكمة واحدة لعدالة القدر الإلهي في سَوقنا إلى المدرسة اليوسفية لـ&#8221;دنيزلي&#8221; هو <strong>حاجة المسجونين فيها وأهاليها -وربما موظفيها ومأموري دائرة العدل- إلى رسائل النور وإلى طلابها</strong> أكثر من أي مكان آخر.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذا فقد دخلنا امتحانًا عسيرًا بوظيفة إيمانية وأخروية، إذ ما كان إلّا واحدٌ أو اثنان من كل عشرين أو ثلاثين مسجونًا يؤدون صلاتهم ويوفون حقها من تعديل الأركان، ولكن ما إن دخل أربعون أو خمسون طالبًا من طلاب النور وكلهم يؤدون صلاتهم أداءً تامًّا دون استثناء إلّا كان لهم درسًا بليغًا وإرشادًا فعليًّا <strong>بلسان الحال</strong>، بحيث يزيل هذا الضيقَ والضجر والرهق بل قد يحببه.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلما يرشد طلابُ النور إلى هذا الأمر <strong>بأفعالهم وأحوالهم</strong>، نأمل من رحمته تعالى أن يجعلهم -بما يحملون من إيمان تحقيقي في قلوبهم- قلعة حصينة، ينقذون بها أهل الإيمان من سهام شبهات أهل الضلال.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا ضَير مما يفعله أهل الدنيا من منعنا عن مخاطبة الآخرين ولقائهم؛ إذ <strong>لسان الحال أفصح من لسان المقال</strong> وأكثر تأثيرًا منه.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام دخول السجن هو لأجل التربية، فإن كانوا يحبون الأمة حقًّا فليسمحوا بلقاء المسجونين مع طلاب النور كي يحصلوا في شهر واحد -بل في يوم واحد- على التربية المرجوة حصولها في أكثر من سنة، وليصبحَ أولئك المسجونون أفرادًا نافعين للبلاد والعباد وينقذوا مستقبلهم وآخرتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">لو كان عندنا رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221; لكانت تنفع كثيرًا، نسأل اللّٰه أن ييسر دخولها هنا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[خدمة الإيمان أسمى من أي مقامٍ معنوي في هذا الزمان]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول &#8220;الشيخ ضياء الدين&#8221; بيني وبين أخي الكبير المرحوم &#8220;الملا عبد اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم فكرت فيكم وقلت في قلبي: إن الذي يُظهر ثباتًا إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: <strong>لو رفع الحجاب</strong> (حجاب الغيب) وبدا لي كلٌّ منهم في درجة الأولياء الصالحين، بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية، <strong>فلا يزيد شيء في نظري عنهم</strong>، ولا أغير ما أُولِيهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر إلّا قليلًا، وكذلك لو بَدَوا لي أشخاصًا اعتياديين من العوام، <strong>فلا أنقص أبدًا مما أمنحهم</strong> في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنـزلة رفيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا قررتُ، لأن <strong>خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شيء</strong>، فالمقامات الشخصية والمزايا التي يُضْفيها حسنُ الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة، فيقِلُّ حسنُ الظن وبالتالي المحبةُ؛ زد على ذلك أن صاحب الفضيلة والمزية يشعر <strong>بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع</strong> كي يحافظ على مكانته في نظرهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فشكرًا للّٰه بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا تقلقوا.. ستسطع الأنوار]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">أبارك لكم الليالي العشر بكل روحي وقلبي وعقلي، ونسأله تعالى ونأمل من رحمته الواسعة أن تُكسِبنا مكاسبَ عظيمةً جدًّا وفق ما بيننا من اشتراكٍ معنوي.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد رأيتُ الليلةَ فيما يرى النائم أنني قد أتيتكم، وما إن بدأت أصلي بكم إمامًا حتى استيقظت، وفي الوقت الذي أتوقع تحقق رؤياي -حسب تجاربي- إذا بأخَوَين اثنين من إخواننا الميامين في قرية &#8220;ساو&#8221; و&#8221;حوما&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup> قد أتيا، تعبيرًا عن الرؤيا باسمكم جميعا، فسررت كثيرًا وكأنني قد التقيتكم جميعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. على الرغم من أن هذا الوضع (السجن) قد سبب نوعًا من التوجس والخيفة إزاء رسائل النور لدى الموالين للحكومة ولدى قسم من الموظفين، إلّا أنه سبَّبَ في المعارضين جميعًا ولدى أهل الدين والموظفين ذوي العلاقة اهتمامًا واشتياقًا نحوها.</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا يا إخوتي ستسطع تلك الأنوار.</p>
<p style="text-align: justify;">﴿(٭): انتبه يا أخي! بينما كانت جميع أسباب العالم في سجن &#8220;دنيزلي&#8221; تستهدف الأستاذ ظاهرا فيساق إلى المحاكم ويقرر بحقه أحكام الإعدام، يقول الأستاذ: &#8220;لا تقلقوا يا أخوتي ستسطع تلك الأنوار&#8221;. فانظر كيف تحقق هذا الكلام. (طلاب النور).﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة &#8220;الثمرة&#8221; هي دفاعنا الحقيقي]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أخال أن الرسالة الصغيرة التي أثمرها سجن &#8220;دنيزلي&#8221; ستكون دفاعنا الحقيقي والأخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقًا والناشئة من أوهامٍ وشكوكٍ أثيرت ضدنا منذ سنة، قد صُممت على نطاق واسع، وهي: &#8220;العمل لطريقة صوفية.. إنهم منظمة سرية.. وأداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة والإخلال بأمن البلاد..&#8221; وأشباهها من الحجج التي لا أساس لها من الصحة، لذا شنوا هجومهم علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أصبحتْ خططهم بائرة وباءت بالإخفاق، إذ لم يجدوا في هذا الميدان الواسع وبين مئات من الطلاب ومئات من الرسائل والكتب طوال ثماني عشرة سنة سوى أبحاث في حقيقة الإيمان والقرآن وتحقق الآخرة والسعي للسعادة الأبدية، لذا بدؤوا يتحرَّون عن حججٍ تافهةٍ جدًّا ليستروا بها خُططهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إزاء احتمال الهجوم علينا باستغفال بعض أركان الحكومة والتغرير بهم وإثارتهم علينا من قبل منظمةٍ ملحدةٍ رهيبةٍ متسترةٍ تعمل حاليًّا عملًّا مباشرًا في سبيل الكفر المطلق، فإن رسالة &#8220;الثمرة&#8221; الواضحةَ كالشمس والمزيلةَ للشبهات والأوهام، والراسخةَ رسوخ الشم العوالي: تكون أقوى دفاع لنا تجاههم، وسوف تسكتهم بإذن اللّٰه، وأحسب أنها كُتِّبت لنا لأجل هذا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وصيتي لإخواني]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[تساندوا.. تراحموا.. وارضوا بالقدَر]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">على الرغم من ضيق مكانكم ضيقًا شديدًا، فإن قلوبكم أوسعُ من ذلك الضيق، فضلًا عن أن لكم حريةً أكثر مما عندنا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اعلموا يا إخوتي أن أهم أساس لقوتنا ونقطة استنادنا هي: التساند. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وإياكم والنظر إلى تقصيرات بعضكم البعض</strong>، مما يولِّده الانفعال في الأعصاب من جراء هذه المصائب.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالشكاوى هي بمثابة الاعتراض على القدر الإلهي</strong>، فلا يقولنَّ أحدُكم: لو لم يكن كذا لمَا حدث هكذا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا يغضب بعضكم على البعض</strong> الآخر، فلقد علمتُ أنه لا نجاة ولا حيلة لنا من هجوم هؤلاء، فكانوا يهجمون علينا مهما كنا نعمل، وما علينا إلّا أن نقابلهم بالصبر والشكر والرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقدَره، لتُمِدَّنا العنايةُ الإلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">فينبغي لنا أن نسعى لكسب الثواب العظيم والحسنات الكثيرة في زمن قليل وبعمل قليل.</p>
<p style="text-align: justify;">دعواتنا الخالصة بسلامة إخواننا هناك.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نعمة لقاء الإخوة في الله]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن لقاء الأصدقاء ومجالسة الإخوان منبعٌ ثرٌ للسلوان لما يعاني منه الإنسان من سرعة تبدل هذه الحياة الدنيا، ومن زوالها وفسادها، ومن فنائها وفناء متعها التي لا تجدي شيئا، ومن صفعات الفراق والافتراق التي تنـزلها بالإنسان..</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، قد يقطع إنسان مسافة عشرين يومًا، ويصرف مائة ليرة، لأجل لقاء أخيه لساعات معدودة.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذا الزمان العجيب الذي قلما يوجد فيه صديقٌ صدوق، لا تُعَدُّ هذه المشقات والمصاعب التي نزلتْ بنا مع ضياع الأموال ذاتَ أهمية تُذكر إزاء رؤية أربعين أو خمسين من الأصدقاء الصادقين والإخوة المخلصين دفعةً واحدةً طوال شهرين من الزمان، ومجالستهم ومحاورتهم في سبيل اللّٰه، والتسلي بهم وتسليتهم تسلية حقيقية، فأنا شخصيًّا كنت أرضى بهذه المصاعب والمشقات رجاء رؤية واحد من إخوتي هنا فحسب بعد فراقي عنهم عشر سنوات.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اعلموا أن الشكوى اعتراض على القدر والشكر تسليم له.</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[&#8220;سعيدون&#8221; كُثر بدلًا مني]</h3>
<p style="text-align: justify;">ثِقوا يا إخواني أنه لو حضر الأجلُ الآن، وتُوُفِّيتُ، لاستقبلته براحة قلب وانشراح صدر، لأنني على قناعة تامة من أن فيكم &#8220;سعيدِين&#8221; كثيرين شبانا أقوياء ثابتين سيتولون القيام بمهمة رسائل النور والدفاع عنها وحمايتها ووراثتها، أفضل بكثير من هذا &#8220;السعيد&#8221; الضعيف العجوز العاجز المريض.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[في السجن أنتم في في عبادةٍ وأجرٍ جزيل]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لِمَا أنكم قد ارتبطتم برسائل النور رغبةً بثواب الآخرة، وأداءً لنوعٍ من العبادة، فلا شك أن <strong>كلَّ ساعةٍ</strong> من ساعاتكم -تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة- تصبح في حكم عبادة <strong>عشرين ساعة</strong>..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والعشرين ساعة</strong> من العمل في خدمة القرآن والإيمان -لما فيها من جهاد معنوي- تكسب أهمية <strong>مائة ساعة</strong>..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والمائة ساعة</strong> التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من إخوة طيبين -كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص- وعقدِ أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم -بالقوة المعنوية- والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذِ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَرًا، وتناوله رزقَه المقدَّر له فيها، نوالًا للثواب.. <strong>تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا،</strong> والتجمل <strong>بالصبر</strong> <strong>وتحمل</strong> جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حاجة كل ولاية إلى أبطال النور]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أَرغب -قلبًا- في أن يظهر هنا من &#8220;قسطموني&#8221; وما جاورها، كما ظهر من &#8220;إسبارطة&#8221; وحواليها أبطالٌ ميامين ثابتون ثباتَ الحديد والفولاذ أمثال &#8220;خسرو&#8221; و&#8221;الحافظ علي&#8221;، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد الشكر، فقد حققتْ ولايةُ &#8220;قسطموني&#8221; أمنيتي تحقيقًا تامًّا، فأمَدَتْنا بعديدٍ من الأبطال.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتي إلى الإخوة جميعًا الذين يدورون دومًا في خيالي فردًا فردًا ممن لم أكتب أسماءهم، وأدعو لهم بالسلامة والأمان.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نحن في جهادٍ معنوي نحمد الله عليه]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!‌</p>
<p style="text-align: justify;">أبيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون علي، ولا لتحاولوا أخذ التدابير المادية اللازمة، بل <strong>لأستفيد من إكثار دعواتكم</strong> حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، <strong>وللاستزادة من ضبط النفس</strong> وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما أقاسيه هنا من عذابٍ وعنَتٍ في يومٍ واحد، [يعادل] ما كنت أقاسيه في شهرٍ في سجن &#8220;أسكي شهر&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليَّ ماسونيًّا ظالمًا، كي يجدوا مبررًا من قولي: &#8220;كفى إلى هذا الحد&#8221; النابعِ من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سببًا لتعدياتهم الجائرة، ويستروا تحته أكاذيبهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أصبر شاكرًا، وأعُدُّ هذا الصبر أثرًا خارقًا من آثار إحسانٍ إلهيّ، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر، فما دمنا مستسلمين للقدَر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تُعَدُّ وسيلةً لكسبِ ثوابٍ أكثر ونوالِ أجرٍ أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: &#8220;خير الأمور أحمزُها&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup> لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر، ونحن مقتنعون قناعةً تامةً بحق اليقين أننا <strong>قد نذرنا حياتنا لحقيقةٍ جليلةٍ أسطعَ من الشمس</strong>، وجميلةٍ كجمال الجنة، وحلوةٍ لذيذةٍ كلذة السعادة الأبدية، ولذلك ما ينبغي أن يَصدر منا الشكوى قط، بل تدفعُنا هذه الأحوال الصعبة إلى أن نقول: <strong>نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم على أن تفضل به علينا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;"> إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أول ما نوصيه وآخرَه: <strong>الحفاظُ على الرابطة فيما بينكم</strong>، <strong>والحذر من الأنانية والغرور والمزاحمة</strong>، مع أخذ <strong>الحذر وضبط النفس</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نعم.. نحن أعضاء في تنظيم قدسي عظيم]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء!‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد فُهِم من الادعاء الذي قدّمه المدعي العام، أن <strong>خطط الزنادقة</strong> المتسترين الذين يغررون ببعض أركان الحكومة ويستغفلونهم <strong>قد باءت بالفشل</strong> وظهر زيفُها وأكاذيبُها، إلّا أنهم يتشبثون الآن بحججٍ واهية، كإسنادِ تأسيسِ جمعيةٍ وتشكيل منظمةٍ سريةٍ محاوِلين به الستر على أكاذيبهم، وقد ظهر أَثر عملهم هذا في منع الناس -أيًّا كانوا- من اللقاء معي، وكأنه إذا ما حدث اللقاء سينضم الشخص إلينا فورًا، بل حتى الموظفون الكبار يتوجسون خيفة، أو يحببون أنفسهم لآمريهم بتشديد خناق المضايقة عليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد كنت عازمًا على قول هذه الفقرة الآتية ختام الاعتراض الذي قدمناه إليهم، إلا أن حادثة حدثت وحالت دون ذلك؛ والفقرة هي:</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، نحن جمعية، تلك <strong>الجمعية التي لها ثلاثمائة وخمسون مليونًا من الأعضاء في كل عصر،</strong> وهم يؤكدون كمال احترامهم وصادق ارتباطهم وتعلقهم بمبادئ تلك الجمعية المقدسة &#8211;<strong>بإقامة الصلاة</strong>&#8211; خمس مرات يوميًّا، ويتسابقون في مدِّ يد العون والمساعدة بعضهم إلى بعض، سواء بدعواتهم الشخصية عن ظهر الغيب، أو بمكاسبهم المعنوية الوفيرة وفق الدستور الإلهي: ﴿إنّما المؤمِنون إخوةٌ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا <strong>فنحن أعضاء في تلك الجمعية المقدسة العظمى</strong> إذَن، أما وظيفتنا ضمن نطاق هذه الجمعية فهي: تبليغ الحقائق الإيمانية التي يتضمنها القرآن الكريم إلى طلاب الحق والإيمان على أصح وجه وأنزهِه، إنقاذًا لأنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي وبرزخِ السجن الانفرادي السرمدي.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الجمعيات الدنيوية المؤسسة على الدسائس والأحابيل السياسية فلا علاقة لنا بها من قريب أو بعيد بل نترفع عنها.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[السجن مدرسة وطلاب النور فيها علماء]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شعرت بألم تام تجاه كلٍ منكم فجر هذا اليوم، ولكن خطرت بالبال فجأة &#8220;رسالةُ المرضى&#8221; فأورثت السلوان.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذه المصيبة شبيهة بنوعِ من مرض اجتماعي، وإن أكثر الأدوية الإيمانية المذكورة في تلك الرسالة تعمل عملَها في هذا المرض أيضًا، ولاسيما الآلام التي تورثها المصيبة، فقد ولَّت قبل هذه الساعة، بينما ثبت أجرُها وخيراتُها وفوائدها الدنيوية والأخروية والإيمانية والقرآنية، مثلما ذكرتُه للمريض الميمون من &#8220;أرضروم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن تلك المصيبة الواحدة العابرة قد انقلبت إلى نِعمٍ متعددة دائمة، أما الزمان القابل فلأنه غير موجود الآن، فلا ألمَ حاليًّا لما ستدوم فيه من مصيبة، لذا فإيراث الألم من العدم بالتوهم هو عدمُ ثقةٍ برحمة اللّٰه وقدَره سبحانه وتعالى.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن <strong>أغلب البشر على سطح الأرض مبتلَون بمصائب ماديةٍ ومعنويةٍ قلبًا وروحًا وفكرًا،</strong> وإن مصيبتنا بالنسبة إليهم خفيفةُ الوطء جدًّا ومُربحة، فضلًا عن أنها تورث مكاسب وفوائد ماديةً ومعنويةً للقلب والروح والإيمان والصحة والسلامة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثا</strong>: لو لم نكن ندخل إلى هنا (السجن) في خضم هذه الأعاصير الهُوج، لكانت وطأة هذه المصيبة الخفيفة ثقيلةً جدًّا لدى لقاء الموظفين الذين تُساوِر قلوبَهم الشكوكُ والأوهام، ولكان يَنـزل بنا بلاءُ التصنع والتزلف لهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعا</strong>: إن <strong>رؤيةَ أحباء حقيقيين</strong> رحماء -أرحم على الإنسان من شقيقه- في هذا الشتاء المادي والمعنوي المضاعف الذي تعطلت فيه الأعمال وفي هذه المدرسة اليوسفية التي هي مدرسة واحدة من مدارس الزهراء، <strong>واللقاءَ بإخوة الآخرة</strong>، وهم بمثابة مرشدين ناصحين، <strong>وزيارتَهم والاستفادة</strong> من مزاياهم الخاصة، <strong>والتـزودَ</strong> من حسناتهم التي تسري سريان النور والنوراني في المواد الشفافة، <strong>وحصولَ</strong> ذلك بمنتهى الرخص وبتكاليف قليلة، فضلا عن <strong>الاستمداد</strong> من معاونتهم المعنوية ومن مسرّاتهم وسلوانهم.. <strong>كل ذلك</strong> يجعل هذه المصيبة تُبدِّل شكلَها وتتحول إلى نوع من مشهدِ عناية ربانية معنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن ظرافةً لطيفةً لهذه العناية الخفية هي أنهم <strong>يطلقون على جميع طلاب النور القادمين إلى هنا لقب: &#8220;العلماء&#8221;،</strong> فترى على لسان الجميع ذكرهم باحترام وإجلال بكلمة &#8220;علماء.. علماء..&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فضمن هذه الظرافة إشارة لطيفة، وهي أن <strong>السجن قد تحول إلى مدرسة علمية وأصبح طلاب النور مدرسين ومعلمين فيها،</strong> وستصبح بإذن اللّٰه سائر السجون بمثابة مدارس بفضل هؤلاء العلماء.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسائل النور تُنيل رتبةَ طالب العلم]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لو تُقرأ أحيانا أمثال هذه الرسائل الصغيرة المسلية، علاوةً على مطالعة رسالة &#8220;الثمرة&#8221; ولا سيما المسائل الأخيرة منها، وتَداولَ الإخوة فيما بينهم تداولًا فكريًّا المسائلَ التي تخطر على البال من رسائل النور، لكسِب المرء بإذن اللّٰه <strong>شرف طالب العلوم الشرعية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أولى علماء أفذاذٌ الأهميةَ لطلبة العلوم الشرعية حتى قال الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه: <strong>&#8220;نوم طالب العلم عبادة&#8221;. </strong></p>
<p style="text-align: justify;">لذا لو حدثت مائة ألف ضيقٍ وضيقٍ من جراء <strong>التتلمذ</strong> -هذا الشرف الرفيع- في مثل هذه المواضع المؤلمة الشاقة، وبخاصةٍ في مثل هذا الزمان الذي انعدمت فيه المدارس الشرعية، ينبغي عدم الاهتمام بتلك المضايقات، بل التبسم بفرحٍ وسرورٍ في وجه تلك المصاعب قائلين: &#8220;خير الأمور أحمزها&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[قاعدةٌ لراحة البال]</h3>
<p style="text-align: justify;">أما من حيث تكاليف العيش لعوائل الإخوة الفقراء، فحيث إن النظر يكون في المصيبة إلى الأكثر مصيبةً، وفي النعم إلى الأقل نعمةً، وذلك بناءً على قاعدة قرآنية إيمانية ونورية؛ لذا فهم في راحة تامة أكثر من ثمانين بالمائة من الناس، فليس لهم حق الشكوى، بل عليهم حق الشكر بثمانين درجة، شكر فوق شكر.</p>
<h3 style="text-align: center;">[التسليم للقدر شاكرين]</h3>
<p style="text-align: justify;">ثم إن حصولنا على ما قسم اللّٰه لنا هنا من رزقٍ قد عيَّنه القدرُ الإلهي، وجمعَتْنا عدالةُ الرحمة الإلهية مُوْدِعةً الأهلَ والأطفالَ إلى رزَّاقهم الحقيقي، ومسرِّحةً لهم من وظيفة الإشراف على رزقهم مؤقتًا -كما سيَعزله يومًا ما عزلًا تامًّا- فما دامت الحقيقة هي هذه فعلينا أن نقول: ﴿حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل﴾، مسلِّمين أمرَنا إليه تعالى، شاكرين له أجزل شكر.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وصايا للاحتياط والحذر في السجن]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني محظوظٌ وشاكرٌ للّٰه بوجودي قريبًا منكم وفي بناية واحدة (من السجن)، رغم أنني لا أقابلكم وجهًا لوجه، وأحيانًا يخطر إلى قلبي أخذُ تدابير لازمةٍ دون اختيارٍ مني؛ فمثلًا:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أرسل الماسونيون إلى الزنزانة المجاورة لنا سجينًا جاسوسًا وكذابًا، ولما كان التخريب سهلًا -ولا سيما في مثل هؤلاء الشباب الطائشين- علمتُ أن الزنادقة يسعَون لبثِّ الفساد وهدم الأخلاق إزاء قيامكم بالإرشاد والإصلاح، لَما لمستُ من هذا المدعو أذى مؤلمًا وإفسادًا لأولئك الشباب.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">يلزم -بل في غاية الضرورة- أخذُ الحذر الشديد تجاه هذا الوضع، وعدمُ إبداء مشاعر الاستياء من المسجونين السابقين قدر الإمكان، وعدمُ فسح المجال ليستاؤوا منكم، والحيلولةُ دون حدوث التفرقة والثنائية، مع التحلي بضبط النفس والتجمل بالصبر.</p>
<p style="text-align: justify;">ويلزم على إخواننا المحافظةُ على قوة التساند والأُخُوَّة، وذلك بإبداءِ التضحية وترك الأنانية والتواضع قدر الإمكان.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الانشغال بأمور الدنيا يؤلمني، فأعتمد على فطنتكم، لأنني لا أستطيع التوجه إليها من غير اضطرار.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اثبتوا ولا تضيعوا وقتكم في الجدال]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أصبح ضروريًّا بيانُ مسألةٍ أُخطرت صباح هذا اليوم إزاء كل احتمال:</p>
<p style="text-align: justify;">كثيرًا ما تحرت نفسي وشيطاني منذ عشرين عامًا الحقائقَ التي استنبطناها من القرآن، والتي هي أشبه بالشمس أو النهار لا تقبل أي شك أو ريب أو تردُّد، قائلَين: &#8220;<strong>ما رأي الفلاسفة المتزندقة تجاه هذا وما مستندهم</strong>؟&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">ولما لم تجد نفسي وشيطاني ثُلمةً أو نقصًا، سَكَتَا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأعتقد أن الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني الحساسَين جدًّا والعاملَين معًا، قادرةٌ على حمل أشد الناس تمردًا على الصمت والسكوت أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دمنا <strong>نعمل من أجْل حقيقةٍ هي من أهمِّ الحقائق وأجَلِّها، وأشدِّها ثبوتًا ورسوخًا</strong>؛ ولا يمكن تقييمها أو تقديرها بأي قيمة مادية مهما كانت، ويَهون بذلُ النفس والروح والصَّديق والحبيب، بل الدنيا بأسرها في سبيل تحققها، <strong>فلا بد إذن من أن نصمد</strong> بكمال المتانة والصبر تجاه جميع الويلات والمحن التي قد تَنـزل بنا، <strong>وأن نواجه بصدرٍ رحبٍ</strong> جميع مضايقات الأعداء.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ من المحتمل جدًّا أن يُحرَّكَ ضدَّنا مشايخُ أو علماءُ متظاهرون بالتقوى، مخدوعون بأنفسهم أو بتحريضِ غيرهم لهم.. وتجاه موقف كهذا، لا بد لنا من المحافظة على وحدتنا وتساندنا، وعدم تضييع الوقت معهم في الجدل والنقاش الفارغ.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إخطارات]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور تهديدٌ للزنادقة]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شعرت -بإخطارٍ معنويٍّ- فجرَ هذا اليوم أن السبب الحقيقي لهذا الهجوم الواسع والتعدي علينا ليس &#8220;الشعاع الخامس&#8221;، بل &#8220;الحزب النوري&#8221; و&#8221;مفتاح الإيمان&#8221; و&#8221;الحجة البالغة&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد قرأتُ بإمعانٍ قسمًا من &#8220;الحزب النوري&#8221;، وتأملت في &#8220;مفتاح الإيمان&#8221;، فعلمتُ أنَّ الزنادقة لا يستطيعون الحفاظ على مسلكهم إزاء ضربات هذين السيفَين الحادَّين الألماسيَّين، ولكن أظهَروا &#8220;الشعاع الخامس&#8221; سببًا ظاهريًّا، وذلك لعلاقته الجزئية بالسياسة، واستغفلوا به الحكومة وأثاروهم ضدنا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تتخلوا عن العمل النوري]</h3>
<p style="text-align: justify;">ولقد ورد بالبال مع هذا الإخطار نفسه أنه &#8220;لو تخلى بعض الإخوة الضعفاء عن العمل مؤقتًا، لربما ينجو من هذه المصيبة&#8221;، فأردت أن أسمح لهم بهذا، ولكن فجأة أُخطر للقلب: أن الذي دامت علاقتُه إلى هذا الحد ودخل هذا الامتحان مرتين، والذي قاسى لأجله ما قاسى وتضرر أضرارًا بليغة، لا يجوز له التخلي قلبًا -والذي فيه الضرر دون النفع- بل يمكنه ذلك لمجرد خداعهم بإظهارِ اجتنابٍ ظاهريٍّ بحت، وإلّا يُلحِق الضررَ بنفسه وبنا وبمسلكنا المقدس، وتأتيه لطمةُ تأديبٍ بخلاف مقصوده جزاءً لما يفعل.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور تحوِّل السجن إلى مغنم]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي يقاسي عذاب هذا السجن ومشقاته الذي هو أشد برودة وضيقًا من سائر الأماكن، لا شك أن تكون له رغبة في التهرب مما سبَّبَ هذا السجنَ وأدّى إلى الدخول فيه، كلٌّ حسب درجته. ولكن سببه الظاهري الذي هو رسائل النور التي تُكسب أولئك الذين يقاسون المتاعب، الإيمانَ التحقيقي وحسنَ الخاتمة، والثواب الجزيل من الأعمال الصالحة لمئات العاملين الناشئ من الاشتراك المعنوي.. أقول: إن هذه الفوائد <strong>تُبدِّل تلك المشقات المُرَّة إلى رحماتٍ حلوةٍ لذيذة،</strong> لذا فإن ثمن هاتين النتيجتين هو: الثبات التام والوفاء الخالص الذي لا يتزعزع؛ ومن هنا فإن الندمَ والتخلي خسارتان جسيمتان.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا السجن خير لأولئك الطلاب <strong>الذين لا علاقة لهم بالدنيا</strong>، أو لهم علاقة واهية جدًّا، بل هو موضعُ حريةٍ لهم من جهة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>الذين لهم حرثٌ في الدنيا</strong> وأمورهم المعاشية على ما يرام، فإن النقود المصروفة تكون بمثابة صدقات مضاعفة لهم، وتُبدَّل ساعاتُ العمر الماضيةُ إلى عبادات مضاعفة، لذا ينبغي لهم الشكر بدل الشكوى.</p>
<p style="text-align: justify;">أما قسم <strong>الفقراء والضعفاء المساكين</strong>، فلأنهم كانوا لا يكسبون ثوابًا كثيرًا خارج السجن، بل يتحملون مسؤولياتٍ شاقة، فهذا السجن الذي يُكسبهم الخير الكثير والثواب العظيم، ومن دون أن تكون على عاتقهم مسؤولية ما، والمشقات التي تتخفف بالتسلي بين الإخوان.. تكون مبعث شكر لهم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لقد ترقَّيتَ وأنت لا تدري]</h3>
<p style="text-align: justify;"> يا إخوتي الأوفياء الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">قال لي أحد الأتقياء في &#8220;قسطموني&#8221; شاكيًا: &#8220;لقد تردَّيتُ، وتقهقرتُ عن حالي السابق، إذ فَقدتُ ما كنتُ عليه من أحوال وأذواق وأنوار&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت له: بل قد ترقيتَ، واستعليتَ على الأذواق والكشفيات التي تلاطف النفسَ وتذيقها ثمراتها الأخروية في الدنيا، وتعطيها الشعور بالأنانية والغرور؛ وقد طِرتَ إلى مقامٍ أعلى وأسمى، وذلك بنكران الذات وترك الأنانية والغرور، وبعدم التحري عن الأذواق الفانية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن إحسانًا إلهيًّا مهما هو عدمُ إحساسِ مَن لم يدَع أنانيتَه بإحسانه، كيلا يصيبه الغرورُ والعجب.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">بناءً على هذه الحقيقة، فإن من يفكر مثل هذا الشخص، أو يهتم بمقامات باهرة يمنحها حسنُ الظن، عندما ينظر إليكم، ويرى فيكم طلابًا قد لبسوا لباس التقوى والتواضع التام، وتسربلوا بخدمة الناس، يتصوَّركم من العوام، أو أُناسًا عاديين، فيقول: &#8220;أهؤلاء هم أبطالُ الحقيقة ورجالُها؟! أوَهؤلاء يتحدَّون الدنيا بأسرها؟! هيهات! أين هؤلاء من أولئك المجاهدين في سبيل هذه الخدمة المقدسة، والذين سبقوا الأولياء الصالحين في هذا الزمان فأعجزوهم عن اللحاق بهم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن كان صديقًا تصيبه خيبةُ أمل، وإن كان معارضًا يجد نفسَه مُحقًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن ثمرات سجنكم<sup class="modern-footnotes-footnote ">10</sup> في نظري حلوةٌ وذات أهمية كثمرات الفردوس؛ فكما أنها حَققت الآمالَ العظيمة التي كنتُ أعقدها عليكم وصدّقتْ دعاواي، فقد أظهرَتْ قوةَ التساند والترابط بأفضل ما يكون.</p>
<p style="text-align: justify;">إن تلك الأقلام المباركة كلما اتحدت أظهرتْ قيمةَ ثلاثمائة أو أربعمائة من الأقلام تحت هذه الشروط والضغوط، كاتحاد ثلاثِ أو أربع ألِفات<sup class="modern-footnotes-footnote ">11</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن الحالة الروحية التي تحافظ على وحدتكم تحت هذه الأحوال المضطربة تُثْبت دعواي بالأمس.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، -ولا مشاحة في المثال- فكما أن وليًّا عظيمًا لا يرتقي إلى موقع صحابي صغير في العمل للإسلام كما اتفق عليه أهلُ السنة، كذلك إن أخًا خالصًا من إخواننا الذي ترك حظوظَ نفسه في هذا الزمان وعمل في خدمة الإيمان وسعى في سبيل نكران الذات وبذل ما في وسعه للحفاظ على التساند والاتحاد، <strong>هذا الأخ يحرز موقعًا أكثر من الولي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا اقتنعت وأنتم بدوركم تُسندون قناعتي هذه، ليرض اللّٰه عنكم أبدًا، آمين.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الاشتغال برسائل النور بركة وانشراح]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن &#8220;رسالة الثمرة&#8221; ذاتُ أهمية عظيمة وقيمة عالية، آمل أن يفتح اللّٰه بها قلوبَ الكثيرين في وقت ما، وأنتم قد أدركتم قيمتَها وقدّرتموها حق قدرها حتى لم تدَعوا هذه المدرسة اليوسفية دون درس.</p>
<p style="text-align: justify;">أقول ما يعود لنفسي: إن ثمرة هذه الأتعاب التي تكابدونها والمصاريف التي تبذلونها إنْ كانت هي هذه &#8220;الرسالة&#8221; وحدَها ورسالةَ &#8220;الدفاع&#8221; واللقاءَ معكم في موضع واحد.. فزهيدةٌ تلك المصاريف، وتلك الأتعاب؛ بل لو حُمّلت عشرة أمثال هذه المصيبة لكانت رخيصةً في سبيل هذه الأمور.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد اقتنعت قناعة كاملة نتيجة تجاربي الكثيرة -ولاسيما في هذا السجن الضيق- أنَّ <strong>الاشتغال برسائل النور قراءةً وكتابةً يخفف كثيرًا من الضيق والضجر ويورث الفرح والانشراح</strong>، وفي الوقت الذي لا أنشغل بها تتضاعف تلك المصيبةُ وتؤلمني أمورٌ تافهة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على بعض الأسباب كنت أظن أن &#8220;خسرو والحافظ علي وطاهري&#8221; في ضيق شديد، ولكن رأيت أنهم ومن معهم أكثر ثباتًا وأكثر استسلامًا لأمر اللّٰه وينعَمون براحة القلب واطمئنانه.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أقول: تُرى ما السبب؟ وأدركت الآن أنهم <strong>يؤدون وظيفتهم الحقيقية ولا ينشغلون بما لا يعنيهم من أمور ولا يتدخلون بأمر القضاء والقدر</strong>، ولا يقلقون ولا يضطربون ولا ينتقدون أحدًا ذلك التنقيد النابع من الأنانية وقصد النفع؛ فلقد بيَّضوا وجوه طلاب النور بثباتهم واطمئنان قلوبهم، وأَظهَروا القوة المعنوية لرسائل النور تجاه الزندقة.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن يعمم ما في أولئك من تواضع تام وعزة كاملة في نُكران الذات وخصال البطولة والريادة ويجعلها شاملةً جميع إخواننا. آمين.</p>
<h3 style="text-align: center;">[اتركوا الأنانية ولو كانت في طريقٍ مشروع]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن غرورًا رهيبًا ناشئًا من الغفلة وحب الدنيا، يُجري حكمَه في هذا الزمان، <strong>فعلى أهل الحق تركُ الغرور والأنانية وقصدُ المنافع حتى لو كان في طريقٍ مشروعٍ أيضًا</strong>. وحيث إن طلاب رسائل النور الحقيقيين قد أذابوا أنانيتهم الشبيهة بقطعة ثلج في الشخص المعنوي والحوض المشترك للجماعة، فلا يتزعزعون بإذن اللّٰه في غمرة هذه العواصف والأعاصير.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن خطة مهمة ومجرّبة للمنافقين هي جمعُ أمثال هؤلاء الذين كلٌ منهم يملك شخصيةَ ضابط وحاكم، في مسألة واحدة، في مكان ضيق يهيّج الأعصاب ويورث الضجر والنقاش الحاد والجدال والنقد، ويثيرون فيهم النـزاع لبعثرة قوتهم المعنوية، ثم يؤدّبون مَن فَقدَ قوته المعنوية بيسر وسهولة.</p>
<p style="text-align: justify;">فطلاب رسائل النور لأنهم يسلكون مسلك الخَلَّة والأخوة والفناء في الإخوان سيُفشِلون هذه الخطة المهمة المجربة للمنافقين بإذن اللّٰه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثباتٌ رغم الامتحان العسير]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأوفياء الأعزاء‌..</p>
<p style="text-align: justify;">كان فيما مضى مريدون كثيرون جدًّا ينتمون إلى شيخ جليل، في بلد من البلدان، فقلقت منهم رجالات الدولة فيها خوفًا من تعرضهم لأمور السياسة، فأرادوا تشتيت جماعة الشيخ، فقال لهم: ليس لي إلّا مريد واحد ونصف مريد، لا غير، وإن شئتم نُقِمْ عليهم التجربة والاختبار.</p>
<p style="text-align: justify;">نصب الشيخ خيمة في ضاحية من ضواحي المدينة، ودعا الألوف من مريديه إلى هناك ثم أمر بقوله: سوف أجري امتحانًا، فمن كان حقًّا مريدي ويطعْ أمري فسيمضي إلى الجنة.</p>
<p style="text-align: justify;">فدعاهم إلى الخيمة واحدًا إثر واحد، إلّا أنه ذبح خروفًا بطريقة خفية، وبدا للمريدين كأنه ذبح أحد مريديه الخواص وأرسله إلى الجنة، وما إن رأى ألوف المريدين جريان الدم من الخيمة إلى الخارج تراجعوا عنه ولم يسمعوا لأمره، بل رفضوه وأنكروا عليه، إلّا رجلًا واحدًا قال: ليكن رأسي فداء له. فذهب إليه، ثم أعقبته امرأة؛ أما الآخرون فتفرقوا عنه. فقال ذلك الشيخ لرجال الدولة: ها قد شاهدتم أن لي مريدًا ونصف مريد!</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن فنشكره تعالى ألف شكر وشكر، إذ لم تفقد رسائل النور إلَّا طالبًا ونصف طالب في امتحان &#8220;أسكي شهر&#8221; ومحاكماتها، بخلاف ذلك الشيخ -في السابق- حيث انضم إلى الطلاب عشرة آلاف شخص بدلًا من الواحد والنصف الضائع، وذلك بفضل اللّٰه ثم همة وجهود أبطال &#8220;إسبارطة&#8221; وحواليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وبإذن اللّٰه لن يضيع الكثيرون في هذا الامتحان، بهمة أبطال شرقي البلاد وغربيها، بل سينضم بدلًا من الضائع الواحد عشرة أشخاص.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسائل حول حقوق الأُخوة في الله]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[لا تتركوا إخوانكم]</h3>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">كان فيما مضى شخص غير مسلم، قد وَجد وسيلةً لبلوغ مرتبة خليفةِ الشيخ ضمن السير والسلوك في طريقة صوفية، وشرع بوظيفة الإرشاد، وعندما بدأ مريدوه -الذين يتولى تربيتَهم- بالرُّقي الروحي، كشف أحدُهم أن مرشدهم هذا في منتهى السقوط والتردي، ثم أدرك ذلك الشخص أيضًا -بفراسته- أنه قد كُشِف حالُه، فقال لذلك المريد: لقد عرفتني إذن!</p>
<p style="text-align: justify;">قال له المريد: &#8220;ما دمتُ قد بلغت هذا المقام بإرشادكم، سأُجِلّك وأوقّرك بعد الآن أعظم من قبل&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وبدأ بالتضرع إلى اللّٰه العلي القدير أن يهدي مرشدَه إلى سواء السبيل، حتى أنقذه اللّٰه مما فيه، وفاق مريديه كلهم في الرُّقي الروحي، فظل مرشدًا حقيقيًّا لهم.. إذن يكون المريد أحيانا شيخًا لشيخه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالفضل والسبق إذن هو أن لا يترك الطالبُ أخاه، عندما يراه مبتلًى بفساد، بل يزيدَ أُخوَّته معه، ويسعى لإصلاحه، فهذا هو شأن الأوفياء الصادقين</strong>. أما المنافقون فيستغلون مثل هذه الأوضاع ويروّجون: &#8220;إن هؤلاء الذين تهتم بهم كثيرًا ليسوا سوى أُناس اعتياديين عاجزين&#8221;، وذلك إفسادًا لحُسن الظن القائم بين الإخوة وتهوينًا لتساندهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال فعلى الرغم من أضرار كثيرة تلحق بنا في المصيبة، إلّا أنها قضيةٌ تهم العالم الإسلامي قاطبة، لذا فإن لها قيمةً عظيمة يَهُون تجاهها كلُّ شيء، علمًا أن حوادثَ مشابِهةً لها لم تصبح مُلكًا للعالم الإسلامي لأسباب سياسية دينية أو أسباب أخرى.</p>
<h3 style="text-align: center;"> [تسانُدُكم يعود بالنفع على عوام المؤمنين]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب اهتمامي البالغ بتساندكم وترابطكم، لا ينحصر في منافعه التي تكسب رسائل النور والتي تعود إلينا، وإنما لعوام المؤمنين ممن ليسوا ضمن الإيمان التحقيقي، فهم أحوج ما يكونون إلى نقطة استناد وإلى حقيقة ثابتة عضَّت عليها جماعة بالنواجذ، فيرتكزون على تلك الحقيقة القاطعة للثبات تجاه تيارات الضلالة الرهيبة، حيث تكون لهم حجةً قوية، ومرشدًا ثبتًا، ومرجعًا لا ينخدع ولا يخدع ولا يتراجع ولا يتزعزع.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فمن يشاهد ترابطكم المتين وتساندَكم القوي يطمئن قلبُه، إذ يدرك أن هناك حقيقة راسخة لا تُضحى بشيء، ولا يغلبها شيء، ولا تحني رأسَها لأهل الضلالة.. فيقوى إيمانُه، وتعمُق قوتُه المعنوية</strong> وينجو -بإذن اللّٰه- من الالتحاق بصفوف أهل السفاهة والدنيا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إياكم والمِراء]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إياكم والمراء، احذروا المناقشة، فالآذان المتجسسة تستفيد منها، فمهما يكن المناقِش فهو على باطل في وضعنا الحالي، سواءٌ أكان محقًّا أم لا! إذ ربما يُلحق بنا ضررًا جسيمًا في حين ليس له إلّا النـزر اليسير من الحق.</p>
<p style="text-align: justify;">أُكرر لكم الحكاية التي ذكرتُها لإخواني الحساسين في سجن &#8220;أسكي شهر&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنت مع تسعين من ضباطنا -في الحرب العالمية السابقة- أسرى معتقَلين في ردهة طويلة، في شمالي روسيا، كنت لا أسمح بالضوضاء والصخب بإسداء النصح لهم، إذ كانوا يحترمونني بما يفوق قدري بكثير، ولكن على حين غرة أثار الغضبُ الناشئ من توتر الأعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشاتٍ حادة، فقلت لبضعةٍ منهم: &#8220;اذهبوا إلى حيث الضجيج والصياح، وساندوا المبطل دون المحِقّ&#8221;. وقد قاموا بدورهم، فانقطع دابر المناقشات الضارة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم سألوني: &#8220;لِمَ قمت بهذا العمل الباطل&#8221;؟</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم: &#8220;إن المحقّ يكون منصفًا ويضحي بحقه الجزئي في سبيل راحة الآخرين ومصلحتهم التي هي كثيرة وكبيرة، أما المبطل فهو -على الأغلب- مغرور وأناني لا يضحي بشيء، فيزداد الصخب!&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[وتواصوا بالصبر]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">اقرؤوا مكررا وبإمعان ما كُتب في الرسائل الصغيرة من مدار السلوان والصبر والتحمل، فأنا أَضعفُكم وأكثرُكم نصيبا من هذه المصيبة الضجرة، إلّا أنني بفضل اللّٰه أتحمل ذلك الضِيق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فللّٰه الحمد والشكر لم أَمتعض أبدًا ممن يحمّلون الأخطاء والتبعات كلها عليّ</strong>، ولم أضجَر أيضًا ممن دافعوا عن أنفسهم وألقوا التبعات -ضمنًا- على الجماعة وحمّلوها علينا باعتبار وحدة المسألة.. فما دمنا نحن إخوةً في اللّٰه فأرجو الاقتداء بي في هذا الصبر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مشاق تستحق الشكر]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء ويا أصحابي في مَضيف هذه الدنيا..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد فكرتُ هذه الليلة -بمشاعرِ &#8220;سعيد القديم&#8221; العزيزة- في سَوقنا معًا إلى المحكمة وأنا مكبّل اليدين وسطَ جنود مدججين بالسلاح الأبيض، فانتابني غضب شديد، وفجأة أُخطر إلى القلب:</p>
<p style="text-align: justify;">ينبغي استقبال هذا المشهد بالشكر المكلل بالفخر والسرور، لا بالغضب والحدة، لأن هؤلاء في نظرِ ما لا يُعد ولا يحصى من ذوي الشعور والمَلك والروحانيين وأهلِ الحقيقة من الناس وأصحاب الضمائر وأهل الإيمان التحقيقي، يَظهرون بمظهرِ قافلةِ الأبطال الميامين الذين يَتَّحِدون هذا العصر في سبيل الحق والحقيقة ورفعِ راية القرآن والإيمان، وحيث إن الرحمة الإلهية والرضى الرباني متوجهان إليهم، ويُقدَّرون في نظرهما بالاستحسان والإعجاب، فلا قيمة ولا أهمية لنظر الإهانة الآتية من قبل شرذمة من السفهاء السائبين.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنني عندما ذهبت بالسيارة -بسبب المرض- استشعرت ضيقًا شديدًا، بينما شعرت بانشراح عظيم عندما كنت معكم في أثناء السَوق مُكبل اليدين مثلكم، بمعنى أن تلك الحالة ناشئة من هذا السر. أُكرر ما قلته مرارًا:</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا يشاهَد في التاريخ من يتحمل في سبيل الحق أقلَّ المشاق وينال أعظمَ الثواب مثل طلاب رسائل النور، فمهما تحمّلنا من مشاقَّ فهي زهيدة أيضًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة تطمين]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[نرضى بالقدَر ولا نعترض]</h3>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">كان من الصعوبة النجاة من مصيبتنا هذه والتهرّب منها بجهتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: كان لا بد لنا من المجيء إلى هنا، ليُطعمنا القدرُ الإلهي هنا ما قسمه لنا؛ إذن فهذا الوضع هو أفضلُه وأكثره خيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: لم نتمكن من الخلاص من المؤامرة والشِّباك التي حيكت لنا، فقد شعرتُ بها ولكن لا خلاص، حتى إن الشيخ عبد الحكيم والشيخ عبد الباقي لم ينجيا؛ بمعنى أن شكوى بعضِنا لبعض في مصيبتنا هذه باطلٌ لا أساس له، ولا معنى، وهو مضر، ونوعٌ من الإعراض عن رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">حذار.. حذار مِن جعلِ ما أظهره الأركانُ الخواص من أعمالٍ وخدمات سببًا لهذه المصيبة، ومن ثم الاستياء منهم، فهذا تخلُّفٌ عن رسائل النور وندامةٌ على تعلم الحقائق الإيمانية، وتلك مصيبةٌ معنويةٌ أدهى من المصيبة المادية.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أُطَمْئِنكم -مقسمًا باللّٰه- أنه بالرغم من أن لي نصيبًا في هذه المصيبة أكثر من كلٍّ منكم بعشرين أو ثلاثين درجة، فلا أَستاء ممن سبّب هذه المصيبة بنيّةٍ خالصةٍ ومن جراء فعاليته في الخدمة وعدم أخذه بالحذر، بل حتى لو تضاعفت هذه المصيبة بعشرة أمثالها فلا أمتعض منه ولا أَستاء؛ وكذا لا معنى للاعتراض على ما فات، لأنه غير قابل للترميم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[القلق نوع اتهامٍ للرحمة]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>القلق</strong> يضاعف المصيبة ويكون جذرًا في القلب لتستقر عليه المصيبةُ المادية، فضلًا عن أنه يومئ ويُشَمّ منه نوع من الاعتراض والنقد تجاه القدر الإلهي، <strong>وهو نوعٌ من الاتهام تجاه الرحمة الإلهية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام في كل شيء جهةُ جمالٍ وجلوةٌُ من الرحمة الإلهية، وأن القدر يفعل ما يفعل وفق عدالة وحكمة، فلا بد أننا مكلفون بعدم الاهتمام بالمشقات الهينة في سبيل وظيفة مقدسة في هذا الزمان وذاتِ مساس بالعالم الإسلامي عامة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أتضرر من العين سواءٌ كانت من العدو أو الصديق]</h3>
<p style="text-align: center;"><strong>(حالة جزئية اعتيادية بسيطة من أحوالي استوجبت كتابتَها إليكم)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. إنني اقتنعت قناعة تامة أنَّ العين تصيبني وتؤثر فيّ تأثيرًا شديدًا وتمرضني. وقد جربت هذا كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أُحب مصاحبتكم من صميم روحي في كل الأحوال، ولكن حسب القاعدة المشهورة: &#8220;النظر يدخل الجملَ القِدر والرجلَ القبر&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">12</sup> تصيبني العينُ والنظر.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن الذي ينظر إليّ إما أنه ينظر بعداوة شديدة، أو بالتقدير والاحترام، فكلا النظرَين أيضًا موجودان لدى بعض الناس الذين يحملون خاصية الإصابة في نظرهم، لذا إذا كان من المستطاع ولم يرغموني على مرافقتكم، فلا آتي المحكمة برفقتكم دائمًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الخير فيما اختاره الله]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[قوة رسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">حسب مضمون الآية الكريمة: ﴿وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًَا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والقاعدةِ المقررة: &#8220;الخير فيما اختاره اللّٰه&#8221; فإن بلوغ أكثر الرسائل سِرِّيّةً إلى أيادي أغربِ الناس عنّا، وتحدّيها لأعتى المتكبرين، وإظهارَ أخطاءِ مَنْ هم في أعلى مناصب الدولة.. جعلتْها تنْسَلُّ من تحت ستار القاعدة المقررة: &#8220;سِرًّا تَنَوَّرَتْ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد كان الغرض إلى الآن استصغار قضية رسائل النور، ولكن على كل حال قد علموا أنها قضية عظيمة جدًا، وأنّ جلبها للأنظار يفتح السبيل إلى فتوحات باهرة جديدة للرسائل، ويُلجئ كذلك أعداءَها إلى قراءتها بإعجاب واهتمام، حتى إنها نوّرتْ كثيرًا من المترددين في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; والمتحيرين والمحتاجين وأنقذتهم، فبدّلت مشقاتنا تلك إلى رحمات؛ وستُظهِر تلك الخدمة المقدسة فتوحاتِها بإذن اللّٰه هذه المرةَ في ساحة أوسع وفي محاكم كثيرة، ومراكز عديدة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، <strong>إن مَن يُشاهد أسلوبَ بيان رسائل النور لا يمكن أن لا يهتم بها</strong>، فهي لا تشبه المؤلفات الأخرى بتأثيرها في العقل والقلب وحدهما، بل تُسخِّر أيضًا النفسَ والمشاعر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن تبرئة ساحتكم والإفراج عنكم لا يضر هذه الحقيقة ولكن براءتي أنا فيه ضرر، لأنه حتى نفسي الأمارة قد قبلتْ بأن أُضحّي لأجل حقيقة واحدة تمس العالم الإسلامي لا بحياتي الدنيوية وحدها، بل إذا لزم الأمر بحياتي الأخروية وسعادتِها أيضا في سبيل إسعاد أهل الإيمان برسائل النور.</p>
<h3 style="text-align: center;"> [دعاء لكل من تتلمذ لرسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد غيرتُ أحد أدعيتي منذ بضعة أيام، إذ رفعتُ كلمة &#8220;الصادقين&#8221; من دعائي الذي يضم: &#8220;واغفر لنا&#8221;.. أو &#8220;وفّق طلبة رسائل النور الصادقين&#8221;.. والذي كنت أكرره لحدّ الآن مائة مرة أحيانًا؛ وذلك لئلا يُحرَم من تلك الأدعية أولئك الإخوة الذين يرون أنفسهم مضطرين إلى العمل بالرخصة الشرعية ويتبرؤون منّا ظاهرًا، مما يسببه الضيقُ والشبهات المثارة من ضجر ويأس واتخاذ موقف يخالف العزيمةَ والوفاء.</p>
<h3 style="text-align: center;"> [مواساة مريض]</h3>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الحافظ علي..</p>
<p style="text-align: justify;">لا تهتم لمرضك، نسأله تعالى أن يرزقك الشفاء. آمين. فإنك رابح غانم كثيرًا، لأن كل ساعة من العبادة في السجن بمثابة اثنتي عشرة ساعة. فإن كنت محتاجًا إلى الدواء فلديّ بعضه لأرسله إليك.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أن وباءً خفيفًا منتشرٌ في الأوساط. ففي اليوم الذي أذهب فيه إلى المحكمة أَمْرَضُ بلا شك.. ولعلك أصبحت معينًا لي في ذلك فأخذت شيئًا من مرضي، كما كانت تحدث بطولات خارقة سابقًا، فيتمرض أحدهم بدلًا من أخيه أو يموت بدلًا منه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عزاء جميل وفي أنسب وقت]</h2>
<p style="text-align: center;">&#8220;عزاء جميل وفي أنسب وقت&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">‌إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لكل مصيبة نقول: ﴿إنا للّٰه وانا اليه راجعون﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">أُعزّي نفسي وأعزّيكم وأعزّي رسائل النور.. ولكني أهنئ المرحوم &#8220;الحافظ علي&#8221; وأهنئ مقبرة &#8220;دنيزلي&#8221; لأن أخانا الرائد الذي أدرك حقيقةَ &#8220;رسالةِ الثمرة&#8221; عِلْمَ اليقين، قد تَرك جسده في القبر، صاعدًا كالملائكة إلى النجوم وعالم الأرواح، لأجل الارتقاء إلى مقامِ عين اليقين وحق اليقين، وخَلَد إلى الراحة والسكون متسرحًا عن وظيفته التي أدّاها حق الأداء.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يكتب في سجل أعماله حسناتٍ بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة.. آمين؛ وينـزلَ شآبيب رحمته بعددها على روحه.. آمين؛ ويجعلَ القرآن الكريم ورسائل النور مؤنسين لطيفين له في القبر.. آمين؛ ويُحسنَ إلى &#8220;مصنع النور&#8221; بعشرةِ عاملين بدلًا منه.. آمين.. آمين.. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أنتم.. فيا إخوتي.. اذكروه في أدعيتكم كما أذكره أنا، مستعملين ألف لسان عوضًا عن لسانه، راجين من رحمته تعالى أن يُكسبه ألف حياة وألف لسان بدلًا عما فقده من حياة واحدة ولسانٍ واحد.</p>
<h3 style="text-align: center;"> [حياة البرزخ مصداق لحياة الدنيا]</h3>
<p style="text-align: justify;">ويا إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">نحمد اللّٰه سبحانه وتعالى بما لا يتناهى من الحمد والشكر، على ما يَسَّر لنا من نيلِ شرف المقام الرفيع لطلبة العلوم وأعمالهم الجليلة بوساطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ثبت بوقائع عديدة بمشاهدة أهل كشف القبور، أن طالبَ علمٍ جادًّا تواقًا للعلوم، عندما يتوفى أثناء تحصيله لها، يرى نفسه -كالشهداء- حيًّا يُرزق ويزاول الدرس.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب كيفية إجابة طالبِ علمٍ -متوفى في أثناء دراسته لعلم الصرف والنحو- لأسئلة المنكر والنكير في القبر، فشاهد أنه عندما سأله الملك: من ربك؟ أجاب: مَن: مبتدأ، ربك: خبره، وذلك على وفق علم النحو.. يَحسب نفسَه أنه ما زال في المدرسة يتلقى العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه الحادثة فإني أعتقد أن المرحوم الحافظ علي منهمك برسائل النور كما كان دأبه في الحياة، وهو على هيئة طالب علم يتلقى أرفع علم وأسماه، وقد تسنَّم مرتبة الشهداء حقًّا ويزاول نمط حياتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذه القاعدة أدعو له في أدعيتي، وأدعو لمثيله &#8220;محمد زهدي&#8221; و&#8221;الحافظ محمد&#8221; قائلًا: &#8220;يا رب سخِّر هؤلاء إلى يوم القيامة لينشغلوا بحقائق الإيمان وأسرار القرآن ضمن رسائل النور بكمال الفرح والسرور.. آمين. إن شاء اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[صلةٌ بطالب نورٍ سبَق إلى البرزخ]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أستطيع نسيان الأخ &#8220;الحافظ علي&#8221;، وقد هزّني ألمُ فراقه هزًّا عنيفًا.. وأحسب أن ذلك المرحوم قد رحل بدلًا مني كما كان أشخاصٌ مضحّون يتوفَّون أحيانًا بدلًا من أصحابهم، فلولا أن قام أمثالُكم بما قام به هو من خدماتٍ جليلة وعلى نسقه، لَلَحِق العملَ للقرآن وللإسلام ضررٌ كبير. وإنني كلما تذكرت وارثيه، وهم أنتم، زالت تلك الآلام وتركت مكانها للسرور والانشراح.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنه لأمر محيّر أن يتولد لديَّ حاليًّا شوق للذهاب إلى ذلك العالم، عالم البرزخ الذي ذهب إليه أخونا بحياته المعنوية بل المادية، وانكشف لروحي مشهد آخر.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما نتحاور ونتسامر مع إخوتنا في &#8220;إسبارطة&#8221; بالمراسلات ونحن ما زلنا هنا، ونهدي لهم التحيات ونتجاذب أطراف الحديث معهم، كذلك عالم البرزخ الذي سكن فيه &#8220;الحافظ علي&#8221; قد أصبح في نظري مثل &#8220;إسبارطة&#8221; و&#8221;قسطموني&#8221;، حتى طرق سمعي أنه قد رحل أحدُهم هذه الليلة إلى هناك (أي توفي) فتأسفتُ أكثر من عشر مرات: لِمَ لَمْ أَبعث معه السلام إلى &#8220;الحافظ علي&#8221;؟ ثم أُخطر إلى القلب: لا حاجة إلى وسائط لإبلاغ السلام، فإن رابطته كالتلفون، فضلًا عن أنه يأتي ويستلم!</p>
<p style="text-align: justify;">إن ذلك الشهيد العظيم قد حَبَّب إليّ مدينة &#8220;دنيزلي&#8221; فلا أَرغب في مغادرتها.. إن ما أنجزه هو و&#8221;محمد زهدي&#8221; و&#8221;الحافظ محمد&#8221; من خدمات في سبيل الإيمان والنور تدوم بإذن اللّٰه، وهم يشاهدونها من أَقرب موضع، وربما يعاونون في إنجازها.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنهم قد أخذوا مواقعَ رفيعةً لدى دائرة الأولياء العظام -من حيث خدماتهم الجليلة- فأنا أذكر ذينك الاثنين مع &#8220;الحافظ محمد&#8221; ضمن سلسلة الأقطاب وأبعث إليهم هدايانا.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[شاهِدوا المحاسن وغضوا الطرف عن النقائص]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما تتحلّون به من إخلاص ووفاء وثبات كاف لغضّ الطرف عن نقائص بعضِكُم للبعض الآخر وسترها وأنتم ترزحون تحت ثقل هذه المضايقات والمشقات.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن رابطة الأخوة الموثوقة بسلسلةِ رسائلِ النور لَحسنةٌ عظيمةٌ تَذهب بألف سيئة، فينبغي التعامل بالمحبة والصفح فيما بينكم حسب رجحان الحسنات على السيئات كما هو في الحشر الأعظم، حيث تُذهب العدالةُ الإلهية السيئات برجحان الحسنات.</p>
<p style="text-align: justify;">وبخلاف ذلك فإن الانفعال وسَورة الغضب إزاء سيئةٍ واحدة، والإثارةَ المضرةَ الناجمةَ من الضجر والضيق، يكون ظلمًا مضاعفًا.. نسأل اللّٰه أن تزيلوا الضجر والسآمة بمعاونة بعضكم البعض الآخر في السراء وبث السلوان.</p>
<h3 style="text-align: center;"> [أفتخر بإخواني]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الميامين الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب عدم محاورتي معكم منذ بضعة أيام هو ما انتابني من مرض شديد مسمِّم لم أرَ مثلَه لحدّ الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أشكر اللّٰه عز وجل باسم رسائل النور إلى آخر رمق من حياتي، وأفتخر بإخوتي الثابتين الأقوياء العاملين الذين لا يتزعزعون ضمن دائرة &#8220;النور&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">13</sup> ودائرة &#8220;الورد&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">14</sup>، مع الأوفياء المضحين في &#8220;قسطموني&#8221;، وأجد السلوان التام والمرتكز القوي معهم إزاء جميع ما يصبّه الظلمة علينا من عذاب، وحتى لو مُتُّ الآن لاستقبلتُ الأجل بصدرٍ رحبٍ وقلب بهيج، ما داموا موجودين.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أهل الدنيا تُساورهم شكوك وأوهام لا أساس لها أصلا، وكأنني أتحداهم وأبارزهم في الميدان، لذا ألقَوني في غياهب السجن؛ بينما القدرُ الإلهي ألقاني في السجن، لأنني لم أدعُهم إلى الخير ولم أحاول إصلاحَهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولئن لبثتُ في السجن مع بضعٍ مِن أحبّتي فحسب، لطالبتُ السلطاتِ في &#8220;أنقرة&#8221; بإجراء محاكمةٍ علنيةٍ تهم العالم الإسلامي، وسنرسل إن شاء اللّٰه نسخًا عدة من رسالة &#8220;الثمرة&#8221; وأجزاء من &#8220;الدفاع&#8221; بالحروف الجديدة، إلى المراجع العليا المهمة.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول أحاديث الفتن وتأويلها]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن قسمًا من الأحاديث النبوية متشابهات، ليس خاصًّا ولا جزئيًّا، ولا يتوجه إلى مواضع عامة؛ وقسمٌ آخر من الأحاديث يُبيِّن من الفتن الدينية التي تصيب الأمة الإسلامية زمانًا واحدًا فقط ومواضع محددة كالحجاز والعراق مثالًا لها.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الحقيقة ظهرت في زمن العباسيين فرقٌ ضالة كثيرة أضرت بالإسلام كالمعتزلة والروافض والجبرية والزنادقة والملاحدة المتسـترين، وقد أَخمد أئمةُ الإسلام العظام كالإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل والإمام الغزالي والشيخ الكيلاني والجنيد البغدادي نارَ تلك الفتن التي دبَّت في مجال الشريعة والعقيدة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من مرور ثلاثمائة سنة على هذا الظهور الإيماني، فإن تلك الفرق الضالة المتسترة قد أوقعت المسلمين في فتنة هولاكو وجنكيز خان عن طريق السياسة، وقد أشار الحديث الشريف والإمام علي رضي اللّٰه عنه إلى هذه الفتنة إشارةً صريحةً وبتاريخها، ولما كانت فتنةُ زماننا هذا أعظمَ الفتن فقد أخبرتْ أحاديثُ شريفة متعددة وإشارات قرآنية كثيرة عنها بتواريخها.</p>
<p style="text-align: justify;">وقياسًا على هذا، عندما يبيِّن حديثٌ شريف الأحداثَ التي تمر على الأمة بصورة كُلية، يبين حادثة واحدة -أحيانًا- بتاريخها كمثال من ذلك الكلي، فمثل هذه الأحاديث المتشابهة قد لا تُدرَك معانيها على الوجه الصحيح، وقد أَثبتتْ أجزاءُ رسائل النور إثباتًا واضحًا تأويلَ تلك الأحاديث، وأظهرتْ هذه الحقيقةَ مع قواعدها وأصولها في كل من &#8220;الكلمة الرابعة والعشرين&#8221; و&#8221;الشعاع الخامس&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما بعد النفس الأمّارة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطر إلى قلبي أن أبين لكم حقيقة لئلا يَتهم بعضُكم بعضًا بالأنانية وعدم الوفاء.‌</p>
<p style="text-align: justify;">لقد رأيت -يومًا- من ولي عظيم قد ترك الأنانية وانمَحت نفسُه الأمّارة، رأيت منه أنه يشكو بشدة من النفس الأمّارة، فحِرْتُ في الأمر، ثم عرفت يقينًا أنه لأجل إدامة المجاهدة المُثاب عليها إلى نهاية العمر <strong>تتحوّل أعتدة النفس الأمارة بموتها إلى العروق والمشاعر</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا يشكو أولئك الأولياء العظام من هذا <strong>العدو الثاني الوارث للنفس الأمارة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فضلًا عن أن القيمة والمقام والمزية المعنوية لا تتوجه إلى هذه الدنيا كي تُشعِر بنفسها، بل إن بعضًا ممن هم في أعلى المقامات، يَعُدُّون أنفسَهم أكثر الناس ضعفًا وعجزًا وإفلاسًا، لأنهم لا يستشعرون إحسانًا إلهيًّا أُنعِم عليهم، مما يدل على أن الكشف والكرامة والأذواق والأنوار التي تُعتبر في نظر العوام مدارَ الكمالات لا تكون قطعًا محكًّا ولا مدارًا لتلك المقامات والقيم المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">ومما يُثبت هذه الحقيقةَ أنه بينما ساعةٌ واحدة من حياة صحابي كريم تعادل يومًا من حياة وليّ، بل أيامًا من معاناته واعتكافه، لا تبدو في كل صحابي تلك الحالات الخارقة المعنوية والكشف كما هو لدى الأولياء.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فيا إخوتي.. تأملوا جيدًا وراقبوا أنفسكم لئلا تخدعَكم نفوسُكم الأمّارة بالسوء من زاويةِ <strong>قياسِ الآخرين بالنفس</strong>، ومن حيث سوء الظن بالآخرين، <strong>ولا تساورَكم الشبهة في أن رسائل النور لا تربّي طلابها</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا نخفي معتقداتنا]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد كشف وزير المعارِف (التربية) النقاب عن وجهه وأظهر الكفر السافر في ثوب آخر، فقد كتب ذلك البيانَ بوسيلة أخرى قبل أن يتسلم دفاعاتنا الأخيرة، والواقع أنني لم أَكن أُفكر في إرسالها إلى تلك الدائرة، إلّا أنه بناءً على توصية إخواننا واستحسانهم فقد اتضح أن إرسالها كان ضروريًّا وملائمًا؛ لأن وزيرًا متعصبًا للإلحاد إلى هذه الدرجة لا يمكن أن يظل مكتوف اليد أمام تلك الأوراق والرسائل السرية الخاصة المرسَلةِ إلى &#8220;أنقرة&#8221;، أو يقابلَها بعدم الاكتراث، ولقد وقعتْ تلك المرافعات غير القابلة للطعن وقْعَ الصاعقة على رأسه، وحَسَنًا ما حدث.</p>
<p style="text-align: justify;">ولسوف تَبعث تلك الرسائل بإذن اللّٰه تيارًا قويًّا متعاطفًا مع رسائل النور في تلك الدائرة أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">ما دامت حقيقة بعض الناس على نحو ما بيّنّا، <strong>فإن الاستسلام لذلك البعض ما هو إلّا ضرب من الانتحار، بل يعتبر ندامة على الانتماء إلى الإسلام، بل يعد انسلاخًا من الدين،</strong> لأنهم قد بلغوا من التعصب للإلحاد حدًّا لا يرضون من أمثالنا مجرد الطاعة والاستسلام والمصانعة، وإنما يقولون: دع قلبك ووجدانك وضميرك واعمل للدنيا وحدها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا يَسَعنا تجاه وَضْعٍ كهذا سوى الحفاظ على كمال المتانة وضبط النفس والتوكل على اللّٰه عز وجل، وتركِ الأمر إلى عنايته سبحانه، مع الدعاء لظهور رسائل النور عليهم بحقائق قوية والتي وصلتهم في أربعة صناديق.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا، وقد أَفادتنا التجارب مرارًا بأن <strong>لا جدوى إطلاقًا من وراء التهرب أو المجافاة أو إضمار مشاعر الاستياء بعضنا لبعض، </strong>ولا فائدة كذلك من الابتعاد عن رسائل النور أو محاولة الاستسلام لهم أو حتى الالتحاق بهم؛ وقد أثبت الزمان هذا بالتجارب.</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا أبدا.. فمهما يكن من شيء فإن مخاوف ذلك الوزير خوف الفئران إن دلت على أمر فإنما تدل على جُبنه وضعفه، وهي لا تدل على محاولة الاعتداء بقدر دلالتها على اضطراره للتنصل والدفاع عن النفس.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سلاحنا التوكل على الله]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين المدركين لماهية التوكل وقيمته..</p>
<p style="text-align: justify;">لم تكن لي الرغبة في قراءة أية صحيفة من الصحف ولا الاستفسار عنها منذ عشرين سنة خلت، إلّا أنني اليوم اطّلعتُ على موضوع في جريدة مع الأسف،  ونزولًا عند رغبة عدد من إخواننا الضعفاء، فأدركتُ أن تيارات لها أهميتها تلعب دورها الخطر في الخفاء والعلن، ولما كنا نحن نُشاهَد في الساحة، فيَرِدُ في الحسبان أن لنا علاقة مع تلك التيارات.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن تكون لرسائل النور المرسَلةِ في أربعة صناديق، والحاملةِ للدلائل القاطعة غيرِ القابلة للجرح مع مجموعة من دفاتر الدفاع: نتائجُ تبشر بالخير لنا وللإيمان والقرآن والإسلام.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا لم نتدخل بأمور دنياهم، ولم يُثبِتوا علينا أي دليل كان على تدخلنا فيها، لذا اضطرت &#8220;أنقرة&#8221; إلى طلب جميع رسائل النور لإجراء التحقيق عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحقيقة هي هذه، وقد شاهدْنا إلى الآن تجليَ العناية الربانية في العمل لرسائل النور بما لا يمكن إنكاره، وقد شعر كلٌّ منا بها جزئيًّا كان أم كليًّا، وما دامت التيارات السياسية العالمية تحشّد كلٌّ منها قواها تجاه الآخر، ونحن لا نَقدر إلّا على الرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقََدَره والسلوان العظيم السامي النابع من العمل للإيمان والقرآن والنور، فإنّ <strong>ألزم ما ينبغي لنا عمله هو عدم القلق والاضطراب، وعدمُ اليأس، وإسنادُ كلٍّ منا الآخرَ وإمدادُ روحه المعنويةِ، وعدمُ الخوف، واستقبالُ هذه المصيبة بالتوكل، وعدمُ الاكتراث بأقوال الصحف</strong> التي يطلقونها جزافًا ويستهولون كل حبة صغيرة، بل علينا استصغار ما استعظموه من أمور.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. إنه لا أهمية لهذه الحياة الدنيوية، وبخاصة في هذا الزمان وتحت هذه الظروف والضغوط.. نعم، لنستقبلْ بالرضى كلَّ ما يصيبنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مشقةٌ فيها خير]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد وَجد بضعةٌ من إخواننا سُلوانًا جميلًا يُسَلُّون به أنفسَهم، وهو على هذه الصورة:</p>
<p style="text-align: justify;">فهم يقولون: &#8220;إن قسمًا من إخواننا الحديثي العهد بالسجن، يتحملون هذه المصيبة ويصبرون عليها بضعَ سنين، بل عشر سنين، من جراء عملٍ غير مشروع اقترفوه في ساعة أو ساعتين. بل يقول بعضُهم: حمدًا للّٰه لقد نجونا من آثامٍ أخرى، فلِمَ نشكو إذن من ضيقٍ وعنتٍ خَيِّر، من جراء عملٍ مشروعٍ جدًّا وخدمة إيمانية بوساطة رسائل النور، يستغرق بضعة أشهر&#8221;؟</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري أقول لهم: ألفَ ألفِ بارك اللّٰه فيكم.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن مقاساة المرء خمسةَ أو عشرةَ شهورٍ من المشاق بِنِيَّةِ إنقاذ إيمانه وإيمان غيره لِخمس أو عشر سنوات، إنما هو مبعث شكرٍ وافتخارٍ واعتزازٍ في سبيل خدمةٍ حلوةٍ خيّرةٍ سامية، وعبادةٍ فكريةٍ رفيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ورد في حديث شريف: &#8220;لَأَنْ يَهْدِيَ اللّٰه بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">15</sup>، فتأملوا في عدد الذين يُنقِذون، أو سينقذون إيمانَهم من أعاصير الشبهات الرهيبة بوساطة خدماتكم وكتاباتكم، سواءٌ هنا أو في أرجاء البلاد كلِّها أو في &#8220;أنقرة&#8221;.. فاشكروا ربكم من خلال الصبر والامتنان والرضى التام.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا ما أصرّ حزبُ الشعب الجمهوري الحاكم في أنقرة وعاند تجاه رسائل النور ذاتِ الحجج الرصينة والمرسَلة إلى هناك، ولم يحاوِل حمايتها والحفاظ عليها بالمصالحة معها، فهذا يعني أن أفضل مكان لنا هو السجن، ويعني أيضًا أن الملحدين قد وحّدوا بين الزندقة والشيوعية، وأن الحكومة ستضطر إلى الخضوع لأقوالهم، وعندئذٍ <strong>تنسحب &#8220;رسائل النور&#8221; من الميدان ويتوقف عملُها، وتبدأ المصائب المادية والمعنوية بالهجوم</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[هل كان في الجن أنبياء؟]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾</p>
<p style="text-align: justify;">جواب أستاذنا عن سؤال ورد لحل الإشكال في صدد بعثة الرسل من الجن أيضًا كما هو مفهوم الآية الكريمة.‌</p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز..</p>
<p style="text-align: justify;">حقًّا إن لسؤالك هذا أهمية كبيرة، ولكن لما كانت أهمُّ مهمةٍ لرسائل النور، إنقاذَ الإنسان من شِباك الضلالة وظلمات الكفر المطلق، فإن تسلسل الأولوية يَحُول دون بلوغ مثل هذه المسائل، فلا تفتح بابَ البحث فيها، علما أن السلف الصالح أيضا لم يبحثوا فيها كثيرًا، لأن مثل هذه الأمور الغيبية المحجوبة قد يُساء فيها الاستعمال ويستطيع الماكرون أن يتخذوها وسيلة لمآربهم الذاتية، مثلما يخادع أصحابُ التنويم المغناطيسي في الوقت الحاضر الناسَ ويُغَرِّرون بهم باسم تلقّي الأخبار عن الجن، لذا لا يُبحث في مثل هذه الأمور كثيرا، لئلا يُساء إلى الدين.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه <strong>لم يبعث نبي في الجن بعد خاتم الأنبياء (ﷺ)</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن رسائل النور قد سعت في هذا الزمان لإثبات وجود الجن والروحانيين بحجج قاطعة لتُبطِل مفهوم المادية الساري سريانَ الطاعون في البشرية، فنظرتْ إلى هذه المسائل بالدرجة الثالثة تاركة أمر تفاصيلها للآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعل اللّٰه يهيئ أحدَ طلاب النور فيفسّر &#8220;سورة الرحمن&#8221; ويَحُلُّ هذه المسألة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وفاة طالب النور الجاد خسارة كبيرة]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لكل مصيبة نقول: ﴿إنا للّٰه وإنا إليه راجعون﴾..</p>
<p style="text-align: justify;">حقًّا إن وفاة &#8220;الحافظ علي&#8221; و&#8221;الحافظ محمد&#8221; و&#8221;محمد زهدي&#8221; ليس ضياعًا كبيرًا لنا ولإسبارطة وحدها، بل ضياعًا أيضًا للعالم الإسلامي. ولكن تجلي العناية الربانية قد جرى إلى الآن، أنه عند ضياع أحد طلاب النور، يليه مثنى أو ثلاث من الطلاب على النمط نفسه، فيَظهرون في الساحة.</p>
<p style="text-align: justify;">فنحن على أمل كبير أن يظهر طلاب جادّون -بشكل آخر- يؤدون وظيفة أولئك الأبطال، وسيَظهرون بإذن اللّٰه، فلقد أدّى أولئك الميامين الثلاثة في فترة قصيرة مهمة مائة سنة من العمل.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن ينـزل عليهم شآبيبَ رحمته بعدد حروف رسائل النور التي قرؤوها وكتبوها ونشروها.. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;">أبلغوا عني التعازي إلى أقرباء &#8220;الحافظ محمد&#8221; وقريته الطيبة، وأنا بدوري قد جعلتُه رفيقًا للحافظ علي ومحمد زهدي، وضممتُ أسماء أولئك الثلاثة بين أسماء أساتذتي الأقطاب، وقد جعلت &#8220;الحافظ عاكف&#8221; كذلك رفيقًا لعاصم ولطفي.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لقد نذرنا حياتنا لهذا الدين]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن في تأخير مسألتنا هذه خيرًا، والخير فيما اختاره اللّٰه، لأن محبة ذلك الرجل الميت الرهيب تُلقَّن في جميع المدارس والدوائر الحكومية وفي أوساط الشعب عامة، وستؤثر هذه الحالة تأثيرًا أليمًا وفجيعًا جدًّا في العالم الإسلامي وفي المستقبل.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن حصول أولئك الذين لهم علاقة معه -وهم آخِر من يتخلون عنه- على رسائل النور التي تُثبت وتُظهر حججًا قاطعة حول ماهية ذلك الرجل، وقراءتَها بلهفة وإمعان، حادثةٌ مهمة بحيث تجعل دخولَ ألوف من أمثالنا في السجن -بل حتى سوقَهم إلى الإعدام- زهيدًا رخيصًا في سبيل الذود عن الدين الإسلامي، لأنها تنقذ -في الأقل- أكثر المتمردين عتوًّا، من الكفر المطلق والارتداد عن الدين، وتخرجهم إلى كفر مشكوك فيه، ويحُدُّ من تعديهم الجريء وتجاوُزِهم المتعنت.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;<strong>ولتكن رؤوسُنا فداءً لحقيقةٍ افتدتها ملايينُ رؤوس الأبطال</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الجملة التي صدعتُ بها وجوهَهم في المحكمة ختام مرافعتي، أعلنّا بها أننا نَثبت حتى النهاية، <strong>فلا نتخلى عن هذه الدعوى، وآمل أن لا يكون فيكم من يتخلى عنها</strong>، فما دمتم قد صبرتم وصمدتم حتى الآن، فتجمّلوا بالصبر والتحمل، فإنّ قسمَتنا من الرزق ووظيفتَنا هنا لم تنتهيا بعدُ.. ولن تكون هناك حركة عنيدة مضادة لرسائل النور دفاعًا عن مسلك الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائم اللذَين أثبتتهما &#8220;رسالةُ الثمرة&#8221; بحجج دامغة لا يمكن إنكارها، بل ستُبحث عن وسيلة للمصالحة أو التَرك. والصبر مفتاح الفرج والسرور.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نريد لهم الحياة ويريدون القضاء علينا]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين يسوموننا العذابَ قد قبضوا بأيديهم على <strong>وسائل الحياة ومباهج الحضارة والمُتع والملذات،</strong> ويتهموننا أننا لا نعبأ بذلك الطراز من الحياة، بل يدينوننا على ذلك، حتى إنهم يريدون أن يعاقبونا بالإعدام أو بعقوبات مشددة من السجن، ولكن لا يجدون حجة قانونية لذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن فنقبض بأيدينا على الموت الذي هو ستارٌ دون <strong>الحياة الباقية</strong>، ونسعى أيضًا بكل ما نملك من قوة لإنقاذهم من تبعات المسؤولية الحقيقية، ومن الحُكم عليهم ومن الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائمي.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنهم إذا أصدروا أشد العقوبات عليّ بسبب الرسائل القوية المرسَلة إلى &#8220;أنقرة&#8221;، فإن قلبي وكذا نفسي تطاوعاني على إنـزال تلك العقوبات الصارمة بي إذا نجا أولئك الذين يُصدرون تلك الأحكام من إعدام الموت بسبب تلك الرسائل؛ بمعنى أننا <strong>نريد لهم الحياة في كلا العالَمين ونتحرى لهم عن دواعي ذلك، أما هم فيريدون القضاء علينا ويتشبثون بحجج لذلك</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا إن حقيقة الموت الظاهرةَ كالشمس، والمشاهَدةَ جليًّا كالنهار، والمصدّقةَ بثلاثين ألف جنازة يوميًّا من البشر: تُعلن وتبين لأهل الضلالة ثلاثين ألفًا من إعدام أبدي وثلاثين ألفًا من سجن انفرادي.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا لسنا مغلوبين أمامهم.. ليقضوا ما هم يقضون، فالآية الكريمة: ﴿فإنّ حزب اللّٰه هُم الغالبُون﴾ تبشّر بظهورنا عليهم منذ اثنتي عشرة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">ما دام الأمر هكذا سنقول بعد الآن للمحكمة وللناس:</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نسعى لإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي للموت الماثل أمامنا والذي يَرقُبنا، ونجهد للنجاة من السجن الانفرادي الدائمي المظلم للقبر الذي فتح بابه على مصراعيه داعيًا لنا، ويُقحمنا فيه&#8230; إننا نعاونكم في إنقاذ أنفسكم من تلك المصيبة التي لا حيلة لكم دونها.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن أهم مسألة دنيوية وسياسية في نظركم، قليلةُ الأهمية في نظرنا وفي نظر الحقيقة، بل لا أهمية لها ولا قيمة لدى الذين لم يُعهد إليهم بتلك الوظائف، بل تُعدّ من الأمور التي لا تعنيهم بشيء؛ بينما الوظيفة الضرورية الإنسانية التي ننهمك بها، لها علاقات مع الناس قاطبة وفي الأوقات كافة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذين لا يروق لهم وظيفتُنا هذه ويحاولون رفعَها وإزالتها، عليهم رفعَ الموت أولًا وإزالتَه وسدَّ باب القبر وغلقَه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عناية ربانية تجعل الحكومة تتلطف معنا]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لَتجلٍّ من تجليات العناية الربانية انفجارُ وزير التربية بالغيظ والحقد، وقذفه جام غضبه وهجومه العنيف علينا قبل أن يرى دفاعاتنا ويدرسَ أوراقنا وكتبنا، بل كان ذلك بشعور مبطّن منه.</p>
<p style="text-align: justify;">وبينما كنا ننتظر أن تتخذ &#8220;أنقرة&#8221; تجاهنا طورَ الشدة والعنف، بالنسبة لعِظم المسألة، والناشئة من تدقيق أعلى المستويات في الدولة الرسائلَ السرية الخاصة أمثال &#8220;الشعاع الخامس&#8221; و&#8221;ذيل الهجمات الست&#8221; ودفاعاتي التي تتعرض بشدة للكفر المطلق وتُنـزل ضرباتها به بكل شجاعة.. أقول: بينما كنا ننتظر ذلك، <strong>إذا بتلك المَراجع العليا في &#8220;أنقرة&#8221; تأخذ موقف اللين، بل بما يتسم بالمصالحة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إن حكمة واحدة من تجلي العناية الربانية هذه هي <strong>قراءة رسائل النور قراءة عامة تشمل البلاد كلها</strong>، وقراءتُها في المراجع العليا في الدولة قراءة بإمعان وبشوق، فلا شك أن قراءة درس رفيع كهذا الدرس، وفي هذا الزمان بالذات، وفي مجتمعات واسعة ودوائر رفيعة كلية هي عناية ربانية، وأمارة قوية على ظهور رسائل النور على الكفر المطلق.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تتخلوا عن رسائل النور وخدمة الإيمان]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن قسمًا من أصحاب العوائل ذوي الموارد القليلة، قد يجدون لأنفسهم عذرًا بالانسحاب من ميدان رسائل النور والتنائي عنا، وربما التخلي عن رسائل النور تحت هذا العنف والضيق والأضرار التي لحقت بهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فبينما كنت أفكر في هذا الظن المحتمل، تبدّل الأمر بعد الإفراج، فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي دفع كل هذه الأثمان الغالية المادية والمعنوية حفاظًا على هذه البضاعة القيِّمة النفيسة جدًّا، وتحمَّل صنوفَ العذاب في سبيلها، إذا ما تخلى عنها فقد خسِر خسرانًا مبينًا؛ وإنه لَضررٌ لا مبرر له للشخص وللخدمة معًا إذا ما تخلى أحدُهم عن أجزاء رسائل النور، وانقطعت علاقتُه عمّا يتعلق بها، وتَرَك الحفاظَ علينا، وأحجم عن مدّ يد العون إلينا، وودّع الخدمة كليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا <strong>ينبغي عدم استبدال شيء بالوفاء والارتباط والصلة وخدمة الإيمان</strong>، مع أخذ الحذر.</p>
<h3 style="text-align: center;">[إعذارٌ لنا ممن شأنهم إدانتُنا!]</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لَتجلٍّ من تجليات العناية الربانية وحمايةٌ من الحفظ الإلهي، أَنْ غُلب الخبراء في &#8220;أنقرة&#8221; أمام حقائق رسائل النور؛ ومع أن هناك أسبابًا كثيرة للنقد والاعتراض إلّا أنهم قرروا براءتها -حسب ما سمعت- علمًا أن العبارات القوية الشديدة للرسائل السرية الخاصة، وتحدِّياتِ الدفاعات التي تتعرض لهم، والهجومَ العنيف لوزير التربية، ووجودَ عضوين ترَبَّيا على الفلسفة المادية في هيئة الخبراء من منتسبي وزارة التربية، ووجودَ عالم كبير يؤيد مستحدثات الأمور (الانقلابات)، وإثارةَ منظمة الزندقة المتسترة منذ سنة وراء حزب الشعب الجمهوري ووزارة التربية ضدنا.. أقول: بينما كنا ننتظر أن تُصدِر هيئةُ الخبراء اعتراضات شديدة -للأسباب المذكورة- واتهامَنا اتهامات تُنـزل بنا أقصى العقوبات، <strong>أغاثتنا الحمايةُ الإلهية والعناية الرحمانية</strong>، وأظهرت لهم المقامَ الرفيع لرسائل النور <strong>وصرفَتْهم عن الانتقادات الشديدة</strong>، حتى إنهم لأجل إنقاذنا من العقوبات، وصرفِ النظر عن كوني مجرمًا سياسيًّا له سوابق -من قضية &#8220;أسكي شهر&#8221; وحادثة &#8220;٣١ مارت&#8221; المشهورة- وكوننا لا نعمل إلّا للدين والعقيدة، وإظهارِ عدم وجود تآمر سياسي في عملنا، قالوا:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن سعيدًا النورسي منذ السابق يدَّعي أحيانا وراثة النبوة، ويتخذ طورَ المجدد في خدمة القرآن والإيمان، أي إنه يتصرف أحيانًا تصرف منجذب بجذبة روحية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الفقرة التي هي من التعابير الفلسفية الملحدة، والتي تعني أن الشخص أيًّا كان طالما يعمل للدين فهو إذن يعمل للتجديد بوراثة النبوة!</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد استعملوا ذلك التعبير الفلسفي الملحد بانتقادِ حسنِ الظن المفرط لدى بعض إخواننا، وإسناد الانجذاب الروحي والانتشاء إليّ في أثناء كلامي العنيف، <strong>لأجل تبرئتي من السياسة والحيلولة دون إنـزال العقوبة بي</strong>، فضلًا عن تخفيف حدّة معارضينا وأعدائنا بنوع من التلطيف، ولأجل كسر ما فيَّ أيضًا -حسب ظنهم- من حُب للجاه يقينا والأنانية وقصد المصلحة والنفع الذاتي، قياسًا على الآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن رسائل النور كلَّها من أولها إلى آخرها جوابٌ واضح وضوحَ الشمس إزاء ذلك التعبير، وتزيل كلَّ معنى يُشَم منه ذلك التعبير ويمحوه، بأن <strong>مسلكَنا هو ترك الأنانية والغرور والالتزام بالأخوة،</strong> لذا فلا شطحات تنم بالغرور عندنا، فضلًا عن أن حياة &#8220;سعيد الجديد&#8221; في رسائل النور المتسمة بالتذللِ للّٰه، وتعديلِه حُسْنَ الظن المفرط لدى إخوانه بدروسٍ مكررة دون النظر إلى شعور أحد، تزيل كلَّ ما يُشَم من ذلك التعبير من معنى.</p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[هيئة الخبراء تبرِّئ ساحتَنا]</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لا أرسل إليكم حاليًّا القرارَ الذي اتفقت عليه هيئةُ الخبراء، لئلا يتضرر المخبِر والكاتب.</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>هذه الهيئة الأخيرة قد حاولتْ بكل ما لديها من جهد أن تنقذنا وتحافظ علينا من شر أهل الضلالة والبدع</strong>، فقد أقرت بالاتفاق على براءتنا من كل ما أُسند إلينا من التهم، شاعرين بمسؤوليتهم تجاه رسائل النور التي استرشدوا بها، وأن أكثرية الرسائل قد كتبت كتابة علمية إيمانية، وأن &#8220;سعيدًا&#8221; يبين ما اقتنع به بيانًا جادًّا خالصًا، وأن ما لديه من قوة واقتدار ليسا كما يُسنَد إليه من إحداث طريقةٍ صوفيةٍ وتأسيس جماعة والمجابهة مع الحكومة، بل قوتُه واقتداره ليستا إلّا لإبلاغ حقائق القرآن إلى المحتاجين إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وقالوا أيضًا بشأن الرسائل السرية الخاصة التي عُبِّر عنها: إنها غير علمية: &#8220;إنه ينجذب أحيانًا جذبات روحية، ويراوده هيجان الشعور واضطراب الروح، فلا ينبغي أن يكون مسؤولًا بسبب هذه المؤلفات&#8221;. هكذا يُفهم من قرارهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا أنه بتعبير &#8220;سعيد القديم&#8221; و&#8221;سعيد الجديد&#8221; له شخصيتان، وفي الثانية قوة إيمانية خارقة وعلم حقائق القرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">وقالوا مراعاةً لمشاعر أهل الفلسفة المادية: &#8220;ربما ينجذب روحيًّا، وله خلل في الدماغ&#8221;.. <strong>قالوا ذلك لأجل إنقاذنا من تبعات التعابير العنيفة للرسائل السرية الخاصة، ولتهدئة شعور معارضينا</strong>، وقالوا أيضًا -ضمن هذا الشعور-: &#8220;ربما هو مصاب باختلالٍ عقلي يرى الخيالَ واقعًا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما يُبطل احتمالَهم هذا من أساسه، والجوابَ الشافي الكافي لهم هو ما حصلوا عليه من رسائل النور التي سبقت جميعَ العقول، ورسالة &#8220;الدفاع&#8221; و&#8221;الثمرة&#8221; اللتان أوقعتا جميع المحامين في حيرة وإعجاب.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أَحمد اللّٰه كثيرًا أنه قد وُهب لي -بهذا الاحتمال- ما يشير إليه حديث شريف.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن خبراء قد قرروا بالاتفاق على تبرئة ساحتنا جميعًا -أنا وإخوتي- من التُّهَم، ويقولون: &#8220;إنهم ارتبطوا بسعيد بسبب مؤلفاته العلمية الدقيقة إنقاذًا لإيمانهم وآخرتهم، ولم نجد أية أمارة أو صراحة تشير إلى سوء قصدهم تجاه الحكومة لا في مراسلاتهم ولا في كتبهم&#8221; ووقّع القرارَ ثلاثةُ أشخاص: أحدهم الفيلسوف نجاتي، والآخر يوسف ضياء (عالم) وآخر الفيلسوف يوسف.</p>
<h3 style="text-align: center;">[توافق لطيف]</h3>
<p style="text-align: justify;">وإنه لَتوافق لطيف، إذ بينما نطلِق على هذا السجن أنه مدرسة يوسفية بحقّنا، وأن رسالة &#8220;الثمرة&#8221; ثمرتها، فإن هذين المسمّيين بـ&#8221;يوسف&#8221; قالوا بلسان الحال: نحن أيضًا لنا حصة خفية في درس هذه المدرسة اليوسفية.</p>
<p style="text-align: justify;">أما دليلهم اللطيف على الجذبة والانجذاب الروحي، فهو عبارةُ: &#8220;الكلمة الثالثة والثلاثون والمكتوب الثالث والثلاثون بثلاث وثلاثين نافذة..&#8221; وأمثالها من التعابير.. وكذا &#8220;إنه يسمع تسبيحات القطط بـ: يا رحيم يا رحيم.. وإنه يعدّ نفسه شاهد قبر..&#8221; فأظهروا هذه التعابير دليلًا على الانجذاب ورؤية الخيال واقعًا!</p>
<p style="text-align: center;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[العناية الربانية تحثنا على العمل]</h2>
<p style="text-align: center;">﴿باسمه سبحانه﴾</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">ما دمنا نحن تحت العناية الربانية كما تشير إليها أمارات كثيرة، وأن رسائل النور لم تُغلَب تجاه أعداءٍ ظلمةٍ كثيرة جدًّا، وأنها أسكتت إلى حدٍّ ما وزيرَ التربية وحزب الشعب الجمهوري، وأن الذين استهولوا مسألتَنا كليًّا حتى أوقعوا الحكومة في قلق واضطراب، سيحاولون بكل وسيلةٍ إخفاءَ أكاذيبهم وافتراءاتهم.. فلا بد أن نتحلى بالصبر والحيطة مع كمال الاستسلام لأمر اللّٰه والثبات على الخدمة وعدم الوقوع في خيبة الأمل بالذات، وعدم اليأس من ظهور خلاف المأمول، وعدم التزعزع أمام أعاصير مؤقتة زائلة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن خيبةَ الأمل التي تَفُتُّ من القوة المعنوية لأهل الدنيا وتكسر شوكتَهم، تكون لطلاب رسائل النور الذين يرون ألطاف العناية ولمسات الرحمة تحت المشاق والمضايقات والمجاهدات دافعةً إلى العمل والجد.</p>
<h3 style="text-align: center;">[يتهمونني بالجنون!]</h3>
<p style="text-align: justify;">ولقد ساقني أهلُ الدنيا السياسيون قبل أربعين سنة إلى مستشفى المجاذيب بإلصاق جنون مؤقت بي، فقلت لهم: إن ما ترونه عقلانيًّا أراه خلافًا للعقل، فأنا أتبرأ من مثل هذه الأمور، وأرى أن هذه القاعدة تسري فيكم:</p>
<p style="text-align: center;">&#8220;وكل الناس مجنونٌ ولكنْ     *     على قدر الهوى اختلف الجنون&#8221;‌</p>
<p style="text-align: justify;">والآن كذلك أقول الكلامَ نفسه إلى الذين أسندوا الجنون المؤقت إليّ لإنقاذي وإنقاذ إخواني من مسؤولية كبيرة، وكأنَّ نوعًا من جنون ينتابني من حيث الرسائل السرية الخاصة، وأُعيد القول مع بيان رضاي من الجنون من جهتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: لقد ورد في حديث شريف ما معناه أن من أكمل المؤمنين إيمانًا أن يَعُدَّه الناسُ مجنونًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">16</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: إنني لا أرضى فقط بإسناد الجنون إليّ وحده، بل أضحى بعقلي الكامل وحياتي كلها وبكل فخر واعتزاز لأجل إنقاذ إخواني وسلامتهم ونجاتهم من ظلمات هذا السجن.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا ارتأيتم أن تُكتَب رسالةُ شكر إلى أولئك الذوات الثلاث، ويبلَّغون أننا نشركهم في مكاسبنا المعنوية فافعلوا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[تسامحوا قبل الوداع]</h3>
<p style="text-align: justify;"> إخواني الأوفياء الصادقين، ورفقائي المخلصين في خدمة القرآن والإيمان.‌.</p>
<p style="text-align: justify;">لمناسبة دنو زمن فراق بعضنا بعضًا، ينبغي لكلٍّ منكم التجاوز عن تقصير أخيه والصفح عنه كليًّا عما سببته الانفعالاتُ من الضجر والذنوب التي حالت دون الحفاظ على دساتير الإخلاص، فأنتم أقوى أُخُوَّةً من أشقّاء النسب، والأخ يستر تقصير أخيه، ويتناسى نقصَه، ويصفح عنه.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا هنا لا أحيل اختلافكم وأنانيتكم غير المتوقعة إلى النفس الأمارة، ولا أجده لائقًا بطلاب النور، بل أعدُّه نوعًا من أنانية مؤقتة التي توجَد في أولياءَ صالحين ممن تركوا نفوسهم أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا تُخيّبوا يا إخواني حسنَ ظني بكم بالإصرار والعناد.. تصالَحوا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ناحية تقع بقربها قرية &#8220;نورس&#8221; حيث مسقط رأس الأستاذ النورسي.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الحزب القرآني: عبارة عن مجموعة آيات مختارة من سور القرآن الكريم والتي تعمق الإيمان وتخص التفكر الإيماني في الكون.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الحزب النوري: عبارة عن خلاصة تأملات فكرية، كتبها الأستاذ النورسي باللغة العربية.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;قرية ساو: قرية قريبة من منفى الأستاذ النورسي &#8220;بارلا&#8221;. وأهالي هذه القرية شيبًا وشبابًا رجالًا ونساءً خدموا الإيمان عن طريق نشر رسائل النور واستنساخها.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود: سجن &#8220;أسكي شهر&#8221; و&#8221;دنيزلي&#8221;.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حوما: قرية قريبة من &#8220;بارلا&#8221;.</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أي أقواها وأشدها. (انظر كشف الخفاء ١/١٥٥).</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الحجة البالغة: هي القسم الثاني من مجموعة &#8220;عصا موسى&#8221; ويضم إحدى عشرة حجة إيمانية.</div><div>10&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أي ما استنسخوه من الرسائل.</div><div>11&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المذكورة في رسالة الإخلاص.</div><div>12&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: القضاعي، مسند الشهاب ٢/١٤٠؛ الديلمي، المسند ٣/٧٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٣٩٧.</div><div>13&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;دائرة النور: المقصود مجموعة من طلاب النور في قرية &#8220;إسلام كوي&#8221; وفي مقدمتهم الحافظ علي.</div><div>14&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;دائرة الورد: المقصود مجموعة من طلاب النور في &#8220;إسبارطة&#8221; وفي مقدمتهم خسرو.</div><div>15&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر:البخاري، الجهاد ١٠٢، ١٤٣، فضائل الأصحاب ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١٠.</div><div>16&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هناك روايات كثيرة بهذا المعنى، نذكر منها: &#8220;أكثروا ذكر اللّٰه حتى يقولوا: مجنون&#8221;. (انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٦٨، ٧١؛ عبد ابن حميد، المسند ص ٢٨٩؛ ابن حبان، الصحيح ٣/٩٩، البيهقى، السنن الكبرى ٩/١٥٣؛ المنذرى، الترغيب والترهيب ٢/٣٩٩؛ الحاكم، المستدرك ١/٤٩٩).</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2630</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الثاني عشر: دفاع محمكة دنيزلي</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%83%d8%a9-%d8%af%d9%86%d9%8a%d8%b2%d9%84%d9%8a/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25af%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d9%2585%25d8%25ad%25d9%2585%25d9%2583%25d8%25a9-%25d8%25af%25d9%2586%25d9%258a%25d8%25b2%25d9%2584%25d9%258a</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%83%d8%a9-%d8%af%d9%86%d9%8a%d8%b2%d9%84%d9%8a/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 31 May 2025 06:55:03 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2609</guid>

					<description><![CDATA[[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة دنيزلي، وكان ذلك في عامَي 1943 &#8211; 1944] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; الشعاع الثاني عشر دفاع محكمة دنيزلي‌   [دفاع 1]   ﴿باسمه سبحانه﴾ [الموت لنا إطلاقُ سراح.. ولكم: سجنٌ أبدي] أيها السادة.. إنني أؤكد لكم &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا الشعاع يتضمن الدفاعات التي أدلى بها الأستاذ النورسي في جلسات محاكمته بمحكمة دنيزلي، وكان ذلك في عامَي 1943 &#8211; 1944]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2610" aria-describedby="caption-attachment-2610" style="width: 736px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2610" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/525556df57746d41ae480cf1ed090d0a.jpg" alt="إننا لا ننظر إلى أشد عقوبتكم وأقصاها إلا أنها تسريح وتذكرة سفر إلى عالم النور، لذا فإننا ننتظرها بثبات كامل.. ولكننا نعلم علم اليقين أن الذين وقفوا ضدنا وأصدروا الأحكام ضدنا سيَلقون عن قريب عقابهم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي، ذلك العقاب المرعب.. إننا نوقن ذلك وكأننا نشاهدهم في عذابهم هذا كما نشاهدكم أنتم في هذا المجلس.. إننا نشاهدهم هكذا ونتألم كثيرًا من الناحية الإنسانية من أجلهم." width="736" height="414" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/525556df57746d41ae480cf1ed090d0a.jpg 736w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/525556df57746d41ae480cf1ed090d0a-300x169.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/525556df57746d41ae480cf1ed090d0a-390x220.jpg 390w" sizes="(max-width: 736px) 100vw, 736px" /><figcaption id="caption-attachment-2610" class="wp-caption-text">إننا لا ننظر إلى أشد عقوبتكم وأقصاها إلا أنها تسريح وتذكرة سفر إلى عالم النور، لذا فإننا ننتظرها بثبات كامل..<br />ولكننا نعلم علم اليقين أن الذين وقفوا ضدنا وأصدروا الأحكام ضدنا سيَلقون عن قريب عقابهم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي، ذلك العقاب المرعب.. إننا نوقن ذلك وكأننا نشاهدهم في عذابهم هذا كما نشاهدكم أنتم في هذا المجلس.. إننا نشاهدهم هكذا ونتألم كثيرًا من الناحية الإنسانية من أجلهم.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">الشعاع الثاني عشر</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>دفاع محكمة دنيزلي</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>‌</p>
<p><strong> </strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 1]</h2>
<p><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[الموت لنا إطلاقُ سراح.. ولكم: سجنٌ أبدي]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة.. إنني أؤكد لكم أن الذوات الموجودين هنا إما لا تربطهم رابطة مع رسائل النور، أو هناك مجرد رابطة بسيطة معها، مع أن لي العديد من الإخوة الحقيقيين بكل معاني الأخوّة التي تستطيعون تصورها، ولي على درب الحقيقة العديد من الأصدقاء الواصلين للحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا أيها السادة على يقين تام لا يتزعزع بأن <strong>الموت بالنسبة لنا -بسر القرآن الكريم- ليس إعدامًا أبديًّا بل مذكرة تسريح</strong>.. بينما يعد هذا الموت بالنسبة لمعارضينا وبالنسبة للسائرين في درب الضلالة موتًا أكيدًا وإعدامًا أبديًّا إن لم يكن يؤمن بالآخرة إيمانًا لا شبهة فيه.. أو أن هذا الموت يعد بالنسبة إليه سجنًا انفراديًّا أبديًّا ومظلمًا إن كان يؤمن بالآخرة ولكنه منغمس في حياة السفاهة والضلالة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أسألكم: <strong>أتوجد في هذه الدنيا مسألة أكبر من مسألة الموت؟</strong> أهناك مسألة إنسانية أهم وأكبر من هذه المسألة؟ فكيف إذن يمكن أن تستغل هذه المسألة من أجل شيء آخر؟</p>
<p style="text-align: justify;">وما دام من المستحيل أن يكون هناك شيء آخر أهم من هذه المسألة، إذن <strong>فلِمَ أنتم منشغلون بنا هكذا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إننا لا ننظر إلى <strong>أشد عقوبتكم</strong> وأقصاها إلا أنها <strong>تسريح وتذكرة سفر إلى عالم النور</strong>، لذا فإننا ننتظرها بثبات كامل..</p>
<p style="text-align: justify;">ولكننا نعلم علم اليقين أن <strong>الذين وقفوا ضدنا</strong> وأصدروا الأحكام ضدنا سيَلقون عن قريب <strong>عقابهم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي</strong>، ذلك العقاب المرعب.. إننا نوقن ذلك وكأننا نشاهدهم في عذابهم هذا كما نشاهدكم أنتم في هذا المجلس.. إننا نشاهدهم هكذا ونتألم كثيرًا من الناحية الإنسانية من أجلهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا على أتم استعداد لإثبات هذه الحقيقة المهمة والبرهنة عليها وإفحام أكبر المنكرين لها وإلزام أشد المتمردين عليها.. وأنا على أتم استعداد لقبول أي عقاب كان إن لم أقم بهذا الإثبات أوضح من الشمس في رابعة النهار وأمام أكبر علمائكم وفلاسفتكم، وليس فقط أمام المختصين من هذه اللجنة الذين لا يملكون أي نصيب من العلم ومن الاختصاص، إنهم مشبعون بالحقد ولا علم لهم بالمعنويات ولا يهتمون بها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الحرية لرسائل النور]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>والخلاصة</strong>: إن أمامكم طريقين: إما أن تطلقوا الحرية الكاملة لرسائل النور أو تحاولوا -إن استطعتم- أن تغلبوا الحقائق الواردة فيها وتقضوا عليها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سلَّمنا أمرنا للقدَر]</h3>
<p style="text-align: justify;">إنني لم أكن -حتى الآن- أفكر فيكم ولا في دنياكم، وما كان في نيتي أن أتفكر فيهما في المستقبل، ولكنكم اضطررتموني إلى هذا، وربما كان هذا ضروريًّا لتنبيهكم وإيقاظكم، ولعل القدر الإلهي هو الذي ساقنا إلى هذا. أما نحن فإن مرشدنا هو الدستور القائل: &#8220;<strong>مَن آمن بالقدر أمِن من الكدر</strong>&#8220;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فقد عقدنا العزم على تحمل جميع صنوف مضايقاتكم بكل صبر.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 2]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لسنا خطرًا على البلد.. بل على الكفر والزندقة]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة! إنني مقتنع تمامًا -نتيجة شواهد ودلائل عديدة- بأن الهجمات التي تُشن علينا ليس مبعثها الزعم القائل بأننا &#8220;نستغل الشعور الديني للإخلال بالأمن الداخلي&#8221;.. كلا، ولكن <strong>ذلك الهجوم</strong> -الذي يتم تحت ذلك الغطاء الزائف- يتم <strong>في سبيل الكفر والزندقة</strong> ويستهدف إيماننا وإنهاء مساعينا وخدماتنا في سبيل الإيمان و في سبيل إقرار الهدوء.. ونحن نملك أدلة وبراهين عديدة على هذا. ولنقدمْ هنا برهانًا واحدًا فقط على ذلك:</p>
<h3 style="text-align: center;">[لم تقع من طلاب النور أدنى جناية]</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأ <strong>عشرون ألف فرد</strong> عشرين ألف نسخة من رسائل النور في <strong>غضون عشرين سنة</strong>، ورضوا بها وتقبلوها، ومع ذلك لم تقع حادثة واحدة مخلة بالأمن من قبل طلاب رسائل النور، <strong>ولم تسجِّل المراجع الرسمية أية حادثة</strong> من هذا القبيل، كما لم تستطع المحكمة السابقة ولا المحكمة الحالية العثور على مثل هذه الحادثة، علمًا بأن نتائج مثل هذه الدعاية القوية والمنتشرة بكثرة كان لا بد لها من الظهور في ظرف عشرين يومًا بشكل حوادث ووقائع.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فإن &#8220;القانون رقم ١٦٣&#8221; ليس إلّا <strong>غطاءً كاذبًا وزائفًا يشهر ضد حرية الضمير وحرية الوجدان والعقيدة،</strong> وقانونًا مطاطًا يراد منه أن يشمل كل المتدينين وكل الناصحين والدعاة، ولا يريد أهل الإلحاد والزندقة إلا القيام باستغفال بعض المسؤولين الحكوميين لضربنا وتحطيمنا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لقد نذرنا أرواحنا للحقائق القدسية]</h3>
<p style="text-align: justify;">وما دامت هذه هي الحقيقة فإننا نصرخ بكل قوتنا:</p>
<p style="text-align: justify;">أيها البائسون الذين سقطوا في درك الكفر المطلق.. يا من بعتم دينكم بدنياكم!.. اعملوا كل ما تستطيعون عمله، ولتكن دنياكم وبالًا عليكم.. وستكون.. <strong>أما نحن فقد وضعنا رؤوسنا فداءً للحقيقة القدسية التي يفتديها مئات الملايين من الأبطال برؤوسهم</strong>.. فنحن متهيئون وجاهزون لاستقبال كل أنواع عقوباتكم.. بل حتى إعدامكم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[نظامكم لا يعرف أيَّ نوعٍ من أنواع الحرية]</h3>
<p style="text-align: justify;">إنّ وضْعَنا وحالنا خارج السجن -تحت هذه الظروف- أسوأ مائة مرة من حالنا داخله، ولا يبقى بعد هذا الاستبداد المطلق الموجه إلينا أيُّ نوع من أنواع الحرية.. لا الحرية العلمية، ولا الحرية الوجدانية، ولا الحرية الدينية.. أي لا يبقى أمام أهل الشهامة وأهل الديانة وأمام مناصري الحرية ومحبيها من سبيل إلا <strong>الموت</strong> أو الدخول إلى <strong>السجن</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نحن فلا يسعنا إلا أن نقول: ﴿إنا للّٰه وإنا اليه راجعون﴾، ونعتصم بربنا ونلوذ به.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 3]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[أطالب بحقي في الدفاع عن نفسي]</h3>
<p style="text-align: justify;">السيد علي رضا رئيس المحكمة المحترم.. كي أستطيع الدفاع عن حقوقي فإنني <strong>أتقدم بطلبٍ وبرجاءٍ مهم</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أعرف <strong>الحروف الجديدة</strong>، كما أن خطي في الحروف القديمة غير جيد؛ ثم إنهم منعوني من لقاء الآخرين ومواجهتهم، أي إنني أكاد أكون في عزلة كاملة أو في سجن انفرادي.. إلى درجةِ أنهم <strong>سحبوا مني ورقة اتهام الادعاء العام</strong> بعد ربع ساعة فقط من إعطائها لي.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أنني <strong>لا أستطيع من الناحية المالية الاستعانة بمحام</strong>، وما قدمت لكم دفاعي إلا بعد مشقة كبيرة، ولم أستطع أن أحصل على نسخة من هذا الدفاع بالحروف الجديدة إلا بصورة سرية.</p>
<p style="text-align: justify;">وكنت قد أمليت كتابة &#8220;رسالة الثمرة&#8221; (التي هي بمثابة دفاع عن رسائل النور وبمثابة خلاصة مسلكها) لكي أقدمها إلى الادعاء العام وأرسل منها نسخة أو نسختين إلى الجهات الرسمية في &#8220;أنقرة&#8221;. ولكنهم <strong>سحبوها منى ولم يعيدوها إليّ</strong>، بينما كانت الجهات العدلية في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; قد قامت <strong>بإرسال آلة طابعة</strong> إليّ في السجن، فاستطعنا كتابة بضع نسخ من دفاعي بالحروف الجديدة، كما قامت المحكمة نفسها بالكتابة أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن طلبي الذي أعدّه مهمًّا، هو قيامكم <strong>بإرسال آلة طابعة</strong>، أو السماح لنا بجلب هذه الطابعة لكي يتسنى لنا القيام بطبع بضع نسخ بالحروف الجديدة من رسالة &#8220;الثمرة&#8221; التي تعد -كما قلت- بمثابة دفاع عني وعن رسائل النور، وذلك بغية إرسال نسخ منها إلى وزارة العدل وإلى مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس الشورى للدولة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[قضيتنا لها صلة بالبلد بأجمعه]</h3>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن التهم التي وجهها إليّ الادعاء العام تنحصر كلها حول رسائل النور، ولا شك أن أي دعوى حول رسائل النور وأي اعتراض عليها لا يُعدُّ شيئًا هينًا أو بسيطًا، ولا يُعدّ مسألة شخصية غير ذات أهمية، بل هي مسألة عامة وحادثة ذات شأن كبير تهمّ هذا البلد وهذه الأمة وهذه الحكومة مما تجذب إليها باهتمام أنظار العالم الإسلامي بأسره.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أعداؤنا يريدون الوقيعة بين تركيا والعالم الإسلامي]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن الأصابع التي تحارب رسائل النور من خلف الأستار هي الأصابع الأجنبية التي <strong>تحاول تحطيم وكسر الود والمحبة والأخوة التي يكنها العالم الإسلامي نحو هذه الأمة في هذا الوطن</strong>.. هذه المحبة والأخوة التي تعد أكبر قوة لهذه الأمة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فلكي يتم تحطيم هذه المحبة وهذه الأخوة وتبديلها وتغييرها إلى بغض ونفور، فإن هناك أصابع تحاول استغلال السياسة وجعلها آلة ووسيلة لتشجيع الإلحاد والكفر المطلق، وهي بذلك إنما تقوم بعملية خداع للحكومة، وقامت مرتين بعملية تضليل للعدالة عندما تقول لها: &#8220;إن طلاب رسائل النور يستغلون الدين من أجل السياسة وأن هناك احتمالًا لأن يتضرر من ذلك أمن البلد&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها البائسون.. <strong>إن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة</strong>، بل تقوم بتحطيم الكفر المطلق -الذي أسفلُه الفوضى وأعلاه الاستبداد المطلق- وتفتيتِه وردّه على أعقابه.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكبرُ برهان على ذلك هو رسالة &#8220;الثمرة&#8221; التي هي بمثابة دليل واحد من بين مائة حجةٍ ودليلٍ على أن رسائل النور تسعى لتأسيس الأمن والنظام والحرية والعدالة في هذا البلد، لذا <strong>أَطلب تكليف هيئة علمية واجتماعية عالية لتدقيق هذه الرسالة</strong>، فإن لم تقتنع هذه الهيئة بما أقول فإنني أرضى بكل عقاب وبأي نوع من أنواع الإعدام.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 4]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لسنا تنظيمًا سياسيًّا ولا طريقة صوفية]</h3>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: justify;">السيد الرئيس..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تم اتخاذ ثلاثة أسس في قرار المحكمة:</p>
<p style="text-align: justify;">المادة الأولى: <strong>الجمعية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أُشهد جميع طلاب النور الموجودين هنا وجميع من قابلوني وتحدثوا إليّ وجميع من قرؤوا أو استنسخوا رسائل النور، <strong>وتستطيعون أن تسألوهم إن قلت لأيّ منهم: إننا سنشكل جمعية سياسية أو طريقة نقشبندية</strong>!</p>
<p style="text-align: justify;">بل كنت أقول دائمًا: <strong>إننا نحاول إنقاذ إيماننا</strong>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[نحن من &#8220;حزب الله&#8221; و&#8221;حزب القرآن&#8221;]</h4>
<p style="text-align: justify;">ولم يَجْرِ بيننا حديثٌ خارج عموم أهل الإيمان وخارج الجماعة الإسلامية المقدسة التي يربو عدد أفرادها على ثلاثمائة مليون مسلم، ولم نجد لأنفسنا مكانًا خارجَ ما أَطلق القرآن الكريم عليه اسم &#8220;<strong>حزب اللّٰه</strong>&#8221; الذي يَجمع تحت ظل <strong>أخوّة الإيمان جميعَ أهل الإيمان</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأننا حصرنا جهدنا في خدمة القرآن فلا شك أننا من &#8220;<strong>حزب القرآن</strong>&#8221; ومن &#8220;<strong>حزب اللّٰه</strong>&#8220;.. <strong>فإن كان قرار الاتهام يشير إلى هذا فإننا نقر بذلك بكل خلجة من خلجات أرواحنا وبكل فخر واعتزاز</strong>، أما إن كان يشير إلى معانيَ أخرى فإننا لا نعلم عنها شيئًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ليس لكم أن تجددوا معاقبتنا]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الثانية</strong>: إن قرار الاتهام يعترف -استنادًا إلى تقرير وشهادة شرطة &#8220;قسطموني&#8221;- بأن &#8220;رسالة الحجاب&#8221; و&#8221;رسالة الهجمات الست وذيلها&#8221; وُجِدت داخل صناديق مغلقة ومسمّرة وتحت أكوام الحطب والفحم. أي لم تكن معدة للنشر أبدًا. وقد مرت من تدقيقِ ونقد محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; وأدّت إلى إصدار عقوبة خفيفة لي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن <strong>الادعاء العام الذي أخذ بعض الجمل من هذه الرسائل وأعطى لها مفهومًا ومعاني غير صحيحة</strong>، يريد أن يرجع بنا تسع سنوات إلى الوراء وأن يحمّلنا مسؤولية جديدة حول تهمةٍ سبق وأن عوقبنا من أجلها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ليس لكم أن تُدينونا باحتمالات، بل بوقائع حقيقية]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الثالثة</strong>: ورد في قرار الاتهام وفي مواضع عدة عباراتٌ أمثال: &#8220;يمكن أن يخل بأمن الدولة&#8221;. أي <strong>تم وضع الاحتمالات والإمكانات محل الوقائع الثابتة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول: إن من الممكن ومن المحتمل أن يقوم كل شخص باقتراف جريمة القتل، فهل يمكن إدانة كل شخص وتجريمه على أساس الاحتمال؟</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 5]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لقد حرَّفوا اعتراضاتي]</h3>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: justify;">السيد رئيس المحكمة..</p>
<p style="text-align: justify;">أرفق لكم طيًّا صورة من دفاعي الذي قدمته كعريضة إلى المراجع الرسمية في &#8220;أنقرة&#8221; وإلى رئيس الجمهورية، وكذلك الرسالة الجوابية التي أرسلَتها رئاسة الوزارة، مما يظهر مدى قبولها واهتمامها بعريضتي.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أدرجتُ في دفاعي هذا الأجوبةَ القاطعة التي ردَّت على بيان الادعاء العام المملوء بالتُّهم التي لا أساس لها من الصحة، وبالأوهام التي لا مبرر لها.</p>
<p style="text-align: justify;">كما يوجد في هذا الادعاء كثير من الأقوال المبنية على مضابط الشرطة المغرضة والسطحية والتي عارضها تقرير الخبراء، وقد سبق وأن قدمت اعتراضاتي عليها والتي يمكن تلخيصها بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">كما ذكرت لكم سابقًا فإنه عندما أرادت محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; تجريمي حسب المادة رقم ١٦٣ قلت لها: &#8220;لقد وافق ١٦٣ نائبًا من نواب البرلمان للحكومة الجمهورية البالغ عددهم مائتي نائب (أي بنفس عدد المادة ١٦٣) على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لإنشاء &#8220;دار الفنون&#8221; (الجامعة) في مدينة &#8220;وان&#8221;. وأن موافقتهم هذه والاهتمام الذي أبدته حكومة الجمهورية نحوي يعني إسقاط التهمة الموجهة إليّ حسب &#8220;المادة ١٦٣&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">عندما قلت هذا للمحكمة قامت اللجنة الاستشارية لتلك المحكمة بتحريف ما قلته وادّعت أن ١٦٣ نائبًا أجروا تحقيقًا حول &#8220;سعيد&#8221; وطالبوا بمحاكمته!</p>
<h3 style="text-align: center;">[لقد برَّأتنا لجنة الخبراء المنصفة]</h3>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، واستنادًا إلى أمثال هذه التهم الباطلة لتلك اللجنة الاستشارية يحاول الادعاء العام جعلنا مسؤولين أمام هذه التهم، بينما جاء بالإجماع قرار <strong>الهيئة المختصة</strong> ذات المستوى الرفيع من العلم، التي تشكلت بقرار من المجلس النيابي وحوّل إليها تدقيق رسائل النور ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;<strong>لا توجد فيما كتبه &#8220;سعيد&#8221; أو طلاب النور أية دلائل أو أمارات صريحة حول استغلال الدين أو المقدسات وجَعْلها أداة ووسيلة للإخلال بأمن الدولة أو التحريض على ذلك، ولا على محاولة القيام بتشكيل جمعية، ولا أية نيات أو مقاصد سيئة</strong>.. ولم نجد في وسائل تخاطب طلاب النور وخطاباتهم <strong>أيةَ نيات سيئة ضد الحكومة</strong>، ولا أية مقاصد لتشكيل جمعية أو طريقة صوفية، وقد تبين أنهم لا ينطلقون في حركتهم من هذا المنطلق&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كما قررت هذه الهيئة المختصة وبالإجماع كذلك على ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن تسعين بالمائة من رسائل النور لم تبتعد قيد أنملة عن مبادئ الدين وأسسه ولا عن مبادئ العلم والحقيقة، وقد كُتبت بإخلاص وبتجرد..</p>
<p style="text-align: justify;">ومن الواضح تمامًا أن هذه الرسائل لا تنوي استغلال الدين ولا القيام بتشكيل جمعية ولا محاولة الإخلال بأمن الدولة، كما أن الرسائل المتبادلة بين طلاب النور، أو بين طلاب النور وبين سعيد النورسي تحمل هذا الطابع أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وباستثناء بعض الرسائل السرية (لا يتجاوز عددها عشر رسائل) التي لم تتطرق إلى مواضيع علمية. بل تحمل طابع الشكوى والألم.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد كُتبت جميع رسائل النور إما لشرح آية أو لتوضيح معنى حديث شريف وبيانه.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن معظم رسائل النور كتبت لتوضيح الحقائق الدينية والإيمانية، وحول عقائد الإيمان باللّٰه وبرسوله واليوم الآخر.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكي تتوضح هذه الحقائق بشكل أفضل انتهجت رسائل النور أسلوب ضرب الأمثال وإيراد القصص، وقدمت رأيها العلمي وإرشاداتها ونصائحها الأخلاقية ضمن مناقب حميدة وتجارب في الحياة وقصص ذات عبر، <strong>ولا تحتوي هذه الرسائل على أي شيء يمكن أن يمس الحكومة أو المراجع الرسمية</strong>&#8220;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[يؤسفنا أن تنحرف المحكمة عن معالم العدل]</h3>
<p style="text-align: justify;">لذا فإننا في الحقيقة متأثرون جدًّا من قيام الادعاء العام بإهمال تقرير هذه الهيئة العلمية المتخصصة ذات المستوى المرموق وتركِه جانبًا، والتوجه إلى التقرير القديم الناقص والمشوش والمضطرب، ثم بناء اتهاماته الغريبة استنادًا إليه.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن من الطبيعي أن نرى هذا غير لائق بعدالة هذه المحكمة التي نسلم بعدالتها وإنصافها. وهذا يشبه -ولا مشاحة في الأمثال- ما جرى مع &#8220;البكطاشي&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> الذي قيل له: &#8220;لماذا لا تصلي؟&#8221; فأجاب: &#8220;لأنه ورد في القرآن: ﴿لاتقربوا الصلاة﴾&#8221; فقيل له: &#8220;ولكن لماذا لا تكمل قراءة الآية وهي تقول: ﴿وأنتم سكارى﴾ &#8221; فأجاب: &#8220;إنني لستُ حافظًا للقرآن&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى هذا المثال تؤخذ جملة معينة من رسائل النور وتُبنى عليها الاتهامات ضدنا دون أن تُقرأ وتدقق الجمل التالية والموضِحة لها، وسترون أمثلة عديدة -حوالي أربعين مثالًا- على هذا في مذكرة دفاعي التي سأقدمها لكم.</p>
<p style="text-align: justify;">وكأنموذج لهذا أقدم هذه الحادثة الطريفة: وردت سهوًا عبارة &#8220;إن رسائل النور تفسد الشعب&#8221; في مذكرة الادعاء العام في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; عندما كان يشرح أثر الدروس الإيمانية لرسائل النور، ومع أن المحكمة شطبت فيما بعد هذه الجملةَ، إلّا أن أحد طلاب النور -واسمه عبد الرزاق- قال بعد مضي سنة على تلك المحكمة:</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الشقي! كيف يستطيع أحد أن يقول عن &#8220;إرشاد&#8221; رسائل النور &#8220;إفسادا&#8221;؟!</p>
<p style="text-align: justify;">أيقال بحق رسائل النور التي ظهرت وتأكدت قيمتُها الدينية ولم تبدر منها خلال عشرين سنة أية إساءة أو ضرر نحو الإدارة الحكومية ولا نحو أي شخص، بل قامت بإرشاد الآلاف من الشباب وتقوية إيمانهم وتقويم أخلاقهم؟ إذن فكيف تستطيع أن تصف &#8220;إرشاد&#8221; رسائل النور بأنه &#8220;إفساد&#8221;؟ ألا تخشى اللّٰه؟.. قطع اللّٰه لسانك!</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نحيل ما قاله مقام الادعاء العام -الذي اطلع على الأقوال المحقة لطالب النور هذا- من أن &#8220;سعيدًا ينشر الفساد من حواليه&#8221;.. نحيله إلى ضمائركم وإلى شعور الإنصاف في وجدانكم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[للدين أثره في الحياة الاجتماعية لا محالة]</h3>
<p style="text-align: justify;">ولكي يجد مقام الادعاء فرصة لغمز الدروس الاجتماعية لرسائل النور قال: &#8220;إن الوجدان هو مقامُ الدين ومكانه، فالدين لا يرتبط بالحكم ولا بالقانون، إذ عندما ارتبط بهما في السابق ظهرت الفوضى الاجتماعية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول: <strong>إن الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح أيضًا هو الجزء الثاني من الدين</strong>، فهل يكفي الخوف من السجن أو من شرطة الحكومة لكي يبتعد مقترفو الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار ويمتنعوا عنها؟</p>
<p style="text-align: justify;">إذن يستلزم أن نخصص لكل شخص شرطيًّا مراقبًا لكي ترتدع النفوس اللاهية عن غيها وتبتعد عن هذه القذارات.</p>
<p style="text-align: justify;">ورسائل النور تضع مع كل شخص في كل وقت رقيبًا معنويًّا من جهة العمل الصالح ومن جهة الإيمان، وعندما يتذكر الإنسان سجن جهنم والغضب الإلهي فإنه يستطيع تجنب السوء والمعصية بسهولة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تبنوا التهمة على أوهام]</h3>
<p style="text-align: justify;">وقد بيّن الادعاء العام أمارةً لا معنى لها عندما أَبرز أسماء الموقعين على التوافقات الظاهرة في إحدى الرسائل، وقال: إنهم أفراد جمعية! فيا ترى هل يمكن إعطاء اسم الجمعية على أصحاب التواقيع الموجودة في سجلات أصحاب المحلات والدكاكين؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد حدث وهمٌ شبيه بهذا في محكمة &#8220;أسكي شهر&#8221; وأجبت عنه أيضًا.. فلو كانت هناك جمعية دنيوية فيما بيننا، لكان المتضررون بسببي ينفرون مني نفورًا شديدًا ويهربون. ولكن مثلما لي ولنا ارتباط لا ينفصم مع &#8220;الإمام الغزالي&#8221;، حيث إنها رابطة أخروية لا دنيوية، كذلك هؤلاء الأبرياء المتدينون لهم رابطة قوية بهذا الضعيف لأجل ما تلقوا من دروس إيمانية. ومن هنا نشأ ذلك الوهم &#8220;جمعية سياسية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كلمتي الأخيرة: <strong>﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في السجن الانفرادي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 6]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>هذا الجزء له أهمية بالغة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[إدانتُا انحيازٌ للكفر والإلحاد]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة! السيد رئيس المحكمة!‌</p>
<p style="text-align: justify;">أرجو أن تنتبهوا وتعوا جيدًا بأن إصدار أي حكم بمعاقبة طلاب النور ليس إلّا خدمة مباشرة للكفر والإلحاد، وليس إلّا اتهامًا للحقائق القرآنية وللحقائق الإيمانية التي سار على هداها كلَ عام ثلاثمائة مليون مسلم منذ ألف وثلاثمائة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">أي هو محاولة لسد الجادة الكبرى وإغلاق الطريق القويم المؤدي إلى الحقيقة وإلى سعادة الدارين لما يقرب من ثلاثمائة مليار مسلم<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>، مما سيجلب نفور هؤلاء واعتراضهم، ذلك لأن سالكي هذه الجادة وهذا الطريق يدعو فيه الخلف للسلف ويعينه بحسناته وبدعواته.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حذارِ أن تصبحوا خصماء الأمة في المحكمة الكبرى]</h3>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هؤلاء -الواقفين موقف العداء للإيمان- سيكونون سببًا في إثارة مشكلة كبيرة في هذا الوطن، فإذا وقف أمامكم <strong>يوم القيامة ويوم المحكمة</strong> الكبرى ثلاثمائة مليار خصم وسألوكم: &#8220;لماذا سمحتم لكتب إلحادية ولكتب تهاجم الإسلام بصراحة أمثال كتاب &#8220;تاريخ الإسلام&#8221; للدكتور دوزي وامتلأت بها مكتباتكم وسمحتم بقراءتها بكل حرية ولطلابها بتشكيل الجمعيات حسب قوانينكم؟!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولماذا لا تتعرضون أبدًا للإلحاد ولا للشيوعية ولا للفوضى ولا للمنظمات المفسدة</strong> العريقة ولا للطورانية العنصرية مع أنها تتعارض مع سياستكم؟ <strong>وتتعرضون لأشخاص لا علاقة لهم قطعًا بالسياسة</strong>، بل همهم الوحيد سلوك طريق الإيمان والطريق القويم للقرآن الكريم، يقرؤون رسائل النور التي تبحث عن الحق والحقيقة لأنها التفسير الحقيقي للقرآن، لكي يخلصوا وينقذوا أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي ومن السجن الانفرادي.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا في الوقت الذي لا توجد لهم أية علاقة أو ارتباط بأية جمعية سياسية، ولكنكم تتعرضون لهم لأنكم تتوهمون أن الصداقة والأخوة في اللّٰه التي تربط ما بين قلوبهم كأنها ناشئة بسبب ارتباطهم بجمعية معينة، لذا قمتم ومازلتم تقومون باتهامهم وبالحكم عليهم بقانون عجيب.. فلماذا؟&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">إن قالوا لكم هذا فماذا ستجيبون؟ ونحن أيضًا نستفسر عن هذا ونسألكم عنه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حذارِ من التلاعب بالتسميات]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن الذين استغفلوكم وضللوا المراجع العدلية وشغلوا الحكومة بنا بما يجلب الضرر للأمة وللوطن هم المعارضون لنا من الملحدين والزنادقة والمنافقين..</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء خدعوكم وشغلوا الحكومة عندما أطلقوا اسم &#8220;<strong>الجمهورية</strong>&#8221; على <strong>الاستبداد</strong> المطلق</p>
<p style="text-align: justify;">واسم &#8220;<strong>النظام</strong>&#8221; على <strong>الارتداد</strong> المطلق..</p>
<p style="text-align: justify;">واسم &#8220;<strong>المدنية</strong>&#8221; على <strong>السفاهة</strong> الصرفة..</p>
<p style="text-align: justify;">واسم &#8220;<strong>القانون</strong>&#8221; على ما وضعوه من أمور قسرية واعتباطية وكفرية..</p>
<p style="text-align: justify;">فآذَونا وضيقوا علينا ووجهوا ضرباتهم نحو حكم الإسلام وحكم الأمة خدمةً للأجنبي.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الزلازل والمصائب إنذاراتٌ إلهية]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة.. إن وقوعَ أربع زلازل رهيبة في ظرف أربع سنوات، وتوافُقُ وقوعها دائمًا مع تواريخ إلقاء القبض على طلاب رسائل النور وظلمهم والتضييق الشديد عليهم، وتوافق انتهائها مع انتهاء التعرض لهم، يشير إلى أنكم أ<strong>نتم مسؤولون عن المصائب والبلايا السماوية والأرضية الواقعة في محاكمتنا الحالية</strong>. ﴿[٭]: يعلل الأستاذ النورسي هذه بأن رسائل النور كلمات طيبة من نوع الصدقة المقبولة التي هي وسيلة لدفع البلاء، لذا فإن منع انتشارها وحجبها عن الناس يفتح الطريق لنـزول البلاء.﴾</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>السجين سجنًا انفراديًّا في سجن دنيزلي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 7]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>(قسم من الكلمة الأخيرة)</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لسنا جمعيةً سياسية]</h3>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة..</p>
<p style="text-align: justify;">لكوني <strong>لا أستطيع أن أعرف شيئًا عن الحياة الاجتماعية الحالية</strong>، ونظرًا للاتجاه الذي يسير فيه مقام الادعاء العام، وإصراركم على إصدار قرار بالحكم عليّ تحت ذريعة <strong>اتهامي بتشكيل جمعية</strong>، مع أنني قد أجبت على هذه التهمة ونفيتها بإجابات قاطعة وببراهين دامغة، كما أن اللجنة الاستشارية التي تشكلت في أنقرة من أهل العلم والاختصاص نفت ذلك أيضًا بالإجماع، وإذ أنا في حيرة حول إصراركم على هذه المسألة خطر إلى قلبي هذا المعنى:</p>
<h3 style="text-align: center;">[التجمع الأخوي مطلبٌ فطريٌّ لا يمكن تجريمه]</h3>
<p style="text-align: justify;">ما دامت <strong>الصداقة</strong> والميل إلى <strong>التجمع الأخوي</strong>، والجمعية الأخروية هي <strong>من أسس الحياة الاجتماعية</strong> وضرورة <strong>من ضرورات الفطرة</strong> الإنسانية، ومن أهم الروابط وأكثرها ضرورة.. بدءًا من حياة العائلة والقبيلة ووصولًا إلى حياة الأمة وإلى الحياة الإسلامية والإنسانية، ونقطة استناد وأنس لكل إنسان تجاه ما يلاقيه في الكون من مصاعب لا يستطيع مواجهتها وحده، وللتغلب على جميع العوائق والموانع المادية والمعنوية التي تحاول إعاقته عن القيام بإيفاء واجباته الإسلامية والإنسانية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[طلاب النور تجمعهم أُخوَّة الآخرة لا غير]</h3>
<p>ومع أن الصداقة والأخوة التي يجتمع عليها <strong>طلاب النور</strong> تخلو من أي جانب سياسي، بل هي <strong>أخوة صادقة وخالصة ووسيلة إلى خير الدنيا والسعادة في الآخرة</strong>، لأنهم يجتمعون في <strong>دروس الإيمان والقرآن</strong> في ظل صداقة خالصة وزمالة مخلصة <strong>في طريق الحق</strong>، وهم متساندون ضد ما يضر بالأمة وبالوطن، لذا فقد كان من الواجب أن يكونوا محط تقدير وإعجاب وهم يجتمعون هذه الاجتماعات الإيمانية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[تهمة الجمعية السياسية كذبةٌ مدبَّرة]</h3>
<p>وأما من يعطي انطباعًا ومعنَى جمعيةٍ سياسية لهذه الاجتماعات..</p>
<p><strong>فهو إما</strong> مخدوعٌ خداعًا كبيرًا..</p>
<p><strong>أو هو فوضوي غدّار</strong> يخاصم الإنسانية خصامًا وحشيًّا ويعادي الإسلام معاداة نمرودية، ويخاصم الحياة الاجتماعية بأسوأ أسلوب من الأساليب الفوضوية، ويحارب الوطن والأمة والنفوذ الإسلامي والمقدسات الدينية محاربة المرتدين والمتمردين اللدودين..</p>
<p><strong>أو هو زنديق خناس</strong> يعمل لحساب الأجنبي ويحاول قص شريان حياة هذه الأمة أو إفسادها، فيستغفل الحكومة ويضلل المراجع العدلية، لكي ينجح في تحويل أسلحتنا المعنوية -التي استعملناها حتى الآن ضد الفراعنة وضد الفوضويين- نحو وطننا، أو إلى كسر وتحطيم هذه الأسلحة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 8]</h2>
<h3 style="text-align: center;">[إنني أوجه الاتهام إلى تنظيمٍ سرِّيٍّ يعادي الدين والوطن]</h3>
<p>أيها السادة..</p>
<p>سأخاطب منظمة سرية تعمل منذ حوالي أربعين سنة لحساب الأجنبي لإفساد هذه الأمة باسم الكفر والإلحاد، وتحاول تمزيق هذا الوطن، وذلك بالهجوم على حقائق القرآن وحقائق الإيمان بكل الوسائل وبكل الطرق.. وهذه الفئة السرية المفسدة تتشكل في أشكال مختلفة.</p>
<p>(ولكن صدور قرار البراءة في اليوم التالي أجَّل ذلك الخطاب العنيف).</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الموقوف في السجن الانفرادي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>والمعزول عزلًا كليًّا</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[دفاع 9]</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>جواب حقيقي لسؤال مهم</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لماذا لم تَقبل عرض مصطفى كمال؟]</h3>
<p>سألني بعض الموظفين المرموقين:‌</p>
<p>&#8220;لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال حول جعلك واعظًا عامًّا لعموم &#8220;كردستان&#8221; والولايات الشرقية بدلًا عن الشيخ السنوسي براتب قدره ثلاثمائة ليرة<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>؟ ذلك لأنك لو كنتَ قبلت هذا العرض منه لكنتَ سببًا في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحية الثورة؟&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور واعظٌ عمومي ومنقذٌ مجتمعيّ]</h3>
<p>فقلت لهم جوابًا على سؤالهم هذا: بدلًا من قيامي بإنقاذ عشرين أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال، فإن <strong>رسائل النور كانت وسيلة وسببًا لإنقاذ ملايينِ السنين للحياة الأخروية لمئات الآلاف من المواطنين،</strong> أي إنها قامت بعمل يكافئ أضعاف تلك الخسارة بآلاف المرات، فلو أنني قبلت ذلك العرض لما ظهرت رسائل النور التي تحمل في طياتها سر الإخلاص والتي لا تكون تابعًا لأي أحد ولا وسيلة استغلال لأي شيء كان.</p>
<p>حتى إنني قلت لأصدقائي المحترمين في السجن: لو أن الحكام الموجودين في أنقرة الذين آلمتْهم صفعات رسائل النور الشديدة فحكموا عليّ بالشنق، ثم استطاعت رسائل النور أن تنقذ إيمانهم وأن تنقذهم من الإعدام الأبدي، فاشهدوا بأنني أصفح عنهم من كل قلبي.</p>
<h3 style="text-align: center;">[من كرامات رسائل النور]</h3>
<p>وقد قلت لمدير الشرطة وللمفتشين الذين أزعجوني غاية الإزعاج بترصداتهم ومراقباتهم لي بعد صدور قرار التبرئة من محكمة &#8220;دنيزلي&#8221;:</p>
<p>&#8220;لا شك أن من كرامة رسائل النور التي لا يمكن إنكارها أنه بعد بحث وتدقيق دام تسعة أشهر، <strong>لم يستطع أحد من أن يعثر على أية وثيقة أو أية علاقة مع أي تيار أو مع أية جمعية أو جماعة داخلية أو خارجية</strong>.. لا في مئات الرسائل والخطابات التي كتبتها خلال عشرين سنة من حياتي المليئة بالآلام وبأنواع الظلم، ولا مع طلاب النور الذين يُعدون بالآلاف.</p>
<p>فهل يستطيع أي فكر أو أي تدبير أن يعطينا مثل هذا الوضع الباهر، إذ لو انكشفت أسرار شخص واحد لبضع سنين من عمره، لظهرت عشرون مادة تدينه وتفضحه. إذن فهذه هي الحقيقة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تواجهوا رسائل النور]</h3>
<p>فإما أن تقولوا: إن هناك ذكاء وعبقرية لا تبارى تنسّق هذا العمل وتسيّره.. أو لو قلتم: هناك عناية ربانية فائقة وحفظ إلهيّ.</p>
<p>عند ذلك أقول لكم: إذن فإن من الخطأ محاربة هذه العبقرية، لأن فيها ضررًا كبيرًا للأمة وللوطن، كما أن مجابهةَ ومعارضة العناية الربانية والحفظ الإلهي ليست إلّا تمردًا فرعونيًا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا يوجد ما يُديننا]</h3>
<p>ولو قلتم: إننا إن لم نقم بمراقبتك ورصد حركاتك، تستطيع أن تعكر حياتنا الاجتماعية بدروسك وبأسرارك الخفية.</p>
<p>لقلت لكم: لقد حصلت الحكومة على جميع دروسي بلا استثناء، فلم تجد فيها أي شيء يوجب العقاب.</p>
<p>ومع أن ما يقرب من خمسين ألف نسخة من الرسائل من هذه الدروس متداولة بين أفراد الشعب وهم يقرؤونها بكل اهتمام وبكل لهفة، <strong>فما من ضرر</strong> لحق بأي شخص كان، بل على العكس رأينا <strong>منافعها</strong>.</p>
<p>وقد أقرت المحكمة السابقة والمحكمة الحالية أنه لم يتم العثور فيها على أي شيء يوجب التهمة أو المؤاخذة، فأصدرت المحكمة الحالية قرارها بالبراءة بالإجماع.</p>
<p>أما المحكمة السابقة فإنها احتجّت ببضع كلمات وردت ضمن مائة وثلاثين رسالة لكي تكون عذرًا لها في إصدار حكم بالحبس لمدة ستة أشهر على خمسة عشر طالبًا من طلاب النور من بين مائة وعشرين من الموقوفين منهم، وذلك من أجل شخص عظيم في مناصب الدنيوية<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>.</p>
<p>إذن فهذا برهان قوي وحجة قاطعة على أنّ تعرضكم لي ولرسائل النور ليس إلا نتيجةَ <strong>توهّم</strong> لا معنى له وليس إلّا ظلمًا قبيحًا.</p>
<p>ثم إنه لا توجد عندي دروس جديدة وليس لي سرّ مطوي وخفي لكي تقوموا بمثل هذه المراقبة والترصد.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أطالب بحريتي]</h3>
<p>إنني الآن في حاجة ملحّة إلى حريتي.. ألا يكفي هذا الترصد غير المجدي والمراقبة العقيمة والملاحقة الظالمة المستمرة منذ عشرين سنة؟!</p>
<p>لقد نفد صبري.. وربما أدعو عليكم بسبب ضعفي وشيخوختي دعاءً لم أدعُه من قبل، وإن &#8220;دعوة المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup> حقيقة راسخة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لن أرتدي زيَّكم]</h3>
<p>ولكن ذلك الظالم وهؤلاء التعساء المتبوئين وظائف دنيوية عالية قالوا لنا:</p>
<p>&#8220;إنك ومنذ عشرين عامًا <strong>لم تضع قبعتنا على رأسك</strong> حتى ولا مرة واحدة، <strong>ولم تحسر عن رأسك</strong> أمام المحاكم -السابقة منها واللاحقة- بل بقيتَ في قيافتك القديمة مع أن سبعة عشر مليونًا لبسوا القيافة الجديدة&#8221;.</p>
<p>قلت لهم: ليس هناك سبعة عشر مليونًا، ولا سبعة ملايين، بل ولا يوجد من يلبسها بمحض اختياره سوى سبعة آلاف من السُكارى عَبَدة الغرب ومقلديه.</p>
<p>لذا فبدلًا من أن ألبس قيافة تجبرني عليها قوة القانون وتسمح لي بذلك الرخصة الشرعية<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup> فإني أُفضل أن ألبس قيافةَ سبعة مليار من الذوات المحترمين وسلوكَ طريق العزيمة والتقوى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا تحاولوا كسر إرادتي]</h3>
<p style="text-align: justify;">ولا يمكن أن يقال لشخص مثلي تَرَك الحياةَ الاجتماعية وهجَرَها: إنه &#8220;يعاند وهو معارض ومخالف لنا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ولنفرض أنه عناد، فما دام مصطفى كمال نفسه لم يستطع أن يكسر هذا العناد، وما دامت محكمتان ومحافظو ثلاث ولايات لم يكسروه فمن أنتم حتى تحاولوا مثل هذه المحاولة العقيمة، ولماذا تحاولون هذا عبثًا مع أنها لا تأتي بخير للأمة ولا لهذه الحكومة؟</p>
<h3 style="text-align: center;">[ظنكم بأني &#8220;معارض سياسي&#8221; بلاهة]</h3>
<p style="text-align: justify;">حتى لو افترضنا أنني معارض سياسي، فما دمتم تُقِرون وتعترفون بأنني شخص قد قطع علاقته مع الدنيا منذ عشرين عامًا، وبأنني أُعَد -بذلك- شخصًا ميتًا من الناحية المعنوية منذ عشرين عامًا، لذا فليست هناك من فائدة من أن يبعث هذا الشخص من جديد في معترك الحياة السياسية بمواجهتكم، بل يُشَكِّل هذا ضررًا بالغًا له، لذا فإن توقع المعارضة السياسية من مثل هذا الشخص ليس إلّا جنونًا مطبِقًا.. ولما كان الحديث الجاد مع المجانين يعدّ جنونًا فإنني سأترك التحدث مع أمثالكم.. افعلوا ما شئتم..&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأدى قولي هذا إلى إسكاتهم وإغضابهم في الوقت نفسه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كلمتي الأخيرة</strong>:‌ ﴿حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ﴾، ﴿حسبي اللّٰه لا اله الّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">[لماذا لا نشتغل بالسياسة؟]</h2>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم في دفاعي الموجز هذه المرة:‌ إن ما تحتويها رسائل النور من الحقيقة والرحمة والحق قد <strong>منعتنا من الخوض في السياسة</strong>، ذلك لأن الخوض فيها يؤدي إلى وقوع الأبرياء في بلايا ومصائب عديدة فنكون قد ظلمناهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد طلب بعضهم إيضاح هذا الأمر فقلت لهم:</p>
<h3 style="text-align: center;">[الظلم والاستبداد قوام الأنظمة الحاكمة الحديثة]</h3>
<p style="text-align: justify;">إنه بسبب التعصب العنصري والأنانية التي نشأت في هذا العصر العاصف من المدنية الغادرة، والدكتاتورية العسكرية التي أعقبت الحرب العالمية، وما أفرزتْه الضلالةُ من القسوة وعدم الرحمة، ساد أشد أنواع الظلم وأشد أنواع الاستبداد، بحيث لو قام أهلُ الحق بالدفاع عن حقوقهم بالقوة، لأصاب الكثيرَ من الأبرياء والضعفاء أشدُّ الظلم نتيجةَ الحِيدة عن العدل، فيبقى هؤلاء مغلوبين على أمرهم يقاسون أشد أنواع الظلم.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن الظالمين الذين تدفعهم النوازع المذكورة آنفًا لا يترددون أبدًا في مدّ يد الأذى والبطش والظلم بعشرين أو ثلاثين من الأبرياء، ويؤاخذونهم بجريرةِ أو خطأِ شخصٍ أو شخصين بأسباب واهية ومعاذير شتى.</p>
<h4 style="text-align: center;">[لا نعمل بمبادئ الظَّلَمة]</h4>
<p style="text-align: justify;">فلو قام أهل الحق بضرب ذلك الموضع في سبيل الحق والعدل لأعطوا خسارة بمُعَدَّلِ ثلاثين إلى واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو قاموا باتباع القاعدة الظالمة المتمثلة بالمقابلة بالمثل وبطشوا بعشرين أو ثلاثين شخصًا مأخوذين بجريرة واحد أو اثنين من الظالمين لاقترفوا -باسم الحق وتحت شعاره- ظلمًا عظيمًا وشنيعًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[لسنا عاجزين]</h4>
<p style="text-align: justify;">هذا هو السبب والحكمة من تهرّبنا الشديد ونفورنا من التعرض للسياسة وللحكم وذلك بأمر القرآن، وإلّا فإن عندنا من قوة الحق ما يمكننا من الدفاع عن حقنا بكل جدارة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[سنصبر.. والعاقبة لنا]</h4>
<p style="text-align: justify;">ثم ما دام كل شيء زائلًا وفانيًا وما دام الموت موجودًا والقبر لا يزال فاغرًا فاه، وما دام الأذى ينقلب إلى رحمة، فإننا نفضل أن نصبر ونتوكل على اللّٰه ونشكره ونسكت.</p>
<p style="text-align: justify;">أما محاولة الإخلال بسكوتنا وهدوئنا بالإكراه بإيقاع الأذى بنا فإنها تناقض كل مفاهيم العدالة والغيرة الوطنية والحمية الملية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ليس لدينا ما يدعو إلى التوجس منا]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>وخلاصة الكلام</strong>: إنه لا يوجد هناك لأهل السياسة ولا لأرباب الحكم ولا لأصحاب الإدارة ولا للشرطة ولا لدوائر العدل شيء يستدعي منهم التعرض لنا.</p>
<p style="text-align: justify;">كل ما هنالك أن بعض الزنادقة المتسترين استطاعوا بشيطنتهم وبالتعصب الزنديقي الناجم عن الكفر المطلق -الذي يعد طاعونًا بشريًّا ونتاجَ الفلسفة المادية، والذي لا توجد هناك في الدنيا أيةُ حكومة تدافع عنه ولا أي شخص عاقل يأنس به-.. استطاعوا بهذه الشيطنة أن يخدعوا بعض موظفي الدولة ويُلقوا إليهم بأوهام وبمخاوف لكي يوجسوا منا خيفة وبذلك دفعوهم ضدنا.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لن نستسلم]</h3>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول: إننا -بعون اللّٰه تعالى، وبالقوة التي نستمدها من القرآن الكريم- لن نترك الميدان، ولن نهرب ولو أقاموا الدنيا بأجمعها ضدنا وليس فقط بعض هؤلاء الأشخاص المصابين بالأوهام، ولن نسلم السلاح تجاه هؤلاء المرتدين الزنادقة من الكفار.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد أجرى أستاذنا بديع الزمان سعيد النورسي في دفاعه أمام محكمة &#8220;دنيزلى&#8221; بعضَ ما يلزم من الإضافة والحذف ورفعَهُ دفاعًا في محكمة &#8220;أفيون&#8221; وذلك لوحدة القضية. وقد أدمج أيضًا القسم الأعظم من هذا الدفاع مع دفاعه في محكمة &#8220;أفيون&#8221; وأطلق عليه اسم &#8220;الشعاع الرابع عشر&#8221; &#8211; طلاب النور.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;القضاعي، مسند الشهاب ١/١٨٧؛ الديلمي، المسند ١/١١٣؛ المناوي، فيض القدير٣/١٨٧.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;البكطاشي: أي من أتباع الطريقة &#8220;البكطاشية&#8221; التي بدأت على أسس سليمة ثم انحرفت حتى أصبح أفرادها يضرب بهم المثل في ترك الصلاة والصوم وفي شرب الخمور.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود عدد المسلمين عبر العصور.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذا الراتب كان راتبًا ضخمًا جدًّا آنذاك ولا يأخذه إلا الوزراء.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حدثت في الولايات الشرقية (كردستان) عدة ثورات، كان أهمها الثورة التي قادها أحد رؤساء العشائر الكردية &#8220;الشيخ سعيد بيران&#8221; ضد سياسة النظام الحاكم آنذاك. فقضى عليها وأعدم قائد الثورة وسبعةٌ وأربعون ممن معه في ١٥/٤/١٩٢٥.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود مصطفى كمال.</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أصل الحديث: &#8220;واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّٰه حجاب&#8221;. (مسلم، الإيمان ٢٩؛ البخاري، الجهاد ١٨٠، الزكاة ٦٣، المظالم ٩، المغازي ٦٠).</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حيث إنه إكراه.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%83%d8%a9-%d8%af%d9%86%d9%8a%d8%b2%d9%84%d9%8a/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2609</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الحادي عشر: رسالة الثمرة (2/2)</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25a7%25d8%25af%25d9%258a-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25a9-2-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 19 May 2025 12:42:17 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2589</guid>

					<description><![CDATA[[هذا القسم من الشعاع الحادي عشر يتحدث عن مسائل إيمانية جليلة، أهمها: التعرف على الله من خلال العلوم الكونية، والتعرف على الآخرة من خلال الأسماء الحسنى، وثمرات الإيمان بالآخرة، وثمرات الإيمان بالملائكة، وأن أركان الإيمان كل لا يتجزأ] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; &#160; القسم الأول من هذا الشعاع الحادي &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم من الشعاع الحادي عشر يتحدث عن مسائل إيمانية جليلة، أهمها: </strong><strong>التعرف على الله من خلال العلوم الكونية، والتعرف على الآخرة من خلال الأسماء الحسنى، وثمرات الإيمان بالآخرة، وثمرات الإيمان بالملائكة، وأن أركان الإيمان كل لا يتجزأ]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_2596" aria-describedby="caption-attachment-2596" style="width: 736px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2596" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-1.jpg" alt="جاءَني فريقٌ من طلاب الثانوية في &quot;قسطموني&quot; قائلين: &quot;عرِّفنا بخالقنا، فإن مُدرِّسينا لا يَذكرون اللّٰه لنا!&quot;.فقلت لهم: &quot;إن كل علم من العلوم التي تقرؤونها يبحث عن اللّٰه دومًا، ويُعرِّف بالخالق الكريم بِلغته الخاصة، فأصغُوا إلى تلك العلوم دون المدرسين&quot;." width="736" height="736" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-1.jpg 736w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-1-300x300.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-1-150x150.jpg 150w" sizes="(max-width: 736px) 100vw, 736px" /><figcaption id="caption-attachment-2596" class="wp-caption-text">جاءَني فريقٌ من طلاب الثانوية في &#8220;قسطموني&#8221; قائلين: &#8220;عرِّفنا بخالقنا، فإن مُدرِّسينا لا يَذكرون اللّٰه لنا!&#8221;.<br />فقلت لهم: &#8220;إن كل علم من العلوم التي تقرؤونها يبحث عن اللّٰه دومًا، ويُعرِّف بالخالق الكريم بِلغته الخاصة، فأصغُوا إلى تلك العلوم دون المدرسين&#8221;.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p>القسم الأول من هذا الشعاع الحادي عشر: <a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/">هنا</a>.</p>
<h1 style="text-align: center;">الشعاع الحادي عشر: رسالة الثمرة</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الشعاع الحادي عشر</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الثمرة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ثمرة من ثمار سجن دنيزلي</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1>[المسألة الأولى: اغتنام رأسمال الحياة]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_alawly_aghtnam_rasmal_alhyat">المسألة الأولى: اغتنام رأسمال الحياة</a></strong>]
<h1>[المسألة الثانية: الموت قادم وأمامنا خياران]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_althanyt_almwt_qadm_wamamna_khyaran">المسألة الثانية: الموت قادم وأمامنا خياران</a></strong>]
<h1>[المسألة الثالثة: الإنسان والزمان بمنظار الإيمان]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_althaltht_alansan_walzman_bmnzar_alayman"><strong>المسألة الثالثة: الإنسان والزمان بمنظار الإيمان</strong></a>]
<h1>[المسألة الرابعة: أهم الواجبات أَولى بالاشتغال]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_alrabt_ahm_alwajbat_aawly_balashtghal">المسألة الرابعة: أهم الواجبات أَولى بالاشتغال</a></strong>]
<h1>[المسألة الخامسة: الشباب موردٌ محدود.. كيف نجعله مستمرًّا؟]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_alkhamst_alshbab_mwrdu_mhdwd_kyf_njlh_mstmraa">المسألة الخامسة: الشباب موردٌ محدود.. كيف نجعله مستمرًّا؟</a></strong>]
<p>&nbsp;</p>
<h1>[المسألة السادسة: عرِّفْنا على خالقنا]</h1>
<p><strong>المسألة السادسة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>هذه المسألة إشارةٌ مختصرةٌ إلى برهانٍ واحدٍ فقـط من بين أُلوف البراهين الكلية حول &#8220;الإيمان باللّٰه&#8221;، والذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطعة في عِدّة مواضعَ من رسائل النور.</p>
<p>جاءَني فريقٌ من طلاب الثانوية في &#8220;قسطموني&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> قائلين: &#8220;عرِّفنا بخالقنا، فإن مُدرِّسينا لا يَذكرون اللّٰه لنا!&#8221;.</p>
<p>فقلت لهم: &#8220;إن كل علم من العلوم التي تقرؤونها يبحث عن اللّٰه دومًا، ويُعرِّف بالخالق الكريم بِلغته الخاصة، فأصغُوا إلى تلك العلوم دون المدرسين&#8221;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[كلُّ العلوم تُعرِّف بالله]</h3>
<h4 style="text-align: center;">[علم الطب]</h4>
<p><strong>فمثلًا</strong>: لو كانت هناك <strong>صيدلية</strong> ضخمة، في كل قنينةٍ من قنانيها أَدويةٌ ومستحضراتٌ حيوية، وُضِعتْ فيها بموازين حساسةٍ وبمقادير دقيقة؛ فكما أنها تُرينا أنّ وراءها صيدليًّا حكيمًا وكيميائيًّا ماهرًا، كذلك <strong>صيدلية الكرة الأرضية</strong> التي تضم أكثر من أَربعمائة ألفِ نوعٍ من الأَحياء نباتًا وحيوانًا، وكلُّ واحدٍ منها في الحقيقة بمثابة زجاجةِ مستحضراتٍ كيمياويةٍ دقيقة، وقنينةِ مخاليطَ حيويةٍ عجيبة، فهذه الصيدلية الكبرى تُري -حتى للعميان- صيدليَّها الحكيم ذا الجلال، وتُعرِّف خالقَها الكريم سبحانه بدرجةِ كمالها وانتظامها وعَظَمتها، قياسًا على تلك الصيدلية التي في السوق، وَفْقَ مقاييسِ &#8220;<strong>علم الطب</strong>&#8221; الذي تقرؤونه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علم الميكانيك]</h4>
<p><strong>ومثلًا</strong>: كما أنّ <strong>مصنعًا</strong> خارقًا عجيبًا ينسج أُلوفًا من أنواع المنسوجات المتنوعة، والأقمشة المختلفة، من مادةٍ بسيطةٍ جدًّا، يُرينا بلا شكٍّ أنّ وراءَه مهندسًا ميكانيكيًّا ماهرًا، ويعرِّفه لنا؛ كذلك هذه <strong>الماكنة الربانية السيارة المُسمَّاةُ بالكرة الأرضية</strong>، وهذا <strong>المصنع الإلهي</strong> الذي فيه مئات الآلاف من مصانعَ رئيسيةٍ، وفي كلٍّ منها مئاتُ الآلاف من المصانع المتقَنة، يُعرِّف لنا بلا شك صانعَه ومالكَه وَفْقَ مقاييسِ &#8220;<strong>علم المكائن</strong>&#8221; الذي تقرؤونه، يُعرِّفه بدرجةِ كمالِ هذا المصنع الإلهي وعظمته قياسًا على ذلك المصنع الإنساني.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علوم التجارة والتوريد]</h4>
<p><strong>ومثلًا</strong>: كما أنّ <strong>حانوتًا أو مخزنًا للإعاشة والأَرزاق</strong>، ومحلًّا عظيمًا للأَغذية والمواد، أُحضِرَ فيه -من كل جانب- ألفُ نوعٍ من المواد الغذائية، ومُيِّزَ كلُّ نوعٍ عن الآخر، وصُفِّف في محلِّه الخاص به، يُرينا أَنّ له مالكًا ومدبِّرًا؛ كذلك هذا <strong>المخزن الرحماني للإعاشة</strong> الذي يسيح في كل سنة مسافةَ أربعةٍ وعشرين ألفَ سنة، في نظامٍ دقيقٍ متقَن، والذي يضم في ثناياه مئاتِ الآلاف من أصناف المخلوقات التي يَحتاج كلٌّ منها إلى نوعٍ خاص من الغذاء. والذي يمر على الفصول الأربعة فيأتي بالربيع كشاحنةٍ محمولةٍ بآلاف الأنواع من مختلف الأطعمة، فيأتي بها إلى الخلق المساكين الذين نَفَد قوتُهم في الشتاء. تلك هي الكرة الأرضية، والسفينةُ السُّبحانيةُ التي تضم آلافَ الأنواع من البضائع والأجهزة ومعلّبات الغذاء.</p>
<p>فهذا المخزن والحانوت الرباني، يُري -وَفْقَ مقاييس &#8220;<strong>علم الإعاشة والتجارة</strong>&#8221; الذي تقرأونه- صاحبَه ومالكَه ومتصرفَه بدرجة عظمة هذا المخزن، قياسًا على ذلك المخزن المصنوع من قبل الإنسان، ويعرّفه لنا، ويحبّبه إلينا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[العلوم العسكرية]</h4>
<p><strong>ومثلًا</strong>: لو أن <strong>جيشًا عظيمًا</strong> يضم تحت لوائه أربعمائةَ ألفِ نوعٍ من الشعوب والأمم، لكل جنسٍ طعامُه المستقل عن الآخر، وما يستعمله من سلاحٍ يُغاير سلاحَ الآخر، وما يرتديه من ملابسَ تختلف عن ألبسة الآخر، ونمطُ تدريباته وتعليماته يُباين الآخر، ومدةُ عمله وفترةُ رُخَصِهِ هي غيرُ المدة للآخر.. فقائدُ هذا الجيش الذي يزوِّدهم وحدَه بالأرزاق المختلفة، والأسلحة المتباينة، والألبسة المتغايرة، دون نسيانِ أيٍّ منها ولا التباسٍ ولا حيرة، لهو قائدٌ ذو خوارق بلا ريب؛ فكما أنَّ هذا المعسكر العجيب يُرينا بداهةً ذلك القائدَ الخارق، بل يُحبِّبه إلينا بكل تقديرٍ وإعجاب؛ كذلك <strong>معسكرُ الأرض</strong>؛ ففي كل ربيع يجنِّد مجدَّدًا جيشًا سبحانيًّا عظيمًا مكوَّنًا من أربعمائة ألف نوعٍ من شعوب النبـاتات وأمم الحيوانات، ويمنح لكل نوعٍ ألبستَه وأرزاقَه وأسلحتَه وتدريبَه ورُخَصَه الخاصة به، من لدن قائدٍ عظيمٍ واحدٍ أحدٍ جلَّ وعلا، بلا نسيانٍ لأحدٍ ولا اختلاطٍ ولا تحيِّرٍ وفي منتهى الكمال وغاية الانتظام..</p>
<p>فهذا المعسكر الشاسع الواسع للربيع الممتد على سطح الأرض يُري -لأولي الألباب والبصائر- حاكمَ الأرض حسب &#8220;<strong>العلوم العسكرية</strong>&#8221; وربَّها ومدبرَها، وقائدَها الأقدس الأجلّ، ويُعرِّفه لهم، بدرجةِ كمال هذا المعسكر المهيب، ومدى عظمته، قياسًا إلى ذلك المعسكر المذكور، بل يحبب مَليكَه سبحانه بالتحميد والتقديس والتسبيح.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علم الفلك وعلم الكهرباء]</h4>
<p><strong>ومثلًا</strong>: هَبْ أنّ ملايين <strong>المصابيح الكهربائية</strong> تتجول في مدينةٍ عجيبةٍ دون نَفَادٍ للوقود ولا انطفاء؛ ألا تُري -بإعجابٍ وتقدير- أَنّ هناك مهندسًا حاذقًا، وكهربائيًّا بارعًا لمصنع الكهرباء، ولتلك المصابيح؟!</p>
<p>فمصابيح النجوم المتدلية من <strong>سقف قصر الأرض</strong> وهي أكبر من الكرة الأرضية نفسِها بألوف المرات حَسْبَ <strong>علمِ الفلك</strong> وتسير أسرعَ من انطلاق القذيفة، من دون أن تُخِلَّ بنظامها، أو تتصادم مع بعضها مطلقًا ومن دون انطفاء، ولا نَفَادِ وقودٍ وَفْقَ ما تقرؤونه في &#8220;<strong>علم الفلك</strong>&#8220;.. هذه المصابيح تشير بأصابعَ من نورٍ إلى قدرة خالقها غير المحدودة.</p>
<p>فشمسُنا مثلًا وهي أكبرُ بمليون مرةٍ من كرتنا الأرضية، وأقدمُ منها بمليون سنة، ما هي إلّا مصباحٌ دائم، ومَوقدٌ مستمرٌّ لدار ضيافة الرحمن، فلأَجل إدامة اتّقادها واشتعالها وتسجيرها كل يوم يلزم وقودٌ بقدر بحار الأرض، وفحمٌ بقدر جبالها، وحطبٌ بقدرِ أضعافِ أضعافِ حجم الأرض، ولكن الذي يُشعلها -ويشعل جميع النجوم الأخرى أمثالها- بلا وقودٍ ولا فحمٍ ولا زيتٍ ودون انطفاء، ويُسيِّرها بسرعةٍ عظيمةٍ معًا دون اصطدام، إنما هي قدرةٌ لا نهاية لها وسلطنةٌ عظيمة لا حدود لها.</p>
<p>فهذا الكون العظيم وما فيه من مصابيحَ مضيئة، وقناديلَ متدليةٍ يبين بوضوح -وَفْقَ مقاييس &#8220;<strong>علم الكهرباء</strong>&#8221; الذي قرأتموه أو ستقرؤونه- سلطانَ هذا المعرض العظيم والمهرجان الكبير، ويُعرِّف مُنوِّرَه ومدبِّرَه البديعَ وصانعَه الجليل، بشهادةِ هذه النجوم المتلألئة، ويُحبِّبه إلى الجميع بالتحميد والتسبيح والتقديس، بل يسوقهم إلى عبادته سبحانه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[علوم الحكمة وفنون القراءة]</h4>
<p><strong>ومثلًا</strong>: لو كان هناك <strong>كتابٌ</strong> كُتِبَ في كل سطرٍ منه كتابٌ بخطٍّ دقيق، وكُتِبَ في كل كلمة من كلماته سورةٌ قرآنية، وكانت جميعُ مسائله ذاتَ مغزى ومعنى عميق، وكلُّها يؤيِّد بعضُها البعض، فهـذا الكتاب العجيب يُبيِّنُ بلا شكٍّ مهارةَ كاتبه الفائقة، وقدرةَ مؤلّفه الكاملة.</p>
<p>أي إن مثل هذا الكتاب يُعرِّف كاتبَه ومصنِّفَه تعريفًا يضاهي وضوحَ النهار، ويُبيِّن كمـالَه وقـدرتَه، ويثير من الإعجاب والتقدير لدى الناظرين إليه ما لا يملكون معه إلّا ترديدَ: &#8220;تبارك اللّٰه، سبحان اللّٰه، ما شاء اللّٰه!&#8221; من كلمات الاستحسان والإعجاب.</p>
<p>كذلك هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتَب في صحيفةٍ واحدةٍ منه، وهي سطح الأرض، ويُكتبُ في ملزمة واحدة منه، وهي الربيع: ثلاثُمائة ألفِ نوعٍ من الكتب المختلفة، وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات، كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كلُّ ذلك معًا ومتداخلًا بعضُها ببعضٍ بلا اختلاطٍ ولا خطأ ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال، بل يُكتَب في كل كلمةٍ منه كالشجرة قصيدةٌ كاملة رائعة، وفي كل نقطةٍ منه كالبذرة فهرسُ كتابٍ كامل.</p>
<p>فكما أَنّ هذا مُشاهَدٌ وماثلٌ أمامنا، ويُرينا بالتأكيد أن وراءه قلمًا سيَّالًا يُسَطِّر، فلكم إذن أن تُقَدِّروا مدى دلالةِ كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كلِّ كلمةٍ منه معانٍ جمَّة وحِكَمٌ شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسَّم وهو العالَم: على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جلَّ وعلا، قياسًا إلى ذلك الكتاب المذكور في المثال، وذلك بمقتضى ما تقرؤونه من &#8220;<strong>علم حكمة الأشياء</strong>&#8221; أو &#8220;<strong>فن القراءة والكتابة</strong>&#8220;، وتناولوه بمقياسٍ أكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير؛ وبذلك تفهمون كيف يُعرِّف الخالقَ العظيم بـ&#8221;اللّٰه أكبر&#8221;، وكيف يُعلِّم التقديسَ بـ&#8221;سبحان اللّٰه&#8221;، وكيف يُحبِّب اللّٰهَ سبحانه إلينا بثناء &#8220;الحمد للّٰه&#8221;.</p>
<p>وهكذا، فإن كل علمٍ من العلوم العديدة جدًّا يَدُلُّ على خالق الكون ذي الجلال -قياسًا على ما سبق- ويُعرِّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويُعلِّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته، وذلك بما يملك من مقاييس واسعةٍ ومرايا خاصةٍ وعيونٍ حادةٍ باصرةٍ ونظرات ذات عبرة.</p>
<p><strong>فقلت</strong> لأولئك الطلبة الشباب: إن حكمة تكرار القرآن الكريم من: ﴿خَلَقَ السموات والأرض﴾، و: ﴿رب السموات والأرض﴾، إنما هي لأجل الإرشاد إلى هذه الحقيقة المذكورة، وتلقينِ هذا البرهان الباهر للتوحيد، ولأجل تعريفنا بخالقنا العظيم سبحانه.</p>
<p><strong>فقالوا</strong>: شكرًا لربنا الخالق بغير حدٍّ على هذا الدرس الذي هو الحقيقة السامية عينُها، فجزاك اللّٰه عنا خير الجزاء ورضي عنك.</p>
<h3 style="text-align: center;">[شرف الانتساب إلى الله]</h3>
<p><strong>قلت</strong>:‌ <strong>إن الإنسان ماكنة حيوية</strong>، يتألم بآلاف الأنواع من الآلام، ويتلذذ بآلاف الأنواع من اللذائذ.</p>
<p>ومع أنه في منتهى <strong>العجز</strong>، فإن له من الأعداء ما لا يُحَد، سواءٌ الماديين أو المعنويين.</p>
<p>ومع أنه في غاية <strong>الفقر،</strong> فإن له رغباتٍ باطنةً وظاهرةً لا تُحصَر؛ فهو مخلوقٌ مسكينٌ يتجّرع آلامَ صفعاتِ الزوال والفراق باستمرار.</p>
<p>فرغم كل هذا فإنه يجد <strong>بانتسابه إلى السلطان ذي الجلال بالإيمان والعبودية</strong> مستندًا قويًّا، ومرتكزًا عظيمًا يحتمي إليه في دفع أعدائه كافة، ويجد فيه كذلك مدارَ استمدادٍ يستغيث به لقضاء حاجاته وتلبية رغباته وآماله كافة.</p>
<p>فكما ينتسب كلٌّ إلى سيّده، ويفخر بشرف انتسابه إليه، ويعتز بمكانة منـزلته لديه، كذلك فإن انتساب الإنسان -بالإيمان- إلى القدير الذي لا نهاية لقدرته، وإلى السلطان الرحيم ذي الرحمة الواسعة، ودخولَه في عبوديته بالطاعة والشكران، يُبدِّل الأجلَ والموتَ من الإعدام الأبديِّ إلى تذكرة مرورٍ ورخصةٍ إلى العالم الباقي!</p>
<p>فلكُم أنْ تقدِّروا كم يكون هذا الإنسان متلذذًا بحلاوة <strong>العبودية</strong> بين يدي سيده، وممتنًّا <strong>بالإيمان</strong> الذي يجده في قلبه، وسعيدًا بأنوار <strong>الإسلام</strong>، ومفتخرًا بسيّده القدير الرحيم شاكرًا له نعمة الإيمان والإسلام.</p>
<p>ومثلما قلتُ ذلك لإخواني الطلبة، أقول كذلك للمسجونين: <strong>إن مَن عرف اللّٰه وأطاعه سعيدٌ ولو كان في غياهب السجن، ومَن غَفَلَ عنه ونَسِيَه شقيٌ ولو كان في قصور مشيَّدة</strong>.</p>
<p>فلقد صرخ مظلوم ذاتَ يوم بوجه الظالمين وهو يعتلي منصة الإعدام فرِحًا جذلًا وقائلًا:</p>
<p>&#8220;إنني لا أنتهي إلى الفناء ولا أُعدمُ، بل أُسرَّحُ من سجن الدنيا طليقًا إلى السعادة الأبدية، ولكني أَراكم أنتم محكومين عليكم بالإعدام الأبدي لما ترون الموتَ فناءً وعدمًا، فأنا إذن قد ثأرت لنفسي منكم&#8221;.</p>
<p>فَسلَّم روحَه وهو قرير العين يردد: &#8220;لا إله إلّا اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[المسألة السابعة: علِّمْنا آخرتَنا]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>المسألة السابعة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ثمرةٌ أينعتْ في يوم جمعةٍ من أيام سجن دنيزلي</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;">﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿ما خلقكم ولا بعثُكم إلّا كنفسٍ واحدة﴾</p>
<p style="text-align: center;">﴿فانظر إلى آثار رحمتِ اللّٰه كيفَ يُحيي الأرضَ بعد موتها</p>
<p style="text-align: center;">إن ذلكَ لَمُحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾</p>
<p>كنت قد ألقيتُ ذات يوم درسًا في &#8220;قسطموني&#8221; بلغة العلوم المدرسية على بعض طلبة الثانوية الذين جاؤوا يسألونني: &#8220;عَرِّفْنَا بخالقنا&#8221; كما جاء في &#8220;المسألة السادسة&#8221; المذكورة آنفًا، واطّلع عليها بعضُ من استطاع الاتصال معي من المسجونين في &#8220;دنيزلي&#8221; فحصل لديهم من الاطمئنان الإيماني والقناعة التامة ما جعلهم يستشعرون شوقًا غامرًا نحو الآخرة، فبادروا بالقول: &#8220;<strong>علِّمْنا آخرتَنا أيضًا علمًا كاملًا</strong>، لا تُضِلُّنا بعدَه أنفسُنا وشياطينُ العصر، فتلقي بنا إلى مثل هذه السجون!&#8221;.</p>
<p>ونـزولًا عند طلب هؤلاء، وإسعافًا لحاجة طلبة رسائل النور في سجن &#8220;دنيزلي&#8221;، وللرغبة المُلِحَّة من أولئك الذين طالعوا &#8220;المسألة السادسة&#8221;، فقد رأيت لزامًا عليَّ أن أُبين خلاصةً موجَزةً عن الركن الإيماني المهم: &#8220;<strong>الآخرة</strong>&#8220;.</p>
<h3 style="text-align: center;">[التعرف على الآخرة من خلال سبع مراتب]</h3>
<p>فأقول ملخصًا من رسائل النور: كما أننا سألنا في &#8220;المسألة السادسة&#8221; الأرضَ والسماوات عن خالقنا سبحانه وتعالى، فأجابتنا بلسان العلوم الحاضرة بما عرَّفتنا بخالقنا الكريم معرفةً واضحةً وضوح الشمس، فسنسأل كذلك أولًا <strong>ربَّنا</strong> الذي عَرَفْناه يقينًا عن آخرتنا، ثم نسأل <strong>رسولَنا</strong> الأعظم ﷺ، ثم <strong>قرآنَنا</strong> الكريم، ثم سائرَ <strong>الأنبياء</strong> عليهم السلام <strong>والكتب</strong> المقدسة، ثم <strong>الملائكةَ</strong>، ثم <strong>الكائنات</strong>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الأسماء والكتب الإلهية تُخبِر بالآخرة]</h4>
<p>فها نحن أولاء في أُولى المراتب.. نسأل اللّٰه سبحانه وتعالى عن &#8220;الآخرة&#8221; فيخاطبنا -جلّ وعلا- بجميع أوامره، وبجميع رسله الكرام، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفاته الجليلة، قائلًا لنا: الآخرة لا ريب فيها، وأنتم مساقون إليها.</p>
<p>وحيث إن &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; قد أثبتت الآخرةَ باثنتي عشرة حقيقةً قاطعةً ناصعة، وأوضحَتْها بدلالةِ قسمٍ من الأسماء الحسنى؛ لذا نشير هنا -إشارةً مختصرةً- إلى تلك الدلالات، مكتفين بذلك الإيضاح.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم السلطان الدَّيَّان ورب العالمين]</h5>
<p>نعم، إنه ليس هناك <strong>سلطانٌ</strong> عظيمٌ دون أن يكون له ثوابٌ للمطيعين وعقابٌ للعاصين، فلا بد من أن السلطان السرمدي -وهو في علياء الربوبية المطلقة- له <strong>ثوابٌ</strong> للمنتسبين إليه بالإيمان والمستسلمين لأوامره بالطاعة، <strong>وعقابٌ</strong> للذين أنكروا عظمتَه وعزته بالكفر والعصيان. ولا بد من أن ذلك <strong>الثواب</strong> سيكون لائقًا برحمته وجماله، وذلك <strong>العقاب</strong> سيكون ملائمًا لعزته وجلاله.</p>
<p>وبهذا يجيبنا اسم &#8220;<strong>السلطان الديّان</strong>&#8221; و&#8221;<strong>ربّ العالمين</strong>&#8221; عن سؤالنا حول الآخرة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم الرحمن والكريم]</h5>
<p>ثم إننا نرى بأعيننا -رؤية واضحة وضوحَ الشمس- أن رحمةً عامةً ورأفةً محيطةً وكرمًا شاملًا سابغًا على وجه الأرض؛ فما أن يحُلَّ الربيعُ الزاهي حتى ترى الرحمةَ تُزيِّن الأشجار والنباتات المثمرة، وتُلبسها ثيابًا خُضرًا كأنها حور الجنة، وتُسلِّم إلى أيديها أنواعًا مختلفةً من ثمارٍ شتى، وتُقدِّمها إلينا قائلة: &#8220;هاكم كُلوا وتفكَّهوا&#8230;&#8221;، وتراها تطعمنا عسلًا مصفًّى شافيًا لذيذًا بأيدي حشرةٍ سامة! وتُلبسنا حريرًا ناعمًا تَنسجه حشرةٌ بلا يد! وتدَّخر في حفنةٍ من بُذيراتٍ وحبوبٍ آلافَ الأطنان من الغذاء وتُحوِّلها إلى كنوزٍ احتياطيةٍ لنا..</p>
<p>فالذي له هذه الرحمة الواسعة، وله هذه الرأفة العامة والكرم السابغ، لا ريب أنه لن يُفني ولن يُعدم عبادَه المؤمنين المحبوبين لديه، أولئك الذين ربَّاهم ومَنَّ عليهم، وكرَّمهم إلى هذه الدرجة من اللطف والرفق والعناية، بل سينهي وظيفتهم في الحياة الدنيا ليُهيأهم لرحماتٍ أوسعَ وأعظم.</p>
<p>وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه &#8220;<strong>الرحمن</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الكريم</strong>&#8221; من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة، قائلَين لنا: &#8220;<strong>الجنة حق</strong>&#8220;.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم الحكيم والحكَم والعادل والعدل]</h5>
<p>ثم إننا نرى أن وظائف المخلوقات تُنسج على منوال الحكمة وتكال بميزان العدل، وهما من الدقة والحساسية بحيث لا يتصور الإنسان أفضل منهما..</p>
<p>فنَرى <strong>الحكمة الأزلية</strong> قد وهبت للإنسان قوةَ حافظةِ -كحبة الخردل حجمًا- وكَتبت فيها تفاصيلَ حياته وما يمسه من أحداثٍ لا تعد، وكأنها مكتبةٌ وثائقية مصغرة جدًّا، ووضعتْها في زاوية من دماغه، لتذكّره دومًا بيوم الحساب، يوم تُنشر ما فيها من صحائف الأعمال.</p>
<p>ونرى <strong>العدالة المطلقة</strong> تضع كلَّ عضوٍ من الكائن الحي في موضعه اللائق به، وتُنسقه بموازين دقيقةٍ حساسة، ابتداءً من ميكروبٍ صغير إلى كركدنٍ ضخم، ومن نحلٍ ضعيف إلى نَسرٍ مهيب، ومن زهرةٍ لطيفةٍ إلى ربيعٍ زاهٍ بملايين من الأزهار..</p>
<p>ونراها تمنح كل عضو <strong>تناسقًا لا عبث فيه</strong>، <strong>وموازنة لا نقص فيها</strong>، وانتظامًا لا ترى فيه إلّا الإبداع، كل ذلك ضمن جمالٍ زاهر وحُسنٍ باهر، حتى تغدو المخلوقات نماذج مجسَّمةً للإبداع والإتقان والجمال..</p>
<p>فضلًا عن أنها تَهَب لكل ذي حياة حقَّ الحياة؛ فتيسر له سبل الحياة، وتنصب له موازين عدالة فائقة؛ فجزاء الحسنة حسنة مثلها، وجزاء السيئة سيئة مثلها.. وفي الوقت نفسه تُشعر قوتها وسرمديتها، بما تنـزل من عذاب مدمر على الطغاة والظالمين منذ عهد آدم عليه السلام.</p>
<p>فكما لا تكون الشمسُ دون نهار، فتلك <strong>الحكمة الأزلية</strong>، وتلك <strong>العدالة السرمدية</strong> لن تتحققا تحققًا كليًّا إلّا بحياةٍ أخرى خالدة، لذا لن ترضيا أبدًا ولن تسمحا بحالٍ من الأحوال على نهايةٍ لا عدالة فيها ولا حكمة ولا إحقاقَ حق، تلك هي الموت الذي لا بعث بعده، والذي يتساوى فيه الظالمون العتاة مع المظلومين البائسين! فلا بد إذن أن تكون وراءه حياة أخرى خالدة كي تستكمل الحكمةُ والعدالة حقيقتهما.</p>
<p>وبهذا يجيبنا -إجابةً قاطعةً- اسمُ اللّٰه &#8220;<strong>الحكيم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحكم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>العدل</strong>&#8221; و&#8221;<strong>العادل</strong>&#8221; من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم السميع والمجيب والرحيم]</h5>
<p>ثم إننا نرى أن كلَّ كائنٍ حيٍّ تُوَفَّر له حاجاتُه التي ليس في طَوقه الحصولُ عليها، وتُستجاب جميعُ مطاليبه التي يَسألها &#8211;<strong>بنوعٍ من دعاء</strong>&#8211; سواءٌ <strong>بلسانِ حاجاته الضرورية</strong>، أو <strong>بلغة استعداداته الفطرية</strong>، وتُسلَّم إليه في أنسب وقتٍ وأفضلِه من لدن يدِ رحيمٍ واسع الرحمة، وسميعٍ مطلَق السمع، ورؤوفٍ شامل الرأفة..</p>
<p><strong>وتُستجاب</strong> أيضًا أغلبُ <strong>دعوات الإنسان الإراديةُ</strong>، ولا سيما دعوات الأصفياء من الناس، وبخاصة دعوات الأنبياء عليهم السلام التي تُستجاب أغلبها استجابة خارقة للعادة.</p>
<p>فتلك <strong>الاستجابات</strong> تُفهِّمنا يقينًا أن وراء الحجاب &#8220;<strong>سميعًا مجيبًا</strong>&#8221; <strong>يَسمع</strong> آهاتِ كلِّ ذي مصيبةٍ وأنّاتِ كلِّ ذي داء، ويصغي إلى <strong>دعاء</strong> كلِّ محتاج، ويرى أدنى حاجةٍ لأصغر مخلوق، <strong>ويَسمع</strong> أخفى أنينٍ لأضعف كائن فيشمله برأفته ويسعفه فعلًا فيرضيه..</p>
<p>فما دام الأمر هكذا فإن <strong>دعاءً</strong> للسعادة الأخروية والبقاء والخلود -وهو أفضل دعاء وأعمُّه، ويَمَسُّ جميع الكائنات، ويرتبط بجميع الأسماء الحسنى وبجميع الصفات الجليلة- هذا الدعاء يسأله أفضل مخلوق وهو الإنسان.. ويَضمه ضمن أدعيته أعظمُ عبدٍ وأحبه إلى اللّٰه، ذلك الرسول الأعظم ﷺ، وهو إمام الأنبياء عليهم السلام الذين هم شموس البشرية وروّادها، فيؤَمِّنون على دعائه هذا، بل يؤَمِّن على دعائه بصلواته عليه يوميًّا كلُّ مؤمن من أمته عدة مرات في الأقل، بل تشترك جميعُ المخلوقات في دعائه قائلة: &#8220;استجب يا ربنا دعاءه فنحن نتوسل بك ونتضرع إليك مثله&#8221;.</p>
<p>فمثل هذا الدعاء الشامل للخلود والسعادة الأبدية، من مثل هذا الرسول الحبيب ﷺ وضمن هذه الشروط التي لا تردّ، لا شك مطلقًا أنه وحده مبرِّرٌ كافٍ وسببٌ وافٍ لإيجاد الجنة الخالدة وإحداث الآخرة من بين أسبابٍ لا تعد ولا تحصى موجبةٍ لإيجادها، فضلًا عن أن إيجادها سهل على قدرته سبحانه وهيّن عليها كإيجاد الربيع وخلقه.</p>
<p>وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه &#8220;<strong>المجيب</strong>&#8221; و&#8221;<strong>السميع</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الرحيم</strong>&#8221; من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم المحيي المميت والحي القيوم والقدير العليم]</h5>
<p>ثم إن ما في تبدل المواسم من مظاهر الموت ومشاهد البعث على الأرض كافة يدل دلالة واضحة -كدلالة النهار على الشمس- على أن وراء الحجاب ربًّا <strong>يدير</strong> الأرض الهائلة في غاية الانتظام وفي منتهى السهولة، كإدارة حديقة صغيرة، بل كإدارة شجرة واحدة وبانتظامها.. <strong>ويدير</strong> الربيع الشاسع ويزيِّنه بسهولةِ إدارةِ زهرةٍ واحدةٍ وبزينتها الموزونة، <strong>ويُسَطِّر</strong> على صحيفة الأرض ثلاثمائة ألفٍ من طوائف النباتات والحيوانات التي هي بمثابة ثلاثمائة ألف نوع من كتب تعرض نماذج الحشر وأمثلة النشور.</p>
<p>فهذا الربُّ القدير الذي يكتب هذه النماذج المتداخلة دون تحيرٍ ولا لبسٍ، ودون سهوٍ ولا خطأ، وبإتقانٍ وانتظام، وبمعانٍ بليغة، رغم تشابكها وتشابهها وتماثلها، يُظهر ضمن جلال العظمة <strong>قدرة فاعلة رحيمة حكيمة</strong>، فهو سبحانه يشمل الوجود <strong>برحمته وحكمته</strong> هذه، <strong>فيَهَب للإنسان</strong> مقامًا ساميًا ويسخر له الكون الضخم ويجعله مسكنًا ومهدًا له، ثم <strong>ينصِّبه</strong> <strong>خليفة</strong> في الأرض، <strong>ويحمّله الأمانة</strong> الكبرى التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، <strong>ويفضّله</strong> على سائر المخلوقات، <strong>ويشرّفه</strong> بكلامه الرباني وبخطابه السبحاني وبموالاته إياه، فضلًا عن أنه قد قطع على نفسه عهدًا، ووعد هذا الإنسان وعدًا -في جميع كتبه المنـزلة- أنه سيخلّده بالسعادة الأبدية والبقاء الأخروي.. فلا ريب أنه سيفتح له أبواب سعادة دائمة، وسيُحدث الحشر والقيامة حتمًا، وهو أهون عليه من الربيع نفسه.</p>
<p>وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه &#8220;<strong>المحيي</strong>&#8221; و&#8221;<strong>المميت</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحي</strong>&#8221; و&#8221;<strong>القيوم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>القدير</strong>&#8221; و&#8221;<strong>العليم</strong>&#8221; عن سؤالنا حول الآخرة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[<strong>اسم الرحمن</strong> و<strong>الحكيم</strong> و<strong>العدل</strong> و<strong>الكريم</strong> و<strong>الحاكم</strong>]</h5>
<p>حقًّا إن القدرة الإلهية التي تحيي أصول الأشجار والأعشاب كافة في كل ربيع، وتوجِد نماذج ثلاثمائة ألف نوعٍ من حشر ونشر في الحيوانات والنباتات كافة، بل تُظهر ألف مثالٍ للحشر والنشور وألفَ دليلٍ عليه في ألفَي ربيع<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> عندما يُنظر خيالًا إلى ألف سنةٍ من السنين التي قضاها كل من أمة محمد وموسى عليهما السلام وقوبلا معا! فكيف يُستبعد بعثُ الأجساد والحشر الجسماني من هذه القدرة المطلقة؟ أليس استبعاده عمًى ما بعده عمًى؟!</p>
<p>ثم إن مائة وأربعة وعشرين ألفًا من أفضل بني آدم وهم الأنبياء عليهم السلام، قد أعلنوا السعادة الأبدية وخلود الآخرة، متفقين مستندين إلى آلاف الوعود والعهود التي قطعها اللّٰه سبحانه وتعالى على نفسه، وأثبتوا صدقهم بمعجزاتهم الباهرة، وأن ما لا يحصر له من الأولياء الصالحين يصدِّقون الحقيقة نفسها بالكشف والذوق.</p>
<p>فلا بد من أنَّ تلك الحقيقة ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار فمَن شكّ فيها فقد حُرِم العقل.</p>
<p>لأن حكم متخصصٍ واحدٍ أو اثنين في علمٍ أو مهنةٍ في مسألةٍ ضمن اختصاصه، يُسقِط من الاعتبار قيمةَ آراءِ وأفكار ألف معارضٍ غيرِ متخصص في ذلك العلم أو المهنة ولو كانوا أولي اختصاص في علوم أخرى.</p>
<p>وأن حكم اثنين من شهود الإثبات في مسألةٍ يُرجَّح على آلافٍ من المنكِرين أو النافين للمسألة، كما هو في رؤية هلال رمضان في يوم الشك، أو ادعاء وجود مَزارع جوز الهند الشبيهة بعلب الحليب في الأرض؛ ذلك لأن المُثبِت يكسب القضية بمجرد الإشارة إليها أو إبراز جوز الهند أو بيانه لمكانه. أما النافي الذي ينكر وجوده فإنه لا يستطيع أن يثبت دعواه إلّا إذا جاس وجال في أنحاء العالم كله وتحرّى دعواه في الأمكنة كلها.</p>
<p>وهكذا الذي يخبر عن الجنة ودار السعادة والخلود فإنه يثبتها ويكسب القضية بمجرد إظهاره أثرًا من آثار الجنة، أو أمارةً من أماراتها، أو ظلًّا من ظلالها كشفًا؛ في حين لا يستطيع مَن ينفي وجودها وينكرها أن يجد لإنكاره مجالًا -مَهْما كَدَّ- إلّا إذا شاهد وأشهد الآخرين جميعَ الأكوان وجميع الأزمان من الأزل إلى الأبد، وأظهر عدم وجودها وأثبت نفيها!!</p>
<p>فلأجل هذه الحكمة ارتضى العلماء المحققون على قاعدةٍ أساسٍ هي: &#8220;<strong>لا يمكن إثبات النفي غير المحدّد مكانُه -كالحقائق الإيمانية الشاملة للكون قاطبة- ما لم يكن الأمر محالًا بذاته</strong>&#8220;.</p>
<p>فبناءً على هذه الحقيقة القاطعة لا ينبغي أن يَجلب إنكارُ آلاف الفلاسفة ومعارضتُهم أيةَ شبهةٍ ولا وسوسةٍ أمام مخبرٍ صادقٍ في مثل هذه المسائل الإيمانية.. فيا حماقةَ من يتلوث بشبهة -مهما كانت- في أركان الإيمان بمجرد إنكارِ قلةٍ من فلاسفةٍ ماديين تحدَّرت عقولُهم إلى عيونهم فلا يرون إلّا المادة، بل ماتت قلوبُهم فلا يشعرون بالمعنويات، بينما اتفق على تلك الأركان مائةٌ وعشرون ألفًا من المثبِتين أولي الاختصاص من الأنبياء الصادقين عليهم السلام، وممن لا يحصَون ولا يُعدّون من المثبِتين والمختصين من أهل الحقيقة الأولياء وأصحاب التحقيق العلماء.</p>
<p>ثم إننا نشاهد سواء في أنفسنا أو فيما حولنا <strong>رحمةً عامة وحكمة شاملة وعناية دائمة</strong> ناشرة نورَها كالنهار، ونرى كذلك آثارَ <strong>ربوبيةٍ</strong> مهيبة وأنوارَ <strong>عدالةٍ</strong> بصيرة، وتجلياتِ إجراءات جليلة عزيزة، بل نرى &#8220;<strong>حكمة</strong>&#8221; تُقلِّد الشجرةَ حِكَمًا بعدد أزهارها وأثمارها، ونرى &#8220;<strong>رحمة</strong>&#8221; تقيم على كل إنسان إحسانًا وعطايا بعدد حواسه وقواه وأجهزته. ونرى &#8220;<strong>عدالة</strong>&#8221; ذات عزة تُهلك بسوط عذابها أقوامًا عصاة أمثال قوم نوح وهود وصالح وقوم عاد وثمود وفرعون، وهي ذات عناية كذلك تحافظ على حقوقِ أصغرِ مخلوق وأضعفه، فالآية الكريمة الآتية تبين بإيجازٍ معجزٍ عظمةَ تلك الربوبية الجليلة وهيبتها المطلقة: ﴿ومن آياته أن تقوم السماءُ والأرض بأمره ثمّ إذا دَعاكم دَعوةً من الأرضِ اذا أنتم تخرجون﴾.</p>
<p>إذ تُبين أنَّ السماوات والأرض تمتثلان الأمر الإلهي كالجنود المرابطين والراقدين في معسكرين. فكما أنهم يُهرعون إلى أخذ مواقعهم وتسلُّم أسلحتهم بدعوةٍ من القائد وبنفخةٍ من بوق، كذلك السماوات والأرض كمعسكرَين حالما يُنادى بالأموات الراقدين فيهما بصور إسرافيل عليه السلام، إذا بهم يَخرجون من الأجداث سِراعًا لابسين ثياب الجسد.</p>
<p>بل نرى هذه العظَمة والطاعة في كل ربيع، إذ يُحشَر ما في معسكر الأرض من جنودٍ وينشَرون بنفخةٍ من بوقِ مَلَك الرعد.</p>
<p>فبناء على التحقيقات السابقة، لا بد أن تلك <strong>الرحمة</strong> <strong>والحكمة</strong> <strong>والعناية</strong> <strong>والعدالة</strong> <strong>والسلطنة</strong> السرمدية ستحقق أبعادها وغاياتها في دار أخرى، أي إنها تقتضي الحشر بالضرورة، كما أثبتتها &#8220;الكلمة العاشرة&#8221;.</p>
<p>إذ <strong>لا شك في مجيء الآخرة</strong>، بل إن عدم مجيئها مُحالٌ في ألف محال، حيث إن عدمها يعني: تبدلَ &#8220;<strong>الرحمة</strong>&#8221; التي هي في منتهى الجمال <strong>قسوة</strong> في منتهى البشاعة.. ويعني: تحول كمال &#8220;<strong>الحكمة</strong>&#8221; إلى نقص <strong>العبث</strong> القاصر وغاية الإسراف.. ويعني: انقلاب &#8220;<strong>العناية</strong>&#8221; التي هي في منتهى الحسن واللطف إلى <strong>إهانة</strong> في منتهى القبح والمرارة.. ويعني: تغير &#8220;<strong>العدالة</strong>&#8221; التي هي في منتهى الإنصاف والحق إلى <strong>ظلمات</strong> في أشد القسوة والبطلان.</p>
<p>زد على ذلك فإن عدم مجيء الآخرة يعني أيضًا سقوط هيبة السلطنة السرمدية العزيزة وبوارَ أُبَّهتها وقوتها، ويعني اتهام كمالَ الربوبية بالعجز والقصور.. فكل هذا باطل ومحال لا يقبله عقل أي إنسان مهما كان، وهو الممتنع والخارج عن دائرة الإمكان.</p>
<p>لأن كل ذي شعور يعلم أن اللّٰه سبحانه قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم، ورباه أحسن تربية، وزوّده من الأجهزة والأعضاء -كالعقل والقلب- ما يتطلع به إلى السعادة الأبدية ويسوقه نحوها، ويدرك كذلك مدى الظلم والقسوة إذا ما انتهى مصير هذا الإنسان المكرم إلى العدم الأبدي!</p>
<p>ويفهم كذلك مدى البُعد عن الحكمة في عدم البعث الذي يجعل جميعَ الأجهزة والقوى الفطرية -التي لها آلاف المصالح والفوائد- دون جدوى ودون قيمة! في الوقت الذي أودع سبحانه مئاتٍ من الحِكَم والفوائد في دماغه فحسب.</p>
<p>ويفهم كذلك مدى العجز الظاهر والجهل التام المنافيَين كليًّا لعظمة تلك السلطنة وكمال الربوبية في عدم الإيفاء بآلاف الوعود والعهود؟ تعالى اللّٰه عن ذلك علوًّا كبيرًا.</p>
<p>قس على هذا كلًّا من &#8220;العناية&#8221; و&#8221;العدالة&#8221;.</p>
<p>وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه &#8220;<strong>الرحمن</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحكيم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>العدل</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الكريم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحاكم</strong>&#8221; من الأسماء الحسنى بتلك الحقيقة المذكورة عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة ويثبتها لنا إثباتًا لا شبهة فيه بل واضحًا جليًّا كوضوح الشمس وجلائها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم الحفيظ والأول والآخر والظاهر والباطن]</h5>
<p>ثم إننا نرى &#8220;<strong>حفيظية</strong>&#8221; مهيبة محيطة بادية للعيان، تحكم على كل شيء حي، وتهيمن على كل حادث، تحفظ صوره الكثيرة، تسجِّل أعمال وظيفته الفطرية، تدوّن تسبيحاته التي يؤديها -بلسان الحال- تجاه الأسماء الحسنى.. تدوّنها في لوحات مثالية، في بُذيراته ونواه، في قواه الحافظة -وهي نماذج مصغرة للّوح المحفوظ- ولا سيما في حافظة الإنسان التي هي مكتبة عظمى مصغرة جدًّا موضوعة في دماغه، وتسجلها في سائر المرايا والمعاكس المادية والمعنوية. وما إن يحل الربيع -تلك الزهرة المجسمة للقدرة الإلهية- حتى تُبرز لنا الحفيظية تلك الكتابات المعنوية ظاهرةً مشهودة مجسمة. وتعرض في تلك الزهرة العظمى حقيقةَ الحشر التي تتضمنها الآية الكريمة: ﴿وإذا الصُحُفُ نُشرت﴾ وتعلنها بألسنة ملايين الملايين من الأمثلة والدلائل، وتؤكد لنا يقينًا أن الأشياء جميعها -ولا سيما الأحياء- لم تُخلق لتنتهي إلى الفناء، ولا لتهوي إلى العدم ولا لتمحى إلى غير شيء -ولا سيما الإنسان- بل خُلقوا للمضي بسموهم إلى البقاء، وللدخول بتزكية أنفسهم إلى عالم الحياة الخالدة، وللولوج بالاستعداد الفطري إلى وظيفة سرمدية تنتظرهم في دار الخلود.</p>
<p>نعم، إن كل شجر وجذر وكل حبّة ونواة من النباتات غير المحدودة التي ماتت في قيامة الخريف، ما إن يحين حشر الربيع إلّا ويتلو الآية الكريمة: ﴿واذا الصُحُفُ نُشرت﴾ بلسانه الخاص ويفسر معنًى من معانيها، وذلك بقيام كل جزء من أجزائه بمثل الوظائف الفطرية التي قام بها في السنين السابقة، ويبيّن -في الوقت نفسه- عظمة الحفيظية في أوسع مداها كما تتضمنها الآية الكريمة: ﴿هُوَ الأولُ والآخرُ والظاهِرُ والبَاطِن﴾ وترشدنا إلى أربع حقائق جليلة في كل شيء وتقيم الحجة الدامغة على حتمية الحشر كحتمية مجيء الربيع ويسره.</p>
<p>نعم، إن أنوار هذه الأسماء الحسنى الأربعة وتجلياتها تسري وتنفذ من أصغر جزئي إلى أكبر كليّ.. ولنوضح هذا بمثال:</p>
<p>فالبذرة التي هي أصل الشجرة تبين عظمة الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه &#8220;الأول&#8221; وذلك؛ بما تحوي من خطة الشجرة دقيقة كاملة، وبما تضم من أجهزة بديعة لإيجادها ونشوئها كاملة غير منقوصة، وبما تشتمل عليه من شرائط تكوين الشجرة رغم أنها علبة صغيرة جدًّا. والثمرة أيضًا تشهد شهادة صادقة على تلك الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه &#8220;الآخر&#8221; وذلك؛ بما تحوي من فهرس جميع الوظائف الفطرية لتلك الشجرة، وبما تضم من صحائف أعمالها، وبما تنطوي عليه من قوانين حياتها الثانية، علمًا أنها صندوق صغير جدًّا.</p>
<p>أما ظاهر الشجرة المجسم فإنه يُظهر عظمة القدرة وكمال الحكمة وجمال الرحمة ضمن الحفيظية المطلقة، ويبرزها للعيان مشهودة بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه &#8220;الظاهر&#8221; وذلك؛ بحُللها البهية المزدانة بالنقوش البديعة المتنوعة والأوسمة المرصعة كأنها ثياب الحور العين الملونة بسبعين لونًا.</p>
<p>أما الأجهزة الداخلية لتلك الشجرة التي أصبحت كأنها مرآة تعكس أنوار اسم اللّٰه &#8220;الباطن&#8221; فهي أيضًا تثبت -إثباتًا ساطعًا كالشمس- كمالَ القدرة والعدالة، وجمال الرحمة والحكمة، إذ إنها مصنع خارق كامل النظام، بل مختبر كيمياء عظيم، بل مستودعُ إعاشة وأرزاق لا يدع غصنًا ولا ثمرًا ولا ورقًا إلّا ويزوده بالغذاء الذي يحتاجه.</p>
<p>وكما يُظهر كل من البذرة والثمرة، وظاهر الشجرة وباطنها تجلياتِ الأسماء الحسنى الأربعة &#8220;الأول والآخر والظاهر والباطن&#8221; فالكرة الأرضية كذلك تظهرها وتبين بداهةً أن الحفيظ ذا الجلال والإكرام إنما يعمل بقدرة وعدالة وحكمة ورحمة مطلقة؛ إذ إنها (أي الكرة الأرضية) كالشجرة من حيث تبدل المواسم السنوية، فجميعُ النوى والحبوب التي أُودعت في الخريف -بتجلي اسم اللّٰه &#8220;الأول&#8221;- أمانةً إلى الحفيظية، ترسِلُ ما لا يعد من السيقان والأغصان، وتمدّها إلى شتى الجهات، وتَفتح ما لا يحصى من الأزهار البهيجة والأثمار الطيبة، فتُلبس الأرض وشاح الربيع البهيج.. ذلك لأن كلًّا منها تضم كراسات مصغرة سُطّرت فيها الأوامر الربانية، وتبطن صحائف مصغّرة دوّن فيها ما أنجز في السنة الماضية من أعمال، بل تستوعب تلك البذورُ والنوى جميعَ ما يعود إلى تركّب شجرة الأرض العظيمة.</p>
<p>أما آخر شجرة الأرض السنوية فهو ما يضعه في عُلب متناهية في الصغر من جميع الوظائف التي قامت بها الشجرة في الخريف، وجميع التسبيحات والأذكار الفطرية التي أدتها تجاه الأسماء الحسنى، وجميع ما يمكن نشره في حشر الربيع المقبل من صحائف الأعمال، ويسلّم هذا جميعًا إلى يد الحكمة للحفيظ ذي الجلال تاليًا بهذا اسم اللّٰه: &#8220;الآخر&#8221; بألسنة لا حدَّ لها على أسماع الكائنات وأنظارها. أما ظاهر هذه الشجرة فهو: تلك الأزهار الكلية المتنوعة المتباينة التي تفصح عن ثلاثمائة ألف نوع من أمثلة الحشر وأماراته، وهو تلك الموائد المنصوبة للرحمن الرحيم والرزاق الكريم، وهو تلك الضيافات المفتوحة لذوي الحياة كافة، فكل ما في ظاهر تلك الشجرة يذكر ويتلو اسم اللّٰه: &#8220;الظاهر&#8221; بألسنة ثمراتها وأزهارها وطعومها مُظهرًا حقيقةَ: ﴿واذا الصُحُفُ نُشرت﴾ ساطعة كالشمس في كبد السماء.</p>
<p>أما باطن هذه الشجرة العظيمة فهو معمل ومصنع يُحَرِّك ما لا يعد ولا يحصى من مكائن منتظمة ومعامل دقيقة حتى إنه يُعدّ طنًّا من الأطعمة وينضجها من درهم من المواد وتوصله إلى الجائعين، ويَنهض بأعماله في منتهى الدقة بما لا يدع مجالًا لتلعب به الصدفة، فيذكر الوجهُ الباطن للأرض اسم اللّٰه: &#8220;الباطن&#8221;، بل يثبته ويعلنه بمائة ألف من الأنماط والصور كما يعلنه قسم من الملائكة الذين يسبّحون بمائة ألف لسان.</p>
<p>وكما أن الأرض من حيث حياتها السنوية كالشجرة بينت &#8220;<strong>الحفيظيةَ</strong>&#8221; التي في تلك الأسماء الحسنى الأربعة بوضوح، وجعلتها مفتاحًا لباب الحشر، فهي كذلك كالشجرة المتناسقة جدًّا من حيث حياة العصور وحياة الدهور، إذ ترسل ثمراتها -على مدى العصور والدهور- إلى سوق الآخرة.</p>
<p>وهكذا تصبح الأرض بأسرها مرآةً واسعة جدًّا لتجليات تلك الأسماء الأربعة، وتفتح سبيلًا واسعًا جدًّا إلى الآخرة بحيث تظل عقولُنا ولغاتنا قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بها. لذا نكتفي بالآتي ولا نـزيد:</p>
<p>إن عقارب الساعة التي تَعُدُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام تتشابه فيما بينها، فالواحد يدل على الآخر ويذكّره، فمن يراقب حركة عقرب الثواني يضطر إلى تصديق حركة التروس الأخرى. كذلك الدنيا كساعة كبرى لخالق السماوات والأرض، حيث تتشابه الأيام التي تعد ثواني هذه الساعة الكبرى، والسنوات التي تحصي دقائقها، والعصور التي تظهر ساعاتها، والأحقاب التي تعرف أيامها فمع تشابه بعضها مع البعض الآخر فإن كلًّا منها يدل على الآخر ويثبته.</p>
<p>ومن هذه الزاوية نرى الأرض تخبر بأمارات لا حدّ لها عن مجيء ربيع خالد وصبح سرمدي بعد شتاء الدنيا الفانية المظلم.. تخبر عنه بحتميةِ مجيء الصبح لهذا الليل وبقطعية مجيء الربيع بعد هذا الشتاء. وبهذه الحقيقة يجيبنا اسم &#8220;الحفيظ&#8221; مع الأسماء الحسنى الأربعة: &#8220;الأول والآخر والظاهر والباطن&#8221; عن سؤالنا الذي سألناه حول الحشر.</p>
<h5 style="text-align: center;">[اسم الحق والحفيظ والحكيم والجميل والرحيم]</h5>
<p>وما دمنا نرى بأعيننا ونفقه بعقولنا، أن <strong>الإنسان</strong> هو <strong>خاتمة ثمرات شجرة الكون</strong> وأجمع ما فيها من الصفات..</p>
<p>وهو <strong>بذرتها الأصلية</strong> من حيث الحقيقة المحمدية..</p>
<p>وهو <strong>الآية الكونية الكبرى</strong> لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم..</p>
<p>وهو <strong>أكرم ضيفٍ</strong> في قصر الكون..</p>
<p>وهو <strong>أنشط موظف</strong> مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر..</p>
<p>وهو <strong>المأمور المكلف</strong> عن حرث مزرعة الأرض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم وألوف المؤهلات..</p>
<p>وهو <strong>خليفة الأرض</strong>، والمفتش الباحث في مملكة الأرض والمرسل من لدن سلطان الأزل والأبد والعامل تحت رقابته..</p>
<p>وهو <strong>المتصرف في شؤون الأرض</strong> مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها..</p>
<p>وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة..</p>
<p><strong>والحامل للأمانة الكبرى</strong> التي أبتِ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فانفرجت أمامه طريقان: إحداهما للأشقياء، والأخرى للسعداء..</p>
<p>وهو الذي <strong>يعكس كالمرآة جميع تجليات الأسماء الحسنى</strong> ويتجلى فيه اسم اللّٰه الأعظم..</p>
<p>وهو <strong>المخاطَب المقصود للخطاب السبحاني</strong> والأكثر فهمًا للكلام الرباني..</p>
<p>وهو <strong>الأكثر فاقة وعجزًا من بين أحياء الكون</strong>.. وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له أعداء ومؤذيات بلا عدٍّ ومقاصد وآلامًا بلا حدٍّ.. وهو أغنى استعدادًا من بين ذوي الحياة..</p>
<p>وهو <strong>أشد إحساسًا وشعورًا</strong> بالألم -ضمن لذة الحياة- حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة..</p>
<p>وهو <strong>أشد شوقًا</strong> إلى البقاء وأكثر حاجة إلى الخلود، بل هو الأجدر به..</p>
<p>وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو أُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود..</p>
<p>وهو الذي <strong>يحب الذي أنعم عليه حبًّا لحدّ العبادة</strong>، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب أيضًا..</p>
<p>وهو <strong>أعظم معجزات القدرة الصمدانية</strong>، بل هو أعجوبة الخلق، لما انطوى فيه العالم الأكبر، ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوقٌ للسير قدُمًا نحو الأبدية والخلود.</p>
<p>فهذا الإنسان الذي يرتبط بمثل هذه الحقائق العشرين الكلية باسم اللّٰه &#8220;<strong>الحق</strong>&#8221; والذي هو وثيق العلاقة باسم اللّٰه &#8220;<strong>الحفيظ</strong>&#8221; الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات والأرض، يرى أدنى حاجة لأصغرِ حيّ ويسمع نداء حاجته فيغيثه فيدوّن كتبتُه الكرام جميعَ أعمال هذا الإنسان وأفعاله المتعلقة بالكائنات..</p>
<p>فهذا الإنسان -بحكم هذه الحقائق العشرين- لا بد أن يكون له حشر ونشور، ولا ريب أنه سيكافأ -باسم اللّٰه &#8220;<strong>الحق</strong>&#8220;- على ما قَدَّم من خدمات وأعمال، وسيجازى على ما قصّر فيها، ولا شبهة أنه سيساق إلى المحاسبة والاستجواب عما دوَّن من أعماله -باسم &#8220;الحفيظ&#8221;- جُزئيِّها وكُليِّها، ولا شك أن ستفتح أمامه أبواب سعادة خالدة وضيافة أبدية، أو أبواب سجون رهيبة وشقاء مقيم؛ وأنه لا يمكن أن لا يحاسب ويتوارى عن الأنظار ضابط قاد أكثر مخلوقات هذا العالم وتدخّل في شؤونها، ولا يمكن أن لا ينبه من رقدته!</p>
<p>لأنه لا يُعقل قطُّ أن يُسمع دعاءٌ أخفت من طنين الذباب ويُغاث فعلًا بلوازم الحياة، ثم لا يُسمعَ أدعيةٌ لها من القوة ما يهز العرش والفرش والتي تنطلق من تلك الحقائق العشرين وتسأل البقاء والخلود.</p>
<p>ولا يعقل قطُّ -بل هو خارجٌ عن الإمكان- أن تُهدَر وتُضيَّع كليًّا تلك الحقوقُ الكثيرة، بل لا يمكن لحكمة لا عبث فيها قط -ولو بمقدار جناح ذبابة بشهادة انتظامها وإتقانها- أن تعبث كليًّا باستعدادات الإنسان المرتبطة بها تلك الحقائقُ، وتعبث بجميع آماله ورغباته الممتدة إلى الخلود، وتعبث بجميع تلك الروابط وحقائق الكائنات العديدة التي تنمي تلك الاستعدادات والرغبات، لأن هذا الاحتمال ظُلمٌ فظيع وقبح مشين تردّه جميع الموجودات وترفضه قائلة: إن ذلك محال في محال بمائة وجه وممتنع مستحيل بآلاف الوجوه. بل تردّه جميع الموجودات الشاهدة على الأسماء الحسنى: &#8220;الحق&#8221; و&#8221;الحفيظ&#8221; و&#8221;الحكيم&#8221; و&#8221;الجميل&#8221; و&#8221;الرحيم&#8221;.</p>
<p>وهكذا تجيبنا هذه الأسماء الحسنى: &#8220;<strong>الحق</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحفيظ</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الحكيم</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الجميل</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الرحيم</strong>&#8220;، عن سؤالنا حول الآخرة، فتخاطبنا تلك الأسماء قائلة: &#8220;إن الحشر حق لا ريب فيه، وهو حقيقة راسخة لا مراء فيها، مثلما أننا حق ومثلما تشهد لنا حقيقةُ ثبوت الموجودات&#8221;.</p>
<p>ولولا أن المسألة أوضح من الشمس لزدتُ بيانًا، ولكني اختصرت مكتفيًا بالأمثلة المذكورة، وقياسًا على ما في الفقرات السابقة؛ فإن كل اسم من الأسماء الحسنى المائة بل الألف المتوجه إلى الكون، يثبت مسمّاه سبحانه بداهة بتجلياته وبمراياه التي هي الموجودات، كما يظهر الحشرَ والدار الآخرة ويثبته إثباتًا قاطعًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الملائكة تخبر بالآخرة]</h4>
<p>ومثلما يجيبنا ربنا سبحانه وتعالى جوابًا قدسيًّا وجازمًا بجميع أوامره في جميع ما أنزل من <strong>كتب</strong>، وبجميع <strong>أسمائه</strong> التي سمَّى بها نفسه، عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة، كذلك يجيبنا سبحانه <strong>بألسنة ملائكته</strong> ويعرّفنا الآخرة بنمط آخر، إذ تقول الملائكة:</p>
<p>&#8220;هناك أمارات ودلالات لا حدّ لها على وجودنا والعالمِ الروحاني، وقد جرت لقاءاتٌ ومكالماتٌ وتعارُفٌ بينكم وبيننا وبين الروحانيين منذ زمن آدم عليه السلام، وهي حوادثُ يقينيةٌ متواترةٌ لا تقبل الريب، ولقد ذَكرنا ودومًا نذكر ما نراه خلال تجوالنا في منازلِ الآخرة وصالاتها إلى روادكم أثناء لقائنا معهم:</p>
<p>إننا نبشركم بشارة لا ريب فيها من أن <strong>هذه الأروقة الدائمة وما وراءها من قصور خالدة ومنازل مُعَدّة إنما أُعِدَّت لاستقبال ضيوفٍ كرام مكرمين، وهُيِّئت لقدومهم</strong>&#8220;.</p>
<p>وبهذا يجيبنا <strong>الملائكة الكرام</strong> عن سؤالنا حول الآخرة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النبي ﷺ والقرآن الكريم يخبران بالآخرة]</h4>
<p>ثم إن خالقنا الكريم قد عيّن لنا أعظمَ معلم، وأكملَ أستاذ، وأصدق قدوة، وأقوم رائد.. ألا وهو <strong>محمد الهاشمي</strong> عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد أرسله خاتمًا للرسل الكرام عليهم السلام.</p>
<p>فعلينا إذن -وقبل كل شيء- أن نسأل أستاذَنا ما سألناه من خالقنا عزّ وجل حول الآخرة، لعلنا نتكامل في معرفتنا ونترقى من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين، وإلى حق اليقين.</p>
<p>لأن هذا النبي الحبيب الصادق المصدَّق من لدن الخالق العليم بألفٍ من المعجزات، مثلما <strong>أنه معجزةُ القرآن الكريم</strong>، فأثبت للعالم أجمع أنه كتاب رب العالمين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد <strong>أصبح القرآن الكريم أيضًا معجزةً من معجزاته ﷺ</strong>، ودليلًا على أنه الصادق المصدَّق، وأنه رسول رب العالمين.</p>
<p>فكلتا المعجزتين -إحداهما <strong>لسانُ عالم الشهادة</strong> ومعها تصديق جميع الأنبياء عليهم السلام والأولياء، والأخرى <strong>لسان عالم الغيب</strong> المتضمن جميعَ الكتب السماوية وجميع حقائق الكون- قد أقامتا الحجج على حقيقة الحشر والنشور راسخةً واضحة وضوحَ الشمس والنهار، بجميع حياة المعجزة الأولى، وآلافٍ من آيات المعجزة الثانية.</p>
<p>حقًّا إن &#8220;مسألة الحشر والآخرة&#8221; من المسائل التي هي فوق طاقة العقل وحدوده، ولا تُفهم إلّا بتعليم هذين الأستاذَين المعجزين: &#8220;القرآن الكريم والرسول الحبيب ﷺ&#8221; وإرشادهما.</p>
<h5 style="text-align: center;">[لماذا لم يفصِّل الأنبياء السابقون مسألة الحشر كما فصَّلها القرآن؟]</h5>
<p>أما لِمَاذا لَمْ يُوضّح الأنبياء السابقون عليهم السلام مسألة الحشر لأممهم كما هو واضح في القرآن الكريم؟</p>
<p>فلأن عصورهم كانت عصور <strong>طفولة البشرية وبداوةِ الإنسانية</strong>، والإيضاح يكون وجيزًا في الدروس الابتدائية كما هو معلوم.</p>
<p>وصفوة القول: ما دام أكثر <strong>الأسماء الحسنى</strong> تقتضي الآخرة وتدلُّ عليها، فلا بد أن الحجج والدلائل الدالة على الأسماء الحسنى هي بدورها دلائل على ثبوت الآخرة وقيامها..</p>
<p>وما دام <strong>الملائكة</strong> يخبرون عما يشاهِدون من منازل الآخرة وعالَم البقاء فلا بد أن الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والعالم الروحاني وعباداتهم هي بدورها دلائلُ إثباتٍ على العالم الآخر.</p>
<p>وما دام أهم ما أعلنه <strong>محمد ﷺ</strong> خلال حياته المطهرة المباركة، وأساس ما دعا إليه -بعد التوحيد- هو الآخرة، فلا بد أن جميع المعجزات والحجج الدالة على نبوته وصدقه ﷺ هي بدورها شاهدة على حقيقة مجيء الآخرة.</p>
<p>وما دام ربع <strong>القرآن الكريم </strong>يبحث عن الحشر والآخرة، ويقيم الدلائل عليه بآلاف من آياته ويخبر عنه، فلا بد أن الشواهد والحجج والدلائل والبراهين الدالة كلها على أحقية القرآن هي بدورها شاهدة على تحقق الآخرة ودالة عليها.</p>
<p>وهكذا تأملوا في هذا الركن الإيماني العظيم لتقدّروا مدى قطعية &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; ومدى ثبوته ورسوخه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1>[المسألة الثامنة: ثمرات الإيمان بالآخرة]</h1>
<p><strong>خلاصة المسألة الثامنة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>لقد أردنا في &#8220;المسألة السابعة&#8221; أن نستوضح مسألة الحشر من مقامات كثيرة، إلّا أن جواب خالقنا بأسمائه الحسنى كان شافيًا ووافيًا جدًّا؛ أورث اليقين الجازم والقناعة التامة، فأغنانا عن أي استفسار آخر. فاقتصرنا هناك على ذلك الإثبات.</p>
<p>أما في هذه المسألة فسنلخّص <strong>واحدة من مئات الثمرات والفوائد والنتائج التي يحققها &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221;</strong>، منها ما يعود إلى سعادة الإنسان في الآخرة، ومنها ما يعود إلى سعادته في الدنيا.</p>
<p>أما ما يعود إلى السعادة الأخروية فليس بعد إيضاح القرآن الكريم إيضاح آخر، فليُرجعْ إليه، أما ما يعود إلى &#8220;السعادة الدنيوية&#8221; فتُوَضِّحه رسائلُ النور، وسنبين هنا -بيانًا موجزًا- بضعَ نتائج فقط من بين المئات من النتائج التي يحققها &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; لإسعاد الإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الثمرة الأولى: تلبية المطلب الفطري بالخلود]</h3>
<p><strong>الثمرة الأولى</strong>: كما أن الإنسان -خلافًا للحيوان- ذو علاقة مع بيته، فهو أيضًا ذو ارتباط وثيق مع الدنيا؛ ومثلما أنه مرتبط بأقاربه بروابط ووشائج، فهو كذلك ذو نسب فطري بالجنس البشري؛ وكما أنه يحب البقاء في الدنيا الفانية فهو يتوق إلى بقائه في الدار الباقية؛ وكما أنه يسعى دائمًا لتأمين حاجات معدته إلى الغذاء، فهو مضطرٌّ بفطرته -بل يسعى- لتأمين الأغذية لعقله وقلبه وروحه وإنسانيته وتناولِها من الموائد الممتدة على سعة الدنيا، بل الممتدة إلى الأبد، لما له من آمال ومطالب لا يشبعها سوى السعادة الأبدية.</p>
<p>لقد حدّثتُ خيالي في عهد صباي: أيَّ الأمْرين تُفضِّل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنةٍ مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم، أم وجودًا باقيًا مع حياة اعتيادية شاقة؟ فرأيته يرغب في الثانية ويضجر من الأولى، قائلًا: إنني لا أريد العدم بل البقاء ولو كان في جهنم!&#8221;.</p>
<p>فما دام <strong>جميع لذائذ الدنيا لا تُشبع الخيال</strong> الذي هو أحد خُدَّام الماهية الإنسانية، فلا بد أن حقيقة الماهية الإنسانية الجامعة الشاملة جدًّا مرتبطةٌ فطرةً بالخلود والبقاء.</p>
<p>فكم يكون &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; إذن كنـزًا عظيمًا كافيًا ووافيًا لهذا الإنسان الوثيق الصلة بهذه الرغبات والآمال التي لا تنتهي، وهو لا يملك سوى جزءٍ من الاختيار الجزئي، ويتقلب في الفقر المطلق!</p>
<p>وكم يكون هذا الإيمان محورًا للسعادة المطلوبة واللذة المبتغاة! وكم يكون مرجعًا ومدار استمدادٍ وسلوة له تجاه هموم الدنيا غير المحصورة؟</p>
<p>فلو ضحَّى هذا الإنسان بكل حياته الدنيا في سبيل الفوز بهذه الثمرات والفوائد لكانت إذن زهيدة!</p>
<h3 style="text-align: center;">[الثمرة الثانية: الخلاص من الفناء والعدم]</h3>
<p><strong>الثمرة الثانية</strong> <strong>المتوجهة لحياة الإنسان الشخصية</strong>:</p>
<p>إن ما يقلق الإنسان دومًا وينغّص حياته، هو تفكيرُه الدائم في مصيره، وكيفيةِ دخوله القبر، مثلما انتهى إليه مصير أحبته وأقاربه، فتوهُّم الإنسان المسكين -الذي يضحي بروحه لأجل صديق عزيز- وتصوُّرُه من أن آلافًا بل ملايين الملايين من إخوانه البشر ينتهون إلى العدم بالموت -ذلك الفراق الأبدي الذي لا لقاء وراءه- سيذيقه هذا التصورُ ألمًا شديدًا ينبئ بآلام جهنم.</p>
<p>وحينما يتلوى هذا الإنسان من ألم ذلك العذاب الأليم النابع من ذلك التفكير، يأتي &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; فاتحًا بصيرته، مزيلًا الغشاوة عن عينيه، قائلًا له: &#8220;انظر..&#8221; فينظر بنور الإيمان، فإذا به يكسب لذة روحية عميقة تنبئ بلذة الجنة، بما يشاهد من نجاة أحبته <strong>وخلاصهم جميعًا من الموت النهائي والفناء والبلى والاندثار</strong>، ومن بقائهم خالدين في عالم النور الأبدي منتظرين قدومه إليهم.</p>
<p>نقتصر على هذا حيث وضحتْ رسائلُ النور هذه النتيجة مع حججها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الثمرة الثالثة: القيم الأخلاقية الحقيقية الممتدة]</h3>
<p><strong>الثمرة الثالثة التي تعود لعلاقات الإنسان:</strong></p>
<p>إن مقام الإنسان الراقي وتفوّقه على سائر الأحياء وامتيازه عليها إنما هو لسجاياه السامية، ولاستعداداته الفطرية الجامعة، ولعبوديته الكلية، ولسعة دوائر وجوده.</p>
<p>لذا فالإنسان <strong>المنحصرُ في الحاضر</strong> فقط، المنسلخُ من الماضي، المبتوتُ الصلة بالمستقبل -وهما معدومان ميتان مظلمان بالنسبة له- هذا الإنسان <strong>يكسِب سجايا المروءة والمحبة والأخوة والإنسانية على أساس حاضره الضيق،</strong> وتتحدد عنده على <strong>وَفق مقاييسه وموازينه المحدودة،</strong> فيولي المحبة لأبيه أو أخيه أو زوجته أو أمته، ويقوم بخدمتهم على وفق تلك المقاييس الضيقة وكأنه لا يعرفهم سابقًا ولن يراهم مستقبلًا فلا يرقى أبدًا إلى مرتبة <strong>الصدق</strong> في الوفاء، ولا إلى مكانة <strong>الإخلاص</strong> في الصداقة، ولا إلى درجة <strong>الودّ المصفى</strong> من الشوائب في المحبة، ولا إلى <strong>الاحترام</strong> المبرأ من الغرض في الخدمة؛ لأن سعة تلك السجايا والكمالات قد تضاءلت وصغرت بالنسبة نفسها، وحينها يتردى الإنسان إلى درك أدنى الحيوانات عقلًا.</p>
<p>ولكن ما إن يأتي &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; إلى هذا الإنسان لينقذه ويمدَّه ويغيثه، حتى يحوِّل ذلك الزمن الضيق -الشبيه بالقبر- إلى زمان فسيحٍ واسعٍ جدًّا بحيث يستوعب الماضي والمستقبل معًا، فيريه وجودًا واسعًا بسعة الدنيا، بل بسعة تمتد من الأزل إلى الأبد.</p>
<p>وعندئذٍ يقوم هذا الإنسان باحترام <strong>والده</strong> وتوقيره بمقتضى الأبوة الممتدة إلى دار السعادة وعالم الأرواح، ويساعد <strong>أخاه</strong> ويعاونه -بذلك التفكير- بالأخوة الممتدة إلى الأبد، ويحب <strong>زوجته</strong> ويرفق بها ويعاونها لأنها أجمل رفيقةِ حياةٍ له حتى في الجنة، ولا يجعل هذه الدائرة الحياتية الواسعة الفسيحة -وما فيها من علاقات وخدمات مهمة- وسيلة لأمور تافهة دنيوية ولا لأغراضها الجزئية ومنافعها الزهيدة.</p>
<p>لذا يظفر بالصداقة التامة، والوفاء الخالص، والإخلاص الأتم، في علاقاته وخدماته، فتبدأ كمالاته وخصاله بالسمو والرقي بالنسبة نفسها، وتتعالى إنسانيته، ولكلٍّ حسْب درجته.</p>
<p>فذلك الإنسان الذي ما كان له أن يرقى إلى مستوى عصفور في تذوّقه الحياة، أصبح الآن -بفضل الإيمان بالآخرة- ضيفًا مرموقًا في الدنيا، وكائنًا سعيدًا، ومخلوقًا ممتازًا فيها، يرقى فوق جميع الحيوانات، بل يصبح أحب مخلوق، وأكرمَ عبد عند رب الكون ومالكه.</p>
<p>اكتفينا بهذا القدر في بيان هذه النتيجة حيث بيّنتها رسائلُ النور بحجج وبراهين.</p>
<h3 style="text-align: center;">[الفائدة الرابعة: تهذيبٌ لشرائح المجتمع]</h3>
<p><strong>الفائدة الرابعة التي تتطلع إلى الحياة الاجتماعية:</strong></p>
<p>وهي التي وضّحها &#8220;الشعاع التاسع&#8221;، وخلاصتها هي:</p>
<h4 style="text-align: center;">[شريحة الأطفال]</h4>
<p>إنَّ &#8220;<strong>الأطفال</strong>&#8221; الذين يمثلون <strong>ربع البشرية</strong>، لا يمكنهم أن يعيشوا عيشة إنسانٍ سويٍّ ينطوي على نوازع إنسانية إلّا بالإيمان بالآخرة، إذ لولا هذا الإيمان لاضطروا أن يقضوا حياة ملؤها الوقاحة والاضطراب والهموم الأليمة، فلا يهنؤون بألعابهم ولا يتسلُّون بلُعَبهم، لأن الموت الذي يصيب مَن حولهم من الأطفال يؤثر بالغ التأثير في نفس كل طفل، وفي شعوره المرهف الرقيق، وفي قلبه الذي ينطوي على آمال مستقبلية ورغبات كثيرة، وفي روحه التي لا تستطيع الثبات فتصابُ بالقلق والحيرة، حتى تصبح حياته وعقله وسيلتَي عذابٍ له، فلا يُجدي ما يتستر به من لهو ولعب نفعًا قبل أن يجد لتساؤله وحيرته جوابًا.</p>
<p>إلّا أن إرشادَ &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; يجعله يحاور نفسه على النحو الآتي:</p>
<p>&#8220;إن صديقي -أو أخي- الذي توفي قد أصبح الآن طيرًا من طيور الجنة، فهو أكثر منا أُنسًا وانطلاقًا وتجوالًا.. وإن والدتي -وإن توفيت- إلّا أنها مضت إلى الرحمة الإلهية الواسعة، وستضمني أيضًا إلى صدرها الحنون في الجنة، فأرى تلك الوالدة الشفيقة&#8221;.. وبهذا يمكنه أن يعيش هادئًا مطمئنًّا عيشًا يليق بالإنسان.</p>
<h4 style="text-align: center;">[شريحة كبار السن]</h4>
<p>وكذا &#8220;<strong>الشيوخ</strong>&#8221; الذين يمثلون <strong>ربع البشرية</strong>، فإنهم لا يرون السلوان حيال انطفاء حياتهم قريبًا، ودخولِهم تحت التراب، وقد أَوصَدت الدنيا الجميلةُ الحلوة أبوابَها في وجوههم إلّا بـ&#8221;الإيمان بالآخرة&#8221;. إذ لولا هذا الإيمان لتجرَّع أولئك الآباءُ المحترمون الرحماء، وتلك الأمهات الفدائيات الشفيقات الويلَ تلو الويل، ولباتوا في حالةٍ نفسيةٍ تعسةٍ جدًّا، وفي قلقٍ قلبيٍّ عنيف، ولأصبحت الدنيا تضيق عليهم كالسجن، ولغدت الحياة نفسها عذابًا مقيمًا لا يطاق.</p>
<p>بينما الإيمان بالآخرة يهتف بهم قائلًا: &#8220;لا تغتموا أيها الشيوخ ولا تبالوا كثيرًا، فإن لكم شبابًا خالدًا وهو أمامكم وسيأتي حتمًا.. وإن حياة ساطعة بهيجة، وعمرًا مديدًا أبديًّا في انتظاركم، وستلتقون أنتم وأولادكم وأقاربكم الذين فقدتموهم، وجميعُ حسناتكم محفوظة وستأخذون ثوابها..&#8221;.</p>
<p>وهكذا يَمنح &#8220;الإيمانُ بالآخرة&#8221; <strong>سلوانًا وانشراحًا</strong> لهم، بحيث لو حمل أحدهم أثقال مائة شيخوخة لتحملها صابرًا في انتظار ما سيعقبها من حياة أخروية سعيدة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[شريحة الشباب]</h4>
<p>وكذا &#8220;<strong>الشباب</strong>&#8221; الذين يمثلون <strong>ثلث البشرية</strong>، قد لا يصغون لصوت عقولهم الجريئة، فرغباتهم وهواهم في ثورة وجيشان، وهم مغلوبون على أمر حواسهم ونوازعهم، فإذا ما فقد هؤلاء الشباب &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; ولم يتذكروا عذاب جهنم، فإن أموال الناس وأعراضهم وراحة الضعفاء وكرامة الشيوخ تصبح مهددة بالخطر، إذ قد يدمر أحدهم سعادة بيت آمن هنيء لأجل لذة طارئة، ومن ثم يذوق وبال أمره عذابًا لسنين عديدة في مثل هذه السجون فيتحول إلى ما يشبه الحيوان الكاسر، ولكن إذا أمدّه &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; وأغاثه، فسرعان ما يسترجع صوابه ويسترشد بعقله، ويخاطب نفسه قائلًا:</p>
<p>&#8220;على الرغم من أن شرطة الحكومة وعيونها لا يمكنهم رؤيتي لكوني في خفاء عنهم، فإن ملائكة السلطان الأعظم ذي الجلال الذي يملك سجن جهنم ذلك السجن الأكبر الدائم يسجلون علىّ سيئاتي.. فأنا إذن لست طليقًا مفلت الزمام، بل أنا ضيف عابر ذو مهمة.. وسأكون -لا محالة- في يوم ما ضعيفًا وشيخًا مثلهم&#8221;.</p>
<p>فتترشح قطراتُ الرحمة والرأفة والشفقة -عندئذٍ- من أعماق قلبه، ويشعر بالاحترام لأولئك الذين كان يريد أن يتعدى على حقوقهم ظلمًا. وحيث إن رسائل النور قد وضّحتْ هذا المعنى، نقتصر على هذا القدر.</p>
<h4 style="text-align: center;">[شريحة المرضى والمظلومين وأهل المصائب]</h4>
<p>وكذلك &#8220;<strong>المرضى والمظلومون وأمثالنا من ذوي المصائب والفقراء والمساجين</strong>&#8221; الذين حوكموا بعقوبات مشددة، كل هؤلاء يمثلون الجزء الأهم من البشرية.. فإن لم يُعِنْهم &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; وإن لم يتسلوا به فإن &#8220;<strong>الموت</strong>&#8221; الذي يجدونه أمامهم دائمًا بما عندهم من مرض، وإن &#8220;<strong>الإهانة</strong><strong>&#8220;</strong> التي يرونها من الظَلَمة -دون أن يتمكنوا من الاقتصاص منهم ولا من إنقاذ شرفهم وكرامتهم من بين مخالبهم- وإن <strong>&#8220;</strong><strong>اليأس</strong><strong>&#8220;</strong> الأليم النابع مما أصاب أموالهم وأولادهم من الضياع في الكوارث، وإن &#8220;<strong>الضيق</strong><strong>&#8220;</strong> الشديد الناشئ من آلام السجن وعذابه لسنوات عدة نتيجة لذة طارئة لا تستغرق دقائق أو ساعات.. <strong>كل ذلك يُصيّر الدنيا</strong> -بلا ريب- <strong>سجنًا كبيرًا لهؤلاء المنكوبين</strong> ويجعل الحياة نفسها عذابًا أليمًا لهم!</p>
<p>ولكن ما إن يُمِدَّهم الإيمانُ بالآخرة <strong>بالعزاء والسلوان</strong> إلّا وينشرحون فورًا، ويتنفسون الصعداء، لما يزيل عنهم من الضيق واليأس والقلق والاضطراب وسَورة الثأر إزالة كلية أو جزئية كلٌ حسب درجات إيمانه.</p>
<p>حتى يمكنني القول: إنه لولا الإيمان بالآخرة الذي أمدّني وإخواني في مصيبتنا الرهيبة ودخولنا السجن هذا -دون ذنب اقترفناه- لكان تحمّلُ مرارةِ يومٍ واحدٍ من أيام العذاب كالموت نفسه، ولساقتنا هذه المصيبة إلى ترك الحياة ونبذها.</p>
<p>ولكن شكرًا للّٰه -بلا عدٍّ ولا حدٍّ- أن جعلني أتحمل آلام كثير من إخواني الذين هم أحبُّ إليَّ من نفسي، وأتحمل ضياع آلاف من رسائل النور التي هي أعزّ من عيوني، وأتحمل فقدان كثير من مجلداتي الزاهية الثمينة جدًّا.. فأتحمل كل هذا الحزن والأسى بذلك &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221;، رغم أنني ما كنت أتحمل أية إهانة وتحكّم من أحدٍ مهما كان.. فإني أقسم لكم -لتطمئنوا- أن نور الإيمان بالآخرة وقوته قد منحني صبرًا وجلدًا وعزاءً وتسليةً، وصلابةً وشوقًا للفوز بثوابِ جهاد عظيم في هذا الامتحان إلى حدّ بتُّ أَعدُّ نفسي في مدرسة كلها خير وجمال. وحق أن تطلق عليها &#8220;المدرسة اليوسفية&#8221; كما ذكرته في مستهل هذه الرسالة، فلولا المرض الذي كان ينتابني أحيانًا، ولولا الحدة الحاصلة من الكهولة لكنت أسعى بجدٍ أكثر لأتلقى دروسي في هذه المدرسة مع ما أحمله من اطمئنان وسكينة قلب.</p>
<p>على كل حال فقد خرجنا عن الصدد أرجو العفو عن هذا الاستطراد.</p>
<h4 style="text-align: center;">[عالَم الأسرة]</h4>
<p>وكذلك فإن &#8220;<strong>بيت كل إنسان</strong>&#8221; هو دنياه الصغيرة بل جنته المصغرة، فإن لم يكن &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; حاكمًا ومهيمنًا في سعادة هذا البيت لوَجد كلُّ فرد من أفراد تلك العائلة اضطرابًا أليمًا، وعذابًا شديدًا في علاقة بعضهم ببعضٍ حسب درجات رأفته ومحبته لهم فتتحول تلك الجنة إلى جحيم لا يطاق، وقد يخدر عقله باللهو والسفه المؤقت فيكون مَثَلهُ في هذا كمثل النعامة إذا رأت الصياد تخفي رأسها في الرمل كيلا يراها الصياد وهي عاجزة عن الفرار والطيران، فهو كذلك يغمر رأسه في الغفلة، لئلا يراه الموت والزوال والفراق، ملغيًا شعوره مؤقتًا ببلاهة، وكأنه وَجد علاجًا لما يُعانيه!</p>
<p><strong>فالوالدة</strong> مثلًا -التي تُضحي بنفسها لأجل ولدها- كلما رأت ابنها يتعرض للخطر ارتعشت هلعًا وخوفًا عليه.</p>
<p><strong>والأولاد</strong> كذلك عندما لا يستطيعون إنقاذ آبائهم أو إخوانهم من المصائب التي لا تنقطع، يظلون في قلق دائم ويحسون خوفًا مستمرًّا.</p>
<p>فقياسًا على هذا فإن حياة تلك العائلة، التي يُظن أنها حياة سعيدة، تفقد سعادتها في هذه الدنيا المضطربة الزائلة حيث لا تعطي الرابطة بين الأفراد، ولا علاقة القربى فيما بينهم -ضمن حياة قصيرة جدًّا- الصداقة الحقيقية والوفاء الخالص والإخلاص الكامل، والخدمة والمحبة الصافيتَين، بل تتصاغر الأخلاق وتنكمش بنسبة قصر الحياة نفسها، وربما تسقط وتنعدم كليًّا.</p>
<p>ولكن ما إن يحل &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; في ذلك البيت حتى ينوِّر أرجاءَه مباشرة ويستضيء، لأن علاقة القربى والرأفة والمحبة التي تربطهم لا تقاس عندئذ ضمن زمن قصير جدًّا، بل تقاس على وفق علاقات تمتد إلى خلودهم وبقائهم في دار الآخرة والسعادة الأبدية، فيقوم -عندئذ- كلُّ فرد باحترام خالص تجاه الآخرين، ويوليهم محبة صافية، ويُظهر رأفة صادقة، ويبدي صداقة وفية، صارفًا النظرَ عن التقصيرات. فتتعالى الأخلاق وتسمو، وتبدأ السعادة الإنسانية الحقة بالتألق في ذلك البيت.</p>
<p>وقد بُيِّن هذا المضمون في رسائل النور. اكتفينا هنا بما سلف.</p>
<h4 style="text-align: center;">[المجتمع المحلي في المدينة]</h4>
<p>وهكذا فإن كل &#8220;<strong>مدينة</strong>&#8221; هي بحد ذاتها بيت واسع لسكنتها. فإن لم يكن &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; مسيطرًا على أفراد هذه العائلة الكبيرة فسيستولى عليهم الحقد والمنافع الشخصية والاحتيال والأنانية والتكلف والرياء والرشوة والخداع، بدلًا من أسس الأخلاق الحميدة التي هي الإخلاص والمروءة والفضيلة والمحبة والتضحية ورضى اللّٰه والثواب الأخروي. وكانت معاني الإرهاب والفوضى والوحشية حاكمة ومسيطرة تحت اسم النظام والأمن والإنسانية التي يظهرونها، وحينئذٍ تتسمم حياة تلك المدينة، فيتصف الأطفال بالوقاحة والإهمال، والشبابُ بالسُكر والعربدة، والأقوياءُ بالظلم والتجاوز، والشيوخُ بالبكاء والأنين.</p>
<h4 style="text-align: center;">[المجتمع على مستوى البلد]</h4>
<p>وقياسًا على هذا فإن &#8220;<strong>البلاد</strong>&#8221; بأكملها ما هي إلّا بيت واسع جدًّا. والوطن بيت عائلة الأمة. فإذا ما حَكم &#8220;الإيمانُ بالآخرة&#8221; هذه البيوتَ وسيطر، فإن الفضائل تتكشف وتنبسط وتتوضح فيها فتظهر الاحترام المتبادل والرحمة الجادة، والمحبة الخالصة بلا عوض، والمعاونة مع الخدمة الحقة بلا احتيال، والمعاشرة والإحسان بلا رياء، والفضيلة والتوقير بلا استكبار، وتشيع الفضائل الأخرى جميعا؛ حيث يهتف الإيمان بالآخرة بأولئك الأطفال قائلًا لهم: &#8220;دعوا الوقاحة والإهمال فقدامَكم جنة النعيم فلا تشغلوا أنفسكم عنها بالألاعيب&#8221;. فيمكّن الأخلاق عندهم بإرشاد القرآن الكريم.</p>
<p>ويخاطب الشباب: &#8220;إن أمامكم نارَ جهنم فانتهوا من السُكر والعربدة&#8221;. ويجعلهم يثوبون إلى رشدهم.. ويخاطب الظالم: &#8220;احذر فإن عذابًا شديدًا سيحلّ بك&#8221; فيردعه عن الظلم ويجعله يرضخ للعدالة.. ويخاطب الشيوخ: &#8220;أبشروا فإن أمامكم شبابًا خالدًا ذا نضارة، وفي انتظاركم سعادة أخروية دائمة باقية، هي أسمى مما فقدتموه من أنواع السعادة وأعلى منها فهلموا واسعوا للفوز بها&#8221;. فيحوِّل بكاءهم إلى بهجة وفرح.</p>
<p>وقياسًا على هذا، فإن &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; يبين تأثيره الطيب ويرسل شعاع نوره إلى كل طائفة، جزئيها وكليها عامها وخاصها قليلها وكثيرها. فلترنّ آذان الاجتماعيين والأخلاقيين من المعنيين بشؤون الإنسان!</p>
<p>وإذا قيس على ما ذكرناه آنفًا من فوائد الإيمان بالآخرة ما بقى من الفوائد فسيُفهم بوضوح وبشكل قاطع أن <strong>محور السعادة في الدارين وفي كلتا الحياتين إنما هو الإيمان وحده</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رد شبهة نفي الجسمانية في البعث والنعيم والجحيم]</h3>
<p>ولقد جاءت في &#8220;الكلمة الثامنة والعشرين&#8221; وفي رسائل النور الأخرى أجوبة قوية جدًّا ردًّا على شبهات تافهة حول: &#8220;الحشر الجسماني&#8221; (البعث الجسدي) نكتفي بها، إلا أننا نشير إليها هنا إشارة مختصرة وقصيرة جدًّا، فنقول:</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل الشهودي على تحقق الجسمانية]</h4>
<p>إن <strong>أكثر الأسماء الإلهية الحسنى تتجلّى في الجسمانية</strong> فهي أجمعُ مرآة لها..</p>
<p>وإن <strong>أقصى المقاصد الإلهية من خلق الكائنات تظهر في الجسمانية</strong>، فهي أغنى مركز لتلك المقاصد وأكثرها فعالية..</p>
<p>وإن أكثر أنواع <strong>الإحسانات الربانية</strong> المختلفة وآلاءها العميمة <strong>تتبين في الجسمانية</strong>..</p>
<p>وإن أغلب <strong>بذور الأدعية</strong> التي يرفعها الإنسان بلسان حاجاته، وأكثر أصول الشكر والحمد المقدّم منه إلى خالقه الرحيم <strong>نابعة من الجسمانية</strong>..</p>
<p>وإن <strong>أزْيَدَ النوى تنوعًا</strong> لعوالم المعنويات والروحانيات هي كذلك <strong>تكمن في الجسمانية</strong>.</p>
<p>فقياسًا على هذا: <strong>إن الجسمانية تتمركز فيها مئات من الحقائق الكلية</strong>، لذا فإن الخالق الكريم <strong>يُكثِّر من الجسمانية</strong> ويزيدها على سطح الأرض كي تتجلّى فيها تلك الحقائق المذكورة، فيَهَبُ للموجودات وجودًا بسرعة متناهية وبفعالية مدهشة، قافلة إثر قافلة مرسِلًا إياها إلى معرض العالم هذا، ثم يُنهي خدماتها ويبعث عقبها موجوداتٍ أخرى باستمرار.</p>
<p>وهكذا يجعل ماكنة الكائنات في عمل دائب وشغل دائم، <strong>ناسجًا محاصيل جسمانيةً على الأرض</strong>، جاعلًا الأرض مزرعة الآخرة ومشتلَ الجنة، حتى إنه سبحانه لأجل أن يُطمئن معدة الإنسان (الجسمانية) ويجعلَها في امتنان ورضى يَسمع دعاءها الذي ترفعه بلسان الحال، لأجل بقائها، ويستجيب له فعلًا، بما يَخلق ما لا يُحصر ولا يحصى من المطعومات اللذيذة المتقنة الصنع، وبإيجاده النعمَ النفيسة بمئات الآلاف من الأنماط والأنواع، مما يظهر بداهة وبلا ريب أن أغلب أنواع اللذائذ المادية المحسوسة في الجنة إنما هي جسمانية. وإن أهم نِعَم السعادة الأبدية التي يطلبها الجميع ويأنس بها إنما هي في الجسمانية أيضًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل العقلي على تحقق الجسمانية]</h4>
<p>فيا تُرى هل يمكن وهل يُعقل وهل هناك احتمال قط أن يقبل القدير الرحيم والعليم الكريم دومًا دعاء لسان حال المعدة البسيطة لاستبقائها، ويستجيبَ لها قصدًا وفعلًا -دونما تدخّل للمصادفة- بما يخلق لها من أغذية مادية محسوسة في منتهى الإتقان والإعجاز، فيُرضيَ بها تلك المعدة، ثم لا يَقبلَ سبحانه أدعيةً عامة ودعواتٍ غيرَ نهائية ترفعها المعدةُ الإنسانية الكبرى وفطرتُها الأصيلة، ولا يغدقَ عليها لذائذ جسمانية في الآخرة، تلك التي تأنس بها وترجوها فطرةً بل تريدها في دار الخلود؟</p>
<p>وهل يمكن أن لا يلبي تلك الأدعية فعلًا ولا ينجز الحشر الجسماني؟! ولا يُرضيَ هذا الإنسان -الذي هو نتيجة الكائنات وخليفة الأرض والعبد المعزز المكرم- رضاءً أبديًا؟</p>
<p>كلا.. ثم كلا!.. فهذا محالٌ في مائةِ محال، بل باطلٌ كليًّا، إذ كيف يَسمع طنين الذباب ولا يسمع رعود السماء، وكيف يراعي عُدّة الجندي البسيط ولا يبالي بالجيش العظيم! فتعالى اللّٰه عن ذلك علوًّا كبيرًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الدليل النقلي على تحقق الجسمانية]</h4>
<p>نعم، إن الصراحة القاطعة للآية الكريمة: ﴿وفيها ما تَشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين﴾، تبين أن أكثر ما يأنس الإنسان به من اللذائذ المادية المحسوسة -والذي يتذوق نماذجها في الدنيا- سيراها ويتذوقها بصورتها اللائقة بالجنة؛ وأن ثواب ما يؤديه اللسان والعين والأذن وسائر الأعضاء والجوارح من الشكر الخالص والعبادات الخاصة سيُمنح لها بتلك اللذائذ الجسمانية المخصوصة بها، فبيان القرآن الكريم للذائذ الجسمانية صريح في غاية الصراحة، بحيث لا يمكن أن يتحمل أي تأويل يصرفه عن المعنى الظاهري، بل يمتنع عدم قبول المعنى الظاهري.</p>
<p>وهكذا تُظهر ثمراتُ الإيمان بالآخرة ونتائجُه أنه مثلما تدل <strong>حقيقة معدة الإنسان</strong> وحاجاتها دلالة قاطعة على وجود الأطعمة، فإن <strong>حقيقة الإنسان</strong> وكمالاته وحاجاته الفطرية وآماله الأبدية وحقائقه واستعداداته تتطلب النتائج والفوائد المذكورة للإيمان بالآخرة، وتدل قطعًا على الآخرة وعلى الجنة وعلى لذائذَ مادية محسوسة باقية، وتشهد على تحققها.</p>
<p>وإن <strong>حقيقة كمالات هذا الكون</strong> أيضًا وآياته التكوينية الحكيمة وجميع حقائقه المرتبطة بالحقائق الإنسانية تدل دلالة قاطعة أيضًا على وجود الآخرة وعلى تحققها، وتَشهد شهادة صادقة على مجيء الحشر وانفتاح أبواب الجنة والنار.</p>
<p>ولما كانت رسائل النور قد أثبتت هذه المسألة بصورة رائعة وبحجج قوية جدًّا دون أن تترك غبارًا للشبهة، ولا سيما &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; و&#8221;الثامنة والعشرون&#8221; -بمقاميها- و&#8221;التاسعة والعشرون&#8221;، و&#8221;الشعاع التاسع&#8221;، و&#8221;رسالة المناجاة&#8221;، فإننا سنكتفي بها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رد شبهات بخصوص جهنم]</h3>
<p>إن بيان القرآن الكريم فيما يخص جهنم واضح جلي لم يدع مجالًا لأي إيضاح آخر، إلّا أننا سنبين باختصار شديد ما يزيل بضع شبهات تافهة <strong>في نكتتين</strong>، محيلين تفاصيلها إلى رسائل النور:</p>
<h4 style="text-align: center;">[النكتة الأولى: الخوف من جهنم لا ينافي لذة الإيمان]</h4>
<p><strong>النكتة الأولى</strong>: إن التفكير في جهنم والخوف منها لا يزيل لذائذ ثمرات الإيمان المذكورة ولا يفوّتها، لأن الرحمة الربانية الواسعة تهتف بذلك الخائف: &#8220;تعالَ إليّ فدونك بابُ التوبة، ادخل منه&#8221;. فإن وجود جهنم ليس للتخويف، بل ليعرّفك لذائذ الجنة معرفة كاملة، وليذيقك إياها تذوقًا كاملًا، وليأخذ لك ولمخلوقاتٍ غير محدودة الثأرَ والانتقام ممن انتهك حقوق الجميع واعتدى عليها، وليفرحهم جميعا بهذا ويدخل السرور إليهم.</p>
<h5 style="text-align: center;">[وجود جهنم خيرٌ من العدم المحض]</h5>
<p>فيا غارقًا في الضلالة -وليس بمستطيع أن يخرج منها- إن <strong>وجود جهنم لهو أفضل لك من العدم الأبدي،</strong> إذ في وجودها نوع من الرحمة حتى للكفار أنفسهم، لأنَّ الإنسان -والحيوانات الولودة- يستمتع بتمتع أقاربه وأولاده وأحبابه ويسعد -من جهةٍ- بسعادتهم.</p>
<p>فيا أيها الملحد! إما أنك ستسقط في هاوية العدم -باعتبار ضلالتك- أو ستدخل نار جهنم. ولما كان العدم شرًّا محضًا، فإن الإعدام النهائي لأحبابك جميعًا وممن تسعد بسعادتهم من أقاربك وآبائك ونسلك، سيحرق روحك ويعذب قلبك ويؤلم ماهيتك الإنسانية أكثر من عذاب جهنم بألف مرّة؛ لأنه لو لم تكن جهنمُ لما كانت هناك جنة أيضًا. فيسقط كل شيء إذن بكفرك إلى العدم.</p>
<p>ولكن إذا دخلتَ جهنم وبقيتَ ضمن دائرة الوجود، فإن أحبابك وأقاربك إما أنهم سيسعدون في الجنة أو أنهم يكونون ضمن دوائر وجود تحت رحمة اللّٰه سبحانه. فلا مناص لك إلّا أن تقبل بوجود جهنم، إذ العداء لوجودها -ورفضه- يعني الانحياز إلى العدم المحض، الذي هو إبادة سعادة جميع الأحبة والأصدقاء وإفناؤهم!</p>
<h5 style="text-align: center;">[وجود جهنم ضروري]</h5>
<p>نعم، إن <strong>جهنم دارُ وجود</strong> تؤدي مهمة السجن بحكمة الحكيم الجليل وعدالته، وهي موضع مرعب ومهيب ضمن دائرة الوجود الذي هو الخير المحض، زِد على ذلك، لها وظائف أخرى وخدمات جليلة وحِكمٌ شتى تخص عالم البقاء. فهي مسكنٌ ذو جلال وهيبة لكثير من ذوي الحياة أمثال الزبانية.</p>
<h4 style="text-align: center;">[النكتة الثانية: جهنم لا تنافي الرحمة ولا الحكمة]</h4>
<p><strong>النكتة الثانية</strong>: إن وجود جهنم وعذابها الشديد لا ينافي -قطعًا- <strong>الرحمةَ</strong> غير المحدودة، ولا <strong>العدالة</strong> الحقيقية، ولا <strong>الحكمة</strong> الموزونة التي لا إسراف فيها.</p>
<p>بل إن <strong>الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم وتقتضيه،</strong> لأن قتل حيوان افترس مائة من الحيوانات أو إنزالَ عقاب بظالم هتكَ حُرماتِ ألفٍ من الأبرياء، هو رحمة بآلاف الأضعاف للمظلومين من خلال العدالة. وإن إعفاء ذلك الظالم من العقاب أو التجاوزَ عنه، وتَرْكَ ذلك الحيوان الوحشي طليقًا، فيه ظلم شنيع وعدم رحمةٍ لمئات المساكين بمئات الأضعاف، إزاء رحمة في غير موضعها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الكفر جريمةٌ عظيمة]</h5>
<p>ومثل هذا أيضًا الكافر المطلق -الذي يدخل سجن جهنم- فإنه <strong>بكفره</strong> ينكر حقوق الأسماء الإلهية الحسنى، أي يتعدى على تلك الحقوق.. <strong>وبتكذيبه</strong> لشهادة الموجودات -الشاهدة على تلك الأسماء- يتعدى على حقوقها أيضًا.. <strong>وبإنكاره</strong> للوظائف السامية للمخلوقات -وهي تسبيحاتها تجاه الأسماء- يتجاوز على حقوقها.. <strong>وبجحوده</strong> لأنواع العبادات التي تؤديها المخلوقات تجاه تَظاهُر الربوبية والألوهية -وهي غاية خلقتها وسبب من أسباب وجودها وبقائها- يتعدى تعديًا صارخًا على حقوق جميع المخلوقات؛ لذا فالكفر جناية عظيمة وظلم شنيع تتجاوز بشاعته كل حدود العفو والمغفرة، فيحق عليه إذن تهديد الآية الكريمة: ﴿إن اللّٰه لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ به..﴾.</p>
<p>بل إن عدم إلقاء مثل هذا الشخص في جهنم رحمةً به هو أمر ينافي الرحمة منافاة كلية في حق هذه الأعداد الهائلة من المخلوقات والكائنات التي اُنتُهِكت حقوقها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[وجود جهنم من لوازم العزة والعَظَمة]</h5>
<p>وهكذا مثلما يطالب أصحاب الدعاوى بوجود جهنم، فإن عزة جلال اللّٰه وعظمة كماله سبحانه تطلبانها قطعًا.</p>
<p>نعم، إذا قال سفيه أو شقي عاص لحاكمٍ عزيز للبلاد: &#8220;إنك لا تستطيع أن تقذفني في السجن ولن تقدر على ذلك أبدًا&#8221;، متجاوزًا حدَّه ومتعديًا على عزة ذلك الحاكم وعظمته، فلا بد أن ذلك الحاكم سينشئ سجنًا لذلك السفيه المتعدي حتى لو لم يكن هناك سجن في البلاد.</p>
<p>كذلك الأمر في الكافر المطلق، فإنه بكفره يتعدى بشدة على عزة جلاله سبحانه، وبإنكاره يتحدى عظمة قدرته، وبتجاوزه يمس كمال ربوبيته، فإن لم يكن هناك حتى تلك الأسبابُ الموجبة وتلك المبرراتُ الكثيرة والحِكَم العديدة والوظائف الكثيرة لجهنم ولوجودها؛ فإن خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار وإلقاءهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الكفر جحيمٌ مصغَّر، وهو نواة جهنم]</h5>
<p>ثم إن ماهية الكفر نفسها توحي بجهنم..</p>
<p>إذ كما أن <strong>ماهية الإيمان</strong> إذا تجسمت يمكن أن تبني بلذائذها ونعيم جمالها جنةً خاصة في وجدان الإنسان وقلبه، هي <strong>جنة مصغرة</strong> تومئ وتخبر عن جنة الخلد التي تنتظره في الآخرة..</p>
<p>كذلك <strong>الكفر</strong> -ولا سيما الكفر المطلق- والنفاق والردة فيه من الآلام والأعذبة والظلمات المرعبة بحيث <strong>لو تجسمت وتأصلت</strong> في نفس صاحبها كونت له جهنمه الخاصة به تلك التي تشير إلى ما سيفضي إليه في آخرته من جهنم هي أشد هولًا وأشد عذابًا.</p>
<p>ولقد أثبتنا هذا بدلائل قاطعة في رسائل النور، وأُشيرَ إليه في مستهل المسائل السابقة أيضًا.</p>
<p>ولما كانت هذه الدنيا مزرعة الآخرة، فالحقائق الصغيرة التي فيها تثمر وتتسنبل في الآخرة، فهذه البذرة السامة (الكفر) تشير من هذه الزاوية إلى شجرة الزقوم تلك، وتقول: &#8220;أنا أصل تلك الشجرة وجوهرها.. فمن يحملني في قلبه من المنكوبين سأثمر له نموذجًا خاصًّا من تلك الشجرة الملعونة&#8221;.</p>
<p>وما دام الكفر تعديًا على حقوقٍ غير محدودة، وتجاوزًا فاضحًا، فهو إذن جناية غير محدودة، لذا يجعل صاحبه مستحقًّا لعذاب غير محدود. فلئن كان القتل الذي يحدث في دقيقة واحدة يذيق القاتل خمس عشرة سنة من العذاب (ما يقارب ثمانية ملايين دقيقة) ويعتبر ذلك موافقًا للعدالة البشرية، وعدّته موافقًا للمصلحة العامة وحقوقها، فلا جرم أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق -على اعتبار الكفر ألفَ قتلٍ- تُقَابَل إذن بعذاب يقرب من ثمانية مليارات من الدقائق، على وفق تلك العدالة الإنسانية فالذي يقضي سنة كاملة من عمره في الكفر إذن يستحق عذاب ترليونين وثمانمائة وثمانين مليارًا من الدقائق، أي يكون أهلًا لـ: ﴿خالدين فيها أبدًا﴾.</p>
<p>هذا وإن الأسلوب المعجز للقرآن الكريم في بيانه الجنة والنار وما في &#8220;رسائل النور&#8221; -التي هي فيض منه وتفسيره- من حججٍ حول وجودهما، لم يتركا مجالًا لأي إيضاح آخر. فآيات كثيرة جدًّا أمثالُ:</p>
<p>﴿ويتفكّرونَ في خلقِ السّموات والأرض رَبَّنا ما خَلقتَ هذا باطلًا سُبحانكَ فقِنا عَذابَ النار﴾، ﴿والذين يقولون رَبَّنا اصرف عَنا عَذابَ جَهَنَّمَ ان عَذابَها كانَ غَرامًا ٭ انَّها سَاءت مُستَقرًا ومُقاما﴾.</p>
<p>وأغلبُ ما كان يردده الرسول الأكرم ﷺ في أدعيته في كل وقت، والأنبياءُ عليهم السلام وأهل الحقيقة من:‌ &#8220;أجرنا من النار&#8221;.. &#8220;نجنا من النار&#8221;.. &#8220;خلصنا من النار&#8221;.. الذي حاز عندهم قطعيةً تامة بناءً على الوحي والشهود.. كل ذلك يبين لنا أن <strong>أعظم قضية للبشرية على الأرض إنما هي النجاة من النار</strong>، وأن أعظم حقيقة وأدهشها من حقائق الكائنات، بل أكثرها أهمية إنما هي &#8220;جهنم&#8221; التي يشاهدها قسم من أولئك المحققين وأهل الشهود والكشف، ويرى آخرون ألسنة لهيبها وظلمة سوادها، ويسمع بعضُهم أزيز تضرمها وفورانها فيصرخون من هولها: &#8220;أجرنا من النار&#8221;.</p>
<h5 style="text-align: center;">[المتقابلات متداخلةٌ في الدنيا متمايزةٌ في الآخرة]</h5>
<p>نعم، إن تَقابُل الخير والشر في هذا الكون، واللذة والألم، والنور والظلام، والحرارة والبرودة، والجمال والقبح، والهداية والضلالة، وتَداخُل بعضها ببعض، إنما هي لِحكمة كبرى، لأنه ما لم يكن هناك الشر فلا يفهم الخير، وما لم يكن هناك الألم فلا تُعرف اللذة، والضياء من دون ظلام إزاءه لا يَبِين جمالُه، ودرجات الحرارة تتحقق بوجود البرودة، وتصبح حقيقة واحدة من الجمال ألفًا من الحقائق بوجود القبح، بل يكتسب آلافًا من أنواع الجمال ومراتب الحسن. ويختفي الكثير من لذائذ الجنة بعدم وجود جهنم.</p>
<p>فقياسًا على هذا يمكن أن يُعرَف كلُّ شيء من جهةٍ بضده، وبوجود الضد يمكن أن تثمر حقيقةٌ واحدة حقائقَ عدة.</p>
<p>فما دامت هذه الموجودات المختلطة تسيل سيلًا من دار الفناء إلى دار البقاء، فلا بد أن الخير واللذة والنور والجمال والإيمان وأمثالها تسيل إلى الجنة، ويتساقط الشر والألم والظلام والقبح والكفر وأمثالها من الأمور المضرة إلى جهنم. فتسيل سيولُ هذه الكائنات المتلاطمة دائمًا إلى ذينك الحوضين وتهدأ ساكنة عندهما نهاية المطاف.</p>
<p>نكتفي بهذا القدر ونحيل إلى ما جاء في نهاية &#8220;الكلمة التاسعة والعشرين&#8221; من نكات رمزية.</p>
<h4 style="text-align: center;">[سبيل النجاة من السجن الأبدي]</h4>
<p>يا زملاء الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية! إن السبيل اليسيرة للنجاة من السجن الأبدي المرعب (جهنم) إنما هي <strong>في اغتنامنا فرصة بقائنا</strong> في السجن الدنيوي، هذا الذي قصّر أيديَنا عن كثير من الآثام فأنقذَنا منها.</p>
<p>فما علينا إذن إلّا <strong>الاستغفار والتوبة</strong> عما اقترفناه من ذنوب سابقة، مع أداء للفرائض، كي <strong>نحوِّل كل ساعة من ساعات هذا السجن بحكم يوم من العبادة</strong>، فهي إذن أفضل فرصة لنا للنجاة من السجن الأبدي ولدخولنا الجنة النورانية، فلئن فاتتنا هذه الفرصة فسنُغرق آخرتنا بالعَبَرات كما هي حال دنيانا، ويحق علينا قوله تعالى: ﴿خَسرَ الدنيا والآخرة﴾.</p>
<h3 style="text-align: center;">[مشهد تفكُّرٍ إيماني في أجواء تكبيرات العيد]</h3>
<p>كانت أصوات تكبيرة عيد الأضحى المبارك تتعالى حينما كان هذا البحث يُكتب، فذهب بي الخيال إلى أن <strong>خُمس البشرية </strong>يرددون: &#8220;<strong>اللّٰه أكبر</strong>&#8220;، وأن أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم يرددونه معًا، فكأن صوت &#8220;اللّٰه أكبر&#8221; يتعالى بكبر كرة الأرض وبسعتها فتُسمع الأرضُ أخواتِها الكواكبَ السيارة هذه الكلمةَ المقدسة في أرجاء السماوات. وهناك أكثر من عشرين ألفًا من الحجاج في عرفة والعيد يرددون معًا صدى ما قاله الرسول الأكرم ﷺ قبل ألف وثلاثمائة سنة مع الآل والأصحاب الكرام وأمر به. فأحسست إحساسًا كاملًا، بل اقتنعت قناعة تامة أن تلك الأصداء والأصوات والترديدات إنما هي <strong>عبودية واسعة كلية تقابِل تجليَ الربوبية الإلهية الكلية بعظمة &#8220;رب الأرض&#8221; &#8220;رب العالمين&#8221;</strong>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[العلاقة بين &#8220;الله أكبر&#8221; والإيمان بالآخرة]</h4>
<p>ثم سألت نفسي: تُرى <strong>ما وجه العلاقة بين الآخرة وهذه الكلمة المقدسة &#8220;اللّٰه أكبر&#8221;؟</strong></p>
<p>فتذكرتُ فورًا أن هذه الكلمة مع الكلمات الطيبات الباقيات الصالحات: &#8220;سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إله إلّا اللّٰه&#8221; وأمثالَها من كلمات شعائر الإسلام تُذكِّر -بلا شك- بالآخرة سواءً بصورة جزئية أو كلية وتشير إلى تحققها.</p>
<p>إن أحد أوجه معاني &#8220;اللّٰه أكبر&#8221; هو: أن <strong>قدرة اللّٰه وعلمه هي فوق كل شيء وأكبر وأعظم من كل شيء</strong>، <strong>فلن يخرج أي شيء كان من دائرة علمه، ولن يهرب من تصرفه وقدرته، ولن يفلت منها قطعًا</strong>.</p>
<p>فهو سبحانه أكبر من كل كبير نخافه ونستعظمه، أي أكبر من إيجاد الحشر -الذي نستهوله- وأكبر من إنقاذنا من العدم، وأكبر من منحنا السعادة الأبدية، فهو أكبر من أي شيء نعجب به ومن أي شيء خارج نطاق عقلنا، إذ يقول سبحانه: ﴿ما خَلقُكم ولا بعثُكم إلّا كَنَفسٍ واحدة﴾.</p>
<p>فصراحةُ هذه الآية الكريمة تبين أن حشر البشرية ونشرَهم جميعًا سهل وهيّن على القدرة الإلهية كإيجادِ نفس واحدة، فلا عجب أن يجري مجرى الأمثال قولُ الإنسان: &#8220;اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر&#8221; كلما رأى شيئًا عظيمًا أو مصيبة كبرى أو غاية عظمى، مسلِّيًا بها نفسه جاعلًا من هذه الكلمة العظيمة قوة عظيمة يستند إليها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[كلمات الباقيات الصالحات هي أصول جميع العبادات]</h4>
<p>نعم، إن هذه الكلمة مع قرينتها: &#8220;سبحان اللّٰه والحمد للّٰه&#8221; فهرسُ جميع العبادات وبذور الصلاة وخلاصتها (كما جاءت في &#8220;الكلمة التاسعة&#8221;).</p>
<p>فتكرار هذه الكلمات -وهي حقائق عظمى ثلاث في الصلاة وفي أذكارها- إنما هو لتقوية معنى الصلاة وتعميقه وترسيخه.</p>
<p>وهي إجابة قاطعة للأسئلة التي تنشأ من التعجب واللذة والهيبة التي تأخذ بأقطار نفس الإنسان حينما يشاهد الكونَ ويرى ما يثيره ويحيره وما يسوقه إلى الشكران وما هو مدار العظمة والكبرياء من أمور عجيبة وجميلة وعظيمة ووفيرة وما هو فوق ما اعتاده.</p>
<p>نعم، إن الجندي يدخل إلى حضرة السلطان وديوانِه في العيد بمثل دخول القائد العام إليه، بينما في سائر الأيام يَعرف سلطانَه من رتبة الضابط ومن مقامه -كما جاء في ختام &#8220;الكلمة السادسة عشرة&#8221;- <strong>فكل شخص في الحج كذلك يبدأ بمعرفة مولاه الحق سبحانه وتعالى باسم &#8220;رب الأرض ورب العالمين&#8221; معرفةً أشبه ما يكون بمعرفة الأولياء الصالحين،</strong> فكلما تفتحت مراتب الكبرياء والعظمة الإلهية في حنايا قلبه، أجاب بـ&#8221;اللّٰه أكبر&#8221;، لِما تستولي على روحه من أسئلة مكررة ملحة محيرة؛ فـ&#8221;اللّٰه أكبر&#8221; هو الجواب القاطع لدابر أهم دسائس الشيطان، كما جاء في &#8220;اللمعة الثالثة عشرة&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[&#8220;الحمد لله&#8221; تجيب عن سؤال الآخرة]</h4>
<p>نعم، فكما أن هذه الكلمة: &#8220;اللّٰه أكبر&#8221; تجيب عن سؤالنا حول الآخرة إجابةً قصيرة وقوية في ذات الوقت، فإن جملة &#8220;الحمد للّٰه&#8221; هي الأخرى تذكّر بالحشر وتستدعيه. إذ تقول لنا:</p>
<p>&#8220;لا يتم معناي دون الآخرة&#8221; لأن معناي يفيد: &#8220;كل حمد أو شكر يصدر من أي حامد ويقع على أي محمود كان، ابتداءً من الأزل إلى الأبد، هو خاص به سبحانه&#8221;، ولأن السعادة الأبدية هي أصل جميع النعم وذروتها، وهي التي تحيل النعم نعمًا حقيقية لا تزول ولا تحول، وهي التي تنقذ جميع ذوي الشعور من مصائب العدم وتخلصهم منها، لذا فهي وحدها يمكن أن تقابل معناي الكلي.</p>
<h5 style="text-align: center;">[معنى الحمد عقب الصلوات]</h5>
<p>نعم، إن ترديد كل مؤمن يوميًّا عقب الصلاة بما يأمر به الشرع بأكثر من مائة وخمسين مرة &#8220;الحمد للّٰه&#8221; في الأقل، والتي تفيد حمدًا وثناءً وشكرًا واسعًا جدًّا ممتدًّا من الأزل إلى الأبد، إنما <strong>هو ثمن يدفعه مقدمًا لنيل السعادة الأبدية في الجنة</strong>، إذ لا يمكن أن يحصر معنى الحمد على نِعم الدنيا القصيرة الفانية المنغصة بالآلام ولا يمكن أن يكون مقتصرًا عليها.</p>
<p>بل حتى لو تأملتَ في تلك النعم نفسها تراها ما هي إلّا وسائل لنعم أبدية خالدة تستحق الشكر عليها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[&#8220;سبحان الله&#8221; تجيب عن سؤال الآخرة]</h4>
<p>أما كلمة &#8220;<strong>سبحان اللّٰه</strong>&#8221; فإنها تعني: تنـزيه اللّٰه سبحانه وتقديسه من كل شريك وتقصير ونقص وظلم وعجز وقسوة وحاجة وحيلة، وكلِ ما يخالف كماله وجماله وجلاله.</p>
<p>وهذا المعنى يذكّر بالسعادة الأبدية ويدل على الآخرة التي هي محور عظمته سبحانه وجلاله وكماله، ويشير أيضًا إلى ما في تلك الدار من جنة نعيم ويدل عليها. وإلّا فلو لم تكن هناك سعادة أبدية فإن أصابع الاتهام تتوجه إلى عظمته سبحانه وكماله وجلاله وجماله ورحمته، فتشوبها بالتقصير والنقصان، تعالى اللّٰه عن ذلك علوًّا كبيرًا. أي إن الآخرة لا ريب فيها، إذ هي مقتضى سلطان اللّٰه وكماله وجلاله وجماله ورحمته سبحانه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[جميع الكلمات القدسية بذورٌ وخلاصاتٌ إيمانية]</h4>
<p>وهكذا فإن هذه الكلمات المقدسة الثلاث مع &#8220;<strong>بسم اللّٰه</strong>&#8221; و&#8221;<strong>لا إله إلّا اللّٰه</strong>&#8221; وسائر الكلمات المباركة، كل منها بذرة من بذور الأركان الإيمانية، وكل منها خلاصة لحقائق الأركان الإيمانية والحقائق القرآنية.</p>
<p>وكما أن هذه الكلمات الثلاث هي نوى الصلاة وبذورها، فهي نوى القرآن الكريم أيضًا، كما تشاهَد في بدء بعض السور الباهرة حيث تستفتح وكأنها جوهرة لامعة في مستهلها.</p>
<p>وهي كنوزٌ حقيقية وأسسٌ متينة لأجزاء من رسائل النور التي تستهل أكثر سانحاتها في أذكار الصلاة.</p>
<p>وهي أيضًا أوراد الطريقة المحمدية تُذكر عقب الصلاة ضمن دائرة واسعة جدًّا للولاية الأحمدية والعبودية المحمدية، بحيث إن هناك عند كل صلاة أكثر من مائة مليون مؤمن في تلك الحلقة الكبرى للذكر يرددون معًا ثلاثًا وثلاثين مرة &#8220;سبحان اللّٰه&#8221; وثلاثًا وثلاثين مرة &#8220;الحمد للّٰه&#8221; وثلاثًا وثلاثين مرة &#8220;اللّٰه أكبر&#8221;.</p>
<p>فلا بد أنك تدرك مدى أهمية قراءة تلك الكلمات المباركات الثلاث التي هي بذور القرآن والإيمان والصلاة وخلاصتها، ومدى ثواب ترديدها بثلاثٍ وثلاثين مرة عقب الصلاة ضمن تلك الحلقة الواسعة.</p>
<p>وهكذا فكما أن &#8220;المسألة الأولى&#8221; من هذه الرسالة كانت درسًا قيّمًا في الصلاة، فإن آخر الرسالة هذه أصبح -دون اختياري- درسًا مهمًّا حول أذكار الصلاة! والحمد للّٰه على نعمائه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1>[المسألة التاسعة: أركانُ الإيمان كلٌّ لا يتجزأ]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>المسألة التاسعة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿آمَنَ الرَسولُ بمَا اُنزِلَ إليه من رَبّه والمؤمنون كلٌ آمنَ باللّٰه ومَلائكتِهِ وكُتُبِه ورُسُلهِ </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>لانُفَرّقُ بَينَ أحدٍ من رُسُلهِ..﴾</strong></p>
<p>إن السبب الذي أدى إلى إيضاح هذه الآية الجامعة السامية العظيمة ودعا إلى بيانها، هو حالة خاصة معينة نتجت عن سؤال معنوي مثير، وعن انكشافِ نعمة إلهية عظيمة، كالآتي:</p>
<p><strong>فقد ورد إلى الروح هذا السؤال</strong>: لِمَ يُعتبر كافرًا من يُنكرُ جزءًا من حقيقة إيمانية؟ و[لماذا] لا يُعدُّ مسلمًا مَن لم يَقبلها، مع أن نور الإيمان باللّٰه واليوم الآخر كالشمس ينبغي أن يبدد كل ظلام؟</p>
<p>ثم، لِمَ يصبح مرتدًّا مَن ينكر حقيقةً أو ركنًا إيمانيًّا ويرديه إلى الكفر المطلق، ومَن لم يقبلها يخرج من دائرة الإسلام، بينما ينبغي أن ينقذه إيمانه بالأركان الأخرى -إنْ وجِدَ- من ذلك الكفر المطلق؟</p>
<p><strong>الجواب</strong>: إن الإيمان <strong>حقيقةٌ واحدةٌ</strong> نابعةٌ من ستةِ أركانٍ متحدةٍ وموحَّدةٍ لا تقبل التفريق، وهو <strong>كُليٌّ</strong> لا يتحمل التجزئة، وهو <strong>كلٌّ</strong> لا تقبل أركانُه الانقسام.. ذلك لأن <strong>كل ركن من تلك الأركان الإيمانية -مع حججها التي تثبته- يُثبت بقيةَ الأركان، فيصبح كل ركن حجة قاطعة عظمى لكل من الأركان الأخرى</strong>.</p>
<p>لذا <strong>فالذي لا يتمكن من جَرحِ جميع الأركان مع جميع أدلتها يَعجز كليًّا -من وجهة الحقيقة- عن نفي ركنٍ واحدٍ منها؛ وتفنيدِ حقيقةٍ واحدةٍ من حقائقها،</strong> إلا أن يغمض المنكر عينيه ويتشبث بعدم القبول أو الرفض، فيدخل عندئذٍ الكفرَ العنادي، ويسوقه ذلك بمرور الزمن إلى الكفر المطلق، فتنعدم إنسانيتُه ويولي إلى جحيمٍ ماديٍّ فضلًا عمّا هو فيه من جحيم معنوي.</p>
<p>وكما قد بينا باقتضاب في مسائل &#8220;الثمرة&#8221; دلالةَ الأركان الإيمانية على الحشر، كذلك سنبين هنا بإشاراتٍ مختصرةٍ جدًّا ومجملةٍ المغزى العميقَ العظيم لهذه الآية، معتمِدين على عنايته سبحانه؛ وذلك في ست نقاط:</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الأولى: الإيمان بالله يُثبِت باقي أركان الإيمان]</h3>
<p><strong>النقطة الأولى</strong> إن &#8220;الإيمان باللّٰه&#8221; بحججه القاطعة يثبت &#8220;الإيمان بالآخرة&#8221; مع إثباته سائر الأركان الإيمانية الأخرى. كما وُضّح في &#8220;المسألة السابعة&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالآخرة]</h4>
<p>نعم، إن <strong>سلطنة</strong> <strong>الربوبية</strong> وقدرتها الأزلية وقوتها الباقية وغناها المطلق <strong>وحاكمية الألوهية</strong> الأبدية الدائمة.. <strong>التي تدير</strong> هذا الكون غير المحدود -مع جميع لوازمه وضرورياته- كإدارة قصر أو مدينة.. <strong>والتي تُصرِّف</strong> جميعَ شؤونه ضمن نظام وميزان، وتغيّره على وفق حِكَم كثيرة.. <strong>والتي تدير</strong> الذرات والكواكب، وتجهز الذباب والنجوم معًا كالجنود المطيعين للجيش المنسق.. <strong>والتي تَسوق</strong> الجميع -ضمن إرادتها وأمرها- إلى استعراضٍ هائل عام للعبودية الخالصة، من خلال مناورة سامية وابتلاء واختبار وتدريب على الوظائف وتعليم لها، بفعالية ونشاط دائم وسير وجولان مستمر.. <strong>هل يمكن</strong>، أم <strong>هل يُعقَل</strong>، لا بل <strong>هل هناك أي احتمال</strong> قط في أن لا يكون هناك مقر باقٍ، ومملكة دائمة، وظهورٌ خالدٌ وتجلٍّ سرمدي في <strong>دارٍ أبدية</strong> لمثل هذه السلطنة الأبدية ولمثل هذه الحاكمية الباقية الدائمة؟!</p>
<p>حاشا وكلا.. وألف مرة كلا.</p>
<p><strong>فسلطنةُ ربوبية</strong> <strong>اللّٰه</strong> جل وعلا وعظمتها إذن، وأغلب <strong>أسماء اللّٰه الحسنى</strong> -كما جاء في &#8220;المسألة السابعة&#8221;- وجميع دلائلِ وحججِ وجوبِ وجوده سبحانه وتعالى، تشهد جميعًا وتدل على &#8220;<strong>الآخرة</strong>&#8221; وتقتضيها.</p>
<p>فما أعظمَ مرتكز هذا الركن الإيماني العظيم، وما أَمْتَنَ نقطة استناده! أَلَا فأدرِكْ ذلك، وصدِّق به كأنك تراه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالرسل]</h4>
<p>ثم إن &#8220;<strong>الإيمان باللّٰه</strong>&#8221; كما لا يمكن أن يكون دون &#8220;<strong>الإيمان بالآخرة</strong>&#8221; كذلك لا يمكن ولا يُعقل، أن يكون &#8220;<strong>الإيمان باللّٰه</strong>&#8221; دون &#8220;<strong>الإيمان بالرسل</strong>&#8221; مثلما ذُكِر ملخَّصًا في &#8220;رسالة الحشر&#8221;.</p>
<p>وذلك أن اللّٰه تعالى الذي <strong>خلق هذا الكون</strong> إظهارًا لألوهيته ومعبوديته، على هيئةِ <strong>كتابٍ صمدانيٍّ</strong> مجسَّمٍ بحيث تُعبِّر كلُّ صحيفةٍ من صحائفه عن معاني كتاب، ويُظهِر كل سطر من أسطره معنَى صحيفةٍ.. <strong>وخَلَقَه</strong> على شكل <strong>قرآن سبحاني مجسم</strong> بحيث إن كل آيةٍ من آياته التكوينية، وكل كلمةٍ من كلماته، بل حتى كل حرف منه وكل نقطة بمثابة معجزة تقدسه وتسبّحه.. <strong>وخلقه</strong> على صورة <strong>مسجد رحماني</strong> مهيب وزيّنه بما لا يحد من الآيات والنقوش الحكيمة، بحيث إن في كل زاوية من زواياه طائفة منهمكة بنوع من العبادة الفطرية لخالقهم الرحمن..</p>
<p><strong>فهل يمكن</strong> أن لا يرسِل هذا الخالق المعبود الحق <strong>أساتذةً ليُدرِّسوا</strong> معاني ما في ذلك الكتاب الكبير ويُعلِّموا ما فيه؟!</p>
<p>أم هل يمكن أن لا يَبعث <strong>مفسرين ليفسروا</strong> آياتِ ذلك القرآن المجسم الصمداني؟!</p>
<p>أم هل يمكن أن لا يعيّن <strong>أئمةً لذلك المسجد</strong> الأكبر ليَؤُمُّوا الذين يعبدونه بأنماط وأشكال مختلفة من العبادات؟!</p>
<p>أم هل يمكن أن لا يزوِّد أولئك الأساتذةَ والمفسرين والأئمة <strong>بالأوامر السلطانية</strong>؟!</p>
<p>حاشا للّٰه وكلا.. وألفَ مرة كلا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بكلام الله والكتب السماوية]</h4>
<p>ثم إن الخالق الرحيم الكريم الذي خلق هذا الكون إظهارًا لجمال رحمته على ذوي الشعور وحسن رأفته بهم وكمال ربوبيته لهم، وليحثهم على الشكر والحمد، قد خلقه على هيئةِ <strong>دارِ ضيافةٍ</strong> فخمة، <strong>ومعرضٍ رائع</strong> واسع، <strong>ومتنـزهٍ جميل</strong> بديع، وأعدّ فيه ما لا يحد من النعم اللذيذة المتنوعة المختلفة، ونظّم فيه ما لا يعد من خوارق الصنعة وبدائعها الرائعة..</p>
<p>فهل يمكن أن لا <strong>يتكلم هذا الخالق الرحيم</strong> الكريم بواسطة <strong>رسله</strong>، مع ذوي الشعور من مخلوقاته في دار ضيافته الفاخرة هذه..</p>
<p>أم هل يُعقل أن لا <strong>يُعلِّمهم وظائفَ شكرهم</strong> وكيفية امتنانهم تجاه تلك النعم الجسيمة، ومهامَّ عبوديتهم تجاه رحمته السابغة وتودده الظاهر؟!</p>
<p>كلا.. ثم ألفَ ألفِ مرةٍ كلا.</p>
<p>ثم إن <strong>الخالق</strong> الذي يحب خلقَه وصنعته، ويريد جلب الإعجاب والتقدير إليه، بل يطلب استحسانه وإكباره، بدلالةِ إيداعِه الإحساسَ بآلافِ الأنواعِ من الأذواق في الأفواه، فيعرِّف نفسَه سبحانه بكل مخلوقٍ من مخلوقاته، ويُظهر به نوعًا من جماله المعنوي، ويجعله موضعَ حُبِّ مخلوقاته، فزيَّن هذا الكون ببدائع صنائعه ومخلوقاته.</p>
<p>فهل يُعقل أن لا <strong>يتكلم هذا الخالق</strong> البديع مع أفاضل الإنسان الذي هو سيد المخلوقات؟!</p>
<p>وهل يمكن أن لا <strong>يبعث مِن أولئك الأفاضل رسـلًا</strong>، فتظلَّ تلك الصنائع الجميلة دون تقدير، ويظل جمال تلك الأسماء الحسنى الخارقة دون استحسان ولا إعجاب، ويظل تعريفه وتحبيبه دون مقابل؟!</p>
<p>حاشا للّٰه وكلا.. ثم ألفَ مرة كلا!</p>
<p>ثم إن <strong>المتكلم العليم</strong> الذي يستجيب -في الوقت المناسب- لدعوات جميع ذوي الحياة، ملبيًا حاجاتها الفطرية، ومغيثًا تضرعاتها ورغباتها المرفوعة إليه بلسان الحال، فيتكلم صراحةً فعلًا وحالًا بإحساناته غير النهائية لهم وإنعاماته غير المحدودة عليهم، مُظهِرًا القصد والاختيار والإرادة.</p>
<p>فهل يمكن وهل يعقل أن يتكلم هذا المتكلم العليم مع أصغر كائن حي فعلًا وحالًا ويسعفَ داءه ويغيثَه بإحسانه ويسد حاجاته، ثم لا يقابلَ الرؤساء المعنويين للإنسان الذي هو سيد أغلب المخلوقات الأرضية، وهو خليفة اللّٰه في أرضه، وهو النتيجة المستخلصة من الكائنات؟!</p>
<p>أم هل يعقل أن لا يتكلم معهم قولًا وكلامًا مثلما يتكلم مع كل ذي حياة فعلًا وحالًا؟!</p>
<p>أم هل يمكن أن لا يرسل معهم <strong>أوامره</strong>، <strong>وصحفه</strong> <strong>وكتبه المقدسة</strong>؟</p>
<p>حاشَ للّٰه.. ثم ألف مرة كلا.!</p>
<p>وهكذا يُثبِت &#8220;<strong>الإيمانُ باللّٰه</strong>&#8221; مع حججه القاطعة الثابتة الإيمانَ &#8220;<strong>بكتبه</strong>&#8221; المقدسة &#8220;<strong>وبرسله</strong>&#8221; الكرام عليهم السلام.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بمحمد ﷺ]</h5>
<p>ثم إن الذي <strong>جعل الكون يُدوِّي بحقيقةِ القرآن</strong> ويترنم بها..</p>
<p><strong>والذي عَرَفَ وعَرَّفَ</strong> بأكمل وجهٍ ذلك <strong>الخالقَ البديع</strong>، <strong>فأحبَّه وحَبَّبه</strong>، وأدى <strong>شكره</strong> له ودلّ الآخرين على القيام بشكره، بل جعل الأرض تردد: &#8220;سبحان اللّٰه والحمد للّٰه واللّٰه أكبر&#8221; حتى أسمعت السماوات العلى..</p>
<p><strong>والذي قابل الربوبية الظاهرة للخالق بعبودية واسعة كلية</strong>، فقاد خُمس البشرية كمية ونصفها نوعية خلال ألف وثلاثمائة سنة قيادة أهاج بها البر والبحر وملأهما شوقًا ووجدًا..</p>
<p><strong>والذي هتف بالقرآن الكريم في أذن الكون</strong> وعلى مدى جميع العصور إزاء المقاصد الإلهية، فألقى درسًا عظيمًا، ودعا بدعوة كريمة، مُظهِرًا وظيفةَ الإنسان وقيمته، ومبينًا مرتبته ومنـزلته.. ذلك هو <strong>محمد الأمين ﷺ </strong>الصادق المصدَّق بألف معجزةٍ ومعجزة.</p>
<p>فهل يمكن ألا يكون هذا العبد العزيز المصطفى المختار أكرمَ رسولٍ لذلك المعبود الحق؟!</p>
<p>وهل يمكن أن لا يكون أعظمَ نبي له؟!</p>
<p>حاشا وكلا.. ألفَ ألفِ مرةٍ كلا.!</p>
<p>فحقيقةُ &#8220;<strong>أشهد أن لا إله إلا اللّٰه</strong>&#8221; مع حججها إذن تُثبت حقيقةَ &#8220;<strong>أشهد أن محمدًا رسول اللّٰه</strong>&#8220;.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالقرآن]</h5>
<p>ثم إن الخالق الذي جعل مخلوقاته يتبادلون الكلام بمئات الآلاف من الألسنة واللغات وهو الذي يَسمع كلامَ الجميع ويَعرفه، فهل يمكن أن لا يتكلم هو؟.. كلا ثم كلا!</p>
<p>ثم هل يُعقل أن لا يُعلِّم مقاصدَه الإلهية بكتابٍ عظيمٍ كالقرآن الكريم الذي يجيب عن ثلاثة أسئلة تحار العقول أمامها: من أين تأتي هذه المخلوقات؟ والى أين المصير؟ ولماذا تتعاقب ثم لا تلبث أن تغيب؟&#8230; كلا.</p>
<p><strong>فالقرآن الكريم</strong> الذي <strong>نوّر</strong> ثلاثة عشر قرنًا <strong>وأضاءَها</strong>..</p>
<p><strong>والذي</strong> يتناقله في كل ساعة <strong>مائةُ مليون</strong> <strong>لسانٍ</strong> بكل إجلالٍ وتوقير..</p>
<p><strong>والذي</strong> سُطِّر في صدور ملايين <strong>الحفاظ</strong> بكل سمو وقداسة..</p>
<p><strong>والذي</strong> أدار <strong>بقوانينه</strong> القسمَ الأعظم من البشرية، <strong>وربّى</strong> نفوسهم، <strong>وزكّى</strong> أرواحَهم، <strong>وصفّى</strong> قلوبهم، <strong>وأرشد</strong> عقولهم..</p>
<p><strong>والذي</strong> هو <strong>معجزة خالدة</strong> كما أثبتنا إعجازه بأربعين وجهًا في رسائل النور، فوضح أن له إعجازًا لكل طبقة من الطبقات الأربعين للناس (كما جاء في &#8220;المكتوب التاسع عشر&#8221; ذي الكرامة الخارقة)..</p>
<p>هذا القرآن العظيم استحق بحقٍّ أن يُطلَق عليه: &#8220;<strong>كلام اللّٰه</strong>&#8221; فأصبح محمدٌ ﷺ مع آلافٍ من معجزاته معجزةً باهرة له.</p>
<p>فهل يمكن أن لا يكون هذا القرآن الكريم كلامَ ذلك المتكلم الأزلي سبحانه؟!</p>
<p>وهل يمكن أن لا يكون أوامرَ ذلك الخالق السرمدي جل وعلا؟</p>
<p>حاشا للّٰه وكلا ألفَ ألفِ مرةٍ كلا!</p>
<p>فـ&#8221;<strong>الإيمان باللّٰه</strong>&#8221; مع جميع حججه إذن يُثبت أنَّ <strong>القرآن الكريم</strong> كلام اللّٰه عز وجل.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالملائكة]</h4>
<p>ثم إن السلطان ذا الجلال الذي يملأ سطح الأرض بذوي الحياة باستمرار ويفرغه، مُعمِّرًا دنيانا بذوي الشعور لأجل معرفته سبحانه وعبادته وتسبيحه.</p>
<p>هل يمكن لهذا السلطان ذي الجلال أن يترك السماوات والنجوم خالية فارغة، ولا يعمِّر تلك القصور السماوية بأهالي وسكنة تناسبها؟!</p>
<p>وهل يمكن أن يَترك هذا السلطانُ العظيم سلطنةَ ربوبيته في أوسع ممالكه بلا هيبةٍ وعظمة، وبلا موظفين مأمورين، وبلا سفراء رسل، وبلا ناظرين مشرفين، وبلا مشاهدين معجبين، وبلا عباد مكرمين، وبلا رعايا مطيعين؟!</p>
<p>حاشا للّٰه وكلا.. بعدد الملائكة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالقَدَر]</h4>
<p>ثم إن <strong>الحاكم الحكيم والعليم الرحيم</strong> الذي <strong>كَتب</strong> هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجَّلَ تاريخ حياةِ كل شجرةٍ في كل بذرٍ من بذورها.. <strong>ودوَّن</strong> وظائفَ حياةِ كلِ عشبٍ ومهامَّ كل زهرٍ في جميع نواها.. <strong>وكتَّب</strong> جميع حوادث الحياة لكل ذي شعور في قواه الحافظة الصغيرة كحبة الخردل.. <strong>واحتفظ</strong> بكل عملٍ في ملكه كافةً وبكلِّ حادثةٍ في دوائر سلطنته بالتقاط صورها المتعددة.. <strong>والذي</strong> خلق الجنة والنار والصراط والميزان الأكبر لأجل تجلياتِ وتحققِ العدالة والحكمة والرحمة التي هي أهم أساس للربوبية..</p>
<p>فهل يمكن لهذا الحاكم الحكيم ولهذا العليم الرحيم أن لا يسجِل أعمالَ الإنسان التي تتعلق بالكائنات؟!</p>
<p>وهل يمكن أن لا يدوِّن أفعالَه للثواب والعقاب ولا يكتبَ سيئاته وحسناته في ألواح القَدَر؟!</p>
<p>حاشا للّٰه وكلا بعدد حروف ما كتب في اللوح المحفوظ للقدر.</p>
<p>أي إن حقيقة &#8220;<strong>الإيمان باللّٰه</strong>&#8221; مع حججها تُثبت حقيقةَ &#8220;<strong>الإيمان بالملائكة</strong>&#8221; كما تثبت حقيقةَ &#8220;<strong>الإيمان بالقدر</strong>&#8221; أيضًا إثباتًا قاطعًا كالشمس التي تُظهر النهار، والنهار الذي يدل على الشمس.</p>
<p><strong>وهكذا فالأركان الإيمانية يثبت بعضها البعض الآخر</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الثانية: كل دليلٍ لركنٍ هو دليلٌ لكلِّ ركن]</h3>
<p><strong>النقطة الثانية</strong> إن جميع ما دعت إليه الكتب والصحف السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم، وجميعَ الدعوات التي قام بها الأنبياء عليهم السلام وفي مقدمتهم محمدٌ ﷺ، تدور على أُسسٍ ثابتةٍ وأركانٍ معينة.. ولقد سعى جميعُهم لإثباتِ الأسس وتلقينِها للآخرين.</p>
<p>لذا، <strong>فجميع الحجج والدلائل التي تَشهد على نبوتِهم وصدقِهم متوجهةٌ معًا إلى تلك الأُسس والأركان، مما يزيدها قوةً وأحقية</strong>.</p>
<p>وما تلك الأُسس إلّا الإيمان باللّٰه، وباليوم الآخر، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى.</p>
<p><strong>فلا يمكن إذن التفريق بين أركان الإيمان الستة إطلاقًا</strong>، حيث إن كل ركن من الأركان يثبت الأركان عامة بل يستدعيها ويقتضيها، لذا فإن <strong>الأركان الستة كلٌّ لا يقبل التجزئة</strong> البتة، <strong>وكليٌّ لا يمكن أن ينقسم</strong> أبدًا.</p>
<p>فكما أن كل غصن من أغصان الشجرة المباركة (شجرة طوبى) الممتد جذرها في السماء، وكلَّ ثمرٍ من ثمارها وكل ورقة من أوراقها يستند على الحياة الخالدة لتلك الشجرة، فلا يمكن لأحد أن ينكر حياةَ ورقةٍ واحدةٍ متصلةٍ بتلك الشجرة ما لم يتمكن له إنكار حياة تلك الشجرة الظاهرة ظهورًا ساطعًا كالشمس؛ ولئن أنكر فإن تلك الشجرة تُكذِّبه بعدد أغصانها وثمارها وأوراقها وتسكته، كذلك الإيمان بأركانه الستة هو بالصورة نفسها.</p>
<p>هذا ولقد كانت النية معقودةً على بيان الأركان الإيمانية الستة في ست نقاط، وفي كل نقطةٍ خمس نكاتٍ ذات مغزى، وكانت الرغبة متوجهةً إلى إجابة السؤال المثير الوارد في المقدمة ببيانٍ أكثر وتوضيحٍ أوسع، إلّا أن عوائق وعوارض حالت دون ذلك.</p>
<p>بيد أنني أخال أن &#8220;النقطة الأولى&#8221; لم تدع سبيلًا لإيضاحٍ أكثر لأهل الدراية، حيث إنها مقياس كافٍ للموضوع.</p>
<p>وهكذا وُضِّح تمامًا أنه <strong>إذا ما أنكر المسلم أيةَ حقيقة إيمانية كانت فإنه يتردى إلى الكفر المطلق</strong>؛ إذ تسلسلت الأركان الإيمانية بعضُها ببعض، وفصَّل الإسلامُ ووضَّحَ ما أُجمِل في الأديان الأخرى.</p>
<p><strong>فالمسلم الذي لا يعرف محمدًا ﷺ ولا يصدِّق به فلا يعرف اللّٰه سبحانه (بصفاته) ولا يعرف الآخرة كذلك.</strong></p>
<p>فإيمان المسلم قوي ورصين إلى درجة لا يتزعزع أبدًا ولا يدع مجالًا للإنكار قطعًا، لاستناده إلى حجج كثيرة جدًّا، حتى كأن العقل يرضخ رضوخًا لقبول هذا الإيمان.</p>
<h3 style="text-align: center;">[النقطة الثالثة: الحمد لله على الإيمان]</h3>
<p><strong>النقطة الثالثة</strong> قلتُ ذات مرة: &#8220;الحمد للّٰه&#8221;، ثم بحثتُ عن نعمةٍ عظيمةٍ جدًّا تقابل معناها الواسعَ جدًّا، فخطر على القلب الجملة الآتية:</p>
<p>(الحمد للّٰه على الإيمان باللّٰه، وعلى وحدانيته، وعلى وجوب وجوده وعلى صفاته، وأسمائه، حمدًا بعدد تجليات أسمائه من الأزل إلى الأبد).</p>
<p>فتأملت فيها فوجدتها مطابِقة تمامًا للمعنى.. وهي كالآتي:</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;..</p>
<p>﴿[حاشية]: انتهى النص هنا وكأن الستار أسدل أمام الأستاذ فلم يستمر بالكتابة، أو لعل الظروف المحيطة به حالت دون ذلك، فاكتفى بالفقرات السابقة.﴾</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1>[المسألة العاشرة: مباحث قرآنية نفيسة]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/#almsalt_alashrt_mbahth_qranyt_nfyst">المسألة العاشرة: مباحث قرآنية نفيسة</a></strong>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1>[المسألة الحادية عشرة: بعض ثمرات الإيمان بالملائكة]</h1>
<p><strong>المسألة الحادية عشرة</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[ثلاث ثمراتٍ كليةٍ للإيمان]</h3>
<p>إن الشجرة المقدسة للأركان الإيمانية الكلية لها ثمرات يانعة إحداها هي <strong>الجنة</strong>، والأخرى هي <strong>السعادة الأبدية</strong>، والثالثة هي <strong>رؤية اللّٰه جل جلاله</strong>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثمرات جزئية]</h3>
<p>ولما كانت رسائل النور قد أوضحت مئات من تلك الثمار -كُلِّيِّها وجزئيِّها- مع حُجَجها الدامغة، فنحيل إيضاحَها إلى &#8220;سراج النور&#8221;، ونشير هنا إلى بضعة نماذج فقط لثمرات جزئية، بل إلى جزء الجزئي والخاص من تلك الثمار الطيبة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرة الإيمان بملك الموت]</h4>
<p><strong>إحداها</strong>: كنت ذات يوم أدعو دعاءً بهذا المضمون: &#8220;يا رب أتوسل إليك بحرمة جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وبشفاعتهم أن تحفظني من شرور شياطين الجن والإنس..&#8221;، وحَالَمَا ذكرتُ اسمَ <strong>عزرائيل</strong> -الذي يملأ ذكرُه الناسَ رعبًا وارتجافًا- شعرتُ بحالةٍ ذات طعمٍ في غاية الحلاوة والسُّلوان، فحمدت اللّٰه قائلًا: &#8220;الحمد للّٰه&#8221;، <strong>وبدأتُ أُحب عزرائيل حُبًّا خالصًا</strong>، على أنه واحد من الملائكة الذين يعتبر الإيمان بوجودهم ركنًا من أركان الإيمان.</p>
<p>وسنشير بإلمامةٍ قصيرةٍ إلى ثمرةٍ جزئيةٍ واحدةٍ من عديد الثمار للإيمان بهذا المَلَك.</p>
<p><strong>منها</strong>: أن أثمنَ ما عند الإنسان، وأعظم ما يحرص عليه ويدافع عنه ويجهد في الحفاظ عليه، هو روحه بلا شك.. فلقد أحسستُ يقينًا بفرحٍ عميقٍ إزاء تسليم الإنسان لأعز ما يملكه في الوجود -وهو روحه- إلى يدٍ &#8220;<strong>قويٍّ أمين</strong>&#8221; ليحفظه من العبث والضياع والفناء.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرة الإيمان بالملائكة الكاتبين]</h4>
<p>ثم تذكرت الملائكة الموكَّلين بتسجيل أعمال الإنسان، فرأيت أنَّ لهم ثمرات لذيذة جدًّا كهذه:</p>
<p><strong>منها</strong>: أن كل إنسان لأجل أن تُخلَّد أعمالُه الطيبة وتبقى كلماتُه القيمة، يسعى للحفاظ عليها وصيانتها من الضياع، سواءٌ عن طريق الكتابة أو الشعر، أو حتى بالشريط السينمائي، وبخاصة إذا كان لتلك الأعمال ثمراتُها الباقية في الجنة، فيشتاقُ إلى حفظها أكثر.. <strong>والكرام الكاتبون</strong> واقفون على مَنكِبَي الإنسان ليُظهروه في مَشاهِدَ أبدية، وليصوروا أعمالَه في مناظرَ خالدة، ليُكافَأَ أصحابُها ولينالوا الجوائز الثمينة الدائمة.. ولقد تلذذتُ من طعوم هذه الثمرة بلذائذ حلوةٍ لا أستطيع أن أصفها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرة الإيمان بالملائكة]</h4>
<p>وعندما جردني أهلُ الضلالة من أسباب الحياة الاجتماعية، وأبعدوني عن كتبي وأحبتي وخدمي وكل ما كان يمنحني السلوان، وألقوني في ديار الغربة والوحشة، وكنت في ضيقٍ وضجر من حالي إلى درجةٍ كنت أشعر أن الدنيا الفارغة ستتهدم على رأسي.. فبينما أنا في هذه الحالة إذا بثمرةٍ من ثمرات الإيمان بالملائكة تأتي لإغاثتي، فتضئ أرجاء دنياي كلها، وتنور العالم من حولي، وتَعمُره بالملائكة، وتؤهله بالأرواح الطيبة، حتى دَبَّ السرور والبهجة في كل مكان<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> وأرَتْني كذلك كم كانت دنيا أهل الضلالة ملأى بصرخات الوحشة وحسرات العبث والظلام..</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرة الإيمان بالرسل]</h4>
<p>فبينما كان خيالي فرحًا جذلًا بالتمتع بلذة هذه الثمرة، إذا به يتسلم ثمرةً من الثمار الوفيرة -الشبيهة بهذه- من الإيمان بالرسل عليهم السلام، فذاقها فعلًا، وأحسست توًّا أنَّ إيماني قد تَوسَّعَ ونما وانبسط حتى أصبح كليًّا شاملًا، إذ <strong>أشرقتْ لديَّ تلك الأزمنة الغابرة كلُّها، واستضاءت بنور التصديق والإيمان بهم</strong>، حتى كنت أشعر كأنني أعيش معهم، وبات كلُّ نبي من الأنبياء يصدِّقُ بآلافِ التصديق على أركان الإيمان التي جاء بها ودعا إليها خاتمهم ﷺ، مما أخرس الشياطين وأسكتهم.</p>
<h5 style="text-align: center;">[لماذا يتغلب أهل الضلالة على أهل الإيمان أحيانًا؟]</h5>
<p>ثم قفز إلى القلب السؤالُ ذو الجواب الشافي الواردُ في لمعةِ &#8220;حكمة الاستعاذة&#8221; وهو: أنَّ أهل الإيمان الذين لهم مثل هذه الثمرات للإيمان، ومثل هذه الفوائد والنتائج اللذيذة ذاتِ الطعوم غير المحدودة، ولهم النتائج الجميلة الطيبة للحسنات ومنافعها الكثيرة، ولهم العناية الدائمة من &#8220;أرحم الراحمين&#8221; وتوفيقه ورحمته.. كل ذلك يمنحهم القوة والإسناد، فلِمَ إذن يتغلب أهل الضلالة غالبًا عليهم، بل قد يتغلب عشرون من أهل الضلالة على مائة منهم، ويهلكونهم؟!</p>
<p>وفي ثنايا هذا التفكير خطر لي: لِمَ يُحشِّد القرآنُ الكريمُ هذا الحشد العظيم لأهل الإيمان بذكر إمداد اللّٰه إياهم بالملائكة وهم يواجهون دسائس شيطانية واهية ضعيفة؟</p>
<p>وبما أن رسائل النور قد وضَّحتْ حكمة ذلك بحججٍ قاطعة، فسنشير هنا إلى الجواب عن ذلك السؤال في غاية الإيجاز:</p>
<p>نعم، يتولى أحيانا مائةٌ من الأشخاص المحافَظةَ على قصر، عندما يحاول أحدُ الشريرِين أو أي شخص مخرِّب إلقاءَ النار فيه خفية لتدميره، بل قد يُلجأ إلى السلطان أو الدولة للحفاظ على القصر، ذلك لأن بقاء بناء القصر يتوقف على جميع الشروط والأركان والأسباب الداعية إلى البقاء، أما <strong>تخريبه وهدمه فيكون بانعدام شرطٍ واحدٍ فقط</strong>.</p>
<p>فعلى غرار هذا المثال نَفهم كيف أن شياطين الجن والإنس يقومون بتخريبٍ مدهشٍ وبحريقٍ معنويٍّ عظيمٍ بفعلٍ قليلٍ جدًّا، بمثل ما يقوم شريرٌ بتدمير بناءٍ فخمٍ بإلقاء عودِ كبريتٍ فيه.</p>
<p>نعم، <strong>إن أساسَ وخميرة الشرور والرذائل والخطايا كلها هو العدم والهدم</strong>، وما يبدو من وجودها الظاهرِ يخفي تحته الإفساد والتعطل والعدم.</p>
<p>واستنادًا إلى هذه النقطة فإن شياطين الجن والإنس والشريرِين يتمكنون بقوةٍ هزيلةٍ جدًّا، أن يصدُّوا قوةً لا حدَّ لها لأهل الحق والحقيقة، ويُلجئوهم إلى باب اللّٰه عز وجل والسعي إليه دائمًا؛ ولأجل هذا يضع القرآن الكريم تلك الحشود الهائلة لحمايتهم، ويسلِّم إلى أيديهم تسعةً وتسعين اسمًا من الأسماء الحسنى، ويُصدر أوامرَ مشددةً ليَثبتوا تجاه أولئك الأعداء.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الجنة وجهنم قيد التحضير الآن]</h5>
<p>ومن هذا الجواب ظهر فجأةً أساسُ مسألةٍ مدهشةٍ وبدايةُ حقيقةٍ عظيمة، وهو أنه:</p>
<p>كما أن <strong>الجنة</strong> تُخزِّن محاصيل جميع عوالم الوجود ونتائجها، وتستثمر النوى المزروعة في الدنيا، فتجعلها تؤتي أُكلها كل حين؛ فإن <strong>جهنم</strong> تُحمِّص محاصيل العدم وتعصف بها لأجل إظهار النتائج الأليمة جدًّا لعوالم العدم والفناء غير المحدودة، فمصنع جهنم الرهيب -فضلًا عن وظائفها العديدة- يطهِّر ما في عالم الوجود من أوساخ عالم العدم وأدرانه.</p>
<p>سنوضح هذه المسألة العظيمة فيما بعد إن شاء اللّٰه لأننا لا نريد فتح بابها هنا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرة الإيمان بمنكر ونكير]</h4>
<p>وكذا فإن جزءًا من ثمرات الإيمان بالملائكة هو الذي يعود إلى <strong>المنكر والنكير<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup></strong>، وهو كالآتي:</p>
<p>قلت ذات يوم: &#8220;إنني لا بد -كأي فرد كان- داخلٌ لا محالة في القبر&#8221;.</p>
<p>فدخلتُ إليه خيالًا، وفيما كنت أستوحش يائسًا من سجن القبر الانفرادي، ومن تجريدي المطلق من كل شيء، وحيدًا دون مُعِين، في ذلك المكان الضيق المظلم البارد، إذا بصديقَين كريمَين من طائفةِ &#8220;<strong>المنكَر والنكير</strong>&#8221; قد برزا وجاءا إليّ وبدءا بالمناظرة معي.. وسَّعا كلًّا من قلبي وقبري، فاستضاءا وتدفئا، وفُتحت شبابيكُ نوافذَ مطلةٍ على عالَم الأرواح.. سُررت من أعماق روحي وشكرتُ اللّٰه كثيرًا على ما رأيتُ من الأوضاع التي ستتحقق حتمًا في المستقبل وإن كنت أراها الآن خيالًا.</p>
<p>فكما أنه عندما توفي طالب علم في أثناء تعلمه الصرف والنحو، سأله المنكر والنكير في القبر: &#8220;مَن ربك؟&#8221; أجاب: &#8220;مَن مبتدأ وربُك خبره.. اِسألوني سؤالًا صعبًا فهذا سهل!!&#8221; -يحسب نفسه أنه لا يزال في المدرسة يتلقى الدرس- كما أن هذا الجواب أَضحَك الملائكةَ والأرواحَ الحاضرة وذلك الوليَّ الصالح الذي انكشف له القبر فشاهَد الحادثةَ، بل جَعَل الرحمة الإلهية تبتسم؛ فأنقذه من العذاب..</p>
<p>كذلك فقد أجاب شهيد بطل من طلاب رسائل النور وهو &#8220;الحافظ علي&#8221; وقد توفي في السجن وهو لا يزال يقرأ ويكتب &#8220;رسالة الثمرة&#8221; بكمال الشوق، أجاب عن أسئلة المَلَكين في القبر -مثلما أجاب في المحكمة- بحقائقِ &#8220;رسالة الثمرة&#8221;.</p>
<p>وأنا كذلك وسائر طلبة رسائل النور سنجيب إن شاء اللّٰه عن تلك الأسئلة التي هي حقيقة في المستقبل، ومجاز في الوقت الحاضر.. <strong>سنجيب عنها بحجج رسائل النور الساطعة</strong> وبراهينها الدامغة ونسوقهم بها إلى التصديق والاستحسان والتقدير.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان بالملائكة سلوان]</h4>
<p>وكذا فإن نموذجًا جزئيًّا <strong>للإيمان بالملائكة محورًا لسعادة الدنيا</strong> هو أنه:</p>
<p>بينما كان طفل بريء يتلقى درسه الإيماني في مبادئ الفقه، إذ يأتيه طفل آخر باكيًا مُوَلْوِلًا لوفاة أخيه البريء، فيهدئه ويسليه، قائلًا: &#8220;لا تبكِ يا أخي، بل اشكر اللّٰه؛ لأن أخاك قد ذهب مع الملائكة، ومضى إلى الجنة، وسيتجول ويسرح هناك بحريةٍ كاملةٍ كالملائكة، وسيجد الفرحة والهناء أحسنَ منا، وسيطير كالملائكة ويشاهد كل مكان&#8221;.</p>
<p>فبدّل بكاءه وصراخه وعويله ابتسامة وسرورًا.</p>
<p>فأنا كذلك مثل هذا الطفل الباكي، فقد تلقيتُ مع ما أنا فيه من وضعٍ أليمٍ وفي هذا الشتاء الكئيب نبأ وفاة اثنين ونَعيَهما بأسى وألم بالغين.</p>
<p><strong>أحدهما</strong>: هو ابن أخي المرحوم &#8220;فؤاد&#8221; الذي أحرز الدرجة الأولى في المدارس العليا وهو الناشر لحقائق رسائل النور.</p>
<p><strong>الثاني</strong>: تلك التي حجت وطافت بالبيت وهي تعاني سكرات الموت وسلَّمتْ روحها في الطواف، وهي المرحومة أختي العالِمة: &#8220;خانم&#8221;.</p>
<p>فبينما أبكاني وفاة هذين القريبين كبكائي على &#8220;عبد الرحمن&#8221; المذكور في &#8220;رسالة الشيوخ&#8221;، رأيت بنور الإيمان -قلبًا ومعنًى- صداقةَ الملائكة ورفاقةَ الحُور العين لذلك الشاب الطيب: &#8220;فؤاد&#8221;، ولتلك السيدة الصالحة، عوضًا عن صداقة الناس، ورأيت نجاتَهما من مهالك الدنيا وخلاصَهما من خطاياها.</p>
<p>فبدأت أشكر اللّٰه -وهو أرحم الراحمين- ألف شكرٍ وشكر، بما حوَّلَ ذلك الحزنَ الشديدَ إلى الشعور بالبهجة، والإحساس بالسرور.. وبدأت أهنئهم وأهنئ أخي &#8220;عبد المجيد&#8221; (أبا فؤاد) وأهنئ نفسي كذلك.</p>
<p>ولقد كُتب هذا وسُجل هاهنا من أجل أن ينال هذان المرحومان بركة الدعاء.</p>
<h3 style="text-align: center;">[للإيمان ثمراتٌ ولذائذ دنيوية وأخروية]</h3>
<p>إن جميع ما في رسائل النور من موازين ومقارنات إنما هو لبيان ثمار سعادة الإيمان ونتائجها التي تعود <strong>للحياة الدنيا والحياة الأخرى</strong>، فتلك الثمار الكلية الضخمة تُري في الدنيا سعادةَ الحياة، وتذيق لذائذها خلال العمر، كما تخبر أنَّ إيمان كل مؤمن سيُكسِبه في الآخرة سعادة أبدية، بل ستثمر وتتكشف وتنبسط بالصورة نفسها هناك.</p>
<p>فمِن نماذج تلك الثمار الكلية العديدة كتبت خمس ثمار منها على أنها لـ&#8221;لمعراج&#8221; في نهاية &#8220;الكلمة الحادية والثلاثين&#8221; وخمس ثمار في &#8220;الغصن الخامس من الكلمة الرابعة والعشرين&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثلاث ثمراتٍ كُلية لمجموع أركان الإيمان]</h4>
<p>فكما ذكرنا آنفًا أن لكل ركن من أركان الإيمان ثمارًا كثيرة جدًّا بلا حدود، فلمجموع أركان الإيمان معًا ثمرات لا حدّ لها أيضًا:</p>
<p><strong>إحداها</strong>: الجنة العظيمة..</p>
<p><strong>والأخرى</strong>: السعادة الأبدية..</p>
<p><strong>والثالثة</strong>: هي ألذُّها وهي رؤية اللّٰه جل جلاله هناك.</p>
<p>وقد وُضِّح بجلاءٍ في المقارنة المعقودة في نهاية &#8220;الكلمة الثانية والثلاثين&#8221; بعضُ ثمار الإيمان الذي هو محور سعادة الدارين.</p>
<h4 style="text-align: center;">[ثمرات الإيمان بالقدَر]</h4>
<p>هذا وإن الدليل على أن &#8220;الإيمان بالقدر&#8221; له ثماره النفيسة أيضًا في هذه الدنيا هو ما يدور على ألسنة الجميع، حتى غدا مضربًا للأمثال: &#8220;<strong>مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدر</strong>&#8220;.</p>
<p>وفي نهاية &#8220;رسالة القدر&#8221; بينتُ إحدى ثماره الكلية بمثالٍ هو: دخول رجلين حديقة قصر سلطانيّ.. حتى إنني شاهدت من خلال حياتي بآلاف من تجاربي وعرفتُ أن <strong>لا سعادة للحياة الدنيا دون الإيمان بالقدر،</strong> فلولا هذا الإيمان لمُحيت إذن تلك السعادة وفنيت.</p>
<p>بل كنت كلما نظرت إلى المصائب الأليمة من زاوية الإيمان بالقدر كانت تلك المصائب تخف ويقل وطؤها عليَّ، فكنت أسأل بحيرة: يا ترى كيف يستطيع العيشَ من لا يؤمن بالقدر؟</p>
<h4 style="text-align: center;">[الملائكة أستارُ يَد القدرة الإلهية]</h4>
<p>وقد أشير إلى إحدى الثمار الكلية للركن الإيماني: &#8220;الإيمان بالملائكة&#8221; في &#8220;المقام الثاني للكلمة الثانية والعشرين&#8221; بما يأتي:</p>
<p>إن عزرائيل عليه السلام قال مناجيًا ربه عز وجل: إن عبادك سوف يشتكون مني ويسخطون عليَّ عند أدائي وظيفة قبض الأرواح.</p>
<p>فقيل له جوابًا: سأجعل الأمراض والمصائب ستائر لوظيفتك لتتوجه شكاواهم إلى تلك الأسباب لا إليك.</p>
<p>ووظيفة عزرائيل نفسها هي الأخرى سِتار من تلك الستائر كيلا تتوجه الشكاوى الباطلة إلى الحق سبحانه وتعالى، وذلك لأن الحكمة والرحمة والجمال والمصلحة الموجودة في الموت قد لا يراها كل أحد؛ إذ يَنظر إلى ظاهر الأمور ويبدأ بالاعتراض والشكوى. فلأجل هذه الحكمة -أي لئلا تتوجه الشكاوى الباطلة إلى الرحيم المطلق- فقد أصبح عزرائيل عليه السلام سِتارًا.</p>
<h5 style="text-align: center;">[حكمة الأسباب والسببية في هذا العالَم]</h5>
<p>ومثل هذا تمامًا ما يقوم به جميع الملائكة <strong>وجميعُ الأسباب الظاهرة من واجبات ووظائف إنما هي ستائر لعزة الربوبية</strong>، لتبقى عزة القدرة الإلهية وقدسيتها ورحمة اللّٰه المحيطة الشاملة مصونةً في الأمور والأشياء التي لا تُرى فيها أوجه الجمال، ولا تُعلم فيها حقائق الحكمة، من دون أن تكون هدفًا للاعتراضات الباطلة، ولا يشاهَد عندئذ بالنظر الظاهري مباشرةُ يد القدرة في الأمور الجزئية والمنافيةِ للرحمة والأشياء التافهة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الأسباب ليس لها تأثير حقيقي]</h5>
<p>هذا وإن رسائل النور قد أَثبتت بدلائلها الغزيرة جدًّا، أنه <strong>ليس لأي سببٍ من الأسباب تأثير حقيقي</strong>، وليس له قابليةُ الإيجاد أصلًا، وأنَّ سِكَك التوحيد وأختامَها غير المحدودة موضوعة على كل شيء وأن الخلق والإيجاد يخصه هو سبحانه وتعالى، فليست الأسباب إلّا مجرد ستائر، وليس للملائكة -وهم ذوو شعور- غير جزءٍ من الاختيار الجزئي الذي له الكسب دون الإيجاد، وهو نوع من الخدمة الفطرية ونمط من العبودية العملية لا غير.</p>
<p>أجل، <strong>إن العزة والعظمة تقتضيان وضع الأسباب الظاهرية ستائر أمام نظر العقل</strong>، إلّا أن <strong>التوحيد والجلال يرفعان أيدي الأسباب ويردّانها عن التأثير الحقيقي</strong>.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الملائكة والشياطين: لكلٍّ وظيفةٌ وحكمة]</h4>
<p>وهكذا، فكما أن <strong>الملائكة والأسباب الظاهرية</strong> المستخدَمة في أمور <strong>الخير والوجود</strong>، هي <strong>وسائل للتقديس</strong> الرباني وتسبيحه فيما لا يُرى ولا يعلم جماله من الأشياء، وذلك بتنـزيه القدرة الربانية وصيانتها عن التقصير والظلم..</p>
<p>كذلك فإنَّ استخدام <strong>شياطين</strong> الجن والإنس والعناصر <strong>المضرة</strong> في أمور <strong>الشر والعدم</strong> هو الآخرُ نوع من <strong>الخدمة للتسبيحات الربانية،</strong> ووسيلة للتقديس والتنـزيه والتبرئة من كل ما يُظَنُّ نقصًا وتقصيرًا في الكائنات، وذلك لصيانة القدرة السبحانية، كيلا تكون هدفًا لإلصاق الظلم بها وتوجيه الاعتراضات الباطلة إليها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الخير وجوديّ، والشر عَدَميّ]</h5>
<p>ذلك لأن <strong>جميع التقصيرات تأتي من العدم</strong> ومن العجز ومن الهدم ومن إهمال الواجبات -الذي كلٌّ منه عدم- ومما ليس له وجود من الأفعال العدمية؛ فهذه الستائر الشيطانية والشريرة قد أضحت وسائل لتقديس الحق سبحانه وتعالى لِما حَملتْ على عاتقها -باستحقاقٍ- تلك الاعتراضاتِ والشكاوى، لكونها مرجعًا لتلك التقصيرات ومصدرًا لها.</p>
<p>إذ <strong>الأعمالُ الشريرةُ والعدميةُ والتخريبيةُ لا تتطلب -أصلًا- القوةَ والقدرة</strong>، فالفعل القليل أو القوة الجزئية، بل إهمالٌ لواجبٍ ما أحيانًا، يؤدي إلى أنواعٍ من العدم والفساد، لذا يُظَنُّ أن القائم بتلك الأفعال الشريرة هو ذو قدرة، بينما الأمر في الحقيقة أنه لا تأثير له إلّا العدم، ولا قوة له إلّا الكسب الجزئي.</p>
<p>ولما كانت تلك الشرور ناشئة من العدم، فإن أولئك الأشرار يُعَدُّون هم الفاعلين الحقيقيين لها؛ فإن كانوا من ذوي الشعور استحقوا أن يذوقوا وبالَ أمرهم، وهذا يعني أن أولئك الأشرار الفاسدين هم فاعلون للسيئات.</p>
<p>أما في الحسنات والخير والأعمال الصالحة فلأنها وجودية فإن الأخيار ليسوا هم الفاعلين الحقيقيين لها، وإنما هم أهلٌ لكي تجري الحسنات على أيديهم فيَقبلوا الكرم الإلهي؛ وما إثابتهم على أعمالهم إلا كرمٌ وفيضٌ إلهي محض، والقرآن الكريم يوضح هذا بأمره: ﴿ما أصابَكَ مِنْ حَسَنةٍ فَمِنَ اللّٰه وما أصابَكَ مِنْ سَيّئةٍ فَمِنْ نَفسِكَ﴾.</p>
<h5 style="text-align: center;">[التصادم بين عوالم الخير وعوالم الشر]</h5>
<p><strong>ومجمل القول</strong>: إن عوالم الوجود وعوالم العدم غير المحدودتين عندما تتصادمان معًا، وعندما تثمران الجنة والنار، وعندما تقول جميع عوالم الوجود: &#8220;الحمد للّٰه، الحمد للّٰه&#8221; وتردد جميع عوالم العدم: &#8220;سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه&#8221; وحتى عندما تتصارع الملائكة مع الشياطين، والخيراتُ مع الشرور، بل حتى عندما يدور الجدال حول القلب بين الإلهام والوسوسة.. عندما يحدث كل هذا بقانون المبارزة المحيط، تتجلى ثمرة من ثمار &#8220;الإيمان بالملائكة&#8221; فتحسم القضية وتَحُل المشكلة، منوِّرةً الكائناتِ المظلمةَ، مبديةً لنا نورًا من أنوار: ﴿اللّٰه نور السموات والأرض﴾ فتذيقنا من حلاوتها.. ما أحلاها! وما ألذها!!</p>
<h4 style="text-align: center;">[الملائكة منفِّذو إجراءات الربوبية]</h4>
<p>هذا وإن كلًّا من الكلمة &#8220;الرابعة والعشرين&#8221; و&#8221;الكلمة التاسعة والعشرين&#8221; قد أشارتا إلى <strong>ثمرةٍ كلية أخرى</strong> وأثبتتا إثباتًا ساطعًا وجودَ الملائكة ووظائفهم.</p>
<p>نعم، إن <strong>ربوبية جليلة</strong> رحيمة واسعة التي عرّفت نفسها وحببتها، بما بثت من كل شيء في جنبات الكون سواء أكان كليًّا أَم جزئيًّا، يجب أن يقابَل ذلك الجلالُ وتلك الرحمةُ وذلك التعرّفُ والتحبب بعبودية واسعة محيطة شاملة شاكرة ضمن تقديس وحمد وثناء.</p>
<p>وحيث إن الجمادات والأركان العظيمة للكون التي ليس لها شعور لا يمكنها القيام بهذه العبودية العظيمة، فلا يقوم بها عنهم إلّا ما لا يحصى من <strong>الملائكة</strong>.. فهؤلاء هم الذين <strong>يمكنهم أن يمثلوا -بكل حكمةٍ وجلال- إجراءاتِ سلطنةِ الربوبية</strong> في كل ركنٍ من أركان الكون، وفي كل جزءٍ من أجزائه، من الثرى إلى الثريا، من أعماق الأرض إلى أعالي الفضاء.</p>
<h5 style="text-align: center;">[حديث الثور والحوت]</h5>
<p><strong>فمثلًا</strong>: إن ما تصوره القوانين الميتة للفلسفة من خلق الأرض ووظيفتها الفطرية بشكل موحش مظلم، تُحوِّلها هذه الثمرة الإيمانية صورةً مؤنسةً مضيئةً حيث المَلَكان المسمّيان بالثور والحوت، يحملان على كتفهما -أي تحت إشرافهما- الكرةَ الأرضية، حيث قد أُحضرت من الجنة وجُلبت منها تلك المادة الأخروية، وتلك الحقيقة الأخروية المسماة بـ&#8221;الصخرة&#8221; لتصبح الحجر الأساس الباقي لهذه الكرة الأرضية الفانية، إشارة إلى أن قسمًا من الأرض سيُفرغ ويحوّل إلى الجنة الباقية، فأصبحت الصخرة نقطة استناد للمَلكين: &#8220;الثور والحوت&#8221;..</p>
<p>هكذا رُويت هذه الرواية عن بعض أنبياء بني إسرائيل السابقين، وهي مروية كذلك عن ابن عباس رضي اللّٰه عنه، ولكن المؤسف جدًّا أن يتحول هذا التشبيه اللطيف وهذا المعنى السامي بمرور الزمن إلى حقيقةٍ ماديةٍ مجسَّمةٍ عند العوام، بحيث أصبحت خارجة عن نطاق العقل؛ إذ الملائكة يستطيعون أن يصولوا ويجولوا في التراب وفي الصخور وفي مركز الأرض كجولانهم في الهواء، فليسوا إذن بحاجة أبدًا -ولا الكرة الأرضية نفسها بحاجة- إلى صخرة مادية مجسمة ولا إلى ثور وحوت ماديين مجسمين! بمعنى أن تلك الرواية ليست إلّا للتشبيه.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الملائكة المسبِّحون]</h5>
<p><strong>ومثلًا</strong>: لما كانت الكرة الأرضية تُسبِّح للّٰه بعددِ رؤوسِ الأنواع الموجودة فيها من حيوان ونبات وجماد. وبعدد ألسنة أفراد تلك الأنواع.. وبمقدار أعضاء تلك الأفراد.. وبعدد أوراقها وأثمارها.. فإن تقديم هذه العبودية الفطرية غير الشعورية العظيمة جدًّا، وتمثيلَها، وعرْضَها بعلمٍ وشعورٍ على الحضرة الإلهية المقدسة، يتطلب حتمًا مَلكًا موكَّلًا له أربعون ألف رأس، وفي كل رأسٍ أربعون ألف لسان، يُسبِّح بكلِّ لسانٍ أربعين ألف تسبيحة، مثلما أخبر المخبِر الصادق بهذه الحقيقة نفسها<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>.</p>
<h5 style="text-align: center;">[جبرائيل]</h5>
<p>نعم، إنه من مقتضيات جلال الربوبية وعظمتها وسلطانها أن يكون <strong>جبرائيل</strong> عليه السلام على ماهيةٍ عجيبة، وهو المؤهل لتبليغ العلاقات الربانية للإنسان الذي هو أهم نتيجة لخلق الكون.</p>
<h5 style="text-align: center;">[إسرافيل وعزرائيل]</h5>
<p>وأن يكون <strong>إسرافيل وعزرائيل</strong> عليهما السلام على ماهية عجيبة أيضًا، وهما يمثلان -مجرد تمثيل- الإجراءاتِ الإلهيةَ الخاصة للخالق سبحانه، ويُشْرِفان بعبوديةٍ خالصةٍ على أعظم شيء في عالم الأحياء، وهو البعث والموت.</p>
<h5 style="text-align: center;">[ميكائيل]</h5>
<p>وأن يكون <strong>ميكائيل</strong> عليه السلام على ماهية عجيبة أيضًا، إذ يمثل بشعورٍ كاملٍ أنواعَ الشكر غير الشعورية على الإحسانات الرحمانية في الرزق الذي هو أجمع دائرة من دوائر الحياة وأوسعها للرحمة وأكثرها تذوقًا، فضلًا عن إشرافه عليها.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الروح]</h5>
<p>نعم، إنه من مقتضيات جلال الربوبية وأبهتها بقاءُ <strong>الروح</strong> ووجودُ <strong>أمثال هؤلاء الملائكة</strong> على ماهيةٍ عجيبةٍ جدًّا، إذ إن وجود هؤلاء ووجودَ كل طائفة خاصة منهم قطعيُّ الثبوت ولا ريب فيه مطلقًا، فهو ثابتٌ بدرجةٍ تليق بثبوتِ وجودِ الجلال والسلطنة الظاهرة في الكون كالشمس.</p>
<p>وليقَس على هذا الموادُّ الأخرى التي تخص الملائكة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[الروحانيون عُمَّار الفضاء والقِفار]</h5>
<p>نعم، إن الذي يخلق في الكرة الأرضية أربعمائة ألف نوعٍ من الأحياء، بل يخلق من أبسط المواد ومن العفونات، ذواتِ أرواحٍ بكثرةٍ هائلة، ويَعمُر بهم أرجاء الأرض ويجعلهم ينطقون بلسانهم إعجابًا: &#8220;ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه، سبحان اللّٰه&#8221; أمام معجزات صنعته سبحانه.. والذي جعل حتى الحيوانات الدقيقة تنطق بـ&#8221;الحمد للّٰه والشكر للّٰه واللّٰه أكبر&#8221; حيال إحسانات الرحمة الواسعة وآلائها.. إن هذا القدير ذا الجلال والجمال قد خَلق بلا ريبٍ ولا شبهةٍ سَكَنةً روحانيين تناسب السماوات الشاسعة، ممن لا يعصون أمره، ويعبدونه دومًا، فيَعمُر بهم السماواتِ دون أن يدعها خالية مقفرة. فأوجد أنواعًا كثيرة جدًّا من الملائكة هي أكثر بكثير من أنواع الأحياء وطوائفها، فقسمٌ منهم صغير جدًّا يمتطون قطرات الأمطار وبلورات الثلوج، ويباركون الصنعة الإلهية مهللين لرحمتها الواسعة بلسانهم الخاص، وقسم منهم يمتطون ظهور الكواكب السيارة فيسيحون في فضاء الكون معلِنين للعالم أجمعَ عبوديتَهم بالتكبير والتهليل أمام عظمة الربوبية وعزتها وجلالها<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>.</p>
<p>نعم، إن اتفاق كل الكتب السماوية وجميعِ الأديان منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام على وجود الملائكة وعلى عبوديتهم، وإن ما روي من الروايات الكثيرة المتواترة من التحدث مع الملائكة والمحاورة معهم خلال جميع العصور، أثبت إثباتًا قاطعًا وجود الملائكة وعلاقتهم معنا، بدرجةِ ثبوتِ وجود الناس الذين لم نرهم في أمريكا.</p>
<p>والآن انظر بنور الإيمان إلى هذه <strong>الثمرة الكلية الثانية</strong> وذقها لترى كيف أنها أبهجت الكائناتِ من أولها إلى آخرها وعَمَرَتْها وزيَّنَتْها وحوَّلتْها إلى مسجدٍ أكبرَ ومعبدٍ أعظمَ، فالكون المظلم البارد الذي ليس فيه حياة -كما تُصوِّره مادية العلم والفلسفة- يصبح بالإيمان كونًا ذا حياة وشعور، ومنوَّرًا ومؤنسًا ولذيذًا، فتذيق هذه الثمرةَ أهلَ الإيمان شعاعًا من لذة الحياة الباقية وهم لا يزالون في الدنيا كلٌ حسب درجته.</p>
<h3 style="text-align: center;">[تتمة]</h3>
<p><strong>تتمة:</strong></p>
<p>كما أنه بسر <strong>الوحدة والأحدية</strong>، توجَد القُدرة نفسها والاسمُ نفسهُ والحكمةُ نفسها والإبداعُ نفسه، في كل جهةٍ من جهات الكون، فيعلِن كلُّ مصنوعٍ -كليًّا أم جزئيًا- بلسان حاله: <strong>وحدانيةَ</strong> الخالق سبحانه وتصرفه وإيجاده وربوبيته وخلّاقيته وقدسيته.</p>
<p>كذلك فإنه سبحانه يخلق ملائكة في أرجاء الكون كله ليقوموا -بألسنتهم الذاكرة الحامدة- بتسبيحات يؤديها كل مخلوق بلسان حاله بلا شعور منه، فالملائكة لا يعصون اللّٰه ما يأمرهم، وليس لهم إلّا العبودية الخالصة، وليس لهم أي إيجاد كان، ولا دخل لهم دون إذن، ولا تكون لهم شفاعة دون إذن منه سبحانه، لذا نالوا شرفَ: ﴿بل عبادٌ مكرَمون﴾، ﴿وَيفعلون ما يُؤمرون﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;قسطموني: مدينة تقع شمالي تركيا، نفي إليها الأستاذ النورسي سنة ١٩٣٦م وظل فيها تحت الإقامة الجبرية إلى أن سيق منها سنة ١٩٤٣ موقوفًا لمحاكمته في محكمة الجزاء الكبرى في &#8220;دنيزلي&#8221;.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن كل ربيع يُقبل هو بحكم حشر للربيع السابق الذي قامت قيامته وانتهت حياته. (المؤلف).</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&#8220;أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع إلّا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا للّٰه تعالى&#8221;. (انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٧٣؛ الترمذي، الزهد٩؛ ابن ماجه، الزهد ١٩).</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: الترمذي، الجنائز ٧٠؛ ابن ماجه، الجنائز ٦٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٢٦، ٤/٢٨٨.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦، أبو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;روى أبو داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: أُذن لي أن أتحدث عن ملَك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، ومن شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام فيقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2589</post-id>	</item>
		<item>
		<title>الشعاع الحادي عشر: رسالة الثمرة (1/2)</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b4%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d8%25a7%25d8%25af%25d9%258a-%25d8%25b9%25d8%25b4%25d8%25b1-%25d8%25b1%25d8%25b3%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25a9-1-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 19 May 2025 12:20:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الشعاعات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2588</guid>

					<description><![CDATA[[هذا القسم من الشعاع الحادي عشر فيه توجيهاتٌ مهمةٌ باغتنام رأسمال العمر واستثمار الشباب، والاستعداد للموت، وأهم الواجبات في حياة الإنسان، كما يتحدث عن مسائل قرآنية مهمة منها: خطاب القرآن لكل إنسان في كل زمان، ووجوه إعجازه ومقاصده وحكمة تكراراته] تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي &#160; الشعاع الحادي عشر: رسالة الثمرة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[هذا القسم من الشعاع الحادي عشر فيه توجيهاتٌ مهمةٌ باغتنام رأسمال العمر واستثمار الشباب، والاستعداد للموت، وأهم الواجبات في حياة الإنسان، كما يتحدث عن مسائل قرآنية مهمة منها: خطاب القرآن لكل إنسان في كل زمان، ووجوه إعجازه ومقاصده وحكمة تكراراته]</strong></p>
<p style="text-align: center;">تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;"> ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2591" aria-describedby="caption-attachment-2591" style="width: 736px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2591" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3.jpg" alt="إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان..فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد، والبيت والمحلة والمدينة، والبلاد والكرة الأرضية والبشرية، وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلها دوائر متداخلة بعضُها في البعض الآخر، فكل إنسانٍ له نوعٌ من الوظيفة في كل دائرةٍ من تلك الدوائر؛ ولكنَّ أعظم الواجبات وأهمها، بل أدومها بالنسبة له، هي في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه، بينما أصغر الواجبات وأقلها شأنًا ودوامًا هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه. فأعظم قضيةٍ مصيريةٍ للإنسان هي: أنْ يكسب الإنسانُ بالإيمان أو يخسر دونه مُلكًا عظيمًا خالدًا ومساكنَ طيبة في جناتِ عدنٍ عرضُها السماوات والأرض.. فمن لم يَفُزْ بشهادة الإيمان ولم يَرْعَها حقَّ رعايتها فسوف يُضيِّع حتمًا تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين." width="736" height="736" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3.jpg 736w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-300x300.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/05/0f5c5136220d967f1e57601dc6e5aee3-150x150.jpg 150w" sizes="(max-width: 736px) 100vw, 736px" /><figcaption id="caption-attachment-2591" class="wp-caption-text">إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان..<br />فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد، والبيت والمحلة والمدينة، والبلاد والكرة الأرضية والبشرية، وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلها دوائر متداخلة بعضُها في البعض الآخر، فكل إنسانٍ له نوعٌ من الوظيفة في كل دائرةٍ من تلك الدوائر؛ ولكنَّ أعظم الواجبات وأهمها، بل أدومها بالنسبة له، هي في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه، بينما أصغر الواجبات وأقلها شأنًا ودوامًا هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه.<br />فأعظم قضيةٍ مصيريةٍ للإنسان هي:<br />أنْ يكسب الإنسانُ بالإيمان أو يخسر دونه مُلكًا عظيمًا خالدًا ومساكنَ طيبة في جناتِ عدنٍ عرضُها السماوات والأرض.. فمن لم يَفُزْ بشهادة الإيمان ولم يَرْعَها حقَّ رعايتها فسوف يُضيِّع حتمًا تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">الشعاع الحادي عشر: رسالة الثمرة</h1>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الشعاع الحادي عشر</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الثمرة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ثمرة من ثمار سجن دنيزلي</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تمهيد]</h2>
<p>هذه الرسالة دفاع الإيمان ترفعه رسائل النور لصدّ الزندقة والكفر المطلق، فليس لنا دفاعٌ حقيقي عن قضيتنا -في سجننا هذا- إلّا هذا الدفاع، فنحن لا نسعى إلّا للإيمان.‌</p>
<p>وهي خاطرةُ ثمرةٍ أثمرها سجنُ &#8220;دنيزلي&#8221; في يومين من أيام الجُمَع المباركة.‌</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة الثمرة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿فَلِبثَ في السجن بضع سِنِينَ﴾</strong></p>
<p>نفهم من أسرار هذه الآية الكريمة أن يوسف عليه السلام هو قدوة المسجونين ورائدُهم، فيصبح السجن إذن نوعًا من &#8220;مدرسة يوسفية&#8221;.</p>
<p>وحيث إن عددًا غفيرًا من طلاب النور قد دخلوا هذه المدرسة مرتين، لذا ينبغي لهم أن يتدارسوا ويُدرِّسوا قسمًا من خلاصة المسائل الإيمانية التي أثبتتها رسائل النور ولها مساسٌ بالسجن، للاسترشاد بها ولتقويم الأخلاق والسلوك في هذه المدرسة المفتوحة لتلقي التربية.</p>
<p>وها نحن أُولاء نبيِّن بضعًا من تلك الخلاصات.‌</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة الأولى: اغتنام رأسمال الحياة]</strong></h1>
<p><strong>المسألة الأولى</strong><strong>‌</strong></p>
<p>يمكن تلخيص هذه المسألة التي تم إيضاحُها في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/11/15/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%a9-%d8%b9%d9%90%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/">الكلمة الرابعة</a></strong>&#8221; كما يأتي:</p>
<p><strong>إن رأس مال حياتنا</strong> هو هذه <strong>الساعات</strong> الأربع والعشرون التي يَحملها إلينا اليومُ نعمةً خالصةً من نِعَم خالقنا الكريم جل جلاله، لنكسب بكل ساعةٍ من هذه الساعات ما يلزمنا، وما هو ضروريٌّ في حياتَينا كلتَيهما الدنيوية والأخروية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ساعة كل يوم تجعل حياتنا القصيرة خالدةً زاهرة]</h3>
<p><strong>وما لم نصرِف ساعةً واحدة</strong> -وهي كافية لأداء الصلوات المفروضة- لحياتنا الأخروية الخالدة، بينما نصرف ثلاثًا وعشرين ساعة في سبيل هذه الحياة الدنيا القصيرة، نكون قد ارتكبنا خطأً جسيمًا لا يستصوبُه عقلٌ سليم، فلا جَرَم أننا نعاني نتيجةَ هذا الخطأ الفادح غلظةَ القلب وقسوتَه، وانقباضَ الروح وظلمتَها، المؤدية بمجموعها إلى تعكير صفو الأخلاق، وتلّوث نقاوة الروح.. وفوق هذا تمضي حياتُنا رتيبة مملّة يائسة خاوية المعنى، فيصيبنا الضجَرُ، فلا نكاد نفيد من دروس هذه المدرسة اليوسفية، ومن محنة الامتحان والابتلاء ما يربينا ويرقى بنا، <strong>فنخسر بهذا خسرانًا مبينًا</strong>.</p>
<p><strong>أما إذا صرفنا ساعةً واحدة</strong> في أداء <strong>الصلوات الخمس</strong>، فكل ساعة من ساعات الابتلاء وأوقات المحن تتحول إلى يومٍ من العبادة، فكأن الساعات الفانية قد اكتسبت -ببركة هذه الساعة- صفةَ الخلود، وأصبحت في حكم <strong>ساعاتٍ أبديةٍ باقية</strong>، فتنـزاح عن القلب سحُبُ اليأس، ويتبدد عن الروح ظلامُ القنوط، وتصبح هذه الساعة من العبادة كفّارةً لبعض ما ارتُكِب من أخطاء وذنوب، ربما كانت السببَ في الدخول إلى السجن؛ وبذلك نكتشف حكمةَ ابتلائنا، بالسجن ويغدو السجنُ مدرسةً نتلقى فيها الدروس النافعة، ونجد فيه مع إخوتنا في المصيبة والبلاء العزاءَ والسلوان.</p>
<p>وقد ذُكر في &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/11/15/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%a9-%d8%b9%d9%90%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/">الكلمة الرابعة</a></strong>&#8221; أيضًا مثالٌ يبين فداحةَ الخسارة التي تصيب مَن يلهث وراء حظِّه من الدنيا ويَعزِف عن الآخرة وهو: هناك من يدفع خمسًا أو عشرًا من أربع وعشرين ليرة يملكها في شراء بطاقة قمار اليانصيب -ربما يكون احتمال الفوز بها واحدًا من ألف، لوجود ألفٍٍ من المشتركين معه- بينما لا يصرف واحدًا من أربع وعشرين ساعة يملكها في شراء بطاقة تربّحه كنـزًا خالدًا أخرويًّا. علمًا أنَّ احتمال الفوز بها -للمؤمنين الذين خُتمت أعمالُهم بالحسنى- هو بيقينِ تسعٍ وتسعين وتسعمائة من ألف، كما أكد ذلك جميعُ الأنبياء والرسل الكرام عليهم السلام، وصدّقهم -كشفًا وتحقيقًا- الأولياءُ والأصفياء الذين لا يحصرهم العد.</p>
<p>فهذا الدرس البليغ من رسائل النور ينبغي أن يرتاح إليه مسؤولو السجن وكلُّ مَن يعنيه أمر البلاد وشؤونها، لأنه قد ثبت بالتجربة أن إدارة ألفٍ من المؤمنين المشفقين من عذابِ سجنِ جهنم والمستجيرين باللّٰه منها، هي أسهل بكثير من إدارة عشرةٍ من تاركي الصلاة، ومن فاسدي العقيدة والأخلاق، الذين لا يرتدعون إلّا بعقاب الدنيا وسجنها، ولا يميزون الحلال عن الحرام.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة الثانية: الموت قادم وأمامنا خياران]</strong></h1>
<p><strong>خلاصة المسألة الثانية</strong><strong>‌</strong></p>
<p>مثلما بينَتْ رسالةُ &#8220;مرشد الشباب&#8221; ووضّحتْها إيضاحًا جميلًا من أن <strong>الموت لا مفرّ منه أبدًا</strong>، بل إن مجيئه أيقنُ من مجيء الليل لهذا النهار، ومن تعاقب الشتاء لهذا الخريف. وكما أن هذا السجن مَضيفٌ مؤقت لا يكاد يفرغ حتى يُملأ من جديد، فالدنيا كذلك كالفندق، وكمنـزلِ حِلٍّ وتَرحالٍ مُقامٍ على طريق القوافل المسرعة.</p>
<p>فالموت الذي يفرغ كلَ مدينة من سكانها مائةَ مرة، ويدفع بهم إلى المقابر لا بد أنه يطلب شيئًا أكثر مما تطلبه هذه الحياة الفانية.</p>
<p>ولقد حلَّتْ رسائل النور لغز هذه الحقيقة المدهشة، وكشفَتها، وخلاصتها هي:</p>
<p>ما دام الموت لا يُقتل، وبابُ القبر لا يُغلق، فإن أعظم ما سيَشغل بالَ الإنسان ويُشكِّل أكبرَ معضلةٍ له هو <strong>النجاة من يد جلاد الموت</strong> هذا، <strong>والخلاص من سجن القبر</strong> المنفرد.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حقيقة الموت والقبر]</h3>
<p>ولقد أثبتت رسائل النور إثباتًا جازمًا -بفيضٍ من نور القرآن الكريم- أنَّ لهذه المعضلة علاجًا، وخلاصته هي أن <strong>الموت</strong> إما هو <strong>إعدام أبدي</strong>، وفناءٌ تام يصيب المرءَ وأحبته، وذوي قرباه جميعًا؛ أو هو <strong>تسريحٌ من العمل</strong> للذهاب إلى عالَم آخر أفضل، وجوازُ سفرٍ للدخول إلى قصور السعادة بشهادة الإيمان ووثيقته..</p>
<p>أما <strong>القبر</strong> فهو إما <strong>سجن انفرادي</strong> مُظلم وبئر سحيقة، أو هو <strong>بابٌ إلى روضاتٍ خالدةٍ</strong> ومَضيفٍ منوّرٍ بعد السراح من سجن الدنيا.</p>
<p>وقد أثبتت رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221; هذه الحقيقةَ بمثال، وهو أنه نُصبت في فناء هذا السجن أعوادُ مشانقَ تستند على جدار، خلفه دائرةٌ عظيمة تَمنح جوائزَ سخيةً يشترك فيها الناس كلُّهم، ونحن المساجين الخمسمائة ننتظر دورَنا لنُدعى إلى ذلك الميدان، فسنُدعى إليه فردًا فردًا شئنا أم أبينا، فلا نجاة!</p>
<p>فإما إنه سيُقال لكل منَّا: &#8220;تعال تسلَّمْ أمر إعدامك واصعد المشنقة&#8221;.</p>
<p>أو: &#8220;تسلّم أمر السجن الانفرادي الأبدي وادخله من هذا الباب المفتوح&#8221;.</p>
<p>أو يُقال: &#8220;بشراك! فقد فزتَ ببطاقةٍ تربّحك ملايين الليرات الذهبية، هيا خذها&#8221;.</p>
<p>فها نحن أولاء نشاهد إعلانات هذه الدعوة منتشرةً هنا وهناك، ونرى أناسًا يَصعدون المشانق بالتعاقب، ومنهم مَن يتدلى، ومنهم مَن يتخذها دَرَجًا وسُلَّمًا للبلوغ إلى دائرة الجوائز الواقعة خلفَها، وقد أصبحنا على يقينٍ جازمٍ بما يدور في تلك الدائرة -كأننا نراه رأيَ العين- استنادًا إلى ما يرويه كبارُ موظفي تلك الدائرة من رواياتٍ صادقةٍ لا تقبل الشك.</p>
<h3 style="text-align: center;">[فريقان لا ثالث لهما]</h3>
<p>دخلَتْ سجنَنا -في هذه الأثناء- <strong>طائفتان</strong>، تحمل <strong>إحداهما</strong> آلات الطرب وقناني الخمر مع حلويات، ظاهرها العسل وباطنها السموم، دسّتها شياطينُ الإنس، وهم يقدمونها إلينا ويرغّبوننا في تناولها.</p>
<p>أما <strong>الجماعة الثانية</strong> ففي أيديهم كتب تربوية ومنشورات أخلاقية مع مأكولات طيبة ومشروبات مباركة، يقدمونها هدايا لنا، ويذكرون لنا بالاتفاق والاطمئنان الكامل واليقين التام:</p>
<p>أنَّ ما تقدمه <strong>الطائفةُ الأولى</strong> لكم من مأكولات ما هي إلّا للامتحان والاختبار، فإذا ما قبلتموها ورضيتم بها فسيكون مصيرُكم كما هو ماثل أمامكم في المشانق، أما إذا رضيتم بهدايانا -التي نقدّمها إليكم باسم حاكم هذه البلاد وبأمره- وتلوتُم ما في تلك الكتب من تعليمات وأذكار، فستنجون من الإعدام وتستلمون بطاقة الجائزة من تلك الدائرة، لتفوزوا بالربح العظيم، هديةً من السلطان وكرمًا منه وفضلًا.. صدِّقوا بما نقوله لكم واعتقِدوا به اعتقادًا راسخًا كأنكم ترونه في وضح النهار.. ولكن حذارِ من تلك الحلوى المعسّلة -المحرّمة أو المُريبة- فلو أكلتم منها تلوّت بطونُكم بمغصٍ شديدٍ من أثر السموم، فتقاسون منها الآلام لحين صعودكم المشانق.</p>
<p>وهكذا على غرار هذا المثال، سَيَهَب القدرُ الإلهي للمؤمنين الذين قضوا حياتهم بالطاعة، وخُتمت أعمالُهم بالحسنى: خزائنَ أبدية لا تنضُب بعد أن ينتهي أجلُهم في الدنيا.</p>
<p>أما أولئك المتمادون في الضلالة والفسق من دون أن يثوبوا إلى ربهم، فسيُعدَمون إعدامًا نهائيًّا (لمن لا يؤمن بالآخرة)، أو يزَجُّون في سجن انفرادي مظلم أبدي (لمن يتمادى في غيّه وسفهه مع إيمانه ببقاء الروح)، فهؤلاء يتسلمون قرار شقائهم الأبدي بيقين يبلغ تسعًا وتسعين بالمائة.</p>
<p>نعم، يخبر بهذا الخبر الصادق مائةٌ وأربعة وعشرون ألفًا من <strong>الأنبياء</strong> عليهم السلام<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، وبين أيديهم معجزاتٌ تصدقهم، ويخبر أكثر من مائة وأربعة وعشرين مليونًا من <strong>الأولياء</strong> قدس اللّٰه أسرارهم، المقتفين آثار الأنبياء والمصدّقين بما أُخبروا به كشفًا وذوقًا، ويُخبِر به كذلك مَن لا يحصيهم العدُّ من <strong>العلماء</strong> المحققين<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> والمجتهدين والصديقين الذين أثبتوا دعواهم وتصديقهم عقلًا وفكرًا بالبراهين الدامغة والحجج القاطعة، فأخبروا يقينًا ما أخبر به أولئك الأفذاذُ من تلكما الطائفتين.</p>
<p>فهؤلاء <strong>الطوائف الثلاث العظيمة</strong> والجماعات الغفيرة من أهل الحق والحقيقة -وهم روّاد الإنسانية وشموسُ البشرية وأقمارها- يخبرون جميعًا بتلك الحقيقة إجماعًا وتواترًا.. فيا خسارة من لا يهتم بأوامرهم، ولا يسلك الصراط السوي المؤدي إلى السعادة الأبدية بإرشاداتهم، ولا يكترث بمصيره المؤلم -وهو بيقينٍ يبلغ تسعًا وتسعين بالمائة- في حين أنه لا يسلك طريقًا فيه احتمالٌ واحدٌ من الخطورة واستنادًا على قول مخبر واحد، بل يستبدل به طريقًا آخر ولو كان أطول.</p>
<p>فهؤلاء أشبه بسِكِّيرٍ أو معتوهٍ شقي يلتهي بلَسع الذباب عن انقضاض وحوش كاسرة عليه، إذ قد فَقَد عقلَه وأضاع قلبه وأفسد روحه ودمّر إنسانيته؛ لأنه رغم التبليغات الصادقة الصادرة من أولئك المخبرين الذين لا يحصرهم العدّ فقد ترك الطريق الأقصر والأسهل المؤدي إلى الفوز المحقق بالجنة والسعادة الأبدية، واختار طريقًا أطول منه وأوعر وأضيق، والذي يؤدي به إلى سجنِ جهنم والشقاء الأبدي حتمًا.</p>
<p>بينما الإنسان -كما قلنا- لا يلِج طريقًا قصيرًا في الدنيا فيه احتمالُ واحدٍ بالمائة من الخطورة، أو فيه سجنُ شهرٍ واحد وبناءً على كلامِ مُخبِرٍ واحد، وقد يكون كاذبًا، بل يفضِّل عليه طريقًا آخر ولو كان طويلًا، أو من دون نفع، وذلك لمجرد خلوِّه من الضرر.</p>
<p>فما دامت حقيقة الأمر هذه، فينبغي لنا نحن معاشر المبتلين بالسجن أن <strong>نَقبل بكل رضى وسرور هدايا الطائفة الثانية</strong> لنثأر لأنفسنا من مصيبة السجن؛ إذ كما أن لذةَ دقيقة في الانتقام، ومتعةَ بضع دقائق أو ساعات في السفاهة قد زَجّت بنا إلى السجن، فيقضي فيه بعضُنا خمس عشرة سنة، والبعض الآخر عشر سنوات، وآخرون خمس سنوات، أو سَنةً أو سنتين أو ثلاثًا من الأحكام.. فعلينا إذن -وأنفُ السجن راغم- أن نحوِّل بقبولنا هدايا القافلة الثانية، هذه الساعاتِ القليلةَ إلى أيامٍ من العبادة مثلها، ونحوِّل سنتين أو ثلاثًا من عقابنا إلى عشرين وثلاثين سنة من العمر الخالد، ونبدِّل بعشرين سنةً أو ثلاثين سنةً من مكوثنا في السجن ملايين السنوات الخالدة، فتكون الأحكام الصادرة علينا وسيلةَ نجاةٍ من سجن جهنم؛ وحينها تبتسم حياتنا الأخرى وتُسَرُّ إزاء بكاء دنيانا وحزنِها، ونكون بذلك قد ثأرنا لأنفسنا من تلك المحنة وأظهرنا حقًّا أن السجن مدرسة تربوية لتقويم الأخلاق.</p>
<p>فليشاهد مسؤولو السجن ومن يتولَّون أمره، أن من ظنّوهم مجرمين قتلَة، وحسِبوهم سفهاء مخلّين بالنظام، قد أصبحوا طلابَ مدرسةٍ تربويةٍ مباركةٍ يتعلمون فيها الأدب الجميل والخلق القويم، وغدَوا أعضاءً نافعين للبلاد والعباد.. فليشكروا ربهم أجزل شكر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة الثالثة: الإنسان والزمان بمنظار الإيمان]</strong></h1>
<p><strong>المسألة الثالثة</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[مشهد حزين في حادثة ذات عبرة]</h3>
<p>وهي حادثة ذات عبرة، سبق ذكرها في &#8220;مرشد الشباب&#8221; مفصلًا، وخلاصتها هي:</p>
<p>كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسًا أمام شباك سجن &#8220;أسكي شهر&#8221; الذي يُطِل على مدرسةٍ ثانوية، وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفِنائها ببهجة وسرور، فتراءتْ لي فجأةً على شاشةٍ معنويةٍ ما يَؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة، فرأيت أن نحوًا من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة يتحولن إلى تراب ويعذَّبن في القبر، وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات بلغن السبعين والثمانين من العمر، شاهت وجوههن وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام من نظرات التقزز والاستهجان من الذين كنَّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يَصُنَّ عفتهن أيام شبابهن!</p>
<p>نعم، رأيت هذا بيقين قاطع، <strong>فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخنًا</strong>، أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين.</p>
<p>فقلت لهم: &#8220;دعوني الآن وحالي.. انصرِفوا عني..&#8221;.</p>
<p>أجل، إن ما رأيتُه حقيقةٌ وليس بخيال، إذ كما سيَؤول هذا الصيف والخريف إلى الشتاء، فإن ما خلف صيف الشباب ووراء خريف الشيب، شتاءَ القبر والبرزخ.</p>
<p>فلو أمكن إظهار حوادث ما بعد خمسين سنةً من المستقبل مثلما يمكن ذلك لحوادث الخمسين سنة الفائتة -بجهازٍ كجهاز السينما- وعُرِضت حوادثُ أهل الضلالة وأحوالُهم في المستقبل، إذن لتقززوا ولتألموا ولبَكَوا بكاءً مرًّا على ما يفرحون منه الآن ويتلذذون به من المحرّمات في الوقت الحاضر.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خطة الشيطان للإغراق في الشهوات]</h3>
<p>وبينما كنت غارقًا في التأمل، ومنصرفًا إلى مشاهد الشاشة المعنوية المعروضة أمامي في سجن &#8220;أسكي شهر&#8221;، إذ انتصب أمامي شخصٌ معنويٌّ كأنه يمثل الشيطان الإنسي، يدعو إلى السفاهة، ويروّج للضلالة قائلًا لي: &#8220;نحن نريد أن نستمتع بجميع لذائذ الحياة ونمتّع الآخرين.. بها دعنا وشأننا، وإليك عنا&#8221;.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الماضي والمستقبل بمنظار الضلال]</h4>
<p>فأجبته قائلًا: &#8220;ما دمتَ ترمي بنفسك في أحضان الضلالة والسفاهة حصولًا على لذة جزئية وذوق ضئيل متناسيًا الموت غير آبهٍ به، إذن فاعلم أنَّ &#8220;<strong>الماضي</strong>&#8221; كله -حسب ضلالتك- قد مات واندثر وانتهى إلى العدم، فهو مقبرةٌ عظيمةٌ موحشةٌ مرعبة، قد رَمَّتْ فيها الجثثُ، وبَلِيَتْ فيها الآثار، لذا إن كانت لك مُسكةٌ من عقل أو كنت تملك قلبًا ينبض بالحياة فإن الآلام المتولدة -بمقتضى ضلالتك- من الموت الأبدي، ومن أنواع الفراق غير المحدود لأقاربك وأحبابك غير المعدودين تزيل تلك اللذة الجزئية المسكرة التي تتذوقها في فترة قصيرة جدًّا.</p>
<p>وكما أنَّ &#8220;<strong>الماضي</strong>&#8221; معدوم بالنسبة لك، فـ&#8221;<strong>المستقبل</strong>&#8221; معدوم لك كذلك، وذلك بسبب انعدام إيمانك، بل هو ساحةٌ موحشةٌ رهيبةٌ مظلمةٌ ميتة.. فما من أحدٍ من الموجودات المسكينة يأتي ويبرز إلى الوجود -مارًّا بالحاضر- إلّا ويَقبضه جلادُ الموت ويقذِفه إلى العدم، وأنت لكونك مرتبطًا بتلك العوالم -بحكم عقلك- فإن المستقبل يَصُب على رأسك الملحد مطرَ السَّوء من الآلام الموجعة والقلق الشديد والاضطرابات العنيفة، حتى يجعل جميع لذائذك الجزئية السفيهة أثرًا بعد عين.</p>
<h4 style="text-align: center;">[الماضي والمستقبل بمنظار الإيمان]</h4>
<p>ولكن ما إن تنبذ طريق الضلالة وتترك سلوك السفاهة داخلًا حظيرة الإيمان التحقيقي، مستقيمًا عليه، حتى ترى بنور الإيمان أنَّ ذلك <strong>الماضي</strong> السحيق ليس بمعدوم وليس بمقبرة تُبلي كلَ شيء وتفنيه، <strong>بل هو عالم نوراني موجود فعلًا</strong>، الذي ينقلب إلى المستقبل، وهو ساحة انتظار الأرواح الباقية المترقبة للبعث، دخولًا إلى فردوس السعادة الأبدية المعدّة لهم؛ لذا يذيقك -وأنت ما زلت في الدنيا- لذةَ الجنة المعنوية حسب درجة إيمانك.</p>
<p>كما أن <strong>المستقبل</strong> ليس مؤلمًا ولا مقلِقًا، وليس محلًّا للوحشة، ولا واديًا مظلمًا مخيفًا، بل هو بنور الإيمان منازلُ سعادة أبدية للرحمن الرحيم ذي الجلال والإكرام الذي وسعت رحمته كل شيء وأحاط كرمه بكل شيء؛ فكما فرشَ سبحانه الربيعَ والصيفَ مائدتَين مملوءتَين بأنواعِ النِّعم والمطعومات، فقد بَسَط سبحانه موائد ضيافته الفاخرة في تلك القصور العوالي وفتح معارض إحسانه وآلائه العميمة هناك، والناس يُشَوَّقون إليها بل يساقون.</p>
<p>نعم، هكذا يراها المؤمن بالشاشة الإيمانية -كلٌّ حسب درجته- وبوسعه أن يشعر شيئًا من لذائذ ذلك النعيم المقيم.</p>
<p><strong>فإذن: اللذة الحقيقية الصافية التي لا يكدرها ألَم، إنما هي في الإيمان، وبالإيمان وحده يمكن الفوز بها. </strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[الإيمان شفاء معنوي ولذةٌ خالصة]</h4>
<p>وهناك ألوفٌ من الثمرات اللذيذة للإيمان في هذه الدنيا، وألوفٌ من الفوائد والنتائج، إلّا أننا سنبين واحدة منها بمثال:</p>
<p>تصور -أيها الأخ- أن ابنك الوحيد الذي تُحبُّه كثيرًا جدًّا طريحُ الفراش يعاني من سكرات الموت، وأنت تغوص في تفكير يائس مرير وتتألم ألمًا موجعًا شديدًا من فراقه الأبدي المؤلم.. تصوَّر -وأنت في هذه الحالة اليائسة- إذا بطبيب حاذق -كالخضر أو لقمان عليهما السلام- يأتي ويسقي الطفل دواءً مضادًّا للسموم، وإذا به يفتح عينيه فرحًا جذلًا ببهجة الحياة، وقد نجا من قبضة الموت.. كم يكون يا ترى فرحُك وسرورك اللذان يغمرانك؟</p>
<p>كذلك الحال في أولئك الملايين المدفونين في مقبرة الماضي الذين تحبهم -كهذا الطفل- حبًّا كثيرًا وترتبط معهم بوشائج، فبينما هم على وشك أن يُبادوا ويَفنَوا من الوجود في مقبرة الماضي -في نظرك- إذا بحقيقة الإيمان تَبعث من شُبَّاك القلب نورًا -كما فعل لقمان الحكيم مع ذلك الطفل- إلى تلك المقبرة الواسعة التي يُظَن أنها مقر الإعدام، وإذا الأموات قيامٌ أحياءٌ بذلك النور -في عالم البرزخ- ينادون بلسان الحال&#8221; : لسنا أمواتًا.. ولن نموت أبدًا.. وسنلتقي عما قريب&#8221;.</p>
<p>نعم، مثلما يَبعث شفاءُ الطفل فرحًا وبهجة لا حدَّ لهما بعد اليأس والقنوط، كذلك الأمر هنا، مما يجعلنا نتيقن أن الإيمان -ببثه هذا الفرح والسرور في دنيانا هذه- يُثبت أن حقيقته بذرةٌ تحمل من الحيوية ما لو تجسَّمتْ لنبتت عليها جنةٌ خاصةٌ لكل مؤمن، ولأصبحتْ له شجرةَ طوبى.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا يمكنك أن تتلذذ بالحياة كما يتلذذ الحيوان]</h3>
<p>هكذا قلت لذلك الشيطان الإنسي العنيد؛ إلّا أنه انبرى لي قائلًا: &#8220;دعنا نحيا ولو كالحيوان، غافلين عما يدور حولنا من هذه الأمور الدقيقة، ولنُمْضِ حياتَنا بلذةِ اللهو ونشوةِ اللعب&#8221;.</p>
<p>فأجبته: إنك لا تقاس بالحيوان، ولن تكون مثلَه؛ إذ ليس للحيوان ما يفكِّر به من ماضٍ ومستقبل، فلا يجد الحيوان مما مضى ألمًا ولا أسفًا، ولا يأتيه قلقٌ ولا خوفٌ من المستقبل، لذا يَجد لَذته كاملةً فيشكر خالقه الكريم. بل حتى الحيوانُ المعَدُّ للذبح لا يحس إلّا بألم السكين وهي تمر على حلقومه، وسرعان ما يزول هذا الإحساس، فينجو من ذلك الألم.. <strong>فيا للرحمة الإلهية والشفقة الربانية ما أعظمَها تجليًا في إخفاء الغيب وسَتر المصائب والبلايا.. ولا سيما في الحيوانات والبهائم</strong>.</p>
<p>ولكن أيها الإنسان.. لقد خرج شيء من ماضيك ومستقبلك من الغيب بحُكمِ ما تحمله من عقل، فأنت محرومٌ كليًّا مما تتنعم به الحيوانات من راحة واطمئنان بانسدال ستار الغيب أمامها، فالحسرات والآهات الناشئة مما مضى، وأنواع الفراق الأليم والمخاوف الناجمة من المستقبل تزيل لذتك الجزئية وتُبيدها وتهوي بك في درجة أدنى بكثيرٍ من الحيوان من حيث اللذة.</p>
<p>فما دامت الحقيقة هكذا فما عليك إذن إلّا أن تتبرأ من عقلك وترميه خارجًا وتَعُدَّ نفسك حيوانًا فتنجو، أو تُنوِّر عقلَك بنور الإيمان، وتنصت إلى الصوت العذب للقرآن الكريم، فتكونَ أرقى من الحيوان وأرفع، مغتنِمًا لذائذَ نقيةً صافيةً طاهرةً وأنت ما زلت في هذه الدنيا الفانية.</p>
<p>فألزمتُه بهذه الحجة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[لا يمكنك أن تعيش كملاحدةِ الأجانب]</h3>
<p>ولكنه اعترض قائلًا: &#8220;سنعيش في الأقل مثل ملاحدة الأجانب&#8221;.</p>
<p>فقلت له جوابًا: &#8220;لن تكون حتى مثل أولئك الملاحدة الأجانب، لأنهم إن أنكروا نبيًّا واحدًا فإنهم يؤمنون بسائر الأنبياء. وحتى إذا لم يعرفوا أحدًا من الأنبياء، فقد يكون لهم إيمانٌ باللّٰه.. وإن لم يكن لهم هذا الإيمان أيضًا، فلربما لهم ما يوصلهم إلى الكمال من سجايا حميدة وخصال إنسانية.</p>
<p>أما إذا أنكر المسلمُ خاتمَ النبيين ﷺ، وجحد بالدين الذي لا دين غيرَه في الحق والشمول، وفسَقَ عن دائرة هدايته، وحلَّ رقبته منها، فلا يرضى بنبي آخر، بل لا يقبل الإيمان باللّٰه، لأنه ما عرف سائرَ الأنبياء ولا اهتدى إلى الإيمان باللّٰه إلّا عن طريقه ﷺ وبتبليغه وإرشاده وهديه.. لذا لا يبقى في قلبه شيء من أولئك دون الإيمان به ﷺ.</p>
<p>ومن هنا كان الناس من سائر الأديان منذ زمن سحيق يدخلون دين الإسلام أفواجًا، بينما لم يحدث أن أصبح مسلم واحد قط يهوديًّا حقيقيًّا ولا مجوسيًّا ولا نصرانيًّا، وربما يصبح ملحدًا فاسد الأخلاق والسجايا مضرًّا بالبلاد والعباد&#8221;.</p>
<p>هكذا أقمتُ الحجة على ذلك العنيد من أنه <strong>لا يستطيع التشبه حتى بملاحدة الأجانب</strong>.. ولمّا لم يجد ما يستند إليه، خَنَس وولى إلى جهنم وبئس المصير.</p>
<p>فيا زملائي المجتمعين في هذه المدرسة اليوسفية.. ما دامت الحقيقة هي هذه، ورسائل النور قد نشرت نورَها -ولا تزال- منذ عشرين سنة وهي تكسر عناد المتمردين وترغمهم على الإيمان، فعلينا إذن التمسك بالإيمان والصراط المستقيم السهل النافع السليم لدنيانا ومستقبلنا وآخرتنا وبلادنا وأمتنا، وذلك بأن لا نقتل أوقاتنا فيما لا يعني من ترهات الخيال وسفساف الآمال، بل نحييها بتلاوة ما نعلمه من سور القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وبتعلم معانيها من إخواننا العالمين بها، وبقضاء ما فاتنا من الصلوات المكتوبة، وبكسب الأخلاق الحميدة من بعضنا البعض، فلعل اللّٰه سبحانه يجعلنا ممن يغرسون في هذا السجن الغراسَ لتخرج منه أشجارٌ مثمرة نافعة. ونسعى جاهدين ليكون مسؤولو السجن أساتذة مرشدين يهيئون في هذه المدرسة اليوسفية رجالًا إلى الجنة، ومشرفين طيبين يتولون حسن توجيههم، وليسوا زبانية عذابٍ على جناة قتلة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة الرابعة: أهم الواجبات أَولى بالاشتغال]</strong></h1>
<p><strong>المسألة الرابعة</strong><strong>‌</strong></p>
<p><strong>سألني يومًا إخواني الذين يتولون خدمتي قائلين:</strong></p>
<p>لقد أخذت الحربُ العالميةُ باهتمام الناس، وشغلتِ الكرةَ الأرضيةَ وأوقعتْها في اضطرابٍ وقلق، وهي ذاتُ علاقةٍ بمقدَّرات العالم الإسلامي، إلَّا أننا نراك لا تسأل عنها رغم مرور خمسين يومًا على نشوبها -بل سبع سنين<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>&#8211; في الوقت الذي نرى متدينين وعلماء يدَعون الجامع والجماعة مهرعين إلى استماع الراديو، فهل هناك قضية أعظم منها تشغل بالك؟ أم أن الانشغال بها فيه خسارة وضرر؟</p>
<h3 style="text-align: center;">[دائرة الوظيفة ودائرة الاهتمامات]</h3>
<p><strong>فأجبتهم</strong>: إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان..</p>
<p>فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد، والبيت والمحلة والمدينة، والبلاد والكرة الأرضية والبشرية، وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلها دوائر متداخلة بعضُها في البعض الآخر، <strong>فكل إنسانٍ له نوعٌ من الوظيفة في كل دائرةٍ من تلك الدوائر؛</strong> ولكنَّ أعظم الواجبات وأهمها، بل أدومها بالنسبة له، هي في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه، بينما أصغر الواجبات وأقلها شأنًا ودوامًا هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه.</p>
<p>فقياسًا على هذا: يمكن أن تتناسب الوظائف والواجبات تناسبًا عكسيًّا مع سعة الدائرة، <strong>أي كلما صغرت الدائرة وقربت عظُمت الوظيفة، وكلما كبُرت الدائرة وبَعُدت قلّت أهميةُ الوظيفة</strong>.</p>
<p>ولكن لمّا كانت الدائرة العظمى فاتنةً جذابة، فهي تشغل الإنسان بأمور غير ضرورية له، وتَصرف فكرَه إلى أعمال لا تَعنيه بشيء، حتى تجعله يهمل واجباته الضرورية في الدائرة الصغيرة القريبة منه، فيُهدر -عندئذٍ- رأسَ مال عمره، ويضيّع حياته سُدًى.</p>
<p>زِد على ذلك قد يميل قلبُه وينحاز إلى إحدى الجهتين المتخاصمتين لتَـتَـبُّعه بلهفةٍ أخبارَ الحرب الطاحنة بينهما، فلا يجد في نفسه إنكارًا لمظالم تلك الجهة، بل يرتاح إليها، ويكون شريكًا لها في ظلمها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[أهم قضيةٍ يجب على كل إنسانٍ أن يشتغل بها أولًا]</h3>
<p>أما الجواب عن النقطة الأولى فهو أنَّ أمام كل إنسان -ولا سيما المسلم- مسألةً مهمة وحادثة خطيرة، هي أعظم من الصراع الدائر بين الدول الكبرى لأجل السيطرة على الكرة الأرضية، تلك المسألة هي من الأهمية والخطورة ما لو امتلك الإنسان العاقل قوةَ الألمان والإنكليز وثروتَهما معًا، لَما تردد في أن يضعها كلَّها لأجل كسب تلك القضية المبتغاة.</p>
<p>تلك القضية هي التي أَعلنها مائةُ ألفٍ من المُصطَفَين الأخيار، ورفع رايتَها ما لا يحد من نجوم البشرية ومرشديها المستندين إلى آلاف من مواثيق رب العالمين ومن وعوده وعهوده، بل لقد شاهدها قسمٌ منهم عِيانًا، تلك القضية قضيةٌ مصيريةٌ للإنسان وهي:</p>
<p><strong>أنْ يكسب الإنسانُ بالإيمان أو يخسر دونه مُلكًا عظيمًا خالدًا ومساكنَ طيبة في جناتِ عدنٍ عرضُها السماوات والأرض</strong>.. فمن لم يَفُزْ بشهادة الإيمان ولم يَرْعَها حقَّ رعايتها فسوف يُضيِّع حتمًا تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خسارةٌ كبرى]</h3>
<p>ولقد ضيَّع الكثيرون في عصرنا هذا -ممن ابتُلوا بطاعون المادية- قضيتَهم هذه، حتى كشف أحدُهم -وهو من أهل العلم والكشف- وشاهد أنَّ أفرادًا قلائل فقط من كل أربعين شخصًا -في مكان ما- هم الذين نجَوا بإيمانهم في سكرات الموت وخُتمت حياتهم بالحسنى، أما الباقون فهلكوا!</p>
<p>تُرى لو عُوِّض أحدُ هؤلاء سلطانَ الدنيا ومُلكَها وزينتَها بديلًا عن تلك القضية العظمى، أفيكون هذا البديل كفوًا لما فاته؟ أو يَسدُّ مَسَدَّه بحالٍ من الأحوال؟ كلا!</p>
<p>ولهذا فنحن معاشرَ طلبة النور نعلم يقينًا أنّ ترْكَ خدماتٍ عظيمةٍ تُكسِب لنا تلك القضية، وإهمالَ مهماتِ وكيلها الذي يصونها لتسعين بالمائة، والانشغالَ عنها بما لا يعني من أمورٍ خارجيةٍ واهتماماتٍ تافهة كأنَّ الدنيا خالدة، ما هو إلّا من سخافة العقل وجنونه.</p>
<p>فنحن على يقينٍ تامٍّ واطمئنانٍ كاملٍ من هذا، لذا لو ملَكَ أحدُنا عقلًا وإدراكًا للأمور أضعافَ أضعافِ ما يملكه الآن لبذَله كله فيما يَلزم تلك القضية وفي سبيلها.</p>
<h3 style="text-align: center;">[رسائل النور طوق النجاة]</h3>
<p>فيا إخوتي الحديثي العهد بمصيبة السجن.. إنكم لم تطَّلعوا بعدُ على رسائل النور كما اطَّلع عليها إخواني السابقون الذين دخلوا السجن معنا، فإني أُسمعكم قولًا وأُشهِد عليه أولئك الإخوة جميعًا أُلوفًا من أمثالهم، وقد قلته مرارًا، وأثبتُّه تكرارًا:</p>
<p>إن رسائل النور قد أكسبَتْ تسعين بالمائة منهم تلك القضية العظمى، وهي التي سلَّمتْ وثيقةَ الفوز وشهادتَه -وهي الإيمان التحقيقي- لعشرين ألفًا من الناس خلال عشرين سنة خلت.</p>
<p>فلا غرو.. فقد نبعَتْ من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، وأصبحتْ في مقدمةِ وكلاءِ القضيةِ العظيمةِ والمدافعين عنها في هذا الزمان، فرغم انقضاء ثماني عشرة سنة والأعداءُ والزنادقة والماديون يحيكون أنواعًا من الدسائس والمكر الخبيث، وما زالوا يحرّضون قسمًا من الموظفين علينا مستغفلين إياهم في سبيل إبادتنا حتى زجَّونا في غياهب السجون مثل هذه المرة، إلّا أنهم لم يفعلوا شيئًا يُذكر، ولن يفعلوا بإذن اللّٰه، ذلك لأنهم لم يتمكنوا من أن يتعرضوا لقلعةِ رسائلِ النورِ الفولاذية، ولا أن يمسوا أعتدتَها البالغةَ مائةً وثلاثين عتادًا (رسالة) سوى رسالتين أو ثلاث منها.</p>
<p>لذا فمن أراد أن يُوكِّل محاميًا يدافع عن قضيته يكفي أن يتحصن بها ويقتبس من نورها.</p>
<p>فيا أيها الإخوة.. لا تخافوا، إن رسائل النور لن تُمنَع عن الأنظار، ولن تُحجَب عن الرؤية، ولن تُرفع من الأوساط بإذن اللّٰه، إذ يتداول أجزاءَها المهمة -ما عدا رسالتين أو ثلاثة- نوابُ البرلمان وأركان الدولة بحرية تامة.</p>
<p>وسيأتي ذلك اليوم الذي يوزِّع فيه الموظفون والمدراء المحظوظون إن شاء اللّٰه رسائلَ النور على المسجونين كما يوزِّعون عليهم الخبز والعلاج، وسيحوِّلون السجون إلى مدارس إرشادٍ وتربيةٍ وإصلاح.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة الخامسة: الشباب موردٌ محدود.. كيف نجعله مستمرًّا؟]</strong></h1>
<p><strong>المسألة الخامسة</strong><strong>‌</strong></p>
<p>كما فُصّل في رسالة &#8220;مرشد الشباب&#8221;: إن الشباب ذاهب وآفل، وسيزول لا محالة؛ إذ كما أن الصيف يَخْلُفه الخريفُ والشتاء، والنهارَ يعقبه المساءُ والليل، فالشباب كذلك سيتحول إلى مشيبٍ وإلى الموت، بمثل هذه الحقيقة المحتمة.</p>
<p><strong>فإذا ما بذل الشاب ما يملك من طاقةٍ مؤقتةٍ في سبيل الخير والصلاح، ضِمن دائرة الطُّهر والعفة والاستقامة، فإن الأوامر السماوية كلَّها تبشِّره بأنه سيَغْنم به شبابًا باقيًا لا زوال له.</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[بعض أخطاء الشباب قد تكون مدمِّرة]</h3>
<p>و كما أن غضبَ دقيقةٍ واحدةٍ قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمةِ قتلٍ فيقضي مقاساة ملايين من الدقائق في مقاساة من عذاب السجن، كذلك نشوةُ الشباب وسفاهته، وأذواقه العابرة -في غير ما أحلّ اللّٰه- تسبب له آلامًا أكثر وأعمق في ذات اللذة نفسها، فضلًا عن العقاب الرهيب في الآخرة، والعذابِ المرير في القبر، وعلاوةً على معاناة الحسرات العميقة المنبعثة من زوال اللذة، والعقاب في الدنيا المترتب على الذنوب والآثام. يشهد بصدق وجود هذه الآلام في اللذة نفسها كلُّ شاب حصيف، بما مر عليه من تجارب.</p>
<p><strong>فمثلًا</strong>: إن الحُب المحرّم، أو العشق لغير وجه الحق، فيه من الآلام ما ينغّص اللذةَ الجزئية فيه؛ منها الشعور بألم الغيرة والحسد، ومنها ألم الفراق عن المعشوق، ومنها ألم عدم مقابلة المحبة بالمثل.. وغيرها كثير من المنغصات التي تجعل تلك اللذة الجزئية بحكم عسل مسموم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حسرات الشباب وآهاته]</h3>
<p>فإن كنت تريد أن تفهم أنَّ سوء تصرّف الشباب وإسرافَهم في أمرهم يسبب فيهم من الأمراض ما يسوقهم إلى <strong>المستشفيات أو المقابر</strong>..</p>
<p>وإن كنت تريد أن تفهم أن غرور الشباب وطيشهم يدفعهم إلى <strong>السجون</strong>..</p>
<p>وإن كنت تريد أن تفهم أن ما يصيبهم من آلام معنوية وهموم نفسية -من الخواء الروحي والجوع القلبي والفراغ- يسوقهم إلى أبواب <strong>الحانات والملاهي</strong>..</p>
<p>نعم، إنْ كنت تريد أنْ تتحقق من هذا، فاسأل <strong>المستشفيات والسجون والخمَّارات والمقابر</strong>، فستسمع حتمًا <strong>أنات وآهات</strong>، <strong>وبكاءً مريرًا</strong>، وحسرات الندم، وأصوات الأسى والأسف، يُطلقها -على الأغلب- شبابٌ أشقياء، تلَقَّوا الصفعات الموجِعة والضربات الأليمة لخروجهم عمّا أباح اللّٰه لهم من الطيبات بدافعِ نـزواتهم وإسرافهم وسيِّءِ أعمالهم، وارتكابهم المحرمات، وانسياقهم وراء اللذات المشؤومة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سرور الشباب وبشائره]</h3>
<p>بينما إذا ما قضى الشاب عهد شبابه بما أمره اللّٰه به واتّبع الصراط السوي واستقام عليه، فإنه يجعله أحلى نعمة إلهية وأجمل هبة رحمانية، ويتخذه سبيلًا قويمًا ممهدًا إلى الصالحات من الأعمال، ولأثمر له كذلك شبابًا ناضرًا، وفتوة خالدة دائمة في الآخرة بدلًا من هذا الشباب الفاني الزائل.. ذلك ما تبشّرنا به الكتب السماوية والصحف المنـزلة جميعها، وفي مقدمتها القرآن الكريم بآياته المحكمة الكريمة.</p>
<p>فما دامت هذه هي الحقيقة.. وما دام ميدانُ الحلال كافيًا ووافيًا للأُنس والمتعة والنشوة.. وما دامت اللذة الواحدة -ضمن المحرمات- تذيق صاحبَها ألمًا يدوم سنة واحدة من عذاب السجن وأحيانًا عشر سنوات.. <strong>فيلزم إذن قضاء عهد الشباب بالعفة والطهر والاستقامة على الصراط السوي أداءً لشكر تلك النعمة اللذيذة المهداة</strong>، بل هذا هو الألزم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1 style="text-align: center;">[المسألة السادسة: عرِّفْنا على خالقنا]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/#almsalt_alsadst_rifna_ly_khalqna"><strong>المسألة السادسة: عرِّفْنا على خالقنا</strong></a>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1 style="text-align: center;">[المسألة السابعة: علِّمْنا آخرتَنا]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<strong><a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/#almsalt_alsabt_limna_akhrtana">المسألة السابعة: علِّمْنا آخرتَنا</a></strong>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1 style="text-align: center;">[المسألة الثامنة: ثمرات الإيمان بالآخرة]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/#almsalt_althamnt_thmrat_alayman_balakhrt"><strong>المسألة الثامنة: ثمرات الإيمان بالآخرة</strong></a>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1>[المسألة التاسعة: أركانُ الإيمان كلٌّ لا يتجزأ]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/#almsalt_altast_arkanu_alayman_klu_la_ytjza"><strong>المسألة التاسعة: أركانُ الإيمان كلٌّ لا يتجزأ</strong></a>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1 style="text-align: center;"><strong>[المسألة العاشرة: مباحث قرآنية نفيسة]</strong></h1>
<p style="text-align: center;"><strong>المسألة العاشرة</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>زهرة أميرداغ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>(ردٌّ شافٍ ومقنعٌ على اعتراضاتٍ تَرِدُ حول التَّكرار في القرآن الكريم)</strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[تمهيد]</h3>
<p>إخواني الأعزاء الأوفياء.. كنت أعاني من حالةٍ مضطربةٍ بائسةٍ حينما تناولت هذه المسألة بالكتابة، لذا اكتنفها شيءٌ من الغموض لكونها بقيت كما جاءت عفو الخاطر.</p>
<p>ولكني أدركتُ أن تلك العبارات المشوشة تنطوي على إعجاز رائع، فيا أسفى إذ لم أستطع أن أوفي حقَّ هذا الإعجاز من الأداء والتعبير.</p>
<p>فعباراتُ الرسالة مهما كانت خافتةَ الأنوار إلّا أنها تُعَدُّ -من حيث تعلقُها بالقرآن الكريم- &#8220;عبادة فكرية&#8221; و&#8221;صَدَفَة&#8221; تضم لآلئ نفيسة سامية، فالرجاء أن تصرفوا النظر عن قشرتها، وتنعمـوا النظر بما فيها من لآلئ ساطعة، فإن وجدتموها جديرة حقًّا فاجعلوها &#8220;المسألة العاشرة&#8221; لرسالة الثمرة، وإلا فاقبلوها رسالة جوابية عن تهانيكم.</p>
<p>ولقد اضطررتُ إلى كتابتها في غاية الإجمال والاقتضاب، لِما كنت أكابد من سوء التغذية وأوجاع الأمراض، حتى إنني أدرجتُ في جملةٍ واحدةٍ منها حقائقَ وحُججًا غزيرة، وأتممتها -بفضل اللّٰه- في يومين من أيام شهر رمضان المبارك، فأرجو المعذرة عما بَدَر مني من تقصير<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<h3 style="text-align: center;">[آياتُ القرآن لا تتقيد بقيد زمانٍ ولا مكان]</h3>
<p>إخوتي الأوفياء الصادقين..</p>
<p>حينما كنت أتلو القرآن -المعجز البيان- في الشهر المبارك (رمضان)، تدبّرت في معاني الآيات الثلاث والثلاثين -التي وردت إشاراتُها إلى رسائل النور في &#8220;الشعاع الأول&#8221;- فرأيتُ أن كل آية منها -بل آيات تلك الصفحة في المصحف وموضوعها- كأنها تطل على رسائل النور وطلابها من جهةِ نَيلهم غيضًا من فيضها وحظًّا من معانيها.</p>
<p>لا سيما <strong>آية النور</strong> في سورة النور، فهي تشير بالأصابع العشر إلى رسائل النور، كما أن الآيات التي تعقبها -وهي آية الظلمات- تطل على معارضي الرسائل وأعدائها، بل تعطيهم حصة كبرى.</p>
<p>إذ لا يَخفى أن مقام تلك الآيات وأبعادها ومراميها <strong>غيرُ قاصرةٍ على زمانٍ ومكانٍ معيَّنَين</strong>، بل تَشمل الأزمنةَ والأمكنةَ جميعَها، أي تَخرج من جزئيةِ الأمكنة والأزمنة إلى كلِّيتهما الشاملة.</p>
<p>لذا شعرتُ أن رسائل النور وطلابها إنما يمثلون في عصرنا هذا -حق التمثيل- فردًا واحدًا من أفراد تلك الكلية الشاملة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[خطاب القرآن كُلِّيٌّ واسعٌ محيطٌ شامل.. لماذا؟]</h3>
<p>إنّ خطاب القرآن الكريم قد <strong>اكتسب الصفة الكلية والسعة المطلقة والرفعة السامية والإحاطة الشاملة</strong>؛ لصدوره مباشرة من المقام الواسع المطلق <strong>للربوبية</strong> العامة الشاملة <strong>للمتكلم الأزلي</strong> سبحانه..</p>
<p><strong>ويكتسبها</strong> من المقام الواسع العظيم <strong>لمن أنـزل عليه هذا الكتاب</strong>، ذلكم النبي الكريم ﷺ الممثِّل للنوع البشري والمخاطَب باسم الإنسانية قاطبة، بل باسـم الكائنات جميعًا..</p>
<p><strong>ويكتسبها</strong> أيضًا من توجُّه الخطاب إلى المقام الواسع الفسيح <strong>لطبقات البشرية</strong> كافة وللعصور كافة..</p>
<p><strong>ويكتسبها</strong> أيضًا من المقام الرفيع المحيط النابع من البيان الشافي <strong>لقوانين اللّٰه</strong> سبحانه المتعلقة بالدنيا والآخرة، بالأرض والسماء، <strong>بالأزل والأبد</strong>، تلك القوانين التي تخص ربوبيته وتشمل أمور المخلوقات كافة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[وجوهٌ من الإعجاز المعنوي للقرآن]</h3>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز القرآن في مخاطبته جميع الطبقات في جميع الأزمنة]</h4>
<p>فهذا الخطاب الجليل الذي اكتسب من <strong>السعة والسمو والإحاطة والشمول</strong> ما اكتسب، يُبرز إعجازًا رائعًا وإحاطة شاملة، بحيث إنَّ مراتبه الفطرية والظاهرية التي تلاطف أفهام العوام البسيطة -وهم معظم المخاطَبين- تَمنح في الوقت نفسه حصةً وافرةً لأعلى المستويات الفكرية ولأرقى الطبقات العقلية، فلا يهب لمخاطبيه شيئًا من إرشاداته وحدها، ولا يَخصُّهم بعبرةٍ من حكايةٍ تاريخيةٍ فقط، <strong>بل يخاطِب مع ذلك كلَّ طبقة في كل عصر</strong> -لكونها فردًا من أفراد دستور كلّي- خطابًا نَدِيًّا طريًّا جديدًا كأنه الآن ينـزل عليهم.</p>
<p>ولا سيما كثرة تكراره: ﴿الظالمين.. الظالمين﴾ وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نـزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار -بهذا التكرار- إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعًا من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون.</p>
<p>وفي الوقت نفسه يبعث السلوانَ والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاةَ رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام.</p>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز القرآن في بعثه الحياة في الوجود]</h4>
<h5 style="text-align: center;">[بعث القرآن الحياة في الأزمنة]</h5>
<p>ثم إن هذا القرآن العظيم يرشد كل طبقة من كل عصر إرشادًا واضحًا بإعجاز رائع مبينًا أنّ &#8220;الأزمنة الغابرة&#8221; والعصور المندثرة التي هي في نظر الغافلين الضالين وادٍ من عدم سحيق موحش رهيب، ومقبرةٌ مندرسةٌ أليمةٌ كئيبة، <strong>يَعرضها صحيفةً حيّةً تطفح عِبَرًا ودروسًا</strong>، <strong>وعالَمًا</strong> عجيبًا ينبض بالحياة ويتدفق بالحيوية من أقصاه إلى أقصاه، <strong>ومملكة ربانية</strong> ترتبط معنا بوشائج وأواصر فيبينها -بإعجازه البديع- واضحة جلية <strong>كأنها مشهودةٌ تُعرَض أمامنا على شاشة</strong>، فتارة يأتي بتلك العصور ماثلةً شاخصةً أمامنا، وتارة يأخذنا إلى تلك العصور.</p>
<h5 style="text-align: center;">[بعث القرآن الحياة في الكون]</h5>
<p>ويبين بالإعجاز نفسه &#8220;<strong>الكونَ</strong>&#8221; الذي يراه الغافلون فضاءً موحشًا بلا نهاية، وجماداتٍ مضطربةً بلا روح، تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يُبيِّنه القرآن <strong>كتابًا بليغًا</strong>، كتبه الأحدُ الصمد، <strong>ومدينةً منسقة</strong> عَمَّرها الرحمن الرحيم، <strong>ومَعرضًا بديعًا</strong> أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته.</p>
<p>فيبعث بهذا البيان حياةً في تلك الجمادات، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه كأنه يحاوره محاورة ودّية صميمة، فكل شيء مسخَّرٌ، وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب.. وهكذا يلقي القرآن دروسَ الحكمة الحقيقية والعلم المنور إلى الإنس والجن والملائكة كافة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[مزايا اختص بها القرآن لشرفه]</h5>
<p>فلا ريب أن هذا القرآن العظيم -الذي له هذا الإعجاز في البيان- قَمِينٌ بأن يحوز خواص راقية عالية، وميزات مقدسة سامية، أمثال:</p>
<p>في كل حرف منه عشرُ حسنات، بل ألفُ حسنةٍ أحيانًا، بل ألوف الحسنات في أحيان أخرى..</p>
<p>وعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله ولو اجتمعوا له..</p>
<p>ومخاطبتُه بني آدم جميعَهم بل الكائنات برمتها مخاطبة بليغة حكيمة..</p>
<p>وحرصُ الملايين من الناس في كل عصر على حفظه عن ظهر قلب بشوق ومتعة..</p>
<p>وعدم السأم من تلاوته الكثيرة رغم تكراراته..</p>
<p>واستقرارُه التام في أذهان الصغار اللطيفة البسيطة مع كثرة ما فيه من جُمل ومواضع تلتبس عليهم..</p>
<p>وتلذذُ المرضى والمحتضرين -الذين يتألمون حتى من أدنى كلام- بسماعه، وجريانُه في أسماعهم عذبًا طيبًا..</p>
<p>وغيرها من الخواص السامية والمزايا المقدسة التي يحوزها القرآن الكريم، فيمنح قرّاءه وتلاميذه أنواعًا من سعادة الدارين.</p>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز القرآن في أسلوب إرشاده]</h4>
<p>ويُظهر إعجازه الجميل أيضًا في &#8220;<strong>أسلوب إرشاده البليغ</strong>&#8221; حيث راعى أحسن الرعاية أميةَ مبلّغه الكريم ﷺ باحتفاظه التام على سلاسته الفطرية، فهو أجلّ من أن يدنو منه تكلف أو تصنع أو رياء -مهما كان نوعه- فجاء أسلوبُه مستساغًا لدى العوام الذين هم أكثرية المخاطبين ملاطِفًا بساطةَ أذهانهم بتنـزلاته الكلامية القريبة من أفهامهم.. باسطًا أمامهم صحائف ظاهرة ظهورًا بديهيًّا كالسماوات والأرض.. موجِّهًا الأنظار إلى معجزات القدرة الإلهية وسطور حكمته البالغة المضمرتين تحت العاديات من الأمور والأشياء.</p>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز القرآن في تكراراته]</h4>
<p>ثم إنّ القرآن الكريم يُظهر نوعًا من إعجازه البديع أيضًا في &#8220;تكراره البليغ&#8221; لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقاتٍ متباينةً من المخاطبين إلى معانٍ عدةٍ وعِبَرٍ كثيرةٍ في تلك الآية أو القصة، فاقتضى التكرارَ، حيث إنه كتابُ دعاءٍ ودعوة، كما أنه كتابُ ذكرٍ وتوحيد، وكلٌّ من هذا يقتضي التَّكرار.</p>
<p><strong>فكل ما كُرِّر في القرآن الكريم إذن من آيةٍ أو قصةٍ إنما تشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة.</strong></p>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز القرآن في ذكر الحوادث الجزئية]</h4>
<p>ويظهر إعجازه أيضًا عند تناوله &#8220;<strong>حوادث جزئية</strong>&#8221; وقعت في حياة الصحابة الكرام أثناء نـزوله وإرسائه بناء الإسلام وقواعد الشريعة، فتراه يأخذ تلك الحوادث بنظر الاهتمام البالغ، مبينًا بها أن أدق الأمور لأصغر الحوادث جزئيةً، إنما هي تحت نظر رحمته سبحانه، وضمن دائرة تدبيره وإرادته، فضلًا عن أنه يُظهر بها سننًا إلهية جارية في الكون ودساتير كلية شاملة.</p>
<p>زد على ذلك أن تلك الحوادث -التي هي بمثابة النَّوَيَات عند تأسيس الإسلام والشريعة- ستثمر فيما يأتي من الأزمان ثمارًا يانعة من الأحكام والفوائد.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حكمة التكرار في القرآن]</h3>
<h4 style="text-align: center;">[قاعدة: تكرُّر الحاجة يستلزم تكرار الخطاب]</h4>
<p><strong>إنّ تكرُّر الحاجة يستلزم التكرار</strong>، هذه قاعدة ثابتة.</p>
<p>لذا فقد أجاب القرآن الكريم عن أسئلة مكررة كثيرة خلال عشرين سنة فأرشدَ بإجاباته المكررة طبقاتٍ كثيرةً متباينة من المخاطبين.</p>
<p>فهو <strong>يكرر</strong> جملًا تملك ألوفَ النتائج، ويكرر إرشادات هي نتيجة لأدلة لا حدّ لها، وذلك عند ترسيخه في الأذهان وتقريره في القلوب ما سيحدث من انقلاب عظيم وتبدّل رهيب في العالم وما سيصيبه من دمار وتفتت الأجزاء، وما سيعقبه من بناء الآخرة الخالدة الرائعة بدلًا من هذا العالم الفاني.</p>
<p>ثم إنه <strong>يكرر</strong> تلك الجمل والآيات أيضًا عند إثباته أن جميع الجزئيات والكليات ابتداء من الذرات إلى النجوم إنما هي في قبضةِ واحدٍ أحدٍ سبحانه وضمن تصرفه جلّ شأنه.</p>
<p><strong>ويكررها</strong> أيضًا عند بيانه الغضب الإلهي والسخط الرباني على الإنسان المرتكب للمظالم عند خرقه الغايةَ من الخلق، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجّج غضبَها على مقترفيها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[التكرار نوعٌ من الإعجاز]</h4>
<p>لذا فإن تكرار تلك الجمل والآيات عند بيان أمثال هذه الأمور العظيمة الهائلة <strong>لا يعد نقصًا في البلاغة قط</strong>، بل هو إعجاز في غاية الروعة والإبداع، وبلاغة في غاية العلو والرفعة، وجزالة -بل فصاحة- <strong>مطابِقة تطابقًا تامًا لمقتضى الحال</strong>.</p>
<h5 style="text-align: center;">[تكرار البسملة]</h5>
<p>فعلى سبيل المثال: إن جملةَ: ﴿<strong>بسم اللّٰه الرحمن الرحيم</strong>﴾ هي آية واحدة تتكرر مائةً وأربعَ عشرة مرة في القرآن الكريم، ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نورًا وضياء، وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق -كما بيناها في اللمعة الرابعة عشرة- <strong>فما من أحد إلّا وهو بحاجة مسيسة إلى هذه الحقيقة في كل حين</strong>، فلو تكررت هذه الحقيقة العظمى ملايين المرات، فالحاجة ما زالت قائمةً باقيةً لا ترتوي. إذ ليست هي حاجةً يوميةً كالخبز، بل هي أيضًا كالهواء والضياء الذي يُضطر إليه ويُشتاق كل دقيقة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[تكرار: ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾]</h5>
<p>وإن الآية الكريمة: ﴿<strong>وإنَّ رَبَّكَ لَهوَ العزيزُ الرّحيم</strong>﴾ تتكرر ثماني مرات في سورة &#8220;الشعراء&#8221;، فتَكرار هذه الآية العظيمة التي تنطوي على ألوف الحقائق في سورةٍ تَذكُر نجاة الأنبياء عليهم السلام وعذاب أقوامهم، إنما هو <strong>لبيان أنّ مظالم أقوامهم تمس الغاية من الخلق</strong>، <strong>وتتعرض إلى عظمة الربوبية المطلقة</strong>، فتقتضي <strong>العزةُ</strong> الربانية عذابَ تلك الأقوام الظالمة مثلما تقتضي <strong>الرحمة</strong> الإلهية نجاة الأنبياء عليهم السلام.</p>
<p>فلو تكررت هذه الآية ألوف المرات لما انقضت الحاجة والشوق إليها، فالتكرار هنا بلاغة راقية ذات إعجاز وإيجاز.</p>
<h5 style="text-align: center;">[تكرار: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذِّبان﴾ و ﴿ويل يومئذٍ للمكذبين﴾]</h5>
<p>وكذلك الآية الكريمة: ﴿فبِأيّ آلاءِ رَبّكما تُكذّبان﴾ المكررة في سورة &#8220;الرحمن&#8221;، والآيةُ الكريمة: ﴿ويلٌ يَومئذٍ للمُكذبينَ﴾ المكررة في سورة &#8220;المرسلات&#8221;.. تَصرُخ كلُّ منهما في وجه العصور قاطبة وتعلن إعلانًا صريحًا في أقطار السماوات والأرض أن كفرَ الجن والإنس وجحودَهم بالنعم الإلهية، ومظالمَهم الشنيعة: <strong>يثير غضب</strong> الكائنات ويجعل الأرض والسماوات في حنق وغيظ عليهم.. <strong>ويُخِلُّ بحكمة</strong> خلق العالم والقصد منه.. <strong>ويتجاوز حقوق</strong> المخلوقات كافة ويتعدى عليها.. <strong>ويستخف بعظمة</strong> الألوهية وينكرها.</p>
<p>لذا فهاتان الآيتان ترتبطان بألوف من أمثال هذه الحقائق، ولهما من الأهمية ما لألوف المسائل وقوتها، لو تكررتا ألوف المرات في خطاب عام موجّه إلى الجن والإنس لكانت الضرورة قائمة بعد، والحاجة إليها ما زالت موجودة باقية.</p>
<p>فالتكرار هنا بلاغة موجزة جليلة ومعجزة جميلة.</p>
<h5 style="text-align: center;">[تكرارٌ في الحديث النبوي]</h5>
<p>ومثال آخر نسوقه حول حكمة التكرار في الحديث النبوي ﷺ فالمناجاة النبوية المسماة بـ&#8221;<strong>الجوشن الكبير</strong>&#8221; مناجاة رائعة مطابِقة لحقيقة القرآن الكريم ونموذج مستخلص منه.</p>
<p>نرى فيها جملةَ: &#8220;سبحانك يا لا إله إلّا أنت الأمان الأمان خلصنا من النار.. أجرنا من النار.. نجّنا من النار&#8221;.</p>
<p>هذه الجملُ تتكرر مائة مرة، فلو تكررت ألوف المرات لما ولَّدت السأَم، إذ إنها تنطوي على <strong>أجلّ حقيقة</strong> في الكون وهي <strong>التوحيد</strong>. <strong>وأجلِّ وظيفة</strong> للمخلوقات تجاه ربهم الجليل وهي <strong>التسبيح والتحميد والتقديس</strong>.. <strong>وأعظمِ قضية</strong> مصيرية للبشرية وهي <strong>النجاة من النار</strong> والخلاص من الشقاء الخالد. <strong>وألزمِ غاية</strong> للعبودية وللعجز البشري وهي <strong>الدعاء</strong>.</p>
<p>وهكذا نرى أمثال هذه الأسس فيما تشتمل عليه أنواع التكرار في القرآن الكريم، حتى نرى أنه يُعبِّر أكثر من عشرين مرةً عن حقيقةِ التوحيد -صراحةً أو ضمنًا- في صحيفةٍ واحدةٍ من المصحف، وذلك حسب اقتضاء المقام، ولزوم الحاجة إلى الإفهام، وبلاغة البيان، فيهيّج بالتكرار الشوقَ إلى تكرار التلاوة، ويمد به البلاغة قوةً وسموًّا من دون أن يورث سأَمًا أو مللًا.</p>
<p>ولقد أوضحتْ أجزاءُ رسائل النور حكمةَ التكرار في القرآن الكريم، وبيّنتْ حُجَجَها، وأَثبتت مدى ملاءمة التكرار وانسجامه مع البلاغة، ومدى حسنه وجماله الرائع.</p>
<h3 style="text-align: center;">[حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة]</h3>
<p>أما حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة، ومن جهة الإعجاز ومن حيث التفصيل والإجمال فهي كما يأتي:</p>
<h4 style="text-align: center;">[إعجاز أسلوب القرآن في مخاطبة الصف الأول من مخاطَبيه]</h4>
<p>إنّ الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش، وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوبًا عاليًا قويًّا وإجمالًا معجزًا مقنعًا، وتكرارًا يستلزمه التثبيت في الأفهام؛ لذا تناولت أغلبُ السور المكية أركانَ الإيمان ومراتبَ التوحيد بأسلوبٍ في غاية القوة والعلو، وبإيجازٍ في غاية الإعجاز، وكررت الإيمانَ باللّٰه والآخرة والمبدأ والمعاد كثيرًا، بل قد عبّرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفةٍ أو آية، أو في جملةٍ واحدة، أو كلمةٍ واحدة، بل ربما عبَّرت عنها في حرف واحد، في تقديمٍ وتأخير، في تعريفٍ وتنكير، في حذفٍ وذكر.. فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتًا جعل علماءَ البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهوتين أمام هذا الأسلوب المعجز.</p>
<p>ولقد وضّحت رسائلُ النور ولا سيما &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/2024/12/27/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a925-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/">الكلمة الخامسة والعشرون: المعجزات القرآنية</a></strong>&#8221; -مع ذيولها- إعجازَ القرآن في أربعين وجهًا من وجوهها، وكذلك تفسيرُ &#8220;إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز&#8221; باللغة العربية الذي يُبيِّن بيانًا رائعًا إعجازَ القرآن من حيث وجه النظم بين الآيات الكريمة، فأثبتت كلتا الرسالتين فعلًا علوَّ الأسلوب البلاغي الفذ، وسموَّ الإيجاز المعجز في الآيات المكية وسوَرها.</p>
<h4 style="text-align: center;">[آيات القرآن المدني]</h4>
<p>أما الآيات المدنية وسوَرُها فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى، وهم أهلُ كتابٍ مؤمنون باللّٰه، فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقًا لواقع حالهم، فجاء بأسلوبٍ سهلٍ واضحٍ سلس، مع بيانٍ وتوضيحٍ في الجزئيات -دون الأصول والأركان (الإيمانية)- لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الاختلافات في الشرائع والأحكام.</p>
<p>لذا فغالبًا ما نجد الآيات المدنية واضحة سلسة بأسلوبٍ بيانيٍّ معجزٍ خاصٍّ بالقرآن الكريم.</p>
<p>ولكنَّ ذِكْرَ القرآن فذلكةً قويةً أو نتيجةً ملخصةً أو خاتمةً رصينةً أو حجةً دامغةً تعقيبًا على حادثةٍ جزئيةٍ فرعية، يَجعل تلك الحادثةَ الجزئية قاعدةً كلية عامة، ومن بعدِ ذلك يَضمن الامتثالَ بها، بترسيخ الإيمان باللّٰه الذي يحققه ذكر تلك الفواصل الختامية الملخّصة للتوحيد والإيمان والآخرة، فترى أن ذلك المقام الواضح السلس يتنور ويسمو بتلك الفواصل الختامية.</p>
<p>ولقد بيَّنتْ رسائلُ النور وأَثبتتْ حتى للمعاندين مدى البلاغة العالية والميزات الراقية وأنواع الجزالة السامية الدقيقة الرفيعة في تلك الفذلكات والفواصل، وذلك في عشر مميزات ونُكَتٍ في النور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن.</p>
<p>فإن شئتَ فانظر إلى: ﴿إن اللّٰه على كلِّ شيءٍ قدير﴾، ﴿إن اللّٰه بكل شيءٍ عليم﴾، ﴿وهو العزيز الحكيم﴾، ﴿وهو العزيز الرحيم﴾، وأمثالِها من الآيات التي تفيد التوحيدَ وتُذكِّر بالآخرة، والتي تنتهي بها أغلب الآيات الكريمة، ترَ أن القرآن الكريم عند بيانه الأحكام الشرعية الفرعية والقوانين الاجتماعية يَرفع نظرَ المخاطَب إلى آفاقٍ كليةٍ سامية، فيُبدِّل -بهذه الفواصل الختامية- ذلك الأسلوب السهل الواضح السلس أسلوبًا عاليًا رفيعًا، كأنه ينقل القارئ من درس الشريعة إلى درس التوحيد، فيُثبت أن القرآن كتابُ شريعة وأحكام وحكمة كما هو كتاب عقيدة وإيمان، وهو كتاب ذكر وفكر كما هو كتاب دعاء ودعوة.</p>
<p>وهكذا تَرى أن هناك نمطًا من جزالةِ معجزةٍ ساطعةٍ في الآيات المدنية هو غير بلاغة الآيات المكية، حسب اختلاف المقام وتنوع مقاصد الإرشاد والتبليغ.</p>
<p>فقد ترى هذا النمط في كلمتين فقط: ﴿ربك﴾ و﴿رب العالمين﴾، إذ يعلِّم الأحدية بتعبير ﴿ربك﴾، ويعلِّم الواحدية بـ ﴿رب العالمين﴾، فيفيد الواحدية ضمن الأحدية.</p>
<p>بل قد ترى ذلك النمط من البلاغة في جملة واحدة، فيريك في آيةٍ واحدةٍ مثلًا نفوذَ علمه إلى موضع الذرة في بؤبؤ العين وموقعَ الشمس في كبد السماء، وإحاطةَ قدرته التي تضع بالآلة الواحدة كلًّا في مكانه، جاعلةً من الشمس كأنها عينُ السماء، فيعقب: ﴿وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور﴾، بعد آيةِ: ﴿يُولج الليلَ في النهارِ ويُولجُ النّهار في الليل﴾.</p>
<p>أي يُعقِّب نفوذَ علمه سبحانه إلى خفايا الصدور بعد ذكره عظمةَ الخلق في السماوات والأرض وبَسْطها أمام الأنظار، فيقرُّ في الأذهان أنه يعلم خواطر القلوب وخوافي شؤونها ضمن جلال خلّاقيته للسماوات والأرض وتدبيره لشؤونها.</p>
<p>فهذا التعقيب: ﴿وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور﴾، لونٌ من البيان يحوِّل ذلك الأسلوب السهل الواضح الفطري -القريب إلى أفهام العوام- إلى إرشادٍ سامٍ وتبليغٍ عامٍّ جذاب.</p>
<h3 style="text-align: center;">[المقاصد القرآنية الأربعة وما يتبعها]</h3>
<p><strong>سؤال</strong>: إن النظرة السطحية العابرة لا تستطيع أن ترى ما يورده القرآن الكريم من حقائق ذات أهمية، فلا تعرف نوع المناسبة والعلاقة بين فذلكةٍ ساميةٍ تُعبِّر عن التوحيد أو تفيد دستورًا كليًّا، وبين حادثة جزئية معتادة؛ لذا يتوهم البعضُ أن هناك شيئًا من قصورٍ في البلاغة.. فمثلًا لا تَظهر المناسبةُ البلاغيةُ في ذكر الدستور العظيم: ﴿وفَوقَ كل ذي عِلم عَليم﴾ تعقيبًا على حادثةٍ جزئيةٍ وهي إيواء يوسف عليه السلام أخاه إليه بتدبيرٍ ذكي، فيرجى بيان السر في ذلك وكشف الحجاب عن حكمته؟</p>
<p><strong>الجواب</strong>: إنّ أغلب <strong>السور المطولة والمتوسطة</strong> -التي كلٌّ منها كأنها قرآن على حدة- لا تكتفي بمقصَدين أو ثلاثةٍ من مقاصد القرآن الأربعة -وهي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدل مع العبودية- بل كلٌّ منها يتضمن ماهيةَ القرآن كلَّها، والمقاصدَ الأربعة معًا، أي كل منها: كتابُ ذكر وإيمان وفكر، كما أنه كتاب شريعة وحكمة وهداية.</p>
<p>فكل سورةٍ من تلك السُّوَر تتضمن كُتبًا عدة، وترشد إلى دروس مختلفة متنوعة. فتجد أن كل مقام -بل حتى الصحيفة الواحدة- يفتح أمامَ الإنسان أبوابًا للإيمان يحقق بها إقرارَ مقاصد أخرى، حيث إن القرآن يذكر ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير ويبينه بوضوح، فيرسّخ في أعماق المؤمن إحاطةَ ربوبيتِه سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتِها المهيبة في الآفاق والأنفس.</p>
<p>لذا فإن ما يبدو من مناسبة ضعيفة، يُبنى عليها مقاصدُ كلية، فتتلاحق مناسباتٌ وثيقةٌ وعلاقاتٌ قويةٌ بتلك المناسبة الضعيفة ظاهرًا، فيكون الأسلوب مطابِقًا تمامًا لمقتضى ذلك المقام، فتتعالى مرتبته البلاغية.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ما الحكمة من إكثار القرآن الحديث عن الآخرة؟]</h3>
<p><strong>سؤال آخر</strong>: ما حكمة سَوق القرآن ألوفَ الدلائل لإثبات أمور الآخرة وتلقين التوحيد وإثابة البشر؟ وما السر في لفته الأنظارَ إلى تلك الأمور صراحةً وضمنًا وإشارةً في كل سورةٍ، بل في كل صحيفةٍ من المصحف وفي كل مقام؟</p>
<p><strong>الجواب</strong>: لأن القرآن الكريم <strong>ينبِّه الإنسانَ</strong> إلى <strong>أعظم انقلابٍ</strong> يَحدُث ضمن المخلوقات ودائرة الممكنات في تاريخ العالم.. وهو <strong>الآخرة</strong>.</p>
<p><strong>ويرشده</strong> إلى <strong>أعظم مسألةٍ</strong> تَخصُّه وهو الحامل للأمانة الكبرى وخلافة الأرض.. تلك هي مسألة <strong>التوحيد</strong> الذي تدور عليه سعادتُه وشقاوتُه الأبديتان.</p>
<p>وفي الوقت نفسه <strong>يزيل القرآنُ سَيْلَ الشبهات</strong> الواردة دون انقطاع، ويحطم أشدّ أنواع الجحود والإنكار المقيت.</p>
<p>لذا لو قام القرآنُ بتوجيه الأنظار إلى الإيمان بتلك الانقلابات المدهشة وحملِ الآخرين على تصديق تلك المسألة العظيمة الضرورية للبشر.. نعم، لو قام به آلافَ المرات وكرر تلك المسائل ملايين المرات، لا يُعدُّ ذلك منه إسرافًا في البلاغة قط، كما أنه لا يولد سأَمًا ولا مللًا البتة، بل لا تنقطع الحاجة إلى تكرار تلاوتها في القرآن الكريم، حيث ليس هناك أهم ولا أعظم مسألة في الوجود من التوحيد والآخرة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[تكرار آيات الوعد بالجنة]</h4>
<p><strong>فمثلًا</strong>: إن حقيقة الآية الكريمة: ﴿انّ الذينَ آمنوا وعَملوا الصّالحات لَهُم جَناتٌ تجري من تحتها الانهارُ ذلك الفوز الكبير﴾ هي بشرى السعادة الخالدة تزفّها هذه الآية الكريمة إلى الإنسان المسكين الذي يلاقي حقيقةَ الموت كل حين، فتنقذه هذه البشرى من تصوِّرِ الموت إعدامًا أبديًّا، وتنجيه -وعالَمَه وجميعَ أحبته- من قبضة الفناء، بل تمنحه سلطنة أبدية، وتكسبه سعادة دائمة.. فلو تكررت هذه الآية الكريمة مليارًا من المرات لا يعد تكرارُها من الإسراف قط، ولا يمس بلاغتَها شيء.</p>
<p>وهكذا ترى أن القرآن الكريم الذي يعالج أمثال هذه المسائل القيمة ويسعى لإقناع المخاطبين بها بإقامة الحجج الدامغة، يعمّق في الأذهان والقلوب تلك التحولات العظيمة والتبدلات الضخمة في الكون، ويجعلها أمامهم سهلة واضحة كتبدل المنـزل وتغير شكله، فلا بد أن لفت الأنظار إلى أمثال هذه المسائل -صراحةً وضمنًا وإشارةً- بألوف المرات ضروري جدًّا، بل هو كضرورة الإنسان إلى نعمة الخبز والهواء والضياء التي تتكرر حاجته إليها دائمًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[تكرار آيات الوعيد]</h4>
<p>ومثلًا: إن حكمة تكرار القرآن الكريم: ﴿والذين كَفروا لهُم نار جهنم﴾، ﴿والذين كَفروا لهُم نار جهنم﴾ وأمثالها من آيات الإنذار والتهديد.. وسَوْقِها بأسلوب في غاية الشدة والعنف، هي -مثلما أثبتناها في رسائل النور إثباتًا قاطعًا-: أنّ كفرَ الإنسان إنما هو تجاوز -أيُّ تجاوزٍ- على حقوق الكائنات وأغلب المخلوقات، مما يثير غضبَ السماوات والأرض، ويملأ صدورَ العناصر حَنَقًا وغيظًا على الكافرين، حتى تقومُ تلك العناصر بصفع أولئك الظالمين بالطوفان وغيره. بل حتى الجحيمُ تغضب عليهم غضبًا تكاد تتفجر من شدته كما هو صريح الآية الكريمة: ﴿إذا أُلقوا فيها سمِعوا لها شهيقًا وهي تفور ٭ تكاد تميَّزُ من الغيظِ﴾.</p>
<p>فلو كَرَّرَ سلطانُ الكون في أوامره تلك الجنايةَ العظمى &#8220;الكفر&#8221; وعقوبتَها بأسلوب في غاية الزجر والشدة ألوف المرات، بل ملايين المرات، بل مليارات المرات لما عُدّ ذلك إسرافًا مطلقًا ولا نقصًا في البلاغة، نظرًا لضخامة تلك الجناية العامة والتجاوز غير المحدود على الحقوق، وبناءً على حكمةِ إظهار أهمية حقوق رعيته سبحانه وإبراز القبح غير المتناهي في كفر المنكرين وظلمهم الشنيع، إذ لا يكرر ذلك لضآلة الإنسان وحقارته، بل لهَولِ تجاوزِ الكافر وعِظَم ظلمه.</p>
<h4 style="text-align: center;">[تكرار قراءة القرآن كتكرار ذكر: &#8220;لا إله إلا الله&#8221;]</h4>
<p>ثم إننا نرى أن مئات الملايين من الناس منذ ألف ومئات من السنين يَتْلون القرآن الكريم بلهفةٍ وشوقٍ وبحاجةٍ ماسَّةٍ إليه دون مللٍ ولا سأَم.</p>
<p>نعم، إن كل وقتٍ وكل يومٍ إنما هو عالَمٌ يمضي وبابٌ ينفتح لعالم جديد، لذا فإن تكرار: &#8220;لا إله إلّا اللّٰه&#8221; بشوقِ الحاجةِ إليها ألوفَ المرات لأجل إضاءة تلك العوالم السيارة كلها وإنارتِها بنور الإيمان، يجعل تلك الجملة التوحيدية كأنها سراج منير في سماء تلك العوالم والأيام.</p>
<p><strong>فكما أن الأمر هكذا في: &#8220;لا إله إلّا اللّٰه&#8221;، كذلك تلاوة القرآن الكريم</strong>، فهي تبدد الظلام المخيم على تلك الكثرة الكاثرة من المَشاهِد السارية، وعلى تلك العوالم السيارة المتجددة، وتزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة، وتجعل تلك الأوضاع الزائلة شهودًا له يوم القيامة لا شهودًا عليه، وتُرَقِّيه إلى مرتبةِ معرفةِ عِظَمِ جزاء الجنايات، وتجعله يدرك قيمة النُّذُرِ المخيفة لسلطان الأزل والأبد التي تشتت عناد الظالمين الطغاة، وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء.</p>
<p>فلأجل هذه الحِكَم كلِّها يكرر القرآن الكريم ما يكرر في غاية الحكمة، مظهرًا أن النذر القرآنية الكثيرة إلى هذا القدر، وبهذه القوة والشدة والتكرار حقيقة عظمى، ينهزم الشيطانُ من توهمها باطلًا، ويهرب من تخيلها عبثًا.</p>
<p>نعم، إنّ عذاب جهنم لهو عينُ العدالة لأولئك الكفار الذين لا يعيرون للنذر سمعًا.</p>
<h4 style="text-align: center;">[تكرار قصص الأنبياء]</h4>
<p>ومن المكررات القرآنية &#8220;قصص الأنبياء&#8221; عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام -مثلًا- التي لها من الحِكم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمةُ في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم حجةً على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث <strong>لا يمكن أن ينكرها إلّا من ينكر نبوتهم جميعًا،</strong> فذكرُها إذن دليل على الرسالة.</p>
<h4 style="text-align: center;">[كل سورةٍ قرآنٌ مصغَّر]</h4>
<p>ثم إن كثيرًا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوفّقون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، بل يكتفون بما يتيسر لهم منه، ومن هنا تبدو الحكمة واضحة <strong>في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر،</strong> ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية.</p>
<p>أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط.</p>
<h5 style="text-align: center;">[ظهور محمد ﷺ أعظم حادثةٍ للبشرية]</h5>
<p>زد على ذلك فإن فيه تعليمًا بأن حادثةَ ظهورِ محمد ﷺ أعظم حادثة للبشرية وأجلّ مسألة من مسائل الكون.</p>
<p>نعم، إنّ مَنْحَ ذات الرسول الكريم ﷺ أعظمَ مقام وأسماه في القرآن الكريم، وجَعْل &#8220;محمدٌ رسولُ اللّٰه&#8221; -الذي يتضمن أربعةَ من أركان الإيمان- مقرونًا بـ&#8221;لا إله إلّا اللّٰه&#8221; دليلٌ -وأيُّ دليلٍ- على أن <strong>الرسالة المحمدية هي أكبرُ حقيقةٍ في الكون</strong>، <strong>وأن محمدًا ﷺ لهو أشرف المخلوقات طُرًّا،</strong> وأن <strong>الحقيقة المحمدية</strong> التي تمثل الشخصية المعنوية الكلية لمحمد ﷺ هي <strong>السراج المنير للعالمَين</strong> كليهما، وأنه ﷺ أهل لهذا المقام الخارق، كما قد أُثبت ذلك في أجزاء رسائل النور بحججٍ وبراهين عديدة إثباتًا قاطعًا، نورد هنا واحدًا من ألف منها. كما يأتي:</p>
<p>إنّ كل ما قام به جميعُ أمة محمد ﷺ من حسنات في الأزمنة قاطبة يُكتب مثلها في صحيفة حسناته ﷺ، وذلك حسب قاعدةِ: &#8220;السبب كالفاعل&#8221;..</p>
<p>وإنّ تنويره لجميع حقائق الكائنات بالنور الذي أتى به لا يجعل الجنّ والإنس والملائكة وذوي الحياة في امتنان ورضى وحدهم، بل يجعل الكونَ برمّته والسماوات والأرض جميعًا راضية عنه محدّثةً بفضائله..</p>
<p>وإنّ ما يبعثه صالحو الأمة يوميًّا من ملايين الأدعية ومع الروحانيين من مليارات الأدعية الفطرية المستجابة التي لا تُرد -بدلالة القبول الفعلي المُشاهَد لأدعية النباتات بلسان الاستعداد، وأدعية الحيوانات بلسان حاجة الفطرة- ومن أدعية الرحمة بالصلاة والسلام عليه، وما يرسلونه بما ظفروا من مكاسب معنوية وحسنات هدايا، إنما تقدم إليه أولًا، فضلًا عما يدخل في دفتر حسناته ﷺ من أنوارٍ لا حدود لها بما تتلوه أمتُه -بمجرد التلاوة- من القرآن الكريم الذي في كل حرف من حروفه -التي تزيد على ثلاثمائة ألف حرف- عشرُ حسنات وعشر ثمار أخروية، بل مائة بل ألف من الحسنات..</p>
<p>نعم، إنّ علام الغيوب سبحانه قد سبق علمه وشاهد أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لتلك الذات المباركة ﷺ ستكون كمثال شجرة طوبى الجنة، لذا أولاه في قرآنه تلك الأهمية العظمى حيث هو المستحِق لذلك المقام الرفيع. وبيّن في أوامره بأن نيل شفاعته إنما هو باتباعه والاقتداء بسنته الشريفة وهو أعظم مسألة من مسائل الإنسان، بل أَخَذَ بنظر الاعتبار -بين حين وآخر- أوضاعه الإنسانية البشرية التي هي بمثابة بذرة شجرة طوبى الجنة.</p>
<p>وهكذا فلأن حقائق القرآن المكررة تملك هذه القيمة الراقية وفيها من الحِكَم ما فيها، فالفطرة السليمة تشهد أن في تكراره معجزةً معنويةً قوية وواسعة، إلّا مَن مَرِض قلبُه وسَقم وجدانُه بطاعون المادية، فتشمله القاعدة المشهورة:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>قد ينكر المرءُ ضوءَ الشمس من رَمدٍ   *   وينكر الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَم<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup></strong><strong>‌</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[خاتمة]</h3>
<p>خاتمة هذه المسألة العاشرة في حاشيتين‌.</p>
<h4 style="text-align: center;">[حاشية أولى: لا يمكن ترجمة القرآن]</h4>
<p><strong>الحاشية الأولى</strong>: طَرَق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة، أن زنديقًا عنيدًا، قد فَضَحَ سوءَ طَوِيَّتِه وخُبثَ قصده بإقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطةً رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته، وصرح قائلًا: ليُترجَم القرآن لتظهر قيمته! أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتُتلى ترجمتُه بدلًا منه! إلى آخره من الأفكار السامة.</p>
<p>إلّا أن رسائل النور -بفضل اللّٰه- قد شَلّت تلك الفكرةَ وأجهضت تلك الخطة بحججها الدامغة وبانتشارها الواسع في كل مكان، فأثبتت إثباتًا قاطعًا أنه <strong>لا يمكن قطعًا ترجمةُ القرآن الكريم ترجمةً حقيقية</strong>..</p>
<p><strong>وأن أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونُكته البلاغية اللطيفة</strong>..</p>
<p><strong>وأن الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تَحُل -بأي حال- محلَّ التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية</strong> التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقًا تلاوة الترجمة بدلًا منه.</p>
<p>بيد أن المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعَوا بمحاولاتٍ هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نورَ القرآن الكريم بأفواههم، ولكن لَمَّا كنتُ لا ألتقي أحدًا، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، إلّا أن أغلب ظني أن ما أوردتُه آنفًا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه &#8220;المسألة العاشرة&#8221; عليّ، رغم ما يحيط بي من ضيق.</p>
<h4 style="text-align: center;">[حاشية ثانية: سلوانٌّ محمديٌّ عن آلام الفراق]</h4>
<p><strong>الحاشية الثانية</strong>: كنت جالسًا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق &#8220;شهر&#8221; عقب إطلاق سراحنا من سجن &#8220;دنيزلي&#8221; أتأمل فيما حوالي من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغنّاء والبساتين الجميلة، رأيتُها جَذْلى بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبّح للّٰه في حلقات ذكر وتهليل.</p>
<p>مسَّتْ هذه الحركات اللطيفة أوتارَ قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغمومٌ لانفرادي وبقائي وحيدًا.. فخطر على البـال -فجأةً- موسـمَا الخريف والشتاء، وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال.. وبدأتُ أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألمًا شديدًا، حتى اغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزانٌ تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!</p>
<p>وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقةُ المحمدية ﷺ يغيثني -مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه- فبدّل تلك الأحزانَ والغموم التي لا حدود لها مسراتٍ وأفراحًا لا حدّ لها، فبتُّ في امتنان أبديّ ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيضٌ واحدٌ من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوان في أرجاء نفسي وأعماق وجداني، وكان ذلك كالآتي:</p>
<p>إن تلك النظرة الغافلة أظهرت تلك الأوراق الرقيقة والأشجار الفارعة الهيفاء من دون وظيفة ولا مهمة، لا نفعَ لها ولا جدوى، وأنها لا تهتز اهتزازها اللطيف من شدة الشوق والنشوة بل ترتعد من هول العدم والفراق.. فتبًّا لها من نظرة غافلة أصابت صميمَ ما هو مغروزٌ فيَّ -كما هو عند غيري- من عشق للبقاء، وحب الحياة، والافتتان بالمحاسن، والشفقة على بني الجنس.. فحولت الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى عضو للشقاء والتعذيب.</p>
<p>فبينما كنتُ أقاسي هذا الوضع المؤلم، إذا بالنور الذي أنار به محمد ﷺ البشريةَ جمعاء يرفع الغطاء ويزيل الغشاوة ويبرز حِكَما ومعاني ووظائف ومهمات غزيرة جدًّا تبلغ عدد أوراق الحَوَر، وقد أَثبتت رسائلُ النور أن تلك الوظائف والحِكَم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:</p>
<p><strong>القسم الأول</strong>: وهو المتوجّه إلى الأسماء الحسنى للصانع الجليل.</p>
<p>فكما أن صانعًا ماهرًا إذا ما قام بصنع ماكنة بديعة، يثني عليه الجميعُ ويقدرون صنعته ويباركون إبداعه، فإن تلك الماكنة هي بدورها كذلك تبارك صانعَها وتثني عليه بلسان حالها، وذلك بإراءتها النتائج المقصودة منها إراءة تامة.</p>
<p>أما <strong>القسم الثاني</strong>: فهو المتوجه إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعـور من المخلوقات.</p>
<p>أي يكون موضعَ مطالعةٍ حلوةٍ وتأملٍ لذيذ، فيكون كلُّ شيء كأنه كتاب معرفةٍ وعلم، ولا يغادر هذا العالَمَ -عالمَ الشهادة- إلّا بعد وضع معانيه في أذهان ذوي الشعور، وطبْعِ صوَرِه في حافظتهم، وانطباعِ صورته في الألواح المثالية لسجلات علم الغيب.</p>
<p>أي لا ينسحب من عالَم الشهادة إلى عالم الغيب إلّا بعد دخوله ضمن دوائرِ وجودٍ كثيرة، ويكسب أنواعًا من الوجود المعنوي والغيبي والعِلْمي بدلًا عن وجود صُوْري ظاهري.</p>
<p>نعم ما دام اللّٰه موجودًا، وعلمُه يحيط بكل شيء، فلا بد أن لا يكون هناك في عالَم المؤمن عدمٌ وإعدامٌ وانعدام وعبث ومحو وفناء من زاوية الحقيقة.. بينما دنيا الكفار زاخرة بالعدم والفراق والانعدام ومليئة بالعبث والفناء.</p>
<p>ومما يوضح هذه الحقيقة ما يدور على الألسنة من قولٍ مشهور هو: &#8220;<strong>مَن كان له اللّٰه، كان له كل شيء، ومَن لم يكن له اللّٰه لم يكن له شيء</strong>&#8220;.</p>
<p><strong>الخلاصة</strong>: إنّ الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من الإعدام الأبدي أثناء الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضًا من ظلمات العدم والانعدام والعبث؛ بينما الكفر -ولا سيما الكفر المطلق- فإنه يُعدِم ذلك الإنسان، ويُعدِم دنياه الخاصة به بالموت، ويلقيه في ظلماتِ جهنمَ معنويةٍ محوِّلًا لذائذَ حياته آلامًا وغُصَصًا.</p>
<p>فلْترُنَّ آذانُ الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وليأتوا بعلاجٍ لهذا الأمر إن كانوا صادقين، أو ليَدخلوا حظيرةَ الإيمان ويُخلِّصوا أنفسَهم من هذه الخسارة الفادحة.</p>
<p style="text-align: center;">﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ﴾</p>
<p style="text-align: left;">أخوكم الراجي دعواتِكم والمشتاق إليكم</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong><strong>‌</strong></p>
<h1>[المسألة الحادية عشرة: بعض ثمرات الإيمان بالملائكة]</h1>
<p>انتقل إليها عبر الرابط: [<a href="https://said-nursi.com/2025/05/19/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/#almsalt_alhadyt_shrt_bd_thmrat_alayman_balmlaykt"><strong>المسألة الحادية عشرة: بعض ثمرات الإيمان بالملائكة</strong></a>]
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;قال أبو ذر رضي اللّٰه عنه: &#8220;قلت: يا رسول اللّٰه كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرا&#8221;. (أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٦٥؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢١٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٥٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٣، ٥٤).</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;إن أحد أولئك العلماء المحققين هو: رسائل النور التي ألجمت أعتى الفلاسفة الماديين، وأفحمت أشد الزنادقة تمردًا، طوال العشرين سنة التي خلت، وما تزال قائمة على قدم وساق في ميدان التحدي والمبارزة، وهي في متناول الجميع، فبوسع أي واحد قراءتها دون تفنيدها. (المؤلف).</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه الجملة المعترضة تعود إلى سنة ١٩٤٦م.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;هذه المسألة زهيرة لطيفة وضاءة لهذا الشهر الكريم ولمدينة &#8220;أميرداغ&#8221; ألحقت بـ&#8221;ثمرة&#8221; سجن دنيزلي على أنها &#8220;المسألة العاشرة&#8221;. فهي تزيل بإذن اللّٰه ما ينفثه أهلُ الضلالة من سموم الأوهام العفنة حول ظاهرة التكرار في القرآن. وذلك ببيانها حكمةً من حكمها الكثيرة. (المؤلف).</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;البيت للشاعر شرف الدين البوصيري(٭) في قصيدة البردة: </strong><br /><br />
<p style="text-align: center;"><strong>قد تُنكِرُ العيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ من رَمَدٍ ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَمٍ</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2588</post-id>	</item>
	</channel>
</rss>
