<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مداد النور &#8211; رسائل النور</title>
	<atom:link href="https://said-nursi.com/author/abolkhair/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<description>بديع الزمان سعيد النورسي</description>
	<lastBuildDate>Mon, 23 Feb 2026 06:38:15 +0000</lastBuildDate>
	<language>tr</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2024/06/cropped-SAID-ALNURSI-LOGO25-32x32.png</url>
	<title>مداد النور &#8211; رسائل النور</title>
	<link>https://said-nursi.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
<site xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">234621923</site>	<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الثاني 3/3</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a-3-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 23 Jan 2026 13:01:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2753</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] [مختصر ملحق أميرداغ الثاني 3/3]   تأليف بديع الزمان سعيد النُّورسي   ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ وصية (وصية) لقد كان منذ القدم دأبُ أستاذنا ألّا يتذلل أمام أعظم &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2749" aria-describedby="caption-attachment-2749" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="wp-image-2749 size-large" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg" alt="اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي.لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من &quot;الفاتحة&quot; تَبلغ إلى تلك الروح.
من وصية الأستاذ النورسي إلى طلابه." width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2749" class="wp-caption-text">اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي.<br />لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من &#8220;الفاتحة&#8221; تَبلغ إلى تلك الروح. من وصية الأستاذ النورسي إلى طلابه.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 3/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النُّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">وصية</h2>
<p><strong>(وصية) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد كان منذ القدم دأبُ أستاذنا ألّا يتذلل أمام أعظم الرؤساء، حفاظًا على عزة العلم، <strong>بل ما كان يقبل هدايا أحدٍ من الناس دون مقابل</strong>، والآن وقد أصبح يرفض الهدايا -التي لا ضَير من قبولها لدى أهل العلم- بحجة المرض الذي ضعَّفه أشدَّ الضعف، بل يرفض حتى ما نقدّمه له نحن الذين نقوم بخدمته ولو كان شيئًا صغيرًا، فنراه يتمرض إن تناوله، فاقتنعنا أنه أُخطر إلى قلبه مَنعُه من إخلال قاعدته التي اتخذها طوال حياته، وهي <strong>ألّا تكون رسائل النور أداةً لأي شيء كان، حفاظًا على الإخلاص التام،</strong> ونحن الآن في موسم عيد لرسائل النور، حيث تنتشر في الأرجاء كافة، لكننا نجد أن أستاذنا يتضجر من المحاورة ويمتعض من النظر إليه والمصافحة حتى من أخص طلابه وإخوانه.</p>
<p style="text-align: justify;">وشاهدناه يقول في هذه الأيام المباركة للعيد السعيد: &#8220;<strong>اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يَعرف موضعَه أحدٌ عدا واحدٍ أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتْني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلا شك بعد وفاتي</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن بدورنا سألنا أستاذنا: إن الذي يزور القبر يقرأ سورة الفاتحة ويُثاب عليها، فما الحكمة من منعكم زيارة قبركم؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأجاب: إن الغفلة الناشئة من الأنانيةِ وحبِّ الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس إلى أن يُولوا اهتمامهم إلى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور، مثلما عمِل الفراعنة في الزمن الغابر على تحنيط موتاهم ونصب التماثيل لهم ونشرِ صورهم رغبةً في توجيه الأنظار إليهم، فتوجهت الأنظار إلى المعنى الاسمي -أي لذات الشخص- دون المعنى الحرفي -أي لغيره-.. وهكذا فإن قسمًا من أهل الدنيا في الوقت الحاضر يُوْلون توجههم إلى شخص الميت نفسه وإلى مقامه ومنزلته الدنيوية بدلًا من الزيارة المشروعة لكسب رضاء اللّٰه ونيل الثواب الأخروي كما كانت في السابق.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظًا على سر الإخلاص، ولئلا أَجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب، وأيًّا كان، فإن ما يقرأه من &#8220;الفاتحة&#8221; تَبلغ إلى تلك الروح.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة</h2>
<p><strong>(الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">سألْنا أستاذَنا: لماذا تعمل على الحفاظ على الحزب الديمقراطي؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأجابنا بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إذا سقطت حكومةُ الحزب الديمقراطي فسيتولى السلطةَ حزب الشعب الجمهوري، أو حزب الأمة، والحال أن الجناياتِ التي ارتكبها الفاسدون من الاتحاد والترقي والقسمَ الأعظمَ من الإجراءات التي نفّذها رئيسُ الجمهورية الأول بموجب معاهدة سيفر، طوال خمس عشرة سنة، تحت ضغوطٍ ومكايدَ سياسية كثيرة، كلُّ هذه الأمور حُمِّلت على حزب الشعب الجمهوري، لذا فإن هذه الأمة التركية العريقة لن تُمكِّن بإرادتها ليتولى حزبُ الشعب السلطة، ذلك لأن حزب الشعب إذا تولى السلطة فإن القوة الشيوعية ستحكم في البلاد تحت اسم الحزب نفسه، علمًا أن المسلم يستحيل عليه أن يكون شيوعيًّا، بل يُصبح إرهابيًّا فوضويًّا، ولا موضع لمقارنة المسلم بالأجنبي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة، والذي يشكّل خطرًا رهيبًا على حياتنا الاجتماعية وعلى الوطن، أعمل على المحافظة على الحزب الديمقراطي باسم القرآن والوطن والسلام.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">لذة الجنة في الدنيا</h2>
<p><strong>(لذة الجنة في الدنيا)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هذه الرسالة تخص ما يحققه الإيمان في حياتي من لذة الجنة حتى في الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لم أشاهد والدتي الرؤوفة منذ التاسعة من عمري، فلم أحْظَ بتبادل الحوار اللطيف معها في جلساتها، فبِتُّ محرومًا من تلك المحبة الرفيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولم أتمكن من مشاهدة أخواتي الثلاث<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> منذ الخامسة عشرة من عمري، حيث ذهبن مع والدتي إلى عالم البرزخ، فبِتُّ محرومًا من كثيرٍ من ألطاف الرحمة والاحترام التي تَشيع في أجواء الجلسات الأخوية الطيبة اللذيذة في الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولم أشاهد أيضًا أخَوَيَّ من ثلاثة إخوة<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> منذ خمسين سنة -رحمهم اللّٰه- فبِتُّ محرومًا من السرور المنبثق من الأخوِّة الودود والشفقة العطوف في مجالسة أولئك الأعزاء المتقين العلماء.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كنت أتجول اليوم مع أبنائي المعنويين الأربعة الذين يعاونونني في شؤوني، أُخطِر على قلبي بيقينٍ جزءٌ من بذرة الجنة التي ينطوي عليها الإيمان، مثلما أظهرتها رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنني قضيت حياتي عَزَبًا فلم أنجب الأولاد، لذا بِتُّ محرومًا من مَذاقات محبتهم البريئة ومن ابتهاجهم وانشراحهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع كل هذا ما كنت أشعر بهذا النقص قط، حيث أنعم سبحانه وتعالى عليّ في هذا اليوم معنًى في منتهى الذوق واللذة، فضَمَّد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهات ثلاث:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: إنه عوضًا عن اللذة الآتية من العطف الخاص لوالدتي، أحسن الرحيم سبحانه وتعالى عليّ، بأُلوفٍ من الوالدات اللائي يستفدن من رسائل النور استفادةً تفوق المعتاد، ويتذوقن منها أذواقًا روحية خالصة، بمثل ما جاء في الحديث الشريف &#8220;عليكم بدين العجائز&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> المذكور في رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وعوضًا عن السرور والبهجة والعطف الأخوي الناشئ من مجالسة أخواتي الثلاث -رحمهن اللّٰه- أحسن المولى الكريم عليّ بالألوف من السيدات والشابات، وجعلهن سبحانه وتعالى في موضع أخواتٍ لي، فأستفيد من دعواتهن وتعلقهن برسائل النور ألوفًا من الفوائد والثمرات المعنوية والمسرات الروحية، وهناك أماراتٌ عديدةٌ على صدق هذا القسم الثاني يعرفها إخوتي.</p>
<p style="text-align: justify;">وعوضًا عن حرماني من العون المادي والمعنوي الذي كان يمدني به في الدنيا أخَوايَ المرحومان ومن عطفهما ورأفتهما، فقد أحسن سبحانه وتعالى برحمته عليّ بمئات الألوف من إخوةٍ حقيقيين مضحين في خدمة رسائل النور، يحملون عطفًا خالصًا، ويَمُدُّون إليَّ يدَ العون، بل يَفْدون رأسمالَ حياتهم الأخروية فضلًا عن حياتهم الدنيوية.</p>
<p style="text-align: justify;">وعوضًا عن حرماني من أذواق العطف والحنان النابعة من الأولاد -حيث لا أولاد لي في الدنيا- أنعم سبحانه وتعالى عليّ بمئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث استفادتهم من رسائل النور مستقبلًا، فحوَّل سبحانه وتعالى هذه العواطف الثلاث والشفقة الرؤوفة الجزئية إلى مئات الألوف منها.</p>
<p style="text-align: justify;">وفيما يخص هذا القسم هناك أماراتٌ كثيرةٌ جدًّا، حتى يَعلمُ مَن يعاونني في أموري من الإخوة أن الأطفال في &#8220;أميرداغ&#8221; و&#8221;بولفادين&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> يتعلقون بي ويُبدون من الاحترام والارتباط أكثر مما يبدونه لوالديهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فأمثلة هذا كثيرة جدًّا بتحويله سبحانه وتعالى هذا الذوقَ واللذة والاحترام المتسم بالرأفة من هذا العطف الجزئي الشخصي إلى صور الألوف من العواطف الكلية والرأفة العمومية، فلقد استشعرتْ أرواحُ هؤلاء الأطفال الأبرياء بحسٍّ مسبقٍ -كما هو في بعض ذوي الأرواح المباركة- أن رسائل النور ستربيهم تربية الوالدين في الدنيا، وستصونهم من البلايا.. لذا يُظهِرون احترامًا وتوقيرًا لخادم النور أكثر مما يظهرونه لوالديهم، حتى إن طفلة لا تتجاوز عمرها ثلاث سنوات أتتني مهرولة إليّ مخترقة الأشواك، علمًا أنني لا أعرفها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكثرة ما في &#8220;بولفادين&#8221; من الأطفال الأبرياء المحبوبين، ما كنا نخلص منهم ونحن نقطعها بالسيارة، بل حتى في كل مكان، رغم أنهم لم يسمعوا عني شيئًا ولم يشاهدوني.. فإنَّ إظهارهم هذا العطف والحنان نحوي أكثر مما يبدونه لوالديهم جعلني أرى في الإيمان بذرةَ الجنة حقًّا -بالنسبة لي- حتى من حيث جسمي وهواي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">إشارة قصيرة إلى حقيقة مهمة</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إشارة قصيرة إلى حقيقة مهمة)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هناك إشارات لقسم من الأحاديث الشريفة أن حقائق الإيمان تبدو بوضوح أكثر لدى النساء في آخر الزمان، حتى يتمكنَّ من وقاية أنفسهن -إلى حدٍّ- من مهالك الضلالة في ذلك الوقت، كما أن هناك حثًّا على الاقتداء بالعجائز في آخر الزمان، كما هو في الحديث: &#8220;عليكم بدين العجائز&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا يعنى أن النساء اللاتي هن بطلات الشفقة ورائدات الحنان والعطف، يَحُولُ إخلاصُهن النابعُ من تلك السجيَّة دون مهالكِ الضلالة المتمرغة بالتصنع والرياء في ذلك الوقت، فيَظْلَلْن محتفظاتٍ بإسلامهن.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك حديثٌ آخرُ فيه أن &#8220;أبا البنات مرزوق&#8221;، بمعنى أن في آخر الزمان، يكثر الإناث من الأطفال، ويكُنَّ طيبات، يبارِك اللّٰه في أرزاقهّن.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أجهل في السابق سرَّ هذا الحديث الشريف وأمثالِه، ولكني وللّٰه الحمد فهمتُ مؤخرًا شيئًا من أسراره، أشير إليه في غاية الاختصار:</p>
<p style="text-align: justify;">إن أطفال الإنسان ليسوا كصغار الحيوانات، إذ بينما تَقدِر هذه الصغار على الاعتماد على أنفسها في غضون شهرين أو ثلاثة، يحتاج طفل الإنسان إلى حمايةٍ ورعايةٍ مكلَّلةٍ بالرحمة والرأفة، تستغرق عشرَ سنوات أو أكثر، وبناء على هذا، لزم دوامُ شفقةِ الوالدات على أطفالهن وحمايتُهم حماية جادة، وهي سجية فطرية مغروزة في الإنسان خلافًا للحيوان، أما في الرجال فقد أَدرجت الحكمةُ الإلهيةُ في فطرتهم سجية الشرف والغَيرة، ليتمكنوا من القيام بمعاونة الوالدات الضعيفات والأطفال العاجزين.</p>
<p style="text-align: justify;">وضمن هذه السجية (الشرف) أُدرجت بطولة نادرة خالصة لا تقبل العوض والمقابل، ولكن -في الوقت الحاضر- دبَّ فيها شيء من الفساد، فضعفت على إثرها تلك البطولة في معظم الناس، إلاَ أن السجية الفطرية لدى النساء -وهي الشفقة والحنان- لم تفسد.</p>
<p style="text-align: justify;">فالنساء بهذه السجية الفطرية يؤدين خدمات جليلة بين المسلمين في آخر الزمان، فتلك الأحاديث الشريفة تشير رمزًا إلى أهمية هذه السجية الفطرية ودورها في المجتمع، وكيف أنها تكون ركيزة ضمن دائرة الإسلام.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">موافقة السنة في الزواج</h2>
<p><strong>(موافقة السنة في الزواج)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">جواب عن سؤال ورد في صحفٍ نُشِرت في بلدان خارجية.</p>
<p style="text-align: justify;">﴿[٭]: ننقل أدناه نص الرسالة التي بعثها أحدهم إلى الأستاذ النورسي في حينه:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لقد قرأتُ عددًا من رسائل النور مع ترجمة حياتكم، فرأيت في الترجمة أن من شؤونكم الخاصة: العزوبة، وعدم إيجاد علاقةٍ بشيء في الدنيا، الأمرُ الذي لوحظ سريانُه إلى طلاب النور أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وبما أن هذا مما لا يتفق مع قوله تعالى في سورة النساء: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، وقولِه ﷺ: &#8220;لا تَرَهُّب في الإسلام&#8221;، وقولِه: &#8220;تناكحوا تَكثُروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة&#8221;، فقد رأيت أن أستوضح الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وإني أعتقد أن الاعتراض الذي أوردتُه قد يندفع ببيانِ كونِ العزوبةِ مطلوبةً لطلاب النور، ذكورِهم وإناثهم إلى سنٍّ معينة، من أجل التفرغ لخدمة القرآن والإيمان في سن الفتوة والشباب، ولكني لا أرى بُدًّا من البحث في هذا، مع تعيين السن التي يتمكن أولئك الطلاب من الزواج بعد الوصول إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وليس لي على كل حال إلّا انتظار جوابكم المقارِن للصواب إن شاء اللّٰه.&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">نقلًا عن كراس صدر ببغداد سنة ١٩٥٣.﴾</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;لِمَ بقيت أعزبَ خلافًا للسنة النبوية؟&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأنا رسالتكم أستاذنا الذي يعاني أشد حالات المرض، فقال لنا: لو لم أكن في حالة شديدة من المرض لكنت أكتب جوابًا مفصَّلًا لهؤلاء الإخوة الفاضلين الطيبين، إلّا أن حالتي الصحية المتردّية لا تسمح لي بذلك، فاكتبوا في غاية الاختصار، في بضع نقاط، جوابًا لأولئك الإخوة المخلصين البررة ولرفقائي في خدمة القرآن:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: في الوقت الذي يلزم -لصدِّ هجومِ زندقةٍ رهيبةٍ تُغِيْر منذ أربعين سنة- فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررتُ أن أضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل -حتى إذا استدعى الأمر- بسعادتي الأخروية كذلك، فلأجلِ أن أتمكن من القيام بخدمة القرآن على وجهها الصحيح بإخلاصٍ حقيقي، ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي -مع علمي بأنه سنة نبوية- بل لو وُهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطرًّا إلى التخلي عنهن جميعًا، من أجل تلك الحقيقة، حقيقة القرآن، لأن هذه المنظمات الملحدة الرهيبة تشن هجمات عنيفة، وتدبِّر مكايد خبيثة، فلا بد لصدها من منتهى التضحية وغاية الفداء، وجَعْلِ جميعِ الأعمال في سبيل نشر الدين خالصة لوجه اللّٰه وحدَه، من دون أن تكون وسيلةً لشيء مهما كان.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أفتى علماء منكوبون وأناسٌ أتقياء لصالح البدع، أو ظهروا بمظهر المُوالين لها، من جراءِ همومِ عيشِ أولادهم وأهليهم، لذا يقتضي منتهى التضحية والفداء، ومنتهى الثبات والصلابة وغاية الاستغناء عن الناس وعن كل شيء، تجاه الهجوم المرعب العنيف على الدين، ولا سيما بعد إلغاء دروس الدين في المدارس.. وتبديلِ الأذان الشرعي.. ومنعِ الحجاب بقوة القانون؛ لذا تركتُ عادةَ الزواج الذي أعلم أنها سنةٌ نبوية لئلا ألج في محرمات كثيرة، ولكي أتمكن من القيام بكثير من الواجبات وأداء الفرائض، إذ لا يمكن أن تُقترف محرماتٌ كثيرة لأجل أداء سُنَّة واحدة، فلقد وَجَد علماءُ أدَّوا تلك السنة النبوية أنفسَهم مضطرين إلى الدخول في عشرِ كبائر ومحرَّماتٍ وتركِ قسمٍ من السنن والفرائض، في غضون هذه السنوات الأربعين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن الآية الكريمة: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، والحديث الشريف &#8220;تَناكحُوا تَكثُروا..&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup> وأمثالَهما من الأوامر، ليست أوامر وجوبية ودائمية، بل استحبابية مسنونة، فضلًا عن أنها موقوفة بشروط لا بد من توافرها، وقد يتعذر توافرها للجميع وفي كل وقت.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الحديث الشريف: &#8220;لا رهبَانِية في الإسلام&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup> لا يعني أن الانزواء والعزوبة -كما هو لدى الرهبان- محرمتان مرفوضتان لا أصل لهما، بل هو حثٌّ على الانخراط في الحياة الاجتماعية كما هو مضمون الحديث الشريف: &#8220;خَيرُ النَّاس أنفَعهُم للنَّاس&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وإلّا فإن ألوفًا من السلف الصالحين قد اعتزلوا الناسَ مؤقتًا، وآثروا الانزواء في المغارات لفترة من الزمن، واستغنَوا عن زينة الحياة الدنيا الفانية وجردوا أنفسهم عنها، كي يقوموا ببناء حياتهم الأخروية على الوجه الصحيح.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الكثيرون من السلف الصالحين تركوا الدنيا وزينتها بلوغًا إلى كمالٍ باقٍ وخاصٍّ بشخصهم، فلا بد أن من يعمل لأجل سعادةٍ باقيةٍ لكثيرٍ جدًّا من المنكوبين، ويَحُول بينهم وبين السقوط في هاوية الضلالة، ويسعى لتقوية إيمانهم، خدمةً للقرآن والإيمان خدمةً حقيقية، ويَثبُت تجاه هجمات الإلحاد المُغِيرِ من الخارج والظاهر في الداخل.. أقول: لا بد أن الذي يقوم بهذا العمل العامِّ الكُلِّي -وليس عملًا خاصًّا لنفسه- تاركًا دنياه الآفلة، لا يخالف السنة النبوية، بل يعمل طبقًا لحقيقة السنة النبوية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني أتمنى أن أغنم ذرَّةً واحدةً من هذا الكلام الصادق الصادر من الصديق الأكبر رضي اللّٰه عنه: &#8220;ليَكبرْ جسمي في جهنم حتى لا يبقى موضعٌ لمؤمن&#8221;.. ولأجله آثر هذا السعيد الضعيف العزوبةَ والاستغناء عن الناس طوال حياته كلها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: لم نقل لطلاب النور: &#8220;تخلوا عن الزواج، دعوه للآخرين&#8221; ولا ينبغي أن يقال لهم هذا الكلام، ولكن الطلاب أنفسَهم على مراتب وطبقات، فمنهم من يلزم عليه ألّا يربط نفسه بحاجات الدنيا قدر المستطاع في هذا الوقت، وفي فترةٍ من عمره، بلوغًا إلى التضحية العظمى والثبات الأعظم والإخلاص الأتم، وإذا ما وجد الزوجة التي تعينه على خدمة القرآن والإيمان، فبها ونِعْمت، إذ لا يَضر هذا الزواجَ بخدمته وعمله للقرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">وللّٰه الحمد والمنة، ففي صفوف طلاب النور كثيرون من أمثال هؤلاء، وزوجاتهم لا يَقْصُرْنَ عنهم في خدمة القرآن والإيمان، بل قد يَفُقْنَ أزواجَهن ويَسبقْنَهم لما فُطِرْن عليه من الشفقة التي لا تَطلب عوضًا، فيؤدين العمل بهذه البطولة الموهوبة لهن بإخلاص تام.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن المتقدمين والسابقين من طلاب النور أغلبهم متزوجون، وقد أقاموا هذه السنّة الشريفة على وجهها، ورسائلُ النور تخاطبهم قائلة: اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغَّرة، وموضعَ تلقي العلم والعرفان، كي يتربى الأولاد الذين هم ثمارُ تطبيقِ هذه السنة، على الإيمان، فيكونوا لكم شفعاء يوم القيامة، وأبناءَ بررة في هذه الدنيا، وعندها تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">وبخلافه.. لو تربى الأولاد على التربية الأوروبية وحدها -كما حدث خلال ثلاثين سنةً خلت- فإن أولئك الأولاد يكونون غير نافعين لكم في الدنيا -من جهة- ومدّعين عليكم يوم القيامة، إذ يقولون لكم: &#8220;لِمَ لم تنقذوا إيماننا؟&#8221; فتندمون وتحزنون من قولهم هذا يوم لا ينفع الندم، وما هذا إلا مخالفةٌ لحكمةِ السنة النبوية الشريفة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">نكتة توحيدية في لفظ &#8220;هو&#8221;‌</h2>
<p><strong>(نكتة توحيدية في لفظ &#8220;هو&#8221;</strong><strong>‌</strong><strong>)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا&#8230;﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شاهدتُ -مشاهدةً آنية- خلال سياحةٍ فكريةٍ خيالية، لدى مطالعة صحيفة الهواء من حيث جهته المادية فقط، نكتةً توحيديةً ظريفةً تولدتْ من لفظ &#8220;هو&#8221; الموجود في &#8220;لا إله إلّا هو&#8221;، وفي ﴿قل هو اللّٰه أحد﴾، ورأيت فيها أن سبيلَ الإيمان سهلٌ ويسيرٌ إلى حدِّ الوجوب، بينما سبيلُ الشرك والضلالة فيه من المحالات والمعضلات إلى حدِّ الامتناع.</p>
<p style="text-align: justify;">سأبيِّن بإشارةٍ في منتهى الاختصار تلك النكتةَ الظريفةَ الواسعةَ الطويلة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن حفنة من تراب، يمكن أن تكون موضعَ استنباتِ مئاتٍ من النباتات المزهرة إنْ وُضعتْ فيها متعاقبةً، فإن أُحيلَ هذا الأمر إلى الطبيعة والأسباب يلزم <strong>إما أن</strong> تكون في تلك الحفنة من التراب مئاتٌ من المصانع المصغرة المعنوية، بل بعدد الأزهار.. <strong>أو أن</strong> كلَّ ذرة من ذرات تلك الحفنة من التراب تَعلم بناءَ تلك الأزهار المتنوعة وتركيبها بخصائصها المتنوعة وأجهزتها الحيوية، أي لها علمٌ محيط وقدرة مطلقة بما يشبه علمَ الإله وقدرته!!</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك الهواء الذي هو عرشٌ من عروش الأمر والإرادة الإلهية؛ فلكلِّ جزءٍ منه، من نسيمٍ وريح، بل حتى للهواء الموجود في جزءٍ من نَفَسِ الإنسان الضَّئيل عندما ينطق بكلمة &#8220;هو&#8221;: وظائفُ لا تُعَدُّ ولا تحصى.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو أُسنِدتْ هذه الوظائف إلى الطبيعة والمصادفة والأسباب؛ فإما أنه -أي الهواء- يَحمل بمقياسٍ مصغرٍ مراكزَ بثٍ واستقبالٍ لجميع ما في العالَم من أصوات ومكالمات في التلغراف والتلفون والراديو، مع ما لا يُحد من أنواع الأصوات للكلام والمحادثات، وأن يكون له القدرةُ على القيام بتلك الوظائف جميعِها في وقتٍ واحد.. أو أن ذلك الجزءَ من الهواء الموجود في كلمة &#8220;هو&#8221;، وكلَّ جزءٍ من أجزائه وكلَّ ذرةٍ من ذراته، لها شخصياتٌ معنوية، وقابلياتٌ بعدد كل مَن يتكلم بالتلفونات وجميع مَن يبث من البرقيات المتنوعة وجميع مَن يذيع كلامًا من الراديوات، وأن تَعلَم لغاتِهم ولهجاتهم جميعًا، وتُعَلِّمَه في الوقت نفسه الذراتِ الأخرى، وتَنشرَه وتَبُثَّه، حيث إن قسمًا من ذلك الوضع مشهودٌ أمامنا، وأن أجزاء الهواء كلَّها تحمل تلك القابلية.. إذن فليس هناك مُحالٌ واحدٌ في طريق الكفر من الماديين الطبيعيين، بل مُحالاتٌ واضحةٌ جليَّةٌ ومعضلاتٌ وإشكالاتٌ بعددِ ذراتِ الهواء.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إن أُسنِد الأمر إلى الصانع الجليل، فإن الهواء يصبح بجميع ذراته جنديًّا مستعدًّا لتلقي الأوامر، فعندئذٍ تقوم ذراتُه بأداء وظائفها الكلية المتنوعة والتي لا تحد، بإذن خالقها وبقوته وبانتسابها واستنادها إليه سبحانه، وبتجلي قدرة صانعها تجليًا آنيًّا -بسرعة البرق- وبسهولةِ قيامِ ذرةٍ واحدةٍ بوظيفةٍ من وظائفها، وبيُسرِ تلفظِ كلمةِ &#8220;هو&#8221; وتموجِ الهواء فيها، أي يكون الهواءُ صحيفةً واسعةً للكتابات المنسَّقة البديعة التي لا تُحصَر لقلمِ القدرة الإلهية، وتكون ذراتُه بداياتِ ذلك القلم، وتصبح وظائف الذرات كذلك نقاطَ قلم القَدَر، لذا يكون الأمر سهلًا كسهولةِ حركةِ ذرةٍ واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">رأيتُ هذه الحقيقة بوضوحٍ تامٍّ وبتفصيلٍ كاملٍ وبعينِ اليقين عندما كنت أُشاهد عالَم الهواء وأُطالع صحيفته في سياحتي الفكرية وتأملي في &#8220;لا إله إلّا هو&#8221; و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾، وعلمت بعلم اليقين أن في الهواء الموجود في لفظ &#8220;هو&#8221; برهانًا ساطعًا للوحدانية، مثلما أن في معناه وفي إشارته تجليًا للأحدية في غاية النورانية وحجةً توحيديةً في غاية القوة، حيث فيها قرينةُ الإشارة المطلقة المبهمة لضمير &#8220;هو&#8221; أي إلى مَن يعود؟ فعرفتُ عندئذٍ لماذا يكرر القرآنُ الكريم وأهلُ الذكر هذه الكلمة عند مقام التوحيد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لو وُضع نقاطٌ متعددةٌ في ورقة بيضاء هي بقدر نقطة واحدة لاختلط الأمر، كذلك يَرزح كائن صغير تحت ثقل قيامه بعدة وظائف في وقت واحد، وأيضًا من المفروض أن يختلط النظام ويتبعثر عند خروج كلماتٍ كثيرةٍ في وقت واحد من الفم ودخولها الأذن معًا.. ولكني شاهدتُ بعين اليقين، وبدلالة لفظ &#8220;هو&#8221; -هذا الذي أصبح مفتاحًا وبمثابة بوصلة- أن نقاطًا مختلفة تُعَدُّ بالألوف، وحروفًا وكلماتٍ توضع -أو يمكن أن توضع- على كل جزءٍ من أجزاء الهواء الذي أَسيح فيه فكرًا، بل يمكن أن توضع كلها على عاتق ذرةٍ واحدة من دون أن يَحدث اختلاط أو تشابك أو ينفسخ النظام، علمًا أن تلك الذرة تقوم بوظائف أخرى كثيرة جدًّا في الوقت نفسه، فلا يلتبس عليها شيء، وتحمل أثقالًا هائلة جدًّا من دون أن تُبدي ضعفًا أو تكاسلًا؛ فلا نراها قاصرةً عن أداء وظائفها المتنوعة واحتفاظها بالنظام؛ إذ تَرِدُ إلى تلك الذرات ألوفُ الألوف من الكلمات المختلفة في أنماط مختلفة وأصوات مختلفة، وتخرج منها أيضًا في غاية النظام مثلما دخلت، دون اختلاط أو امتزاج ودون أن يُفسد إحداها الأخرى، فكأن تلك الذرات تملك آذانًا صاغية صغيرة على قدّها، وألسنةً دقيقة تناسبها، فتَدخل تلك الكلماتُ تلك الآذانَ وتخرج من ألسنتها الصغيرة تلك.. فمع كل هذه الأمور العجيبة فإن كل ذرة -وكل جزءٍ من الهواء- تتجول بحريةٍ تامةٍ ذاكرةً خالقَها بلسان الحال وفي نشوة الجذب والوجد قائلة: &#8220;لا إله إلّا هو&#8221; و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾ بلسان الحقيقة المذكورة آنفًا وشهادتها.</p>
<p style="text-align: justify;">وحينما تَحدث العواصفُ القوية وتُدَوِّي أهازيجُ الرعد، ويتلمَّع الفضاءُ بسنا البرق، يتحول الهواء إلى أمواجٍ ضخمة متلاطمة.. بَيد أن الذرات لا تفقد نظامها ولا تتعثر في أداء وظائفها، فلا يمنعها شغلٌ عن شغل.. هكذا شاهدت هذه الحقيقة بعين اليقين.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن، فإما أن تكون كلُّ ذرة -وكل جزء من الهواء- صاحبةَ علم مطلق وحكمة مطلقة وإرادة مطلقة وقوة مطلقة وقدرة مطلقة وهيمنة كاملة على جميع الذرات.. كي تتمكن من القيام بأداء هذه الوظائف المتنوعة على وجهها.. وما هذه إلّا محالاتٌ ومحالاتٌ بعدد الذرات، وباطل بطلانًا مطلقًا، بل حتى لا يذكره أي شيطان كان.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن البداهة تقتضي، بل هو بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين: أن صحيفة الهواء هذه إنما هي صحيفة متبدلة، يَكتب الخالقُ فيها بعلمه المطلق ما يشاء بقلم قُدرته وقَدَره الذي يحركه بحكمته المطلقة، وهي بمثابة لوحةِ محوٍ وإثباتٍ في عالم التغيّر والتّبدل للشؤون المسطَّرة في اللوح المحفوظ، فكما أن الهواء يدل على تجلي الوحدانية بهذه الأمور العجيبة المذكورة آنفًا، وذلك لدى أداء وظيفةٍ واحدةٍ من وظائفه، وهي نقل الأصوات، ويبيِّن في الوقت نفسه بيانًا واضحًا مُحالاتِ الضلالة التي لا تحصر، كذلك فهو يقوم بوظائف في غاية الأهمية وفي غاية النظام ومن دون اختلاط أو تشابك أو التباس، كنقل المواد اللطيفة، مثل الكهرباء والجاذبية والدافعة والضوء.. وفي الوقت نفسه يدخل إلى مداخل النباتات والحيوانات بالتنفس مؤديًا هناك مُهماتهِ الحياتية بإتقان، وفي الوقت عينه يقوم بنقل حبوب اللقاح -أي وظيفة تلقيح النباتات- وهكذا أمثال هذه الوظائف الأساسية لإدامة الحياة؛ مما يُثبت يقينًا أن الهواء عرشٌ عظيم يأتمر بالأمر الإلهي وإرادته الجليلة، ويُثبت أيضًا بعين اليقين أن لا احتمالَ قطعًا لتدخل المصادفة العشواء والأسباب السائبة التائهة والموادِّ العاجزة الجامدة الجاهلة في الكتابة البديعة لهذه الصحيفة الهوائية وفي أداء وظائفها الدقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">فاقتنعْتُ بهذا قناعة تامة بعين اليقين، وعرفتُ أن كل ذرة وكل جزءٍ من الهواء تقول بلسان حالها: &#8220;لا إله إلّا هو&#8221; و﴿قل هو اللّٰه أحد﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ومثلما شاهدت هذه الأمور العجيبة في الجهة المادية من الهواء بهذا المفتاح، أعني مفتاح &#8220;هو&#8221;، فعنصر الهواء برمته أصبح أيضًا كلفظ &#8220;هو&#8221; مفتاحًا لعالم المثال وعالم المعنى؛ إذ قد علمتُ أن عالَم المثال كآلة تصوير عظيمة جدًّا تلتقط صورًا لا تعد ولا تحصى للحوادث الجارية في الدنيا، تلتقطها في آنٍ واحدٍ بلا اختلاطٍ ولا التباس، حتى غدا هذا العالَم يَضمُّ مشاهدَ عظيمةً وواسعةً أُخرويةً تَسَع ألوفَ ألوفِ الدُّنى، تَعرض أوضاع حالاتٍ فانيةٍ لموجودات فانية، وتُظهِر ثمارَ حياتِها العابرة في مشاهد ولوحات خالدة تُعرَض أمام أصحاب الجنة والسعادة الأبدية، في معارض سرمدية، مذكِّرةً إياهم بحوادث الدنيا وذكرياتهم الجميلة الماضية فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">فالحجة القاطعة على وجود اللوح المحفوظ وعالم المثال ونموذجِها المصغر هو ما في رأس الإنسان من قوةٍ حافظة وما يملك من قوةِ خيال، فمع أنهما لا تشغلان حجم حبةٍ من خردل، إلّا أنهما تَقومان بوظائفهما على أتمِّ وجه بلا اختلاط ولا التباس، وفي انتظامٍ كامل وإتقان تام، حتى كأنهما يحتفظان بمكتبةٍ ضخمةٍ جدًّا من المعلومات والوثائق، مما يُثبت لنا أن تَيْنك القوتين نموذجان للّوح المحفوظ وعالم المثال.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا لقد عُلم بعلم اليقين القاطع أن الهواء والماء، ولا سيما سائل النُطَف، واللذان يفوقان الترابَ في الدلالة على اللّٰه -الذي أوردناه في مستهل البحث- صحيفتان واسعتان يَكتب فيهما قلمُ القدَر والحكمةِ كتابةً حكيمةً بليغة، ويجريان فيهما الإرادة وقلم القدر والقدرة، وأن مداخلة المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة الجامدة في تلك الكتابة الحكيمة محال في مائة محال وغير ممكن قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ألف ألف تحية وسلام إلى الجميع.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">من معاني &#8220;التشهّد&#8221;</h2>
<p><strong>(من معاني &#8220;التشهّد&#8221;)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين الأبرار..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ارتأينا أن نبين لكم خلاصةَ الدرس الذي ألقيناه على أركان مدرسة الزهراء، بناءً على رغبتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وموضوعه هو: أن الرسولَ الأكرمَ فخرَ الكائنات وثمرةَ خلق العالم ﷺ، قد قال ليلة المعراج في الحضرة الإلهية <strong>باسمِ جميع الكون</strong> بدلَ السلام: &#8220;<strong>التحياتُ المباركاتُ.. الصلواتُ الطيبات للّٰه</strong>&#8220;، قالها باسم البشرية جمعاء، بل باسم جميع ذوي الحياة، بل باسم عموم المخلوقات.. وأن الأمة الإسلامية تُردد هذا الكلام المبارك يوميًّا مراتٍ ومرات في صلواتهم لما فيه من معنى كلي.. وينال كل مؤمن -مهما كانت مرتبته في الإيمان- حظه من هذا الكلام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ذكرنا -فيما سبق- ما في عنصر الهواء من خوارق القدرة الإلهية، لدى بياننا أن الراديو نعمة إلهية، وذلك في حاشية بحث (نكتة توحيدية في لفظ &#8220;هو&#8221;).</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل كل هذا خطر على القلب أن <strong>العبادة التي يؤديها المؤمن في هذه الدنيا القصيرة، وفي عمر قصير</strong>، والتي يثاب عليها بملك باق واسع أوسع من الدنيا في السعادة الأبدية، إنما هي <strong>عبادة كلية</strong>، ولكأن دنياه الخاصة بكاملها تؤدي معه العبادة أيضًا، حيث يثاب بقدر دنياه الخاصة.. هكذا تُفهم من إشارات القرآن، كما هو مذكور في رسالة &#8220;الحجة الزهراء&#8221; في المقام الثاني لدى بحث العلم الإلهي.</p>
<p style="text-align: justify;">فعندما كنت أقرأ في التشهد &#8220;<strong>التحيات</strong>..&#8221; خطرتْ معانيها الكلية على روحي، فتحولتْ فجأة -في خيالي- عناصرُ دنياي الخاصة من ترابٍ وماءٍ وهواءٍ ونور، إلى أربعة ألسُنٍ كليةٍ ذاكرة، كلٌّ منها يَذكر بأحواله: &#8220;التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه&#8221; بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات.. هكذا رأيته في خيالي.</p>
<p style="text-align: justify;">أحد هذه العناصر هو &#8220;<strong>التراب</strong>&#8220;.. هذا التراب أصبح لسانًا ذاكرًا، وكلُّ ذي حياة غدا كلمة ذات حياة ناطقة بـ&#8221;التحيات.. للّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وذلك أن حفنة من ترابٍ يمكن أن تكون موضع استنباتِ معظم النباتات.. فإما أن فيها من المصانع المعنوية -بمقياسٍ مصغَّر جدًّا- ما تتمكن من توليد تلك النباتات، وبعددٍ يَفوق عدد المصانع التي نصبها الإنسان في العالم.. وهذا مُحالٌ في محال، أو أن ذلك الاستنبات يحصل بقدرةِ قديرٍ مطلق، وبعلمه المحيط وإرادته الشاملة.</p>
<p style="text-align: justify;">فعنصر التراب إذن ينال بهذا دلالةً على اللّٰه بجميع ذراته وأجزائه؛ لذا يردِّد: &#8220;<strong>التحيات للّٰه</strong>&#8220;، أي يقول: &#8220;إن ما تقدمها جميعُ الأحياء من هدايا حياتية من الأزل إلى الأبد خاصةٌ لذات اللّٰه المقدسة سبحانه وتعالى&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا العنصر الآخر لدنياي الخاصة -كما هو لدنيا الآخرين- وهو &#8220;<strong>الماء</strong>&#8220;، رأيته قد أصبح كذلك لسانًا كليًّا يَلهج بأحواله وبجميع ذراته الكلمة المباركة: &#8220;<strong>المباركات</strong>&#8221; وينشرها في أرجاء الكائنات كلها بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات، ولا سيما خدمته في إنماء الأحياء وإعاشتها، حيث الوظائف التي تقوم بها قطرات الماء، ولا سيما في إنماء النُّطَف والنوى والبذور وتنبيهها لأداء وظيفتها الفطرية.. وقيام تلك المخلوقات الصغيرة الجميلة البديعة، وتلك الصغار المباركة بأوضاعها اللطيفة بوظائف عظيمة وفي منتهى الإتقان والانتظام حتى يستنطق جميع ذوي الشعور فيقولوا من إعجابهم: &#8220;بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه&#8221;، ويرددها بما لا يعد ولا يحصى من المرات.</p>
<p style="text-align: justify;">فأداء تلك الوظائف على ذلك الوجه المتقَن يتطلب حتمًا أن يكون لكل ذرة من ذرات الماء من العلم ما لألفِ ألفِ أفلاطون! ومن الحكمة والإرادة ما لألفِ ألف لقمان الحكيم!. وهذا مُحالٌ في محال بعدد ذرات الماء.</p>
<p style="text-align: justify;">فإذن لا تتم تلك الأمور المتقَنة إلّا بقدرةِ قديرٍ ذي جلال وبإرادته، وبرحمة رحمن رحيم وبحكمته.</p>
<p style="text-align: justify;">فتلك الأحياء الصغيرة المباركة التي أَظهرت تلك المعجزات التي لا تعد ولا تحصى تردد إذن بألسنة أحوالها جميعًا وبعددها الكلمة الكلية: &#8220;<strong>المباركات.. للّٰه</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا فقد قال ثمرةُ خلق العالم رسولُنا الأكرم ﷺ في ليلة المعراج متكلمًا باسم جميع المخلوقات: &#8220;المباركات.. للّٰه&#8221;، وقدم في الحضور الإلهي جميع &#8220;المباركات&#8221; التي لا يحصرها العد، أي &#8220;إن جميع هذه الحالات اللطيفة والأوضاع البديعة، والإتقان والإبداع، التي تدفع كل ناظر إلى أن يقول من إعجابه: (بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه).. جميعها خاصةٌ لقدرة اللّٰه الجليلة وحدها&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا عنصر &#8220;<strong>الهواء</strong>&#8221; وهو الثالث في دنيا كل أحد.. فإن كل ذرة من ذرات قبضة صغيرة منه، حتى لو كانت بمقدار كلمةِ &#8220;هو&#8221;، تَحمِل في طياتِ وظائفِها -كمركزٍ للاستلام والنقل- جميعَ الأدعية وجميعَ الصلوات وجميعَ التضرعات وجميعَ العبادات، والتي تُعبِّر عنها جميعًا بـ: &#8220;<strong>الصلوات</strong>&#8220;، فيصبح الهواء لسانًا كليًّا ذاكرًا بأحواله بعددِ ذراته التي لا تعد ولا تحصى جميعَ تلك الكلمات، وتُقدِّمها إلى خالقها العظيم، لذا فقد قال الرسول الكريم ﷺ: &#8220;<strong>الصلوات للّٰه</strong>&#8221; باسمِ جميع تلك الذرات معبِّرًا عن ذلك المعنى الكلي، وقدّمها إلى الحق سبحانه وتعالى، أي: &#8220;إن جميع الأدعية والتضرعات التي يتضرع بها المضطرون والشكر والحمد على النعم، والعبادات والصلوات كلها خاصة لخالق كل شيء، للّٰه وحده&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">لأنه كما ذُكر في البحث المذكور آنفًا: إما أن ذراتِ قبضةِ هواءٍ -بقدر كلمة &#8220;هو&#8221;- تتقن اللغات جميعها، وتَرى مواضعَ من يتكلمون بها، وتَسمع كل ما هو قريب أو بعيد، وتُجيد لفظةَ كلِّ لهجةٍ ومخارجَ كل حرف، مع وظائف أخرى كثيرة، من دون اختلاط ولا تشوش، بمعنى أنها تكون مالكةٌ لقدرةٍ مطلقة وإرادةٍ مطلقة!. وهذا مُحالٌ في محالٍ بعددِ ذرات الهواء.</p>
<p style="text-align: justify;">أو أن كل ذرة من تلك الذرات تدل على الصانع الحكيم يقينًا، وتَشهد على جميع صفاته الجليلة بلا ريب، بل كأنها تَسَع -بمقياسٍ مصغر- جميعَ شهاداتِ العالَم على الصانع الجليل، أي إن الصلوات التي قُدِّمت بعدد الذرات، والتي تعبر عنها بـ &#8220;الصلوات للّٰه&#8221; قد قدمها الرسول الكريم ﷺ ليلة المعراج بهذا المعنى الكلي إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا عندما تقال الكلمة الطيبة: &#8220;<strong>الطيبات</strong>&#8221; تصبح النار والنور، أي عنصر النور المادي والمعنوي -بحرارة أو بدونها- لسانًا كليًّا ذاكرًا يردد: &#8220;<strong>الطيبات للّٰه</strong>&#8221; يرددها بما لا يحد من ألسنة أحواله.</p>
<p style="text-align: justify;">أي: &#8220;إن جميعَ الكلمات الطيبة، والمعاني الزكية، وبدائع الحسن والجمال، وتجليات الأسماء الحسنى الأزلية المتلمعة على خد الكائنات، وجميعَ سنا الجمال الزاهي المُشاهَد على المخلوقات والكائنات بإيمان المؤمنين، وفي طليعتهم الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحون والأصفياء العاملون.. وجميعَ الأقوال الطيبة الجميلة النابعة من إيمان المؤمنين وتحميداتهم وتشكراتهم وتهليلاتهم وتسبيحاتهم وتكبيراتهم المتعالية صاعدة إلى العرش الأعظم بدلالة الآية الكريمة: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾.. فجميع هذه الكلمات الطيبات المتوجهة إلى العرش الأعظم، مع جميع أشكال الجمال والحسن والطيب التي لا تُحَد، والناشئة من أحد أجمل الوجوه الثلاثة للدنيا، وهي وجهها المرآة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى، مع ما لا يحد من الحسنات والخيرات والثمرات المعنوية المزروعة في الوجه الثاني للدنيا وهي مزرعة الآخرة.. كلُّ هذه &#8220;الطيبات&#8221; خاصةٌ بكاملها للّٰه وحده.. القدير المطلق، سلطان الأزل والأبد.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا المعنى الكلي، وبلسان العبودية الكلية للنار والنور قدّمه سيدُ الكون رسولُنا الأكرم ﷺ بهذه الكلمة الطيبة: &#8220;الطيبات.. للّٰه&#8221; باسم جميع المخلوقات، إلى المعبود ذي الجلال سبحانه، إذ يَحمل النور المادي والمعنوي من الشهادات والدلالات -الجزئية والكلية- على اللّٰه سبحانه ما لا يحصره العد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن النور والنار -كما هو الحال في التراب والهواء والماء- يدلان بالبداهة دلالةً قاطعةً وبالضرورة وبتلك النماذج على أن الأسباب كلَّها ليست إلّا حُجُبًا، والتأثير والإيجاد كله إنما هو من القدير ذي الجلال.</p>
<p style="text-align: justify;">حيث إن النور -كالحياة والوجود تمامًا- يَنال الوجودَ بصدوره مباشرة من القدرة الإلهية، فلا تتوسط الأسبابُ الظاهرية حجابًا دونه في أية جهة كانت، ومن هنا فإنه يدل على الأحدية ضمن الواحدية، أي يشير بوظيفةٍ جزئيةٍ صغيرةٍ جدًّا إلى دليلٍ واسعٍ كُلِّيٍّ للأحدية، كما أُثبت ذلك في (نكتة في لفظ &#8220;هو&#8221; مع هوامشها باختصار).</p>
<p style="text-align: justify;">وسنذكر هنا مثالين اثنين فقط من بين ملايين الملايين من الأمثلة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المثال الأول</strong>: هو ما يَظهر على صورةِ علمٍ في جزءٍ من ومضةِ نور معنوي، في دماغِ إنسانٍ يملك قوة حافظة لا تتجاوز حجم ظُفْر، هذا الشخص أدرج في دماغه كلماتُ تسعين كتابًا، ويُتِمُّ قراءةَ هذا الجزء فقط من حافظته في ثلاثة أشهر بمُعَدَّلِ ثلاث ساعات يوميًًّا، ويمكنه أن يراجع ويخرج من تلك الحافظة ما يشاء ومتى يشاء مما شاهده وسمعه وما تراءى أمامه من صورٍ ومَعانٍ وكلماتٍ أعجب بها أو تحير منها أو رغب فيها.. مع جميع الصور والأصوات طوال عمره الذي ناهز الثمانين.. كل ذلك مجموعة في صحيفة تلك الحافظة، لذا يرى أن تلك الحافظة كأنها مكتبة ضخمة نسقت فيها المحفوظات منتظمة مرصوفة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الحافظة التي لا تشغل حجم حبة من خردل تكتب فيها وتحفظ تلك الأحوال كلها، فلها إذن سَعَةٌ كسَعَةِ البحر، ونورٌ كلي، وضياءٌ معنوي محيط بالشيء كضياء الشمس المحيط، وصحائفُ كبيرة واسعة سعة سطح الأرض.. وما هذا إلّا مُحالٌ في محال، بل محال بمئات الألوف من المحالات.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا بد إذن ولا شك أن هذه الحافظة الصغيرة جدًّا قد وضعها العليم المطلقُ العلمِ في دماغ الإنسان بعلمه وحكمته وقدرته، وخَلَقها أنموذجًا مصغَّرًا ليشير ويشهد على اللوح المحفوظ الذي هو صحيفة قدره وقدرته.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المثال الثاني</strong> الجزئي والأنموذج المصغر جدًّا: هو الكهرباء، فبعد أن خَبِرَ أحدهم المصباح الكهربائي ودقَّقَ فيه النظر، رأى أن الذرات والمواد الموجودة في مئات المفاتيح الكهربائية وأسلاكها ومراكزها: جامدة لا تملك شعورًا ولا حركة ذاتية، ومع هذا تمحو ظلمات كانت تشغل عشرات الكيلومترات، بعد أقلَّ من تماسٍّ بسيط، ويملأ مكانَها نورًا في أقل من نصف ثانية! فذهاب هذه الظلمات المشاهدة فجأة ومجيء نور مشاهَد بقدرها بدلًا منها لا شك أنه ليس خيالًا..</p>
<p style="text-align: justify;">إما أن التَّماسَّ الحاصل في تلك الذرات الجامدة الفاقدة للشعور يحمل قوة لا حدَّ لها ونورًا لا منتهى له، بحيث تتمكن تلك الذرات من أن تمد يدها إلى مئات الكيلومترات، فتزيلَ منها الظلام وتملأَه بالنور.. وهذا محال لا يمكن أن يقنع به حتى السوفسطائي ولو حاولت معه الشياطين جميعًا والملحدون والماديون قاطبة<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>..</p>
<p style="text-align: justify;">أو حصل ذلك بقدرة القدير المطلق، علام الغيوب، وبحكمة العليم النافذ حكمه في الكون كله، فتستفيض الأنوار من اسمه &#8220;النور&#8221;، فهو &#8220;نور النور، وخالق النور، ومدبر النور&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى غرار هذين المثالين هناك ما لا يحد من الأمثلة والنماذج.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فكما تُقدِّم الكائناتُ جميعَ ما فيها من أنوار، وحُسْن وجمال، وطيبات، وكلمات طيبة، وخيراتٍ وكمالات.. إلى الذات الجليلة بلسان حال عنصر النور بـ: &#8220;الطيبات للّٰه&#8221;، فإن نتيجة خلق الكائنات وسببَ خلق الكون ﷺ قد قال أيضًا بذلك المعنى الكلي في ليلة المعراج: &#8220;الطيبات للّٰه&#8221; باسمِ جميعِ موجوداتِ الكون التي بُعث إليه.</p>
<p style="text-align: justify;">فالرسول الأعظم ﷺ بعدد ذرات الأنام، بعد أن قال هذه الكلمات الجميلة الأربع بعدد ذرات الأنام، بدلًا من السلام في ليلة المعراج، قابله الرب الجليل سبحانه وتعالى -كما هو موضح في رسائل النور- بقوله: &#8220;السلام عليك أيها النبي&#8221; دليلًا على رضاه وقبوله منه ما قدم من تحيات، وإشارةً منه سبحانه إلى أمته &#8211; بأمرٍ معنوي &#8211; أن يقولوا مثله: &#8220;السلام عليك أيها النبي&#8221;..</p>
<p style="text-align: justify;">وعند ذلك قال الرسول ﷺ مباشرة: &#8220;<strong>السلام علينا وعلى عباد اللّٰه الصالحين</strong>&#8220;، جاعلًا من ذلك السلام الإلهي المقدس سلامًا عامًّا شاملًا لنفسه ولأمته ولأمثاله من الأنبياء -عليهم السلام- ولجميع المخلوقات، حيث هو المبعوث إليهم جميعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما تقوله أمته ﷺ في كل صلاة: &#8220;<strong>السلام عليك أيها النبي</strong>&#8221; ما هو الا امتثالٌ لما في ذلك السلام الإلهي المقدس من أمر، وهو في الوقت نفسه بيعةٌ مع الرسول ﷺ، وتجديدٌ يوميٌّ لبيعته، أي الرضى به رسولًا، والطاعة والانقياد لما جاء به، وهو في الوقت نفسه تهنئةٌ وتحيةٌ لرسالته.. وشكرانٌ يقدِّمه العالمُ الإسلامي أجمعُ يوميًّا لما بشَّرهم به من سعادة أبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كل إنسان يتألم من زوال وجوده، كما يتألم من خراب بيته، ويتألم أشد الألم بدمار بلده، بل يتجرع قلبُه آلامًا وغُصَصًا بفراقِ أحبائه ووفاتهم، بل يتحرق وجدانه وروحه حتى كأنه في جهنم معنوية كلما تفكر بزوال دنياه الخاصة -وهي بكُبْر الدنيا- ودمارِها نهائيًّا في الختام.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فكل إنسان راشدٍ -أي ما لم يكن فاقد القلب والروح والعقل- يدرك بلا شك أن ما أتى به الرسول الكريم ﷺ من بشرى عظيمة سارة، مما رآه رؤيةَ عينٍ وبصرٍ في ليلة المعراج من سعادة أبدية، ومن تنعُّم أهلِ الإيمان في جنةٍ خالدة، ومن عدم فناء أحباء الإنسان الذين يرتبط بهم بعلاقة، ومن لقائهم الحتمي بعضهم بعضًا بعد زوالهم.. أقول: سيدرك هذا الإنسان مدى ما تَحمله تلك البشرى السارة والهدية البهيجة من فرح وانشراح، ويدرك أيضًا سبب استقبال عالم الإسلام تلك الهدية الغالية بقولهم: &#8220;السلام عليك أيها النبي&#8221; كما يقوله كل موجود معنًى وبلسان هذه الحقيقة، إذ تتحول صحائف الكائنات إلى كتاباتٍ صمدانيةٍ بتلك الهدية المعنوية، وتتظاهر القيمةُ الحقيقية للمخلوقات وكمالاتُها برسالته؛ وما &#8220;السلام عليكم&#8221; الذي تتبادله الأمة الإسلامية كسنَّةٍ نبويةٍ وشعيرةٍ للإسلام إلّا شعاع من تلك الحقيقة العظمى.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء</h2>
<p style="text-align: justify;">إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء..</p>
<p style="text-align: justify;">رَجلٌ على شفير القبر، جاوز الثمانين، وابتُلي بأمراض عديدة.. شيخ غريب ضعيف، يقول: أريد أن أبيّن لكم حقيقتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاهما</strong>: أننا نبارك تعاونكم الوثيق مع العراق والباكستان بملء أرواحنا ووجداننا، فلقد أكسبتم بهذا التعاون الفرحَ والانشراح لهذه الأمة<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup>
<p style="text-align: justify;">وسيكون بإذن اللّٰه مقدمةً لإقرار الأمان والسلام بين أربعمائة مليون مسلم، ويضمن السلام العام للبشرية قاطبة.. هذا ما أحسستُه في روحي ورأيته لزامًا عليّ أن أكتب إليكم هذه الحقيقة، حيث وردتْ إلى قلبي في أذكار الصلاة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني -كما يعلم الجميع- تركتُ الدنيا والسياسة منذ أكثر من أربعين سنة، إلّا أن الذي دفعني إلى بيان هذا الإخطار القلبي والعلاقة القوية التي شعرت بها هو: تأثير رسائل النور -التي كَشَفتْ منذ خمسين سنة عن أقصر طريقٍ لإنقاذ الإيمان، والمعجزةِ المعنوية للقرآن الكريم في هذا العصر- في البلدان العربية والباكستان أكثر من أي بلاد أخرى، حتى وَرَدَنا خبرٌ مُفاده أن طلاب النور في تلك الأماكن يزيدون ثلاثة أضعاف على ما ثبتته المحاكمُ هنا، لذا اضطرت روحي إلى بيان ومشاهدة هذه النتيجة العظيمة وأنا على عتبة القبر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: لقد ظهرتْ أضرارُ النعرة القومية والعنصرية في عهد الأمويين، كما فرَّقت الناسَ شرّ فرقة في بداية عهد الحرية وإعلان الدستور، حيث تأسست النوادي والتكتلات، كما استُغِلَّت إثارة النعرة القومية مجددًا للتفريق بين الإخوة العرب النجباء وبين الأتراك المجاهدين، فعَمَّ الاضطراب وسُلبت راحة الناس، علمًا أن الإضرار بالناس بأعمال سلبية هو فطرةُ القومية والعنصرية التي فُطِروا عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">والأتراك مسلمون في أنحاء العالم كافةً، فقوميتُهم مُزِجَتْ بالإسلام لا يمكن فصلهم عنه، فالتركي يعني المسلم، حتى إن غير المسلم منهم لا يكون تركيًّا؛ وكذلك العرب، فإن قوميتهم مُزِجَتْ بالإسلام أيضًا وينبغي هكذا، فقوميتُهم الحقيقية هي الإسلام، وهو حَسَبُهم. ألاَ إن العنصرية ودعوى القومية خطرٌ عظيم.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن يدفع تعاونُكم مع العراق والباكستان أضرار هذه الدعوى الخطرة، ويُكسِب الأتراكَ أربعمائة مليونٍ من الإخوة بدلًا من خمسةِ ملايين من العنصريين، ويُكسِبَ في الوقت نفسه صداقة ثمانمائةِ مليونٍ من النصارى وسائر الأديان الأخرى المحتاجين إلى إقرار السلام.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: قبل<sup class="modern-footnotes-footnote ">10</sup> خمسةٍ وستين عامًا أخبرني والٍ من الولاة أنه قرأ في الصحف أن وزير المستعمرات البريطاني خَطَب وبيده نسخة من المصحف الشريف قائلًا: &#8220;إننا لا نستطيع أن نَحكم المسلمين ما دام هذا الكتاب بيدهم، فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا دأبتْ المنظماتُ المفسدة الرهيبة على تحقيق هاتين الخطتين: إسقاط شأن القرآن الكريم من أعين الناس، وفصلُهم عنه، فسَعَوا في هذا المضمار سعيًا حثيثًا للإضرار بهذه الأمة المنكوبة البريئة المضحية.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قررتُ قبل خمسٍ وستين سنةً أن أُجابِهَ هذه المؤامرات الخطرة مستمدًا القوة من القرآن العظيم، فألهمني قلبي طريقًا قصيرًا إلى الحقيقة، وإنشاءَ جامعةٍ ضخمة، فمنذئذ نسعى لإنقاذ آخرتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإحدى ثمراتها أيضًا إنقاذُ حياتنا الدنيوية من الاستبداد المطلق، والنجاةُ من مهالك الضلالة، وإنماءُ علاقات الأخوة بين الأقوام الإسلامية، وقد وجدنا وسيلتين في هذه السبيل:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوسيلة الأولى</strong>: <strong>رسائل النور</strong> التي تُقَوي وشائجَ الأخوة الإيمانية بتقوية الإيمان، والدليل على ذلك تأليفُها في وقت الظلم والقسوة الشديدة، وتأثيرُها البالغ في أنحاء العالم الإسلامي وفي أوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر، وغَلَبتُها على المُخِلّين بالنظام والفلسفة الملحدة، وظهورُها على المفاهيم الإلحادية السارية كالفلسفة الطبيعية والمادية، مع عدم جَرحها من قِبَل أية محكمة أو لجنة خبراء، وسيتبنى أمثالُكم بإذن اللّٰه ممن كَشفوا عن مفتاح الأخوة الإسلامية هذه الرسائلَ التي تُمثل نورًا من أنوار القرآن الكريم، وينشرها في العالم الإسلامي كلِّه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوسيلة الثانية</strong>: قبل خمسٍ وستين سنةً أردت الذهاب إلى الجامع الأزهر باعتباره مدرسةَ العالم الإسلامي، لأنهل فيه العلوم، ولكن لم يُكتَب لي نصيب فيه، فهداني اللّٰه إلى فكرة، وهي أن <strong>الجامع الأزهر مدرسة عامة في قارة إفريقيا</strong>، فمن الضروري إنشاء جامعة في آسيا على غراره، بل أوسع منه <strong>بنسبةِ سَعَةِ آسيا على إفريقيا</strong>، وذلك لئلا تُفسِد العنصرية الأقوامَ في البلدان العربية والهند وإيران والقفقاس وتركستان وكردستان، وذلك لأجل إنماء الروح الإسلامية التي هي القومية الحقيقية الصائبة السامية الشاملة، فتنال شرف الامتثال بالدستور القرآني: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك لتتصافح العلومُ النابعة من الفلسفة مع الدين، <strong>وتتصالحَ الحضارة الأوروبية مع حقائق الإسلام مصالحةً تامة</strong>، <strong>ولتتفق المدارس الحديثة وتتعاون مع المدارس الشرعية في الأناضول</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا بذلتُ جهدي كلَّه لتأسيس هذه الجامعة في مركز الولايات الشرقية التي هي وسطٌ بين الهند والبلاد العربية وإيران والقفقاس وتركستان، وسميتها &#8220;<strong>مدرسة الزهراء</strong>&#8220;، فهي مدرسةٌ حديثة ومدرسةٌ شرعية في الوقت نفسه، فمثلما بذلت جهدي في سبيل إنشاء هذه الجامعة بذلتُه في سبيل نشر رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن السلطان &#8220;رشاد&#8221; رحمه اللّٰه هو أول من قدَّر أهمية إنشاء هذه الجامعة، فخصص عشرين ألف ليرة ذهبيةٍ لإنجاز بنائها فقط، وحينما رجعتُ من الأسر في الحرب العالمية الأولى وافق مائةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا -من بين مائتين- في البرلمان ووقّعوا على تخصيص مائةٍ وخمسين ألف ليرة -بقيمة الليرة الثمينة آنئذٍ- للغرض نفسه، وكان مصطفى كمال من ضمنهم، وهذا يعنى أنهم أَوْلَوا أهميةً لإنشاء هذه الجامعة أكثر من أي شيء آخر؛ بل حتى وقّع ذلك القرارَ المتغربون من النواب الذين لا يَهمهم أمرُ الدين من قريبٍ أو بعيد، والذين قطعوا صلتهم بالأعراف الإسلامية، سوى اثنين منهم حيث قالا: نحن بحاجة إلى الحضارة الغربية أكثر من حاجتنا إلى الجمع بين العلوم الدينية والحديثة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري أجبتهم بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">لنفرض فرضًا محالًا أنكم لستم بحاجة إلى ذلك، ولكنَّ ظهورَ أكثر الأنبياء في آسيا والشرق، وظهورَ أكثر الحكماء والفلاسفة في الغرب، يَدُل على أن الذي يدفع آسيا إلى الرقيّ الحقيقي هو الشعور الديني أكثر من العلوم والفلسفة، فإن لم تأخذوا بهذا القانون الفطري، وأهملتم الأعراف الإسلامية بحجة التغرب، وأسستم الدولة على الإلحاد: فأنتم مضطرون أيضًا إلى الانحياز إلى الإسلام -لصالح الوطن والأمة- إقرارًا للسلام في الولايات الشرقية الواقعة بين أربع دول كبرى.</p>
<p style="text-align: justify;">وأورد لكم مثالًا واحدًا من بين ألوف الأمثلة:</p>
<p style="text-align: justify;">حينما كنت في مدينة &#8220;وان&#8221; قلت لأحد طلابي الأكراد الغيورين: لقد خدم الأتراكُ الإسلامَ كثيرًا، فكيف تراهم؟</p>
<p style="text-align: justify;">قال: إني أفضّل تركيًّا مسلمًا على شقيقي الفاسق، بل أرتبط به أكثر من ارتباطي بوالدي، لخدمته الإيمان خدمة فعلية.</p>
<p style="text-align: justify;">ومرت الأيام والسنون، ودخل ذلك الطالبُ -أيام أَسْري- المدرسةَ الحديثة في إسطنبول، ثم قابلتُه بعد عودتي، فلمست أنّ عِرق القومية الكردية قد تحرك فيه من جراء الدعوى العنصرية التركية لدى بعض معلميه، فقال لي: إنني أفضل الآن كرديًّا فاسقًا مجاهرًا بل ملحدًا على تركيٍّ صالح.. ثم جلست معه بضع جلسات فأنقذته بإذن اللّٰه، فاقتنع أن الأتراك هم جنود أبطال لهذه الأمة.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا أيها النواب السائلون..</p>
<p style="text-align: justify;">إن في الشرق حوالي خمسة ملايين من الأكراد، وحوالي مائة مليون من الإيرانيين والهنود، وسبعين مليونًا من العرب، وأربعين مليونًا من القفقاس.. فهؤلاء جميعًا تربطهم الأخوة وحُسْنُ الجوار وحاجةُ بعضهم إلى البعض الآخر.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أسألكم: أيّهما أكثر ضرورة.. الدرسُ الذي يتلقاه الطالب في مدرسة &#8220;وان&#8221; الجامعةِ بين الشعوب والأمم، أم الدرسُ الذي يفرِّق بين تلك الشعوب ويجعله يحصر تفكيره بقومه فقط، وينكر أخوّة الإسلام، ويبذل جهده لتعلم العلوم الفلسفية دون اعتبارٍ للعلوم الإسلامية.. ألا تكون حاله كحالة الطالب الثانية؟</p>
<p style="text-align: justify;">وعقب هذا السؤال قام المتغربون من النواب والمتحللون من الأعراف الإسلامية بتوقيع القرار، ولا أرى داعيًا لذكر أسمائهم.. سامحهم اللّٰه، لقد توفوا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه الجامعةَ حجرُ الأساس لإحلال السلام في الشرق الأوسط وقلعته الحصينة، وستُثمر فوائد جمةً لصالح هذه البلاد والعباد بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن العلوم الإسلامية ستكون أساسًا في هذه الجامعة، لأن القوى الخارجية المدمِّرة قوى إلحادية، تمحو المعنويات، ولا تقف تجاه تلك القوى المدمِّرة إلّا قوة معنوية عظيمة، تنفلق على رأسها كالقنبلة الذرية.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنكم ترَون أنفسكم مضطرين إلى استشارة أمريكا وأوروبا في هذه المسألة، إلّا أن لي الحق أيضًا أن أدلي برأيي فيها، حيث قضيت خمسًا وخمسين سنة من عمري لتحقيقها، بل ننتظر ذلك منكم باسم الأمة جميعًا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>(الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء‌)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور‌</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">11</sup>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إخواني الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>وظيفتنا</strong> هي العمل الإيجابي البنَّاء، وليس السعي للعمل السلبي الهدام، <strong>ومهمتنا</strong> القيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي، دون التدخل بما هو موكول أمره إلى اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا مكلفون بالتجمل بالصبر، والتقلد بالشكر، تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا، وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البنَّاءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.</p>
<p style="text-align: justify;">أقول متخذًا من نفسي مثالًا: إنني لم أَنْحَنِ تجاه التحكم والتسلط منذ القدم، وهذا ثابتٌ بكثير من الحوادث. فمثلًا: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما أنني لم أُعِرْ أية أهميةٍ على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذين كانوا يهددوني بالشنق والإعدام، وطوري هذا تجاه القُواد الأربعة يُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط، إلّا أنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي، والاجتناب عن السعي للعمل السلبي، لئلّا أتدخل بما هو موكول أمره إلى اللّٰه، بل قابلتُها بالرضى والصبر الجميل اقتداءً بنبي اللّٰه جرجيس عليه السلام، وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيرًا في غزوة بدر وغزوة أحد.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إنني لم أَدْعُ حتى على المدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر، رغم أنني قد أثبتُّ أخطاءه البالغة واحدًا وثمانين خطأ، <strong>لأن المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي،</strong> وإقامةُ السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانةُ الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن في مسلكنا <strong>قوةً</strong>، إلّا أننا لم نقم باستعمالها إلّا في تأمين الأمن الداخلي، لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعًا لدستور الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، (أي لا يجوز معاقبة إنسانٍ بجريرةِ أخيه أو أحبائه).. إن هذه القوة لا يمكن استعمالها إلّا ضد الهجمات الخارجية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن وظيفتنا -وفق دستور الآية الكريمة المذكورة- هي الإعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة، لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المُخِلَّةِ بنظام الأمن الداخلي في العالم الإسلامي إلّا بنسبة واحدٍ من الألف، وهذا كان من جرَّاء الاختلاف في الاجتهاد.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أعظم شرطٍ من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية، أي بما هو موكول إلى اللّٰه، بمعنى أن وظيفتنا الخدمةُ فحسب، بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وأننا مكلفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأقول كجلال الدين خوارزم شاه: &#8220;إن وظيفتي هي الخدمة الإيمانية، أما النصر أو الهزيمة فمن اللّٰه سبحانه&#8221;، وإنني قد تلقيتُ درس التقلُّد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، يَستوجب مجابهةُ الهجمات الخارجية بالقوة، لأن أموال العدو وذَراريه تكون بمثابة غنيمة للمسلمين، أما في الداخل فالأمر ليس هكذا، ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام.. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل، وقد أحسَنَ إليَّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلاب الحقيقيين، فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البنَّاء بكل ما نملك من قوةٍ في سبيل تأمين الأمن الداخلي، فالفرق عظيمٌ بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك مسألةٌ أخرى في غاية الأهمية، وهي أن متطلبات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زَيَّدت الحاجاتِ الضرورية من الأربعة إلى العشرين، فجعلتِ الحاجاتِ غيرَ الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية، بالإدمان والاعتياد والتقليد، فتَجِدُ مَن يفضِّل الدنيا على الآخرة رغم إيمانه بها، لانهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظنًّا منه أنها ضرورة.</p>
<p style="text-align: justify;">قبل أربعين سنة أَرسَل إليَّ قائدٌ عامٌّ عددًا من الضباط -وحتى بعضَ العلماء الأئمة- من أجل أن يعيدوني شيئًا إلى الأمور الدنيوية، فقالوا: &#8220;نحن الآن مضطرون&#8221;، أي إننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوروبية ومُوجِبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: &#8220;إن الضرورات تبيح المحظورات&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم: إنكم منخدعون تمامًا؛ لأن الضرورة النابعةَ من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات، فلا يُجعل الحرام بمثابة الحلال، بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي إنْ لم تأتِ الضرورة عن طريق الحرام فلا ضَير.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إذا سَكِر شخصٌ بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فإن الحكم يَجري عليه ولا يكون بريئًا، بل يعاقب. ولكن إذا قام طفلٌ مختلُّ العقل بقتل شخصٍ ما -وهو في حالة الاختلال- فهو معذورٌ ولا يعاقب؛ لأنه لم يقترف الجريمة بإرادته.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا قلتُ للقواد والأئمة: أيُّ الأمور تُعَدُّ ضرورية مما سوى الأكل والعيش؟ فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميولِ غير المشروعة لا تكون عذرًا لجعل الحرام حلالًا، فإذا أدمن الإنسانُ نفسُه على شيءٍ، كمتابعته للأفلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمور ليست ضرورية قطعًا، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لجعل الحرام حلالًا. وحتى القانونُ الإنساني قد أخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميَّز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن إطار الاختيار، والأحكام الناشئة من سوء الاختيار، إلا أن القانون الإلهي قد فرَّق بينهما بشكلٍ أساسٍ وثابتٍ راسخٍ ومُحْكَم.</p>
<p style="text-align: justify;">إخواني.. لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعضَ إلجاءاتِ العصر ضرورةً، ورَكَنوا إلى البدع.. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر &#8220;ضرورة&#8221; بدون علم، وعملوا وَفْقَها، ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل، فلا تتحرشوا بهم وإن كان المعارضون لنا من العلماء الأئمة، إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفْتُر مقدار ذرة قط، ووُفِّقتُ في تلك الخدمة الإيمانية بإذن اللّٰه، فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الإيجابي، وأتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا لا نلتفت إلى الدنيا، فإذا ما نظرنا إليها فنحن لا نسعى إلى ما سوى لمعاونتهم فيها، فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل إيجابي، وبسبب هذه الحقائق وأمثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن نشر رسائل النور قد أَورث قناعة تامة بأن الديمقراطيين يساندون الدين ويؤيدونه، لذا فإن التعرض للرسائل يكون ضد منفعة الوطن والملة.</p>
<p style="text-align: justify;">وها مثالًا صغيرًا لقاعدةِ: &#8220;<strong>إنّ ضرورةً نبعتْ من سوء الاختيار لا تكون سببًا لجعل الحرام حلالًا</strong>&#8220;:</p>
<p style="text-align: justify;">كانت هناك رسالةٌ خاصةٌ سريةٌ قد مَنعتُ نشرَها، ووصَّيتُ تلاميذي بنشرها بعد وفاتي، إلّا أن المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة، وأيدتْ محكمةُ التمييز هذه البراءة، وأنا بدوري أَذِنتُ بنشرها من أجل تأمين الأمن الداخلي والحيلولة دون أن يمس خمسًا وتسعين بالمائة من الأبرياء ضررٌ، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثالثة</strong>: يسعى الكفر المطلق حاليًّا لنشر جهنمَ معنويٍّ رهيب، بحيث يَلزم أن لا يقترب منه أي إنسان في العالم أجمع، ولكن أحد أسرار كون القرآن الكريم &#8220;رحمة للعالمين&#8221; هو: مثلما أنه رحمة للمسلمين جميعًا، فهو رحمةٌ لجميع الكفار أيضًا وبني آدم أجمع، حيث يورثهم احتمالَ وجود الآخرة ووجود اللّٰه سبحانه، فيخفف عنهم بهذا الاحتمال شيئًا من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من أسرار كون القرآن رحمة للخلق أجمعين.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن قِسم الضلالة من العلم والفلسفة، أي غيرَ المتوافق مع القرآن الكريم، والمنحرفَ عن الصراط السوي، قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين، فبدأ بتطعيمِ أفكارهم المولِّدة للفوضى والإرهاب ونشرِها بوساطة المنافقين والزنادقة، وبوساطةِ قسمٍ من السياسيين الكفرة، علمًا أن الحياة لا يمكن أن تَسير بدون دين.</p>
<p style="text-align: justify;">ومبدأُ &#8220;لا حياة لأمةٍ بلا دين&#8221; تشير إلى هذه النقطة، إذ لا يمكن العيش-في حقيقة الحال- بالكفر المطلق، ولهذا فإن إحدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم أنه قد مَنح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سدًّا أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن، وحقًّا إن الرسائل أدت دورها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف أوروبا ودول البلقان وأقام سدًّا أمام هذا الهجوم، وهكذا وُجد حلٌّ سليمٌ أمام هذا الخطر الداهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن لا يمكن لمسلمٍ أن يَخرج عن الإسلام ويتنصّر أو يتهوَّد أو يكون بلشفيًّا.. لأن النصراني إذا أسلم فإن حبَّه لعيسى عليه السلام يزداد أكثر، واليهودي كذلك يزداد حبُّه لموسى عليه السلام بعد دخوله للإسلام، ولكن المسلم إذا ارتد وحَلَّ رِبْقته من سلسلةِ الرسول محمد ﷺ وتخلى عن الدين الحنيف، فلا يمكن له أن يدخل أي دين آخر، بل يكونُ إرهابيًّا، ولا يبقى في روحه أيُّ نوعٍ من الكمالات، بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سمٍّ قاتلٍ للحياة الاجتماعية.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا نشكر اللّٰه عز وجل أن قد بدأ بالانتشار درسٌ من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية، وقد تَحقَّق أنها مثلما أَنقذتْ قبل ستِّ عشرةَ سنةً إيمانَ ستمائةِ ألفِ شخص، فإنها الآن قد تجاوزت هذا العدد إلى الملايين من الناس، وكما أن رسائل النور أصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الإرهاب -شيئًا ما- أصبحتْ وسيلةً للتآخي والوحدة بين الأخَوَين الجليلين للإسلام وهما العرب والترك، وكذلك أصبحت وسيلة لنشر الأحكام الأساسية للقرآن الكريم حتى بتصديق أعدائها.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الكفر المطلق يقف حائلًا أمام القرآن الكريم في هذا العصر، وأن الكفر يُضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنمَ معنويةً تَفُوق جهنمَ نفسَها، حيث إن الموت لا يمكن قتله، بل تَشهد كلَّ يومٍ ثلاثون ألفًا من الجنائز على استمرارية الموت، فإن هذا الموت هو بمثابة جهنمَ معنويةٍ تَفُوق عذابَ جهنم نفسِها عشراتِ المرات لمن وقع في الكفر المطلق، أو لمن يساند الكفر المطلق، نظرًا لأنه يفكر في الموت أنه إعدام أبدي له ولأحبائه الذين مضَوا والآتين معًا، لأن كلَّ شخصٍ كما يكون سعيدًا بسعادة أحبائه، يتعذب بعذابهم، فالذي يكفر بوجود اللّٰه تُمحى عنده جميع تلك السعادات، ويَحُلُّ العذابُ محلها.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا هناك حل وحيد في هذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القرآن الحكيم، وأجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقرآن الكريم والتي كتبت وفق أفهام أبناء هذا العصر.</p>
<p style="text-align: justify;">نحن الآن نشكر اللّٰه عز وجل، إذ قد شعر-إلى حدٍّ ما- أحدُ الأحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات، ولم يمنع نشر رسائل النور التي تُثبت بأن الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا، بل سمح بنشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.</p>
<p style="text-align: justify;">إخواني.. إن مرضي قد اشتد كثيرًا، ولعلي أُتوفى قريبًا، أو أُمنع من المكالمة كليًّا -كما كنتُ أُمنع أحيانًا منها- لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليَعُدُّوها من قبيل &#8220;أهون الشرين&#8221;، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائمًا، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر، وما دام قسمٌ من السياسيين لا يُلحِقون الضررَ برسائل النور، بل يتسامحون قليلًا، لذا انظروا إليهم كأهون الشرين، ومن أجل التخلص من أعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية، وإنه ليس ماديًّا قط.. وإنما يستوجب القيامَ بخدمات معنوية، لذا فكما لم نتدخل بأمور أهل السياسية، فلا يحق لأهل السياسة أن ينشغلوا بنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: لقد سامحتُ عن جميع حقوقي وعفوتُ عن حزبٍ من الأحزاب السياسية رغم مقاساتي منه ألوفًا من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة، فقد أصبحتُ وسيلة لإنقاذ خمسةٍ وتسعين بالمائة من المساكين من أن يَسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات، حيث أُسنِد الذنب إلى خمسةٍ بالمائة من ذلك الحزب، بحكم الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فلا يحق إذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن المدعي العام الذي طالَبَ في إحدى المحاكم -من جراء الأوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس- بإنزال الحكم علينا نحن السبعين متهَمًا، مستندًا إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وبإسنادِ معنًى خطأٍ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الأخطاء التي كانت تنوف على ثمانين خطأ، كما أثبتنا أخطاءَ تلك الأخطاء، وكان أحد إخوانكم الذي تعرض أكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجونًا وقد شاهد طفلةً صغيرة من خلال نافذة السجن، فسأل عنها، فقيل له: إنها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لأجل تلك الطفلة البريئة المسكينة، ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي ألقاها علينا المدعي العام انقلبتْ إلى رحمة، نظرًا لأنها أصبحتْ وسيلةً لنشرِ رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">إخواني.. ربما أموت قريبًا، فإن لهذا العصر مرضًا داهمًا، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاءُ قضاءِ حياةٍ جميلةٍ في ظلِّ مباهجِ وزخارفِ المدنيَّة الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أول درسٍ من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. وللّٰه الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وحتى قد أُخفِتَ صوتٌ لأحد طلاب النور -وهو الضعيفُ المسكين- من قِبَل الرحمة الإلهية عندما أصبح أعداؤه أصدقاءَ له وكثُر الخطاب معه، ويتألم من أنظار مَن ينظر إليه بنظرِ تقديرٍ واستحسان، إضافةً إلى أنه يتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات، فسُئل عنه &#8220;ما حالك؟ فما دام لك أصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذا لا تحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم إياك؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأجاب قائلًا: ما دام الإخلاصُ التامُّ هو مسلكَنا، فبمقتضى الإخلاص التام لا بد من التضحية والفداء ليس بالأنانية فحسب، بل لو منحت سلطنةُ الدنيا لوجب تفضيل مسألة إيمانيةٍ واحدةٍ باقيةٍ على تلك السلطنة، لذا فقد فَضَّل نكتةٍ دقيقةٍ قرآنيةٍ في آية واحدة أو في حرف منها في الحرب، وفي الخط الأمامي بين قنابل مدافع الأعداء، فأمر طالبه المسمى بـ&#8221;حبيب&#8221;: أن &#8220;أخرِج الدفتر&#8221; أملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده، أي إنه لم يترك حرفًا واحدًا ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء، بل فضلها على إنقاذ حياته.</p>
<p style="text-align: justify;">فسألنا ذلك الأخ: &#8220;من أين تلقيت هذا الإخلاص العجيب&#8221;، فقال: من نقطتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: إن في غزوة بدر التي هي من أعظم الغزوات الإسلامية، وَضع قسم من المجاهدين أسلحتهم ووقفوا لأداء الصلاة جماعة، بينما القسم الآخر وقفوا مسلحين حذرين، ثم التحقوا بالصلاة كسبًا لثواب الجماعة كما أمر به رسول اللّٰه ﷺ، فما دامت هذه الرخصة موجودة في الحرب، وما دام ثواب الجماعة رَغم كونه سنةً قد فُضِّل على أكبر حادثةٍ في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية، فنحن نستلهم من الرسول الأعظم ﷺ هذه النكتة الصغيرة ونَتبعها بروحنا وأنفسنا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثانية</strong>: إن الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه قد طلب من اللّٰه سبحانه وتعالى في أماكن كثيرة من قصيدته &#8220;البديعية&#8221; ولا سيما في أواخرها حاميًا يحميه كي لا تطرأ الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة، فطلب من الرب الجليل عفريتًا من الجن ليحميه من أعدائه الكثيرين خشية أن يصيب خلل في خشوعه في الصلاة بتفكير هجوم أعدائه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أخاكم هذا المسكين الضعيف الذي قضى صفوةَ عمره في الأنانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد الكونين الذي هو سببُ خلْق الأفلاك، ومِن الذي هو أسد الإسلام.. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكينُ الضعيف أهميةً لأسرار القرآن، ولم يُعِرْ سمعًا لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبيَّن نكتةً واحدة فقط من حرفٍ واحدٍ من القرآن الكريم&#8221;.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">دعاء الختام</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿يَا اَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;">بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجِز البيان، وبكرامة الرسول الأعظم ﷺ، أَدخِل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا وأبدًا.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنةٍ لكل حرف من حروف كتاب &#8220;الملاحق&#8221;.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">يا أرحم الراحمين.. آتِ جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين.</p>
<p style="text-align: center;">واعفُ عن ذنوبِ هذا العبد العاجز الضعيف سعيد.. آمين.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>باسم جميع طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: وهن: درية: هي والدة &#8220;عُبيد&#8221; توفيت قبل الحرب العالمية الأولى. وخانم: وهي العالمة الفاضلة التي توفيت في الحج أثناء الطواف سنة ١٩٤٥ &#8220;الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الحادية عشرة&#8221;. ومرجان: وهي أصغرهن جميعًا.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: وهم: عبد اللّٰه: توفي عام ١٩١٤ وهو والد &#8220;عبد الرحمن&#8221; تلميذ الأستاذ النورسي وابنه المعنوي. ومحمد: توفي سنة١٩٥١. وعبد المجيد: توفي سنة ١٩٦٧. فأبناء السيد ميرزا بالتسلسل هم: درية، خانم، عبد اللّٰه، سعيد، محمد، عبد المجيد، مرجان.﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين، ٣/٧٨؛ الآمدي، الإحكام، ٤/٢٣٠؛ العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، ٦/٣٧٠؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ص٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة، ص١٤؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة، ص ١٢٤؛ العجلوني، كشف الخفاء، ٢/٩٢.﴾</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: قصبة تابعة لولاية أفيون.﴾</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: عبد الرزاق، المصنف، ٦/١٧٣؛ العجلوني، كشف الخفاء، ١/٣٨٠؛ المناوي، فيض القدير، ٣/٢٦٩؛ الهندي، كنز العمال، ١٦/٢٧٦.﴾</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: أحمد بن حنبل، المسند، ٦/٢٢٦؛ كشف الخفاء، ٢/،٥١٠، رقم: ٣١٥٤؛ وانظر: أبو داود، المراسيل ٢٨٧؛ ابن حبان، المجروحين ١/٣٩٩؛ الذهبي، المهذب ٥/٢٦٥٠؛ ابن حجر، فتح الباري ٩/١٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٣١٥٤؛ وعند البيهقي: إن اللّٰه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة.﴾</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: العجلوني، كشف الخفاء، ١/٤٧٢؛ الطبراني، المعجم الأوسط، ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب الإيمان، ٦/١١٧.﴾</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿(٭): إنه لأجل الخداع والتمويه ليس إلّا يضعون اسمًا على بعض الحقائق العظيمة الجليلة، وكأن تلك الحقيقة قد عُلمت وفُهمت، فيجعلونها أمرًا عاديًّا مألوفًا. فمثلًا: إن قولهم: &#8220;هذا ما يسمى بقوة الكهرباء&#8221;، يُبدون به إظهار تلك الحقيقة العظيمة والدقيقة أمرًا عاديًّا مألوفًا، علمًا أنه قد لا تكفي صفحات لبيان حكم تلك المعجزة البديعة للقدرة الإلهية.. لذا فبمجرد وضعِ اسمٍ وإطلاقِ عنوانٍ على تلك الحقيقة تُستَر حِكَمُها الكلية وتختفي ماهيتُها وعظمتُها، وتغدو من الأمور العادية، وقد يقيمون مكان تلك الحقيقة العظيمة أحدَ مظاهرها البسيطة، وعندها يُسنِدون ذلك الأثر البديع إلى قوةٍ عمياء، ومصادفةٍ عشواء، وطبيعة موهومة، فيتردَّون في هاويةِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل. إن القوانين سننُ اللّٰه الجاريةُ في الكون والتي هي عناوين لنواميس الإرادة الإلهية، قد أَطلق البشرُ على إحدى تلك القوانين اسم &#8220;الكهرباء&#8221;، وذلك لعجزه عن إدراك ماهيتها، فجعل بهذا الإطلاق ما في التنوير من معجزةِ قدرةٍ خارقةٍ أمرًا عاديًّا بسيطًا، وكأنه شيء معلوم لدى الجميع. وهكذا يَجعلون أمثال هذه المعجزات البديعة للقدرة الإلهية أمورًا عادية مألوفة بمجرد إطلاق اسم عليها كقوة الكهرباء.(المؤلف)﴾</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: لا شك أنه بعد انقطاعٍ دام أكثر من ربع قرن عن البلدان العربية والإسلامية يُعدُّ هذا الانفتاح بشرى عظيمةً للمسلمين في تركيا.﴾</div><div>10&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: رسالة مرفوعة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد سنة ١٩٥٠م في عهد عدنان مندرس وجلال بايار.﴾</div><div>11&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: جزى اللّٰه الأخ &#8220;دنجر قورقماز&#8221; خيرًا لترجمته هذا الدرس القيِّم.﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2753</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الثاني [2/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a-2-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 23 Jan 2026 12:40:37 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2751</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] &#160; [مختصر ملحق أميرداغ الثاني 2/3]   تأليف بديع الزمان سعيد النُّورسي   ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ النظر إلى المخلوقات (النظر إلى المخلوقات)‌ حاشية لرسالة مفتاح عالَم النور‌ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2749" aria-describedby="caption-attachment-2749" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-large wp-image-2749" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg" alt="إياك أن تجعل رسائل النور -التي هي تفسير لحقائق الإيمان- وسيلةً لجرِّ منافعك الشخصية، بل حتى لكمالاتك المعنوية، واحذر أن تجعلها ذريعة للخلاص من البلايا والأذى والأضرار، وذلك لكي يبقى الإخلاص الحقيقي-الذي هو القوة العظمى لرسائل النور- مصونًا من الخلل." width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2749" class="wp-caption-text">إياك أن تجعل رسائل النور -التي هي تفسير لحقائق الإيمان- وسيلةً لجرِّ منافعك الشخصية، بل حتى لكمالاتك المعنوية، واحذر أن تجعلها ذريعة للخلاص من البلايا والأذى والأضرار، وذلك لكي يبقى الإخلاص الحقيقي-الذي هو القوة العظمى لرسائل النور- مصونًا من الخلل.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 2/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النُّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">النظر إلى المخلوقات</h2>
<p><strong>(النظر إلى المخلوقات)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>حاشية لرسالة مفتاح عالَم النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">في سَفرةٍ بالسيارة ذات يوم، مع طالبَين نوريين جامعيَّين، كنا نستمع من راديو السيارة الذي لا يرتبط بأي اتصال سلكي، إلى احتفالٍ بالمولد النبوي شريفٍ مُقام في مكان بعيد، قلت لذَينك الجامعيين:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الدليل على أن تجلي القدرة الإلهية تَظهر في &#8220;النور&#8221; تجليًا بديهيًّا دون حجاب -كتجلي الحياة والوجود- هو أن الهواء الموجود في هذا الجهاز الصغير، والذي لا يتجاوز حجمُه ظُفْرَ الإنسان، هذا الهواء القليل جدًّا والنور المعنويَّ الضئيل جدًّا لا يستمع إلى الكلمات القادمة من هذا المولد النبوي ثم يقولها، وإنما أيضًا يستمع إلى أُلوف الكلمات ويُسمعنا جميعَ الكلمات التي تبثها ألوفُ إذاعاتِ العالم، ونسمَعُها بمثل ما نسمع هذا المولد النبوي بوضوح.. بمعنى أن أصغر موجودٍ جزئيٍّ يصبح أكبر كُلِّي!</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هذا الهواء القليل جدًّا يُنجِز من الوظائف بقدر ما ينجزه الهواء المحيط بالكرة الأرضية، أي يَكبرُ أصغرُ جزئيٍّ بكُبْرِ الكرة الهوائية المحيطة&#8230; فلو لم يُسنَد هذا الأمر إلى تجلي القدرة الإلهية لنتجت خرافةٌ عجيبةٌ تَحمل من المتناقضات ما لا يسعه خيال، إذ إن انقلاب الشيء إلى ضده محال، فكيف يُصبح هذا الجزئي -الذي هو صغير بألوف الدرجات- كليًّا بألوف المرات؟ وكيف يصبح هذا الجامد العاجز الذي لا يشعر بشيء مقتدرًا وذا شعور وإدراك وإرادة؟</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه خرافة تحمل مئات الخرافات والمتناقضات التي لا مثيل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن الأمر إنما هو بتجلي القدرة الإلهية بالبداهة، والذي يمثل ذلك التجلي الواسع في الهواء عامة يبيّنه معنى الحديثِ الشريف: &#8220;إن للّٰه ملكًا، له أربعون ألف رأس، في كل رأسٍ أربعون ألف لسان، يسبح أربعين ألف تسبيحة بكل لسان&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>؛ بمعنى أنه يسبِّح أربعًا وستين تريلون تسبيحة في اللحظة نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن الهواء المحيط بالأرض كهذا الملك، أي يكتب على صحيفة الهواء كلَّ كلمة طيبة بعدد تسبيحات هذا الملك.</p>
<p style="text-align: justify;">يقول الهواء المحيط: إن هذا الحديث ينبئ عني وعن الملَك الذي يُشْرِف على أعمالي، لأنه ضمن كلمات الإنسان كلِّها والأصوات الأخرى التي لا تحد تَرِدُ هذه الكلماتُ الطيبة بحروفها دون أي التباسٍ مع أنها تختلط مع بعضها، وبنبرات المتكلم بها، وبصوته المتميز، فليس في الإمكان قطعًا إحالة هذا العمل الذي يتم بشعور كلي كامل -هو وظيفةُ ذرةٍ واحدةٍ مني- إليّ ولا إلى أي سبب من الأسباب.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إنه تجلي القدرة الأزلية التي تضم إرادة شاملة لكل شيء وعلمًا محيطًا بكل شيء ليس إلّا، ذلك التجلي العام الشامل لكل شيء، الحاضر والناظر بتجلي الأحدية في كل مكان.</p>
<p style="text-align: justify;">والشهود على هذا يربون على الملايين، أحد أولئك الشهود: الراديو.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مضمون ما جاء في الكلمة الثالثة عشرة، لدى المقارنة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان هو الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الفلسفة التي تَوصَّل إليها الإنسان تَحجُب معجزاتِ القدرة الإلهية وخوارقَ رحمته تعالى بستار العاديَّات، فلا ترى دلائلَ الوحدانية المضمرةَ تحت تلك العاديَّات وتلك النعم الجليلة، ولا تبيِّنها ولا تدل عليها، بينما إذا ما رأت ما هو خارج عن العادة من جزئيات خاصة، تتوجه إليه وتهتم به.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إنها لا ترى معجزة القدرة الإلهية في خلق الإنسان السوي ولا تهتم به، بينما تَجلب الأنظار بحيرة واستغراب إلى الإنسان ذي الرأسين أو ذي ثلاثة أرجلٍ الخارجِ عن القاعدة، فهي تخبِّئ معجزاتِ القدرةِ الكليةَ العامة تحت ستار العادة، في حين أنها تجعل المواد الجزئية الخارجة عن القانون النائية عن طائفتها مدارَ عبرةٍ وتأمُّل!</p>
<p style="text-align: justify;">ومثلًا: إنها لا ترى المعجزات في إعاشة صغار الإنسان والحيوانات، بل تَعدُّها أمرًا عاديًّا فلا تُعير لها بالًا، ولكن حشرةً نأت عن طائفتها وانعزلت عن أمتها وظلت في قعر البحر ومُدَّت إليها يدُ المعونة بورقة خضراء، وأَخذت تتغذى عليها، أدمعت عيونَ صيادي الأسماك على الحادث هذا، وأعلنوا عنها ببهاء حتى ذكرتها إحدى صحف أمريكا في حينه.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما في أصغر حيوان هناك ألوفُ ألوفِ المعجزات أمثال هذه للأرزاق، إذ تتدفق الأثداء بسائل الحياة للصغار، بيد أن الفلسفة البشرية لا ترى تلك المعجزة، معجزة الرحمة والإحسان الإلهي كي تشكر ربها وتؤمن بالرحمن وتقابله بالشكر.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فالحكمة القرآنية تمزّق ذلك الحجاب، حجابَ العاديّات المضروبَ على المخلوقات، وترشد البشرية إلى تلك المعجزات الكلية والنعم التي يسبغها اللّٰه سبحانه على الكائنات قاطبة، فتَعرِف ربها وتسوق الجميع إلى العبودية المكللة بالشكر للّٰه تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن أعجب خطأ وأغربَه مما تقترفه الفلسفة البشرية هو: أن الإنسان الذي لا تفي إرادتُه واختيارُه الجزئي لفعل جزئي ظاهري جدًّا، وهو &#8220;التكلم&#8221;، ولا يقدر على إيجاده، وإنما يدفع الهواء إلى مواضع مخارج الحروف، واللّٰه سبحانه هو الذي يخلق الكلمات بناء على هذا الكسب الجزئي، ويكتبه بألوف ألوف النسخ في الهواء.</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى الرغم من قِصَر يدِ الإنسان عن الإيجاد إلى هذا الحد، فإن إعطاءَ اسم &#8220;إيجاد الإنسان&#8221; على معجزةِ قدرةٍ إلهيةٍ كلية تعجز جميعُ الأسباب، أسبابُ الكون، دونها خطأٌ جسيمٌ وأيّ خطأ.. يدرك ذلك كلُّ من له ذرةٌ من شعور.</p>
<p style="text-align: justify;">ومثال ذلك هو أن رجلًا عاجزًا جعل قانونًا إلهيًّا -يضم مائة ألف من الخوارق- وسيلةً لاستفادة البشر، بكشفه الراديو، بإلهامٍ إلهي، أي بنوعٍ من استجابة دعاء الإنسان الفعلي، كم يكون خطأً قول الإنسان: نعم، إن الراديو قد أوجدَه المخترع الفلاني، وهو الذي أوجدَ القوة الكهربائية! وهناك آخرون يسعون لإيجاد مادة لقراءة ما في دماغ الإنسان!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق العالم دار ضيافة تليق بالإنسان، وهيأ له فيها كل ما يحتاجه ويلزمه.. وكنوعٍ من متطلبات الضيافة يسلِّم إلى يده -في بعض الأزمان والعصور- نِعمًا ظلتْ مخفية عنه، وذلك نتيجة دعائه الفعلي الذي هو البحثُ عن الحقائق والتحري عنها، المتولدُ من تلاحق الأفكار.</p>
<p style="text-align: justify;">فبينما يجب على الإنسان أن يشكر ربه تجاه هذه النعم، إذا به يرتكب كفرانًا عظيمًا فينسى أنها منه تعالى، وينظر إليها من إيجاد إنسان اعتيادي عاجز، ويُسندها إلى مهارته بل يُنسي الآخرين كذلك تلك الخوارقَ الناشئة من إحسانٍ عميم يُغدَق بعلمٍ وإرادةٍ ورحمةٍ وشعور، حيث لا يُظهر إلّا سببًا ومشهدًا منه، ويفوّض أمره إلى المصادفة العشواء والطبيعة والمواد الجامدة، وما هذا إلّا فتحٌ لبابِ الجهل المطلق المنافي للإنسان المكرَّم المخلوق في أحسن تقويم.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا يَلزم النظر إلى المخلوقات بالنظر الحرفي لا الاسمي، وفق دستورِ:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ          تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ</strong></p>
<p style="text-align: justify;">وذلك لأجل أن يسمو الإنسان إلى مستوى الإنسان حقًّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">تحليل سيرة ذاتية</h2>
<p><strong>(تحليل سيرة ذاتية)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الصديقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نبارك لكم يوم المولد النبوي الشريف، ونبارك توفيقكم في أعمالكم ونبشركم بانتشار رسائل النور انتشارًا مؤثرًا في الأوساط بما هو فوق المعتاد، ونهنئ جميع طلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: في هذه الليلة المباركة خطرَ على قلبي خاطرٌ قوي وهو أنه لمناسبة ما كتبه الطلاب الجامعيون في إسطنبول من خوارق عن حياة سعيد القديم وسعيد الجديد في كتاب &#8220;تاريخ حياة&#8221;، تولّد لدى القراء رأيان، ونشأت فكرتان، هما:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: لقد حصل حسن ظن مُفْرط لدى الأصدقاء -كما يحصل في الولاية- بما يفوق حدّي بكثير.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: حصل ظن وشبهة بما هو خارجَ طوقي بألف مرة لدى المعارضين وأهل الفلسفة، إذ ظنوا وجود دهاءٍ خارقٍ جدًّا، بل حتى تولّد لدى البعض منهم توهم وجود سحر قوي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد سُئلتُ في أماكن كثيرة أسئلة تدور حول هذا المعنى، وطلبوا مني جليةَ الأمر ماديًّا ومعنويًّا، وأنا بدوري اضطررت إلى بيانِ حقيقةٍ ذات مقدماتٍ كثيرةٍ لورود ذلك الخاطر في هذه الليلة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المقدمة الأولى</strong>: إن بذرة شجرة الصنوبر التي هي بحجم حبة الحنطة تكون منشأ لشجرة صنوبر ضخمة، فالقدرة الإلهية تَخلق تلك الشجرة العجيبة من تلك البذرة، وقد لا توجد للبذرة إلّا حصةٌ واحدةٌ من مليون حصة من الخلق، حيث سَطَّر فيها قلمُ القدَر فهرسًا معنويًّا لتلك الشجرة.. فلو لم يُسنَد الأمر إلى القدرة الإلهية لَلَزِم وجود مصانعَ تَسَعُ مدينةً كاملة كي تتكون تلك الشجرة العجيبة بأغصانها المتشعبة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن إحدى دلائل عظمة اللّٰه وقدرته سبحانه هو أنه يخلق من شيءٍ صغيرٍ جدًّا كالذرة، أشياءَ عظيمة عظمة الجبال.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا بمثل هذا المثال أُعلنُ باقتناعٍ تامٍّ وبخالص نيتي ولا أتكلف التواضعَ ونكرانَ الذات فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">إن خدماتي وأحداث حياتي قد أصبحت في حكم بذرة، لكي تكون مبدأً لخدمة إيمانية جليلة، قد منَحت العنايةُ الإلهيةُ منها في هذا الزمان شجرةً مثمرة برسائل النور النابعة من القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">فأُقسم لكم لتطمئنوا فأقول: إنني ما كنت أجد في نفسي قابلية ولا مزيّة ولا أهليّة فائقة لتلك الخوارق التي مرت في حياتي، لذا كنت أتقلب في حيرة، بل ما أجد في نفسي كفاءة لتدبير أمورها وارتباطها بعلاقاتٍ بالمجتمع، فكيف لها بدهاءٍ خارقٍ وولايةٍ خارقة؟</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد ظهرت حالاتٌ جَلبتْ الأنظارَ إليّ، ولكنها كانت خارجة عن إرادتي واختياري، حتى بدت كأنها نوعٌ من جلب الإعجاب، وما كانت إلّا من قبيل عدمِ تكذيبِ حسنِ الظن الذي كان يحمله الناس نحوي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لما كنت أجهل الحكمة في عدم كوني في الحقيقة على ما يظنه الناس بي، ولا أفيد شيئًا للدنيا، وها قد أصبحتُ موضع توجه الناس بما يفوقني بألف مرتبة ومرتبة، لذا كنت أتلقى هذا الأمر باعتباره خلافًا للحقيقة كليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بفضل اللّٰه وكرمه، وألف حمد وشكر له، إذ قد أنعم عليّ فهمَ شيء من حكمة ذلك الأمر، في أواخر أيامي بعد قضاء ما يقرب من ثمانين سنة من العمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وسأشير إلى شيء منها، وها أنا أبين قسمًا من عديد نماذجها:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المثال الأول</strong>: إنه حسب الطرق المتبعة في المدارس الدينية ينبغي دراسة العلوم الشرعية مدة خمس عشرة سنة -في الأقل- كي تحرز الحقائق الدينية والعلوم الإسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي ذلك الوقت لم يَبْدُ على سعيدٍ ذكاءٌ خارقٌ أو قوةٌ معنويةٌ وحدَها، بل ظهرتْ عليه أيضًا حالةٌ عجيبةٌ كانت خارجة عن نطاق استعداده وقابلياته كلها، بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادئ الصرف والنحو خلال سنة أو سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه أكمل قراءة ما يقرب من خمسين كتابًا خلال ثلاثة أشهر، وقد استوعبها وأُجيز عليها وتَسَلَّم الشهادة بإكمالها.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الحالةُ أظهرتْ بعد ستين سنة بوضوح: أن تفسيرًا للقرآن الكريم سيَظهر ويناول القارئَ في فترة قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر العلومَ الإيمانية، وأن ذلك الضعيف &#8220;سعيد&#8221; سيكون عاملًا له وفي خدمته، ومن جراء ذلك الوضع تَخْطُر على البال معانٍ كأنها إشارات غيبية بأنه سيأتي زمانٌ تضمحل فيه المدارس الدينية، لا يمكن نَيل العلوم الإسلامية في خمس عشرة سنة بل حتى في سنة واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الثاني</strong>: إن مناظرةَ &#8220;سعيد&#8221; في ذلك الزمن البعيد لعلماءَ أجلاءَ وهو بعدُ في فترة الصِّبا، وإجابتَه عن أسئلتهم الغامضة -من دون أن يَسأل أحدًا- إجابةً صائبة رغم كونها في أعقد المسائل، هذه الحالة التي ظهرت، أعترف اعترافًا قاطعًا، وأعتقد جازمًا أنها ليست ناشئة من حدة ذكائي، ولا من خارق استعدادي قط؛ فأنا الذي كنت صبيًّا صغيرًا، مبتلًى بأمور كثيرة، مبتدِئًا بعدُ في العلوم، سارحَ الفكر، ومثيرًا للمناقشات، فما كان في طوقي قطعًا الإجابةُ على أسئلةِ علماءَ أفذاذ، بل كنت أُغلَب في مناقشات صغار العلماء وصغار طلاب العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فأنا على اقتناعٍ تامٍّ بأن إجاباتي الصائبة تلك، ليست ناشئة من استعدادي ولا من ذكائي، فلقد كنت طوال السنوات السبعين الماضية في حيرةٍ من هذا الأمر، ولكن الآن -بفضل اللّٰه وإحسانه- فهمتُ حكمةً منها، وهي أنه ستُمنح شجرةٌ طيبة لعلوم المدارس الدينية التي هي بمثابة بذرة العلوم وسيكون لخادم تلك الشجرة حسّاد ومعارضون كثيرون.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فإن قيام أصحاب المشارب والمسالك المختلفة بين المسلمين في هذا الزمان بانتقاد عمل خدام تلك الشجرة (شجرةِ النور)، ولا سيما من علماء الدين، سواءٌ بسبب المنافسة أو بسبب اختلاف المشارب، فضلًا عما تثير رسائل النور كثيرًا من عِرق علماء الدين، كما كان دأب أهل السنة والمعتزلةِ سابقًا في دحض بعضهم بعضًا ونشرِ مؤلفاتٍ في تفنيد آراء الآخرين والظهور عليهم.. أقول: بينما كان الأمر لا بد أن يؤول إلى هذا، أراد اللّٰه سبحانه أن يجري الأمر على خلاف تلك العادة المتبعة منذ القدم، فألْفُ شكرٍ وشكر للّٰه سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا على اعتقاد جازم أن سبب عدم تأليفهم أيّ كتاب لنقد رسائل النور أو الاعتراض عليها إنما هو إجابةُ سعيد الصغير إجابة صائبة على علماء عظام في ذلك الوقت؛ إذ تلك الإجابات السديدة قد فتَّت في عضد شجاعتهم وجُرْأتهم، حتى إنهم لم يتصدوا لرسائل النور ولم يعارضوها رغم مخالفتهم لها مشربًا، ورغم ما يحملون من روح المنافسة والغيرة العلميتين.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا اقتنعتُ اقتناعًا تامًّا أن هذه هي حكمة واحدة لعدم قيام العلماء بالاعتراض على الرسائل، إذ لو بدأ الاعتراضُ لكان أعداؤنا المتسترون والملحدون ومن يوالونهم يتخذون ذلك الاعتراض ذريعة مهمة جدًّا لتهوين شأن رسائل النور وعلماء الدين معًا، فالحمد للّٰه حمدًا لا حدّ له: لم يقاوِم رسائلَ النور حتى أولئك العلماءُ الرسميون الذين تعرضت لهم الرسائل كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الثالث</strong>: على الرغم من أن سعيدًا القديم كان فقير الحال منذ أيام طفولته، كما أن والده كان فقير الحال كذلك، فإن عدم قبوله الصدقات والهدايا من الآخرين، بل عدمَ استطاعته قبولها إلا بمقابل، رغم حاجته الشديدة جدًّا، وعدمَ ذهاب &#8220;سعيد&#8221; قط في أي وقتٍ من الأوقات لأخذ الأرزاق من الناس، وعدمَ قبوله الزكاة من أحد -عن علم- كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهلين وتُسَد مصاريفُهم من أموال الزكاة.. أقول -وإني على قناعة تامة الآن- حكمةُ هذا الأمر هي: عدمُ جعل رسائل النور -التي هي خدمة سامية خالصة للإيمان والآخرة- في آخر أيامي وسيلة لمغانم الدنيا، وعدم جعلها ذريعة لجرّ المنافع الشخصية.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الحكمة أُعطيتُ هذه الحالة، حالةُ النفور من تلك العادة المقبولة وتلك السجيةِ غير المضرة، والهروب منها، وعدم فتح يد المسألة من الناس، فرضيتُ بالعيش الكَفاف وشدة الفقر والضنك، وذلك لئلا يَفسد الإخلاصُ الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وأشعر كذلك أن في هذا الأمر إشارة فيها مغزى، بأن هذه الحاجة هي التي ستدفع أهل العلم في الأزمان الآتية إلى الانهماك بهموم العيش حتى يُغلَبوا على أمرهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الرابع</strong>: بينما كان سعيد الجديد يجهد في أن يجنّب نفسَه أيام شيخوخته عن السياسة وأمرِ الدنيا كليًّا، فإن أهل الدنيا خلافًا لكل القوانين والأعراف والإنصاف والوجدان بل خلافًا للإنسانية، أنزلوا به أقسى ضربات الظلم الشنيع طوال ثمان وعشرين سنة، فقاسى ذلك الضعيفُ سعيدٌ أمَرَّ العذاب، وتَحمَّل أشدَّ العنت منهم، مع أنه ما كان يتحمل أذى الذباب، وذلك بما وَهب له سبحانه من الصبر العظيم والتحمل الذي لا مثيل له لأذى الإهانات الشنيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من مزاجه العصبي ورهافة حسه، وعدم التخوف في فطرته، والجرأةِ التي يحملها من إيمانه بحقيقةِ أن الأجل واحد لا يتغير، فإن صبره وسكوته في حالة في غاية من المسكنة والخوف، بل مَنْحَ الفرح والانشراح لروحه بعد معاناته تلك الأنواع من التعذيب والإهانات.. أقول: إن حكمة واحدة من هذا الأمر هي الآتية كما اقتنعتُ بها قناعة تامة:</p>
<p style="text-align: justify;">عدمُ جعل رسائل النور -التي تفسّر حقائق القرآن الحكيم الإيمانية- وسيلةً لأي شيء كان عدا مرضاة اللّٰه؛ إذ قد أشاع أهلُ السياسة شبهة استغلال &#8220;سعيد&#8221; الدينَ لأجل السياسة، فعُذّب سعيد وسجن، لئلا يكون الدينُ وسيلة للسياسة؛ ولكن القدر الإلهي لطمَ سعيدًا لطماتِ رأفةٍ وشفقةٍ من تحت ستار ذلك الحُكم الظالم لأهل السياسة، لئلا يَفسُد الإخلاص الذي استلهمه من رسائل النور، قائلًا له:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إياك أن تجعل رسائل النور -التي هي تفسير لحقائق الإيمان- وسيلةً لجرِّ منافعك الشخصية، بل حتى لكمالاتك المعنوية، واحذر أن تجعلها ذريعة للخلاص من البلايا والأذى والأضرار، وذلك لكي يبقى الإخلاص الحقيقي-الذي هو القوة العظمى لرسائل النور- مصونًا من الخلل&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا مقتنع الآن قناعة تامة أن تلك اللطمات كانت لطمات رأفة نزلت بيّ من القدر الإلهي، بل اطمأننت تمامًا أنه متى ما انصرفتُ لشؤون آخرتي وحدَها، وانشغلت بعباداتي الشخصية وحدَها، تاركًا خدماتي لرسائل النور، في هذا الوقت بالذات، يتسلّط عليّ أهلُ الدنيا فيذيقوني العذاب والآلام.</p>
<p style="text-align: justify;">أُحيل إيضاح هذا الأنموذج الرابع إلى الرسالة الأخيرة (الحقيقة هي التي تتكلم) التي تخص بيانَ السبب في إلقاء أهل السياسة سعيدًا في السجون والمعتقلات منعًا لاستغلال الدين في أمور السياسة، ومعرفة سعيد بعد ذلك حكمةَ الأمر بأنها لطمات قدر إلهي رؤوف، وصفحه عنهم بعد ذلك؛ وكذا معرفته حكمة الصبر الشديد والتحمل الشديد الذي وهبه اللّٰه له.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الخامس</strong>: إن هذا المسكين سعيدًا، برغم حاجته الشديدة إلى الكتابة وجَودة الخط، وانشغاله بها منذ سبعين سنة، واضطراره إلى تصحيح مئتي صفحة في اليوم الواحد أحيانًا، لا يملك من الخط ما يتعلمه طفل ذكي في العاشر من العمر في عشرة أيام. هذا الأمر محيِّر حقًّا، إذ لم يكن سعيد محرومًا من القابليات كليًّا، فضلًا عن أن أشقاءه يجيدون الخط وحسن الكتابة.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن حكمة بقائي نصف أُمّي برداءةِ الخط وأنا في أشد الحاجة إليه هي أنه سيأتي زمان لا يمكن للقدرات والقوى الشخصية والجزئية أن تقاوِم وتَصُدّ هجوم أعداء رهيبين، فيبحث &#8220;سعيد&#8221; بحثًا حثيثًا عن الذين يملكون خطًّا جيدًا ليشركهم في خدمته فيشكلون معًا آلاف الأقلام التي تحوّل تلك الخدمة الشخصية الجزئية إلى خدمة كلية عامة قوية، إذ يجتمعون حول تلك البذرة، بذرةِ النور، اجتماعَ الماء والهواء والنور، ويمدّون تلك الشجرة المعنوية بالعون؛ ففضلًا عن هذه الحكمة، فإن إذابة أنانيته في حوض الجماعة المبارك كإذابة قالب الثلج نَيلًا للإخلاص الحقيقي، حكمةٌ أخرى تدفع لخدمة الإيمان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">لا ذنب في رسائل النور</h2>
<p><strong>(لا ذنب في رسائل النور)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">نهنئكم من صميم أرواحنا وأعماق قلوبنا بحلول العيد السعيد، وستدركون بإذن اللّٰه عيدًا يعُمُّ العالم الإسلامي كله ذات يوم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هناك أمارات كثيرة تبين أن القرآن الحكيم الذي هو منبع جميع القوانين السامية للجماهير المتحدة الإسلامية، سيكون مهيمنًا في المستقبل، وسيأتي ذلك اليوم بإذن اللّٰه، ذلك العيد الحق للمسلمين جميعًا، بل البشرية قاطبة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: مما لا ريب فيه أن رسائل النور وطلابها تحت العناية الإلهية وحفظها، إذ رغم الظروف الدقيقة في هذه المرحلة، ورغم القوانين الاعتباطية، ورغم العناد الشديد، وطوال هذه المدة المديدة، لم يتمكنوا أن يلحقوا الضرر بطلاب النور إلّا بنسبةِ واحدٍ في المائة.</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى الرغم من خططهم الرهيبة لإشغال ستمائة طالبٍ من طلاب النور النشطين بالمحاكم المتتالية، لم يتمكنوا إلّا على ستة من الطلاب، حتى لم تَجِد خمس وعشرون محكمة من محاكم العدل شيئًا ما في الألوف من رسائل النور وفى الألوف من طلاب النور -كما ذكره بطل النور- خلال تحقيقاتها المتوالية، بل الدليلُ القاطعُ على ذلك هو قول الكثير من دوائر العدل أنه: لا ذنب في رسائل النور ولا نجده فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">فضلًا عن أنني قد تكلمت في كلٍّ من محكمة إسطنبول وأفيون وأمثالها بما يناقض قوانينهم -التي يمكن استعمالها لأغراضٍ سيئة-، ولم يستطيعوا أن يُدِينوني.</p>
<p style="text-align: justify;">علاوة على أن رسائل النور التي حطمت القوانين الجائرة للمدنية الأوروبية لم يجدوا فيها ذنبًا قط، مما يبين بوضوح أن حقائق رسائل النور قد حملت دوائرَ العدل على الإنصاف، بظهورها وتغلبها على معارضيها، فالعناية الإلهية تضم رسائلَ النور تحت جناحها، وكيف لا وهي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم، أما هجوم المعارضين والمخالفين عليها، فيكون بإذن اللّٰه وسيلةً لسطوع رسائل النور وسببًا لانتشارها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">مع ضباط الأمن</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(مع ضباط الأمن)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">يقول أستاذنا:</p>
<p style="text-align: justify;">لم يقابلني أحد من مسؤولي الحكومة خلال ثمان وعشرين سنة إلّا وضايقني، ما خلا ضباط الأمن (المباحث)، فإنهم لم يضايقوني قطعًا، فضلًا عن أن بعضهم تصرَّف معي تصرف مدافعٍ وحامٍ؛ والآن أوضح حكمة هذا التصرف منهم:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تحقق أن رسائل النور وطلابها هم كأفرادِ أمنٍ معنويين، يحاولون الحفاظ على الأمن والنظام في البلاد عن عقيدةٍ، وقد نصبوا حارسًا في كلِّ قلبٍ مؤمن بإرشاداتهم ونصائحهم، وشعر ضباط الأمن بهذا شعورًا معنويًّا، فأظهروا لنا في كلِّ وقتٍ وجهَ الصداقة. وسر هذا هو الآتي: أن قانونًا أساسيًّا للقرآن الكريم هو: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى﴾، فيمنع القرآنُ بموجَبه محاولةَ الإخلال بالنظام، وذلك لئلا يتضرر تسعون بالمائة من الناس في أثناء القضاء على عشرة من الجُناة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذا السر الدقيق فإنه على الرغم من وجود قوًى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة، بل إن نشاطهم هنا أكثر مما في فرنسا ومصر والمغرب وإيران، لم يستطيعوا الإخلال بالأمن، وما سبب ذلك إلّا ستمائة ألفٍ من نُسَخ رسائل النور، وخمسمائة ألف طالبٍ من طلابها، وقد أصبحوا كقوةٍ معنويةٍ ساندةٍ للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">فضباط الأمن شعروا بهذا، لذا يُبدون حالاتٍ تتسم بالرحمة والإنصاف والشفقة على رسائل النور، خلافًا للموظفين الرسميين منذ ثمان وعشرين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">ويقول أستاذنا أيضًا: إنني أقول: إن على أفراد الأمن أن يكونوا أصحاب تقوى ودين، فيؤدوا الفرائض ويجنّبوا أنفسهم الخطايا والذنوب، أكثرَ من العلماء بل من المتصوفة، وهذا ما تقتضيه مُهمَّتهم وواجبُهم نظرًا للحاجة الشديدة، وذلك ليؤدوا وظائفَهم في سبيل استتباب الأمن والنظام حق الأداء، تجاه الدمار الرهيب الذي يحدثه المخربون المعنويون.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>الذين في صحبته</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">الحقيقة هي التي تتكلم‌</h2>
<p><strong>(الحقيقة هي التي تتكلم</strong><strong>‌</strong><strong>)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد أثبتتْ رسائلُ النور أنه قد تنبثق عدالةٌ من بين طيات الظلم، أي قد يتعرض أحدهم إلى الظلم وإلى الحيف فتصيبه نكبة، وقد يُحكَم عليه بالحبس ويُرمى به في غياهب السجون.. لا شك أن مثل هذا الحكم ظلم واضح، ولكنه قد يكون سببًا لتجلي العدالة وظهورها، ذلك لأن القدر الإلهي قد يَستخدم الظالم لتوجيه العقوبة إلى شخصٍ استحقها بسببٍ آخر، وهذا نوعٌ من أنواع تجلي العدالة الإلهية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا الآن أفكر.. لِمَ أُساقُ من محكمةٍ إلى محكمة، ومن ولايةٍ إلى ولاية، ومن مدينةٍ إلى أخرى طوال ثمانيةٍ وعشرين عامًا؟ وما التهمة الموجَّهة إليّ من قِبَل من ارتضوا لأنفسهم معاملتي بكل هذا التعذيب الظالم؟ أليست هي تهمة استغلال الدين في سبيل السياسة؟ ولكن لِمَ لا يستطيعون إثبات ذلك؟ ذلك لأنه لا يوجد أيُّ شيءٍ من هذا القبيل في الحقيقة وفي الواقع.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه محكمةٌ تقضي الشهور والسنوات في محاولة الحصول على أي دليل يدينني فلا تستطيع، وإذا بمحكمة أخرى تسوقني للتحقيق وللمحاكمة تحت التهمة نفسها، وتقضي بدورها مدةً في هذه المحاولة وفي الضغط عليّ، وتُعرّضني لأنواع شتى من التعذيب، وعندما لا تحصل على أية نتيجة تتركني، وإذا بمحكمة ثالثة تمسك بخناقي هذه المرة.. وهكذا أنتقل من مصيبةٍ إلى مصيبة، ومن نكبةٍ إلى أخرى.. لقد انقضى ثمان وعشرون سنة من عمري على هذا المنوال، وأخيرًا أيقنوا عدم وجود أي نصيب من الصحة للتهم المسندة إليَّ!!</p>
<p style="text-align: justify;">وإني أتساءَل: سواء أكان ذلك قصدًا أو وهمًا فإنني أعلم علم اليقين عدم وجود أية علاقة لي بهذه التهمة، كما أن جميع أهل الإنصاف يعرفون بأنني لست بالرجل الذي يستغل الدين لغاية سياسية، بل إن الذين وجَّهوا إليّ هذه التهمة يعرفون ذلك في قرارة نفوسهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إذن فما السبب في إصرارهم على اقتراف هذا الظلم في حقي؟ ولماذا بقيتُ معرَّضًا على الدوام لهذا الظلم والتعذيب مع كوني بريئًا ودون أي ذنب؟ ولماذا لم أستطع التخلص من هذه المصائب؟ ألم تكن هذه الأحوال مخالفة للعدالة الإلهية؟</p>
<p style="text-align: justify;">لقد بحثتُ عن أجوبةٍ لهذه الأسئلة خلال ربع قرن من الزمن فلم أُوفق في ذلك، ولكني الآن عرفتُ السببَ الحقيقي في قيامهم بظلمي وتعذيبي.. وأنا أقول وكلي أسف: <strong>إن ذنبي هو اتخاذي خدماتي القرآنية وسيلة للترقي المعنوي والكمالات الروحية</strong>؛ والآن بدأتُ أفهم هذا وأُحِسُّ به تمامًا، وأنا أشكر اللّٰه تعالى آلافَ المرات، لأنه طَوال سنواتٍ طويلةٍ وُضِعت موانعُ معنوية وقوية جدًّا خارج إرادتي لكي لا أَتخذ خدماتي الإيمانية وسيلةً للترقيات المادية والمعنوية، أو من أجل الخلاص من العذاب ومن جهنم، أو حتى من أجل سعادتي الأبدية أو من أجل أية غاية أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أذهلتني هذه الأحاسيس الداخلية العميقة والخواطر الإلهامية، فبينما نرى أن كل فرد له الحق في اكتساب المقامات التي يعشقها، وفي نيل السعادة الأخروية عن طريق الأعمال الصالحة، هذا زيادة على أنه لا ينتج أي ضرر لأي أحد، ومع هذا فقد رأيت أنني أُمنع -روحيًّا وقلبيًّا- من هذه الأحوال ومن سلوك هذا الطريق، وجُعِل نصب عيني أن عليّ ألّا أهتم -بجانب الفوز بالرضى الإلهي- إلا بواجب خدمة الإيمان، ذلك <strong>لأن الزمن الحالي يحتاج إلى إعطاء نوع من الدرس القرآني الذي لا يكون في خدمة أي غرض آخر للذين لم يتوصلوا بفطرة العبودية الموجودة في أنفسهم إلى الحقائق الإيمانية التي هي فوق كل شيء</strong>، وإلى الذين هم بحاجةٍ إلى فهم هذه الحقائق وذلك بأسلوب مؤثر، بحيث يستطيع إنقاذ الإيمان في مثل دنيا الاضطراب هذه التي اختلطت فيها الأمور، ويستطيع إقناع كلِّ أحدٍ حتى المعاندين وبعث الطمأنينة في نفوسهم، وبذلك يستطيع قصم ظهر الكفر المطلق والضلال المتمرد والمعاند، وبذلك يهب القناعة الكاملة للجميع.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا تحصُل مثل هذه القناعة في الظروف الحالية إلّا عندما يكون الدين بعيدًا عن كونه وسيلة لأية غايةٍ شخصيةٍ أو دنيويةٍ أو أخروية، ماديةً كانت أو معنوية، وإذا لم يتحقق هذا فإن أي شخص كان مهما بلغ من المراتب المعنوية يقف عاجزًا تجاه التيار الرهيب -المتولد من المنظمات والجمعيات السرية- ضد الدين؛ لأنه لا يستطيع إزالة كل الشكوك والشبهات، ذلك لأن النفس الأمارة للشخص المعاند الذي يرغب في الدخول إلى حلقة الإيمان ستقول له: &#8220;إن ذلك الشخص زيَّن لنا هذا بدهائه وبمستواه الرفيع واستطاع بهذا إقناعنا&#8221;.. يقول هذا ويبقى الشك يساوره.</p>
<p style="text-align: justify;">فللّٰه الشكر ألوفَ ألوفِ المرات، ففي طيِّ تهمة القيام باستغلال الدين في السياسة، قام القدَر الإلهي -الذي هو العدل المحض- طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنةً بمنعي من جعل الدين -دون علمي ودون إرادة مني- آلةً لأي غرض شخصي، وذلك باستخدام الأيدي الظالمة للبشر في توجيه الصفعات لي وفي تذكيري وتنبيهي.. هذه الصفعات التي كانت عدلًا محضًا وتحذرني قائلة: إياك إياك! أن تجعل الحقائق الإيمانية آلة لشخصك، وذلك لكي يعلم المحتاجون إلى الحقائق <strong>أن الحقائق وحدها هي التي تتكلم</strong>، ولكي لا تبقى هناك أوهام النفس ودسائس الشيطان، بل لتخرس وتصمت.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا هو سر تأثير رسائل النور في إشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسعة، وهذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئًا غيره، ومع أن هناك آلافًا من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل النور، لم تستطع إيقاف الكفر البواح، فإذ كانت رسائل النور قد وُفِّقت إلى حدٍّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سرَّ هذا النجاح.. ففي هذا الموضوع لا وجود لـ&#8221;سعيد&#8221;، ولا وجود لقابلية سعيد وقدرته، <strong>فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفسها</strong>.. نعم، <strong>الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دامت رسائل النور تؤثِّر في القلوب العطشى إلى الإيمان وإلى نور الحقائق، إذن لا يُفدَى بسعيدٍ واحدٍ بل بألف &#8220;سعيد وسعيد&#8221;، وليكن كل ما قاسيته في غضون ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالًا زلالًا، أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا أن يوصموني بمختلف التهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات، فقد عفوت عنهم ذلك، وتنازلت عن حقوقي تجاههم.</p>
<p style="text-align: justify;">وأقول للقدر العادل: إنني كنت مستحقًّا لصفعاتك العادلة، لأنني لو كنت قد سلكت مثل الآخرين طريقًا -هي بذاتها مشروعة ولا ضرر منها- فكرتُ فيها بشخصي، ولو لم أضحِّ بمشاعري في الفيوضات المادية والمعنوية، لفقدتُ هذه القوة المعنوية الكبيرة في أثناء تأدية خدماتي من أجل الحفاظ على الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ضحيتُ بكل شيء وتحملت كل أذى، وبذلك انتشرَت الحقائق الإيمانية في كل مكان، ونشأ مئات الآلاف -بل ربما الملايين- من طلاب مدرسة النور ونهلوا من معارفها، وهؤلاء هم الذين سيستمرون في هذه الطريق في خدمة الإيمان، ولن يحيدوا عن طريقتي في التضحية بكل شيء ماديًّا كان أو معنويًّا، إذ سيكون سعيهم للّٰه سبحانه وتعالى وحده دون غيره.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الكثيرين من طلابي قد ابتُلوا بشتى أنواع البلايا والمصائب، وتعرّضوا لصنوف العذاب والمتاعب، واجتازوا امتحانات عسيرة بفضل اللّٰه، إنني أطلب منهم أن يتجاوزوا -مثلي- عمن اقترف تلك المظالم وهضَم الحقوق، لأن أولئك قد ارتكبوا تلك الأمور عن جهل منهم، والذين آذونا وعذبونا، ساعدوا على نشر الحقائق الإيمانية دون أن يدركوا تجليات أسرار القدر الإلهي.. ووظيفتنا تجاه هؤلاء هي التمني لهم بالهداية.</p>
<p style="text-align: justify;">أوصي طلابي ألّا يحمل أحد منهم شيئًا من روح الانتقام في قلبه ولو بمقدار ذرة، وأن يسعوا سعيًا جادًّا لنشر رسائل النور وليرتبطوا بها ارتباطا وثيقًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني مريض جدًّا.. لا طاقة لي لا في الكتابة ولا في الحديث.. وقد يكون هذا آخرَ أقوالي.. فعلى طلاب رسائل النور لمدرسة الزهراء ألّا ينسوا وصيتي هذه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">رسالة إلى رئيس الوزراء</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(رسالة إلى رئيس الوزراء)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطِرت على قلبي حقيقةٌ في غاية الأهمية، أبيّنها لكم، وأضعها بين أيديكم، فإن ارتأيتم إبلاغها إلى رئيس الوزراء (عدنان مَنْدَرِس) والنواب المتدينين فافعلوا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مقدمة: </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إنني لما كنت قد تركت الساحة السياسية الواسعة منذ أربعين سنة وقضيت أكثر أيام حياتي منزويًا عن الناس، ولم أنهمك في الحياة الاجتماعية والسياسية، لم أستطع رؤية الخطر الداهم في الوقت الحاضر، ولكن في هذه الأيام شعرتُ أن الوسط مهيأ لنزول ذلك الخطر الجسيم والمصيبة الكبرى بالأمة الإسلامية وبهذه البلاد والحكومة الإسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;">فأبيّن <strong>ثلاث نقاط</strong> -خطرت على قلبي معنويًّا- لأولئك السياسيين الساعين لصالح الأمة الإسلامية وللاحتكام بالإسلام ولضمان سلامة البلاد، ويحاولون الحفاظ على المجتمع الإنساني.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الأولى</strong>: طرق سمعي منذ سنتين -رغم أني لا أستمع إلى الجرائد- الاتهامُ بالرجعية، فتأملتُ في الأمر بعقليةِ سعيدٍ القديم، وشاهدت أن أعداء الإسلام المتسترين الذين يجعلون السياسة أداةً للإلحاد، ويَجِدِّون لإرجاع البشرية إلى قانون الجاهلية الرهيبة متقنعين بقناعِ الدفاع عن الوطن والأمة.. هؤلاء يتهمون اتهامًا جائرًا غادرًا أهلَ الإسلام والغيارى على الدين بالرجعية، علمًا أن دافع الإسلام والغيرة على الدين يدفعهم إلى جعل السياسة أداةً طيّعةً للدين دون أن يجعلوا الإسلام أداة للسياسة، وإنما يقومون بهذا العمل ليُمدّوا هذه الحكومة بالقوة المعنوية للإسلام، وتصبح قوية راسخة بقوّةِ أربعمائة مليون من إخوانهم الحقيقيين الظهيرين لهم، لكي ينجوَ أهلُ السياسة الحاضرة من التسوّل لدى أبواب ظَلَمة أوروبا.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا الاتهام المجحف يَصِم هؤلاء الغيارى بـ&#8221;الرجعية&#8221; ويُظهرهم بأنهم يضرون البلاد والعباد.. ألاَ إن هذا بهتان عظيم واتهام غادر لا حدود له.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن هناك نوعين من الرجعية، كلٌّ منهما يستند إلى قانون أساس:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: الرجعية الحقيقية، وهي رجعية سياسية اجتماعية، أصبح قانونها الأساس محورًا لكثير من المظالم والسيئات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: هو أساس الرقي الحقيقي والعدالة الحقة، ولكن أُطلق عليه -ظلمًا- الرجعية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: إن الذين يشنّون هجومَهم على الدين يريدون أن يرجعوا بالبشرية إلى عهود البداوة والجهل، بقانونٍ أساسٍ ودستور جارٍ لديهم، متسترين باسم المدنية، والذي يفني سعادةَ البشرية وراحتَها وعدالتها وسلامتها، فهم يريدون أن يَنْفُذوا هذا القانون في بلادنا المنكوبة، فيزرعون بذور الشقاق والاختلاف وبلبلة الأفكار بالتحزب وصولًا إلى مآرب شخصية وإشباعًا للحرص والعناد.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك القانون هو: أنه <strong>يؤخذُ بجريرة شخص واحد جميعُ أفراد طائفته وجماعته وعشيرته</strong>، فكلهم مسؤولون ومُدانون. فالذنب الواحد يكون بحكم هذا القانون ألوفَ ألوفِ الذنوب والخطايا، مما يجعل الأُخوَّة والمحبة والمواطنة التي هي ركائز الاتفاق والاتحاد هباءً منثورًا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن القوى المعارضة والمعاندة عندما يجابه بعضُها بعضًا تُستهلك وتَضعف حتى تصبح بلا قوة، فلا تَقدر بعد ذلك على العمل للأمة والبلاد وفق العدالة، حيث إنها ضَعُفت وانهارت نتيجة المجابهة، لذا تضطر إلى دفع نوع من الرشاوى والإتاوات لجلب الملحدين إلى صفها، فتتشبث بذلك القانون الوحشي الجائر تجاه القانون العادل الحق والدستور السماوي المقدس وهو الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾، الذي يحقق المحبة والأخوة الصادقة، وينقذ الأمة الإسلامية وهذه البلادَ من المخاطر، فلا يكون أحد شريكًا في جناية ارتكبها آخر ولو كان أخاه وعشيرتَه وطائفتَه وحزبه، إلّا إذا مال إلى تلك الجناية، فيكون مسؤولًا عنها في الآخرة وليس في الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما لم يؤخذ هذا الدستور قانونًا أساسًا فإن المجتمع البشري سيتردى برجعيةٍ وحشيةٍ إلى أسفلِ سافلين مثل الدمار الفظيع الذي ولدّته الحربان العالميتان.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا ما أشقى أولئك الذين يُطلقون على هذا القانون -قانون القرآن العظيم- اسم الرجعية، ويرضون بقانونٍ وحشيٍّ جاهليٍّ، وينفّذونه في سياساتهم، ويجعلونه ركيزتهم في الإدارة، والذي يُضحَّى فيه بالفرد لأجل الجماعة، ولا تُؤخَذُ حقوقُ الأفراد بنظر الاعتبار لأجل سلامة الوطن، ولا يُكترَث للمظالم الجزئية لأجل سلامة سياسة الدولة، ويُدمَّر مدينةٌ كاملة وما فيها من مئات الألوف من الأبرياء بجريرة جانٍ واحد، ويجوِّز -هذا القانون- إعدامَ ألف شخص بجناية شخص واحد، ويفرض الضيق والعنت على أُلوف الأبرياء لجرح أصابَ شخصًا واحدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وحسب هذه الحجة لا يُعبأ بإعدام مائتي شخص بالرصاص مثلما أُفني ثلاثون مليونًا من الأشخاص في الحرب العالمية الأولى للسياسة الخاطئة التي ارتكبها ثلاثةُ آلاف شخص، وقس على هذا المنوال أُلوف الأمثلة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن لطلاب القرآن وخدّامه إزاء هذه المظالم الفظيعة لهذه الرجعية الوحشية مئات من قوانين القرآن الأساسية من أمثال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ التي تحقق العدالة الحقة والاتحاد والأخوة.</p>
<p style="text-align: justify;">فإطلاق الرجعية على أهل الإيمان الذين يحققون العدل والأخوة، واتهامُهم بذلك، يشبه تفضيلَ ظلمِ &#8220;يزيد&#8221; الملعون على عدالة &#8220;عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه&#8221;، وكترجيح محاكم التفتيش على عدالة القرآن الكريم العظيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا ينبغي لأهل السياسة الذين يسعَون للحفاظ على سلامة هذه البلاد ولحكومتها الإسلامية أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار؛ وبخلافه فإن التيارات المعارِضة للحكومة وإصرارَها على المعارضة تنهك القوى، فلا تكفي تلك القوةُ الضعيفة لضمان مصالح البلاد وإرساء النظام، ولا تحافظ على كيانها ولو بالاستبداد.</p>
<p style="text-align: justify;">وما هذا إلّا فسحُ المجال لبَذْرِ بذورِ الثورة الفرنسية في هذه البلاد، وهذا مما يستحق القلق عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">ما دامت تُعطي رشاوى من التنازلات المعنوية لأجل إقرار السياسة الأجنبية مقابل ما يقدمونه من مساعدات تافهة مؤقتة، بسبب ما نعانيه من الضعف الناشئ من الاختلاف، حتى غدت اللامبالاةُ تهيمن على أُخُوّةِ أربعمائة مليون من المسلمين، وعدمُ الاكتراث بمسلكِ مليارٍ من الأسلاف العظام، بل رأوا أنفسهم مضطرين إلى دفع مَبالغ ضخمة كمرتَّبات للموظفين لأجل عدم الإضرار بإدارة الدولة ونظام البلاد، من دون مراعاة لما يعانيه الناس من فقر مدقع.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما يعطيه أربابُ السياسة الحاليون في هذه البلاد من رشاوى إلى الغرب وإلى الأجانب، ومن تنازلات سياسية ومعنوية: عليهم أن يعطُوا عشرة أمثالها بل ينبغي لهم أن يدفعوها لأجل إقرار أخوة أربعمائة مليون من المسلمين، والتي ستتشكل على صورة جمهوريات إسلامية متحدة، وذلك لأجل سلامة هذه البلاد والحفاظ على كيان هذه الأمة، وسوف يكون ذلك هدية ضرورية وإتاوة لا ضرر فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">فتلك الرشوة الواجبة، الجائزة، النافعة جدًّا، بل الضرورية المقبولة، هي اتخاذ الدساتير المقدسة منهجًا للعمل، تلك الدساتير التي هي أساس التعاون الإسلامي، وهي هدايا سماوية من القرآن الكريم توثِّق الرابطةَ بين المسلمين، بل هي قانونهم المقدس الأساس، وهي: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل اللّٰه جميعًا﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ملاحظة</strong>: يرد في هذا الموضع من النص التركي &#8220;إفادة المرام&#8221; و&#8221;مقدمة سورة الفاتحة&#8221; من كتاب &#8220;إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز&#8221;، تُراجع في موضعها. &#8211; المترجم.</p>
<p><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">لِمَ تركتَ السياسة بعد الاندفاع فيها؟</h2>
<p><strong>(لِمَ تركتَ السياسة بعد الاندفاع فيها؟)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا..﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: بملء روحي ووجداني أهنئ أعيادكم المعنوية والمادية، السابقةَ منها واللاحقة، وأُبارك لياليكم المباركة الطيبة، وأسأل رحمة المولى القدير وأتضرع إليه تعالى أن يتقبل منكم طاعاتكم ودعواتكم المخلصة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد اضطررت إلى أن أجيب عن سؤالَيهم المهمَّين إجابةً خاصةً حيث يَرِدان من جهات كثيرة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤالهم الأول</strong>: لقد كنتَ سابقًا وفي بداية عهد الحرية منهمكًا جدًّا في السياسة ومندفعًا إليها بحرارة؛ وها قد مرَّتْ أربعون سنة وقد تركتَ السياسة كليًّا، فلماذا؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن القانون الأساسَ للسياسة البشرية هو: أنه يضحَّى بالأفراد من أجل سلامة الأمة، ويُفدى بالأشخاص حفاظًا على الجماعة، ويَرخَّص كل شيء في سبيل حماية الوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">فجميعُ الجرائم البشعة التي ارتُكِبت في البشرية إلى الآن إنما ارتُكِبت بالاستعمال السيء لهذه القاعدة ولهذا القانون الأساس، فلقد تيقنتُ من هذا يقينًا قاطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا القانون البشري الأساس ليس له حدٌّ معين ولا ضوابط مخصصة، لذا فقد مهَّد السبيلَ للتلاعب باستعماله بكثرة.. إن الحربَين العالميتين قد نَشِبتا من سوء استعمال هذا القانون البَشري الأساس، فأبادت نهائيًّا ما توصلت إليه البشرية من رقيٍّ منذ ألف سنة، كما سمح هذا القانون بأخذ تسعين بريئًا بجريرةِ عشرةٍ من الجُناة، وأفتى بإبادتهم، كما سمح بتدمير قصَبةٍ كاملة لجريمةِ مجرم واحد، لأغراض شخصية مستترة تحت اسم المصلحة العامة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت &#8220;رسائل النور&#8221; قد وضَّحت هذه الحقيقة في كثير من أجزائها وفي &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-1-4-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">الدفاعات</a></strong>&#8220;، أحيل القارئ الكريم إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، ولقد وجدتُ عوضًا عن هذا القانون البشري الأساسِ الغادر، القانونَ الأساسَ للقرآن العظيم النازل من العرش الأعظم، وذلك في الآيتين الآتيتين: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، ﴿مَن قَتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قَتل الناسَ جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا﴾؛ فهاتان الآيتان تُعلِّمان القاعدة الجليلة الآتية: &#8220;لا يؤاخَذ أحدٌ بجريرةِ شخص آخر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم &#8220;إن البريء لا يُضحَّى به -حتى من أجل جميع الناس- دون رضاه، ولكن لو ضحَّى بنفسه بإرادته وبرضاه فتلك مرتبة الشهادة&#8221;، هذه القاعدة الجليلة هي التي ترسي العدالة الحقة في البشرية، أُحيلُ تفاصيلها إلى رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤالهم الثاني</strong>: لقد كنتَ فيما مضى، في أثناء تَجوالك بين العشائر البدوية في شرقي الأناضول، تدعوهم إلى التحضر، وتحثهم بلهفة وشوق على التمدن والرقي في مجالات حياتهم، فلماذا انسللتَ -منذ نحو أربعين سنة- من المدنية الحاضرة، ووصفتَها بأنها دنيّة وليست مدنية، وجانبتَ الحياة الاجتماعية، وسحبتَ نفسك إلى العزلة والانزواء؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقًا مناقضًا لأسس دساتير السماء، وقيامِها بمناهضتها، فقد طفحَ كيلُ سيئاتها على حسناتها، وثقُلتْ كفةُ أضرارها على فوائدها؛ فلقد اضطرب أمنُ الناس واطمئنانهم، وأُقلِقوا وأَسِنتْ سعادتُهم الحقيقية، فاختل ما هو مطلوبٌ من المدنية ومقصودٌ منها، حيث قد حلَّت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محلَّ بوادر الاقتصاد والقناعة، واستُمرِئتْ ميولُ الكسل والدعة، وهُجرت مراعي السعي والعمل.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أَلبستْ هذه المدنيةُ البشريةَ المضطربةَ لباسَ الفقر المدقع، وكسَتها أثواب الكسل والتقاعس الرهيب.</p>
<p style="text-align: justify;">واستنادًا إلى ما قامت به رسائلُ النور من إيضاح الدستور الذي يخاطب به القرآن الكريم في ندائه العُلوي: ﴿وكلوا واشرَبوا ولا تُسرفوا﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وأن ليسَ للإنسان إلّا ما سَعى﴾، فقد أشارت تلك الرسائل-مستضيئةً بنور الآيتين المذكورتين- إلى أن سعادة حياة البشرية منوطة بالاقتصاد وعدم الإسراف، وعلى إثارة الهمم للسعي والعمل والكدّ.. وأنه بهذين الشرطين يتم التآلف والوئام بين طبقتي البشرية: الخواص والعوام.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا سأتحدث عن <strong>مسألتين لطيفتين.. نكتتين قصيرتين</strong>، وهما الآتيتان:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاهما</strong>: كان البشر في عهد البداوة تَعوزهم ثلاثةُ أو أربعةُ أشياء، وكان اثنان من كل عشرةٍ أشخاص يعجزان عن تدارك تلك الأشياء الثلاثة أو الأربعة، بينما في الوقت الحاضر تحت سطوة المدنية الغربية المستبدة، المتميزةِ بإثارة سوء الاستعمال، والدفع إلى الإسراف، وتهييج الشهوات، وإدخال الحاجات والمطالب غير الضرورية في حكم المطالب والحاجات الضرورية؛ فقد أصبح الإنسان العصري من حيث حبُّ التقليد والإدمان: مفتقرًا إلى عشرين حاجة بدلًا من أربع منها ضروريةٍ، وقد لا يستطيع إلّا شخصان من كل عشرين شخصًا أن يلبّوا تلك الحاجات العشرين من مصدرٍ حلالٍ بشكل مباح، ويبقى الآخرون الثمانية عشر محتاجين وفقراء.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه المدنية الحاضرة إذن تجعل الإنسان فقيرًا جدًّا ومُعْوِزًا دائمًا، ولقد ساقت البشريةَ -من جهة تلك الحاجة- إلى مزيدٍ من الكسب الحرام، وإلى ارتكاب أنواعٍ من الظلم والغَبْن، وشجَّعت طبقةَ العوام المساكين على الصراع والتخاصم المستمر مع الخواص، وذلك بهجرها القانونَ الأساسَ الذي سنَّه القرآنُ الكريمُ القاضي بوجوب الزكاة وتحريم الربا، والذي يُحقِّق بواسطتهما توقير العامة للخاصة، ويوفّر بهما شفقة الخاصة على العامة، فبهجرها ذلك القانون الأساس أَرغمت البرجوازيين على ظلم الفقراء وهضم حقوقهم، وأجبرت الفقراءَ على العصيان والتمرد في معاملتهم معهم، فدمّرت سعادة البشرية وراحتها وأمنَها واطمئنانها وجعلتها أثرًا بعد عين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النكتة الثانية</strong>: إن ما أنجزته هذه المدنية الحاضرة من خوارق -في ساحة العلم- نِعَمٌ رِبانية تستدعي شكرًا خالصًا من الإنسان على ما أُنعِم عليه، وتقتضي منه كذلك استخدامًا ملائمًا لها لفائدة البشرية ومنفعتهم، بَيْدَ أننا نرى الآن خلاف ذلك؛ إذ يقود قسم مهم من تلك الخوارق الناسَ ويوردهم موارد الكسل والسفاهة.. إذ إنها تذكّي نارَ الأهواء النفسانية، وتثير كوامن النزعات الشهوانية، فتُقعِد الإنسان عن الكدّ والسعي، وتثنيه عن الشوق إلى العمل، وتسوقه -بعدم القناعة وعدم الاقتصاد- إلى السفاهة والإسراف والظلم وارتكاب المحرمات.</p>
<p style="text-align: justify;">نُورد مثالًا على ذلك، مثلما ذكر في رسالة &#8220;مفتاح عالَم النور&#8221;:</p>
<p style="text-align: justify;">الراديو نعمةٌ إلهية عظيمة على البشرية، فبينما تقتضي شكرًا معنويًّا منّا عليها، وذلك باستخدامها لمصلحة البشرية كافة، نرى أربعة أخماس استعمالاتها تُصرَف في إثارة الأهواء النفسانية، وإلى أمورٍ تافهةٍ لا تعني الإنسانَ في شيء، فتَجتث جذورَ شوق الإنسان إلى السعي، وتُوقعه في الكسل والإخلاد إلى الراحة والاستمتاع بالاستماع إليها، حتى يدع الإنسانُ وظيفة حياته الحقيقية.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الذي يَلزم توجيهُ قسمٍ من الوسائط والوسائل الخارقة النافعة وصرفُها في تيسير مصالح البشرية الحقيقية، واستخدامُها في سبيل السعي والعمل لأجل خير البشرية وتوفير حاجاتها الحقيقية وتذليل مشاقها، فقد رأيتُ بنفسي، أنها لا تُصرَف إلّا إلى واحد أو اثنين من عشرة في تلبية تلك الحاجات الضرورية، وتُساق الثمانية الباقية من العشرة إلى اللهو والاسترسال في إثارة الهوى، والاسترخاء والدعة والكسل وقضاء الوقت.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك ألوف الأمثلة على هذين المثالين الجزئيين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وحاصل الكلام</strong>: أن المدنية الغربية الحاضرة لا تلقي السمعَ كليًّا إلى الأديان السماوية؛ لذا أوقعت البشريةَ في <strong>فقرٍ مدقع</strong>، وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار الإسراف والحرص والطمع عندها بعد أن قوّضت أساس الاقتصاد والقناعة، وفتحت أمامها سُبل الظلم وارتكاب المحّرمات.</p>
<p style="text-align: justify;">زد على ذلك فقد ألقت -بذلك- الإنسانَ المحتاج المسكين في أحضان <strong>الكسل والتعطيل المدمّر،</strong> بعد أن شجعته على وسائل السفاهة، وهكذا بددت الشوقَ لديه إلى السعي والعمل، فأضاع الإنسان عمرَه الثمين سدًى باتباعه هوى المدنية الحاضرة، وبسيره وراء سفاهتها ولَهوها.</p>
<p style="text-align: justify;">زد على ذلك فقد ولَّدت المدنية في ذلك الإنسان المُعْوِز العاطل <strong>أمراضًا وأسقامًا</strong> وعللًا، إذ أصبحت وسيلةً إلى انتشار مئاتٍ من الأوبئة والأمراض في أرجاء المعمورة، بثتها في الأوساط بسوء الاستعمال والإسراف.</p>
<p style="text-align: justify;">ففضلًا عن هذه العلل الثلاثة التي ولّدتها المدنية، وهي: الحاجة الماسة، والميل إلى السفاهة، وكثرة الأمراض المذكّرة بالموت، فإنه بتفشي الإلحاد وتوغله فيها استيقظت البشرية من غفوتها، وإذا بالمدنية تهددّها باستمرار، بإظهار الموت تجاهها إعدامًا أبديًّا، فجرّعتها نوعًا من عذاب جهنم في الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">فإزاء هذه المصيبة الرهيبة النازلة بساحة البشرية يداوي القرآن الكريم تلك الجروح الثلاثة البليغة بصحوةِ تلاميذه الذين يربون على أربعمائة مليون تلميذ، وبما يضمه من قوانين مقدسة سماوية، مثلما عالج علاجًا شافيًا أدواء البشرية قبل ألف وثلاثمائة سنة، فإنه مستعد لتضميد تلك الجراحات الغائرة بقوانينه الأساسية السامية.. فضلًا عن أنه الكفيل بتحقيق سعادة دنيوية وأخروية للبشرية ما لم تقم على رأسها قيامة مفاجئة.</p>
<p style="text-align: justify;">زد على ذلك فإنه يبين لها أن الموت ما هو إلّا تسريح من الوظيفة وتذكرةُ ترخيصٍ للدخول إلى عالم النور بدلًا من كونه إعدامًا أبديًّا.. وأن كفة حسنات الحضارة النابعة منه ستتغلب حتمًا على سيئات المدنية الحاضرة، بل يجعل المدنية سائرة في ركاب تلك القوانين السماوية، تخدمها وتعينها بدلًا مما يحدث إلى الآن مِن تنازل قسمٍ من الدين لقسمٍ من المدنية، ومِن دفع أحكام الدين رشوة في سبيل المدنية.</p>
<p style="text-align: justify;">كل ذلك يُفهم من إشارات القرآن المعجز البيان ومن رموزه، فترجو البشرية الصاحية الحاضرة ذلك العلاج القدسي من رحمته تعالى وتتضرع إليه وتطلبه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">اتخاذ البيت مدرسة نورية</h2>
<p style="text-align: left;">١٨/١/ ١٩٥٨‌</p>
<p><strong>(اتخاذ البيت مدرسة نورية)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء.. ويا طلاب النور لمدرسة الزهراء المعنوية..</p>
<p style="text-align: justify;">عندما قدمتُ إلى إسبارطة طَرق سمعي أنه ستُفتح مدرسة الوعظ والخطابة والإمامة فيها، فخطر على القلب فتحُ مدرسةٍ نوريةٍ في الأماكن المجاورة من تلك المدرسة، وذلك لجعلها نوعًا من مدرسة نورية، إذ إن معظم الذين سيسجلون فيها هم من طلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد فُهم من مجيء الرجال والنساء زُرافاتٍ ووُحدانًا إلى إسبارطة بعد يومين من مجيئي إليها، وبعد إشاعة الخبر وكأنني سأُلقي درسًا عامًّا للناس، أنه لو فتحت مدرسة نورية شبه رسمية عامة فستكون مكتظة ومزدحمة، لَتوافَدَ الناس إليها كما توافدوا لمشاهدتنا عند ذهابنا إلى محكمة أفيوُن، ولاحتمالِ حدوث أمثال هذه التجمعات التي لا معنى لها تركتُ تلك الخاطرة، ولكن خطرت هذه الحقيقة على القلب:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ليحوِّل كلُّ شخص بيتَه إلى مدرسة نورية يتدارسون فيها مع أطفاله وأهل بيته،</strong> وإن لم يكن له أحد وكان وحيدًا فليتخذ مع بضع أفرادٍ من جيرانه أحدَ المساكن مدرسةً نوريةً يتدارسون فيه رسائل النور أو يستمعون لها أو يستنسخونها، وذلك في الأوقات التي يتفرغون فيها عن أعمالهم ومشاغلهم، إذ الانشغال بهذه الرسائل ولو لعشر دقائق يثيب صاحبَه ثوابَ طالبِ علم حقيقي، فضلًا عن كسبه ثواب خمسة أنوار من العبادات المذكورة في رسالة الإخلاص، علاوةً على تحول عاداته ومعاملاته الاعتيادية لمتطلبات معيشته عبادةً يُثاب عليها، كما هي الحال لدى طالب العلم.. هكذا ورد إلى القلب وأنا بدوري أبيّنه لإخوتي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم المريض</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">الدروس تنوب عني</h2>
<p><strong>(الدروس تنوب عني)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أقدم مائة ألف شكر وشكر إلى الرب الجليل الذي حقق بكم -أنتم أركانَ مدرسة الزهراء- الحقيقةَ المعنوية لمدرسة الزهراء، التي كانت هدفَ خيالي وغايةَ حياتي طوال خمس وخمسين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد حُرمتُ من المحاورة مع إخوتي طلابِ النور والمجالسةِ معهم من جراء المرض ولأسباب أخرى، لذا فإنني أُوكِّل -عوضًا عني- الدروسَ التي لقَّنَتْها رسائلُ النور سعيدًا الجديد في مدرسة القرآن، والدروسَ التي تعلّمها سعيدٌ القديم من الحياة الاجتماعية -كالخطبة الشامية وذيولها- فأوكِّل الكلامَ والمحاورات في تلك الدروس لتُنوبَ عن أخيكم هذا الضعيف المشتاق إليكم في محاوراته.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: أقدم تعازيَّ إلى البطل &#8220;طاهري&#8221; الطالب الخاص الخالص لرسائل النور والناشر لها، والذي اتخذ بيتَه مدرسةً نورية صغيرة، وذلك لوفاة والده الذي وهَبه لدائرة النور، وأعزي أقاربَه وذويه وإسبارطة ودائرة رسائل النور، سائلًا المولى القدير أن يُنزل الرحمات إلى روحه بعدد حروف رسائل النور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم المريض</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">اعتراض ولي عظيم</h2>
<p><strong>(اعتراض ولي عظيم)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">حصلتُ على مؤلَّفٍ مطبوعٍ لسعيدٍ القديم &#8220;<strong>المناظرات</strong>&#8220;، ونظرتُ إليه بلهفةٍ وإنعام نظر، فوردتْ إلى القلب هذه الفقرة الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن هذا المؤلَّف الذي طُبع في مطبعة &#8220;أبو الضياء&#8221; سنة ١٣٢٩ (١٩١٣م) هو الدرس الذي ألقاه سعيدٌ القديم بين عشائر الأَرتُوش، ولا سيما عشائر &#8220;كَوْدَان ومَامْخُورَان&#8221;، لأجل إفهام الشورى الشرعية للعشائر فهمًا صائبًا وحَمْلِهم على قبولها، وذلك في السنة الثالثة من عهد الحرية، ولكن لم أحصل على هذا المؤلَّف مع الأسف رغم بحثي عنه منذ ثلاثين سنة، إلّا أن أحدهم حصل على نسخة منه فأرسلها إليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">طالعتُ الكتاب بإمعانٍ وبعقلِ سعيدٍ القديم وبسانحاتِ سعيدٍ الجديد، فأدركتُ أن سعيدًا القديم شعر بحسٍّ عجيبٍ مسبَقٍ -قبل الوقوع- الوقائعَ المادية والمعنوية التي تَحدُث الآن، فقد شعر بها قبل حوالي أربعين سنة؛ إذ إنه شاهد ما وراء ستار العشائر الكردية، الخونةَ الذين جعلوا هذا الزمان قناعًا لهم، وهم الملحدون الجاهلون الحقيقيون، والرجعيون الذين يحاولون تحت ستار الوطنية إرجاعَ هذه الأمة إلى عاداتها السابقة قبل عهد الإسلام، فتكلم سعيد القديم معهم بشدةٍ وحاورهم بعنف.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: قرأتُ الصفحات التي يبدو فيها <strong>أن بين المستمعين لدرسي ذاك وليًّا عظيمًا</strong> -دون علمي به- فقد اعترض اعتراضًا شديدًا في ذلك المقام إذ قال: &#8220;أنت تغالي وتُفرط، إذ تُظهِر الخيالَ عينَ الحقيقة، وتُهيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصرِ آخرِ الزمان، والفسادُ يستشري، وسينقلب من سيء إلى أسوأ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وكان الجواب في الكتاب: لماذا تكون الدنيا ميدانَ تَقدمٍ وترقٍّ للجميع، وتكون لنا وحدَنا ميدان تأخر وتَدَنٍّ.. فهل الأمر هكذا؟ فها أنذا آليتُ على نفسي ألّا أخاطبكم، فأدير إليكم ظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقبل: أيا من اختفى خلف عصرٍ شاهقٍ لما بعد ثلاثمائة سنة<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>، يستمع إلى كلمات النور بصمتٍ وسكون، ويَلمحنا بنظرٍ خفيٍّ غيبيّ.. أيا من تتسمَّون بـ: سعيد وحمزة، وعمر وعثمان، وطاهر ويوسف وأحمد.. وأمثالهم.. إنني أتوجه بالخطاب إليكم:</p>
<p style="text-align: justify;">ارفعوا هاماتكم وقولوا: &#8220;لقد صَدقْتَ&#8221; وليكن هذا التصديق ديْنًا في أعناقكم.. إن معاصريَّ هؤلاء وإن كانوا لا يعيرون سمعًا لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكلم معكم عبر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي -المسمّى بالتاريخ- إلى ذرى مستقبلكم الرفيع..</p>
<p style="text-align: justify;">ما حيلتي!! لقد استعجلتُ وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضمِّ الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم، ستأتون إليها في ربيعٍ زاهرٍ كالجنة، إن ما يُزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهيرَ يانعةً في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا.. أنكم إذا جئتم لتَعبروا إلى سفوح الماضي، عُوجوا إلى قبورنا، واغرسوا بعضَ هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة.</p>
<p style="text-align: justify;">[أي كما ذُكر في الرجاء الثالث عشر من رسالة &#8220;الشيوخ&#8221;، أنه <strong>بوفاةِ</strong> مدرسة &#8220;خُورْخور&#8221; التي هي تحت قلعة &#8220;وَانْ&#8221; الصلدة، والتي هي مدرسةٌ ابتدائيةٌ لمدرسة الزهراء، <strong>وغَلْقِ</strong> المدارس الشرعية في الأناضول كافةً الدالِّ على وفاتها<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، توفيتْ جميع المدارس، وكأن قلعة &#8220;وان&#8221; صارت شاهدًا لقبرها العظيم. فيا أيها المُقبلون بعد ثلاثمائة سنة، ازرعوا على قمة هذه القلعة زهرةَ مدرسة نورية].</p>
<p style="text-align: justify;">أي ابنوا جسمَ مدرسةِ الزهراء التي تعيش روحًا ضمن هيئة واسعة، ولم تُبعَث جسمًا، علمًا أن سعيدًا القديم قد قضى معظم حياته في سبيل تحقيق تلك المدرسة، وقد سجَّل حقائقَ مهمةً في مؤلَّفه ذاك، سواءٌ في تأسيسها أو في فوائدها.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنه لفألٌ حسنٌ -بعد انكسارِ حدّةِ الاستبداد الرهيب &#8220;سنة ١٩٥٠&#8221; الذي دام خمسًا وعشرين سنة، والذي أنهى حياةَ المدارس الشرعية- قرارُ وزير المعارف &#8220;توفيق إيلري&#8221; على إنشاء مدرسة الزهراء في &#8220;وان&#8221; باسم جامعة الشرق، واستصوب رئيسُ الجمهورية &#8220;جلال بايار&#8221; -من حيث لم يحتسب- قرارَ الوزير، وجعله ضمن قائمة المسائل المهمة، وهذا ما كان يتمناه سعيدٌ قبل أربعين سنة، وسيتحقق بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">نبيّن هنا ثلاث حقائق لإيضاح جواب سعيد القديم الذي قاله قبل خمس وأربعين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقة الأولى</strong>: لقد شعر سعيد القديم بحسٍّ مسبَقٍ بحادثتين عجيبتين، ولكن كان يقتضي التعبيرَ كما في الرؤى الصادقة، إذ لو نظر أحدُهم إلى شيء أبيض من خلال ستار أحمر فإنه يراه أحمر، فسعيدٌ القديم كذلك نظر إلى تلك الحقيقة من خلال ستار السياسة الإسلامية، فأبدلت صورةُ الحقيقة شكلَها شيئًا ما، وقد عَرف ذلك الوليُّ الصالح الحاضر في المجلس خطأَ سعيدٍ القديم فاعترض عليه من تلك الجهة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وتلك الحقيقة قسمان:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>القسم الأول</strong>: سيَظهر نورٌ ساطعٌ عظيمٌ في المملكة العثمانية، حتى كان سعيدٌ يبشِّر به طلابَه قبل عهد الحرية ولمراتٍ عديدةٍ مُسَرِّيًّا عنهم، وأن ذلك النور سيحقق السعادة لهذا الوطن رغم التخريبات والفساد المُشاهَد. وهكذا أظهرت رسائلُ النور -بعد أربعين سنة- تلك الحقيقة حتى للعيون المطموسة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد عبَّر سعيدٌ القديم عما استشعره من منافعِ ذلك النور الجليلة الواسعة وبنوعيتها الراقية، فكأن ذلك النور سيَظهر في المملكة العثمانية كلها، مُشاهِدًا إياه من خلال السياسة من دون أن يأخذ بنظر الاعتبار كميةَ النور القليلة وسَعَتَه الضيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">فكان سعيدٌ القديم مُحِقًّا إلى حدٍّ ما، كما أن ذلك الولي مُحِقٌّ ومصيبٌ في اعتراضه برؤيته الدائرةَ الضيقةَ واسعةً.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن <strong>دائرة رسائل النور</strong> الضيقةَ واسعةٌ جدًّا من حيث إنقاذُها الإيمان، حيث إنها تنقذ الحياة الأبدية، <strong>فمليونٌ من طلابها في حكم المليار</strong>؛ أي إن محاولة إسعاد ألفٍ من الأشخاص في الآخرة أفضل بكثير من إسعاد مليار من الأشخاص في حياتهم الدنيوية والمدنية، وأوسع منها معنى؛ فذلك الذي شاهده سعيدٌ القديم بذلك الحسِّ المسبَقِ الشبيهِ بالرؤيا الصادقة، أي إن ذلك النور الضيق سيحيط بالمملكة العثمانية كلها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعل اللّٰه سيجعل تلك الدائرة الواسعة منوَّرة بنمو ما تزرعه رسائلُ النور من بذور نورانية، بعد مائة سنة، وعندها تتبين صحةُ تعبيره الخطأِ.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقة الثانية</strong>: كان سعيد القديم يُخبر طلابه -في مؤلفاته القديمة وفي إفادة المرام لإشارات الإعجاز- ويقول لهم مكررًا: ستَحدث زلزلةٌ اجتماعيةٌ بشريةٌ عظيمة، زلزلةٌ ماديةٌ ومعنوية، وسيَغبطونني على اعتكافي وانزوائي وبقائي عَزَبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنه في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخُ بَخيت -مفتى الديار المصرية- سعيدًا القديم: ما تقول في حق هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوربائية؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأجابه سعيد: &#8220;إن الدولة العثمانية حاملةٌ بدولةٍ أوروبائية وسَتَلِدُ يومًا ما، وإن أوروبا حاملةٌ بالإسلامية وستلد يومًا ما&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فقال له الشيخ الجليل: وأنا أصدِّق ما يقوله.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم قال لمن حوله من العلماء: لا أناقش هذا ولا أتمكن أن أغلبه.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد شاهدنا <strong>الولادةَ الأولى</strong>، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>الولادة الثانية</strong>: فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن اللّٰه، ستَظهر في الشرق والغرب دولة إسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقة الثالثة</strong>: كان سعيدٌ القديم -والجديد- يخبر بحسٍّ مسبقٍ وبإصرارٍ بالغٍ وبتكرارٍ عن حادثةٍ عظيمةٍ معنويةٍ ومادية، وظهور زلزالٍ اجتماعيٍّ بشريٍّ رهيبٍ مدمِّرٍ في الدولة العثمانية، والحالُ أنه رأى بذلك الحس ما في الدائرة الواسعة جدًّا في دائرةٍ ضيقة، ورغم أن الزمان صدَّقه بالحرب العالمية الثانية تصديقًا تامًّا، فهو يُعبِّر عن رؤيته تلك الدائرةَ الواسعةَ في المملكة العثمانية بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">رغم أن الدمار الذي ولّدته الحرب العالمية الثانية واسعٌ جدًّا فإنه ضيق بالنسبة للدمار الذي حصل في الدولة العثمانية، حيث إنه متوجهٌ إلى الحياة الدنيوية والمدنية الزائفة، بينما <strong>الذي حصل في الدولة العثمانية دمارٌ للحياة الباقية والسعادة الدائمة</strong>؛ فهذا الدمار زلزلةٌ إسلاميةٌ أفظعُ وأرهبُ من حيث المعنى من تلك الحرب، وبهذا يُصحِّح ما سَها عنه سعيدٌ القديم ويعبِّر عن رؤياه الصادقة ويُظهِر للعيون حِسَّه المسبق، ويَرُدُّ في الوقت نفسه اعتراضَ ذلك الولي الفاضل الذي يبدو حقًّا، بإثباته أن الحسَّ المسبَق لسعيدٍ القديم أحقُّ منه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">التضحية الصِّدِّيقية</h2>
<p><strong>(التضحية الصِّدِّيقية) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">نشرتْ كلٌّ من صحيفة &#8220;بويوك جهاد&#8221; (الجهاد الأكبر) و&#8221;سبيل الرشاد&#8221; ما أعلنتُه، وهو أنني لا أجعل خدمةَ الإيمان والدين ورسائلَ النور أداةً للسياسة الدنيوية، ولا سيما للوصول إلى كمالاتٍ معنوية ومقاماتٍ رفيعة، كذلك لا أجعلها وسيلةً لبلوغ ما يَهَشُّ له الناسُ من سعادةٍ أبدية ونجاةٍ من النار، بل هي خالصةٌ لوجه اللّٰه ولابتغاءِ مرضاته وحده وتنفيذًا لأمره سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">وما ألجأني إلى هذا الأمر إلّا <strong>الإخلاص الحقيقي الذي هو القوةُ الحقيقية للنور</strong>، عَلَّني أحظى بِذَرَّةٍ من التضحية السامية التي كان الصِّدِّيقُ الأكبرُ رضي اللّٰه عنه يتحلى بها، حيث قال: &#8220;أسأله تعالى أن يُكَبِّر جسمي ليملأ جهنم حتى لا يبقى موضع لمؤمن، أُعذب عوضًا عنهم&#8221;، فأنا أرضى كذلك بدخول النار لأُنقذ بضع أشخاص منها بالإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم أن <strong>العبادة لا تؤدّى طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، بل للأمر الرباني وابتغاء مرضاته سبحانه</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">حول تحضير الأرواح</h2>
<p><strong>(حول تحضير الأرواح)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تَحقق بأماراتٍ كثيرةٍ وحوادثَ عديدةٍ أن أعداء طلاب النور يدبِّرون خُططًا شتى، ليَحمِلوا بعضَ طلابِ رسائل النور الخواصِّ على التخلي عن خدمة النور أو التراخي والتخاذل عن العمل، وذلك بكشفِ ما لديهم من عِرقٍ ضعيف.. نبيِّن أدناه أنموذجين اثنين ليكونا موضعَ عبرةٍ وعظة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الأول</strong>: هو لفتُ نظرِ عددٍ من طلاب رسائل النور الخواصِّ المرتبطين ارتباطًا قويًّا بخدمة النور، وصرفُ تفكيرهم إلى جهةٍ غيرِ الخدمة: <strong>بإشغالهم</strong> بمشاربَ روحانيةٍ ذاتِ أذواق، مما يُفَتِّتّ صلابتَهم ويُوهِن ارتباطَهم الوثيق؛ <strong>أو بإشغالهم</strong> بتلقِّي الأخبار عن الأموات، المسمى بتحضير الأرواح، وهو مخابرةٌ مع الجن؛ <strong>أو بإشغالهم</strong> بالتنبؤ عن أخبارٍ مستقبليةٍ كما كان لدى الكُهَّان السابقين، فكأنهم يتصلون مع أولياء عظام أو حتى مع الأنبياء عليهم السلام، ويُجْرون معهم ما يشبه المحاورة.. <strong>وأمثالِ هذه الأمور</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت هذه المسألة (تحضير الأرواح والتنبؤ بالغيب) آتيةً من الأجانب ونابعةً من الفلسفة، فقد تؤدى إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين، حيث يمكن استعمالها استعمالًا سيئًا، إذ <strong>لو كان فيها صِدْقٌ واحدٌ ففيها عشرةُ أكاذيب</strong>؛ ولا مِحَكَّ ولا مقياسَ لتمييز الصدق عن الكذب، وبهذه الوسيلة يُلحِق الجنُّ -الذين يُعينون الأرواح الخبيثة- الضررَ بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضًا؛ ذلك لأنها إخباراتٌ تنافي حقائقَ الإسلام وتعارض عقائدَه العامة، مع أنها تزاوَل باسم أمورٍ روحيةٍ معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواحٌ طيبةٌ مع أنهم أرواح خبيثة، بل إنهم يَسْعَون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلماتٍ مقلِّدين أسماءَ أولياءٍ عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو قالت جلوةُ الشمس التي تُشاهَد في قطعةِ زجاجٍ صغيرةٍ -متكلمةً باسمها- إن ضيائي يستولي على الدنيا، وحرارتي تحمي كل شيء، وأنا أكبر بمليون مرة من الكرة الأرضية.. كم يكون كلامُها خلافًا للحقيقة؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فالنبي الذي في مقامه الحقيقي الرفيع كالشمس الساطعة، لا يمكن أن تتكلم جَلوتُه باسمه، لدى تحضير الأرواح أو التنبؤ بالمستقبل، ولو تكلمتْ باسم النبي لكان كلامُها مخالفًا كليًّا بمئات الأضعاف، فلا يمكن قياسُ ظهورِ جَلوةٍ جزئيةٍ لدى تحضير الأرواح أو التنبؤِ بالمستقبل أصلًا وقطعًا بالماهية السامية الرفيعة لصاحب الوحي الذي هو كالشمس المعنوية، لذا لا يمكن جلبُ تلك الحقيقة العظمى قطعًا، بل إنَّ جلْبَها سوءُ أدبٍ وإهانةٌ وعدمُ احترامٍ ليس إلّا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنما يمكن الرقيُّ بالسير والسلوك للتقرب من ذلك المقام الرفيع، والحظوةِ بالمحاورة والمجالسة مع تلك الشمس الحقيقة، كما حدث لجلال الدين السيوطي وأولياء آخرين، مع العلم أن <strong>هذا الرقيَّ هو مجالسةٌ ومحاورةٌ مع ولايته ﷺ</strong> -كما أثبتته رسائل النور- ولا يكون هذا إلّا حسب قابلياتهم ووفق استعداداتهم الذاتية، ولكن <strong>حقيقة النبوة لكونها أرفع وأسمى وأعلى بكثير من الولاية</strong>، فإن المحاورة التي تُنال بالرقي الروحي أو بوساطة تحضير الأرواح والتلقي منها، لا تبلغ حقيقةَ المحاورة والتلقي من النبي تلقيًا حقيقيًّا بأي جهة كانت، ولا يكون محورًا للأحكام الشرعية قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن تحضير الأرواح المتأتي من الإيغال في دقائق الفلسفة وليس من الدين: حركةٌ تخالف الحقيقة، وتنافي الأدبَ اللائق والاحترام الواجب؛ لأن جلْبَ أرواحِ مَن هم في أعلى عليين وفي المقامات السامية المقدسة، إلى مائدة تحضير الأرواح، موضعِ الأكاذيب واللعب واللهو في أسفل سافلين: إنما هو إهانةٌ عظيمة، وعدمُ توقيرٍ محضٌ، وسوءُ أدب؛ بل الحقيقة عينُها والأدبُ المحض والاحترامُ اللائق هو أن يَحصُل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني -بالسير والسلوك- إلى مرتبة القُرْبية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن الشيطان والأرواح الخبيثة لا تتمثل في الرؤى الصادقة</strong>، بينما في تحضير الأرواح يمكن أن تتكلم الأرواح الخبيثة باسم نبيٍّ من الأنبياء مقلِّدةً له خلافًا للأحكام الشرعية والسنة النبوية الشريفة، فإن كان هذا التكلم مخالفًا للأحكام الشرعية والسنة النبوية فهو دليلٌ قاطعٌ على أن المتكلم ليس هو من الأرواح الطيبة، وليس حنيفًا مسلمًا ومؤمنًا، بل هو من الأرواح الخبيثة، يقلِّد على هذه الصورة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن طلاب النور ليسوا بحاجةٍ إلى مزيد من الإرشادات في مثل هذه الأمور حاليًّا، إذ رسائل النور قد بَيّنتْ حقيقة كل شيء، ولم تعد هناك حاجة إلى إيضاحات أخرى، فحسْبُهم رسائلُ النور، وعلى الذين هم خارج طلاب رسائل النور ألّا يعيروا سمعًا إلى مثل هذه التلقينات المخالفة للأحكام الشرعية والسنة النبوية، سواءٌ عن طريق تحضير الأرواح أو عن غيرها، وهذا هو الألزم لهم، وبخلافه يَحدث خطأ جسيم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنبيه</strong>: إن هذا النقدَ الشديدَ الواردَ في هذه الرسالة حول المحاورة مع الأرواح: منصبٌّ على تلك الحركة النابعة من الفلسفة والعلم، والتي تسمى تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل، والتي اتخذت شكل الأمور الروحية والمعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن هذا النقد القوي ليس موجهًا إلى التصوف وأهل الطريقة والنابعِ من الإسلام، وفيه ما يشبه المخابرة مع الأرواح، التي أُسيءَ استعمالها -إلى حدٍّ ما- بدخول مَن ليس أهلًا فيها، ومع هذا ربما يكون لتلك المخابرة ضررٌ من جهةِ البعض، إلّا أنها ليست خادعة ولا يُقصَد منها الإضرار بالإسلام، فضلًا عن هذا إن هذا المشرب الآتي من الأجانب هو منافٍ للطريقة الصوفية، ويخالف الإسلامَ أيضًا، كما أنه يحاول هدم مسلك التصوف، ويهوِّن من شأنه حتى يجعله أمرًا اعتياديًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ألاَ فليحذر أولئك المتصوفة الذين لم يَحْظَوا بعدُ -لضعفهم- باتباع السنة النبوية اتباعًا كاملًا، فلا يحاولوا التشبه بأولئك.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">حقيقةٌ تَخُصُّ حياتَنا الاجتماعية أُخطِرت على القلب</h2>
<p><strong>(حقيقةٌ تَخُصُّ حياتَنا الاجتماعية أُخطِرت على القلب)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">توجد على أرض الوطن أربعة أحزاب: الأول: حزب الشعب الجمهوري، والآخر: الحزب الديمقراطي<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>، والآخر: حزب الأمة<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>، وآخر: حزب الاتحاد الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>حزب الاتحاد الإسلامي</strong> يستطيع أن يأخذ بناصيةِ الحكم متى ما كان سِتُّون إلى سبعين بالمائة منه تامَّ التدين، لئلا يحاول جعلَ الدين أداةً للسياسة، بل ربما يُسخِّر السياسة في سبيل الدين، ولكن يَلزم ألّا يتولى هذا الحزبُ الحكمَ حاليًّا، لأنه سيضطر إلى استغلال الدين في إمرةِ السياسة لمجابهة جرائم السياسة الحالية وشرورِها، حيث إن التربية الإسلامية قد أصابها الوهَنُ والخللُ منذ زمن بعيد<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>حزب الشعب الجمهوري</strong>: فإن جميع الجرائم التي اقترفها طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة، وجرائمَ غيره، علاوة على سيئات الاتحاد والترقي والماسونيين منهم، قد حُمِّلت على هذا الحزب، فعلى الرغم من جميع هذه السيئات فإنه في حكم الغالب على الديمقراطيين من جهة، ذلك لأنه يَرْشُو بعضَ الموظفين -تحت ستار القانون- رِشوة عجيبة ولذيذة حقًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن <strong>الأنانية تتقوى بنقصان العبادة</strong>، فيزداد الداعون إلى فرعونية النفس، ففي مثل هذا الزمان الذي طغت فرعونيةُ النفس، أصبحت الوظيفةُ الحكومية تورث النفسَ روحَ التسلط والسيادةِ والفرعونية، علمًا أنها مجرد قيام بخدمة الآخرين، وقد شعرتُ من طريقة التعامل التي يعاملونني بها، أن هذا الحزب يعطي مرتبة الحاكمية ذات المشاعر اللذيذة العجيبة إلى نفوس قسم من الموظفين، رشوةً لهم، فيغلب -في جهة- الديمقراطيين، على الرغم من جميع الجنايات المريعة ومن وجود نشريات الصحف التي لا تنتمي إليه، بينما الوظيفة هي خدمة الآخرين ليس إلّا، حسب الدستور الوارد في الحديث الشريف &#8220;سيد القوم خادمهم&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>، إذ القوة إن لم تكن في القانون فإنها تسري إلى الأشخاص، فالاستبداد يكون اعتباطيًّا بمعنى الكلمة، فلا مَناص من أن تستند الديمقراطيةُ وحرية الوجدان إلى هذا الدستور الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>حزب الأمة</strong>: فإن كان المقصودُ بالأمة فكرةَ الأمة الإسلامية التي هي الأساس في الوحدة الإسلامية -والقوميةُ التركية ممتزجةٌ بها- فهي موجودةٌ في معنى الحزب الديمقراطي، وسيُضطر هذا الحزب إلى الالتحاق بالديمقراطيين المتدينين.</p>
<p style="text-align: justify;">بيد أن <strong>العنصرية التي نَعُدُّها داء السَّيَلان الغربي</strong>، قد سَرَتْ فينا سريان الوباء من الغرب ولقّحته أوروبا فينا كي تستطيع أن تمزق العالم الإسلامي. هذا الداء الوبيل يورث حالةً روحية جاذبة، حتى إن كل أمة تحمل رغبة وشوقًا بشكل كلي أو جزئي نحوها على الرغم من أضرارها الوخيمة ومهالكها المدمرة، فلو أَحرز هذا الحزبُ -بسبب استحواذ المدنية الغربية وضعف التربية الإسلامية- نصرًا، فإن العناصر غير التركية التي تمثل سبعين بالمائة من الأمة ستضطر إلى اتخاذ جبهةٍ مضادةٍ للأتراك الحقيقيين -الذين لا يتجاوزون الثلاثين بالمائة- معارضة لسيادة الإسلام.</p>
<p style="text-align: justify;">حيث إن من أسس القوانين الإسلامية: ﴿ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى﴾، أي لا يؤاخَذ الشخصُ بجريرةِ غيره، بينما في العنصرية يجد الشخصُ نفسَه مُحِقًّا في قتل شقيق الجاني، بل أقاربه، بل حتى أفراد عشيرته، فمثلما لا يُحقِّق هذا عدالةً، بل يفتح سبيلًا إلى ارتكاب مظالمَ شنيعة، علمًا أن الدستور الإسلامي يقرر أنه لا يُضحّى ببريءٍ واحد لأجل مائةِ جانٍ، فهذه مسألة مهمة من مسائل البلاد، وخطرة تجاه السيادة الإسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت هذه هي الحقيقة، فيا أيها الديمقراطيون المتدينون والذين يحترمون القيَم الدينية.. أنتم مضطرون إلى جعل الحقائق الإسلامية ركيزةً لكم، فهي أقوى من ناحية جاذبيتها المعنوية والمادية تجاه جاذبيةِ ركائزِ هذين الحزبين وإغرائها، وبخلافه فإن الجرائم التي ارتُكبت بحقّ هذه الأمة منذ القدم تُحمَّل عليكم وإن لم تكونوا قد اقترفتموها، مثلما تُحمَّل على الحزب السابق، وعند ذاك يستغل الحزبُ الشعب الجمهوري العنصريةَ، فيغلبونكم، وهذا احتمال قويٌّ كما شعرتُ به، لذا فإنني قلق باسم الإسلام من هذا الوضع.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد ظهرتْ -نتيجةَ سَنِّ القوانين الاعتباطية وتطبيقها السيء في عهد الحزب السابق- مسألةُ التيجانية<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>، فضلًا عن تحريضهم وإثارتهم الناس، فلكي لا تقع مَغبَّةُ هذه المسألة على الديمقراطيين المتدينين، وللحيلولة دون سقوطهم في نظر العالم الإسلامي، أرى أن السبيل الوحيد هي أنه مثلما أحرز الديمقراطيون عشرةَ أضعافِ قوتِهم بإعادة الأذان الشرعي، فإن تحويل &#8220;أياصوفيا&#8221; إلى وضعه العِباديِّ السابق سيؤثر تأثيرًا حسنًا جدًّا في العالم الإسلامي، ويُكسِب لأهل هذه البلاد اهتمامَ العالم الإسلامي وودَّهم.. وكذا على الديمقراطيين المتدينين الإعلان رسميًّا عن حرية نشر رسائل النور التي لم تجد المحاكمُ فيها طوال عشرين سنة شيئًا ضارًّا للبلاد، وقضت خمسُ محاكم ببراءتها، وبهذا تضمدون هذا الجرح فتكسبون اهتمام العالم الإسلامي، فضلًا عن عدم تحميلكم جرائم ظالمة لغيركم.</p>
<p style="text-align: justify;">في غضون يومٍ أو يومين نظرتُ إلى الأمور السياسية رغم أني تركتُها منذ خمسٍ وثلاثين سنة، وذلك لأجل الديمقراطيين المتديِّنين، ولا سيما الأفاضل من أمثال عدنان مندرِس.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>نحن طلاب النور شهودٌ على هذه الحقيقة ومصدّقون لها</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>جيلان، خليل، عثمان، حمزة، وغيرهم.</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">مواجهة الأستاذ</h2>
<p><strong>(مواجهة الأستاذ)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">يقول أستاذنا:</p>
<p style="text-align: justify;">إلى جميع إخوتي الأعزاء الراغبين في مقابلتي وزيارتي أبيّن لهم الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أطيق مقابلة الناس ما لم تكن هناك ضرورة، إذ التسمم الحالي، والضعفُ الذي اعترى جسمي، وكذا الشيخوخةُ والمرض.. كلُّ ذلك جعلني عاجزًا عن التحدث كثيرًا، ولأجل هذا أُبَلِّغكم يقينًا أن <strong>كلَّ كتابٍ من رسائل النور إنما هو &#8220;سعيد&#8221;،</strong> فما من رسالة تطالعونها إلّا وتستفيدون فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف، بل تواجهونني مواجهة حقيقية، فلقد قررت أن أذكر في دعواتي وقراءاتي صباح كل يوم أولئك الراغبين في لقائي لوجه اللّٰه بديلًا عن عدم استطاعتهم اللقاء، وسأستمر على هذا القرار.</p>
<p style="text-align: justify;">ومنذ شهرين لا يستطيع أستاذنا الكلام حتى مع من يعاونه في أموره، حيث ترتفع حرارتُه متى ما بدأ بالتكلم، وقد قال بناءً على إخطارٍ قلبيّ: إن حكمة هذا هي أن رسائل النور لا تدع حاجةً إليّ، فلا داعي للكلام، فضلًا عن أنني قد لا أتكلم إلّا مع عشرين أو ثلاثين من أحبتي، فلربما مُنِعت من الكلام لئلا يُجرَح شعور أُلوف الأحبة الآخرين، فليعذرني الإخوة عن اللقاءات الخاصة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">أهمية مدرسة الزهراء</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(أهمية مدرسة الزهراء) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">قبل أربع سنوات، حينما وكَّلني أستاذنا -بسبب مرضه- بمتابعة شؤون رسائل النور في المحاكم بأنقرة، قدَّمنا إلى النواب الأفاضل الرسالةَ المرفقة أدناه، ونقدمها الآن لكم ولحضرات النواب الأفاضل مجدَّدًا، والداعي لهذا هو استمرار المسألة نفسها، ولا سيما المحاولات الجارية في الشهور الأخيرة لإنشاء الجامعة الجديدة في الولايات الشرقية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الانتشار الواسع لرسائل النور في السنين الثلاثين الماضية، سواءٌ في الداخل أو في الخارج، وتأثيرَها الجيد في الناس، والسعيَ المتواصل لإنشاء دار الفنون (الجامعة) في الولايات الشرقية قبل خمسٍ وخمسين سنة، مسألتان مهمتان متعاقبتان متممتان إحداهما للأخرى، وهما موضع اهتمام العالم الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الأمة، ولا سيما أهل الولايات الشرقية، وأربعُمائة مليونٍ من الأمة الإسلامية، وعالَمُ النصرانية المحتاجُ إلى السلام العالمي: تهتم بهاتين النتيجتين العظيمتين والحادثتين الجليلتين؛ حيث إنهما مَصدران واسعان لإعلان الإسلام ونشر حقائق القرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد بذل أستاذنا المحترم منذ خمس وخمسين سنة جهوده وبهمة فائقة متوسلًا بوسائل شتى لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ باسم مدرسة الزهراء في شرقي الأناضول على غرار الجامع الأزهر، ودعا للحاجة الماسة إليها، مثلما ورد في تهنئته لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بهذا الخصوص حيث قال:</p>
<p style="text-align: justify;">إن جامعة الشرق ستُحرِز مقامًا مرموقًا بين المسلمين بفضلِ ما تتمتع به من موقع مركزيٍّ في العالم الإسلامي، إذ ستبعث وتتجسم فيها الخدمات الدينية الجليلة السامية السابقة، والخصال المعنوية الخالدة، لألوف العلماء والعارفين والشهداء والمحققين من أجدادنا الراقدين في تلك الولايات، فيؤدون وظائفهم الإيمانية في أوسع ميدان.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الدرس الأساس الجدير بأن يكون منهجًا وبرنامجًا لجامعة الشرق فهو رسائل النور التي تفسّر الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، والتي تقيم البراهين العقلية والدلائل المنطقية الإيمانية لإثبات مسائل القرآن العظيم، فقمينٌ بهذه الرسائل أن تكون موضع دراسة في الجامعات والمدارس الحديثة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور ظهرت بوساطة طالبٍ من طلاب أساتذة الشرق ومدارسها الدينية المنتشرة في أرجائه كافة، والتي فجّرت الينابيع المعنوية الباعثة على الحياة.</p>
<p style="text-align: justify;">فنحن نرجو ونتمنى من الرحمة الإلهية بكل أرواحنا وكياننا أن يتسنم أولئك الأساتذة الأفاضل وظائفهم السابقة مجددًا، فيوسعوا من دائرة أعمالهم الفكرية وخدماتهم القرآنية بالثمار اليانعة المنورة الحالية لجهودهم، فتتهيأ الظروف الحياتية الزمانية والمكانية والسلام العام لتحقيق أمانينا هذه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن رسائل النور التي هي ثمرةٌ واحدةٌ ونتيجةٌ عظيمةٌ كليةٌ لنشاط العلم والمعرفة في الشرق، جديرة بأن تلقى اهتمام العاملين للإسلام وهذه الأمة والعالم الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن الإقبال على رسائل النور وطلبها في كل من أمريكا وأوروبا وانتشارها هناك تبين أهمية دعوانا هذه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مصطفى صونغور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦؛ أبو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٤٠٢؛ المناوي، فيض القدير ٢/٨٢.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: المقصود لما بعد ألف وثلاثمائة سنة.﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: وذلك بقانون توحيد التدريسات: العدد رقم ٤٣٠، التاريخ ٣/٣/١٣٤٠ رومي (١٦/٣/١٩٢٤م)، أُلغي بموجبه جميع الدروس الدينية، فأُغلقت جميع المدارس التي تدرس القرآن الكريم والدين.﴾</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انفصل عن حزب الشعب الجمهوري سنة ١٩٤٦، تولّى السلطة في سنة ١٩٥٠ بعد إحرازه الأغلبية العظمى في البرلمان ٤٠٨ نائبًا من بين ٤٥٠ نائبًا، فأصبح جلال بايار رئيسُ الحزب رئيسًا للجمهورية وعدنان مندرس رئيسًا للوزراء. ومن منجزاته: إعادةُ الأذان الشرعي، وإدخالُ دروس الدين في المدارس، وإذاعةُ برامج دينية، مع إعطاء الحرية النسبية في النشر. استمر في الحكم عشر سنوات حتى أزيح عنه بانقلاب عسكري سنة ١٩٦٠ وحوكم عدنان مندرس ورفقاءه بالإعدام.﴾</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: تأسس سنة ١٩٤٨ منفصلًا عن الحزب الديمقراطي، لم يَحُزْ في الانتخابات سوى نائبًا واحدًا. أغلق سنة ١٩٥٤ بحجة استغلاله الدين لأغراض سياسية، ثم تأسس تحت أسماء مختلفة حتى فسخ نفسه سنة ١٩٧٧.﴾</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: لم يتأسس هذا الحزب، وإنما هو الشعور العام لدى الشعب المسلم ولدى أشخاص من أحزاب محافظة، بعد أن أصبح لهم شيء من الحرية في النشاط، علمًا أن بعضًا من الغيارى على الإسلام حاولوا إنشاءه إلا أنهم لم يفلحوا. والنسبة المئوية تَخُصُّ الذين يتولَّون إدارةَ الأمور في الدولة. ولعل المقصود مِن &#8220;تام التدين&#8221; هو عدم تجزئة شمولية الإسلام، لئلا يكون أداة للسياسة.﴾</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: البيهقي، شعب الإيمان ٦/٣٣٤؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤؛ المناوي، فيض القدير ٤/١٢٢.﴾</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿(٭): وهي أن منتسبي الطريقة التيجانية قد قاموا بحملة كسر هياكل مصطفى كمال في شتى أنحاء تركيا (١٩٥٠- ١٩٥٢) وحوكموا من جرائها، وعلى إثرها سُنّ قانون &#8220;صيانة مصطفى كمال وانقلاباته&#8221;، ونُفِيَ زعيمهم محمد كمال بلاو أوغلو بعد انتهاء محكوميته إلى جزيرة &#8220;بوزجا&#8221; للإقامة الإجبارية حتى وفاته سنة ١٩٧٧.﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2751</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الثاني [1/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ab%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a-1-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 Jan 2026 14:39:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2746</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] &#160; [مختصر ملحق أميرداغ الثاني 1/3]   تأليف بديع الزمان سعيد النُّورسي   ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ شهادة (شهادة)‌ إخوتي الأعزاء الأوفياء.. أهنئكم بالعيد السعيد، وأُذكِّركم بما أخبرتكم &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2749" aria-describedby="caption-attachment-2749" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-large wp-image-2749" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg" alt="إن سر الإخلاص يمنعني منعًا باتًّا أن أجعل رسائلَ النور والخدمةَ الإيمانيةَ أداةً لرُتَبٍ دنيويةٍ ولمقاماتٍ أخرويةٍ لشخصي، كما أرفض رفضًا قاطعًا جَعْلَ تلك الخدمة المقدسة وسيلةً لراحتي بالذات وقضاء حياتي الدنيوية مرتاحًا هنيئًا، حيث إن صرْفَ الحسنات الأخروية وثمراتها الخالدة في سبيلِ نَيلِ لذائذَ جزئيةٍ لحياةٍ فانيةٍ ينافي سرَّ الإخلاص." width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/أميرداغ2.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2749" class="wp-caption-text">إن سر الإخلاص يمنعني منعًا باتًّا أن أجعل رسائلَ النور والخدمةَ الإيمانيةَ أداةً لرُتَبٍ دنيويةٍ ولمقاماتٍ أخرويةٍ لشخصي، كما أرفض رفضًا قاطعًا جَعْلَ تلك الخدمة المقدسة وسيلةً لراحتي بالذات وقضاء حياتي الدنيوية مرتاحًا هنيئًا، حيث إن صرْفَ الحسنات الأخروية وثمراتها الخالدة في سبيلِ نَيلِ لذائذَ جزئيةٍ لحياةٍ فانيةٍ ينافي سرَّ الإخلاص.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الثاني 1/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النُّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">شهادة</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(شهادة)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">أهنئكم بالعيد السعيد، وأُذكِّركم بما أخبرتكم سابقًا عن قبولي كلًّا منكم -حسب درجته- سعيدًا، ووارثًا لي، ومحافظًا لرسائل النور بدلًا عني، وذلك بناء على خاطرة معنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">أبيّن لكم الآن أيضًا: لمّا كنتم قد أعطيتم لي أستاذيةً -بما يفوق حدِّي بكثير- في العلوم الإيمانية والخدمة القرآنية، بناءً على حُسْن ظنكم المفرط، فأنا كذلك أمنح كلًّا منكم شهادة -كما كان الأساتذة يمنحون الشهادة العلمية إلى من يستحقها من الطلاب- وأبارككم بكل ثقتي ووجداني وروحي.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد سعيتم في سبيل نشر رسائل النور إلى الآن سعيًا يفوق الحد، مع الالتزام بالوفاء التام والإخلاص الكامل، وستستمرون عليه بأسطع صورة وأبهاها، فتصبحون بإذن اللّٰه ألوفًا من &#8220;سعيدين&#8221; مقتدرين أقوياء جادين في مهمتهم، بدلًا من هذا &#8220;السعيد&#8221; العاجز الضعيف المتقاعد.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>المكاتيب التي كتبت في أميرداغ</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بعد سجن أفيوُن</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">إلى رئيس الشؤون الدينية‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إلى رئيس الشؤون الدينية</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">ليَذهب أحدُكم بدلًا عني إلى رئاسةِ الشؤون الدينية، وليبلِّغ تحياتي واحتراماتي إلى رئيسها السيد أحمد حمدي، وليبلّغه الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم تفضلتم قبل سنتين بطلبِ مجموعةٍ كاملةٍ من كلياتِ رسائل النور، وقد أحضرتُها لكم، ولكن على حين غرّةٍ زجُّونا في السجن، فلم أستطع تصحيحها، لذا لم أبعثها إلى حضرتكم، وأنا الآن منشغلٌ بتصحيحها، ولكن يبدو أنني لا أتمكن من إتمامها بسرعة لتدهور صحتي من جراء التسمم، وسوف نقدّمها لكم حالما تنتهي مهمةُ التصحيح بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن مَن لا يقبل الهدية لا يُهدي، فإن ثَمن هذا التفسير المعنوي القيِّم، سيكون ثمنًا معنويًّا ساميًا، وهو ما تبذلونه من مساعٍ لإطلاق نشر رسائل النور بصفتكم رئيسَ العلماء في هذه البلاد الإسلامية، ونرسل معها أيضًا ثلاثة أجزاءٍ من المصحف الشريف، سبق أن أريناكموه، راجين بَذْلَ الهمة والسعيَ لطبعه.</p>
<p style="text-align: justify;">وأبيّن لشخصكم الفاضل بوضوحٍ أنه لم يَحدُث تَعَدٍّ غادرٌ فاضحٌ في التاريخ تجاه علم الحقيقة والحقائق الإيمانية كما يحدث في قضيتنا نحن، لذا فمن مقتضى ديوانكم العلمي وموقع رئاستكم أداءُ هذه الوظيفة الدينية والعلمية قبل أي شيء آخر؛ وفي أثناء تسممي الأخير فكرت في أجَلي، وتسلّيت بأن &#8220;أحمد حمدي&#8221; سيتبنّى رسائل النور بدلًا عني.</p>
<p style="text-align: justify;">وأبعث لكم أيضًا نسخةً كاملةً من &#8220;دفاعاتي&#8221; في المحكمة، سبق أن أرسلت إلى ديوانكم أجزاء منها، وهي عينُ الحقيقة، أبعثها لكم على أمل إبرازها كمرجع لمن يسعى لإطلاق نشر رسائل النور بإشرافكم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة صونغور من أنقرة إلى الأستاذ</strong><strong>‌</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">تباشير طبع الرسائل</h2>
<p><strong>(تباشير طبع الرسائل)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">حضرةَ الفاضل أستاذي العزيز المشفق المبارك المحبوب..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سَلّمتُ رسالتكم الغراء إلى حضرة السيد أحمد حمدي رئيس ديوان الشؤون الدينية، مع مجموعةٍ من الرسائل، فوضعَها بفرحٍ بالغٍ في مكتبته الخاصة، وقال: &#8220;سأعطي -إن شاء اللّٰه- هذه المجموعة إخوتي الخاصين لقراءتها، وسنحاول -على هذه الصورة- طبعها تدريجيًّا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قال أيضًا -يا سيدي ويا أستاذي المحبوب- إنه سيعمل حسب ما ورد في رسالتكم الكريمة، إلّا أنه لا يمكن نشر هذه المجموعات دفعة واحدة في الوقت الحاضر، إلّا أنني سأجعل إخوتي الخواص يقرؤونها، وننشرها حسب اهتمام الناس بها والطلب عليها، وبإذن اللّٰه سأسعى لنشرها على أفضل ما يكون.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>صونغور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">محاولة ترجمة القرآن الكريم</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(محاولة ترجمة القرآن الكريم)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">تُكتب النكتة الآتية في مقدمة المقام الثاني للمكتوب التاسع والعشرين عقب السؤال والجواب مباشرة:</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب تأليف هذه الرسالة هو نوعٌ من الرد على الخطة الرهيبة بجعلِ قراءةِ ترجمةِ القرآن في الجوامع بدلًا من القرآن نفسه، ولكن دخلتْ في الرسالة تفاصيل وبحوث ليست من صلب الموضوع.</p>
<p style="text-align: justify;">وخطَرَ على القلب أن المقام الأول للمكتوب التاسع والعشرين، هذا المقام المهم الضروري الساطع الخارق يُزيل نقائصَ المقام الثاني وإسرافَه.. فشكرت ربي بسرور كامل ونسيت تلك النقائص.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية‌</h2>
<p style="text-align: right;"><strong>(رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية</strong><strong>‌</strong><strong>)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">حضرة السيد أحمد حمدي المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">سأبين لكم حادثةً روحيةً جرت لي:</p>
<p style="text-align: justify;">قبل مدة مديدة كانت فكرة اتباعِ الرخصة الشرعية -بناء على الضرورة- وتركِ العزيمة لا ينسجم مع فكري، مثلما سلكتموه أنتم وعلماء معكم، فكنت أغضب وأحتدُّ عليكم وعليهم، وأقول: لِمَ يتركون العزيمة متبعين الرخصة؟!</p>
<p style="text-align: justify;">لذا ما كنت أبعث إليكم رسائل النور مباشرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن قبل حوالي أربع سنوات وَرَدَ إلى قلبي أسفٌ شديدٌ مشحونٌ بالانتقاد، وفجأة خطر على القلب ما يأتي: إن هؤلاء الأفاضل أصدقاؤك وزملاؤك في المدرسة الشرعية، وفي مقدمتهم السيد أحمد حمدي، قد هوَّنوا الخطر الداهم -على الإسلام- إلى الرُّبع، وذلك بصرفهم قسمًا من الوظيفة العلمية -حسب المستطاع- من أمام التخريبات الرهيبة العنيفة، حفاظًا على المقدسات، متبعين الدستور الشرعي: &#8220;أهون الشرين&#8221;، وسيكون عملُهم هذا -إن شاء اللّٰه- كفارةً لبعض نقائصهم وتقصيراتهم التي اضطروا إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">فبدأتُ من ذلك الوقت أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظرةَ أُخوّةٍ حقيقية -كالسابق- فأنتم إخوتي في المدرسة الشرعية وزملائي في الدراسة.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنني كنت أترقب وفاتي من وراء تسميمي هذا<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، عزمتُ على تقديم مجموعةٍ كاملةٍ إليكم قبل ثلاث سنوات، آملًا أن تكونوا الصاحبَ الحقيقيَّ لرسائل النور وحاميَها بدلًا عني، غير أن المجموعة ليست مصححة ولا كاملة، إلّا أنني قمتُ بشيءٍ من التصحيح لمجموعةٍ كاملةٍ أكثرُ أجزائها استنسخها -قبل خمس عشرة سنة- ثلاثةُ طلاب لرسائل النور لهم شأنهم.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ثمن رسائل النور المعنوي]</h3>
<p style="text-align: justify;">فما كنتُ أعطي هذه المجموعة النفيسة غيرَك، حيث إن كتابتها من قِبَل هؤلاء الثلاثة الأعزاء جعلتْ قيمتَها تعادل عشر مجموعاتٍ كاملة، ومقابل هذا فإن <strong>ثمنها المعنوي</strong> ثلاثة أمور:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: استنساخ ثلاثين نسخة تقريبًا من كل منها بالرونيو بالحروف القديمة إن أمكن، وإلّا فبالحروف الجديدة، وتوزيعها على شُعَب رئاسة الشؤون الدينية في البلاد، بشرط أن يكون أحد إخواننا الخواص مُعينًا على إجراء التصحيح وقائمًا بأمره، لأن نشر أمثال هذه المؤلفات من مهمة رئاسة الشؤون الدينية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: لما كانت رسائلُ النور بضاعةَ المدرسة الشرعية ومِلْكَها، وأنتم أساس المدرسة الشرعية ورؤساؤها وطلابها، فالرسائل إذن مِلْككم الحقيقي، فانشروا ما ترتأون منها وأجّلوا الأخرى.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالث</strong>: ليُطبَع المصحفُ الشريفُ الذي يبين التوافقات في لفظ الجلالة، بالصورة الفوطوغرافية، لتشاهَد لمعةُ الإعجاز في التوافقات؛ ويرجى عدم طبع التعاريف التركية حول التوافقات الموجودة في البداية مع المصحف الشريف، بل الأفضل طبعُها في كراسٍ مستقلٍّ باللغة التركية، أو تترجَم ترجمةً أمينةً إلى العربية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">سرّ الإخلاص والحذر في هذا العمر</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(سرُّ الإخلاص والحذرُ في هذا العمر)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطِر على قلبي أن أبيِّن لكم بعض المسائل التي تخصّني بالذات:</p>
<h3 style="text-align: center;">[سر الإخلاص]</h3>
<p style="text-align: justify;">إن سر الإخلاص يمنعني منعًا باتًّا أن أجعل رسائلَ النور والخدمةَ الإيمانيةَ أداةً لرُتَبٍ دنيويةٍ ولمقاماتٍ أخرويةٍ لشخصي، كما أرفض رفضًا قاطعًا جَعْلَ تلك الخدمة المقدسة وسيلةً لراحتي بالذات وقضاء حياتي الدنيوية مرتاحًا هنيئًا، حيث إن صرْفَ الحسنات الأخروية وثمراتها الخالدة في سبيلِ نَيلِ لذائذَ جزئيةٍ لحياةٍ فانيةٍ ينافي سرَّ الإخلاص.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا أبلّغكم جازمًا أن خدامًا روحانيين من الجن -ممن يرغب فيهم المعتكفون المنزوون من تاركي الدنيا- لو حضروا أوانَ جرحي وأَتَوني بأفضل دواءٍ لي، فإنني أجد نفسي مضطرًّا إلى عدم قبولهم، تحقيقًا للإخلاص الحقيقي؛ بل لو تَمثّل قسمٌ من الأولياء -ممن هم في البرزخ- وأعطَوني أفضل الحلويات، فلا أَقبلها منهم مع تقبيلي أيديهم، وذلك لئلا آكل ثمراتٍ أُخرويةً باقيةً في دنيا فانية، وقد أبدتْ نفسي أيضًا رضاها -كقلبي- في عدم قبولها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكني أَقبل الإكرامات الرحمانية القادمة من حيث العناية الإلهية -كالبركة- من دون أن نقصدها وننويها، أقبلها بروحي -بشرطِ عدمِ تدخلِ النفس الأمارة- ذلك لأنها علامةُ قبول الخدمة والرضى عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال يكفى هذا القدر لهذه المسألة.</p>
<h3 style="text-align: center;">[سر الاندفاع في سن الشباب والحذر في سن الشيخوخة]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: في أثناء الحرب العالمية الأولى<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> كنت مع الشهيد المرحوم الملا حبيب، نندفع بالهجوم على الروس في جبهة &#8220;پاسينلر&#8221;، فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائف علينا في كل دقيقة أو دقيقتين، فمرّتْ ثلاث قذائف مِن على رؤوسنا تمامًا وعلى ارتفاع مترين، وتَراجَع جنودُنا القابعون في الخندق، قلتُ للملا حبيب للتجربة والامتحان: ما تقول يا ملا حبيب.. لن أختبئ من قنابل هؤلاء الكفار؟</p>
<p style="text-align: justify;">فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك.</p>
<p style="text-align: justify;">فوقعتْ الثانية على مقربة منا، فقلت للملا حبيب واثقًا من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! إن قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا الأمر في معركة &#8220;بتليس&#8221; وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاثُ طلقاتٍ للروس موضعًا مميتًا مني، وثقبتْ إحداها سروالي ومرت من بين رجلَيّ، كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالةً روحيةً تترفع عن النزول إلى الخندق، حتى قال القائد &#8220;كَل علي&#8221; والوالي &#8220;ممدوح&#8221; من الخلف: لينسحب، أو ليدخل الخندق فورًا!</p>
<p style="text-align: justify;">ورغم قولهم هذا، وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة، فلم أحاول الحفاظ على حياتي البهيجة أيام شبابي تلك، ولكن الآن رغم الثمانين التي بُلّغتُها أتّخذ منتهى الحذر والحيطة لحفظ حياتي، حتى أتجنّب المخاطر بحساسية شديدة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي يراقب هاتين الحالتين يجد التضاد العجيب، إذ من يضحي بأيام شبابه دون إحجام، ويحاول الحفاظ بحساسيةٍ شديدةٍ على بضع سنين من حياة الشيخوخة الفاقدة للذوق، لا شك أن الأمر نابع من حكمة، وفيه مقصدان ساميان اثنان أو ثلاث:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المقصد الأول</strong>: إن حياتي، حياة الشيخوخة والضعف، تكون سببًا لنجاة طلاب رسائل النور -إلى حدٍّ ما- من الدسائس التي يحيكها الظالمون المتسترون غير الرسميين وقسم من الرسميين، ومن هجماتهم التي يشنونها على شخصي بالذات، حيث يظنون أن لي شأنًا -جهلًا منهم- فينشغلون بي بدلًا عن طلاب رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المقصد الثاني:</strong> على الرغم من أن كلًّا من إخوتي الخواص هم أصحاب رسائل النور وبمثابة &#8220;سعيد&#8221; كامل، فإنني أشعر بضرورة حفظ حياتي المريضة الضعيفة الهرمة، لترسيخ التساند والترابط الذي هو أعظم قوتنا بعد الإخلاص، ولئلا يصيبه شيءٌ من التصدع -كما حدث في السجن- من جراء اختلاف المشارب، ولربما تلحق أضرار جسيمة بخدمة النور، ولأجل أن تظهر مجموعات &#8220;الكلمات&#8221; و&#8221;اللمعات&#8221;، وليُدفع بلاء الترويع من رسائل النور لدى العلماء النابعُ من الخوف والمنافسة.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن أعدائي -طوال الامتحانات المديدة في المحاكم- عجَزوا عن رؤية تقصيراتي الخفية، فلم يستطيعوا من التهوين من شأني بحفظ اللّٰه وعنايته، فلا يستطيعون أيضًا التغلب على رسائل النور، فأحاول الحفاظ على حياتي التي لا أهمية لها لقلقي على أن أعداءنا ربما يستطيعون الإضرار برسائل النور بالتهوين من شأن قسم من وارثِيّ السعيدين الشباب، باختلاق الافتراءات عليهم في الحياة الاجتماعية، لأمور لا تُعرَف ماهيتها، حتى رأيت ضرورة حمل مسدس آخر علاوة على ما عندي، وستبقى المؤامرات التي يحيكها الأعداء بائرة بإذن اللّٰه ثم بفضل دعوات إخواني كما حصل في إبطال مفعول السم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">تباشير تيار جديد</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(تباشير تيار جديد) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: رغم أنني لم أكترث بالحوادث السياسية الجارية منذ ثلاثين سنة ولم أتعقبها، فإن مصادرتَهم لمصحفنا الشريف الذي يُظهر التوافقات في لفظ الجلالة وعدمَ إعادته إلينا، والتعذيبَ الدنيء الذي قاسيناه بيد محكمة أفيوُن ومنعَها لكتبنا.. كلُّ ذلك أثَّر فيَّ أثرًا بليغًا، فنظرتُ مرتين أو ثلاثًا إلى دنيا السياسة خلال ما يقرب من خمسة عشر يومًا، ورأيت عجبًا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن تيار الزندقة الذي يَحكم بالاستبداد المطلق والرِّشوة العامة قد سعى لتعذيبنا وإفنائنا في سبيل إرضاء الماسونية والشيوعية، كما ذكرتُه في دفاعاتي، ولكني رأيتُ تباشير ظهور تيارٍ آخر سيَكسر قوة التيار الأول.. ولم أَنظر أكثر من هذا، إذ لا رخصة لي من حيث مسلكي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم المريض</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">برقية إلى رئيس الجمهورية</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(برقية إلى رئيس الجمهورية جلال بايار)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">رئيسَ الجمهورية..</p>
<p style="text-align: justify;">نهنئكم وندعو اللّٰه تعالى أن يوفقكم لخدمة الإسلام والوطن والأمة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>عن طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: justify;">إلى السيد رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الوزراء – أنقرة..</p>
<p style="text-align: justify;">نحن طلابَ النور أصبحنا هدفًا لما لا مثيل له من ضروب التعذيب والإهانة طَوالَ عشرين سنة، فصَبَرنا تجاه ذلك حتى أتى المولى الكريم بكم لمعاونتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ونقدِّم محكمة التمييز ومحكمة دنيزلي شاهدَين على عدم وجود أي سبب كان لتلك الإهانات منذ خمس وعشرين سنة، حيث لم تتمكن ثلاث محاكم من وجدان السبب، لا حقيقةً ولا قانونًا، بعد تدقيقاتهم في مائة وثلاثين كتابًا وألوف المكاتيب.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أنني تركت السياسة منذ ثلاثين سنة، فإنني أقدم تهانيَّ إلى رئيس الجمهورية وإلى مجلس الوزراء الذين تولَّوا رئاسة الأحرار، وأقرن التهنئة بالإفصاح عن &#8220;حقيقة&#8221; وهي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين يُغِيرون علينا ويعذبوننا في المحاكم قالوا: &#8220;ربما يَستغل طلابُ النور الدينَ في سبيل أغراض سياسية&#8221;!</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن قلنا ونقول لأولئك الظالمين في دفاعاتنا، ونُسند قولنا بأُلوف الحجج:</p>
<p style="text-align: justify;">إننا لا نجعل الدين أداة للسياسة، فليس لنا غايةٌ إلّا رضاه تعالى، ولن نجعل الدين أداة لا للسياسة ولا للسلطة ولا للدنيا برمتها، هذا هو مسلكنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد تحقق لدى أعدائنا، أنهم -على الرغم من تدقيقاتهم المغرضة طَوال ثلاث سنواتٍ في ثلاثة أكياسٍ مليئة بالكتب والمكاتيب- لا يستطيعون إدانتنا، بل لا يجدون مبررًا للأحكام الاعتباطية التي حكموا علينا بها.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنهم لم يجدوا أي شيء علينا، فسختْ محكمةُ التمييز ذلك الحكم، فنحن لا نجعل الدين أداةً للسياسة، بل نتخذ السياسة آلةً للدين، وفي مصالحةٍ ووئامٍ معه عندما نجد أنفسنا مضطرين اضطرارًا قاطعًا إلى أن ننظر إلى السياسة تجاه الذين يجعلون السياسة المستبدة أداةً للإلحاد، إضرارًا للبلاد والعباد، فعمَلُنا يحقِّق رابطةً أخوية لثلاثمائة وخمسين مليونًا مع إخوانهم في هذه البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: أننا سعينا لأجل إسعاد هذه الأمة والبلاد بجعل السياسة أداةً للدين وفي وئامٍ معه تجاه أولئك الذين جعلوا السياسة المستبدة آلة للإلحاد وعذّبونا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">بشارة إعادة الأذان الشرعي</h2>
<p><strong>(بشارةُ إعادة الأذان الشرعي)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نهنئكم ملءَ كياننا وأرواحنا بحلول شهر رمضان المبارك الذي يحقق ثمانين ونيفًا من عمر باقٍ مليء بالعبادة، ونتضرع إليه تعالى أن يجعل كلَّ ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم مثمرةً وبمثابة ليلة القدر.</p>
<p style="text-align: justify;">ونسأله تعالى برحمته الواسعة ونرجوه أن يجعلكم تَحْظَون بالأخوة الحَقَّة والإخلاص الكامل، حتى يشارك كلُّ طالبِ نورٍ خاص -بسرِّ تشريك المساعي- بالمكاسب المعنوية لجميع الطلاب، وكأنه يؤدي العبادة ويدعو ربَّه ويستغفره ويسبِّحه بألوف الألسنة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: مع غلبة رسائل النور وظهورها ظهورًا معنويًّا كاملًا يحاول ملحدو الماسونيين وزنادقةُ الشيوعيين أن يَسْتَهْوِلوا صغائرَ الأمور، فيَحُوْلوا دون حرية نشر رسائل النور، حتى إنهم سبَّبوا تأجيلَ محكمتنا -هذه المرة أيضًا- لخمسةٍ وثلاثين يومًا، وأحدثوا ضجة ومشادة مع محامينا، ليمنعوا إعادة مصحفنا الشريف، إلّا أن العناية الإلهية جعلتْ جميع خططهم عقيمة بائرة، حيث إن رسائل النور في إسطنبول وأنقرة تستقرئ نفسَها للشباب بشوق كامل وترشدهم إلى الصواب، حتى أدّت الغلبةُ المعنويةُ هذه إلى إرسال البرقيات من قبل مئات الشباب المثقفين تعبيرًا عن تهانيهم وشكرانهم إلى رئيس الوزراء الذي سعى لإعادة الأذان المحمدي &#8220;على الوجه الشرعي&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">إسبارطة مباركة بالنسبة لي</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إسبارطة مباركة بالنسبة لي)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نبارك لكم بمناسبة ارتفاع الأذان المحمدي بكل بهجةٍ وسرورٍ وانشراحٍ من فوق عشرات الألوف من المنائر في البلاد؛ فكما أن هذه بشرى لظهور الشعائر الإسلامية وسطوعها مجددًا في البلاد، فهو مقدمةٌ لأعيادٍ جليلة لكم ولهذه البلاد وللعالم الإسلامي إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن هنا نقول: آمين.. آمين.. آمين.. اللّٰهم آمين.. لعباداتكم ودعواتكم المرفوعة في هذا الشهر المبارك، شهرِ رمضان الذي يُكسِب المرءَ ثمانين ونَيِّفًا من رأسمالِ عمرٍ معمورٍ بالعبادة، ونتضرع إلى رحمته تعالى أن تُكسِب كلَّ ليلة من لياليه المباركة ثوابَ ليلة القدر.</p>
<p style="text-align: justify;">وأرجو منكم مدَّ يد العون المعنوي لي، حيث لا أستطيع مواصلة السعي في العبادة والدعاء في هذا الشهر لشدة المرض ولشدة الضعف الذي انتابني.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن أُمنيتي الكبيرة هي أن أقضي نهاية حياتي في إسبارطة وحواليها، فقد قلت كما قال بطل النور:</p>
<p style="text-align: justify;">إن إسبارطة مباركة بالنسبة لي بقَضِّها وقَضيضها، بترابها وحجرها، حتى إنني متى ما اعتراني الغضب والحِدِّة على الإهانة والتعذيب الذي أُلاقيه من الحكومات السابقة منذ خمسٍ وعشرين سنة، ما كنت أغضب على حكومة إسبارطة والمسؤولين فيها، بل كنت أنسى بقية المسؤولين لأجل تلك البقعة الطيبة، فما كنت أدعو عليهم، ولا سيما الوطنيين الحقيقيين الذين بدأوا بتعمير ما هُدم، أولئك الأحرار الذين يتسمَّون بالديمقراطيين، فأنا شاكرٌ أولئك الناشدين للحرية ويقدِّرون النورَ وطلابَ النور حقَّ قدرهم، وأدعو ربي كثيرًا لتوفيقهم، وسيرفع أولئك الأحرارُ الاستبدادَ المطلق بإذن اللّٰه، ويصبحون وسيلةً للحرية الشرعية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن مكوثي هنا لعدة أيام بعد العيد ضروري، بناءً على سبب، أما بعد شهر أو شهرين فهذا موكول إلى قرارِ أركانِ مدرسة الزهراء وموافقة السعيدِين الشباب من جامعة إسطنبول وأنقرة، فأيَّ موضعٍ يرتأونه مناسبًا لي للبقاء فسأرضى به؛ إذ لما كنتم وارثيَّ الحقيقيين وتؤدون مهمتي في هذه الدنيا أفضل مما أؤديها بألف مرة، فسأدَع موضع منزلي الأخير في هذه الحياة الفانية حسب رأيكم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: أُخوّلكم في الجواب عن التهاني والرسائل القادمة ممن يعبِّرون عن علاقتهم الشديدة بالنور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">تأليف الطلاب سيرة أستاذهم</h2>
<p><strong>(تأليف الطلاب سيرةَ أستاذهم)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نتضرع إلى المولى القدير وأسأله تعالى برحمته أن يقبل إحياءَ كلٍّ منكم مع جميع طلاب النور لليلة القدر التي تُكسِب ثمانين ونيفًا من سني العبادة، والتي توافق النصفَ الأخيرَ من شهر رمضان ولا سيما في العشر الأواخر منه، ولا سيما في الليالي المفردة، ولا سيما في السابع والعشرين منه، وأرجو أن تجعلوا أخاكم هذا الضعيف المقصِّر المريض ضمن دعواتكم المقرونة بألوف &#8220;آمين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن طلاب النور في الجامعة يمثِّلون &#8220;سعيدين&#8221; شباب، فهم يؤدون مهمة مدرسة الزهراء حق الأداء، سواءٌ في إسطنبول أو في أنقرة، ولا يَدَعون حاجةً إلى هذا السعيد الضعيف.</p>
<p style="text-align: justify;">نرسل طيَّ هذه الرسالة البيانَ الذي وجهه الطلابُ الجامعيون إلى النواب، والذي يمثل نموذجًا لكفاية رسائل النور، ونرفقه بـ&#8221;تاريخ حياة&#8221; الذي يُعَدُّ من تأليفهم أيضًا والمستنسَخ باليد، لإعطائه إلى سبعين من النواب في البرلمان، فإذا ارتأيتم اجعلوا ذلك البيان ودفاعَ مصطفى صونغور الذي قدّمه إلى وزارة المعارف (التربية)، وعريضةَ مصطفى عثمان المقدّمة إلى وزارة العدل، ذيلًا لكتاب &#8220;تاريخ حياة&#8221; المستنسخ باليد أو بالرونيو في إينوبولو.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن أركان مدرسة الزهراء هم وكلاء حقيقيون لشخصي، فليكتبوا جواب الرسائل الواردة إلى شخصي بالذات.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">الإخوان المسلمون وطلاب النور</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(الإخوان المسلمون وطلاب النور)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: بارك اللّٰه فيكم ألفَ ألفِ مرةٍ على إنجازكم مجموعة &#8220;الكلمات&#8221; على أفضل وجه وأصحِّه، وحمدًا كثيرًا للّٰه على إنقاذكم قسمًا من المجموعات من المصادَرة والتلف.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: بالنسبة للتهنئة التي كتبها إليّ من حلب أحدُ أعضاء الإخوان المسلمين، فإننا نهنئه بالمقابل، ونهنئ الإخوان المسلمين من صميم قلوبنا وأرواحنا، ونقول لهم:</p>
<p style="text-align: justify;">بارك اللّٰه فيكم ألف مرة.. إن طلاب النور -الذين هم بمثابةِ خَلَفِ الاتحاد المحمدي السابق- يمثِّلون الاتحاد الإسلامي في الأناضول، أما في البلاد العربية فالإخوان المسلمون هم الذين يمثِّلون الاتحاد الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن طلاب النور والإخوان المسلمين -من بين صنوفٍ عديدة- يشكّلان صَفَّين مترافقين ومتوافقين ضمن حزب القرآن، وضمن دائرة الاتحاد الإسلامي المقدسة، وقد سعِدنا باهتمامهم الجدِّي برسائل النور وبعزمهم على ترجمة بعضها إلى اللغة العربية، ونحن نحمل لهم شعور العرفان بالجميل، لذا فأرسِلوا جوابًا لمن أرسل إليّ بطاقة التهنئة باسم جمعية الإخوان المسلمين، وأرجو منهم أن يقوموا برعاية طلاب النور ورسائل النور هناك.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">سعيدون شباب</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(سعيدون شباب)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي عثمان نوري..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد جمع اللّٰه سبحانه حولك سعيدِين شباب، لهم شأنُهم بفضل ما تحملها من نية سامية وإخلاص تام.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنكم ترون وجودي في أنقرة ضروريًّا، فأنا بدوري أُرسِل إليكم نُسَخي الخاصة من رسائل النور، والتي تداركتُها بنفقتي الخاصة، أُرسلُها إلى تلك المدرسة النورية الصغيرة بدلًا عني، فتكون لك أصحاب وجيران بعدد تلك النسخ.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت نفسه أُودِع لديك سعيدِين شبابًا وهم: صونغور، جيلان، صالح، عبد اللّٰه، أحمد، ضياء.. هؤلاء أثبتوا -إلى الآن- بخدماتهم أنهم مضحون أوفياء يفوق وفاءَ الأبناء لآبائهم، فكلٌّ منهم بمثابة عشرة &#8220;عبد الرحمن&#8221;، أُودعهم لديك ليكونوا طلابًا، ووكلاء عني، يؤدون مهمة النظارة -بدلًا عني- في تلك المدرسة الصغيرة، وجعلِها مدرسة نورية صغيرة، والأمر أدَعه إلى رأيكم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">انتقادات أهل الإيمان</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(انتقادات أهل الإيمان)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين..</p>
<p style="text-align: justify;">&#8230;&#8230;..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إنه لا أهمية قطعًا لانتقاداتٍ خفيفةٍ يوجهها إلينا بعضُ المتصوفة -كما ورد في رسالة أخينا من قونيا- وعليهم ألّا يتألموا منها، ولا يقابلوهم بالمثل بأيِّ وجهٍ من الوجوه، لأني أَعُدُّ تلك الانتقادات نوعًا من النصيحة وضربًا من الالتفاتة والتكريم، حيث إنها واردةٌ من أهل الإيمان، ولا سيما من أهل الطرق الصوفية، ولا سيما ما كانت تمسّ شخصي بالذات، فأنا أسامحهم وأعفو عنهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فتجاه الأضرار الرهيبة التي يُنزلها بنا أهلُ الإلحاد حاليًّا، أَعُدّ تلك الانتقادات الطفيفة من إخواننا أهل الإيمان والتي تمسّ شخصي، توصيةَ صديقٍ شبيه بالتذكير والتنبيه لأخذ الحذر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">من خدمات طلاب النور</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(من خدمات طلاب النور)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن الخدمات الإيمانية التي قدمها طلابُ النور، أركانُ مدرسة الزهراء -ولا سيما خُسرو- لهذه الأمة والوطن والعالم الإسلامي، ووَضْعَهم الحدَّ أمام مكايد الملحدين المخرّبين، هي حسناتٌ عظيمةٌ تُذهِب ألوف سيئاتهم -لو كانت لهم سيئاتٌ بفرض محال-، لذا يجب عدم انتقاد أعمال أولئك الأركان وحركاتهم -وفي مقدمتهم خسرو- بل يَلزم إسنادهم بإخلاص تام وتوثيقُ رابطة الأخوة معهم بوفاء خالص.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">حول رسالة &#8220;اللوامع&#8221;</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حول رسالة &#8220;اللوامع&#8221;)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء.. ويا أركان مدرسة الزهراء.. وناشري رسائل النور..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد رأينا مسألةً ما مناسِبةً وملائمة، وخطر على القلب إحالتُها إلى أركان مدرسة الزهراء ليُبدوا رأيَهم فيها، فهم أهل الرأي والصلاحية؛ وهي كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">بناءً على لهفةِ ثلاثةِ إخوةٍ يعاونونني في شؤوني إلى تلقي درسٍ مؤقتٍ مني بضعة أيام، وشوقًا إلى إحياء خاطرةٍ قيِّمةٍ درَّستُها طلابي في الماضي، فقد كنت أُدرِّس يوميًّا صحيفةً واحدةً من رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">اللوامع</a></strong>&#8221; المطبوعة، فتلقيناها معًا بإعجاب وتقدير؛ إذ ورد إلى فكرنا أن سببَ نفادِ هذه الرسالة المطبوعة وأمثالها، هو قيمتُها الرفيعة التي قدَّرها الأعداءُ فحالوا دون انتشارها، والأصدقاءُ الذين لا يريدون أن تفلت منهم فرصةُ اقتنائها.</p>
<p style="text-align: justify;">وشاهَدْنا أن هذه الرسالة (<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">اللوامع</a></strong>) هي بمثابة بذورٍ ونَوًى لقسمٍ مهمٍّ من رسائل النور، حيث تَضُمُّ حِكمًا بليغةً موجزة، تَحمل في طيِّها حقائقَ اجتماعية عظيمة، وردت بأسلوب سهل ممتنع لا يمكن تقليده، وبشكل منظومٍ كالمنثور، لم يوفَّق إليه أديب ولا مفكر، فيقرؤها القاري بسهولة ويُسرٍ منثورًا من دون أن يورد إلى خاطره النظم.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أُلّفتْ في عشرين يومًا من أيام شهر رمضان المبارك، بالعمل ساعة أو ساعتين يوميًّا، وذلك قبل سبع وثلاثين عامًا، وهي من ناحية الأدب شبيهة بالمثنوي الرومي، وقد أَخبرَتْ عن أمور ستتحقق مضامينُها بعد ثلاثين سنة، فوضعنا إشاراتٍ في ثلاثين موضعًا من هذا القبيل، مما يدل على أن هذه &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">اللوامع</a></strong>&#8221; مبشِّرةٌ برسائل النور، وفِهرستُها ومزرعتُها وأنموذجُها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">بشرى [للعجائز].. وتنبيه‌ [للآنسات]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(بشرى.. وتنبيه</strong><strong>‌</strong><strong>)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">رسالة خاصة بأركان مدرسة الزهراء الحاليين‌</p>
<p style="text-align: justify;">بشرى مهمة إلى العجائز..‌ وتنبيه للآنسات اللائي يفضّلن البقاء عازبات.‌</p>
<p style="text-align: justify;">إن مفهوم الحديث: (عليكم بدين العجائز)<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> يَحث على الاقتداء بدينِهن، بمعنى أن الإيمان الراسخ في آخر الزمان يكون لدى العجائز.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان أحدُ الأسس الأربعة لرسائل النور: &#8220;الشفقة&#8221;.. وأن النساء هن رائدات الشفقة والحنان، حتى إن أشدَّهن تخوفًا تضحّي بروحها إنقاذًا لطفلها، وأن الوالدات والأخوات المحترمات يواجهن في هذا الوقت أحداثًا جسامًا.. فقد أُلهم قلبي أنه يَلزم بيانُ حقيقةٍ فطريةٍ تخصّ الآنسات من طالبات النور، بالرغم من أنها لا يجوز البوح بها أو نشرها، إذ هي خاصة جدًّا باللائي يرغبن البقاء في حياة العزوبة أو اضطُررن إليها؛ فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">يا بناتي ويا أخواتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن زماننا هذا لا يشبه الأزمنة الغابرة، فلقد ترسَّخت التربيةُ الحديثة &#8220;الأوروبية&#8221; في المجتمع عوضًا عن التربية الإسلامية، طوال نصف قرن من الزمان.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ بينما الذي يتزوج ليحصّن نفسه من الآثام، وليجعل زوجته صاحبتَه الأبدية ومدارَ سعادته الدنيوية، بدافعٍ من تربية الإسلام، تراه يجعل تلك الضعيفة المنكوبة، بتأثير التربية الأوربية، تحت سَطوته وتحكُّمه الدائم، ويحصر حبَّه لها في عهد شبابها وحده، وربما يزجّها في عنَتٍ ومشقات تَفوق كثيرًا ما هيأ لها من راحة جزئية، فتَمضي الحياة في عذاب وآلام، ولا سيما إن لم يكن الزوج كفؤًا -بالاصطلاح الشرعي- حيث الحقوق الشرعية لا تُراعى، وإذا ما تداخلت المنافسةُ والغَيرة والتقليد فالبلاء يتضاعف.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فالذي يدفع إلى هذا الزواج أسباب ثلاثة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الأول</strong>: لقد وَضعت الحكمةُ الإلهية ميلًا وشوقًا في الإنسان لإدامة النسل، ووضعت أجرةً لأداء تلك الوظيفة الفطرية، وهي اللذة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالرجل ربما يتحمل مشاقَّ ساعةٍ لأجل تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق -إن كانت مشروعة- بينما المرأة، تَحمل في بطنها الطفلَ حوالي عشرة أشهر، مقابل تلك المتعة التي تدوم عشر دقائق، فضلًا عما تتحمل من مشقاتٍ طَوال عشر سنوات من أجل طفلها؛ بمعنى أن تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق تزيل أهميةَ ذلك الميل الفطري، حيث تَسوق إلى هذه المصاعب الكثيرة والمتاعب المستمرة.</p>
<p style="text-align: justify;">فيجب إذن ألّا تدفع المرأةَ إلى الزواج أحاسيسُها ودوافعُها النفسية وميلُها الفطري.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الثاني</strong>: إن المرأة محتاجةٌ فطرةً إلى من يُعِينها في أمور العيش، لضعف في خِلقتها، فمن الأَولى لها أن تسعى لكسب نفقتها بنفسها -كما هي الحال لدى نساء القرى- وذلك أفضل لها بعشرات المرات من أن تدفعها تلك الحاجة إلى الرضوخ لسيطرة زوج نشأ على تربية غير إسلامية -كما في أيامنا الحاضرة- واعتاد على الإكراه والفساد، وربما تحاول الزوجة كسبَ رضاه بالتصنع، وبالإخلال بعبادتها وأخلاقها التي هي مدار حياتها الدنيوية والأخروية، كلُّ ذلك لأجل تلك المعيشة البسيطة الزهيدة.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن الخالق الرحيم والرزاق الكريم يرسل لهن رزقهن مثلما يرسل رزق الصغار من الأثداء، فليس من شأن طالبة النور إذن البحثُ عن زوجٍ تاركٍ للصلاة، فاقدٍ للأخلاق، والرضوخُ له من التصنع لأجل ذلك الرزق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثالث</strong>: إن في فطرة المرأة حبَّ الأولاد وملاطفتهم، والذي يقوِّي هذا الميلَ الفطري ويسوق إلى الزواج هو خدمةُ الولد لها في الدنيا، وشفاعتُه لها يوم القيامة، وإرسالُه الحسنات إليها بعد وفاتها.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن التربية الأوروبية التي حلت محل التربية الإسلامية في الوقت الحاضر، تجعل واحدًا أو اثنين من كل عشرةِ أبناءٍ ابنًا بارًّا بوالدته، ويسجِّل حسناتٍ في صحيفة أعمالها بأدعيته الطيبة وأعمال البرّ، ويشفع لها -إن كان صالحًا- يوم القيامة، فيكافئ -حقًّا- شفقةَ والدته، بينما الثمانية الباقية من العشرة يُهملون هذه الحالة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن هذا الميل الفطري والشوق النفساني في حب الأولاد ومداعبتهم لا ينبغي أن يدفع المرأة في الوقت الحاضر إلى تحمل مصاعب هذه الحياة الشاقة، إن لم تكن مضطرة إليها اضطرارًا قاطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه الحقيقة التي أشرنا إليها، أُخاطب بناتي من طالبات النور اللائي يرغبن في حياة العزوبة، ويُفضِّلن البقاء باكرات، فأقول:</p>
<p style="text-align: justify;">يجب ألّا يبِعن أنفسهَن رخيصاتٍ سافراتٍ كاشفات، عندما لا يجدن الزوج المؤمن الصالح ذا الأخلاق الحسنة الملائم لهن تمامًا، بل عليهن البقاء في حياة العزوبة إن لم يَجِدن ذلك الزوج الكفء، كما هو حال بعض طلاب النور الأبطال، حتى يتقدم لطلبها من يلائمها ممن تربى بتربية الإسلام، وله وجدانٌ حيّ، ليكون رفيقَ حياةٍ أبديةٍ يليق بها، وذلك لئلا تُفسد سعادتها الأخروية لأجل لذة دنيوية طارئة فتغرق في سيئات المدنية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">نشر الأنوار</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(نشر الأنوار)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نبارك يومَ المولد النبوي الشريف بقلوبنا وأرواحنا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: سيبارِك العالَمُ الإسلامي نجاحكم الباهر في نشر الأنوار، رسائل النور، وها قد بدأت تباشيره، أذكر أنموذجًا منه:</p>
<p style="text-align: justify;">أتاني وزير المعارف الباكستاني، لأخذ قسم من رسائل النور، وقال: سأسعى لنشر هذه الرسائل النورية بين تسعين مليونًا من المسلمين.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من الدعايات المغرضة التي يُشِيعها المنافقون حولنا، فإن الأنوار تنتشر في أماكن بعيدة كأوروبا وآسيا، بل أُعلنَ في ألمانيا عن مجموعةِ &#8220;ذو الفقار&#8221; بعد ظهورها مباشرة، وفي داخل البلاد تُقرأ مجموعة &#8220;عصا موسى&#8221; و&#8221;ذوالفقار&#8221; بشوقٍ كامل، دون مبالاة بالحظر الذي فُرض على الرسائل من قبل رئيس الوزراء ووزير الداخلية، والقراء كثيرون جدًّا في أنقرة، ولقد قَرر مدراء السجون في عدة ولايات: سنجعل السجون مدارس نورية، لإصلاح المساجين كما صَلَحوا في سجن &#8220;دنيزلي&#8221; و&#8221;أفيوُن&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن أخانا &#8220;برهان&#8221; عليه رحمة اللّٰه، هو من أبطال رسائل النور الأميين، فأعزِّي أقاربه وإسبارطة وطلاب مدرسة الزهراء بوفاته، وقد سمعتُ الخبر قبل ستة أيام تقريبًا، ودعوت له في هذه الأيام ألف مرة، حيث كنت أذكره في دعواتي وفي وردي: أجرنا من النار.. ما يقرب من أربعمائة مرة، وأهدي ثوابه كلَّه إلى &#8220;برهان&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: لقد باشرتْ رسائلُ النور بفضل اللّٰه بإنارة المدارس الحديثة، إذ جَلبتْ طلابَها إلى صفوف طلاب رسائل النور وجعلَتهم ناشرين ومالكين لها أكثرَ من طلاب المدارس الشرعية الذين سيكونون بإذن اللّٰه طلابًا لرسائل النور أيضًا وبالتدريج، حيث إن رسائلَ النور بضاعتُهم الحقيقية وحصيلة مدارسهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد بدأتْ تباشير الرغبة والشوق إلى الرسائل لدى كثير من المفتين والعلماء، فيلزم لأهل التكايا أيضًا -وهم أهل الطرق الصوفية- أن ينوروا تلك الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، فالبدَع تحُول دون ذلك، مفكرًا في حقائق الإيمان وحدها، ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكلِّ صاحب طريقة -بل الألزم له- أن يَدخل دائرةَ رسائل النور التي هي أوسعُ الطرق وتضم خلاصةَ الطرق الاثنتي عشرة المهمةِ ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة، حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لا يلج في الإلحاد بسهولة ولا يُقهر قلبه، ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدًا، فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقًّا، بشرط ألّا يَدخلوا -حسب المستطاع- في البدع ولا يرتكبوا الآثام التي تَحُول دون التقوى وتَجرحها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خامسًا</strong>: إن أخطر شيء في هذا الزمان هو الإلحاد والزندقة والفوضى والإرهاب، وليس تُجاه هذه المخاطر إلّا الاعتصام بحقائق القرآن. وبخلاف ذلك لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تُجَابَه هذه المصيبةُ البشريةُ التي دفعت الصينَ إلى أحضان الشيوعية في زمن قصير، ولا يمكن إسكاتها بالقوى السياسية والمادية، فليس إلّا الحقائقُ القرآنية التي تستطيع أن تدفع تلك المصيبة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">وظيفتنا العمل.. والتوفيق من اللّٰه</h2>
<p><strong>(وظيفتنا العمل.. والتوفيق من اللّٰه)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء.. يا شباب النور الأبطال..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نبارك خدماتكم الجليلة الخارقة في مكانٍ مثل أنقرة ملءَ أرواحنا وكياننا.. حقًّا لقد أصبحتم وسيلةً لصحوةٍ مهمةٍ لدى الكثيرين ولا سيما في أهل المدارس الحديثة بما يفوق آمالنا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما أنجزتموه من خدمات في أنقرة لا يمكن أن تتحقق إلّا في عشر سنوات، فاقتنِعوا بما أديتموه من مهمة، لئلا يصيب الخَوَرُ والوهنُ قوتَكم المعنوية من جراء حوادث تافهة، بل لا بد أن تكون وسيلةً لبلوغ وسائل أخرى لتزييد سعيكم ونشاطكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي مثل تلك الأماكن التي يتصارع فيها أكثرُ من عشرين تيارًا من التيارات السياسية والاجتماعية لأجل مصالح شخصية أو لأغراض شتى، فإن عملكم في سبيل القرآن والإيمان، وتَبنِّي طلابِ الجامعة بتقديرٍ وإعجابٍ لرسائل النور، قد أَبهج قلوبَ جميع طلاب النور بل سيُبهج قلب العالم الإسلامي جمعاء.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ثوابكم عظيمٌ في خدماتكم القليلة هذه كثواب المُرابط في ظروف قاسية في الحدود تجاه الأعداء، إذ تُعادل ساعةٌ من المرابطة سنةً من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنتم مثل أولئك المرابطين -وكذا طلاب النور في جامعة إسطنبول- قد قمتم بأعمالٍ جِسامٍ في زمن قصير، فلئن لم تقطفوا ثمرات سعيكم كلّها، فاكتفوا بها قانعين.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أن انسحاب بعض الضعفاء أثناء الجهاد يثير الحماس ويحرّك النخوة البطولية لدى الشجعان الغيورين، فعلى طلاب رسائل النور المضحِّين أن يُقبلوا أكثر على الغيرة والثبات والسعي المتواصل أكثر من قبلُ لدى انسحاب المرتابين.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنكم استرشدتم -فطرةً- بحقيقة عظيمة من حقائق رسائل النور، فضعوا تلك الحقيقة نصب أعينكم، وهي: أن <strong>وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص</strong>؛ أما إحرازُ التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين، فهو مما يتولاه اللّٰه سبحانه.. نحن لا نتدخل فيما هو موكولٌ إلى اللّٰه، حتى إذا غُلِبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وينبغي القناعةُ في هذه النقطة، فقد قيل لجلال الدين خوارزم شاه -وهو القائد العظيم في عهده-: ستنتصر على جنكيز خان، فقال: إن <strong>مهمّتنا الجهادُ، أما جَعلُنا غالبين أو مغلوبين فهذا ما يتولاه اللّٰه سبحانه، ولا أتدخل أنا فيه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">فأنتم يا إخوتي قد اقتديتم بهذا البطل، فتستمرون في العمل بإخلاص دون أن ينال منكم الضعفُ والوهن شيئًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">لا وسط بين الكفر والإيمان</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لا وسط بين الكفر والإيمان)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا وسط بين الكفر والإيمان، ففي هذه البلاد وتجاه مكافحة الشيوعية فليس هناك غير الإسلام؛ وليس هناك وسط، لأن التقسيم إلى يمين ويسار ووسط، يقتضي ثلاثة مسالك، وهذا <strong>قد يَصدُق لدى الإنكليز والفرنسيين،</strong> إذ يمكنهم أن يقولوا اليمين الإسلام، واليسار الشيوعية، والوسط النصرانية. إلّا أن الذي يجابه الشيوعية -في هذه البلاد- ليس إلّا الإيمان والإسلام، فليس هناك دين ومذهب آخر يجابهها إلّا التحلل من الدين والدخول في الشيوعية، <strong>لأن المسلم الحقيقي لا يتنصّر ولا يتهوّد، بل -إذا خلع دينه- يكون ملحدًا فوضويًّا إرهابيًّا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أدرك وزيرُ المعارف والعدل هذه الحقيقةَ سيدركها بإذن اللّٰه سائرُ الأركان في الحكومة حق فهمها، فيحاولون الاستناد إلى قوة الحق والحقيقة والقرآن والإيمان بدلًا من اليمين واليسار، وينقذون بإذنه تعالى هذا الوطن من الكفر المطلق والزندقة ومن دمارهم الرهيب، فنحن نتضرع إليه تعالى بكل كياننا أن يوفقوا في ذلك.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">برقية من الفاتيكان</h2>
<p><strong>(برقية من الفاتيكان)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;">الفاتيكان ٢٢ شباط ١٩٥١‌</p>
<p style="text-align: left;">مقام البابوية الرفيع</p>
<p style="text-align: left;">السكرتير الخاص</p>
<p style="text-align: left;">رئاسة القلم الخاص رقم ٢٣٢٢٤٧</p>
<p style="text-align: justify;">سيدي.. تلقينا كتابكم المخطوط الجميل &#8220;ذوالفقار&#8221; بوساطة وكالة مقام البابوية بإسطنبول، وتم تقديمه إلى حضرة البابا الذي رجانا أن نبلّغكم بالغَ سروره من هذه الالتفاتة الكريمة منكم، ودعواته من اللّٰه عز وجل أن يشملكم بلطفه وفضله، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنبلغكم احتراماتنا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>التوقيع</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>رئاسة سكرتارية الفاتيكان</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">حول &#8220;ولدان مخلدون&#8221;</h2>
<p><strong>(حول &#8220;ولدان مخلدون&#8221;)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد ورد في سؤال أخينا: ورد في بعض التفاسير لدى الآية الكريمة: ﴿يطوف عليهم وِلدان مخلَّدون﴾ أن &#8220;جميع أهل الجنة، من الأطفال الصغار حتى الشيوخ الهرمين سيكونون في الثالث والثلاثين من العمر&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وحقيقةُ هذا -واللّٰه أعلم- هي أن صراحة الآية الكريمة بـ﴿ولدان﴾ تفيد أن الأطفال الذين لم يؤدوا الفرائض الشرعية ندبًا على وجه السنة والنافلة -حيث لم تفرض عليهم- وتُوُفُّوا قبل البلوغ سيخلَّدون في الجنة أطفالًا صغارًا محبوبين بما يليق بالجنة.</p>
<p style="text-align: justify;">والوارد في الشريعة أيضًا أَمرُ الوالدين أولادَهما بالصلاة والصيام، والحثُّ على الصلاة متى ما بلغوا السابعة من العمر، والإكراهُ عليها في العاشرة منه لأجل التعليم والتدريب.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن الأطفال الذين يؤدون الفرائض -كالصلاة والصيام- اعتبارًا من السن السابعة إلى حدّ البلوغ ندبًا -وهي لم تفرض عليهم بعد- سيكونون في الثالث والثلاثين من العمر ليُجازَوا كالكبار الملتزمين بالدين.</p>
<p style="text-align: justify;">فقسم من التفاسير لم يميز هذه النقطة، بل عمّمها على جميع الأطفال، فظنوا حكم الآية عامًا مع أنه خاص.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">تذكير أعضاء المجلس النيابي المتدينين الغيارى‌</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(تذكير أعضاء المجلس النيابي المتدينين الغيارى</strong><strong>‌</strong><strong>)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن مصلحة الإسلام والبلاد تقتضي قبل كل شيء إقرارَ قانون حرية المتدينين، وتنفيذَه فورًا في المدارس، لأن هذا التصديق يُكسِب هذه البلادَ القوةَ المعنوية لأربعين مليونٍ من المسلمين في روسيا، وأربعمائةِ مليونٍ من المسلمين عامة، ويجعل تلك القوة الهائلة ظهيرة لنا، إذ مما لا شك فيه أن الحقائق القرآنية والإيمانية هي التي صَدّت اعتداء روسيا علينا -قبل اعتدائها على أمريكا والإنكليز- بمقتضى عداوتها لنا منذ ألف عام.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فمن الألزم لمصلحة هذه البلاد التمسكُ بتلك الحقائق القرآنية والإيمانية، وجعلُها سدًّا قرآنيًّا قويًّا -كقوة سد ذي القرنين- لصدِّ تيار الإلحاد المعتدي، ذلك لأن الإلحاد الذي استولى على روسيا وعلى نصف الصين -لحدِّ الآن- وعلى نصف أوروبا قد وقف تجاهنا عند حده، ولم توقفه إلّا الحقائقُ الإيمانية والقرآنية، وإلّا فلا تملك المحاكم -التي لا تُعاقِب إلّا واحدًا من ألف من المخربين- القوةَ الكافية لإيقاف القوة المعنوية المدمرة لروسيا، حيث إن الدمار المعنوي الذي يبيح أموالَ الأغنياء للفقراء والسائبين، ويبيح أعراض أهل الغيرة والشرف للشباب الطائشين، والذي استولى في فترة قصيرة على نصف أوروبا.. لا توقفه إلّا قنابل معنوية تنسفه نسفًا، وما هي إلّا قنابل ذرية معنوية عظيمة لحقائق القرآن والإيمان، التي توقف تيار اليسار الجارف.</p>
<p style="text-align: justify;">وبخلافه لا يمكن إيقاف تلك القوة المدمرة الهائلة -بمعاقبة واحدٍ من ألف- من قِبَل المحاكم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الصحوة الحاصلة في البشرية نتيجة الحربين العالميتين أبانَت بأن <strong>لا تعيش أمةٌ بلا دين،</strong> <strong>فلن تبقى روسيا بلا دين ولا تستطيع ذلك، ولا تعود إلى النصرانية،</strong> فلربما تُصالح القرآن أو تَتبع ذلك الكتابَ المبين الذي يقصم الكفر المطلق ويستند إلى الحق والحقيقة وإلى الحجة والدليل ويُقنع العقل والقلب، وعند ذلك لا تحارب أربعمائة مليون من أهل القرآن.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">وفي كل شيء له آية</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(وفي كل شيء له آية)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الصديقين المتفكرين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد حصلتْ لدي القناعة التامة -بناءً على أماراتٍ كثيرة- أن الملحدين المتسترين يُغرِّرون ببعض الموظفين الرسميين، فيُبرزون لهم بإصرارٍ رسالةَ &#8220;مرشد الشباب&#8221; من بين رسائلَ ضخمةٍ خاصة بالنور، ويتخذونها موضع اتهام، فيذيقني أولئك عنَتًا ومضايقة منذ سنة ونصف السنة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد تيقنتُ أن سبب ذلك هو ما في تلك الرسالة من &#8220;نكتة توحيدية في لفظ هو&#8221;، إذ إن هذا البحث قد كَشف سر التوحيد ووضَّحه توضيحًا يقطع به دابر الكفر المطلق، ولا يدع مجالًا لأية شبهةٍ لدى قسم منهم، ولما لم يجد أولئك الملحدون المتسترون حيلةً تجاه هذا البحث القيّم، دبّروا المكايد للحيلولة دون انتشار الرسالة وحَجبْها رسميًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ألقيتُ قبل يوم درسًا على أركان مدرسة الزهراء، حول نقاط من البحث المذكور، أبيّن لكم ثلاثًا منها فقط:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الأولى</strong>: إن وظيفة سامية جليلة من وظائف الهواء، هي كونه وساطة انتشار الكلمات الطيبة وأقوال الإيمان ذات الحقائق والمغزى الحكيم، كما تتوضح بالآية الكريمة: ﴿اليه يصعد الكَلِمُ الطيب﴾، وحتى يغدو الهواءُ صحيفةً من صحائف القدرة الإلهية، تتبدل تلك الصحيفة باستنساخِ قلمِ القدَر فيها وانتشارِ تلك الكلمات بإذنٍ إلهي، وذلك لأجل إسماع الملائكة والروحانيات في كرة الهواء كلِّها حتى صعودها إلى العرش الأعظم.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت وظيفةُ الهواء المهمة السامية، وحكمةُ خلقه، تَكمن في هذا.. وقد أَضحى سطحُ الأرض شبيهًا بمنزلٍ واحد، بوساطة الراديو -هذه النعمةِ الإلهية العظيمة التي أُسديَت إلى البشرية- فلا شك أن البشرية ستُقدِّم شكرًا شاملًا عامًّا لربّها تجاه ما أنعم به عليها من نعمة كبرى، فتَجعلُ تلك النعمةَ -نعمة الراديو- قبل كل شيء وسيلة لنقل الكلمات الطيبة، من قرآن كريم وحقائقه أولًا، ومن دروس الإيمان والأخلاق الفاضلة، والكلام النافع الضروري للحياة البشرية.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ لولا هذا الشكر -أي إن لم تجد تلك النعمةُ شكرًا مِثلَ هذا- فستصبح تلك النعمة نقمةً للبشرية؛ إذ كما أن الإنسان محتاجٌ للاستماع إلى الحقائق، فهو محتاجٌ أيضًا إلى شيء من اللهو والترفيه، ولكن يجب أن تكون حصةُ هذا الترفيه المفرح الخُمْسَ مما ينقله الهواءُ، وبخلافه تقع منافاةٌ لسِرِّ حكمة الهواء، حيث يؤدي إلى دفع الإنسان إلى أحضان الكسل وحبِّ الراحة والخمول والسفه، ويسوقه إلى عدم إتمامه وظائف ضرورية له وتركها ناقصة غير كاملة.. وعندها ينقلب ما كان نعمةً عظمى إلى نقمةٍ عظمى، بما ثبّط من شوق الإنسان نحو العمل الضروري له.</p>
<p style="text-align: justify;">تأملتُ في هذا الراديو الصغير الذي أمامي -وقد أتوا به إلى غرفتي لأستمع إلى القرآن الكريم- فإذا هو ماكنةٌ صغيرةٌ ضمن صندوق صغير، فرأيت أن هناك حصة واحدة فقط للكلام الطيب من بين عشر حصص للهو والترفيه، فعلمت أن هذا خطأ يرتكبه الإنسان، وسيُصلح بإذن اللّٰه خطأه هذا ويقوّمه في المستقبل، فيجعل الراديو مدرسةً إيمانية، وذلك بجعله حصة الكلام الطيب أربعةَ أخماسِ جميعِ الحصص، شكرًا عامًّا تجاه نعمة الراديو هذه، وتوجيه تلك النعمة لصالح حياة الإنسان الخالدة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: لقد ذكر في رسائل النور:</p>
<p style="text-align: justify;">إن من لا يقدر على خَلق الكون لن يقدر على خلق ذرة واحدة، وليس غيرُ خالق الكون الذي يقدر على خلق ذرة في موضعها المناسب ويسوقُها إلى وظيفتها بانتظام.</p>
<p style="text-align: justify;">نَذكر حجة جزئية من الحجج الكلية لهذه الجملة:</p>
<p style="text-align: justify;">هذا الراديو بقُربي، هو محفظة لأنواع الكلمات.. وما فيه من جهاز قد لا يحوي إلّا جزءًا قليلًا من الهواء، لنتأمل في هذا الهواء القليل جدًّا، فيوضح لنا ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنه حسب قائمة دار الإذاعة التي بين أيدينا، هناك ما يقرب من مئتي مركز إذاعي، هذه المراكز متفاوتة في القرب والبعد، فقد تبعد عنا ساعة أو سنة، فلولا وجود قوةٍ لا حدّ لها في كل ذرة من ذرات الهواء، وإرادةٍ لا حصر لها، وعلمٍ تام محيط بلهجات المقرئين في تلك المراكز على الأرض كلها، ولولا وجود بصرٍ حادٍّ محيطٍ يرى أولئك جميعهم، ولولا سمعٌ يَقدر على سماع كل شيء في آن واحد، دون أن يشغله شيء عن شيء.. لَمَا أمكن وصول كلمة قرآنية -الحمد للّٰه مثلًا- إلى آذاننا في الدقيقة نفسها التي تبث فيها من المركز، بحروفها الكاملة وبلهجتها ولغتها، بل بنبرات صوت المتكلم بها، دون أن يطرأ عليها تغيير. كل ذلك بوساطة تلك الذرات التي في حفنة هواء جهاز الراديو الصغير.</p>
<p style="text-align: justify;">فإيصال مختلف كلمات القرآن، بمختلف الأصداء والأصوات من دون تغير ولا خلل، إلى أسماعنا، إنما هو بتلك القدرة المطلقة والصفات المطلقة، ولولاها لمَا وجدتْ ولا ظهرت هذه المعجزة، معجزة القدرة.</p>
<p style="text-align: justify;">أي إن ذرات الهواء، في هذا الجهاز الصغير، لا تَنال القيام بتلك الأعمال المعجزة، ولا تُظهر معجزة القدرة، إلّا بقدرةِ مَن هو قدير مطلق، وبإرادته، ومن هو عليمٌ سميعٌ بصيرٌ محيطٌ بكل شيء، ومن لا يصعب عليه شيء، بل أعظم شيء كأصغره أمام قدرته.</p>
<p style="text-align: justify;">وبخلاف هذا فإن إسناد هذا الأمر المعجز إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء -التي يُظَن وجودُها في موجات الهواء- إنما هو جعْلُ كل ذرةٍ من ذرات الهواء حاكمًا مطلقًا بصيرًا بكل ما يجري في الهواء المحيط بالأرض، وعليمًا وقديرًا مطلقًا، بصيرًا بكل شيء، عليمًا لا يخفى عليه شيء، قادرًا على كل شيء!! وما هذا إلّا خرافة ممجوجة ومحالٌ بل محالاتٌ بعيدة كل البعد عن منطق العقل.. ألاَ فليأت أهل الضلال، وليروا ما أبعدَ مذهبهم عن العقل!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong>: إن الهواء الضئيل جدًّا الموجودَ في جهاز الراديو الصغير، يؤدي مهمة السندانة لأزاهير الكلمات المعنوية الطيبة، فيُظهِر من معجزات القدرة الإلهية ما يبين أن كل ذرةٍ منه تثبت وجود اللّٰه سبحانه وتُعرِّفه بذاته المقدسة وصفاته الجليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد ساح الحكماء الفلاسفة، والعلماء الأعلام في جنبات الكون خيالًا، ووضعوا ما فيه نُصْبَ نظر العقل، ليثبتوا وجوده سبحانه ووحدانيته، بإيراد دلائل واسعةٍ عظيمة، ومن بعد ذلك ينالون معرفة اللّٰه الحقة؛ بينما هناك حقيقة، وهي أن الشمس حالما تشرق، تبيّنها قطعةٌ من زجاج مثلما يُبينها سطح البحر، أي كلٌّ منها يشير إلى تلك الشمس، فبناءً على هذه الحقيقة، فإن كل ذرةٍ من ذرات هواء هذا الراديو تبيّن بذاتها تجلي التوحيد، وكمال صفاته تعالى، ولقد أثبتت رسائل النور -التي هي لمعة من لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم- هذه الحقيقةَ بوضوح تام.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا لا يجد طالب النور المدققُ ضرورةً إلى قول: &#8220;لا موجود إلّا هو&#8221; ليحصل على الحضور القلبي الدائم ويتذكر المعرفة الإلهية دائمًا، كما أنه لا يحتاج أيضًا إلى قولِ: &#8220;لا مشهود إلّا هو&#8221; كما هو الحال لدى قسم من أهل الحقيقة، لينعم بالحضور القلبي الدائم.. بل تكفيه إطلالةٌ من نافذة الحقيقة السامية:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ          تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ</strong><sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>
<p style="text-align: justify;">وتوضيح هذه العبارة باختصار هو أن لكلِّ أحدٍ من هذا العالم عالمًا يخصّه، وكونًا خاصًّا به، أي كأن هناك عوالمَ وأكوانًا متداخلةً بعدد ذوي الشعور.. وأن حياة كل أحد هي عمود لدنياه الخاصة به، كما لو كان بيد كل واحد مرآة ووجهها إلى قصر عظيم، فيكون كلٌّ منهم مالكًا لذلك القصر في مرآته.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا يجد قسمٌ من أهل الحقيقة المعرفة الإلهية ويحصلون على حضور القلب الدائم بإنكار دنياهم الخاصة بهم، وبترك ما سوى اللّٰه، فيقولون: &#8220;لا موجود إلا هو&#8221;..</p>
<p style="text-align: justify;">وقسم آخر من أهل الحقيقة يقولون: &#8220;لا مشهود إلا هو&#8221; بلوغًا منهم إلى معرفة اللّٰه والحضور القلبي الدائمي، فيَزجون دنياهم في سجن النسيان، ويُسدِلون عليها ستار الفناء، فيحصلون على حضور القلب، ويجعلون عمرَهم في حكم نوع من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما في هذا الزمان، فإن رسائل النور قد وَضّحت بالإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم سرَّ العبارة الآتية:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ          تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أي إن رسائل النور تبين أنه -ابتداءً من الذرات وانتهاءً إلى المجرات- هناك نافذة في كلٍّ منها تطل على التوحيد، وفي كل منها دلائلُ وإشاراتٌ تَدل مباشرة على ذات الواحد الأحد بصفاته الجليلة، فلقد أشارت إشاراتٍ مجملة &#8220;نكتة لفظ هو&#8221; إلى هذه الحقيقة السامية، حقيقةِ الإيمان وحضور القلب، بينما أثبتتْها رسائل النور إثباتًا قاطعًا واضحًا، في حين بيَّنها أهل الحقيقة سابقًا بيانًا مجملًا مختصرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن هذا الزمان الرهيب أشدُّ حاجةً من أي وقت آخر إلى هذه الحقيقة، حتى أنعم اللّٰه على الناس، بوساطة إعجاز القرآن الكريم، وفصّلتها رسائل النور وأصبحت إحدى ناشريها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">المألوف المعجز</h2>
<p><strong>(المألوف المعجز)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الصديقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نهنئكم -ملءَ كياننا وأرواحنا- بالشهور الثلاثة المباركة التي تُكسِب الإنسانَ ثمانين سنة من عمر معنوي خالد.. ونبارك لياليكم الفاضلة، ليلة الرغائب، ليلة المعراج، ليلة البراءة، ليلة القدر.. راجين من رحمته تعالى أن تتقبل مكاسبَكم المعنوية وأدعيتَكم بحقّ إخوانكم، مبارِكين خدماتكم الطيبة وتوفيقكم في سبيل نشر النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن مصيبة النسيان التام التي ألمّت بي من جراء التسميم، قد تحولت بفضل اللّٰه إلى نعمةٍ ورحمةٍ ومفتاحٍ لكشفِ عددٍ من الحقائق، فأُعْلِمكم بهذا لئلا تتألموا كثيرًا على حالي، رغم أني أرجو دعواتكم بكل ما أملك.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد قرأت الآن رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%ac%d8%a7%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">المناجاة</a></strong>&#8221; التي هي في مستهل مجموعة &#8220;سراج النور&#8221;، فلاحظتُ أن كثيرًا من الحقائق تتستر تحت حجب الألفة والعادة والاطّراد، وحيث إن الملحدين من أهل الغفلة وأهل الطبيعة والفلسفة خاصة، لا يرون كثيرًا من معجزات القدرة الإلهية المحجوبة تحت حجاب قوانين اللّٰه ونواميسه الجارية في الكون، تراهم يُسندون حقيقةً جليلة إلى سبب اعتيادي تافه، ويحملونها عليه، فيسدّون بهذا الطريق المؤدي إلى معرفة القدير سبحانه في كل شيء، بل يُعْمُون أبصارهم عن النِعم التي وضعها المُنعم في كل شيء، فلا يرونها، ويسدّون أبواب الشكر والحمد.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن القدرة الإلهية الجليلة مثلما تستنسخ كلمة واحدة مليون بل مليار مرة في آن واحد، وذلك بتجليها على صحيفة الهواء، فكلُّ كلمةٍ طيبةٍ أيضًا تُستنسخ برمز الآية الكريمة: ﴿إليه يصعد الكَلِمُ الطيب﴾ في كرة الهواء المحيطة بالأرض، وفي آنٍ واحد -في حكمِ بلا زمان- بقلم القدرة الإلهية، وقد تسترت معجزةٌ عجيبةٌ من معجزات القدرة في كُرة الهواء كأنها لوحةُ محوٍ وإثباتٍ للحقائق المقبولة المعنوية، تَستَّرتْ بستار الأُلفة عن أنظار الغافلين منذ زمن آدم عليه السلام.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أثبتت تلك المعجزة نفسَها في الوقت الحاضر بوساطة جهازٍ سَمَّوهُ &#8220;الراديو&#8221;، بحيث إن تجليًا للقدرة الأزلية المطلقة التي يَضُم علمًا مطلقًا وحكمةً مطلقةً وإرادةً مطلقة، حاضرٌ وناظرٌ في كل ذرة من ذرات الهواء، إذ إن الكلمات المختلفة التي لا حدود لها تَدخل الأذنَ الصغيرةَ للذرة وتخرج من لسانها الدقيق، دون اختلاطٍ أو التباس، لا خلل ولا تحير.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أنه إن اجتمعت الأسباب كلُّها، لم تستطع بحال من الأحوال أن تظهر تجلي القدرة الأزلية في هذه الوظيفة الفطرية لذرة واحدة.. ولمّا كانت الأسباب لا دخل لها مطلقًا في إظهار الصنعة البديعة المعجزة في آذان تلك الذرة الصغيرة التي لا تعد، وفي ألسنتها الدقيقة التي لا تحصى، فإن أهل الضلال والغفلة يسترونها تحت ستار الأُلفة والعادة والقانون والاطراد، ويضعون عليها اسمًا اعتياديًّا يخدعون به أنفسَهم مؤقتًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: مثلما ذُكر في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a914-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d9%8c-%d8%a3%d9%8f%d8%ad%d9%83%d9%90%d9%85%d8%aa-%d8%a2%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d8%ab%d9%85-%d9%81%d8%b5%d9%90%d9%91%d9%84%d8%aa/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/#ttmtu_alsuwali_alsadsi_whashituh">حاشية ذيل</a></strong> الكلمة <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a914-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d9%8c-%d8%a3%d9%8f%d8%ad%d9%83%d9%90%d9%85%d8%aa-%d8%a2%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d8%ab%d9%85-%d9%81%d8%b5%d9%90%d9%91%d9%84%d8%aa/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">الرابعة عشرة</a></strong>، أنه إذا صَنع صَنّاعٌ ماهرٌ مائةَ أوقيةٍ من مختلف الأطعمة، ومائةَ ذراعٍ من مختلف الأقمشة، من قطعةٍ تافهةٍ لا تتجاوز قلامة أظفر، ثم قال أحدهم: إن هذه الأعمال قد نتجت من تلك القطعة الخشبية التافهة مصادفةً، وبأمور طبيعية، تهوينًا من قيمة خوارق صنعة ذلك الصناع الماهر.. كم يكون كلامه هذا هذيانًا وخرافة خرقاء وضلالة بعيدة؟</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الأمر في شجرة الصنوبر أو التين وأمثالِها من أُلوفِ بدائعِ صنعِ اللّٰه الحاويةِ على معجزات قدرته سبحانه، فتراهم يبرزون حبّة البذرة قائلين: إن هذه الأشجار الضخمة قد نشأت من هذه البذور.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك الأمر في هذا الجهاز الذي جعل الهواءَ المحيطَ بالكرة الأرضية ميدانَ محاضرة، وحوَّل سطحَ الأرض إلى مدرسة وملتقى دروس المعرفة والعرفان، ويتضمن نعمًا لا حدّ لها، ينبغي الشكرُ غير المحدود عليها، وهو أنموذج معجّل لإحسانات إلهية تُنعَم على البشر في حياته الأخروية الأبدية، وهو دليلٌ لا ريب فيه وهدية رحمانية تُغدَق مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية، فإطلاق اسم &#8220;الراديو&#8221; على هذه الهدية المهداة، وإطلاق اسم الكهرباء وموجاتِ الهواء.. إنما هو إسدالُ ستارِ الكفران على تلك النعم الإلهية التي تربو على مئات الألوف -كما هو في المثال السابق- بل هو بلاهة لا منتهى لها يقترفها الماديون والضالون، بحيث تفضي بهم إلى جناية غير متناهية، تعرّضهم إلى عقاب غير متناه يستحقونه.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأتُ هذا اليوم -بنيةِ التصحيح -رسالة &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%ac%d8%a7%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">المناجاة</a></strong>&#8221; التي هي في مستهل مجموعة &#8220;سراج النور&#8221;، ولكن لما كانت قوةُ حافظتي قد وهنَتْ وضعفتْ نهائيًّا، فقد رأيتُني كأنني أتيت حديثًا إلى الدنيا تجاه تلك الحقائق في &#8220;المناجاة&#8221; رغم أني في الثمانين من العمر، فلم تعُد تلك العاداتُ المعروفة ستارًا وحجابًا أمام تأملي، لذا قرأت تلك &#8220;المناجاة&#8221; بشوقٍ كامل، واستفدتُ منها استفادةً عظيمةً بفضل اللّٰه، ووجدتُها خارقة حقًّا، وعلمتُ أن أعداءنا المتسترين يُغرِّرون ببعض الموظفين الرسميين في سبيل مصادرة &#8220;سراج النور&#8221;، محتجين بما في آخره -من بحثِ الدجال-، إلّا أن قناعتي أن سببَ ذلك هو رسالةُ &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%ac%d8%a7%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">المناجاة</a></strong>&#8221; التي في مستهلها، كما كان سببُ هجوم الملحدين على &#8220;مرشد الشباب&#8221; بحثَ &#8220;نكتة توحيدية في لفظ هو&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: نبشركم بكياننا كله يا إخوتي أن الإخلاصَ التام الذي يتحلى به طلابُ النور، والوفاءَ الحقيقي الجاد والتساند الذي لا يتزعزع الذي يحملونه: يجعل جميع المصائب التي تنزل بنا -من حيث الخدمة الإيمانية- نِعمًا عظيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن فتوحات النور تتوسع في الخفاء بما ليس بالحسبان ولا يخطر على خيال أحد، فمثلًا: لقد اضطروا إلى دفع مائة ليرة ورقية أجرةً للسيارة التي نقلتني من إسبارطة إلى المحكمة المنعقدة هنا (إسطنبول)!!</p>
<p style="text-align: justify;">ثقوا يا إخوتي لو كنتُ أدفع مئتي ليرة لنتائج تخصّ خدمة الإيمان تنشأ من هذه المسألة فقط وتخص &#8220;مرشد الشباب&#8221; فحسب، أو مما يخصني أنا بالذات، لكنت أَعُدُّ تلك النقود المصروفة قليلةَ زهيدةً تجاه تلك النتائج الجليلة.. فكيف بالنتائج التي تعود إلى عامة الطلاب والناس عمومًا والمسائل الكلية؟!</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم المريض الراجي دعاءكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: وهذه المرة هي الخامسة عشرة من التسميم، وبعد أن شافاه اللّٰه منه قام بترجمة الخطبة الشامية من العربية إلى اللغة التركية مع إضافات عليها.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: احتل الروس شرقي الأناضول في ٣١/١٠/١٩١٤ وتم دفعهم في ١٥/١/١٩١٥ بعد أن استشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لاحتلال المنطقة مرة أخرى في ١٣/١/١٩١٦ بثلاثة أضعاف القوات العثمانية، ودخلوا أرضروم في ١٦/٢/١٩١٦.﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين٣/٧٨؛ السخاوي، المقاصد الحسنة٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة١٤.﴾</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2746</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الأول [3/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2588%25d9%2584-3-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 21 Jan 2026 11:54:58 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2744</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] [مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ [ذكرى وعبرة] (ذكرى وعبرة) في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعَنَت، أزعجتني نفسي &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2735" aria-describedby="caption-attachment-2735" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-2735 size-large" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg" alt="" width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2735" class="wp-caption-text">حتى إن السبب في تَركي السياسة منذ ثلاثين سنة هو أن عالمًا صالحًا قد أثنى بحرارة على منافقٍ يَحمِل فكرًا ينسجم مع فكره السياسي، وفي الوقت نفسه انتقد عالمًا صالحًا يحمل أفكارًا تخالف أفكاره انتقادًا شديدًا حتى وصمه بالفسق. بمعنى أن عِرْق المنافسة إذا اختلط معه التحيز السياسي، نشأت أخطاء عجيبة مثل هذا؛ ولهذا قلت: &#8220;أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة&#8221;، فتركتُ السياسة من ذلك الوقت. ونتيجةً لتلك الحالة -وأنتم أعلم بها- فإنني لم أقرأ منذ عشرين سنة جريدة واحدة، ولم أهتم بحوادث الحرب طَوال عشر سنوات، ولم أستمع إليها ولم أتلهف لها، بل لم أحاول أن أعرف عنها شيئًا. في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ذكرى وعبرة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ذكرى وعبرة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعَنَت، أزعجتني نفسي الجزِعةُ الفارغة من الصبر، فأسكتتْها هذه الفقرةُ، وألزمتْها الحجة، ودفعتْها إلى الشكر للّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">أقدم هذه الفقرة الموضوعةَ فوق رأسي طيَّ رسالتي هذه لعلها تفيدكم أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">١- يا نفسي.. لقد أخذتِ نصيبك من الأذواق -في غضون ثلاثٍ وسبعين سنة- أكثر مما أخذها تسعون بالمئة من الناس، فلم يَبق لكِ بغية فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- أنتِ تَرومين دوامَ الأذواق وبقاءها وهي فانية آنيَّة، لذا تبكين عشر ساعاتٍ عن ضحكٍ دام دقيقة واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- إن المظالم التي أتت عليك، والمصائب التي نزلتْ بكِ تنطوي على عدالة القدر، فيظلمونك لِما لم ترتكبيه، بينما القدر يؤدبك بيد تلك المصيبة -بناءً على أخطاء خفية- ويكفِّر عن خطاياك.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- يا نفسي الجزعة.. لقد اقتنعتِ قناعةً تامة -بمئاتٍ من تجاربكِ- أن المصائب الظاهرية ونتائجها تنشق عن ثمرات عنايةٍ إلهيةٍ في منتهى اللذة، فالآية الكريمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ تُلَقِّن درسَ حقيقةٍ يقينية.. تَذكَّري دائمًا هذا الدرس القرآني.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الناموس الإلهي الذي يدير عجلة الكون، ذلك القانون القدري الواسع العظيم: لا يُبَدَّل لأجلك.</p>
<p style="text-align: justify;">٥- اتخذي هذا الدستور السامي دليلًا: &#8220;<strong>مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدَر</strong>&#8220;، ولا تلهثي وراء لذائذ مؤقتة تافهة كالطفل الغَرير.</p>
<p style="text-align: justify;">فكِّري دومًا أن الأذواق الفانية تورث فيك حسراتٍ وآلامًا معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوِبة أخروية؛ فإن لم تكوني بَلْهَاءَ، يمكنك أن تتحري عن الأذواق المؤقتة للشكر وحده، وما أُعطيتِ اللذاتُ إلّا للشكر.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حوار مع النفس]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حوار مع النفس) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد خطر على بالي أن أكتب لكم، لأُطْلِعكم على ما جرى من مناظرةٍ خاصةٍ مع نفسي، وهي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن اللوحة المعلقة فوق رأسي -المعروفة لديكم- تُخرِس نفسي الأمارة وتُلزمها الحجةَ تمامًا، ولكني -في هذه الليلة- تعرضت لهجوم شنَّته دوافعُ مشاعري وأحاسيسي العمياء التي تستعمل سلاح النفس الأمارة بالسوء بإصرارٍ أكثر، فأثّرت تأثيرًا بالغًا في عروقي وأعصابي، وأنا أعاني من حالة عجيبة تولدَت من آلام الأمراض وتألمات التسمم والأسقام ورهافة الحس، فضلًا عن إلقاءات الشيطان وإيحاءاته، وحبّ الحياة المغروز في الفطرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي خضمِّ هذه الحالات هاجمتْ تلك الأحاسيسُ والمشاعرُ العمياء -وهي في حكم <strong>النفس الأمَّارة الثانية</strong>&#8211; قلبي وروحي، موحيةً باحتمال وفاتي ومغادرتي الحياة الدنيا، فنشرتْ يأسًا قاتمًا وتألُّمًا عميقًا وحرصًا شديدًا على الحياة مع استمراءٍ لها وتلذذٍ بها.</p>
<p style="text-align: justify;">فقالت تلك النفس الأمَّارة الثانية مع الشيطان: لِمَ لا تسعى لراحة حياتك؟ بل ترفضها! ولِمَ لا تتحرى عن حياةٍ ممتعةٍ بريئةٍ طيبةٍ تقضيها طوال عمرك ضمن دائرة النور؟ بل ترضى بالموت وتطلبه!</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى حين غِرةٍ ظهرتْ حقيقتان صارمتان أخرسَتا النفس الأمارة الثانية والشيطان معًا، وهما:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقة الأولى</strong>: ما دامت الوظيفة المقدَّسة الإيمانية لرسائل النور ستتوضح أكثر وتنكشف بإخلاصٍ أزيَدَ بسبب وفاتي، حيث لا تُتّهَم من أية جهةٍ كانت أنها أداةٌ لمكاسب الدنيا ووسيلةٌ للأنانية والعُجْب.. وأن الوظيفة الإيمانية ستدوم بإخلاص أكثر وأقرب إلى الكمال، إذ ليس هناك حياتي الشخصية التي تثير حسد الحاسدين.. وعلى الرغم من أن بقائي على قيد الحياة قد يتيح نوعًا من المعاونة في سير الخدمة -خدمةِ الإيمان والقرآن- فإن شخصيتي البسيطة التي لها حُسَّادٌ ونُقَّادٌ لهم شأنُهم يمكنهم أن يُلصقوا تُهَمًا على تلك الشخصية ويهاجموا -بعدم الإخلاص- رسائلَ النور، ويتجنبوها ويجنِّبوا الآخرين عنها.. ثم إن من يقوم بشيءٍ من الحراسة في دائرة، إذا ما أخذتْه الغفوةُ وغَلَب عليه النوم، فالغيورون في تلك الدائرة النورانية يَهُبُّون حذرين، فيَبرز في الميدان أُلوفُ الحراس والمرابطين بدلًا من حارسٍ واحد بسيط.. لذا، ولأجل ما سبق؛ ينبغي أن يقال للموت المقبل: أهلًا ومرحبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم يا نفسي.. لِمَ تريدين أن تتخلفي عن الكثيرين من طلاب النور في البذل والعطاء؟! ألم يبذلوا أموالَهم وراحتهم ومُتَعَ الدنيا كلها، بل حياتهم -إن استوجب الأمر- في سبيل خدمة النور؟!</p>
<p style="text-align: justify;">اعلمي قطعًا يا نفسي أنه لَشرفٌ عظيمٌ في منتهى اللذة: الرضى بتوديع حياة الشيخوخة الفانية المرهقة -إن لزم الأمر أو آن أوانه- في سبيل إكسابِ حياةٍ باقيةٍ لكثيرٍ من المنكوبين وإنقاذها برسائل النور لئلا تُفضي إلى العدم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقة الثانية</strong>: لو وُضِعتْ عشرةُ أرطالٍ من الحِمل على كاهل شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ عن حَملِ رطلٍ واحد، واستعان به أصدقاؤه بدل أن يعينوه في حمله -لحُسبانهم أنه ذو قوةٍ وقدرةٍ على الحَمل لخفاء ضعفه عليهم- فسوف يحاول ذلك الشخص الضعيف أن يُظهِر نفسَه لهم بمظهر القوي جدًّا، لئلا يَسقط في نظرهم، ولئلا يخيِّب حُسنَ ظنهم به، مما يؤدي به إلى التكلف والتصنع والظهور بما ليس فيه وأمثالِها من الأمور الثقيلة المقيتة الخالية من الذوق.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن الأمر هكذا في هذا الشخص، كذلك يا نفسي الأمارة الثانية الموغلة في أعماق المشاعر العمياء.. اعلمي أن شخصيتي الاعتيادية البسيطة هذه، واستعدادي الذي لا أهمية له، كالبذرة.. إن هذا الشخص لن يكون مَصدرًا ولا منبعًا ولا مدارًا للحقائق التي تتضمنها رسائل النور النابعة من صيدلية القرآن الكريم المقدسة، والتي سُلِّمتْ إلى أيدينا برحمةٍ منه تعالى وبفضله وعنايته سبحانه في هذا العصر المظلم المثقَل بالأمراض والأسقام.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنني فقيرٌ وضعيفٌ عاجز، وسائلٌ لدى باب القرآن ليس إلّا، ووسيلةٌ لإبلاغه إلى المحتاجين إليه، يبالغ طلابُ النور المخلصون الخالصون الصِّدِّيقون الصادقون الأصفياء الفدائيون، في حُسن ظنهم بشخصيتي الضعيفة بما يفوقني مئة درجة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل ألّا أخيِّب ظنَّهم الحسن، ولا أَمَسَّ مشاعرهم بسوء، ولا أثبِّط شوقهم للأنوار، ولا أُظهر المستوى الواطئ لمن لقَّبوه بالأستاذ، ولا أُضطر إلى أنواع التصنع المؤلم والتكلف المقيت.. أَترُك لقاء الناس، بل أضطر إلى تركه روحيًّا، لما أشعر به من نفورٍ تَوَلَّد من العيش الانفرادي طوال عشرين سنة، بل أترك حتى اللقاء مع الأصدقاء إلّا ما يخص خدمة النور، فأدَعُ التكلف والتظاهر بما يفوق قيمتي الشخصية، وأَترُك إظهارَ نفسي أمام المُغالين في حُسْن الظن أنها ذات مقام، وأتخلى عن التكبر المنافي كليًّا للإخلاص، وأعافُ التحري عن أذواقِ الأنانية المتسترة تحت ستار الوقار.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا نفسي المفتونة بتلك الأذواق، ألا تُزيل هذه الحالاتُ تلك الأذواقَ كلها؟!</p>
<p style="text-align: justify;">يا نفسي.. ويا دواعي الحسِّ الشقية العمياء، المبتلاة بالأذواق.. لو استمتعتِ بألوفِ أصنافِ المتع، وتذوقتِ ألوفَ أنواعِ الأذواق الدنيوية، فهي إلى زوال في هذا الوضع، بل يتحول ذلك الذوق ألمًا بعينه.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دام تسعون بالمئة من الأحباب الذين مضَوا وصاروا في طوايا الماضي كأنهم يستدعونني -بل حقيقةً- إلى عالم البرزخ، أضطر إلى الفرار من عشرةٍ أصدقاء حاليين؛ ولا جَرَمَ أن حياة البرزخ المعنوية تَفضُل ألفَ مرةٍ هذه الحياة، حياةَ الشيخوخة والانفراد.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، أَسكتَتْ هاتان الحقيقتان إسكاتًا نهائيًّا تلك النفسَ الأمّارة الثانية، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ رضيتْ تلك النفسُ بالذوق الوارد من الروح والمنبعث من القلب.. وسكت الشيطانُ أيضًا، بل حتى المرض المادي المتوطن في عروقي قد خفَّ كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: إذا مِتُّ تزداد خدمة النور -للقرآن والإيمان- وتتوضح وتتبين بإخلاصٍ أتمَّ، بلا حُسَّادٍ ولا اتهامات، فضلًا عن النجاة من آلام التكلف الثقيلة المقيتة، والخلاصِ من أثقال العُجْب وأضرارِ التصنع بدلًا من ذوقٍ جزئيّ مؤقَّت لا أتحراه -في هذا الزمان- ولذةٍ ناشئةٍ من رؤية فتوحات النور بنظر الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم يا نفسي.. لقد تجولتِ -أنت والروحُ والقلب- في هذه السنة ولمرةٍ واحدةٍ في أرجاء الماضي، جولاتٍ حقيقيةً وخياليةً لمشاهدة مَن تشتاقون إليه من المدن التي أمضيتُ فيها حياتي السابقة الممتعة، ولقاءِ الأحبة الذين أَنِسْتُ بهم ردحًا من الزمن، والإخوانِ الذين حزنتِ على فراقهم حزنًا أليمًا، فلَمْ تشاهدي في أوطاني المحبوبة تلك إلّا واحدًا أو اثنين من الأحبَّة، أما الباقون فقد ارتحلوا إلى عالم البرزخ، فلقد تبدلتْ لوحاتُ تلك الحياة التي كانت تطفح باللذة والمتعة إلى لوحاتٍ أليمةٍ تقطر الحزن والأسى، فلا تُراد تلك البقاعُ الخاليةُ من الأحباب ولا تُطلَب إذن.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا <strong>فقَبْل أن تَطردنا هذه الحياةُ وهذه الدنيا قائلةً لنا: اخرجوا عني. نقول بعزةٍ كاملة: الوداع، وفي أمانة اللّٰه وحفظه.. </strong>نعم، هكذا ينبغي أن ندَع هذه الأذواق الفانية محتفظين بكرامتنا وعزتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ألف ألفِ سلامٍ ودعاءٍ لجميع إخواننا، من أخيكم المريض والمسرور سرورًا خالصًا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الفرق بين الإيمان وعدم الإنكار]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(الفرق بين الإيمان وعدم الإنكار) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء، والأبطال الميامين لطلاب النور..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أشاعوا: &#8220;أن الناس يعرفون اللّٰه، فالشخص الاعتيادي يؤمن باللّٰه كما يؤمن به وليٌّ من الصالحين&#8221;، لأجل التهوين -ولو يسيرًا- من قيمة رسائل النور العظيمة، وذلك ببيانِ عدمِ الحاجة إلى المزيد من حشد البراهين الدامغة والدلائل القيِّمة الضرورية التي تَسوقها رسائل النور وتُكثر منها، وكأن هذه الحشود من البراهين الإيمانية لا ضرورة لها، ولا داعي لها.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي إسطنبول يروِّج -وبأسلوبٍ رهيبٍ جدًّا- قسمٌ من المنافقين الذين تورطوا في الكفر المطلق -المشحون بالفوضوية والإرهاب- كلامًا من هذا القبيل، فيقولون: &#8220;لا داعي لنا لمزيدٍ من دروس الإيمان، لأن كلَّ أمةٍ، بل الناسُ جميعًا يعرفون اللّٰه&#8221;، وذلك محاولةً منهم لصدِّ رسائل النور وحرمان الناس من الحقائق الإيمانية التي فيها، التي يحتاجها الناس كلهم حاجتَهم إلى الماء والخبز.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أن <strong>معرفة اللّٰه سبحانه تستلزم الإيمانَ بحقائق &#8220;لا إله الّا اللّٰه&#8221;، بالتصديق القلبي، والإيمان المطلق الجازم بربوبيته سبحانه وتعالى، الشاملة المحيطة بكل ما في الكون، وأن مقاليد الأمور -من الذرات إلى المجرات- بجزئياتها وكلياتها في قبضته سبحانه، ولا تُدار إلّا بقدرته، وتحت إرادته، فلا شريك له في ملكه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما النطق والتفوه بأن &#8220;اللّٰه موجود&#8221; ثم إسناد تصريف الأمور في ملكه إلى الأسباب التي لا عدَّ لها، وإلى &#8220;الطبيعة&#8221;، واتخاذَها شركاءَ للّٰه تعالى، ومن ثم الجهلُ بإرادته النافذة، وعلمه المطلق، ومثولِ كل شيء بين يديه، فضلًا عن عدم الاهتمام بأوامره ونواهيه، والجهلِ بصفاته الجليلة، وما أَرسَل من رسله.. لا شك أن هذا كله ليس من الإيمان في شيء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ولا يَنطق بهذا ناطقٌ إلّا ليسلِّي به نفسَه وينجيها من التعذيب الدنيوي الروحي الذي يعذِّب به الكفرُ المطلق أصحابَه في الدنيا قبل الآخرة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن &#8220;<strong>عدم الإنكار</strong>&#8221; شيء، و&#8221;<strong>الإيمان</strong>&#8221; شيءٌ آخرُ تمامًا، إذ ما من ذي حسٍّ أو شعورٍ يمكنه أن ينكر الخالق ذا الجلال الذي تشهد بربوبيته جميع أجزاء الكون..  فلو حاول الإنكارَ لَحال دونه الكونُ بأجمعه، فيخرس، ويبقى وحيدًا سائبًا معزولًا شاردًا دون سند.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الإيمان، إنه التصديق القلبي بوجود الخالق جل وعلا بصفاته المقدسة وبأسمائه الحسنى، مستندًا إلى شهادة الكون جميعًا كما يعلمنا القرآن الحكيم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه -أي الإيمان- تطبيقٌ لما جاء به الرسل الكرام -عليهم السلام- من أوامره سبحانه وتعالى ونواهيه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وإذا سوّلتْ للإنسان نفسُه أمرًا، فدونه باب الاستغفار والإنابة</strong>.. <strong>أما أن يقترف الكبائر بلا اهتمام ولا مبالاة بالأوامر، ودون استغفارٍ وإنابة، فلا شك أن ذلك دليل خُلوِّه من الإيمان.</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول محبة آل البيت]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حول محبة آل البيت) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأتُ باهتمامٍ وإنعامِ نظرٍ رسالتَكم المستفيضةَ التي هي بمثابةِ بحثٍ كامل، والغزيرةَ بالعلم ودقة الملاحظة وحرارة الشوق، فأقول مقدَّمًا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه هو أستاذ رسائل النور</strong>، وهو الذي يولي اهتمامًا بالغًا برسائل النور في قصيدته &#8220;البديعية&#8221; بإشارات رمزية، وهو أستاذي الخاص في الحقائق الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن محبة آل البيت قد نَصَّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُل لا أسألكم عليه أجرًا إلّا المودَّة في القربى﴾.. هذه المحبة أساسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور، ويَلزم ألّا يكون لدى الطلاب الحقيقيين لرسائل النور أيُّ ميلٍ نحو معاداتها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لأن الضلالةَ والزندقة تستغل الاختلاف في هذا العصر، حتى إن هناك تياراتٍ قويةً تجعل أهلَ الإيمان في حيرةٍ من أمرهم حيث تُبدَّل الشعائر الإسلامية ويُشَنُّ هجومٌ عنيف على القرآن والإيمان، لذا لا ينبغي فتح باب المناقشة في الأمور الفرعية الجزئية التي تسبب الاختلاف إزاء هذا العدو اللدود.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا لا يلزم قطعًا ذمُّ الذين ارتحلوا وذهبوا إلى الآخرة ودار الجزاء، فليس من مقتضى محبة آل البيت -الذين أُمِرنا بحبهم- بيانُ تقصيرات أولئك بيانًا لا جدوى منه بل فيه ضرر.. لأجل كل هذا فقد مَنع أهلُ السنة والجماعة مناقشةَ الفتن التي وقعت زمن الصحابة الكرام رضي اللّٰه عنهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولِاشتراك الذين بُشِّروا بالجنة كالزبير وطلحة وكذلك أُمنا عائشة الصديقة رضي اللّٰه عنهم أجمعين في واقعة الجمل، فقد حَكم أهلُ السنة والجماعة على تلك الواقعة أنها نتيجة الاجتهاد، وأن سيدنا عليًّا رضي اللّٰه عنه كان محقًّا وعلى صواب والآخرون ليس لهم الحق، ولكن لأن الأمر ناشئ من الاجتهاد فهم معفوٌّ عنهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنهم -أي أهل السنة والجماعة- يَرَون أن مناقشة أمر البُغاة في حرب صِفّين فيها ضرر، إذ تثير المناقشةُ نزعتين متضادتين هما: نزعة تقف ضد محبة آل البيت، وأخرى تغلو في حبهم &#8220;كالرافضة&#8221;، فيتضرر الإسلام نتيجة ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قال إمام علم الكلام سعد الدين التفتازاني: إنه &#8220;يجوز لعن يزيد&#8221; وأمثالِه من الظالمين كالحَجاج والوليد، ولكن لم يقل: إن &#8220;اللعن واجب، أو فيه خير وفضيلة، أو فيه ثواب وأجر&#8221;، لأن الذين ينكرون القرآن الكريم ويجحدون بالرسول ﷺ ويرفضون صحبة الصحابة الكرام للرسول ﷺ كثيرون جدًّا لا يُعَدُّون ولا يُحصَون، وهم يصولون ويجولون أمامنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن المعلوم شرعًا أن المرء إن لم يتذكر أحدًا من الذين يستحقون اللعنة ولم يلعنهم، فليس في هذا بأس قط، لأن الذم واللعنة ليسا كالمدح والمحبة، فهما لا يَدخلان في الأعمال الصالحة، وإن كان فيهما ضرر فهو أدهى.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الحاضر، استغل المنافقون بعض العلماء، فأثاروا فيهم نزعةً ضد أهل البيت، علمًا أن العلماء هم المأمورون بالحفاظ على الإسلام والحقائق الإيمانية، حتى وصل بهم الأمر إلى مهاجمة أهل الحقيقة واتهامِهم بانتحالهم نزعةَ التشيّع، ونشَب العداءُ بينهما بحيث أنزل أولئك المنافقون ضربتهم القاضية بالجهتين معًا، وذلك باستعمال كلٍّ منهما ضد الآخر ووضعِه في مجابهته.</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء الذين يَسْعَون في إنزال الضربة القاضية بالإسلام ماثلون أمامنا.. وقد دَوَّنتَ جزءًا من هذا في رسالتك، وأنت تعلم يا أخي أن أخبث الوسائل المؤثرة على رسائل النور وعليّ بالذات -والمستعملة حاليًّا- قد وجدوها لدى العلماء.</p>
<p style="text-align: justify;">إن بعض العلماء الذين تلوثوا بالبدع، يمكنهم أن يُنزلوا ضربتهم بك وبطلاب النور متذرعين باجتهادكم الناشئ من محبة آل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في الوقت الحاضر، فهؤلاء يتسترون بالوهابية الحاكمة على الحرمين الشريفين، حيث تُتَداول فيما بينهم -منذ أمدٍ بعيدٍ في إسطنبول- كتبٌ مُلفتة للأنظار وجذّابة لابن تيمية، وهو من العباقرة المشهورين وتلميذه ابن قيم الجوزية، ولا سيما بعد أن أُشيع أن نزعتهم ضد الأولياء ومشربهم متّسم بشيء من التسامح للبدع.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام ليس هناك أمرٌ شرعي في عدم الذم وفي عدم التكفير، بينما في الذم والتكفير حكمٌ شرعي، فالذم والتكفير إن كانا على غير حق ففيهما ضرر كبير، وإن كانا على حق فلا ثواب فيهما، لأن هناك ما لا يُحَدُّ من الناس ممن يستحقون الذم والتكفير، أي إن عدم التكفير وعدم الذم ليس فيهما حكم شرعي وليس فيهما ضرر أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل هذه الحقيقة فقد اتخذ أهلُ الحقيقة وأهلُ السنة وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت، اتخذوا لأنفسهم قاعدة سامية مستندين إلى تلك الحقيقة، فقالوا: <strong>لا يجوز مناقشة ما حدث بين المسلمين من الفتن وليس فيها نفع، بل فيها ضرر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هناك صحابة كرامًا قد وُجدوا -على أية حال- في كلِّ من الطرفين، <strong>فإنّ بحث تلك الفتن يورد إلى القلب شيئًا من الانحياز إلى جهة، مما يولّد اعتراضًا أو رفضًا لأولئك الصحابة العظام</strong> أمثال طلحة والزبير رضي اللّٰه عنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وحتى لو كان هناك خطأ سبب للاعتراض فهناك احتمال قوي للتوبة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا يليق قطعًا بالمؤمن الحصيف، ولا بوظيفته المقدسة في هذا الوقت، أن يهمل الذين ينزلون ضرباتهم القاضية بالإسلام فعلًا ممن يستحقون اللعنة والذم بألوف المرات، ويَذهب إلى أزمان غابرة ليتحرى في الأحوال التي لم يأمر الشرع بالتحري فيها والتي لا جدوى منها بل فيها ضرر.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي.. لا أُخفي عنك أن مناقشتكم الطفيفة مع &#8220;صبري&#8221;، لها ضرر بالغ برسائل النور وبانتشار حقائق الإيمان، فلقد شعرتُ بذلك هنا، وتألّمتُ من جرائها؛ إذ في الوقت الذي كنا ننتظر منكما خدمةً إيمانيةً جليلةً بمجيء &#8220;صبري&#8221; إليكم، والذي سيكون وسيلةً جادةً لرسائل النور هناك، وأنت العالِم المحقق؛ شعرتُ -بخلاف ذلك- بضرر كبير في ثلاث جهات، بل رأيتُ ذلك الضرر، وقلتُ: ترى ما الذي أدى إلى هذا الضرر؟</p>
<p style="text-align: justify;">تلقيتُ الخبر بعد ثلاثة أيام، من أن &#8220;صبري&#8221; قد ناقشك مناقشة لا طائل من ورائها ولا فائدة يرجى منها، وأنت بدورك قد أخذ منك الغضب والحدة مأخذًا.. فتأسفتُ قائلًا: أواه..! ودعوتُ اللّٰه: اللّٰهم يا ربنا ارفع المناقشة التي بين هذين الأخوَين القادمَين إلينا من أرضروم، ليكونا معاونَين لي في خدمتنا للإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما جاء في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5-1/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#laj_altnafs_byn_ahl_alhq">رسالة الإخلاص</a></strong>: &#8220;إن أهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجةٍ إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضًا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتًا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعًا لعدوهم المشترك المتعدّي&#8221;، لأن الكفر المطلق يشن هجومًا عنيفًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فأرجو من غَيرتك الدينية، وتجاربك في حقل العلم، وعلاقتكم القوية برسائل النور، أن تسعى لنسيان ما جرى بينكم وبين &#8220;صبري&#8221;.. اصفحْ عنه وسامحه، لأن &#8220;صبري&#8221; لم يفكر بعقله، بل بما سمع من مناقشات لا طائل من ورائها جرت بين علماء سابقين، فأنت أعلم بأن الحسنة العظيمة تُكفِّر عن سيئات كثيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن أخانا &#8220;صبري&#8221; قد خدم النور خدمة عظيمة حقًّا، وبوساطتها خَدَم الإيمانَ خدمةً جليلةً بحيث تكفِّر عنه ألفًا من أخطائه.</p>
<p style="text-align: justify;">فأرجو أن تنظروا إلى المسألة من زاوية نجابتكم، ومن زاوية خدماته العظيمة للنور، وأن تعدوه أخًا رفيقًا في خدمة النور.</p>
<p style="text-align: justify;">إن قسمًا من الصحابة قد ظهروا في الجهة المخالفة للإمام علي في تلك الفتن نتيجةَ الأخذ بالعدالة النسبية (الإضافية)، واتباعًا للرخصة الشرعية، بدلًا من أن يكونوا مع الإمام عليٍّ الذي ألزم نفسه الأخذ بالعدالة الحقيقية (المحضة)، والأخذَ بالعزائم الشرعية مع مسلكه المتسم بالزهد الشديد والاستغناء عن الناس والتقشف.. فأولئك الصحابة الكرام قد تركوا مسلك الإمام علي ودخلوا في الصف المخالف له نتيجة هذا الاجتهاد، حتى إن &#8220;عقيل&#8221; وهو أخو الإمام علي، و&#8221;ابن عباس&#8221; الملقب بحَبر الأمة، كانا في الصف المخالف للإمام لفترة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل كل هذا فقد اتخذ أهلُ السنة والجماعة القاعدةَ الأساسية الشرعية، وهي عدم جواز فتح أبواب تلك الفتن، فقالوا: &#8220;من محاسن الشريعة سدُّ أبواب الفتن&#8221;: وقد طهَّر اللّٰه أيدينا فنطهِّر ألسنتنا<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">لأنه: إن كان هناك بضعة أفرادٍ يستحقون الاعتراض عليهم، إلّا أن هذه النزعة، نزعةَ الانحياز إلى جهة، يسوق إلى الاعتراض على أجلّاء الصحابة الكرام ممن هم من العشرة المبشرين بالجنة، كالطلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم، وحتى على قسمٍ من أهل البيت ممن هم في الصف المعارض، فينتبه لدى المعترض عِرقُ العداوة والذم تجاههم؛ لهذا فأهل السنة يرجحون سد أبواب الفتن.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن سعد الدين التفتازاني -وهو من أئمة علم الكلام وأهل السنة- الذي جوَّز تلعين يزيد والوليد وتضليلَهما، قد انبرى له السيد الشريف الجرجاني وهو من أجلّة علماء أهل السنة قائلًا: &#8220;مع أن يزيد والوليد فاجران وظالمان غدّاران، إلّا أن العلم بأنهما قد رحلا إلى الآخرة على غير الإيمان: من أمور الغيب. ولأن هذا غيبٌ، ولا يُعلَم علمًا قاطعًا بأنهم قد تركوا الدنيا على غير الإيمان، وليس لنا دليلٌ قطعيٌّ ولا نصٌّ جازمٌ على ذلك، وهناك احتمالُ التوبةِ وذهابِهما من الدنيا على الإيمان، فلأجل هذا لا تجوز اللعنة بمثل هذا التخصيص والتلعين الشخصي، وإنما تجوز اللعنة إذا كانت عامة، كأن يقول: لعنة اللّٰه على الظالمين والمنافقين. وإلّا فلا ضرورة لغير هذا النوع من اللعنة، ولا لزوم لها، بل لها ضرر&#8221;.. وهكذا ردّ على سعد الدين التفتازاني.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن سبب عدم إجابتي لرسائلك العلمية الدقيقة جوابًا مفصلًا والاقتصار على هذا القدر المستعجل، هو مرضي الشديد ومشاغلي المهمة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">إن طرق البحث أو حتى التفكر في ذلك الجرح العميق الذي يُبكي العالمَ الإسلامي منذ ألفٍ وثلاثمئة سنة، والذي دفع أهلَ الحقيقة جميعًا إلى إطلاق الزَفَرات والحسرات: يُؤلمني ألمًا لا يطيقه مشربي الخاص، ولا سيما أن خدمة الإيمان خدمةً حقيقيةً بالإخلاص -منذ عشرين سنة- قد سحبتني كليًّا من ميدان السياسة بكافة أنواعها، ولم تدَعْني لقراءةِ جريدة واحدة طوال هذه المدة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإني أَحمِل -مضطرًّا- حالةً روحيةً تدفعني إلى عدم الالتفات إلى الحياة السياسية، وإيثارِ حياة الأسر المعذِّب طوالَ عشرين سنة التي خلت، وعدمِ مراجعة الحكومة -سوى دفاعاتي أمام المحاكم- لئلا يَرِدَ نقصٌ إلى خدمة الإيمان وحفاظًا على الإخلاص من الانثلام، بل لم أهتم بأخبار الحرب العالمية ولم أذكِّر أحدًا بها طوال عشر سنوات، لئلا أتلوث بالسياسة.. إن هناك ضرورة الآن إنقاذ أهل الإيمان من لدغات ثعابين ماردة تهاجمهم هجومًا شرسًا من حيث حقائق الإيمان، وتنفث سمومَها القاتلة في الكثيرين أمام أنظارنا.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الوضع هكذا، <strong>فإن الانسلاخ من هذا الزمان الحالي، والذهابَ إلى عصورٍ سابقة، ومشاهدة الظلم الرهيب الواقع على أهل البيت: يسحق روحي أكثر ويَفُتّ في القوة المعنوية، ويعذّبني عذابًا لا يوصف</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الدستور الغادر للسياسيين الظلمة الذي هو: &#8220;يُضحَّى بالفرد لأجل الجماعة&#8221; له وقائعُ وأحداثٌ قاسيةٌ ظالمةٌ تحت اسم: &#8220;أهون الشرين&#8221; الذي اتّخذه بعضُ الحكام نوعًا من أنواع العدالة الإضافية (النسبية)، وأبرزوه لمصلحةِ إدامة حكمهم، وحتى في هذا العصر بموجب هذا الدستور الغادر يُفني أحدُهم قريةً كاملةً بخطأِ شخصٍ واحدٍ فيها، ويُهلِك أُلوفَ الناسِ لتوهُّمِ ضررٍ قد يَلحق بسياستهم من جراءِ معارضةِ عشرة أشخاص.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن هذا الدستور الغادر للسياسة قد دخل -إلى حدٍّ ما- بين المسلمين في العصور الإسلامية، فقد آثر السلفُ الصالحون السكوتَ -مضطرين- أمام هذه الدساتير الرهيبة، فَسَدَّ أئمةُ أهل السنة والجماعة تلك الأبواب بقولهم: &#8220;طهَّرَ اللّٰه أيديَنا فنطهِّر ألسنتنا&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دام الذين ظلموا أهلَ البيت يَرَوْن عقابهم الآن في الآخرة عقابًا أليمًا بما لا يدع حاجةً إلى معاونتنا بالهجوم على الظَلَمة، وينال أهلُ البيت المظلومون -ثوابَ ما قاسوا من عذابٍ مؤقت- درجةً عظيمة لا تبلغها عقولُنا لسعَتها ورفعتها، فالأَولى إذن تهنئتُهم بألوف التهاني، من حيث نيلُهم تلك الرحمة الواسعة وليس التألم لحالهم الآن؛ إذ مثلما أنهم حازوا ملايين المراتب والسعادات الباقية في الآخرة، مقابل بضعِ سنين من المتاعب والآلام، كذلك أصبح كلٌّ منهم سيدًا وسلطانًا معنويًّا وإمامًا في عالم الحقيقة، بدلًا من سلطنةٍ دنيويةٍ فانيةٍ في مدة حياتهم الدنيوية وحاكميتِها المؤقتة وسياستِها المضطربة التي لا أهمية لها، وصاروا أئمةَ الأولياء والأقطاب بدلًا من ولاة الولايات.. ففوزُهم هذا هو فوزٌ عظيم بملايين أضعاف مراتب الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل هذا السر الدقيق <strong>فقد أخذتُ الحقيقة السابقة من أساتذةِ سعيد الجديد وهم: الإمام الرباني، الشيخ الكيلاني، الإمام الغزالي، والإمام زين العابدين رضي اللّٰه عنهم -حيث تلقيت مناجاة &#8220;الجوشن الكبير&#8221; من هذين الإمامين خاصة- وسيدنا الحسين، والإمام علي رضي اللّٰه عنهم جميعًا؛ فالدرس الذي تلقيتُه منهم لدى ارتباطي بهم ارتباطًا معنويًّا دائمًا -بواسطة الجوشن الكبير- هو تلك الحقيقة، لذا فالمشرب الحالي الوارد من رسائل النور إذن هو مشربُهم الذي ارتشفتُه من منهلهم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا لا ينسجم ومشربَنا النظرُ إلى غدر الظالمين، ولا حتى التفكر فيه، حيث قد نال الظالمون عقابَهم والمظلومون ثوابَهم بما هو فوق طوق عقولنا، فالانشغال بمثل تلك المسائل يُلحق الضرر بالوظيفة القرآنية التي كُلِّفْنا بها، ولا سيما والمصائب تنزل تترى على الدين في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن علماءَ علم الكلام وأئمةَ أصول الدين والمحققين الأفذاذ من علماء أهل السنة والجماعة، بعد إجراء تحقيقات وتدقيقات كثيرة حول العقائد الإسلامية، وإقامةِ المحاكمات العقلية والموازنات في ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ارتضَوا بدساتيرَ في أصول الدين، تلك الدساتير تأمر بالحفاظ على مشرب رسائل النور الحالي، وتمدُّها بالقوة.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا لا يستطيع أيُّ أحدٍ -حتى لو كان من أهل البدع وفي أي مكان كان- الاعتراضَ على مشربنا، ولما كانت حقيقةُ الإخلاص محفوظةً فيه حفظًا تامًّا، يستطيع أيُّ نوعٍ من أنواع أهل الإسلام الدخولَ في دائرة رسائل النور، فالمتعصب في تشيعه، والمغالي في وهابيته، وأشدُّ الفلاسفة ماديةً وعمقًا في العلم، وأكثرُ العلماء أنانيةً وتزمتًا، قد بدأوا بالدخول معًا في دائرة النور، ويعيش قسمٌ منهم الآن إخوة متحابين في تلك الدائرة.. حتى إن هناك أماراتٍ بدخولِ مبشرين نصارى من الروحانيين الحقيقيين في تلك الدائرة، لِما يشعرون بضرورة الترابط والمصالحة، طارحين موادَّ المناقشة والمنازعة جانبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن رسائل النور التي أَخبر عنها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بإشاراتٍ تبلغ حوالي الأربعين، وبدرجةِ الصراحة أحيانًا، هي ضِمادٌ لجروح هذا الزمان، ولهذا كَفَتْنا تلك الدائرةُ فلا نخرج منها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن التعرضَ لشخصِ سيدنا علي كرم اللّٰه وجهه، ونقْدَ حياته وسياسته الجارية على العدالة المحضة: شيء، والتعرضَ لشخصيته المعنوية ونقْدَ كمالاته العلمية ومقامِ ولايته ووراثته للنبوة، التي تفوق ألوف المرات شخصيته الظاهرية وحياته الدنيوية وسياسته الاجتماعية: شيء آخر؛ وأَنَّى لأحدٍ الدنو من التعرض لها أو نقدها، بل لم يَرِد ذلك قطعًا ولن يَرِد.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا يبدو رهيبًا جدًّا تعرُّضُ الذين يحاولون الجمع بين الجهتين معًا، حيث يورث الحيرةَ والدهشةَ في صفوفِ أهل الإيمان من أنه: هل يمكن أن تحدث فتنةٌ كهذه بين أهل الإيمان؟</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أنه عدا أشخاصٍ تافهين خبيثين كيزيد والوليد، فإن القسم الأعظم ممن تعرضوا للإمام علي رضي اللّٰه عنه تعرضوا لإدارته الخاصة ولحياته الإنسانية الاجتماعية، فأخطأوا، وليس لكمالاته وكراماته ووراثته للنبوة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن من الضروري تركَ العداء الصغير الطفيف الداخلي لدى هجوم الأعداء الضخام الخارجيين، إذ بخلافِ ذلك سيكون الأمر في حكم العون للعدو الكبير الخارجي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا فعلى المنحازين من المسلمين إلى جهة من الجهات ضمن دائرة الإسلام أن يتناسوا تلك العداوات الداخلية مؤقتًا، كما تقتضيه مصلحة الإسلام.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">حضرة السيد حلمي أوران.. وزيرَ الداخلية السابق وسكرتير حزب &#8220;الشعب الجمهوري&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> حاليًّا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: في غضون عشرين سنة كتبتُ إليكم عريضةً واحدةً فقط -يوم كنتم وزيرًا للداخلية- إلّا أنني لم أقدمها إليكم لئلا أُخِلَّ بقاعدتي التي أسير وفقها، فإن شئتم فسأقرأها لكم وأتكلم معكم بصفتكم وزيرًا سابقًا للداخلية وسكرتيرًا عامًّا للحزب؛ فاسمحوا لي بالكلام لساعةٍ أو ساعتين، إذ الذي لم يتكلم مع الحكومة منذ عشرين عامًا، لو تكلم عشر ساعاتٍ مع ركنٍ من أركان الحكومة وباسمها ولمرة واحدة، فهو قليل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: أجدني مضطرًّا إلى بيانِ حقيقةٍ لكم لكونكم سكرتير الحزب حاليًّا.. والحقيقةُ هي: أن هذا الحزب -الذي تقوم أنت بمهمةِ سكرتاريته- عليه مهمة أمام الشعب، وهي أن الأمة التركية ومن معها من إخوة الدين الحاملين لراية الإسلام منذ ألف سنة، جعلوا الأمة الإسلامية قاطبة ممتنة لها ببطولتهم وصانوا الوحدة الإسلامية، ونجَّوا البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الإيمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن لم تتبنّوا حاليًّا -ببسالةٍ كالسابق- الحقائقَ القرآنية والإيمانية، وإن لم تقوموا -وأنتم أهل الغيرة- بالحث على الحقائق القرآنية والإيمانية مباشرةً بدل قيامكم خطأً في عهدٍ سابقٍ بالدعاية للمدنية الغربية وإضعافِ الروح الدينية، فإني أحذركم وأنذركم قطعًا، وأبين ذلك بحججٍ قاطعةٍ أن العالم الإسلامي سيَنفر من هذه الأمة بدلًا من أن يوليها المحبة، بل سيُضمر العداوة لأخيه البطل: الأمة التركية، وستُقهَرون أمام الفوضى والإرهاب الذي يتستر تحت ستار الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الإسلامي، وستكونون سببًا في تشتيت هذه الأمة التركية التي هي قلعةُ العالم الإسلامي وجيشُه البطل، وستمهِّدون لاستيلاء الغول الوحش (الشيوعية) على هذه البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذه الأمة البطلة لا تصمد أمام صدمات التيارَين الرهيبَين الآتيَين من الخارج إلّا بقوة القرآن، فلا يَصُدُّ هذا التيارَ الجارف، تيارَ الكفر المطلق والاستبداد المطلق وإشاعةِ السفاهة وإباحة أموال الناس، إلّا الأمة التي امتزجت روحُها بحقائق الإسلام وأصبحتْ جزءًا من كيانها، تلك الأمة التي تعتزُّ بالإسلام مجدًا لماضيها.</p>
<p style="text-align: justify;">وسيوقف هذا التيارَ بإذن اللّٰه قيامُ أهل الغيرة والحمية لهذه الأمة ببثِّ روح الحقائق القرآنية الموغِلة في عروق هذه الأمة، وجعلِها دستورَ حياتها، بدلًا من نشر التربية المدنية الغربية.</p>
<p style="text-align: justify;">أما التيار الثاني: فهو استمالة العدو مستعمراتِه في العالم الإسلامي وربطُهم به ربطًا وثيقًا، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنزلتِها المركزية للعالم الإسلامي، بعد وصمها باللادينية والإلحاد، والذي يفضي إلى انفصامِ العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الإسلامي، وقلبِ روحِ الأخوَّة -التي يحملها العالم الإسلامي تجاه هذه الأمة- إلى عداء.. وغيرها من أمثال هذه الخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئًا من النجاح لحدّ الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إذا استرشد هذا التيارُ وبدَّل خطته الرهيبة هذه وعامَلَ الدينَ الإسلامي بالحسنى داخل البلاد، مثلما يلاطف العالَمَ الإسلامي، فإنه يَغنم كثيرًا ويكون ممن حافظ على إنجازاته، وعندئذٍ تنجو الأمة والبلاد من كارثة مدمرة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو سعيتم -أنتم الذين تتولون مقام سكرتارية أهل الحمية والقومية- للحفاظ على الأسس التي تسحق المقدسات الدينية وتعمِّم المدنية الغربية، ونسبتم الحسنات الحاضرة وحسنات الانقلاب إلى إجراءاتِ قلةٍ من الأشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب، وأحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسيمة إلى الأمة، فعندئذٍ تُعمِّمون إذن ما ارتكبه أشخاصٌ قلةٌ من سيئاتٍ إلى ملايين من السيئات، فتخالفون إذن آمالَ هذه الأمة المتدينة البطلة، وتجافون جيش الإسلام، وتعارضون إذن الأمةَ جميعًا، وتديرون ظهرَكم إلى ملايين الأبطال الميامين الذين نالوا شرف الشهادة، فتعذبون أرواحهم الطيبة، وتَحُطون من شأنهم وتهوّنون من شرفهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا إذا نُسِبتْ تلك الحسنات التي أُحرِزتْ بهمَّة الأمة وقوةِ الجيش إلى أولئك القلة القليلة من الانقلابيين، انحصرتْ ملايين الحسنات في بضع حسنات فقط، وتضاءلت وزالت، فلا تكون كفّارةً لأخطاء فاحشة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: لا شك أن لكم معارضين في جهات كثيرة داخلية وخارجية، وحيث إني لا أنظر ولا أهتم بأحوال الدنيا والسياسة، فلا أعرف تلك الأمور، ولكن لأنهم ضايقوني كثيرًا في هذه السنة اضطررتُ أن أنظر إلى سبب هذه المضايقة، فعلمتُ أن معارضةً قد ظهرتْ، فلو وَجَدتْ هذه المعارضة زعيمًا كفوءًا لها، وانطلقتْ إلى الميدان باسم الحقائق الإيمانية لغلبتكم وانتصرت عليكم في الحال، ذلك لأن تسعين بالمئة من هذه الأمة مرتبط روحًا وقلبًا بالأعراف الإسلامية منذ ألف سنة، وحتى لو انقادت ظاهرًا إلى ما يخالف فطرتها فإنها لا ترتبط به قلبًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن المسلم يختلف عن أفراد الأمم الأخرى، إذ لو تخلَّى عن دينه فلا يكون إلّا إرهابيًّا فوضويًّا لا يقيده شيء أيًّا كان، بل لا يمكن إدارته بأيٍّ من وسائل التربية والإدارة إلّا بالاستبداد المطلق والرشوة العامة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك حجج كثيرة تثبت هذه الحقيقة وأمثلة كثيرة عليها، أختصرها محيلًا الأمر إلى فطنتكم.</p>
<p style="text-align: justify;">لا ينبغي لكم أن تتخلّفوا عن الدول الاسكندنافية التي شعرت بحاجتها الشديدة إلى القرآن الكريم في هذا العصر، بل عليكم أن تكونوا قدوةً لها ولأمثالها من الدول؛ فلو أسندتم ذنوبَ الانقلاب التي حصلتْ حتى الآن إلى بضعة أشخاص، وسعيتم لتعمير الدمار -ولا سيما بحقِّ الأعراف الدينية- التي نجمتْ عن ظروف الحرب العالمية وانقلابات أخرى، لقلَّدكم سعيُكم هذا شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولأصبحَ كفارةً لذنوبكم العظيمة، وكنتم أهلًا لصفة أهل الحمية والغيرة على الأمة، لما تقدمون من خدمة للأمة والوطن.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: ما دام الموتُ لا يُقتل، وبابُ القبر لا يُغلق، وأنتم ستُهرعون إلى القبر كأي إنسان آخر، وأن ذلك الموت -الذي لا مناص منه- إعدامٌ أبديٌّ لأهل الضلالة، لا تُبدِّله مئةُ ألفٍ من الدعوات الوطنية وحبِّ الدنيا والإنجازات السياسية، إلّا القرآنُ الكريم الذي يبدِّل ذلك الإعدامَ الأبديَّ إلى تذكرةِ تسريحٍ لأهل الإيمان، كما أثبتت ذلك رسائلُ النور الموجودة بين أيديكم، والتي لم يعارضها أيُّ فيلسوف ولا أي ملحد كان، بل هي التي جَذبت إلى حظيرة الإيمان كلَّ من قرأها من الفلاسفة بدقةٍ وإنعام.</p>
<p style="text-align: justify;">وحتى في ظروف هذه السنين الأربع لم يملك الفلاسفة والعلماء الخبراء ولا محاكمُكم الأربع إلّا الإعجابَ بها وتقديرَها وتصديقَها، فلم يعترضوا عليها، لحُججها الرصينة في إثبات الحقائق الإيمانية، فضلًا عن أنها لا ضرر يَرِد منها لهذا الوطن والأمة، بل إنها سدٌّ قرآني -كسد ذي القرنين- أمام التيارات الرهيبة المهاجمة، ولي مئةُ ألفِ شاهدٍ على هذا من الأمة التركية ولا سيما من الشباب المثقف.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الأسباب المذكورة، فإن واجبكم الأساس هو تبنّي أفكاري هذه التي طرحتها لكم بجد واهتمام، فأنتم تستمعون دائمًا إلى الكثيرين من الدنيويين السياسيين، فيلزم الاستماع -ولو قليلًا- إلى ضعيف عاجز مثلي واقف على شفير القبر، يبكي على حال المواطنين، ويتكلم معكم في سبيل الآخرة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا أُحسن الظن بنفسي]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لا أُحسن الظن بنفسي) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">  جوابٌ خطر على البال لمناسبة سؤال مادي ومعنوي‌:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقال</strong>: لِمَ لا تَقبل مقامًا ومزايا لشخصك بالذات الذي هو موضعُ حُسْن ظنٍّ مفرطٍ لطلاب النور وقناعتهم التامة بحق شخصك، علمًا أن قبولك ذلك المقام يكون مثار شوقهم للعمل في خدمة الإيمان، بل نجدك تَصرِف تلك المزايا عن شخصك إلى رسائل النور وحدها، وتُظهر نفسك خادمًا كثير الذنوب؟!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: حمدًا للّٰه وشكرًا له لا منتهى لهما، فإن لرسائل النور مرتكزاتٍ قويةً لا تتزعزع، وحججًا نافذة ساطعة لا تخبو، بحيث تستغني عما يُظَن في شخصي من مزايا وقابليات، فهي ليست كالمؤلفات والآثار الأخرى التي تبني أهميتها على قابلية مؤلفها وتَستمد قوتها وحُسنَها منه، بل هي تستند على حججها القاطعة منذ عشرين سنة، حتى أرغمتْ أعدائي الماديين والمعنويين على الاستسلام، والأمر واضح أمام الجميع.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهم لها، فإن أعدائي الملحدين ومعارضيَّ الظَّلَمة كان يُمْكنهم أن يُنزلوا ضربتهم القوية برسائل النور، وذلك بالنيل من شخصي المقصّر المذنب.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما أولئك الأعداء، لِطَيشهم وبلاهتهم، يدبرون ما وسعهم من الدسائس والوسائل للحط من قيمتي والنيل من شخصيتي، وإذ هم يَسْعَون ليَحُولوا دون توجه الناس نحوي وإقبالِهم عليّ، لا يستطيعون أن يَحُولوا دون فتوحاتِ رسائل النور الإيمانية ولا التهوين من شأنها، بل يَعجزون عن أن يجعلوا محبين جددًا يتخلون عن خدمة الإيمان، رغم ما كدَّروا من صفاء أذهانهم وقلوبهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الحقيقة، ولأجل طغيانِ الأنانية وهيمنتها الواسعة في هذا الزمان، أَرْفُض حُسْنَ الظن المفرط بشخصي الذي يَفوق كثيرًا حدِّي وطوقي، لأني كإخوتي، لا أحسن الظن بنفسي، فضلًا عن أن المقام الأخروي الذي منحه إخوتي أخاهم هذا الفقير إن كان مقامًا دينيًّا حقيقيًّا، وإن كنت أعلم أن نفسي أهلٌ له -حاشَ للّٰه- فهذا دليل على عدمه، وإذا كنتُ أرى نفسي فارغًا عن ذلك المقام، يَلزم إذن عدمُ قبول هداياهم ومِنَحهم كذلك، وذلك -حسب القاعدة المذكورة في المكتوب الثاني- فضلًا عن أن الذي يرى نفسه صاحب مقام فالأنانية ربما تتداخل في الأمر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مسلك النور يحقق فوائد الطريقة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(مسلك النور يحقق فوائد الطريقة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء.. أخي العزيز البطل صبري..</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن يهيئ جنودًا مضحّين كالسيد &#8220;غالب&#8221; للجيش الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذا الفاضل يخدُم الإيمان في الغرب والشرق كخدمةِ &#8220;خلوصي&#8221;، ويحاول جذبَ أهل الإيمان وانتشالهَم من الضلالة عن طريق التصوف.. إن هذا الفاضل قد حاول سابقًا أن يعمل في مسلك النور قبل اطلاعه على الرسائل، ويتمكن أن يعمل أكثر عندما تقوّى علاقته بالرسائل، إلّا أن أساس مسلك النور: الحقيقة، السنة النبوية الشريفة، الاهتمام بالفرائض والاجتناب عن الذنوب، ويَنظر إلى التصوف بدرجة ثانية وثالثة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أخونا &#8220;غالب&#8221; فهو يعمل في صفوف &#8220;العلويين&#8221;، فيفكر أن يلقنهم دروسًا في طريقةٍ صوفيةٍ هي خلاصةُ طرق القادرية والشاذلية والرفاعية وضمن السنة النبوية بشرط عدم التعرض للخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وضمن نطاق محبة آل البيت، وهذا السلوك له فوائد مهمة عدة باسم الحقيقة وفي سبيل إنقاذ الإيمان وصيانته من البدع.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: لها فائدة جليلة في الحيلولة دون كسب التيارات الأخرى العلويين، وصونِهم من غلو الرافضة والتيار السياسي البكتاشي.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: أن العلويين الذين اتخذوا حبَّ آل البيت مسلكًا لهم لا يدخلون ضمن الكفر المطلق مهما أفرطوا، بل حتى لو كانوا روافض، <strong>لأنه كلما توغلت محبةُ آل البيت في قلوبهم فإنهم لا يدخلون الكفر المتضمن العداءَ للرسول الكريم ﷺ وآل البيت</strong>، بل يتمسكون بالإسلام بشدة بوساطة تلك المحبة؛ فجلبُ أمثال هؤلاء إلى دائرة السنة النبوية عن طريق الصوفية يُعَدُّ فائدةً جليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن جلب العلويين إلى دائرة النور فيه مصلحةٌ عظيمة، وذلك للحيلولة دون استغلال تياراتٍ سياسيةٍ شجاعتَهم الفطرية بما يضر وحدة أهل الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان أستاذُ طلاب رسائل النور هو الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه، وحبُّ آل البيت أساس في مسلك النور، فينبغي دخول العلويين الحقيقيين إلى دائرة النور بشوق كامل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن هذا الزمان زمانُ إنقاذ الإيمان</strong>، ولأن هناك مشكلاتٍ في مسلك الطريقة الصوفية بالسير والسلوك وفي زمن البدع هذا، لذا تسلك دائرة النور مسلكَ الحقيقة محقِّقة فوائدَ الطريقة الصوفية.</p>
<p style="text-align: justify;">اكتبوا هذا إلى أخينا ذاك مع سلامي ومع تهنئتي له بشهر رمضان المبارك، وليدعُ لنا أيضًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[قد أغلقتُ منافذ النفس]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(قد أغلقتُ منافذ النفس) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ، إلّا أنني لم أفاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلًا في شؤون الأمراض التي ألمَّت بي رغم أن الآلام كانت تعصرني وأنا في أمَسِّ الحاجة إليهم؛ فلما رأَوني لا أدير الحديثَ حول المرض قطعًا، اعتراهم قلقٌ واضطراب، لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة، أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم: إن أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسوء، ينقِّبان معًا -بإيحاءٍ من الشيطان- عن طبعٍ ضعيفٍ عندي وعِرقٍ واهٍ في خُلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخِلُّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة، ويعرقلوا نشر الأنوار.</p>
<p style="text-align: justify;">حقًّا.. إن أضعفَ جانبٍ عند الإنسان، وأخطرَ مانعٍ للعمل، إنما هو المرض، لأنه إذا اهتم المريض بمرضه كثيرًا اشتدت أحاسيسُ الجسد عليه وسيطرتْ حتى يجد المريض نفسه مضطرًّا.. فتُسكت تلك الأحاسيسُ الروحَ والقلبَ عندئذ، وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجئه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته، وهذا هو الذي يُخِلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة، إلّا أنهم لم ينالوا شيئًا من هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشيء من أحكامهم حتى بإعداماتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هناك خُلقًا ضعيفًا وعِرقًا واهيًا لدى الإنسان، وهما الاهتمامُ بهموم العيش والطمعُ، فقد بحثوا عنهما كثيرًا للاستفادة منهما، ولكن لم يَجْنوا شيئًا بفضل اللّٰه من ذلك الجانب الضعيف، حتى خَلَصوا إلى أن متاع الدنيا الذي يضحُّون في سبيله بمقدساتهم، تافهٌ لا يساوي شيئًا عندنا، وقد تحقق ذلك عندهم بحوادث كثيرة، حتى إنه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا أكثر من مئة مرة استفسارًا رسميًّا من الإدارات المحلية: بِمَ يعيش؟</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن طلب الشهرة والتطلعَ إلى المراتب عِرْقٌ ضعيفٌ في الإنسان وجانبٌ واهٍ فيه، فقد أَمرت -السلطات- أن يُستَغل ذلك العرق الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور، ولكنهم -بفضل اللّٰه- لم يوفَّقوا إلى شيء، وأدركوا إدراكًا قاطعًا أن ما يتطلعون إليه -لحدِّ العبادة- من الشهرة الدنيوية نعتبرها رياءً وإعجابًا بالنفس مضرًّا بالإنسان، وأن ما يُولُون من اهتمامٍ بالغٍ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنا شِرْوى نقير، بل نَعُدُّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن ما يعدُّ فينا -من حيث خدمتُنا- جانبًا ضعيفًا وعِرْقًا لا يقاوَم، مع أنه -من حيث الحقيقة- جانبٌ مقبول لدى الناس كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقامًا معنويًّا ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات.. فهذا الجانب رغم أنه لا ضرر فيه البتة، وليس له غير النفع، إلّا أنه في زمانٍ قد استولت فيه الأنانية وطغتْ فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حتى انحصر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه.. أقول: إن القيام بخدمة الإيمان في هذا الزمان -تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى أن تستغل لأي شيء كان- تقتضي عدم البحث عن مقاماتٍ معنوية شخصية، بل يجب ألّا تومئ حتى حركاتُ المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يَلزم عدمُ التفكير فيها أصلًا، وذلك لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا أَدرك الذين يَسْعَون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديَّ بأني <strong>لا أتحرى خارج خدمة النور ما يتحراه كلُّ إنسان من كشفٍ وكراماتٍ وخوارق ومزايا أخرى روحية،</strong> فرجعوا خائبين من هذا الجانب.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى إخواننا فردًا فردًا.. ونسأله تعالى برحمته الواسعة أن يجعل ليلة القدر المقبلة بمثابة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور، ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول النظر الحرام]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حول النظر الحرام) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد حان وقت تبيان حادثة عجيبة لحياتي، ومؤلمة ولطيفة، وفي الوقت نفسه نبيِّن ما يبثه الأعداء من افتراء شنيع لا يمكن أن يُقنع الشيطانُ نفسُه أحدًا قط، مما يتوضح كيف أن الأعداء لم يبق لديهم أي سلاح كان تجاه النور.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه من المعلوم لدى المطلعين على تاريخ حياتي أنني مكثتُ سنتين في مَضِيف الوالي المرحوم &#8220;عمر باشا&#8221; في بتليس بناءً على إصراره الشديد، ولفرط احترامه للعلم والعلماء.. كان له من البنات سِتٌّ؛ ثلاثٌ منهن صغيرات، وثلاثٌ بالغات كبيرات.. ومع أني كنت أعيشُ معهم في سكنٍ واحدٍ طوال سنتين، إلّا أنني لم أكن أميِّز بين الثلاث الكبيرات؛ إذ لم أكن أسدد النظر إليهن كي أعرفهن وأميّز بينهن؛ حتى نزل أحد العلماء يومًا ضيفًا عليّ، فعَرَفَهن في ظرفِ يومين فقط وميَّزَ بينهن، فأخذت الحيرةُ الذين من حولي، لعدم معرفتي إياهن، وبدؤوا بالاستفسار: &#8220;لماذا لا تنظر إليهن؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أجيبهم: &#8220;صَونُ عزة العلم يمنعني من النظر الحرام&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي أحد المهرجانات المقامة في إسطنبول، قبل أربعين سنة، كان الازدحام على أشده.. اصطفت ألوفٌ من نساء إسطنبول ومن الروم والأرمن الكاسيات العاريات على طرفَي الخليج (الذي يقسم جانب إسطنبول إلى قسمين).</p>
<p style="text-align: justify;">ركبتُ مع السيد طه والسيد إلياس (وهما عضوا المجلس النيابي) في قاربٍ لينقلنا إلى نهاية الخليج، حيث الاحتفالات تقام هناك.</p>
<p style="text-align: justify;">كان القارب يمر من أمام أولئك النساء، ولم يكن لي علم أصلًا من أن الملّا طه والحاج إلياس قد اتفقا على مراقبتي بالتناوب واختباري في النظر إلى النساء، حتى اعترفا بذلك بعد ساعةٍ كاملةٍ من التجوال في القارب وبين أولئك النساء قائلَين: لقد حَيَّرَنا أمرُك هذا.. أنك لم ترفع بصرك إليهن قط.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت: أنا لا أريد أذواقًا مؤقتةً تافهةً مَشُوبة بالآثام، لأن عاقبتَها آلام وحسرات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثم إن الذين يصادقونني يعرفون جيدًا أنني تحاشيتُ كليًّا عن قبول الهدايا والدخول تحت مِنَّة المتصدقين طوال حياتي كلها، فلأجل صيانةِ كرامةِ رسائل النور والخدمة القرآنية، وحفاظًا على سلامتها، تركتُ الاهتمام بكل ما يَمُتُّ بصِلةٍ إلى أذواق الدنيا المادية والاجتماعية والسياسية</strong>، ولم أبالِ بتهديداتِ أهل المآرب والأغراض الشخصية، بل حتى بإعدامهم، وقد ظهر هذا بجلاءٍ خلال السنوات العشرين التي قضيتُها في النفي والتشريد المعذِّب وفي السجن الرهيب وفي المحاكم.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الذي أملك هذا الدستور العظيم، والذي دام طوال خمس وسبعين سنة، وإذا بموظفٍ يَشغَل منصبًا في الحكومة يُشيع فريةً شنيعةً لا تَخطر حتى ببال الشيطان، تهوينًا من شأن رسائل النور الرفيعة، حيث قال: &#8220;تتردد عليه ليلًا الفاحشاتُ مع ما لذَّ وطاب من المأكولات&#8221;، علمًا أن بابي مغلوق من الخارج ومن الداخل ليلًا، وأن هناك مَن يسهر للصباح يراقب الباب بأمرِ ذلك الموظف الشقي.. يعرف الجيرانُ والأصدقاء جيدًا أنني لا أقبل أحدًا للزيارة منذ العِشاء حتى الصباح.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذي يفتري هذه الفرية لا شك أنه سفيهٌ وأحمق، بل لا يورد هذا الاحتمال حتى لو أصبح حمارًا، بل حتى لو أصبح شيطانًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فذلك الشخص المفتري قد عَلِم خطأه فتخلى عن مثل هذه المكايد، مغادرًا هذا المكان إلى غير رجعة وبئس المصير.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وظائف السيد المهدي]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(وظائف السيد المهدي) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سألني -باسمِ الكثيرين- مَن له شأن وبركة من طلاب النور قائلًا:</p>
<p style="text-align: justify;">إن قسمًا ممن لهم شأن وإخلاص من طلاب النور يظنون بك -وبإصرار- أنك المرشد العظيم من آل البيت الذي يأتي في آخر الزمان، وأنت مهما تبالغ في تجنب هذا، فهم يزيدون إلحاحًا وإصرارًا في ظنهم، وأنت بدورك تُصِرُّ على رفض فكرهم وتتحرز كثيرًا منه، فلا جرَم أنهم يملكون حقيقة ولديهم حجة قاطعة، وأنت كذلك تستند إلى حقيقة وحكمة فلا توافقهم في ظنهم!! وهذا تضادٌّ نطلب حلَّه على كل حال.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول جوابًا لهذا الأخ الفاضل الذي ينطوي سؤالُه على كثير من المسائل:</p>
<p style="text-align: justify;">إن أولئك النوريين الخواص يملكون حجة، إلّا أنها تحتاج إلى تعبير وتأويل من جهتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: لقد أشرتُ عدة مراتٍ في رسائلي إلى أن السيد المهدي الذي يمثل الشخص المعنوي للجماعة السامية لآل محمد ﷺ له ثلاث وظائف؛ فنحن نرجو من رحمته تعالى أن تقوم جماعتُه وطائفةُ السادة الكرام بتلك الوظائف إن لم تقم القيامة فجأة، ولم تَضِلَّ البشريةُ ضلالًا بعيدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ووظائفه الثلاث ستكون الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوظيفة الأولى</strong>: إنقاذ الإيمان، وذلك بالقيام بدحض الفلسفة والفكر المادي قبل كل شيء؛ لانتشار أفكار الماديين والطبيعيين انتشارَ الطاعون في البشرية، واستيلاءِ العلوم والفلسفة المادية على الأذهان.</p>
<p style="text-align: justify;">إن حفظ أهل الإيمان من شرور الضلالة، يقتضي إجراء تحقيقاتٍ علميةٍ واسعةٍ وأبحاثٍ متواصلةٍ دائبة، التي تتطلب التجرد من هموم الدنيا ومشاغلها تجردًا كاملًا، ولا يسمح الوقتُ والأحوال لقيام السيد المهدي بمهمته هذه بالذات، لأن أعباء الحُكم في الخلافة الإسلامية لا تدَع وقتًا له للانشغال بتلك الأمور؛ فلا بد أن تنهض بتلك المهمة قبلَه طائفةٌ في جهةٍ ما، وسيجعل السيد المهدي ما دوَّنه هؤلاء من أثرٍ منهاجًا معَدًّا له، فيكون قد أدى تلك المهمة على أتمّ وجه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن القوةَ التي تستند إليها هذه الوظيفة وجيشَها المعنوي، ما هم إلّا طلابٌ يتصفون اتصافًا تامًّا بالإخلاص والوفاء والترابط، فمهما كانوا قلّةً فهم يُعَدُّون بقوةِ الجيش وأهميته معنًى.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوظيفة الثانية</strong>: إحياءُ الشعائر الإسلامية في المجتمع باسم الخلافة المحمدية، وإنقاذُ البشرية من المهالك المادية والمعنوية والغضب الإلهي، مستنِدًا إلى وحدة العالم الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">ونقطةُ استناد هذه الوظيفة والعاملين لها يلزم أن يكون جيوشًا تعدادها الملايين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوظيفة الثالثة</strong>: يسعى السيد المهدي لإقامة الشريعة الإسلامية وتنفيذ أحكام القرآن بعد أن لحق العطبُ بتطبيق كثيرٍ من أحكام القرآن، وبعد أن عُطِّلت القوانين الشرعية بعضَ التعطيل من جراء الانقلابات التي حصلت بمرور الزمن؛ فيحظى لأداء مهمته الجسيمة هذه بالتأييد المعنوي من جميع المؤمنين، وبمؤازرة الوحدة الإسلامية، وبالتحاق جميع العلماء والأولياء به، ولا سيما ملايين الأبطال المضحين من آل البيت الذين يوجدون وبكثرة وقوة في كل عصر من العصور، فيَشُدُّون جميعُهم أزره ويسندون ظهره في سبيل قيامه بهذه الوظيفة العظمى..</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت حقيقة الأمر هكذا، فإن إنقاذ الإيمان وإرشاد الناس عامة إلى الإيمان إرشادًا تحقيقيًّا، بل جعْلُ إيمان العوام تحقيقيًّا، هو أُولى وظائف السيد المهدى وأرفع مسلكٍ من مسالكه، والذي يقتضي اسم المهدي والمرشد بمعناه وحقيقته. ولأن طلاب النور يرون هذه الوظيفة بتمامها في رسائل النور، تظل الوظيفتان الثانيةُ والثالثة في المرتبة الثانية والثالثة عندهم بالنسبة لهذه الوظيفة الأولى، لذا يَنظرون إلى الشخص المعنوي لرسائل النور-وهم مُحِقُّون- نظرةَ نوعٍ من المهدي، وحيث إنهم يظنون في مؤلِّف رسائل النور -هذا الضعيف- أنه ممثل ذلك الشخص المعنوي الناشئ من تَرابُط طلاب النور، لذا يطلقون أحيانًا ذلك الاسم عليه أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أن هذا التباسٌ وسهو، إلّا أنهم ليسوا مسؤولين عنه، لأن الإفراط في حسن الظن سارٍ منذ القِدم ولا يُعترَض عليه؛ وأنا كذلك أنظر إلى حسن الظن المفرط لإخوتي هؤلاء، كأنه دعاءٌ منهم وأُمنية، وأنه ترشُّحٌ لكمال عقيدة طلاب النور، فلا أعترض عليهم كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">يُفهم بهذه التحقيقات تأويلُ ما شاهده بعض الأولياء السالفين في كشفياتهم أن رسائل النور مهديُّ آخر الزمان، بمعنى أن هناك التباسًا في نقطتين، فيلزم التأويل:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: الوظيفتان الأخيرتان (الثانية والثالثة) رغم أنهما ليستا في أهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن إقامة الحكم الإسلامي في الأرض بجيوش الخلافة المحمدية والوحدة الإسلامية تَظهر أوسعَ ألفَ مرةٍ من الوظيفة الأولى عند الناس، ولا سيما لدى العوام منهم ولدى أرباب السياسة، وبالذات في أفكار عصرنا هذا، حتى إذا ما أُطلق هذا الاسم &#8220;المهدي&#8221; على شخص ما، فإن هاتين الوظيفتين هما اللتان تتبادران إلى الذهن دون الأولى، مما يوحي -ذلك الاسم- إلى معنى سياسي، وربما يورد إلى الذهن معنى الإعجاب بالنفس، ولربما يُظهر رغبات الشهرة وذيوع الصيت، والتطلع إلى المقامات الرفيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ادَّعى قديمًا -والآن كذلك- كثيرٌ من السذج والمتطلعين إلى المقامات العليا أنهم سيكونون &#8220;المهدي&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أن مجددين و مرشدين يهدون الناس إلى سواء السبيل قد أتوا ويأتون، فإن أحدًا منهم لا يتخذ عنوان &#8220;السيد المهدي&#8221; الكبير الذي سيأتي في آخر الزمان، وذلك لأنه لا يؤدي سوى وظيفة واحدة من الوظائف الثلاث في جهة ما.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الخبراء في محكمة &#8220;دنيزلي&#8221; قالوا عن طلاب النور -حسب اعتقاد بعضهم-: إذا ادّعى سعيد النورسي أنه المهدي فإن جميع طلابه يصدّقونه برحابة صدر.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا قد قلت لهم في المحكمة: إنني لا أستطيع أن أعُدَّ نفسي من آل البيت، حيث إن الأنساب مختلطة في هذا الزمان بما لا يمكن تمييزها، بينما مهديُّ آخر الزمان سيكون من آل البيت.</p>
<p style="text-align: justify;">رغم أنني بمثابة ابن معنوي لسيدنا علي كرم اللّٰه وجهه، وتلقيتُ درس الحقيقة منه، وإن معنًى من معاني آل محمد ﷺ يشمل طلاب النور الحقيقيين، فأُعَدّ أنا أيضًا من آل البيت، إلّا أن هذا الزمان هو زمان الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور -بأية جهة كانت- الرغبةُ في الأنانية وحبُّ الشخصية، والتطلع إلى المقامات والحصول على الشرف وذيوع الصيت، وكل ذلك منافٍ لسر الإخلاص تمامًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فأنا أشكر ربي الجليل بما لا نهاية له من الشكر أنه لم يجعلني أُعجب بنفسي،</strong> لذا لا أتطلع إلى مثل هذه المقامات الشخصية التي تفوق حدي بدرجات لا تعد ولا تحصى، بل لو أُعطيتُ مقامات رفيعة أخروية فإنني أجد نفسي مضطرًّا إلى التخلي عنها لئلا أخلّ بالإخلاص الذي في النور. هكذا قلت للخبراء وسكتوا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لِمَ تركت السياسة؟]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لِمَ تركت السياسة؟) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لمناسبةِ حوادث جزئيةٍ تمسُّنا معًا أُخطر على قلبي بشدة لأبيّن حقيقة وهي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن طالبًا خاصًّا للنور من أمثالكم لا شك يعرف أن رسائل النور لا تكون أداة لأي شيء كان، ولا يُبتغَى منها إلّا مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى، وهي تعمل على توضيح حقائق الإيمان بالذات وقبل كل شيء، وذلك لإنقاذ إيمان الضعفاء والحاملين للشكوك والشبهات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن أعظم قوةٍ لرسائل النور تجاه معارضيها الكثيرين، هي الإخلاص. فالرسائل مثلما لا تكون أداة لأي شيء كان في الدنيا، لا تهتم أيضًا بالتيارات التي تنبني على مشاعر الانحياز والموالاة، ولا سيما للتيارات السياسية، وذلك لأن عِرق الانحياز يفسد الإخلاص ويغيّر لون الحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن السبب في تَركي السياسة منذ ثلاثين سنة هو أن عالمًا صالحًا قد أثنى بحرارة على منافقٍ يَحمِل فكرًا ينسجم مع فكره السياسي، وفي الوقت نفسه انتقد عالمًا صالحًا يحمل أفكارًا تخالف أفكاره انتقادًا شديدًا حتى وصمه بالفسق.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن عِرْق المنافسة إذا اختلط معه التحيز السياسي، نشأت أخطاء عجيبة مثل هذا؛ ولهذا قلت: &#8220;أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة&#8221;، فتركتُ السياسة من ذلك الوقت.</p>
<p style="text-align: justify;">ونتيجةً لتلك الحالة -وأنتم أعلم بها- فإنني لم أقرأ منذ عشرين سنة جريدة واحدة، ولم أهتم بحوادث الحرب طَوال عشر سنوات، ولم أستمع إليها ولم أتلهف لها، بل لم أحاول أن أعرف عنها شيئًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وطَوالَ اثنتين وعشرين سنة من سني الأسر والعذاب لم أَدْنُ من الانحياز والموالاة إلى جهةٍ أو الدخول في السياسة، وذلك لئلا يتضرر الإخلاص الذي تحمله رسائل النور، فلم أراجع دوائر الدولة لأجل راحتي، سوى لعرض دفاعاتي أمام المحاكم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: تعلمون أنني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكون وسيلة لأمثالها من المساعدات، لذا أبيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية، لأبتاع بثمنها -من إخوتي- كتبي التي استنسخوها، وذلك لأَحُول دون دخول منافع دنيوية في إخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر.</p>
<p style="text-align: justify;">وليعتبر من ذلك الإخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شيء كان.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: رسائل النور كافية لطلاب النور الحقيقيين؛ فليرضوا بها ويطمئنوا إليها، فلا يتطلعنّ أحدٌ منهم إلى مراتب أعلى وأسمى، أو منافع معنوية ومادية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول مصطفى كمال]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حول مصطفى كمال)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>  ذيلُ العريضة المقدَّمة إلى رئيس الجمهورية اضطررتُ إلى كتابتها</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن السبب الأساس لهجوم الحاقدين عليّ هو أنهم يسحقونني متذرعين بمودّتهم وموالاتهم لمصطفى كمال.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول لأولئك الحاقدين:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قلتُ في حق شخصٍ مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة: &#8220;إنه سيظهر في آخر الزمان شخصٌ يُلحِق الأضرار بالقرآن الكريم&#8221;.. قلتُه قبل ثلاثين سنة استنباطًا من حديث شريف، ثم أظهر الزمانُ أن ذلك الرجل هو مصطفى كمال، وأن الحاقدين الذين يوالونه يعذبونني بحججٍ واهيةٍ منذ عشرين سنة، حيث إنني لا أُسنِد إلى مصطفى كمال -خلافًا للحقيقة- شرفَ هذا الجيش ومجدَ انتصاراته الذي تحدَّى العالمَ ببطولته وتفانيه في الحق منذ خمسمئة سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم -وكما أثبتُّ في المحكمة- إن الشرف والحسنات والغنائم المادية والمعنوية تُسنَد إلى الجماعة وتوزَّع عليهم، بينما تُسنَد الذنوب والإجراءات الخاطئة إلى الرئيس.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي ضوء هذه القاعدة الحقيقية، فإن أمجاد الجيش والشرف الذي أحرزه بانتصاراته -ولا سيما الضباط الأشاوس الذين تولوا إدارته- لا تُسنَد إلى مصطفى كمال، وإنما الأخطاء والذنوب والنقائص هي التي تُسنَد إليه وحده؛ فالذين يتهمونني بعدم محبتي له إنما يقومون بإهانةِ كرامةِ الجيش وقدْحِ شرفه، لذا أنظر إلى هؤلاء أنهم خونة الأمة؛ وإني على استعدادٍ لإثبات هذه الحقيقة لأولئك العنيدين الموالين له كما أثبتُّها أمام المحكمة:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أُكِنّ حبًّا لملايينِ أفراد الجيش المقدام وضباطه، جيشِ هذه الأمة الطيبة، وأسعى لصيانة عزته وكرامته وتوقيره ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، بينما معارضيَّ الحاقدون الذين يواجهونني يُهَوِّنون -ضمنًا- من شأن ملايين الأفراد بل يعادونهم في سبيل محبة شخص واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد أدركنا بأماراتٍ عديدة، أن الذي يحرِّض الحاقدين عليّ بالهجوم، هو معارضتي لمصطفى كمال، وعدمُ مودّتي له، أما الأسباب الأخرى فهي حجج واهية ومجرد اختلاق؛ ولهذا اضطررت إلى أن أقول لأولئك المعارضين:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد استدعاني مصطفى كمال إلى أنقرة لأجل تكريمي وجَعْلي واعظًا عامًّا لجميع الولايات الشرقية، فذهبت إلى أنقرة، إلّا أن المواد الثلاث الآتية جعلتني أتخلّى عن محبته ومودته، فعانَيت العذاب طوال عشرين سنة في حياة الانزواء، ولم أتدخل في أمورهم الدنيوية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الأولى</strong>: لقد أظهر بأفعاله أنه هو الذي أخبر عنه الحديث الشريف الوارد حول ظهور شخص في آخر الزمان يسعى للإضرار بالأعراف الإسلامية، وفسّرتُ هذا الحديث الشريف قبل ستٍّ وثلاثين سنة، ثم ظهر معناه مطابقًا في هذا الشخص، وله إيضاح في المادة الثالثة في دفاعاتي أمام المحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الثانية</strong>: إن وجود شيءٍ ما وتعميرَه وحياتَه قائمٌ بوجود جميع أركان ذلك الشيء أو شروطه، بينما عدمُه وتخريبُه وموتُه يكون بفسادِ شرطٍ واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه قاعدة حقيقية حتى أصبحت مضرب الأمثال في ألسنة الناس: &#8220;التخريب أسهل من التعمير&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه القاعدة الرصينة، فإن النقائص الفاضحة والدمار الرهيب الظاهر نابعةٌ من أخطاء ذلك القائد، أما الانتصارات الباهرة فهي صادرةٌ من بطولة الجيش، فبينما ينبغي أن يكون الأمرُ إسنادَ السيئات إليه ومَنْحَ الحسنات إلى الجيش، إلّا أن الأمر يكون بخلافِ هذا كليًّا، إذ تُسنَد حسناتُ الجماعة إلى مَن في رأس الأمر، ويُسنَد شرُّ ذلك الشخص إلى الجماعة! وهذا ظلم شنيع.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الثالثة</strong>: إن إسناد حسنات الجماعة وانتصارات الجيش إلى القائد الآمر، وإعطاءَ ذنوب ذلك الأمر إلى الجماعة بأكملها، يعني التهوينَ من شأن ألوف الحسنات وجَعْلَها حسنةً واحدة، وجَعْلَ الخطأ الواحد ألوف الأخطاء.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ كما أن فوجًا من الجيش لو قَتلوا عدوًّا شرسًا، فإن كل فرد من أفراد ذلك الفوج يُمنَحون مرتبة المجاهد، ولكن لو أعطيتْ تلك الرتبة إلى آمرهم فقط، فإن ألف رتبةٍ من رُتَب &#8220;المجاهد&#8221; تنزل إلى رتبة واحدة فقط.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو حصلت جريمةُ قتلٍ نتيجة خطأٍ ارتكبه قائد ذلك الفوج، ثم أُسندت هذه الجريمة إلى الفوج كله، فإن تلك الجريمة الواحدة تتضاعف وتكون في حكم ألوف الجرائم، فيصبح ألفُ جندي مثلًا مسؤولين عنها، ومستحقين العقاب عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الأمر هنا، فإن الأخطاء الجسيمة واضحة أمام الأعين، فإن لم تُسنَد إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، وأحيلت إلى جيش عظيم كريم أَظهر جهاده في سبيل إحقاق الحق في العالم أجمع، وصدَّق بسيوفه ودمائه شهادة عزته وكرامته وإعلائه لراية القرآن منذ خمسمئة سنة بل منذ ألف سنة، فإن تلك الذنوب تزداد إلى الألوف بعدد أركان ذلك الجيش، فيلطِّخ الماضيَ المجيدَ لذلك الجيش، ويشوهه تشويها رهيبًا مسوِّدًا تاريخَه بلونٍ قاتم، مما يجعل جيشَ هذا العصر مسؤولًا، ويذوب خجلًا أمام الجيش البطل للعصور السابقة.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذلك لو أُسندت الانتصاراتُ الباهرة والمفاخر المستحصَلة الحاضرة إلى رجلٍ واحد، فإنها تبقى جزئية، وتصبح الحسناتُ والمجاهدات -التي هي بعدد الأركان والأفراد- في حكم شخص واحد، وينطفئ ذلك الضياء الساطع ويزول، ولا يصبح كفارة للذنوب.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الأسباب تَركتُ مودّة ذلك الرجل، وكسبتُ مودة ذلك الجيش الذي خدمتُ في صفوفه خدمةً فعلية مؤثرة، وفي زمانٍ دقيقٍ حرج، وسعيتُ برسائل النور للمحافظة على شرف ذلك الجيش الذي هو أسمى ألفَ مرةٍ من أي شخص كان.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>في أميرداغ‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: &#8220;طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا&#8221; من قول عمر بن عبد العزيز، انظر: الشعراني، اليواقيت والجواهر ص: ٤٤٥؛ الباجوري، شرح جوهرة التوحيد ٣٣٤.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: حزب الشعب الجمهوري: أسسه مصطفى كمال سنة ١٩٢٣، وظل يحكم البلاد بالقوة كحزب واحد دون معارض حتى سنة ١٩٥٠، حيث لم يَحُزْ في الانتخابات سوى ٦٩ نائبًا من بين ٤٨٧ نائبًا. من المبادئ الأساس لهذا الحزب: العلمانية والقومية. أسس المعاهد القروية ومدارس الريف في أرجاء البلاد لتخريج المعلمين لتعليم الإلحاد.﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2744</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الأول [2/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2588%25d9%2584-2-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 20 Jan 2026 14:49:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2741</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] &#160; [مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ [إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان] (إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2735" aria-describedby="caption-attachment-2735" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-2735 size-large" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg" alt="" width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2735" class="wp-caption-text">فاحذر يا أخي الأنانية والغرور، وتجنَّب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتى من الأنانية والسمعة، فعلى كل فردٍ من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا، ويتحلى بالتواضع التام. *** في الصورة: المنزل الذي أقام فيه الأستاذ النورسي في أميرداغ جبرًا.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الأول 2/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان]</h2>
<p><strong>(إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أعظم إحسانٍ أعدُّه في هذا الزمان وأجَلَّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه، والسعيُ لإمدادِ إيمانِ الآخرين بالقوة.</p>
<p style="text-align: justify;">فاحذر يا أخي الأنانية والغرور، وتجنَّب من كل ما يؤدي إليهما، <strong>بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية،</strong> وهذا هو الألزم لهم، لأن <strong>أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتى من الأنانية والسمعة،</strong> فعلى كل فردٍ من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا، ويتحلى بالتواضع التام.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لمقامٌ عظيمٌ حفاظُكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم للّٰه تحت هذه الظروف القاسية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر، بل أَرغَمتْ رسميًّا أعتى المعاندين لها على قبول نشرها، حتى إنه منذ سنتين، وبعد إجراء التدقيقات، صدَّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور، فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مما يُثبت أن <strong>رسائل النور معجزة معنوية للقرآن الكريم في هذا العصر</strong> هو عدم انهزام مسلك رسائل النور -كسائر المسالك والطرق الصوفية- بل انتصارُه وإدخالُه الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أقنعتْنا الحوادثُ أنه لن تكون خدمةُ الدين خارجَ دائرة رسائل النور خدمةً كاملة -في الأغلب في هذه البلاد- حيث هو عملٌ خاصٌّ جزئيٌّ وحيدٌ وشخصي، أو مستترٌ منهزم، أو متساهلٌ مع البدع ضمن تحريفات بتأويلات فاسدة.</p>
<p style="text-align: justify;">ما دمتَ يا أخي تملك همةً عالية وقوةً راسخة من الإيمان، فكن طالبًا لرسائل النور، واستمسك بها بإخلاصٍ تام وتواضعٍ تام وثباتٍ تام، كي تشارك في المغانم الأخروية لألوفٍ بل مئاتِ الألوف من الطلاب، وذلك على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال، وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسناتٍ وخيراتٍ كلية جماعيةٍ تُكسِبك تجارةً رابحة في الآخرة بعد أن كانت حسناتٍ جزئيةً فردية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما يدفع إلى استنساخ الرسائل]</h2>
<p><strong>(ما يدفع إلى استنساخ الرسائل)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">اطَّلعتُ اليوم على مجموعة تضم أجزاءَ من الرسائل التي استنسخها أطفالٌ أبرياء وشيوخٌ كهول، وذلك ضمن المجموعات المعادة إليَّ من قِبَل المحكمة بعد إجراء التدقيقات عليها لمدة سنتين.</p>
<p style="text-align: justify;">وبمشاهدتي هذه المجموعة الخالصة النزيهة اقتنعتُ بأن هذه المجموعة المستنسَخة من قِبَل الأبرياء من الأميين -صدًّا لشبهات الفلاسفة والضالين- أعظمُ وسيلة للنصر والظهور على العنيدين، وإرغام غير المنصفين إلى الإنصاف.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد جمعْنا هذه المجموعاتِ والأجزاء المستنسخة من قبل الأميين في مجلدات ثلاثة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن في رسائل النور أذواقًا معنوية وأنوارًا جذابة وسرورًا بالغًا يَحمِل الصغارَ على الانكباب على الاستنساخ اليدوي،</strong> بحيث يتغلب على جميع المبتكَرات والوسائل الحديثة لحث الصغار على القراءة وسَوقهم إليها، وهذا يعني أن رسائل النور تترسخ وتمدُّ جذورها في الأعماق، وستدوم في الأجيال المقبلة بحيث لا تتمكن أيةُ قوةٍ كانت أن تجتثها بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما ضُمَّتْ مستنسخاتُ هؤلاء الأطفال الأبرياء في مجلدات، كذلك ضُمَّت في مجلداتٍ مستنسخاتُ أولئك الشيوخ الذين انضموا إلى دائرة رسائل النور وباشروا بتعلم القراءة والكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر.</p>
<p style="text-align: justify;">فهؤلاء الشيوخُ الأُمِّيون -وقسمٌ منهم رعاةٌ وبدوٌ رُحَّل- وفي هذه الظروف العصيبة يُفضِّلون السعي لرسائل النور، ويَسْعَون في خدمة الإيمان بشوقٍ رغم جميع المضايقات، مما يُظهر بوضوحٍ أن الحاجة إلى رسائل النور أكثر من الحاجة إلى الخبز، حتى إن أهل الحصاد والفلاحين والرعاة والبدو يرون العمل لرسائل النور أولى من حاجاتهم الضرورية.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما كنتُ أصحح ما استنسخه الصبيانُ والشيوخ وأنا أعاني من ضيق الوقت، وَرَدَ على خاطري أنه لا داعي للضجر والضيق، فإن قراءة ما استنسخه هؤلاء تُرغِم المسرعين في القراءة إلى التأني والتروي، حتى يتمكن كلٌّ من العقل والقلب والروح والنفس والشعور من تناول حقائق رسائل النور التي هي في حكم الغذاء والطعام، وبخلافه فإن القراءة السريعة تجعل العقل وحدَه آخذًا حظَّه، بينما تظل الأخريات دون غذاء.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا <strong>ما ينبغي قراءة رسائل النور كسائر العلوم والكتب</strong>، لأن ما فيها من علوم الإيمان التحقيقي لا يشبه العلوم والمعارف الأخرى، فهي نورٌ وقوة مُمدِّةٌ لكثيرٍ من اللطائف الإنسانية فضلًا عن العقل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: هناك فائدتان في الكتابة الناقصة لأولئك الأبرياء والشيوخ الأميين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: تُلجِئ القارئَ إلى التأني والملاحظة الدقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: تدفع إلى تلقّي الدروس بإعجابٍ بمسائل رسائل النور الدقيقة اللطيفة اللذيذة، والاستماعِ إليها من تلك الألسنة الطيِّبة الخالصة البريئة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>  أخوكم‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌  </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن حسن ظنكم المفرط نحوي هو فوق حدِّي بكثير، فلا أستطيع قبوله إلّا أن يكون باسم شخص رسائل النور المعنوي، وإلّا فليس من حدِّي وطوقي أن أُظهر مزايا تلك المقامات الرفيعة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن <strong>مسلك رسائل النور ليس مسلك الطرق الصوفية</strong>، بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلكٌ مقتبَس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين.</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية، بل زمان إنقاذ الإيمان</strong>؛ وللّٰه الحمد فإن رسائل النور قد أَنجزتْ وما تزال تنجز هذه المُهمة وفي أصعب الظروف.</p>
<p style="text-align: justify;">إن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرةُ طلاب الإمام علي والحسن والحسين والشيخ الكيلاني رضوان اللّٰه عليهم أجمعين.. إذ تَلقَّيتُ درسَ الحقيقة -على طريقةِ أويس القرني- مباشرةً من الإمام علي رضي اللّٰه عنه بوساطة الشيخ الكيلاني قُدِّس سرُّه والإمام زين العابدين والحسن والحسين رضي اللّٰه عنهم، لذا فإن دائرة عملنا وخدماتنا هي دائرتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني أعترف بأني لا أستحق -بأي وجهٍ من الوجوه- ذلك المقام الرفيع الذي يمنحني إخوتي لأتملك هذا الأثر المقبول القيم، ولكنَّ خلْقَ شجرةٍ باسقةٍ ضخمةٍ من بذرةٍ صغيرةٍ جدًّا هو من شأن القدرة الإلهية ومن سنته الجارية، وهو دليلٌ على عظمتها.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أُطَمْئِنُكم مقسِمًا باللّٰه أن قصدي من الثناء على رسائل النور إنما هو تأييد حقائق القرآن وإثباتُ أركان الإيمان ونشرُها، وإنني <strong>أشكر ربي الرحيم شكرًا لا منتهى له على أنه لم يجعلني أعجب بنفسي قط،</strong> وأنه <strong>أظهرَ لي عيوب نفسي وتقصيراتي حتى لم تبق لي أية رغبة في إظهار تلك النفس إلى الآخرين</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن من كان واقفًا على شفير القبر، لا ينظر إلى الدنيا الفانية التي تركها وراء ظهره، وإذا ما نظر إليها فهو حماقة يرثى لها وخسارة فادحة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللّٰهم احفظنا من مثل هذه الخسائر آمين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">  تحياتنا إلى جميع الإخوة فردًا فردًا مقرونة بالدعاء لهم راجين دعواتهم.‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀  </strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الحقيقة الخالدة لا تُبنى على فانين]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(الحقيقة الخالدة لا تُبنى على فانين) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إنه يَسأل -هذه المرة- عن حقيقةٍ جليلةٍ هي فوق حدِّي ومنزلتي بألف درجة، يسألها استنادًا إلى حسن ظنه المفرط.. إنه يريد أن ينظر إليَّ من زاويةِ الوظيفة الجليلة السامية للشخص المعنوي لرسائل النور، ومن زاويةِ إحدى الوظائف الرفيعة السامية لخلافة النبوة، لرؤيته شعاعًا منها في شخصي الاعتيادي من حيث كوني أستاذَه، فيحاول أن يَنظر إلى شخصي الاعتيادي من زاويةِ تلك الوظيفة المقدسة، فيريد أن يراني مظهرًا لتلك الخلافة المعنوية!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن حقيقةً خالدةً دائمةً لا تُبنى على أشخاص فانين زائلين، ولو بُنيت عليهم لنَجَمَ ظلمٌ وإجحافٌ شديدان، إذ المُهمة التي لها الدوام والكمال من كل جانب لا تُربَط بأشخاصٍ معرَّضين للفناء، ومبتَلين بالإهانات.. فإنْ رُبِط الأمر بهم، تُصَبْ المهمةُ نفسها بضرر بالغ.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن رسائل النور ليست نابعةً من بنات أفكار المؤلف أو بلسان حاجته الروحية بفيض من القرآن الكريم، فهي ليست فيوضاتٍ متوجهةً إلى حاجة المؤلف واستعداده وحدَه، بل هي أيضًا نابعةٌ من طلب مخاطَبي ذلك المؤلِّف وزملائه في درس القرآن الأفاضل الخالصين الصادقين الصُّلْبين، وسؤالِهم -روحًا- تلك الفيوضاتِ وقبولها والتصديق بها وتطبيقها، فهي مستفاضة من القرآن الكريم من هذه الجهات وأمثالِها من جهاتٍ كثيرة أخرى، فهي فيوضاتٌ تَفوقُ كثيرًا استعدادَ المؤلف وقابليتَه.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما أن أولئك المخاطَبين أصبحوا السبب في ظهور رسائل النور، كذلك هم الذين يشكلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وطلابها؛ أما المؤلِّف فله حصةٌ من تلك الحقيقة، وقد يكون له حظُّ شرَفِ السبق إن لم يُفسده بعدم الإخلاص.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: <strong>إن هذا الزمان زمن الجماعة</strong>، فلو بلغ دهاء الأشخاص فردًا فردًا حدَّ الخوارق، فلربما يُغلَب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة المعنوي.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: إن مهمة إيمانية جليلةً بحيث تنور عالم الإسلام من جهة، وناشئةً من أنوارِ دهاءٍ قدسي، لا تُحمَّل على كاهل شخصٍ واحدٍ ضعيفٍ مغلوبٍ ظاهرًا، يتربص به أعداء لا يُعَدّون وخصماء ألِدَّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات، فلو حُمِّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الشديدة، لسقط الحملُ وتبعثر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حاجة أهل الإيمان إلى حقيقةٍ نزيهة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين المخلصين..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤالٌ في منتهى الأهمية</strong>، يَسألُنيه مَن له علاقةٌ بي، ويَرِدُ في نفسي أيضًا، فهو سؤالٌ معنويٌّ وماديٌّ في الوقت نفسه، وهو:</p>
<p style="text-align: justify;">لِمَ تقوم بما لم يَقُم به أحدٌ من الناس، ولِمَ لا تلتفت إلى قُوًى على جانبٍ عظيم من الأهمية، تستطيع أن تعينك في أمورك، فتخالف جميعَ الناس.. بل تظهر استغناءً عن تلك القوى؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ثم لِمَ ترفض -بشدةٍ- مقاماتٍ معنويةً رفيعةً يَجِدُك طلابُ النور الخواصُّ أهلًا لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلًا عن أنها ستقدم خدمات جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن أهل الإيمان -في الوقت الحاضر- محتاجون أشدَّ الحاجة إلى حقيقةٍ جليلةٍ نزيهةٍ بحيث لا يمكن أن تكون وسيلةً للوصول إلى شيء، ولا تابعةً لأي شيءٍ كان، ولا سُلَّمًا للوصول إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أيُّ غرضٍ أو أيُّ قصدٍ كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها.. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النزيهة لِتُرشدَهم إلى حقائق الإيمان، حفاظًا على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولةُ الضلالة التي تراكمت شبهاتُها منذ ألف سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">فانطلاقًا من هذه النقطة فإن رسائل النور لا تعبأ بالذين يَمُدُّون لها يد المعاونة سواءٌ من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية، بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم؛ وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامةً وسيلةً للوصول إلى غاياتٍ دنيوية، ولن تكون إلّا وسيلةً خالصةً للحياة الخالدة الباقية، لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والرُّيُوب المهاجِمة على الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدى أهل الحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تُلحق ضررًا بإخلاصك -حتى لو قبلتَها لا يرفضون قبولك، لكثرةِ ما لديهم من حجج وبراهين عليها- إلّا أنك ترفض تلك المقامات بغضبٍ وحدَّةٍ لا تواضعًا أو تجردًا وترفعًا منك، بل حتى تجرحُ مشاعرَ إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، فتتجنبها بشدة! فلماذا؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: كما أن شخصًا غيورًا يضحِّي بنفسه إنقاذًا لحياة أصدقائه، كذلك، لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صَولةِ أعداء خَطِرين، أُضحِّي إذا لزم الأمرُ -وهو يلزم- لا بتلك المقامات التي لا أستحقها، بل أيضًا بمقامات حقيقية لحياة أبدية.. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، ألاَ وهو <strong>الشفقة على الخلق</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذا الوقت، وبخاصةٍ عند استيلاء الغفلة التي أنشأتْها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصرٍ كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، يحاول ذوو المناصب الكبيرة دائمًا أن يجعلوا لهم كل شيء أداةً طيعة، ويستغلون كلَّ وسيلة في سبيل غاياتها، حتى إنهم يجعلون مقدساتهم وسيلةً لبلوغ مناصب دنيوية؛ ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالًا أكثر، وتُتَّخذ وسيلةً أكثر طواعيةً من غيرها؛ لذا يظل دومًا تحت ظل الاتهام، إذ يقول العوام: إنه يجعل خدماتٍ مقدَّسةً وحقائقَ ساميةً وسائلَ وسلالمَ لبلوغ مآربه، حفاظًا على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهلٌ لتلك المقامات.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، فلئن كان قبولُ المقامات المعنوية يفيد الشخصَ والمقامَ فائدةً واحدةً، فإنه يُلحِق ألفَ ضررٍ وضررٍ بالناس عامة وبالحقائق نفسها، بما يصيبها من كسادٍ بسبب الشبهات الواردة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: إن حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن أن يكون وسيلةً إلى كسب شهرةٍ لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه على الرغم من أن هذا يؤثر تأثيرًا سيئًا في خدمة النور، إلّا أنني أرى أن إرشاد عشرةٍ من الناس إرشادَ خادمٍ لحقائق الإيمان إرشادًا خالصًا حقيقيًّا وتعليمَهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شيء، أهمُّ من إرشادِ ألفٍ من الناس بقطبية عظيمة، لأن النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يَرَوْن تلك الحقائق أسمى من أي شيء آخر، فيَثبتون، ويمكن أن تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أولئك الألوف، فإنهم بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفةِ وهجومها عليهم، ربما يتفرقون من حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا أُرجِّح الاتصاف بالخدمة، على نيل المقامات، حتى إنني قلقتُ ودعوت اللّٰه ألّا يصيب شيءٌ -في هذه المرة- ذلك الشخصَ المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوهٍ من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذًا لخطط وضعها أعدائي، حيث إن المسألة انتشرت بين الناس، فخشيتُ أن يمنحوني مقامًا، فلربما يَعُدُّون حدوث شيءٍ ما نتيجةَ كرامةٍ خارقة، لذا قلت: &#8220;يا رب أصلح شأن هذا، أو جازِهِ بما يستحقه، من دون أن يكون عقابًا يومئ إلى كرامة&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إلى السيد مدير الأمن العام في أنقرة]</h2>
<p style="text-align: justify;">إلى السيد مدير الأمن العام في أنقرة.. إن كنت تريد أن تقابل شخصًا ضعيفًا قاسى -بصورةٍ غير رسمية- السجنَ المنفرد والعزل التام طَوال عشرين سنة، ولاقى من العَنَت والضيق ما لا نظير له، ثم آثر السكوت رغم كل ذلك.. فإن كنتَ تريد مقابلته مقابلةً حقيقيةً جادة -وليست مقابلة رسمية- فها أنا أتكلم معكم قليلًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: بعد التدقيقات التي أجرَتْها محكمتان ودامت طَوال سنتين حول مؤلفاتي وكتاباتي التي استغرقت عشرين سنة من حياتي، لم يستطيعوا أن يعثروا على أيةِ مادةٍ تَمَسُّ الإدارة ونظام البلاد؛ وهي غير موجودة أصلًا، والدليل القاطع والحجة التي لا تُجرَح على ذلك إعادتُهم جميع الرسائل الخاصة منها والعامة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما حياتي السابقة لعشرين سنةً التي خَلَتْ، فأفضلُ دليلٍ على أنها مضت بتضحيةٍ وفداءٍ في سبيل هذه الأمة والبلاد، هو <strong>تقديرُ</strong> القائد العام الذي كنتُ أزاول قيادة &#8220;الأنصار&#8221; المتطوعين تحت رعايته في الحرب العالمية الأولى، <strong>وتقديرُ</strong> الرؤساء في أنقرة لخدماتي في حرب الاستقلال، <strong>وترحيبُ</strong> النواب في مجلس الأمة بي في أثناء قدومي إليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن التعذيب الذي لاقيتُه طوال هذه السنوات العشرين كان معاملةً غير قانونية البتة، وهي معاملةٌ اعتباطيةٌ صِرفة، فلقد أمضيتُ أربعين عيدًا مباركًا طوال السنوات العشرين وأنا وحيدٌ فريد.. والآن قد بلغ السيل الزُّبى، فلا تَحملوني على النظر إلى الدنيا وأنا على شفير القبر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنكم لكونكم تَشغلون منصب مدير الأمن العام، ينبغي لكم أن تتعاطفوا مع خدماتي، لأنه كما ثبت في المحاكم، أن دروس رسائل النور، عندما تتطلّع على الدنيا، فإنها تُرشد طلابها إلى الحفاظ على النظام بكل ما أوتوا من قوة، والحيلولةِ دون تَسَرُّب فسادِ الثورات والفوضى فيه؛ والدليل على أنهم في حكم ضباطِ أمنٍ معنويين قد أدركه ضباطُ الأمن في ثلاث ولايات.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد علمتُ في الآونة الأخيرة أن كثرة تخويف الموظفين الناسَ من مقابلتي، إنما كان للتهوين من إقبال الناس عليّ وتوجههم نحوي بما هو فوق حدّي بكثير، وبما لا أستحقه من مقام.. فأنا أبين لكم بيانًا قاطعًا -مثلما كتبتُه لإخوتي الخواص في مكاتيب خاصة- أنني لا أقبل توجُّهَ الناس لشخصي وإقبالَهم عليّ، وأرفُضه رفضًا باتًّا، وذلك لمنافاته مسلكَنا وإخلاصَنا، حتى إنني جَرحتُ شعور كثيرٍ من إخوتي الخواص في هذه الناحية.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنني كتبتُ -في المؤلفات- الإخباراتِ المستقبليةَ التي قبِلْتُها للأفاضل الذين بَيَّنوا قدرَ رسائل النور وأهميتَها، والتي هي تفسِّر القرآنَ الحكيم تفسيرًا حقيقيًّا، وأثبتُّ أنني خادمٌ بسيطٌ ليس إلّا؛ ولو افتُرض -فرْضًا مُحالًا- أنني مِلتُ إلى هذا الإقبال من الناس، فإن هذا التوجّه سيخدم استتباب النظام، وستصيبكم فائدتُه أيضًا كما تصيب أمثالَكم من المسؤولين عن النظام.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الموت لا يُقتَل، فهو إذن مسألةٌ جليلةٌ أعظمُ من الحياة نفسها، بينما تِسعون بالمئة من الناس يَسْعَون للحصول على السلامة في هذه الحياة، أما نحن طلابَ رسائل النور، فنجاهد الهجمة القوية للموت التي ستصيب كلَّ أحد من الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">فللّٰه الحمد والمنة، فقد استطاعت رسائل النور حتى الآن تحويل الإعدام الأبدي للموت لمئات الألوف من الناس إلى تذكرةِ تسريح، ونستطيع إبراز مئات الألوف من الشاهدين على ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">فبينما ينبغي لكم ولأمثالكم من محبي الأمة والوطن أن يُشجعونا ويَحثُّونا -من زاويةِ هذه الحقيقة- فإنَّ وَضْعَنا تحت الاتهامات جريًا وراء الأوهام والشبهات، ومن ثم إزعاجَنا بالترصُّد والمراقبة المستديمة، كم هو بعيدٌ عن الإنصاف والحمية.. هذا ما نحيله إلى إنصافكم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>  المسجون في السجن المنفرد بصورة غير رسمية‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إلى مدير الأمن لولاية أفيوُن]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إلى مدير الأمن لولاية أفيوُن) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">ثقةً مني بوجدانكم وإنسانيتكم أبيِّن لكم أموري الخاصة جدًّا، فأنتم مرتبطون بنا بروابط كثيرةٍ بحكم وظيفتكم، حيث لم تقع أيةُ حادثةٍ تُخِلُّ بالنظام، من قِبَل مئاتِ الألوف من طلاب رسائل النور وفي مدى عشرين سنة، والدليل على هذا اعترافُ كثيرٍ من ضباط الأمن بذلك، وعدمُ تسجيلهم أيَّ شيء ضدَّنا.</p>
<p style="text-align: justify;">سمعتُ من صبيٍّ بمجيء مدير الأمن العام إلى هنا، فقلت: لا شك أنه سيستفسر عن حالي. فكتبتُ له شيئًا عوضًا عن التحدث معه، حيث أُعاني من الأمراض، ولكن إذا بي أسمع فجأة أنه غادر المدينة، لذا أرسلُ إليكم طيَّ رسالتي هذه ما كتبتُه للمدير العام، فإذا ارتأتيم أرسلوه إليه كمعلومات.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أعلم من أمور الدنيا لعدم ملاقاتي أحدًا من الناس، فلا أحد لي هنا غيرُك كي أستشيره في الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">والمسألة التي تَخُصُّ شخصي بالذات ليست ذاتَ أهمية، فهي جزئية، إلّا أن المسألة التي تخص رسائل النور لها أهميتُها بالنسبة لهذه الأمة والوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أبلغكم قطعًا بقناعتي الجازمة الناشئة من أمارات كثيرة: أن هذه البلاد وهذه الأمة والحكومة ستكون في أقرب وقتٍ بحاجة إلى مؤلفات من أمثال رسائل النور حاجةً ماسة تجاه العالم الإسلامي وتجاه الدنيا بأسرها، وستبين وجودَها وكرامتَها ومفاخرها التاريخية بإبراز هذه المؤلفات.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول صلاة الجنازة]</h2>
<p><strong>(حول صلاة الجنازة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن المقصود من الآية الكريمة: ﴿ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تَقُم على قبره﴾ هم أولئك المنافقون المعروفون بالنفاق قطعًا في ذلك الوقت، لذا لا يمكن عدم صلاة الجنازة بناءً على الظن بالنفاق، إذ لمّا كان ينطق بـ&#8221;لا إله إلا اللّٰه&#8221; فهو إذن من أهل القبلة، فيُصلَّى عليه إن تاب عن فعله ولم يَنطق بكفرٍ بواح.</p>
<p style="text-align: justify;">ولوجود العلويين بكثرةٍ في تلك القرية &#8220;علي كوي&#8221; والتحاقِ قسمٍ منهم بالرافضة، يَلزم ألّا يَدخل أحدُهم ضمن حقيقةِ المنافقين، لأن المنافق لا إيمان له، ولا قلبَ له يخفِق بالإيمان، ولا ضمير له يتحرك، ويعادي النبي ﷺ كما هو الحال لدى زنادقة الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الغلاة من العلويين والشيعة، فلا يضمرون العداء للنبي ﷺ، بل يُكِنُّون حبًّا مفرطًا لآل البيت، فهم يُفْرِطون مقابل تفريط المنافقين في حبهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما يتجاوزون حدود الشريعة لا يكونون منافقين، بل فُسّاقًا من أهل البدع، فلا يَدخلون ضمن زمرة الزنادقة ما لم يتعرضوا للخلفاء الراشدين الثلاثة: &#8220;أبي بكر وعمر وعثمان&#8221; الذين رضي بهم بل عاونهم سيدُنا علي رضي اللّٰه عنهم أجمعين؛ ويكفي أن يحترموهم كما كان سيدُنا عليٌّ يُحبِّهم، ويؤدوا الفرائض.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أعظم أستاذٍ لطلاب رسائل النور بعد الرسول الأعظم ﷺ هو سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه، لذا إن لم يستمع الشيعة والعلويون -الذين يَدْعون إلى محبته- إلى رسائل النور أزيدَ من أهل السنة، فإن دعوى محبتهم لآل البيت ليس في محلها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد سمعتُ -قبل سنتين- استنساخَ الصبيان الأبرياء لرسائل النور في تلك القرية، بِهمَّةٍ جادةٍ لإخوتنا الثلاثة هناك وبشوقهم العظيم، فأدخلتُ تلك القرية برُمَّتها ضمن دعواتي، فتلك الدعوات التي دعوتها بحق تلك القرية لن تذهب هباءً بفضل اللّٰه ثم بفضل مساعي إخواننا هناك، وسيتفق أهلُ السنة والعلويون هناك.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[زواج الخواص]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>( زواج الخواص) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">يسأل أخونا صلاح الدين عن مسألةٍ خاصةٍ به، وهي رغبتُه في الزواج والدخول في الحياة الدنيوية والاجتماعية؛ فما دام أنه من خواص طلاب النور، فلا يمكنه الزواج إن كان فيه ما يضر العمل لرسائل النور، ولكن إذا عَلم أنه يستطيع أن يجعل صاحبتَه مُعينةً له في العمل -كما هو لدى بعض إخوتنا الخواص- فله أن يتزوج.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأن حياة الطلاب الخواص تخصّ رسائلَ النور، وهي مقيَّدة بما يراه الشخص المعنوي لطلاب النور؛ وإن كانت مقرونة بموافقة الوالدين فهو أفضل، ولا يضر بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[موقع الكرامات في الرسائل]</h2>
<p><strong>(موقع الكرامات في الرسائل)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطِر على قلبي أن أُبيّن لكم <strong>أربع مسائل</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: جوابٌ عن سؤالٍ يَرِد بلسان الحال والمقال، ومن حالاتٍ مختلفةٍ ومظاهر متباينة.</p>
<p style="text-align: justify;">فيُقال: ما دامت رسائل النور ذات كرامة، وتورث قارئيها رُقيًّا في انكشاف حقائق الإيمان أكثر مما تورثه الطرقُ الصوفية، بل إن قسمًا من طلابها الصادقين هم أولياء صالحون من جهة، فلماذا لا تُشاهَد فيهم مظاهرُ وأذواقٌ روحية وكشفياتٌ معنوية وكراماتٌ مادية ملموسة كالأولياء، فضلًا عن أنهم لا يهتمون بمثل هذه الأمور ولا يتعقبونها، فما الحكمة في هذا؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>:‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: سببُه سرُّ الإخلاص؛ إذ إن الأذواق والكرامات المؤقتة في الدنيا تصبح مقصودةً بالذات لدى أولئك الذين لم يتمكنوا من قهر نفوسهم الأمارة بالسوء، وتغدو لديهم هذه الأذواق داعيةً للقيام بأعمالهم الأخروية، وهذا مما يفسد الإخلاص؛ لأن الأعمال الأخروية لا يُتحرى فيها مقاصد دنيوية، ولا يُسأل فيها عن أذواق، بل لو طُلِبتْ فيها تلك الأذواق لفسد الإخلاص.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن الكرامات والكشفيات إنما هي لِبَثِّ الثقة في نفوس السالكين في الطريقة من الناس العوام الذين يملكون إيمانًا تقليديًّا ولم يبلُغوا مرتبة الإيمان التحقيقي، وهي أحيانًا لتقوية الضعفاء ممن تُساوِرُهم الشكوكُ والشبهات.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما الحُجَجُ التي تسوقها رسائل النور فيما يَخُص حقائقَ الإيمان لا تَدَع مجالًا -في أية جهة كانت- لدخول الشبهات والأوهام، كما لا تدع داعيًا للكرامات والكشفيات لتطمين القلب والاقتناع.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالإيمان التحقيقي الذي تمنحه الرسائل هو أرفع بكثير من الكرامات والكشفيات والأذواق</strong>، لذا لا يَتحرى طلاب رسائل النور الحقيقيون أمثالَ هذه الكرامات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن أساسًا من أسس رسائل النور هو معرفةُ الشخص بقصوره في قرارة نفسه، والاندفاعُ إلى خدمة الإيمان بتفانٍ ابتغاء مرضاة اللّٰه وحده دون منافسة مع الآخرين.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما الاختلافُ الموجود فيما بين أهل الطريقة من أصحاب الكرامات والمتلذذين من الكشفيات، ووجودُ شيءٍ من الحسد والمنافسة فيما بينهم، ولا سيما في هذا العصر الذي عمَّتْ فيه الأنانية والغرور.. كلُّ ذلك ساق أهلَ الغفلة إلى إساءة الظن بأولئك الطيبين المبارَكين واتهامِهم بأنهم أنانيون.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا نرى لماذا لا يسأل طلاب النور الكراماتِ والكشفياتِ لشخصهم، ولماذا لا يلهثون وراء تلك الأمور، وكيف أن هذا الطَّور هو الألزمُ لهم والأوجبُ عليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن في مسلك رسائل النور <strong>لا تُعطَى الأهميةُ للشخص</strong>؛ حيث يكتفي الجميع بما نالت رسائلُ النور -من حيث المشاركةُ المعنويةُ والفناءُ في الإخوان- من آلاف الكرامات العلمية ومِن يُسْرٍ في نشر الحقائق الإيمانية، وبما يجد أولئك الطلاب من بركة في معايشهم وأمثالها من الإكرامات الإلهية.. لذا لا يفتشون عن كمالات وكرامات أخرى شخصية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: من المعلوم أن مئاتٍ من رياض الدنيا لا توازي شجرة من أشجار الجنة، وذلك لأن الأولى فانية والثانية خالدة، وأن أحاسيس الإنسان الماديةَ هي أحاسيسُ مطموسةٌ تُعجبها اللذة العاجلة، فتُفضِّل ثمرةً حاضرةً على روضةٍ آجلة من رياض الجنة الباقية، لهذا لا يَسأل طلاب النور الأذواقَ الروحانية والكشفيات المعنوية في الدنيا، فلا تَستغل النفسُ الأمارة هذه الحالَةَ الفطرية في الإنسان.</p>
<p style="text-align: justify;">وشبيهٌ بحالة طلاب النور هذه ما يُحكى أن وطأة العيش قد اشتدت على رجل صالح من الأولياء وعلى زوجته التقية الورعة، وكان لهما مقام عند اللّٰه، ولكن شدة ما ألمَّ بهما من الضرورة أَلجأتِ الزوجةَ الصالحةَ أن تقول لزوجها:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن حاجتنا لشديدة!</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا بهما يريان لَبِنةً من ذهبٍ خالصٍ أمامهما.</p>
<p style="text-align: justify;">فقال الزوج لزوجته: هذه لَبِنةٌ قد أُرسِلتْ إلينا من قصرنا في الجنة.</p>
<p style="text-align: justify;">فانبرت له زوجته الصالحة قائلة: مع أن الفاقة قد أنهكتنا، ونعاني من شظف العيش ما ترى، ولنا في الجنة كثير من مثل هذه اللبنة، ولكن أخشى أن نضيِّع لَبِنةَ الجنة في دنيا فانية، فأرجو يا زوجي العزيز أن تتضرع إلى المولى الكريم ليعيد اللبنةَ إلى موضعها في الجنة، فنحن في غنى عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا بهما يريان -كشفًا- عودةَ اللبنة إلى موضعها.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا تُروى الحادثة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذان الرائدان من أهل الحقيقة، إنما يمثلان نموذجًا جيدًا وقدوةً حسنة لطلاب النور في عدم سعيهم وراء الأذواق والكرامات في الدنيا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد سُررتُ غايةَ السرور بالرسائل الجميلة الخالصة القادمة من إخواننا في مدينة &#8220;إينبولي&#8221; وما جاور تلك المدينة التي أخذت عنوانَ &#8220;إسبارطة الصغيرة&#8221; في وقتٍ ما، وعانت أكثر من أية مدينة أخرى مصيبةَ السجن في قضيتنا السابقة.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنني قَلِقٌ على عدم الانسجام الحاصل بين الوالد والولد انسجامًا تامًّا للاختلاف بين مشربَيهما، وهما بَطَلاَنِ من أبطال النور، فالولدُ لا بدَّ له من كسبِ رضا الوالد حتى لو كان والدُه غيرَ محق، وعلى الوالد ألّا يَحرِم ولدَه من رأفته وإن كان عاقًّا به، وحتى لو كان البَون بين الولد والوالد بعيدًا، بل لو كانا عَدُوَّين.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل رسائل النور والإيثارِ الموجود فيما بين طلاب النور، وعدمِ انتقاد بعضهم البعض الآخر، والتجاوزِ عن تقصيراته، وأمثالِها من دساتير رسائل النور تُلجئهم إلى المصالحة، فكيف بمثل هذا الوالد والولد الحاملَين للخصال الحميدة والسجايا الراقية، وهما من المتقدمين في صفوف طلاب رسائل النور؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى أخَوَيَّ هذين ألّا يجعلا أمورًا دنيويةً جزئيةً عاطفيةً موضعَ مناقشة، وعليهم أن يتحلَّوا بما تقتضيه الأبوة والبُنُوَّة من الاحترام والرحمة، فضلًا عما يقتضيه التتلمذ على رسائل النور من الصفح وغضِّ النظر عن الأخطاء، فعلى أخَوَيّ الحبيبين عندي حبًّا جمًّا أن يتركا نقدَ بعضهما البعض الآخر مراعاةً لخاطري.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ميزان القناعة والحرص]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ميزان القناعة والحرص) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: إنك لا تريد أن ترتبط بعلاقةٍ -خارج دائرة النور- مع الذين يُحسنون الظن كثيرًا بشخصك بالذات ويمنحونك مقامًا عظيمًا، رغم أنهم وثيقو الصلة برسائل النور، وتتبادل معهم المحبة، بل تفضل المجالسة والمحاورة مع مَن لا يُفْرِط في حسن الظن بشخصك، فتنبسط لهم وتنشرح وتبدي لهم من المحبة والإكرام أكثر من أولئك، فما السبب؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: لقد ذَكرنا في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d9%86-%d8%a3%d8%ac%d8%b1%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa/">المكتوب الثاني</a></strong> من <strong><a href="https://said-nursi.com/category/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa/">الكلمة الثالثة والثلاثين</a></strong> أن الناس في زماننا هذا يبيعون إحسانَهم إلى المحتاجين بثمن غالٍ، فمثلًا؛ يقدِّم لي رغيفًا من الخبز مقابلَ دعاء مستجاب، ظنًّا منه أني رجل صالح! فإحسانٌ كهذا وبهذا الثمن الباهظ لا أُريده، وقد بيَّنتُ هذا سببًا من أسباب ردّ الهدايا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالناس من غير طلاب النور الحقيقين يُبدون علاقةً قويةً نحوي واستعدادًا للخدمة بظنهم أني ذو مقام عظيم، ولكن يَطلبون عوضَها نتائج نورانية في الدنيا -كما هو لدى الأولياء- فيحسنون إليَّ إحسانًا معنويًّا بخدماتهم وعلاقاتهم؛ ولما كنت عاجزًا عن أن أكون مالكًا لما يطلبونه من ثمن تجاه هذا النوع من الإحسانات المعنوية من أمثال هؤلاء، أظل خَجِلًا منهم، وهم بدورهم عندما يرون أني لستُ على شيء، يخِيبُ ظنُّهم بي، وربما يَفتُرون عن الخدمة.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن الحرص في الأمور الأخروية والاستزادةَ منها مقبول -من جهةٍ- إلّا أنه في مسلكنا، وفي خدمتنا، قد يكون لبعض العوارض سببًا للشكوى واليأس بدل الشكر، إذ قد يقع الحريص في خيبة الظن من عمله، لعدم رؤيته نتائجه، بل ربما يدَع خدمة الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فنحن مكلفون في مسلكنا بالقناعة، وعدم الحرص على نتائج الخدمة وثمراتها، على الرغم مما نبديه من حرصٍ شديدٍ وطلبِ المزيد في أمور الخدمة ضمن دائرة الإخلاص، وذلك لأن القناعة في النتائج تورث دائمًا الشكر والثبات والصلابة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن ما نراه من حصيلة خدمتنا وجهودنا في ترسيخ الإيمان وتحقيقه في قلوب ألوفِ المؤمنين -حوالي ولاية إسبارطة- لَكافٍ لخدمتنا هذه، بحيث لو ظهر مَن هو بمرتبة عشرة أقطابٍ من الأولياء الصوفية، واستطاع سَوقَ ألفٍ من الناس إلى مراتب الولاية، فإن عمله هذا لا ينقص من أهمية عملنا وقيمتهِ ولا من ثمراته شيئًا.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن طلاب رسائل النور الحقيقيين واثقون كلَّ الثقة، ومطمئنون كلَّ الاطمئنان، بمثل هذه النتائج وحصيلةِ الأعمال هذه؛ إذ إن القناعة القلبية لدى مريدي ذلك القطب العظيم يُحققها ويَضمَنُها المقامُ الرفيع لأستاذهم ومرشدهم، ويَضمنها أحكامُه في المسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن رسائل النور تنشئ لدى طلابها درجةً من القناعة أكثرَ بكثيرٍ مما عند مريدي ذلك القطب العظيم، بما فيها من حججٍ قاطعةٍ تسري إلى الآخرين فتنفعهم أيضًا، بينما تبقى قناعةُ أولئك المريدين خاصة بهم وحدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ إن قبول أقوال الأشخاص العظام بغير دليل: لا يفيد اليقين والقطعية في علم المنطق، بل ربما تكون قضيةً مقبولةً يقتنع بها الإنسانُ بالظن الغالب، أما البرهان الحقيقي -كما هو في المنطق- فلا يَنظر إلى مكانة الشخص القائل وإنما إلى الدليل الذي لا يُجرَح.</p>
<p style="text-align: justify;">فجميعُ حُجَج رسائل النور هي من هذا القسم، أي من &#8220;البرهان اليقيني&#8221;، لأن ما يراه أهلُ الولاية من الحقائق بالعمل وبالعبادة وبالسلوك وبالرياضة الروحية، وما يشاهدونه من حقائق الإيمان وراء الحجُب، فإن رسائل النور تشاهدها مثلهم أيضًا، إذ شَقَّت طريقًا إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحتْ سبيلًا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية وحجج علمية، وكشفتْ طريقًا مباشرًا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام وعلم العقيدة وأصول الدين؛ بحيث انتصرتْ على الضلالات الفلسفية التي تغلّبت على تيارات الحقيقة والطريقة في هذا العصر؛ والشاهد هو الواقع.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أن حقيقة القرآن -التي هي في منتهى القوة وسدادِ المنطق- قد نجَّت سائرَ الأديان من صولة الفلسفة الطبيعية وتغلُّبِها عليها، وأصبح القرآنُ نقطةَ استنادٍ لتلك الأديان حتى حافظتْ -إلى حدٍّ ما- على أصولها التقليدية والخارجة عن العقل؛ فرسائل النور كذلك -ولا مشاحة في الأمثال- وهي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم، ونورٌ مفاضٌ منه في هذا الزمان، قد حافظتْ على الإيمان التقليدي لدى عوام المؤمنين من صولة تلك الضلالة العلمية المُخِيفة الناشئة من الفلسفة المادية، وأصبحتْ نقطةَ استنادٍ لأهل الإيمان كافة، وفي حكم قلعةٍ حصينةٍ لا تُقهر، للمؤمنين كافة القاصي منهم والداني على السواء، بحيث إنها تَحفظ أيضًا -في خضمِّ هذه الضلالات الرهيبة التي لا نظير لها- إيمانَ عوام المؤمنين من أن تَرِدَهم شبهاتٌ على إيمانهم وتُطفئ الشبهات الواردة على إسلاميتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن أيّ مؤمن كان في أيةِ بقعةٍ من أرجاء العالم، حتى في الهند والصين، ما إن تساوره شبهةٌ من جراء ظهور الضلالة الرهيبة في هذا العصر العجيب حتى يتساءل: تُرى هل في الإسلام شيءٌ من باطلٍ حتى آل أمرُه إلى هذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">إذا به يَسمع ويدرك أنه قد ظهرت رسالةٌ تثبت إثباتًا قاطعًا جميعَ حقائق الإيمان، وتَقهر الفلسفة، وتُخرِس الزندقة، وإذا بتلك الشبهة تزول نهائيًّا، فينقذ إيمانه ويقوى.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لِمَ هذا الحشد من البراهين؟]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لِمَ هذا الحشد من البراهين؟) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">&#8230;&#8230;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: يسأل أخونا علي الصغير ذو الروح العالية، وهو بطل الميامين، وبمنزلة عبد الرحمن ولطفي والحافظ علي، سؤالًا وردَ جوابُه في مئات من المواضع من رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والسؤال هو</strong>: لِمَ هذا الحشد الهائل من البراهين والأدلة حول أركان الإيمان في رسائل النور؟ فإن إيمان المؤمن العامي هو كإيمان الولي العظيم.. هكذا سمعنا من علمائنا السابقين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فالجواب</strong>: إن مباحث المراتب الإيمانية المذكورة في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;</a></strong>، وكذا ما قاله مجدد الألف الثاني الإمام الرباني وقضى به: &#8220;إن أهم نتيجة للطرق الصوفية كافة هي انكشاف الحقائق الإيمانية وانجلاؤها، وإن وضوح مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ وانكشافَها لهو أرجح من ألفٍ من الكرامات&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، وكذا ما جاء في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#mhmt_rsayl_alnwr">أواخر &#8220;الآية الكبرى&#8221;</a></strong> المستلهَمة من <strong><a href="https://said-nursi.com/category/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/">الملاحق</a></strong>، وكذا <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#almsalt_alashrt_mbahth_qranyt_nfyst">المسألة العاشرة من رسالة الثمرة</a></strong> التي تبين حكمة التكرار في القرآن الكريم وسببَ إكثاره من حشد البراهين حول أركان الإيمان ولا سيما التوحيد.. تلك الحكمة القرآنية جارية أيضًا بتمامها في تفسيره الحقيقي: رسائل النور.. وهذا هو الجواب.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أقسام الإيمان المتضمِّنة للإيمان التحقيقي والتقليدي والإجمالي والتفصيلي -وثباتَ هذا الإيمان أمام جميع الشبهات والهجمات الشرسة التي يشنها الكفر- قد تولت رسائلُ النور إيضاحَها، فذلك الإيضاح لا يدَع لنا حاجة إلى مزيد للإجابة عن سؤال أخينا العزيز.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجهة الثانية من المسألة</strong>: إن الإيمان لا ينحصر في تصديقٍ إجمالي وتقليدي وحده، بل له انجلاءٌ ومراتبُ كثيرة جدًّا كالمراتب الموجودة بين البذرة النامية إلى الشجرة الباسقة، أو كالمراتب الموجودة بين انعكاس الضوء من المرآة الصغيرة في اليد إلى انعكاسه من سطح البحر، بل إلى انعكاسه من الشمس نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;">فإن للإيمان حقائقَ غزيرةً جدًّا، إذ ترتبط حقائقُ كثيرةٌ لأنوارِ ألفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الحسنى، ولسائر أركان الإيمان بحقائق الكون؛ حتى اتفق أهلُ الحقيقة على أن <strong>أجلَّ العلوم قاطبةً وقمةَ المعرفة وذروة الكمال الإنساني إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية السامية المفصَّلة والمبرهَنة النابعة من الإيمان التحقيقي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الإيمان التقليدي معرَّضٌ لهجماتِ الشبهات والأوهام؛ أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع منه وأقوى وأمتن، وله مراتب كثيرة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ومنها: مرتبةُ علم اليقين التي تقاوِم الشبهات المهاجمة بقوةِ ما فيها من براهين، بينما الإيمان التقليدي لا يَثبت أمامَ شبهةٍ واحدة.</p>
<p style="text-align: justify;">ومنها: مرتبةُ عين اليقين التي تضم مراتبَ كثيرةً جدًّا، بل لها مظاهرُ بعدد الأسماء الإلهية، حتى تَجعلُ الكونَ يتلو آياتِ اللّٰه كالقرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">ومرتبةٌ أخرى منها هي مرتبةُ حق اليقين.. وهذه تضم مراتب كثيرة جدًّا؛ فصاحبُ هذا الإيمان لا تنال منه جيوشُ الشبهات إذا هاجمتْه.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أوضح علماءُ الكلام الطريقَ العقليَّ والمبرهَن لتلك المعرفة الإيمانية، وذلك في ألوفٍ من مجلداتِ مؤلفاتهم المستندة إلى العقل والمنطق.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أهل الحقيقة والتصوف، فقد أوضحوا تلك المعرفة الإيمانية من جهةٍ أخرى وبشكل آخر، في مئات من كتبهم المستنِدة إلى الكشف والذوق.</p>
<p style="text-align: justify;">أما المنهج القرآني المعجِز، ذلك المنهج الأقومُ، فقد أوضح الحقائقَ الإيمانية والمعرفة الإلهية والمقدسة إيضاحًا أرفع بكثير وأسمى بكثير وأقوى بكثير مما أوضحه أولئك العلماء والأولياء.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائل النور إنما تفسِّر هذا المنهج القرآني الأقوم الجامع الرفيع، وبه تتصدى للتيارات الفاسدة المضِلَّة المدمِّرة والواردة على القرآن الكريم للإضرار -في سبيل عوالم العدم- بالإسلام وبالإنسانية منذ ألف سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا ريب أنها -أي الرسائل- بحاجة ماسة إلى حشد براهين لا حدَّ لها أمام أولئك الأعداء غير المحدودين، كي تتمكن من أن تكون وسيلةً -بهذه البراهين المفاضة من القرآن- للحفاظ على إيمان المؤمنين.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد ورد في الحديث الشريف: &#8220;فواللّٰه لأن يهدي اللّٰه بك رجلًا واحدًا خيرٌ من أن يكون لك حمر النعم&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>، وأن &#8220;تفكُّر ساعةٍ خير من عبادة سنة&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، ولبلوغ هذا النوع من التفكر يُولي النقشبنديون أهميةً عظيمةً للذكر الخفي.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامي على جميع إخوتي الأحبة فردًا فردًا، وندعو لهم جميعًا بالخير.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[منع الذهاب إلى المسجد]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(منع الذهاب إلى المسجد) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">منذ شهور والمكائد تُكاد ضدي، والآن تبيّنَتْ، ولكن بفضل العناية الإلهية مرَّتْ هيِّنة.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أتردد إلى المسجد في الأوقات الخالية، وصَنَع الطلاب -بدون علمي- في المحفل غرفةً خشبيةً صغيرة لحمايتي من البرد، وقد قررتُ ألّا أذهب إلى المسجد، بعد أن رفع ضابط الأمن المعروفُ تلك الغرفة الصغيرة، وأبلغوني رسميًّا: عليك ألّا تذهب إلى المسجد. ولكنهم أثاروا ضجة بين الناس باستِهْوالِهم الأمر، جاعلين من الحبة قبة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحادثة لا أهمية لها إطلاقًا فلا تقلقوا أبدًا؛ إنني أَخالُ أنهم يهينونني -بمثل هذه الحجج التافهة- لأجل الحدِّ من توجُّهِ الناس -من كلِّ جهة- نحوي بما يفوق حدِّي بكثير.</p>
<p style="text-align: justify;">إنهم ينظرون إلى حياتي السابقة، فيتوقعون أنني لن أتحمل إهاناتهم، علمًا أنني لو أُهِنت يوميًّا بألف إهانةٍ وإهانة -بشرط ألا تُخِلَّ بسلامة نشر رسائل النور- وشدُّوا عليّ الخناق، لشكرتُ اللّٰه كثيرًا على ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي، كما لم أهتم بهذه المسألة فالطلاب هنا أيضًا لم يهتزوا، ولقد مرت الحادثة -التي كنا نتوقعها- بسلامٍ والحمد للّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى كل أخ من إخواننا مع دعواتنا لهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تثبيط الإخوة العاملين]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(تثبيط الإخوة العاملين)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطر على قلبي إخطارًا معنويًّا قويًّا أن أكرر عليكم بيانَ مسألةٍ في غاية الأهمية، رغم أني قد بَيَّنتُها لكم مجملًا سابقًا، وهي الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن أعداءنا المنافقين الذين يعملون من وراء ستارٍ قد جعلوا -كما هو دأبهم- دوائرَ العدل والسياسة والإدارة في الدولة أداةً طيعة للإلحاد الظاهر، فشنُّوا هجمات علينا، لكن بفضل اللّٰه باءت مؤامرتهم بالإخفاق، وعَقِمت دسائسُهم.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا تركوا خططَهم السابقةَ التي سبَّبتْ فتوحاتٍ لرسائل النور وبدأوا بحبك مؤامراتٍ أشدَّ خبثًا ونفاقًا من السابق، بحيث يجعل الشيطان في حيرةٍ منها، وقد ظهرت أمارات منها هنا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أهم أساس في تلك الخطط الرهيبة: تثبيطُ إخواننا الطلاب الخواص الثابتين، وإلقاءُ الفتور في نفوسهم لدفعهم -إن أمكن- إلى التخلي عن رسائل النور، فاختلقوا أكاذيبَ وحاكوا دسائس يحار منها الإنسان، مما يحتِّم ثباتًا وصلابةً ووفاءً خالصًا صادقًا متينًا كالحديد، كما هو لدى أبطال إسبارطة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد يَلبسون لَبوسَ الناصح الصَّديق، فيَنْبثُّون في صفوفكم، أو يُشيعون الأوهام والمخاوف إن كان التخويف مُجديًا، فيستعظمون أتفهَ الأمور كالحبَّة ويجعلونها كالقبة العظيمة، ويوصون الضعفاء: &#8220;لا تتقربوا من سعيد، فهو مراقَبٌ ومحاطٌ بجواسيس الحكومة&#8221;، ليدفعوهم إلى التخلي عن رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">بل حتى يسلِّطون فتياتٍ يافعاتٍ على الطلاب الشباب لإثارة هَوَساتهم النفسانية!! ويبيِّنون نقائصَ وضعفَ شخصي بالذات للأركان من طلاب النور، بجنبِ أشخاصٍ ذوي دِينٍ مشهورين من أهل البدعة قائلين لهم: &#8220;ونحن أيضًا مسلمون.. فليس الدين محصورًا بمسلك سعيد&#8221;!! ويستغفلون السذج من أهل الدين والعلماء، ويجعلونهم أداة للزندقة ونشر الإرهاب والفوضى!! سيَخيب ظنُّهم، و تَبور خططُهم بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">قولوا يا إخوتي لأمثال هؤلاء السفلة:</p>
<p style="text-align: justify;">نحن طلاب رسائل النور، وسعيدٌ واحدٌ مثلُنا، وإن منبع رسائلِ النور وكنزَها وأساسَها هو القرآن الكريم، وقد أثبتتْ قدْرَها وظهورَها حتى على ألدِّ الأعداء مع ما بذلوا من تدقيقٍ وملاحقةٍ طوال عشرين سنة؛ وإن مؤلِّفَها وخادمَها &#8220;سعيد&#8221; حتى لو اتخذ جبهةً مضادةً لها -والعياذ باللّٰه- فلا يتزعزع وفاؤنا برسائل النور، ولا تنحلّ علاقتُنا الوثيقة بها. وبهذا النمط من الكلام تصدون الباب عليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وعليكم الانشغالَ برسائل النور كتابةً وقراءةً قدرَ المستطاع، مع عدم الاكتراث بالإشاعات المضخمة، والأخذَ بالحذر التام كما هو دأبكم.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامنا على إخوتنا فردًا فردًا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا نقاش مع العلماء]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لا نقاش مع العلماء) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء، ويا وارثيَّ الميامين وكلائي الأمناء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أبلّغكم يقينًا أن عناية الرب سبحانه وتوفيقَه الصمداني مستمرٌّ بحقنا وبخدمة رسائل النور؛ فهناك تحت الأستار القبيحة ظاهرًا نتائجُ في منتهى الجمال؛ فبدلًا من ضررٍ واحدٍ يَلحَق بنا يُنعَم علينا بمئةِ نفعٍ ونفع، فلا ينبغي الاهتمام بالمضايقات العابرة والهزات المؤقتة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: مع أنني أتضايق هنا كثيرًا، إلّا أنني كلما فكرتُ في سعيكم المتواصل الذي لا فتور فيه، وتسلمتُ رسائلكم المسلية: زالت تلك المضايقات، بل قد تتحول إلى أفراح ومسرات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خامسًا</strong>: &#8230;&#8230;</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. عليكم بمنتهى الحيطة والحذر.. وإياكم إياكم أن تفتحوا باب النقاش مع العلماء، بل يجب التعامل معهم بالحسنى والمصالحة على قدر الإمكان، فلا تتعرضوا لغرورهم العلمي حتى لو كان أحدهم ميّالًا إلى البدع ومستحدثات الأمور، لأن الزندقة الرهيبة تجاهنا، فيجب عدم دفع هؤلاء المبتدعين إلى صف الملحدين.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا ما صادفتم علماءَ رسميين أُرسِلوا إليكم خاصة، فلا تفتحوا باب النزاع معهم، لأن اعتراضاتهم باسم العلم سيكون مستَنَدًا بيد المنافقين.</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم تَعلمون مدى الضرر الذي أحدثه الشيخ العالِم في إسطنبول، فحاوِلوا قدر المستطاع أن تحوِّلوه في صالح رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى إخواننا جميعهم فردًا فردًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رحمةٌ إلهيةٌ تحت المصائب]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(رحمةٌ إلهيةٌ تحت المصائب)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إخوتي.. إن معاونتكم لي عظيمةٌ وظاهرةٌ جدًّا، وذلك بجهتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أُولاها</strong>: أن سعيكم المتواصل دون فتور في خدمة النور يُزيل جميع مصائبي وضوائقي، ويحوِّلها إلى سرور وفرح.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: اعلموا يقينًا أنه بدعواتكم يتحول ظلمُهم المعذِّب إلى رحماتٍ ذات عناية ومصالح؛ ولم تبق لي شبهة في هذا قط.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فمثلًا</strong>: إن تخويفهم الناسَ مني، وإلقاءَ الرعب في قلوب الموظفين لئلا يتقربوا مني، أنقذَني من كثيرٍ من الأخطاء والتصنُّعات، ومن حالاتٍ منافيةٍ للإخلاص، ومن ضياعِ الوقت؛ فلقد أظهر القدَرُ الإلهيُّ بحقي العدالةَ الإلهية وعنايتَها ضمن ظلم البشر.</p>
<p style="text-align: justify;">وقياسًا على هذا، فما من مصيبةٍ تَنزل بي إلّا وتحتها رحمةٌ إلهية، فإنّ انشغالهم بي فحسبُ يُنقِذ مئاتٍ من رسائل النور ولو كان فيه ضرر واحد لي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولذلك فيا إخوتي لا تقلقوا عليّ أبدًا، حتى إنني كلما نويت الدعاء عليهم -لدى إهانتهم لي إهانةً شديدةً تجرح مشاعري جرحًا أليمًا- فإن الموت الذي يُعدِمهم، وتَعَرُّضَهم لعذاب القبر الذي هو سجنٌ انفراديٌّ لهم، وما يَنتج من تلك الإهانة من المصالح لي والمنافع لخدمتنا.. كل ذلك يَحُول بيني وبين الدعاء عليهم، فأتخلى عنه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[عند سماع أخبار سيئة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(عند سماع أخبار سيئة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">عندما يسمع ذلك الأخُ أخبارًا سيئة، ليكن مثل والدي المرحوم &#8220;ميرزا&#8221; وليس مثل والدتي &#8220;نورية&#8221;؛ إذ عندما كانت تُنقل أخبارٌ سيئة إلى والدي ووالدتي، كأن يقول أحدُهم: إن ابنكم قد قُتِل أو ضُرِب أو سُجِن. كان أبي يبتهج ويضحك كلما سمع مثل هذه الأخبار، ويقول: ما شاء اللّٰه&#8230; قد كَبِر إذن ابني حتى يُظهِر بطولةً أو عملًا عظيمًا بحيث يتكلم عنه الناس.</p>
<p style="text-align: justify;">أما والدتي فكانت تبكي بكاءً مرًّا مقابل سرور والدي.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم أظهر الزمان أن والدي كان محقًّا في كثير من الأحيان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تأويل حديث شريف]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(تأويل حديث شريف) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">تبدو لي حقيقةٌ إيمانيةٌ في غاية الأهمية أكثر من مئة مرة؛ وحيث إن <strong>زمن تأليف الرسائل قد انتهى،</strong> فمهما حاولتُ اقتناص تلك الحقيقة الجليلة لم أتمكن، فانتظرتُ كي أستشعرها وأتمكن من أن أُعبِّرها بوضوح، ولكن لم أوفق، والآن سأتناول تلك الحقيقة الواسعة جدًّا والطويلة جدًّا بإشارة قصيرة جدًّا وفي منتهى الاختصار.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحديث الشريف: (إن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن)<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> هو من جوامع الكَلِم، ومن الأحاديث المتشابهة كذلك؛ وقد ظهرتْ لقلبي نكتَتُه الكليَّةُ العظيمةُ جدًّا أثناء قراءتي &#8220;خلاصة الخلاصة&#8221; و&#8221;الجوشن الكبير&#8221;، وأنا لأجل ألّا تُفلِت مني تلك النكتةُ الجميلة جدًّا والعجيبة جدًّا، وضعتُ إشاراتٍ على صورةِ شِفْراتٍ في &#8220;خلاصة الخلاصة&#8221; بين <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#mshhd_alqran_alkrym">المرتبة السابعة عشرة</a></strong> وهي شهادة لسان القرآن، والمرتبةِ الثامنة عشرة وهي شهادة الكون؛ وقد وضعتُ الإشارات ذات الشِّفرة كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">﴿لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَانيَّةِ.. الخ.﴾<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>
<p style="text-align: justify;">وسأوضِّح هذه الشِّفرة القصيرة في منتهى الاختصار، واجعلوها حاشية لخلاصة الخلاصة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقةِ ذكرٍ في أثناء قراءتي لخلاصة الخلاصة، ولكن لأن لسانَ كلِّ نوعٍ من الأنواع واسعٌ جدًّا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرًا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح.</p>
<p style="text-align: justify;">وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يُصدِّق تلك الأسماء والصفات بإيمانٍ واطمئنانٍ ووجدانٍ جازمٍ شهوديٍّ وإذعانيٍّ وبسهولةٍ ويُسر، وبمرآته الحاضرة التي بقربه دونما حاجة إلى سياحة فكرية، فيَكسب الإيمانَ التحقيقي، ويدرك المعنى الحقيقي للحديث الشريف: (إن اللّٰه خلق الإنسان على صورة الرحمن)، لأن المراد من الصورة: السيرة والأخلاق والصفات، حيث إن الصورة محالةٌ بحقه تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، فكما أن أصحاب الطريقة الصوفية قد سلكوا في المعرفة الإلهية طريقين: أحدهما: <strong>السير الأَنفُسي</strong>، والآخر: <strong>السير الآفاقي</strong>. ووجدوا أن أقصرَ طريق وأيسرَها وأمتنها وأكثرها اطمئنانًا هي الطريق الأنفُسي، أي في القلب، وذلك بالذكر الخفي القلبي؛ كذلك أهل الحقيقة الرفيعون قد سلكوا طريقين اثنين ليس بالمعرفة والتصور، بل بما هو أرقى وأجدر منهما بكثير، وهو في الإيمان والتصديق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: النظر إلى الآفاق بمطالعة كتاب الكون، كما في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%89/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">&#8220;الآية الكبرى&#8221;</a></strong> و&#8221;الحزب الأكبر النوري&#8221; و&#8221;خلاصة الخلاصة&#8221; وأمثالها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والآخر</strong>: الصعود إلى مرتبة الإيمان، الخالية من الشكوك والرُّيُوب بمطالعةِ خريطةِ الحقيقة الإنسانية وفهرسِ الأنانية البشرية وماهيتِها النفسانية، وهي أقوى مرتبةٍ وجدانيةٍ وشعوريةٍ، وشهوديةٌ -إلى حدٍّ ما- فهي بدرجة حق اليقين، بحيث إن هذه المرتبة متوجهة إلى سرِّ الأقربية الإلهية والوراثة النبوية.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وقد وَضَّحتُ جزءًا من حقيقة التفكر الإيماني الأنفُسي في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8e%d9%91%d8%b1%d9%91%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">الكلمة الثلاثين</a></strong> في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8e%d9%91%d8%b1%d9%91%d8%a9/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/#almqsd_alawl_mbhth_alana">بحث &#8220;أنا&#8221;،</a></strong> وفي <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b0/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/#nafdht_23_mjzt_alhyat">&#8220;نافذة الحياة&#8221;</a></strong> و<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b0/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/#nafdht_31_alnafdht_alanfusyt_fy_alansan">&#8220;نافذة الإنسان&#8221;</a></strong> في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b0/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">المكتوب الثالث والثلاثين</a></strong>، وفي أجزاء أخرى من رسائل النور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الرسائل تؤدي المهمة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(الرسائل تؤدي المهمة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأوفياء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا أبدًا، فإني لا أُبيّن لكم حالةَ مرضي الشديد الذي انتابني من جراء التسميم -بتدبيرٍ مقصود- إلّا لأنال دعواتِكم، فلا داعي للاضطراب والقلق، إذ -للّٰه الحمد والشكر- لم يمنعني ذلك المرضُ من قراءة أورادي ولا واجبِ تصحيح الرسائل، أسأله تعالى أن يكتب لي فيه أجرًا عظيمًا، فأنا راضٍ عن هذا المرض -من جهة- فلا تتألموا أيضًا لحالي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أوشكتْ مُهمتي في الحياة على الانتهاء، وتستطيع كلُّ نسخةٍ من نُسَخِ رسائل النور -ولا سيما المجموعات منها- أن تؤدي وظيفتي بما يفوق حُسْنَ ظنكم في &#8220;سعيد&#8221; بكثير، بل تؤديها فعلًا، وكلُّ طالبٍ فدائيٍّ من طلاب النور الخواص يمكنه أن يقوم بوظيفة ذلك &#8220;السعيد&#8221; على أتم وجه، فلئن نَقَصَ &#8220;سعيدٌ&#8221; واحد فيما بينكم، فإن مئاتٍ السعيدين المعنويين -أي الرسائل- وألوفِ السعيدين الماديين -أي طلاب النور- يستطيعون القيام بتلك المهمة خيرَ قيام، وهم فعلًا يقومون بها.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذه الحقيقة، لا تهتموا كثيرًا بشخصي ولا بالحوادث التي تجري علَيَّ، بل اسألوا اللّٰه سبحانه، وادعوه متضرعين إليه أن يثبتنا على الإخلاص، وعاونوني يا إخوتي بدعواتكم -التي لا ريب في استجابتها- لِما ألَمَّ بي من شيخوخةٍ ومن آلامٍ كثيرة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الفلسفة التي تهاجمها الرسائل]</h2>
<p><strong>(الفلسفة التي تهاجمها الرسائل)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا&#8230;﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">نظرًا لشروع رسائل النور بالانتشار بآلة &#8220;الرونيو&#8221; والتفافِ الكثيرين من الطلاب والمُدرسين الذين يقرأون الفلسفة الحديثة في المدارس حول رسائل النور، لَزِم بيانُ الحقيقة الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الفلسفة التي تهاجمها رسائلُ النور وتَصفعُها بصفعاتها القوية، هي <strong>الفلسفة المُضِرَّة وحدَها،</strong> وليست الفلسفةَ على إطلاقها، ذلك لأن قسمَ الحكمة من الفلسفة التي تخدُم الحياة الاجتماعية البشرية، وتُعِين الأخلاقَ والمُثل الإنسانية، وتمهِّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاقٍ ومصالحةٍ مع القرآن الكريم، بل هي خادمةٌ لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسَعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلةً للتردي في الضلالة والإلحاد، والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسانَ إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنه يعارِض بخوارقه -التي هي كالسحر- الحقائقَ المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضالِّ من الفلسفة في أغلب أجزائها، وذلك بنَصْبها موازينَ دقيقةً ودساتيرَ رصينة، وبعَقْدها موازناتٍ ومقايساتٍ معزَّزةً ببراهين دامغة، فتصفعها بصفعاتها الشديدة؛ في حين أنها لا تَمَسُّ القسمَ السديد النافع من الفلسفة.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا لا يعترض طلاب المدارس الحديثة على رسائل النور، بل يَنضوون -وينبغي لهم أن ينضووا- تحت لوائها دونَ تردد وإحجام.</p>
<p style="text-align: justify;">بَيد أن المنافقين المتسترين، الذين استغلوا عددًا من علماء الدين وجعلوهم في عداءٍ مع رسائل النور-لأسبابٍ تافهة جدًّا ولا معنى لها إطلاقًا- التي هي بضاعة المدارس الشرعية، وهم أصحابُها الحقيقيون، فلربما يستغلّون أيضًا الغرورَ العلمي لدى بعض أرباب الفلسفة ويثيرونهم على رسائل النور، لذا أرى من الأنسب كتابةَ هذه الحقيقة في مستهل كلٍ من مجموعة &#8220;عصا موسى&#8221; و &#8220;ذو الفقار&#8221;.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[رسالة إلى علماء الأزهر]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(رسالة إلى علماء الأزهر) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن النسختين اللتين ستُرسَلان إلى علماء الأزهر لم تُصحَّحا من قِبَلي؛ فلا شكَّ من وقوع هفواتٍ وسهوٍ سواءٌ في ضبط الشكل أو في العبارات العربية، ولا سيما في &#8220;خلاصة الخلاصة&#8221; التي في الختام؛ فلقد شاهدتُ هفواتٍ في نُسَخٍ أخرى، ولهذا أرسِلوا نسخةً مصحَّحةً من قِبَل علماءَ في العربية -في أي وقتٍ ترونه ملائمًا- من كلٍّ مِن مجموعةِ &#8220;عصا موسى&#8221; و&#8221;ذو الفقار&#8221;، وأرفِقوا الآتيَ إليهم:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن مدرسة الزهراء -لرسائل النور- بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى الجامع الأزهر، كحاجةِ الطفل الصغير إلى أمه الرؤوم، فهي تَطلب دومًا أن يُسبغ شفقته عليها، إذ هي إحدى طالباته، تتلقى الدرسَ منه، وهي التي استهدفتها أعداءٌ شرسون كثيرون.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه المدرسة الزهراء شعبةٌ مصغَّرة من شُعَب ذلك الجامع العظيم الذي يترأس المدارس الدينية جميعها وينوِّر بها العالم الإسلامي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل هذا تنتظر هذه الطالبة الصغيرة عَون ذلك الأستاذِ الموقّر، وذلك الأبِ الرحيم والمرشد الكبير، وترجو أن يمدّ يده إليها&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مكاسب العمل لرسائل النور]</h2>
<p><strong>(مكاسب العمل لرسائل النور)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿يوزَن مدادُ العلماء بدماء الشهداء﴾<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿مَن تمسَّك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد﴾<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>
<p style="text-align: justify;">استلهامًا من هذين الحديثين الشريفين نبيِّن عددًا من الفوائد الكثيرة -الدنيوية والأخروية- الناشئةِ من استنساخ رسائل النور، والمذكورةِ في أجزائها، والثابتةِ بتجارب طلابها وتصديقهم إياها.</p>
<p style="text-align: justify;">خمسة أنواع من العبادات:</p>
<p style="text-align: justify;">١- إنها جهادٌ معنوي تجاه أهل الضلالة، ذلك الجهاد الأهم.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- إنها خدمةٌ لأستاذه ومعاوَنةٌ له على نشر الحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- إنها خدمةٌ للمسلمين كافة من حيث الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- إنها تحصيلٌ للعلم بالكتابة.</p>
<p style="text-align: justify;">٥- إنها عبادةٌ فكريةٌ التي قد تكون ساعة منها بمثابة سنة من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولها خمسةُ أنواعٍ من الفوائد الدنيوية:</p>
<p style="text-align: justify;">١- البركة في الرزق.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- الانشراح والسرور في القلب.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- اليُسْر في المعيشة.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- التوفيق في الأعمال.</p>
<p style="text-align: justify;">٥- المشاركة في الدعوات الخاصة لجميع طلاب النور، بنَيلِه فضيلةَ طالب العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">نتيجتان مهمتان للعمل لرسائل النور بالقلم والتتلمذ عليها:‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: حسن الخاتمة، كما تشير إليها الآيات القرآنية الكريمة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني</strong>: الاشتراك بالمكاسب المعنوية لجميع طلاب النور، بمقتضى الاشتراك المعنوي ضمن دائرة رسائل النور، ونَيل حظه من حسناتهم جميعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا الدخول ضمن حظيرة طلاب العلم -في هذا الزمان الذي فُقِد فيه طالبُ العلم- ونَيلُ الاحترام اللائق بهم من قِبَل الملائكة<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>، بل نَيلُ حياةِ الشهداء في عالم البرزخ -إنْ وفِّق إلى ذلك وأوتي حظًّا عظيمًا- بمثل ما حَظِي بها طالبُ النور الشهير &#8220;الحافظ علي&#8221;، والمذكور في رسالة &#8220;الثمرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[هكذا تقتضي خدمة الإيمان]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(هكذا تقتضي خدمة الإيمان)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إنه <strong>يجب عليّ المجيء إلى هنا حتى لو كنت في مكة المكرمة</strong>، وذلك إنقاذًا للإيمان وخدمة للقرآن الكريم، فالحاجة هنا شديدة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كنت أملِك ألفَ روحٍ وروح، وابتُليت بألفِ مرضٍ ومرض، وقاسَيتُ ألوفًا من صنوف الآلام والمصاعب، فإن قراري -وقرارنا- هو البقاء هنا، خدمةً لإيمان هذه الأمة، وسعيًا لإكسابهم السعادة الأبدية؛ ذلك ما تعلمناه من دروس القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: تكتب إليَّ -يا أخي- عن الإهانة التي أُقابَل بها بدلًا من الاحترام والتقدير، وتقول: &#8220;لو كنتَ في مصر أو أمريكا لكنتَ تُذكر في التاريخ بإعجاب وفخر&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الفطن..</p>
<p style="text-align: justify;">نحن نهرب هروبًا من احترام الناس إيانا وتوقيرهم لنا وحسنِ ظنهم بنا وإكرامهم لنا وإعجابهم بنا، وذلك بمقتضى مسلكنا، <strong>فاللهاث وراء الشهرة التي هي رياء عجيب</strong>، ودخولُ التاريخ بفخرٍ وبهاء، وهو عُجبٌ ذو فتنة؛ وحبُّ الظهور وكسب إعجاب الناس.. كلُّ ذلك مُنافٍ ومخالفٌ للإخلاص الذي هو أساسٌ من أسس مسلك النور وطريقِه، فنحن نَجفِل ونهرب مذعورين من هذه الأمور باعتبارنا الشخصي؛ ناهيك عن الرغبة فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكننا نرجو من رحمة اللّٰه الواسعة إظهار رسائل النور النابعة من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعاتُ إعجازه المعنوي، ومفسِّرةُ حقائقه وكشَّافةُ أسراره.. فنرجو من رحمته تعالى الإعلانَ عن هذه الرسائل والرواجَ لها، وشعورَ الناس بحاجتهم إليها، وإظهارَ قيمتها الرفيعة جدًّا، وتقديرَ الناس لها وإعجابَهم بها، وتِبيانَ كراماتها المعنوية الظاهرة جدًّا، وإظهارَ غلبتها على الزندقة بجميع أنواعها بسر الإيمان، فنحن نريد إعلامَ هذه الأمور وإفهام الناس بها وإظهارَ تلك المزايا، ونرجو ذلك من رحمته تعالى.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انظر: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢١٠، ٢٦٠.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: البخاري، الجهاد ١٤٢، ١٤٣، فضائل أصحاب النبيِ ﷺ ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١٠.﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، المصنوع ٨٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧٠.﴾</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انظر: الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/١٨٣؛ ابن أبي عاصم، السنة ١/٢٢٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢ /٤٣٠؛ الدارقطني، الصفات ١/٢٢٩ عن ابن عمر بلفظ: &#8220;لا تقبّحوا الوجه فإن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن عزّ وجلّ&#8221;.﴾</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَانيَّةِ بِكَلِماتِ حَياتِها وحِسِّيَّاتِها وسَجِيَّاتِها ومِقياسِيَّتِها ومِرآتِيَّتِها، وَبِكَلِمَاتِ صِفَاتِهَا وَأخْلاَقِهَا وَخِلاَفَتِهَا وفِهْرِسْتِيَّتِها وأنانِيَتِها، وبِكَلِماتِ مخلُوقِيَّتِها الجامِعَةِ وَعُبُودِيَّتِها المُتَنَوِّعةِ وَاِحْتِيَاجَاتِها الكَثيرةِ وَفَقْرِها وَعَجْزِهاَ وَنَقْصِهَا الْغَيرِ المَحْدُودَةِ وَاِسْتِعْدَادَاتِها الْغَيرِ المَحْصُورةِ﴾.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</strong>﴿[٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ١/ ٦، ٨؛ ابن الجوزي، العلل المتناهية ١/١٨١؛ ابن حجر، لسان الميزان ٥/٢٢٥؛ المناوي، فيض القدير ٦/٤٦٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٦٢، ٥٤٣.﴾</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</strong>﴿[٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٥/٣١٥؛ ابن عدي، الكامل ٢/٣٢٧؛ البيهقي، الزهد ص ١١٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٨/٢٠٠؛ المنذري، الترغيب والترهيب ١/٤١؛ المناوي، فيض القدير ٦/٢٦١.﴾</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿(٭): الثابت قطعًا بمشاهدة بعض أهل الكشف من الأولياء. (المؤلف)﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2741</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق أميرداغ الأول [1/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d8%25a3%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ba-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2588%25d9%2584-1-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 16 Jan 2026 14:10:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2730</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] [مختصر ملحق أميرداغ الأول 1/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ [التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع] (التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع) لقد فُتحت &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2735" aria-describedby="caption-attachment-2735" style="width: 737px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-2735 size-large" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg" alt="إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم.في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ." width="737" height="1024" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-737x1024.jpg 737w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-216x300.jpg 216w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1-768x1067.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2026/01/رسائل-النور-سعيد-النورسي-ملحق-أمير-داغ-1.jpg 864w" sizes="(max-width: 737px) 100vw, 737px" /><figcaption id="caption-attachment-2735" class="wp-caption-text">إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم. في الصورة: المنزل الذي أقام به الأستاذ النورسي جبرًا في أميرداغ.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق أميرداغ الأول 1/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[<strong>التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع</strong>]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماع)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد فُتحت وقُرئت من قِبَلنا محتوياتُ خمسةِ صناديقَ مملوءةٍ بالكتب، وحيث إن من صلاحيتنا تدقيقَ كل ما في الصناديق، فقد وجدناه كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">كتبٌ مطبوعة مؤلَّفة من قِبل سعيد النورسي، وأجزاءٌ غير مطبوعة من رسائل النور، ومكاتيبُ علمية ودينية لبعض من طلابه متعلقة به، ومكاتيبُ أخرى اعتيادية جرت بين الطلاب أنفسهم، أو بينهم وبين سعيد النورسي، مع مجموعة من الكليشات.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل بيان ماهية هذه كلها لا بد من تقسيمها إلى قسمين:</p>
<p style="text-align: justify;">١- الرسائل التي كُتبت لتفسير آية كريمة أو إيضاح حديث شريف، وهي تشكّل تسعين بالمئة من المحتويات.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الرسائل وُضِّحت فيها العقائد التي تخص الدين والإيمان باللّٰه والرسول والقرآن والآخرة، فوُضِّحت بجلاء، مع إيراد الأمثلة ونظرات علمية دقيقة مقرونة بنصائح أخلاقية موجهة إلى الشيوخ والشباب، مع إدراج حوادث ذات عبرة جرت في الحياة، مع ذكر أمور نافعة للأهلين ومفيدة لأرباب العمل.</p>
<p style="text-align: justify;">والمؤلِّف في هذه الرسائل كلها لم يغادر الإخلاص، ولم يفارق التجرد والعلم، ولم يخالف قطعًا أُسسَ الدين؛ ومن الواضح البيِّن أن هذه الرسائل لا تحتوي على ما يُخلّ بنظام البلاد، ولا تستغل الدين بتشكيل الجمعيات.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الرسائل الاعتيادية التي جرت بين الطلاب وبين سعيد النورسي فهي أيضًا من هذا القبيل:</p>
<p style="text-align: justify;">١. يقول سعيد النورسي بأن <strong>ما ناله من شهرةٍ أو ذُيوع صِيتٍ يومَ كان في إسطنبول ما هو إلا نومٌ عميق وكابوسٌ مؤقت وغفلةٌ عابرة</strong>، وأنه قد تَدَخَّل بعقله في السياسة لدى مكوثه في إسطنبول لسنتين.. يُصوّر هذا الأمر بموت الدنيا، ويميّز -بهذه المناسبة- بين شخصيتين له: سعيد القديم وسعيد الجديد، وهما شخصيتان متباينتان، ويَذكر <strong>أن التنزُّل إلى أمور السياسة خطأ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">٢. في قسم المناجاة لأهم كتب سعيد النورسي وهو &#8220;الحجة البالغة&#8221; ورد ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن هذه الدنيا فانية، وإن أعظم دعوى فيها هي الفوز بالعالم الباقي، فإن لم تكن عقيدةُ المرء صحيحة يخسر الدعوى</strong>.. نعم، إن الدعوى الحقة هي هذه، ومن الضياع والعبث الاهتمامُ بما هو خارجَ هذه الدعوى، فالذي ينشغل بالأمور السياسية يتخلف عن الإيفاء بوظائف مهمة، ويَفقد سلامة قلبه من جراء تلهفه للصراعات السياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">٣. وذَكر في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%ae/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">اللمعة السادسة والعشرين</a></strong>: أن <strong>مهمته الحقيقية في هذه الدنيا الهرمة هي نشر الأسرار القرآنية</strong>. ويقول: إنني مرتبط بهذه البلاد من حيث الحمية الإسلامية، وإلّا فلا دار لي ولا أولاد لي.</p>
<p style="text-align: justify;">٤. وذَكر في اللمعة الحادية والعشرين، الدستور الأول من بين النصائح التي قدّمها لإخوانه: <strong>ابتغاء رضوان اللّٰه في عملكم، فلا تُطلب فيه منافع مادية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ويقول أيضًا: <strong>إنني لست صوفيًّا، ومسلكنا ليس طريقة صوفية، وإن حب الجاه وجلب الأنظار إلى النفس مرضٌ روحي، ويُطلَق عليه الشرك الخفي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ويقول: لو كان مسلكنا مشيخةً لكان المقام واحدًا، والمرشَّحون كثيرين.. إن مسلكنا: الأخوّة، فلا يكون الأخ لأخيه في مرتبة الأب، ولا يتقلد صفة المرشد.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[محاورة مع نفسي]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(محاورة مع نفسي)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أُحيلُ هذه المحاورة مع نفسي إلى رأيكم لإسماعها المسؤولين في أنقرة بعد إجراء التصحيحات اللازمة فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">إذا كان الحاكم والمدّعي واحدًا، فإلى من تُرفَع الشكوى؟ لقد حرتُ طويلًا في هذه المشكلة!!</p>
<p style="text-align: justify;">أجل إن حالتي اليوم، وأنا طليق مراقَب أكثرُ شدةً عليّ من الأيام التي كنت مسجونًا فيها، وإن يومًا واحدًا من هذه الحياة يضايقني أكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك.. لقد مُنعتُ من كل شيء رغم ضعفي وتقدمي في السن وفي هذا الشتاء القارس، فلا أقابِل غير صبيٍّ وشخصٍ مريض، على أنني <strong>منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">إن تزييدهم المضايقاتِ والمراقبةَ عليَّ وعزلي عن الناس أكثرَ من هذا الحد سَيَمَسُّ غَيرةَ اللّٰه سبحانه وتعالى وتكون العاقبة وخيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أقول: إن أهم وظيفة لهذه الحكومة -بمسؤولِي الأمنِ ومأموري العدل فيها- والتي تعاملني معاملة وجدانية إنسانية هي حمايتي حماية تامة، لأن الحكومة وثلاث محاكم عدلية برّأتْ ساحتنا وأفرجت عنا، بعد إجراءِ تدقيقات دامت طوال تسعة أشهر على ما كتبتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات ومكاتيب؛ ولكن المنظمة السرية التي تعمل بخفاء في خدمة الأجنبي ألقتْ في رُوع قسمٍ من الموظفين الشبهاتِ -بجعلها الحبة قبّة- طمعًا في إفساد براءتنا، وغايتُهم في ذلك هي أن ينفَدَ صبري فأقولَ: &#8220;كفى كفى!!&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">على أن سبب غضبهم عليّ في الوقت الحاضر هو سكوتي، وعدم تدخلي بأمور الدنيا، وكأنهم يريدون أن أتدخل حتى تتحقق لهم بُغيتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">أبيّن لكم بعض مكايدهم التي يستعملونها في بث الشكوك والشبهات في قلوب قسم من الموظفين الحكوميين؛ إذ يقولون: إن لسعيد نفوذًا في الأوساط العامة، وإن مؤلفاته كثيرة ولها تأثير بالغ في الناس، فمن يتقرب منه يصادقه، لذا يلزم كسر هذا النفوذ بتجريده من كل شيء وإهانته وعدم الاهتمام به وتجنيب الناس منه وإخافة محبيه.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا أصبحت الحكومة في حيرة من أمرها فتُشدد عليّ الخناقَ وتُضاعف المضايقاتِ.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا أقول:</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الأخوة المحبون لهذه الأمة والبلاد.. أجل، إن هناك نفوذًا وتأثيرًا كما يقوله المنافقون، ولكن ليس لي، وإنما لرسائل النور، <strong>فرسائل النور لا تنطفئ</strong>، وكلما تعرّض لها شيءٌ قويَتْ.. ولم تُستعمل إلّا لصالح الأمة والبلاد، ولا يمكن غير ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">إن قيام محكمتين عدليتين طوال عشر سنوات بتدقيقاتِ ما كتبتُه خلال عشرين سنة تدقيقًا شديدًا لم يسفر عن حجة حقيقية لإدانتنا.. وهذه حجةٌ لا تُجرح، وشاهدُ صدقٍ لدعوانا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن المؤلفات ذات تأثير بالغ، ولكن لمصلحة الأمة والبلاد، وذلك بإرشادها إلى الإيمان التحقيقي لمئة ألف من الناس من دون أن تمسّ أحدًا بسوء، فتأثيرها إذن هو في العمل لسعادتهم الدنيوية وحياتهم الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مئات المساجين المحكومين في سجن &#8220;دنيزلي&#8221; -بعضُهم عوقبوا بعقوبات شديدة- قد أصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قراءتهم &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">رسالة الثمرة</a></strong>&#8221; وحدها، حتى الذين قَتلوا ثلاثة أشخاص تحاشَوا عن قتل بقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة.. مما دفع هذا الوضع مديرَ السجن على الإقرار بأن السجن أصبح في حُكم مدرسة تربوية.. كلُّ هذا حجةٌ قويةٌ لا تُجرح لصدق مدَّعانا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن تجريدي من جميع حقوقي الإنسانية بعد هذا كله إنما هو ظلم مضاعف وعذاب مضاعف وغدر وخيانة لهذه الأمة في الوقت نفسه، ذلك لأن الدليل القاطع على أن هذه الأمة المتدينة -التي لم يجد أحدٌ أيَّ ضرر مني رغم بقائي ما يقرب من أربعين سنة بين ظهرانيهم- بحاجة إلى قوة معنوية وتسَلٍّ عظيم، هو أن الأمة لا تلتفت إلى الدعايات المُغرضة المشاعة ضدي، فتتوجه في كل مكان إلى رسائل النور وتشتاق إليها.. بل أعترف أنهم يُبدون من التوقير والاحترام لي ما يفوق ما أستحقه بمئة ضعف، فأنا لست أهلًا له.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سمعت أن المسؤولين عَهِدوا إلى حكومة هذه المنطقة أمر إعاشتي الدنيوية، وإنني إذ أشكر هؤلاء أعلن لهم أن <strong>حريتي في أداء واجبي هي أهم من كل شيء، فهي أول ركن من دستور حياتي،</strong> وإن سلب حريتي بحبائل الأوهام الكاذبة وتقييدها بقيود الاستبداد والطغيان يجعلني أَمَلُّ الحياةَ مللًا شديدًا، حتى أفضِّل القبرَ على هذه الحالة، فضلًا عن السجن والحبس، إلّا أن الذي يَشُدُّ أزري ويدفعني إلى التحمل والصبر هو الثواب الذي يُجزَل بحسب المشقة في سبيل خدمة الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">إن على هؤلاء الذين لا يريدون ظلمي أن يردّوا عليّ حريتي ولا يمسّوها بسوء.. <strong>إنني أتمكن أن أعيش من دون طعام، ولكني لن أعيش من دون حرية</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الذي عاش على مبلغٍ لم يَزد على مائتي ليرة تركية طوال تسع عشرة سنة، مع الأخذ بمنتهى الاقتصاد والقيام برياضةٍ روحيةٍ شديدة حفاظًا على حريته وعزته العلمية من دون أن يعرض نفسه إلى ذلّ الصدقة والمسألة والتوسل بالزكاة والمرتّبات والهدايا.. لا ريب أنه اليوم أحوجُ ما يكون إلى الحرية ضمن العدالة منه إلى الإعاشة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما يعوِّضُ عن عشرةٍ من الناس يُحال بيني وبينهم، أن هناك عشرات الألوف بل مئات الألوف من المسلمين يعكُفون على دراسة رسائل النور دون أن يكترثوا بالموانع والعراقيل أيًّا كانت.</p>
<p style="text-align: justify;">إن كل نسخةٍ من ألوف نسخ رسائل النور التي انتشرت في أرجاء البلاد وفي العالم الإسلامي، تقوم مقامي في الكلام والبيان، بل أفضل مني، لما فيها من حقائق رصينة وفوائد جمة، فبسكوتي لن تَسكت تلك الرسائل، ولن تُسكتها أيةُ قوة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2>[محاورة مع وزير العدل والحكام الذين لهم علاقة برسائل النور‌]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(محاورة مع وزير العدل والحكام الذين لهم علاقة برسائل النور‌)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة.. لِمَ تنشغلون بنا وبرسائل النور دون داعٍ أو سبب؟! إني أبلّغكم قطعًا ما يلي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني ورسائلَ النور لا نبارزكم، بل ولا نفكر فيكم، بل نَعُدُّ ذلك خارج وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابها الحقيقيين يؤدون خدمة جليلة للجيل المقبل الذي سيأتي بعد خمسين سنة، ويَسْعَون لإنقاذهم من ورطةٍ جسيمة، ويَجِدُّون في إنقاذ هذه البلاد والأمة من خطرٍ عظيم، فمَن ينشغلْ بنا الآن فسيكون رميمًا في القبر في ذلك الوقت، بل لو افتُرِض أن عملنا -الذي هو لتحقيق السعادة والسلامة- مبارزةٌ معكم، فلا ينبغي أن يَمَسَّ الذين سيكونون ترابًا في القبر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن إظهار أعضاء الاتحاد والترقي شيئًا من عدم المبالاة في الحياة الاجتماعية وفي الدين وفي السجايا القومية، أدّى إلى ظهور الأوضاع الحالية بعد ثلاثين سنة تقريبًا من حيث الدين والأخلاق والعفة والشرف، فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة -البطلة المتدينة الغيورة على شرفها- بعد خمسين سنة، ولا يخفى عليكم ما سَتَؤُول إليه السجايا الدينية والأخلاقية الاجتماعية.</p>
<p style="text-align: justify;">سيُلطخ قسمٌ من الجيل الآتي ذلك الماضيَ المجيد لهذه الأمة المضحِّية منذ ألف سنة، بلطخاتٍ رهيبة قد تقضي عليه بعد خمسين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإنّ إنقاذ قسمٍ من هذا الجيل من ذلك التردي المريع -بتزويده بالحقائق التي تحتويها رسائل النور- يُعَدُّ أفضل خدمةٍ لهذه الأمة ولهذا الوطن، <strong>فنحن لا نخاطب إنسانَ هذا الزمان، بل نفكر بإنسان ذلك الزمان. </strong></p>
<p style="text-align: justify;">نعم، أيها السادة.. على الرغم من أن رسائل النور لا تسدد نظرها إلّا إلى الآخرة، ولا تَهدُف غيرها، وليست لها غاية سوى رضا اللّٰه وحده وإنقاذ الإيمان، ومسعى طلابها ليس إلّا إنقاذ أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الأبدي، فإنها في الوقت نفسه تقدم خدمة جليلة أيضًا تعود فائدتها للدنيا، وإنقاذ هذه الأمة والبلاد من براثن الفوضى، وإنقاذ ضعفاء الجيل المقبل من مخالب الضلالة المطلقة، <strong>لأن المسلم لا يشبه غيره، فالذي يَحُلُّ رِبقته من الدين ليس أمامه إلّا الضلالة المطلقة، فيصبح فوضويًّا إرهابيًّا، ولا يمكن دفعه إلى الولاء للإدارة والنظام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">نعم، في الوقت الذي نجد خمسين بالمئة ممن تربَّوا بالتربية القديمة لا يكترثون بالأعراف الشعبية والإسلامية، فإنه بعد خمسين سنة يَسوق تسعون بالمئة منهم هذا الوطن والأمة -بنفوسهم الأمارة بالسوء- إلى فوضى ضاربة أطنابها.. <strong>فلا شك أن التفكر في هذا البلاء العظيم ومحاولة التحري عن أسباب لدفعه، هو الذي دفعني قبل عشرين سنة إلى ترك السياسة كليًّا وعدم الانشغال مع أَناسيِّ هذا الزمان،</strong> مثلما دفع رسائلَ النور وطلابَها إلى قطع علاقتهم مع صراعات هذا الزمان، فلا مبارزة معهم ولا انشغال بهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دامت هذه هي الحقيقة، فإن الواجب الأول لجهاز العدالة ليس اتهامي واتهامَ طلاب النور، بل القيام بحماية رسائل النور وطلابها، لكونهم يحافظون على أعظم حقٍّ من حقوق الأمة والبلاد، فإن الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة والبلاد يهاجمون رسائل النور ويدفعون أجهزة العدالة -بعد خداعها- لارتكاب أفظع المظالم وأبشع الجنايات.</p>
<p style="text-align: justify;">سأَعرض أنموذجين صغيرين جدًّا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: رسالة لرفيقي في السجن تتضمن الاستفسار عن الأحوال، وبرفقتها عشرة &#8220;بنكنوت&#8221; ثمن رسالةٍ عربية لي لتُعطى إلى مَن دَفَع مصاريف الطبع في إسبارطة.</p>
<p style="text-align: justify;">ضايقتني الدوائر العدلية والحكومة من جراء هذه الرسالة، وأجرت تحرّيًا في مسكنِ مَن أصبح وسيلةً للطبع.</p>
<p style="text-align: justify;">أقول: إنّ جَعْلَ هذه الرسالة التي لا أهمية لها -حتى بقدر جناح بعوضة- والمراسلة التي لم تتم إلّا في غضون ستة أشهر.. كأنها مسألة عظيمة، لا تليق بلا شك بكرامة العدلية وشرفها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأنموذج الثاني</strong>: إن ترويع الناس من شخصي [أنا] الضيف، الضعيف، الغريب، الشيخ، الذي برَّأته المحاكمُ، بل حتى ترويع من يُعِينه في أموره الشخصية بإطلاق دعاياتٍ مغرضة، بصورة رسمية، ومن ثم إقحامي في وضعٍ مؤلم، لا يليق بالغَيرة القومية لحكومةِ هذه الولاية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن إطلاق الدعايات المغرضة، وإلقاء الرعب في قلوب الناس، وجعل ضرر موهوم لا يساوي شيئًا كأنه ضرر جسيم، والاستفسار الدائم: مع من يلتقي؟ مَن يأتيه؟ وأمثالها.. لا شك أن حكمة الحكومة وحاكميتها لا ينبغي أن تتنازلا إلى هذه الحالة العجيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال هناك مواد كثيرة تورث الحيرة لدى المطلعين عليها، كهذين الأنموذجين.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها السادة..</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ دفع الضلالة والفساد سهل ويسير إن كانت آتية من الجهل، بينما إزالتها عسير جدًّا إن كانت آتية من العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذا الزمان تأتي الضلالة من العلم، لذا لا يمكن إزالتها وإنقاذُ من تردَّى فيها من الجيل المقبل إلّا بأن يكون لديهم مؤلَّف كامل كرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">والدليل على أن رسائل النور لها هذه القيمة هو أنه لم يعارِض رسائلَ النور -منذ عشرين سنة- أحدٌ من معارضيَّ الأشداء الكثيرين، ولا أحدٌ من الفلاسفة المتعنتين، ولم يستطيعوا -ولا يستطيعون- جرحها.. وكذا عدم عثور ثلاث دوائر عدلية والخبراء في مركز الحكومة على مادةٍ تُديْننا بعد التحري في مئة كتاب طوال تسعة أشهر.. وكذا إيراثها القناعة التامة لألوف المدققين من طلابها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن عدم عثور محكمتين ومركزِ الحكومة وضباطِ أمنٍ لبضع ولاياتٍ ومحكمةِ دنيزلي على أية مادة توجب العقاب وتلحق الضرر بالأمة والوطن في جميع الرسائل الخاصة والعامة منذ عشر سنوات: يُثبت أن لرسائل النور حقوقًا عظيمةً وكليةً شاملةً في هذا الوطن.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن واجب دوائر العدل هو الحفاظُ على الحقوق، ومنعُ المتعدين من التجاوز، فإن إهمالَ هذه الحقوق المهمة، ومصادرةَ الرسائل كأنها أوراق اعتيادية، والإجحافَ بحق الأمة والمحتاجين إلى إنقاذ الإيمان، مع وجوب الأخذ بنظر الاعتبار حقَّ شخص اعتيادي باهتمام.. ورغم ثبوت خدمة رسائل النور لسعادة مئة ألف من الناس طوال عشرين سنة.. فإننا نُذكِّركم أن هذا عمل لا ينسجم مع ماهية العدلية وحقيقة العدالة بأي شكل من الأشكال.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نخشى أن يكون التعرضُ لرسائل النور وعدمُ التعرض لمؤلفات كثيرة لزنادقة كالدكتور &#8220;دوزي&#8221;، وسيلةً لنزول الغضب الإلهي.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل اللّٰه أن يرزقكم الإنصافَ والرحمة ويلهمنا الصبر والتحمل. آمين.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: left;">  في الحبس الانفرادي بصورة غير رسمية‌</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وشاورهم في الأمر]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(وشاوِرهم في الأمر)‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">اتباعًا للأمر الإلهي: ﴿وشاوِرهم في الأمر﴾ أجد نفسي بحاجة إلى التشاور مع إخوتي.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني الآن أمام أمرٍ واقع، حيث أمرَت السلطاتُ بتخصيصِ مبلغ قدره اثنان ونصف &#8220;بنكنوت&#8221; لمعيشتي اليومية، علاوةً على منزلٍ مؤثَّثٍ حسبما أُريده.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أن دستور حياتي الذي نفَّذتُه طَوال ما يقرب من ستين سنة يقتضي رفضَ هذا، <strong>فما قبِلتُ مرتَّبًا إلّا لمدةِ سنتين تقريبًا عندما كنت عضوًا في &#8220;دار الحكمة الإسلامية&#8221;،</strong> وهذا أيضًا صرفتُه لطبع كتبي وتوزيعِها مجانًا على الناس، فرددتُ بضاعتَهم إليهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لو قَبلتُ الآن ذلك المبلغ مضطرًّا فسوف أقبله لئلا يصيبكم ورسائلَ النور الضررُ، وبشرط أن أُعيده في المستقبل إلى الناس، ولا أصرف منه إلا القليل الذي تستوجبه الضرورةُ القاطعة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد طَرق سمعي أنني إذا رفضتُ الأمر، فسوف يستاء إذن أولئك الذين يسعَون لصالحنا ولا سيما لإعاشتي، بينما المعارضون يقولون: إن معيشة هذا الشخص إذن تَرِدُ من مكان آخر. فما أجهَلُهَم ببركة الاقتصاد العظيمة! إنهم لم يشاهدوا أن رغيفًا بخمسة قروش يكفيني ليومين.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إذا ما قبلتُ بالأمر فستستاء سبعون سنة من العمر، فضلًا عن استياء الإمام علي رضي اللّٰه عنه الذي أخبر عن علماء السوء في زماننا هذا، الذين يجترحون السيئات ويتلوثون بالبدع إشباعًا للرغبات وطمعًا للمرتَّبات.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك جهةٌ أخرى، وهي أن الإخلاص الحقيقي الصافي الذي تتمتع به رسائلُ النور سيتَّهمني بعدم الإخلاص، ولأجل هذا فأنا في حيرة من هذا الأمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد سمعتُ أيضًا أنني لو رفضت الأمر فسيزيدون مضايقاتهم عليّ، وربما يعرقلون نشر الرسائل وإطلاق حريتها كليًّا، بل علمتُ أن مضايقاتهم عليَّ إنما هي لحملي على قبول الإعاشة.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دام الأمر هكذا، وأن &#8220;الضرورات تبيح المحظورات&#8221;، فنسأله سبحانه وتعالى ألّا يصيبنا الضررُ إذا ما صار الأمرُ في حدِّ الضرورة.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع هذا رفضتُ الأمر، فأحيل الموضوع إلى مشاورتكم.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا عليّ لأنى أشاهِد في كل أمرٍ عسير أثرَ الرحمة الإلهية ولمعةَ عنايته تعالى، فلا تتضايقوا فإن سعيَكم وهمّتكم ومعاونتكم لي تزيل كلَّ ضيق وتنشر السرور والانشراح دومًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إننا تحت العناية الربانية]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إننا تحت العناية الربانية) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لا تقلقوا أبدًا، فقد اقتنعتُ قناعةً تامة بأننا تحت العناية الإلهية، ونُستخدَم بإرادةٍ غيبيةٍ خارجةٍ عن اختيارنا واقتدارنا، وفي عملٍ جليلٍ في منتهى الأهمية، فنحن كثيرًا ما ننال سر الآية الكريمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن في عملنا تعبًا قليلًا إلّا أن الثواب جزيل.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اقضوا ما أنتم قاضون]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(اقضوا ما أنتم قاضون) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت أصحح الثمار الفردوسية واليوسفية للأبطال الميامين، جَلبتْ انتباهي تلك الرسالة، <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/">[رسالة] (الثمرة)</a></strong>، حيث بدت لي أهميتها، فصرختُ: لو تضاعفتْ متاعبُ السجن كلُّها مئة ضعفٍ فقد أدَّت هذه الرسالةُ أضعافَها من الوظائف، إذ تستقرئ نفسَها في شتى الأوساط العامة، وتسوق إلى الإيمان حتى المتعنتين.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الشُّقاة.. يا من تُضَيّقون عليَّ الخِناق.. اعملوا ما شئتم، واقضوا ما أنتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كلُّ المصائب التي تنزل بنا هيِّنة تافهة، بل إنها عنايةٌ إلهية محضة ورحمةٌ بعينها.</p>
<p style="text-align: justify;">قلتُ هذا ووجدتُ السُّلوان الكامل.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامنا إلى جميع طلاب النور، داعين لهم بالسلامة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إننا نقيم سدًّا قرآنيًّا]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إننا نقيم سدًّا قرآنيًّا)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">&#8230;..</p>
<p style="text-align: justify;">الشكر للّٰه شكرًا لا منتهى له، فقد أحسَنَ إليَّ حالةً روحيةً بحيث أُضحِّي بألوفٍ من كرامتي وشرفي في سبيل راحةِ الضعفاء ودفعًا للبلاء النازل بهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فقررتُ أن أتحمّل جميعَ إهاناتهم وحقاراتهم وكل ما تنطوي عليه صدورُهم من نياتٍ فاسدة، وإني مستعدٌّ لتلقِّي كلِّ ذلك في سبيل استتباب الأمن والنظام في ربوع البلاد، ولا سيما لراحة الأطفال الأبرياء والشيوخ الموقَّرين والمرضى الضعفاء والفقراء، وسعادتهم الدنيوية والأخروية.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا <strong>نسعى بما أُوتينا من قوةٍ لإقامة سدٍّ قرآني شبيهٍ بسدِّ ذي القرنين أمام الفوضى والإرهاب،</strong> فالذين يتعرضون لنا إنما يهيؤون الأوساط ويمهِّدون السبيل للفوضى والشيوعية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لو كنتُ على دأبي السابق في أن أردَّ كل إهانةٍ وتحقيرٍ حفاظًا على عزة العلم.. ولو لم تكن وظيفتي الحقيقية منحصرةً في أمور الآخرة وحدَها وموجَّهةً لإنقاذ المسلمين من الإعدام الأبدي للموت.. ولو كان سعيي هو لأجل الحصول على حطام الدنيا واللهاث وراء شؤون السياسة السلبية، كما هو الشغل الشاغل للمعترضين عليّ.. لكان هؤلاء المنافقون الذين يعملون في سبيل الفوضوية والإرهاب سببًا في حدوث عشرات الحوادث من أمثال &#8220;مَنَمَنْ&#8221; <sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> وحادثة &#8220;الشيخ سعيد&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن شخصًا مثلي واقف على عتبة القبر، لا علاقة له مع شيء من الدنيا، بل قد تجافى عنها، وفرَّ من توجه الناس وإقبالهم عليه، ولم تَبق لديه رغبةٌ في كسب الشهرة والعُجْب وأمثالهما من الرياء، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذه الحالة لم تبق لإهانتهم غير القانونية لشخصي أية أهمية، أُحيل ذلك إلى العلي والقدير. فأتفكر في الذين عذبوني بناء على شكوك وظنون، وأتألم لحالهم تألمًا حقيقيًّا فأقول: يا رب أنقذ إيمان هؤلاء برسائل النور، وحوِّل موتهم -بسر القرآن- من الإعدام الأبدي إلى تذكرةِ تسريحٍ من الحياة، وأنا بدوري أُسامحهم وأصفح عنهم وأتنازل لهم عن حقي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لِمَ لَم يُستجب الدعاء؟]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(لِمَ لَم يُستجب الدعاء؟) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">جواب عن سؤال سألَنِيه -باسمِ الكثيرين- أحدُ طلاب النور الصغار الذي يعاونني في أموري الشخصية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: أستاذي المحترم.. <strong>لِمَ لَمْ يُستجَب الدعاء والصلاة المقامة للاستسقاء</strong>، حيث تجمَّعت السحُب عدةَ مراتٍ ثم تفرَّقتْ دون إنزالِ المطر؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن انحباس المطر هو وقتُ هذا النوع من الدعاء والصلاة، وليس علّتَه وحكمتَه؛ فكما تُصلَّى صلاةُ الكسوف والخسوف عند الكسوف والخسوف، وكما تُصلَّى صلاةُ المغرب عند غروب الشمس، كذلك انحباسُ المطر والجفافُ هو وقت صلاة الاستسقاء ودعاؤه.</p>
<p style="text-align: justify;">من المعلوم أن سبب العبادة والدعاء هو الأمر الإلهي، ونتيجتَها رضاه تعالى، وفوائدَها أخروية، فلو قُصِدتْ من الصلاة والعبادة مقاصدُ دنيوية، وأُدِّيتْ لأجلها فحسْبُ فلا تُقبَل تلك الصلاة والعبادة؛ إذ كما لا تُؤدَّى صلاةُ المغرب لأجل غروب الشمس، ولا صلاةُ الخسوف لأجل انكشاف القمر، كذلك أداءُ صلاة الاستسقاء لأجل إنزال المطر خطأٌ، إذ إنزالُه من أمر اللّٰه، وواجبُنا نحن تجاهه سبحانه العبوديةُ والدعاء من دون التدخل بما هو موكولٌ أمرُه إليه تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن على الرغم من أن النتيجة الظاهرة لصلاة الاستسقاء هي نزولُ المطر، فإن نتيجتها الحقيقية والأصلية والنافعة وثمراتُها الجميلة الطيبة هي إدراك الجميع أن الذي يربِّيه ويغذِّيه ليس والديه ولا محلَّه ولا دكانَه، بل مَن يرسل السحاب الثقال بالماء الثَّجَّاج، فهو الذي يرسل إليه الرزق، وحتى الطفلُ الصغير يدرك هذا المعنى الواسع بعقله الصغير، لما هو معتاد عليه من التوسل والرجاء كلما جاع.</p>
<p style="text-align: justify;">فالمعنى الذي ينطوي عليه الاستسقاء هو أن الذي يدبِّر أمر الدنيا الهائلة كدارٍ صغيرة، ويغذيني والأطفالَ جميعًا وأهلَ الدار، ويبعث إليهم رزقهم: إنما هو سبحانه، فلا نفع من غيره إن لم يَرزُق هو سبحانه، فما علينا إلّا أن نتوسل إليه وحده.. وبهذا يَقوى إيمانه.</p>
<h3 style="text-align: center;">[ستُّ تنبيهات]</h3>
<p style="text-align: justify;">ولهذه المناسبة ستُبيَّن ست نقاط باختصار:</p>
<h4 style="text-align: justify;">[لا بد من تسديد ثمن النعمة الإلهية]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الأولى</strong>: إن <strong>ثمن النعمة الإلهية ورحمتَها هو الشكر</strong>، ولكننا لم نؤدِّ الشكر حقَّه. وكما لم نؤدِّ ثمن الرحمة بالشكر، جلبْنا الغضبَ الإلهي بظلمنا وعصياننا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد جعلت البشريةُ نفسَها مستحقة للعقاب بما تقترف من ظلم ودمار وكفر وعصيان، وعوقبتْ من جراء ذلك بشتى أنواع العقاب الصارم، فلا جَرَمَ أن يكون لنا حظٌّ من ذلك العقاب.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[ظلم البشر يعمُّ الموجودات]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: ورد في حديث شريف ما معناه أنه حتى الأسماك في جوف البحر تشتكي إلى اللّٰه من الظالمين والعاصين وتقول: &#8220;ينقطع المطر، وتَقِلُّ أرزاقُنا بسبب ظلمهم&#8221;. <sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> نعم، إن المظالم والذنوب التي تُرتكب في هذا الزمان لا تَدَعُ مجالًا لطلب الرحمة من اللّٰه، وحتى الحيوانات الأبرياء تتأذى من جرائها.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[ظلم الخاصة ومصائب عامة]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong>: تقول الآية الكريمة: ﴿واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾، إذ لو نجا الأبرياءُ من مهالكِ المصيبة العامة نجاةً خارقة، لفسدت حكمةُ الدين الذي هو امتحانٌ واختبار، وعند ذلك يصدِّق الفاسدون -كأبي جهل- تصديقَ أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه؛ ولأجل هذا يقاسي الأبرياءُ أيضًا البلايا في المصيبة العامة.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[آفة اختلاط المال بالحرام]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الرابعة</strong>: إنه لِكثرة اختلاط الحرامِ في الأموال والأرزاق بسبب تفشي الحِيَل والغش والرشوة.. يُسلَب الناسُ حقَّ الترحُّم عليهم، بسبب الظلم أو عدم الشكر أو خلط الحرام بأموالهم.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[رسائل النور وسيلة لدفع البلاء]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الخامسة</strong>: إن رسائل النور في الأناضول وسيلةٌ مهمةٌ لدفع البلايا، إذ كما تَدفع الصدقةُ البلاءَ، <sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> فإن نشر رسائل النور وقراءتَها صدقةٌ كليةٌ ووسيلةٌ لدفع بلايا سماوية وأرضية، وقد تبيَّن ذلك بأماراتٍ كثيرةٍ ووقائع كثيرة، بل تَحقَّق ذلك بإشاراتٍ من القرآن الكريم.</p>
<h4 style="text-align: justify;">[ما يجب عند انحباس المطر]</h4>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة السادسة</strong>: إن انقطاع المطر مصيبةٌ وبلاء، وجزاءُ عمل، فينبغي مقابلة هذا بالالتجاء إلى اللّٰه تعالى، والدعاء مع العبودية الخالصة في حالةٍ من بكاء وانكسار قلب، وحزنٍ وتضرّعٍ كامل، وندامةٍ جادة، وتوبةٍ نصوح، واستغفارٍ من كل الذنوب، وأن يجري ذلك كله ضمن دائرة السنة النبوية ومن دون تدخُّل البدع، وعلى الصورة التي تُعيِّنها الشريعة.</p>
<p style="text-align: justify;">فأمثال هذه المصائب العامة -لكونها آتية من ذنوب معظم الناس- تندفع بقيام القسم الأعظم منهم بالتوبة والندامة والاستغفار.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا نجعل من الدين وسيلةً لمكاسب دنيوية]</h2>
<p><strong>(لا نجعل من الدين وسيلةً لمكاسب دنيوية)</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الصديقين الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">جوابٌ اضطررتُ إلى كتابته عن سؤال -مادي ومعنوي- وَرَد من عدة جهات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: لِمَ لا تُكوِّن علاقةً ولا تَمُدُّ وشائجَ ارتباطٍ مع التيارات الجارية داخل البلاد وخارجها.. ولا سيما مع الجماعات ذات الاهتمامات السياسية، بل تَرفض ذلك وتمنع -ما وَسِعَكَ- طلابَ النور عن أي تماسٍّ كان بتلك التيارات؟!</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أنك لو كوَّنتَ علاقةً معهم فإن ألوف الناس سيَدخلون دائرة رسائل النور زَرافاتٍ ووُحدانًا، وسيَسْعَون لنشر حقائقها الساطعة، فضلًا عن أنك لا تكون هدفًا إلى هذا الحدِّ للمضايقات الشديدة التي لا مبرر لها؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ الاهتمام بالتيارات الجارية، هو &#8220;الإخلاص&#8221; الذي هو أساسُ مسلكنا، فالإخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولا سيما من يحمل أفكارًا موالية لجهة معينة، يحاول أن يجعل كل شيء أداة طيِّعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شيء كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية إلّا رضى اللّٰه سبحانه</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الحقيقة، إنه <strong>من الصعوبة بمكانٍ الحفاظُ على سرِّ الإخلاص في خِضَمِّ الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية</strong>، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فإنّ أفضلَ علاجٍ لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية، وتفويضُ الأمر إلى توفيق رب العالمين، بدلًا من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن جملة الأسباب الداعية لاجتنابنا هذا هو &#8220;<strong>الشفقة</strong>&#8221; التي هي أساس من الأسس الأربعة لرسائل النور، أي عدم التلوث بظلم الآخرين وإضرارهم، إذ الإنسان -بمضمون الآية الكريمة: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾- يَرُدُّ معاملةَ المقابل له في هذا العصر بلا رحمة، وبظلمٍ شنيع، مخالفًا بذلك الآية الكريمة: ﴿ولا تَزِر وازرةٌ وزر أخرى﴾ التي هي دستورُ الإرادة الإلهية، حيث تتغلب عليه العاطفة والانحياز إلى جهة، وعندها لا يَقصُر عِداءه على المجرم وحده، ولا يأخذ بجريرته جميعَ أقاربه وحدَهم، بل أيضًا يعاقِب كلَّ مَن له صلةٌ بالمجرم من قريبٍ أو بعيد، حتى إنه إذا ما كان له سلطةٌ أو حُكم، يُبيد قريةً كاملةً بالقنابل بجريرةِ مجرمٍ واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما الإنصاف يقتضي ألّا يُضحَّى بحقِ بريءٍ واحدٍ بسبب مئة مجرم، وأن لا يُظلَم ذلك البريء بسببهم، ولكن الوضع الحالي يخالف الآية الكريمة، فيُقحِم مئة من الأبرياء في بلايا وأضرار بسبب بضعة مجرمين.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن إهلاك والدَين عجوزَين لمن ارتكب خطأ، وتشريدَ أطفاله الصغار، ودفْعَهم جميعًا إلى هاوية الفقر والذل، ومعاداتَهم بالانحياز إلى جهةٍ ما: مُنافٍ كليًّا لأساس الشفقة على الخلق.</p>
<p style="text-align: justify;">فمِن جرَّاء الانحياز إلى التيارات الجارية -بين المسلمين- لا ينجو الأبرياء من الظلم، بل يشيع شيوعًا كليًّا، ولا سيما بالأسباب الداعية إلى قيام الاضطرابات والثورات.</p>
<p style="text-align: justify;">ولو كان الجهاد قائمًا -وهو جهاد إسلامي- فإن حال أطفال الكفار تبقى على وضع آبائهم، وربما يكونون من الغنائم، ويتمكن المسلمون أن يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم؛ ولكن لو ارتد أحدٌ داخل ديار المسلمين، فلا يُمتَلك أطفالُه قطعًا، ولا يجوز التجاوز على حقوقهم بأي شكلٍ من الأشكال، لأن أولئك الأبرياء إنما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين برابطة الإسلام التي انقطعت عن والدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أولاد الكفار فرغم أنهم من أهل النجاة، فإنهم يَتْبعون والدهم في الحقوق والحياة، لذا ربما يكونون أُسراءَ أو عبيدًا في أثناء الجهاد الإسلامي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[جواب قصير حول التوافق]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(جواب قصير حول التوافق) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إذا كان في الشيء توافقٌ، فإنه يُعَدُّ أمارةً صغيرة، بمعنى أن فيه قصدًا وإرادة، ولم يَحدث مصادفةً.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا حصل التوافق في عدة جهات فالأمارة تتقوى، ولا سيما إذا كان التوافق بين شيئين خاصين -من بين مئةِ احتمال- وبينهما علاقةٌ قوية، فتُصبِح الإشارة الواردة من ذلك التوافق في حكم دلالة صريحة، وأنه حصل بقصدٍ وبإرادة، ووُجِد لأجل مقصَدٍ معيَّن، فلا احتمال فيه للمصادفة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حاجة الفطرة]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حاجة الفطرة) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصديقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>الأطفال</strong> الأبرياء هم في مقدمة الذين سيكونون طلابًا حقيقيين لرسائل النور، وذلك وفق ما تقتضيه فطرتهم وتتطلبه الأوضاع الراهنة، لأن <strong>الطفل الذي لم يتلقَّ في صغره درسًا إيمانيًّا قويًّا، يَصعب عليه بعد ذلك أن يَقرّ في روحه أركانُ الإيمان والإسلام، بل يكون ذلك عسيرًا عليه، شأنُه شأنُ تقبُّل غير المسلم الإسلام</strong>، بل يَستغرب من الإسلام أكثر منه، ولا سيما إن لم ير والدَيه على دينٍ وتقوى، ورُبِّيَ ذهنُه بالعلوم الدنيوية وحدها.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذه الحالة، يَستثقل ذلك الطفلُ والدَيه بدل أن يَبَرَّ بهما، ويكون بلاءً عليهما، ويترقب موتَهما! أما في الآخرة فلا يكون شفيعًا لهما، بل مدَّعيًا عليهما قائلًا: &#8220;لِمَ لَمْ تنقذوا إيماني بتربيتي على الإسلام؟!&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه الحقيقة، <strong>فإن أسعد الأطفال هم أولاء الذين دخلوا ضمن دائرة رسائل النور، فيكونون أبناءً برَرةً للوالدين، وخدامًا أُمناء لهم،</strong> يقومون بين يديهم بالاحترام والتوقير اللائقَين بهما، ويسجِّلون بأعمالهم الصالحة حسناتٍ في سجل حسنات والدَيهم بعد وفاتهم، وفي الآخرة يكونون لهما شفعاء، كلٌّ حسب درجته.</p>
<p style="text-align: justify;">إن القسم الثاني من طلاب النور هم <strong>النساء</strong> اللائي يَشعرن بحاجتهن إلى رسائل النور في فطرتهن، ولا سيما مَن كان لهن شيء من التجافي عن الدنيا، وربما العزوف كليًّا عنها، حيث قد بلغن من العمر مبلغًا، فرسائل النور تكون لهنّ غذاء معنويًّا؛ لأن إحدى أسس رسائل النور، &#8220;الشفقة&#8221; التي هي من مظاهر اسم اللّٰه &#8220;الرحيم&#8221;، وهي الخميرة والجوهر الخاص المغروز في فطرة النساء وميزتهن الأصيلة.</p>
<p style="text-align: justify;">والقسم الثالث هم <strong>المرضى والشيوخ</strong> المحتاجون إلى رسائل النور -ولو بصورة غير فطرية- كحاجتهم إلى الخبز والدواء؛ وذلك لأن رسائل النور توضِّح لهم الحياة الباقية وضوحَ الشمس في رابعة النهار، فضلًا عن بيانها ماهيةَ الحياة الدنيا من حيث فناؤها.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذين تأذّت حياتهم الدنيوية بالمرض أو بالشيخوخة، والذين يظنون الموتَ إعدامًا أبديًّا، بما أحاطت بهم من غفلة وضلالة.. فهؤلاء جميعًا بحاجة إلى رسائل النور، لِمَا يجدون فيها من السلوان والعزاء ونورِ الرجاء، حتى يُفضَّل لديهم المرضُ والشيخوخة على الصحة والشباب.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[نجاهد بنور القرآن]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(نجاهد بنور القرآن) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء الصدّيقين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن في موسم الصيف هذا، وفي زمن الغفلة هذا، وفي فترة الانشغال بهموم العيش، وفي أوان نيل الثواب الكبير من العبادات التي تؤدَّى في هذه الشهور الثلاثة، والصراعِ السياسي العاصف الذي يعصف في أرجاء الأرض كافة، دونه الصراع بالسلاح.. في هذه الأثناء: إن لم تكن هناك صلابةٌ في منتهى القوة، وثباتٌ راسخ على أداء وظيفة النور المقدسة، فسوف يعتري فتورٌ وتعطُّلٌ وتوقفٌ في العمل، مما هو ليس بصالح رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا يقينًا أن الوظيفة التي ينشغل بها طلاب رسائل النور مسألةٌ أجَلُّ وأعظمُ من أعظم مسائل الكرة الأرضية قاطبة، فلا تَفتُروا في مهمتكم الباقية، ملتفتين إلى مسائل دنيوية مثيرة للاهتمام.. اقرأوا كثيرًا &#8220;<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#almsalt_alrabt_ahm_alwajbat_aawly_balashtghal">المسألة الرابعة</a></strong>&#8221; من رسالة &#8220;الثمرة&#8221; كيلا تَخور عزائمُكم وتضعُف قوتُكم المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن جميع المسائل العظمى التي ينهمك بها أهلُ الدنيا إنما تدور ضمن الدستور الظالم: دستورِ الجدال والصراع، وفي نطاق الحياة الفانية بأبشع صورها وأظلمها، حتى يضحَّى في سبيلها بالمقدسات الدينية حصولًا على حطام الدنيا، لذا يلقيهم القدَرُ الإلهيُّ في عذابِ جهنمَ معنويةٍ من خلال جرائمهم التي يرتكبونها.</p>
<p style="text-align: justify;">أما رسائل النور وطلابُها فإن ما يسْعَون إليه وما هم مكلّفون بأدائه من مهمة إنما هو لحياةٍ باقيةٍ خالدةٍ بدلًا من هذه الفانية، وهو <strong>إظهار حقيقة الموت أنه ستارٌ أمام الحياة الباقية</strong>، ذلك الجلاد الذي يَرهبه عَبَدةُ الدنيا أشدَّ رهبة.. ومن ثم إثبات ذلك بيقينٍ جازم كمن يُثبت حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعًا، فقد أظهرتْ رسائلُ النور هذه الحقيقة إلى الآن؛ من أن الموت أو الأجل ليس إلّا ستارًا ووسائلَ لبلوغ أهل الإيمان السعادةَ الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: إن أهل الضلالة يكافحون في سبيل حياةٍ دنيويةٍ مؤقتة، أما نحن فنجاهد الموتَ بنور القرآن، لذا فإن أعظم مسألة في نضالهم -لأنها مؤقتة- لا تعادل أصغرَ مسألةٍ من مسائلنا، لأنها متوجهةٌ إلى البقاء والخلود.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنهم لا يتنازلون -ببلاهتهم- ويربأون بأنفسهم عن التدخل في مسائلنا العظمى، فلِمَ نتتبع بلهفة مسائلَهم الصغيرة على حساب وظيفتنا المقدسة؟!</p>
<p style="text-align: justify;">تدبروا في هذه الآية الكريمة: ﴿<strong>لا يَضركم من ضلّ إذا اهتديتم</strong>﴾، بمعنى أن ضلال الآخرين لا يَضُرُّ هدايتَكم، فلا تنشغلوا بها.</p>
<p style="text-align: justify;">وتأمّلوا في الدستور المهم من دساتير أصول الشريعة: &#8220;<strong>الراضي بالضرر لا يُنظَر له</strong>&#8220;، أي: لا يُنظَر بعين العطف والشفقة لمن رضي بنفسه الضرر.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الآيةُ الكريمة والدستورُ القويم يمنعانِنا من العطف على الراضين بالضرر على علم، فلا بد أن نحصر أوقاتنا وجميع قوتنا واهتمامنا في وظيفتنا المقدسة، ولا بد أن نعُدَّ كلَّ ما هو خارج عنها أمورًا لا تعنينا بشيء، فلا نضيّع وقتنا بها، لأننا نملك النورَ وحده، لا المطرقة والصولجان، فلا يَبدر منا تعَدٍّ على حقوق أحدٍ قطعًا، ولكن إذا ما اعتُدِيَ علينا، نُظهِرُ النور ونُبيِّنه، فنحن في حالةِ نوعٍ من دفاع نوراني.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الحقيقة القرآنية في الرسائل]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(الحقيقة القرآنية في الرسائل) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن أجزاء رسائل النور قد حَلّتْ أكثر من مئةٍ من أسرار الدين والشريعة والقرآن الكريم، ووضَّحتها وكشفتْها، وألجَمَتْ أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتْهم، وأثبتتْ بوضوحٍ كوضوح الشمس ما كان يُظَنُّ بعيدًا عن العقل من حقائق القرآن -كحقائق <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a931-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d8%ac/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">المعراج النبوي</a></strong> و<strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d8%b1%d8%a9-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b4%d8%b1/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%aa/">الحشر الجسماني</a></strong>&#8211; أثبتتها لأشد المعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة، حتى أدخلت بعضَهم إلى حظيرة الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائلُ هذا شأنها لا بد أن العالَم -وما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، ولا جَرَمَ أنها حقيقةٌ قرآنية تَشْغَل هذا العصر والمستقبل، وتأخذ جُلَّ اهتمامه، وإنها سيفٌ ألماسيٌّ بتّارٌ في قبضة أهل الإيمان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إعذار في مسألتين]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(إعذار في مسألتين) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنقاذًا لطلاب رسائل النور الضعفاء أو حديثي العهد بها من الشكوك والشبهات أبيّن الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">يُشيع بعضُ العلماء السذج، أو بعضُ المعارضين لرسائل النور والموالين للبدع، بما تَحِيكه منظماتٌ سريةٌ من مؤامراتٍ: نقائصَ كثيرةً وأخطاءً كثيرة -أعترف بها- صدرتْ من شخصي، تهوينًا لشأني، ليُنزلوا بها ضربتَهم القوية على رسائل النور، صدًّا للحقائق التي لا تُجرَح لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">فهناك عشرون حادثةً مهمةً منذ عشرين سنة تؤيد هذا، حتى أصبحوا السبب في زجِّنا السجن مرتين، ولهذا أُعلنُ لأصدقائي ولطلاب رسائل النور ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إني <strong>أشكر ربي كثيرًا أن جعلني لا أُعجب بنفسي</strong> -ناهيك عن الإطراء والمزايدة لنفسي- وأنْ <strong>أعلَمَني نقائصي وذنوبي</strong>، فأطلب العفو عنها والخجلُ يتملّكني، راجيًا أن يكون إخلاصُ الطلاب الميامين لرسائل النور وتفانيهم في الخدمة الإيمانية وشفاعتهم المعنوية لي كفارةً لذنوبي.</p>
<p style="text-align: justify;">فالذين يعترضون عليَّ يجهلون عيوبي المستورة، بل يتذرعون ببعض أخطائي الظاهرة، ويظنون -ظنًّا خطأ- أن رسائل النور مُلكي، فيَرُومون إسدالَ الستار أمام أنوارها، وإعاقة انتشارها، فيقولون: إن سعيدًا لا يأتي إلى صلاة الجمعة، ولا يُطلق لحيته.. وأمثالَها من الانتقادات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: مع اعترافي بكثير من التقصيرات والذنوب إلّا أن لي في هاتين المسألتين أعذارًا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إنني شافعي المذهب، وإن أحد شروط صلاة الجمعة حسب هذا المذهب هو أن يَقرأ الفاتحةَ أربعون شخصًا مأمومًا، مع شروطٍ أخرى أيضًا، لذا فلا تُفرَض عليَّ الجمعةُ هنا، إلّا أنني أقلّد المذهب الحنفي فأؤديها نافلةً.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: لقد منعوني لقاءَ الناس منذ عشرين سنة، حتى إنهم أوعزوا إلى المسؤولين بعدم تقرّب أحدٍ مني -منذ أربعة أشهر- فضلًا عن أني أعيش منذ خمس وعشرين سنة منزويًا ومعتكفًا؛ لهذا لا أجد الراحةَ والطمأنينة في الأماكن المزدحمة، فلا أستطيع أداء الصلاة خلف كلِّ إمامٍ حسب مذهبي، إذ لا ألحق بالقراءة خلفَه، فهو يسرع للركوع وأنا لم أُكمل بعدُ نصفَ الفاتحة، علمًا أن قراءة الفاتحة فرضٌ في هذا المذهب.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>مسألة إطلاق اللحية</strong>: فإن إطلاق اللحية سنة نبوية، وليست خاصة بالعلماء، وقد نشأتُ منذ صغري عديم اللحية، وعشتُ في وسط أناس تسعون بالمئة منهم لا يطلقون لحاهم.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا، وإن الأعداء يُغيرون علينا دائمًا، وقد حلقوا لحى بعض أحبابي، فأدركتُ عندها حكمةَ عدم إطلاقي اللحية وأنه عناية ربانية، إذ لو كنت مطلِقًا اللحيةَ وحُلِقتْ، لكانت رسائل النور تتضرر ضررًا بالغًا، حيث كنت لا أتحمل ذلك فأموت.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قال بعض العلماء: &#8220;لا يجوز حلق اللحية&#8221;، وهم يقصِدون عدم حلقها بعد إطلاقها، لأن حلقها بعد إطلاقها حرام، أما إذا لم يطلقها فيكون تاركًا لسنة نبوية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن في الوقت الحاضر، لأجل اجتناب كبائر عظيمة جدًّا قضينا طوال عشرين سنة حياة أليمة أشبه بالسجن الانفرادي، نسأله تعالى أن تكون كفارة لترك تلك السنة النبوية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأعلنُ أيضًا إعلانًا صريحًا قاطعًا <strong>أن رسائل النور مِلك القرآن العظيم</strong>، فأنَّى لي الجرأة أن أدّعي تملُّكها؟! لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي فيها قطعًا، فأنا لست إلّا خادمًا مذنبًا لذلك النور الباهر، ودَلّالًا داعيًا في متجر المجوهرات والألماس، فأحوالي المضطربة لا تؤثر فيها ولا تَمَسُّها أصلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">والحقيقة أن الدرس الذي لقَّنَتْنا إياه رسائلُ النور هو <strong>التمسُّكُ بحقيقة الإخلاص، وتركُ الأنانية، ومعرفةُ أن النفس مقصرة دائمًا، والحذرُ الشديد من الإعجاب بالنفس</strong>، فنحن لا نُظهِر أنفسَنا، بل نُظهِر الشخصية المعنوية لرسائل النور ونبيِّنها.</p>
<p style="text-align: justify;">نحن نشكر مَن يرى نقائصنا ويريها لنا -بشرط أن تكون حقيقية- ونقول له: ليرضَ اللّٰه عنك؛ إذ كما نَشكر مَن إذا وجد عقربًا في عنقنا ويرميها عنا قبل أن تؤذينا، ونقدم له أجزل الشكر والامتنان؛ كذلك نَقبل ونرضى بتبصيرنا نقائصَنا وتقصيراتنا، ونظل في شكرٍ وامتنانٍ لمن نبهنا عليها، بشرط عدم تدخُّل الأغراض الشخصية والعناد، وعدم جعله وسيلة لمعاونة أهل الضلالة والبدع.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما تتطلبه خدمة الإيمان]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ما تتطلبه خدمة الإيمان) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء والصامدين الثابتين المضحين الذين لا يتزعزعون..</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم تعلمون أن خبراء أنقرة لم يستطيعوا إنكار الكراماتِ التي تَخُص رسائل النور والإشاراتِ الغيبيةِ إليها، إلّا أنهم اعترضوا -مُخطئين- لِمَا ظنوا أن لي حظًّا في تلك الكرامات، وقالوا: يجب ألّا تُنشر مثل هذه الأمور في الكتاب، فالكرامات لا يُعلَن عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">وتُجاه هذا الانتقاد العابر قد قلت جوابًا لهم في الدفاعات:</p>
<p style="text-align: justify;">إن تلك الكرامات لا تعود لي، وليس من حدِّي أن أكون صاحب تلك الكرامات، بل هي لرسائل النور التي هي ترشحاتٌ من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، ولمعاتٌ منها، وتفسيرٌ حقيقيٌّ له، متخذة شكل الكرامات، لأجل تقوية الروح المعنوية لطلاب النور، فهي من نوع الإكرامات الإلهية؛ وإظهارُ الإكرام الإلهي شكرٌ، وهو جائزٌ ومقبولٌ أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن أوضح الجواب قليلًا بناءً على سبب مهم؛ وقد ورد <strong>السؤال</strong> الآتي: &#8220;لمَ أُظهر تلك الإكرامات الإلهية؟ ولِمَ أُحشِّد الكلام حولها؟ ولِمَ أُكثِر البحثَ حولها؟ حتى إن أكثر المكاتيب متوجهة إليها!!&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن الخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور في هذا الوقت تجابَه بألوف المخربين، مما يَلزم أن يكون في صفِّها مئات الألوف من المعمِّرين.. ويستدعي الأمرُ أن يكون معي -في الأقل- مئاتٌ من المعاونين والكتّاب.. وتقضي الضرورة على الأمة والمسؤولين في البلاد أن يَمدّوا يد المساعدة بتقديرٍ وإعجابٍ وحضٍّ منهم على الخدمة الإيمانية، ويثمِّنوا قيمتَها ويوثقوا الصلة بها، وألا يتحرزوا من التَّماسِّ بها فينسحبوا من الميدان.. بل وتَطلب هذه الخدمة من أهل الإيمان أن يفضّلوها على مشاغل الحياة الفانية وفوائدها، إذ إنها <strong>خدمةٌ إيمانيةٌ خالصةٌ تبغي النجاة في الآخرة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فبينما الأمور تقتضي هكذا، أجعل من نفسي مثالًا فأقول: إن منعي عن كل شيء، وحظرَ الاتصال معي، وقطعَ طريق العون عني، زِد على ذلك تهوينَ قوة زملائي المعنوية ببث الدعايات المغرضة بكل ما أوتوا من قوة، واستعمالَ شتى الوسائل ما استطاعوا إليها سبيلًا لتنفيرهم عنّي وعن رسائل النور.. أقول: في مثل هذه الظروف وضمن هذه الشروط، فإنَّ وضعَ مهمةٍ تَرزح تحتها ألوف الأشخاص، على كاهلِ شخصٍ عاجزٍ مثلي، وأنا الضعيف المريض العجوز الغريب عن بلاده، والمحروم من الأهل والأقارب، فضلًا عن تجنيب الناس الاتصال بي وكأنني مصابٌ بمرض مُعْدٍ، حتى أضطرَّ إلى الابتعاد وعدم الاختلاط.. زد على ذلك إلقاء الرعب والأوهام في قلوب الناس، وإحاطتهم بهالة من الذعر والخوف لإبعادهم عن خدمة الإيمان، وذلك للْفَتِّ بعضُدِ القوة المعنوية.. ففي مثل هذه الأحوال وتُجاه جميع تلك الموانع فإن الأمر يقتضي حشد قوى معنوية حول رسائل النور ببيانِ الإكرامات الإلهية التي هي مدار القوة المعنوية لطلاب النور، وإظهار قوتها بقوة جيشٍ عظيم لا تحتاج إلى إمداد أحد من الناس، بل هي التي تتحدى الأعداء.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الحِكَم المذكورة آنفًا كُتِّبت الإكرامات وأمثالُها، وإلّا فنحن لا نريد مزايداتٍ على أنفسنا، وجلبَ إعجابِ الناس بنا، وحضَّهم على القيام بمدحنا والثناء علينا، وذلك حفاظًا على الإخلاص الذي هو أساسٌ مهمٌّ من أسس رسائل النور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حسٌّ مسبَق برسائل النور]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(حسٌّ مسبَق برسائل النور) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد اقتنعت قناعة جازمة أن رسائل النور -قبل ظهورها بأربعين سنة- قد تظاهرت بحسٍّ مسبَقٍ إحساسًا واسعًا وبأسلوب عجيب، في نفسي، وفي قريتنا &#8220;نُورس&#8221;، وفي ناحيتنا &#8220;خِيزان&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أرغب أن أبوح بهذا السر إلى كلٍّ من &#8220;شفيق&#8221; و&#8221;عبد المجيد&#8221; من إخوتي وطلابي القدامى، والآن أبيِّنه لكم لما وهب اللّٰه سبحانه وتعالى لكم كثيرًا من أمثال عبد المجيد وعبد الرحمن.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أحمل حالةً روحيةً تتسم بالفخر والاعتزاز يوم كنت في العاشرة من عمري، بل حتى أحيانًا بصورةِ حبٍّ للمدح والثناء، فكنت أتقلد طَوْرَ بطلٍ عظيمٍ ورائدٍ كبيرٍ وصاحبِ عملٍ عظيمٍ خلافَ رغبتي.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أقول لنفسي: ما هذا الظهور والاختيال -ولا سيما في الشجاعة- وأنت لا تساوي شروى نقير؟! فكنت حائرًا وجاهلًا بالجواب. ولكن منذ شهرين، أجيبت تلك الحيرة، بأن رسائل النور كانت تُشعِر بنفسها بحسٍّ مسبَق، أما أنت فلستَ إلّا بذرةً صغيرةً لا تساوي شيئًا، ولكنْ لإحساسك قبل الوقوع، تَعُدُّ تلك العناقيدَ الفردوسية (رسائل النور) كأنها ملكك، فتزهو وتتباهى.</p>
<p style="text-align: justify;">أما قريتنا &#8220;نورس&#8221; فإن أهلها وطلابي القدامى يعرفون أن أهالينا كانوا يحبون المدح والثناء عليهم كثيرًا، لإظهارهم أنهم السابقون في الشجاعة والإقدام، فيرغبون تقلُّد طورِ البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكةً كبيرة، فكنت أعجب من نفسي ومن طورها هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن عرفتُ السر بإخطارٍ حقيقي: أن أولئك النورسيين يتباهَون لأن قريتهم &#8220;نورس&#8221; ستكسب فخرًا عظيمًا بنور رسائل النور، حتى إن الذين لم يَسمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ؛ فهؤلاء النورسيون يُظهرون شكرانهم -بحسٍّ مسبق- لتلك النعمة الإلهية على صورةِ زُهُوٍّ وتَبَاهٍ.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه عندما كان جميع كردستان يتخذ وضع المفتخِر المختال بغزارةِ الطلاب والأئمة والعلماء المتخرجين بهمةِ وجهودِ &#8220;الشيخ عبد الرحمن تاغي&#8221; الشهير والملقب بـ&#8221;سيدا&#8221; <sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> في ناحيتنا &#8220;إسباريت&#8221; التابعة لقضاء &#8220;خيزان&#8221;، كنت أشعر بينهم أيضًا ضمن تلك المناظرات العالية والهمة العالية والدائرة الواسعة العلمية والصوفية، كأن أولئك العلماء سيفتحون الأرض كلَّها.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أستمع -وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري- مناقبَ العلماء القدامى المشهورين، والأولياءِ العظام والسادةِ الأقطاب، ويَرِدُ إلى قلبي: أن هؤلاء الطلاب العلماء سيفتحون آفاقًا عظيمة في العلم والدين، إذ لو تفوق أحدُهم بشيء من الذكاء فالاهتمام يوجَّه إليه، وإن ظهر أحدُهم في مسألةٍ لدى مناظرة علمية يفتخر ويزهو كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أتحيّر من هذا، إذ كانت عندي تلك المشاعر أيضًا، حتى كان بين شيوخ الطرق الصوفية وضمن دائرتهم في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا مسابقةٌ تثير الحيرة لم أقف عليها في مدن أخرى إلى هذا الحد.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن اقتنعت أن أرواح أولئك؛ زملائي الطلاب وأساتذتي العلماء ومرشِدِيَّ الأولياء والشيوخ، قد شَعَرتْ -بحسٍّ مسبقٍ وبدون معرفةِ العقلِ- بأن نورًا ساطعًا سيظهر -في الوقت اللازم- من بين أولئك الطلاب والأساتذة ومريدي المرشدين، بحيث يُغيث ذلك النورُ أهلَ الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فهذه النعمة الإلهية</strong> التي ستنعَم في المستقبل، ضمنَ ظروفٍ في منتهى القسوة والغرابة، وتُجاهَ معارضين ألِدَّاء لا حدَّ لهم، ومقابل الضلالة التي تشتد منذ ألف سنة وسط أعداء في منتهى الخبث والمكر والخديعة: <strong>هي رسائل النور</strong> التي تَظهر ظهورًا خارقًا بعد تدقيقاتٍ مستديمةٍ لمحكمتين عدليتين، وتتنوَّر سرًّا، وتَكسب الحرية في النشر وأنفُ أعدائها راغم، مما تُبين أن هذه الرسائل تستحق ذلك الموقع، بحيث أَحَسَّ بمجيئها أهالي قريتي وناحيتي وولايتي، فَسُرُّوا بها وانشرحوا لها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد سردتُ لكم هذا السرَّ لأني أعُدُّكم كطلابي السابقين وإخواني وكأخي عبد المجيد وكعبد الرحمن.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنني كما أستشعر بالمطر قبل أربعٍ وعشرين ساعةً من نزوله لقوةٍ في شعوري وتحسسِ أعصابي بالرطوبة، كذلك فإني وقريتي وناحيتي قد شعرنا قبل أربع وأربعين سنة ما في رسائل النور من شآبيب الرحمة، وذلك بحسّ مسبق.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامنا إلى جميع إخواننا ومواطنينا وندعو لهم بالخير ونرجو دعواتهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تتمة الحس المسبق]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(تتمة الحس المسبق) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">أكتب هذه التتمة لمناسبة الحس المسبق -إحساسًا كليًّا- بظهور رسائل النور، حيث يُشاهَد في نمطِ حياةِ قسمٍ من خواص طلاب رسائل النور واعترافِ بعضهم، أن حياتهم جُهِّزتْ وهُيِّئتْ لأجل القيام بهذه الخدمة الجليلة، كما هي الحال في تهيئة رسائل النور في أداء هذه الخدمة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحس المسبَق موجودٌ كليًّا أو جزئيًّا في كل شخص، بل حتى في الحيوانات، وإن قسمًا مهمًّا من الرؤيا الصادقة نوعٌ من هذا الحس المسبَق، ويرتقي عند بعضهم -من حيث قوةُ حساسيته- إلى درجة الكرامة؛ وإن إحساسي بمجيء المطر قبل أربعٍ وعشرين ساعة بما في أعصابي من إحساس بالرطوبة يمكن أن يُعَدَّ من جهةٍ إحساسًا مسبَقًا، ومن جهةٍ أخرى لا يُعدّ.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد استقصيتُ نمطَ حياةِ إخوتي الذين لهم شأن في خدمة رسائل النور، فشاهدتُ أن سِيَرَ حياتهم -كما هي عندي- قد جُهِّزتْ وسِيْقَتْ لأجل إنتاجِ عملٍ عظيمٍ كالعمل لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن طراز الحياة السابقة من إخوتي &#8220;خسرو، فيضي، الحافظ علي، نظيف&#8221; قد أُعطيتْ لها أوضاعٌ لتثمر هذه الخدمة النورية، وهم أنفسُهم يَشعرون بها، مثلما أرى أنا وإخوتي الخواصِّ جدًّا -ها هنا- أن حياتهم قد نُظِّمت لتثمر مثل هذه الثمرة النورانية كما هي في طراز حياتي، فالذين لا يشعرون بها، إذا ما أنعموا النظر سيشعرون بها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد كنت أعُدُّ قسم الخوارق التي ظهرت في عهدِ حياتي السابق أنها من سلسلة كرامات الشيخ الكيلاني، بينما تَبيَّن الآن أنها كرامةٌ من سلسلة كرامات رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فمثلًا</strong>: في أثناء مجيئي إلى إسطنبول قبل عهد الحرية، اقتنيتُ بضعةَ كتبٍ قيِّمة تخص علم الكلام، فقرأتها بدقة، وبعد مجيئي إليها دعوتُ العلماء ومدرسي المدارس الدينية إلى المناقشة بإعلاني: &#8220;اسألوا ما شئتم&#8221;. إلّا أن الشيء المحيِّر أن المسائل التي طرحها القادمون كنت قد قرأت أجوبتها في طريقي إلى إسطنبول وظلت عالقة في ذهني، وكذا الأسئلة التي طرحها الفلاسفة هي المسائل التي ظلت عالقة في ذهني.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن (أي بعد حوالي خمسين سنة) تَوَضَّحَ الأمرُ، فأدركتُ أن ذلك النجاح الباهر، وذلك الإعلان وإظهار الإعجاب والفضيلة التي تَفوق حدي بكثير، إنما كان لتهيئة الوسط الملائم لقبول رسائل النور لدى إسطنبول وعلمائها ومعرفةِ أهميتها.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أرفض قبول أموال الناس وهداياهم منذ نعومة أظفاري، فما كنتُ أتنازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم أنني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهدًا ولا صوفيًّا ولا صاحب رياضة روحية، فضلًا عن أنني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة.</p>
<p style="text-align: justify;">فإزاء هذه الحالة كنت أحارُ من أمري كما كان يَحار مَن يعرفني من الأصدقاء، ولقد فهمتُ من قبْلِ بضعِ سنين حكمتَها، أنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دون مجيء اعتراضٍ على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أَنعم عليَّ الباري عز وجل تلك الحالة الروحية.. وإلا كان أعدائي الرهيبون يُنزلون بي ضربتَهم القاضية من تلك الناحية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ومثلًا</strong>: على الرغم من أن سعيدًا القديم قد توغل كثيرًا في الأمور السياسية، وأن سعيدًا الجديد بحاجةٍ إلى من يُسنده وينحاز إليه كثيرًا، لم تشغله أعاصير السياسة أصلًا وقطعًا ولم تغلبه -بتحريك الفضول لديه- للاهتمام حتى بمعرفة هذا الطوفان البشري الجارف الذي أشغل البشرية قاطبة طوال خمس سنوات وأكثر!</p>
<p style="text-align: justify;">فقد كنت أحارُ من هذه الحالة، كما أن الذين يعرفونني يحارون، حتى كنت أقول لنفسي: هل أنا الذي جُننتُ بحيث لا أنظر ولا أهتم بهذه الحالة التي هزَّت الدنيا أجمع؟ أم الناس أصبحوا مجانين؟</p>
<p style="text-align: justify;">كنتُ أقول هذا وأظل محتارًا، ولكن قد تحقق الآن -بإخطارٍ معنوي وبالحسِّ المسبَق المذكور، وبتغلُّبِ رسائلِ النور وإطلاقِ حريتها- أن تلك الحالة الروحية العجيبة، قد مُنِحَتْ لأجلِ إثباتِ أن حقيقةَ الإخلاص التي تتحلى بها رسائل النور لا يمكن أن تكون تابعةً لأي شيء سوى مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى، ولا ركيزةَ لها سوى القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>  سعيد النورسي‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[ما يستحق الفضول والاهتمام]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(ما يستحق الفضول والاهتمام) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">ذُكِر في <strong><a href="https://said-nursi.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d8%b1-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%85%d8%b1%d8%a9-1-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa/#almsalt_alrabt_ahm_alwajbat_aawly_balashtghal">المسألة الرابعة من رسالة الثمرة</a></strong> ما ملخصه:</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب عدم تدخلي في الشؤون السياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومُهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلةٌ وصغيرة، إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث، حتى إن الاهتمام بتلك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلًا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسًا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه، فيكون عندئذٍ مشاركًا لهم في الإثم.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا أيها الشُّقاة الذين يتلذذون من الغفلة المسكرة الناشئة من متابعة الحوادث الخارجية نتيجةَ الفضول والاهتمام.. لو كان الفضول والاهتمام وحبُّ الاستطلاع المغروز في فطرة الإنسان هو الذي يدفعكم -من حيث الإنسانية- إلى هذا التتبع والاهتمام، وعلى حساب الوظائف الجليلة الضرورية المفروضة.. نعم، لو قلتم: إن هذه أيضًا حاجة فطرية معنوية. فأنا أقول:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن الإنسان يُثار لديه الفضول وحبُّ الاستطلاع عندما يشاهِد إنسانًا ذا رأسين أو ذا ثلاثة أرجل، بينما لا يهتم بخَلْقِ الإنسان السوي الحافل بالمعجزات ولا يُنعِم النظر فيه.. كذلك الحوادث الجارية في البشرية: تَلفت نظرَ الإنسان إليها، حيث تغطي مساحة واسعة من الأخبار، بينما هي حوادثُ فانيةٌ مؤقتةٌ بل مدمِّرة في هذا العصر.</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أن هناك مئةَ ألفِ أمةٍ وأمةٍ من أمثالِ نوعِ البشر تعيش معه على سطح الأرض، فلو راقبنا مثلًا أمةً واحدةً منها في فصل الربيع، ولتكن النحلَ أو العنب، لرأينا أنفسَنا أمام معجزاتٍ عظيمةٍ جدًّا تستحق أن تُلفَت إليها الأنظارُ أكثرَ مما تستحقه تلك الحوادثُ البشرية بأضعافِ أضعافِ المرات، بل هي تُحرِّك الفضولَ والاهتمامَ -لدى إنعامِ النظر فيها- وتورث الإنسانَ لذائذَ روحيةً وأذواقًا معنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فليس صحيحًا ألّا يُعبأ بتلك اللذائذ المعنوية الحقيقية وأن تُترك، وأن تُلتفَت إلى حوادث بشرية مضرة شريرة عرَضية غير أصيلة، ومن ثم يُلصَق بها عقلًا وروحًا، ويُبذل الاهتمامُ البالغ بها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لا يصح ذلك قطعًا إلّا إذا كانت الدنيا خالدةً أبدية، وتلك الحوادثُ دائمةً مستمرة، والضرُّ والنفعُ يأتيان منها، والقائمون بها لهم القدرة على الإيجاد والخلق.. والحال أن تلك الحالات حالاتٌ طارئةٌ مضطربةٌ عابرةٌ كهبوب الرياح، وتأثير المسبِّبين فيها تأثيرٌ عرَضيٌّ غيرُ حقيقي، فضلًا عن أنه جزئي؛ أما منافعها وأضرارها فلا تأتي من الشرق ولا من البحر المحيط، بل ممن هو أقرب إليك من حبل الوريد، وممن يَحول بين المرء وقلبه، وممن يربِّيك ويدبر شؤونك.. ذلك الرب الجليل.. أليس من البلاهة ألّا تهتم بربوبيته وحكمته؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وإذا ما نظرنا إلى المسألة من زاويةِ الإيمان والحقيقة رأينا أن اهتماماتٍ من هذا القبيل تولِّد أضرارًا جسيمة، إذ تدفع الإنسان إلى ميدانٍ فسيحٍ لا ضوابطَ له حتى تورثه الغفلة، فتغرقه في أمور الدنيا، وتنسيه واجباته الحقيقية نحو الآخرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا شك أن أوسع دائرة من تلك الدوائر الواسعة هي السياسة وأحداثها، ولا سيما الحوادث العامة كالحرب، فإنها تُغرِق القلبَ في الغفلة بل تخنُقه خنقًا، حتى لا يمكن إنقاذه إلّا بإيمانٍ ساطعٍ كالشمس يَقدِر على مشاهدةِ أثرِ القَدَر الإلهي والقدرة الربانية في كل شيء، في كلِّ حال، في كل حركةٍ وسكون، كي لا يَغرق القلب في ظلامٍ دامسٍ من الظلمات، ولا ينطفئ نورُ الإيمان الوهاج، ولا يَزِلَّ العقلُ إلى مفهوم الطبيعة والمصادفة.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا نرى أن أرباب الحقيقة يحاولون تناسي دائرة الكثرة بلوغًا إلى الحقيقة ووجدانِ طريقٍ إلى معرفة اللّٰه، وذلك لئلا يتشتت القلبُ والاهتمامُ والذوقُ والشوق، وليصرفوها جميعًا إلى ما يلزم، لا إلى ما لا يلزم من الفانيات.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هذا السر الدقيق لا يكون قسمٌ من السياسيين -على الأغلب- على تقوى كاملة، ولا يكون الذين هم على تقوى وصلاح تام سياسيين، ما خلا الصحابةَ الكرام وأمثالَهم من المجاهدين من السلف الصالحين.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن الذين اتخذوا السياسة هدفًا لهم يأتي الدين لديهم في المرتبة الثانية، ويكون حكمُه حكمَ التابع، أما المتديِّن حقَّ التدين فيرى العبودية للّٰه تعالى أعظمَ غايته في الكون، فلا يَنظر إلى السياسة نظرَ العاشق الولهان، بل يَنظر إليها -حسب مرحلتها- في المرتبة الثانية والثالثة، ويستطيع أن يجعلها أداةً طيعةً للدين والحقيقة، إذ بخلافه يُهوِّن من قيمة الألماس الثمينة إلى قطعٍ زجاجيةٍ تافهة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاصل الكلام</strong>: كما أن السُّكْر يولِّد لذةً مشؤومة، ولفترة قصيرة، حيث يُنسي السكرانَ الآلامَ الناشئةَ من عدمِ أدائه الوظائف الحقيقية والحاجات الضرورية، كذلك الاهتمامُ الجادُّ بهذه المعاركِ والحروبِ الطاحنة والحوادثِ الفانية هو نوع من السُّكْر، بحيث يُنسي الإنسانَ حاجته إلى المهمات الحقيقية، والآلامَ الناشئةَ من جراء عدم القيام بها، ينسيه مؤقتًا، مانحًا لذةً مشؤومة، أو يقذف به في يأسٍ مدمِّر مخالفًا للأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿لا تقنطوا من رحمة اللّٰه﴾، وعند ذاك يكون ممن يستحق التأديب والعقاب بالزجر الإلهي الشديد: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار﴾، وذلك لمشاركته طوعًا وضمنًا في ظلم الظالمين، فينال جزاءه الذي يستحقه في الدنيا والآخرة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: هي حادثةٌ مفتعَلة في الأغلب، دُبِّرت من قبل الحكومة، إذ ادَّعت ظهور تمرد إسلامي انطلق من جامعٍ في ناحية &#8220;مَنَمَنْ&#8221; كان يقوده شخص مختل العقل، وقد تم التنكيل بأهالي تلك المدينة بقسوة، واستُغِلَّت الحادثة لضرب الشعور الإسلامي.﴾</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ٢/٥٥؛ البغوي، معالم التنزيل ١/١٣٤.﴾</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٨/٢٠٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٢٣٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠.﴾</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;﴿[٭]: كلمة تطلق على العلماء بمعنى الأستاذ، في المناطق الشرقية من تركيا على الأغلب.﴾</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%af%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2730</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق قسطموني [3/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d9%2582%25d8%25b3%25d8%25b7%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2586%25d9%258a-3-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 09 Nov 2025 06:37:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2715</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] &#160; [مختصر ملحق قسطموني 3/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; (بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن‌) بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن‌ رأيتُ في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل &#8220;آرارات&#8221;.. &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2700" aria-describedby="caption-attachment-2700" style="width: 956px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="wp-image-2700 size-full" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1.jpg" alt="إنها قاعدة أساسية في رسائل النور؛ أن في كل حادثة يدَ الإنسان ويدَ القدر معًا، ولكن الإنسان يَظلم حيث ينظر إلى السبب الظاهري، بينما القدرُ يعدِل لأنه يرى السبب الخفي لتلك المصيبة.في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو." width="956" height="714" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1.jpg 956w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1-300x224.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1-768x574.jpg 768w" sizes="(max-width: 956px) 100vw, 956px" /><figcaption id="caption-attachment-2700" class="wp-caption-text">إنها قاعدة أساسية في رسائل النور؛ أن في كل حادثة يدَ الإنسان ويدَ القدر معًا، ولكن الإنسان يَظلم حيث ينظر إلى السبب الظاهري، بينما القدرُ يعدِل لأنه يرى السبب الخفي لتلك المصيبة. في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق قسطموني 3/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2 style="text-align: center;">(بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن‌)</h2>
<p style="text-align: center;">بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن‌<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>
<p style="text-align: justify;">رأيتُ في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل &#8220;آرارات&#8221;.. انفلق الجبل على حين غِرَّة، وقذف صخورًا بضخامة الجبال إلى أنحاء العالَم، فهزّ العالَم وتزلزل، وفجأةً وقف بجنبي رجل، قال لي: بيِّن بإيجازٍ ما تعرفه مجملًا من أنواع الإعجاز.. إعجازِ القرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">فكرتُ في تعبير الرؤيا، وأنا ما زلت فيها، وقلت:</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما حدث هنا من انفلاق مثالٌ لما يَحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى القرآن بلا ريب عاليًا ومهيمنًا في هذا الانقلاب، وسيأتي يومٌ يُبيَّن فيه إعجازُه.</p>
<p style="text-align: justify;">أجبتُ ذلك السائل قائلًا: <strong>إن إعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية</strong>، <strong>ويتركب من سبعة عناصر</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المنبع الأول</strong>: <strong>سلاسة لسانه من فصاحة اللفظ</strong>؛ إذ تنشأ بارقةُ بيانه من جزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب، فيتولد نقشٌ بياني عجيب، وصنعةُ لسانٍ بديع، من امتزاج كل هذه في نوع إعجازٍ لا يَمَلّ الإنسانُ من تَكراره أبدًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما العنصر الثاني</strong>: فهو <strong>الإخبار السماوي عن الغيوب</strong> في الحقائق الغيبية الكونية والأسرار الغيبية للحقائق الإلهية؛ فمِن أمور الغيب المنطوية في الماضي، ومن الأحوال المستترة الباقيةِ في المستقبل تنشأ خزينة علم الغيوب؛ فهو لسانُ عالَم الغيوب يتكلم مع عالم الشهادة في أركان &#8220;الإيمان&#8221;، يبينها بالرموز، والهدف هو نوع الإنسان؛ وما هذا إلّا نوع من لمعةٍ نورانيةٍ للإعجاز.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong> أما المنبع الثالث</strong> فهو:‌ أنَّ <strong>للقرآن جامعية خارقة</strong> من خمس جهات: في لفظه، في معناه، في أحكامه، في علمه، في مقاصده.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لفظه</strong>: يتضمن احتمالاتٍ واسعةً ووجوهًا كثيرة، بحيث إن كل وجهٍ تستحسنه البلاغة، ويستصوبه علمُ اللغة العربية، ويليق بسر التشريع.</p>
<p style="text-align: justify;">في <strong>معناه</strong>: لقد أحاط ذلك البيانُ المعجزُ بمشارب الأولياء، وأذواق العارفين، ومذاهب السالكين، وطرق المتكلمين، ومناهج الحكماء، بل قد تضمن كلَّها؛ ففي دلالاته شمول، وفي معناه سَعَة.. فما أوسع هذا الميدان إن أطللت من هذه النافذة!</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الاستيعاب في الأحكام</strong>: هذه الشريعة الغراء قد استُنبِطتْ منه، إذ قد تضمَّن طرازُ بيانه جميعَ دساتيرِ سعادةِ الدارين، ودواعي الأمن والاطمئنان، وروابطِ الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية، وحقائق الأحوال.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>استغراق علمه</strong>: لقد ضمَّ ضِمنَ سُوْرِ سُوَرِه العلومَ الكونية والعلوم الإلهية، مراتبَ ودلالاتٍ ورموزًا وإشارات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في المقاصد والغايات</strong>: لقد راعى الرعايةَ التامة في الموازنة والاطراد والمطابقة لدساتير الفطرة، والاتحاد في المقاصد والغايات، فحافظ على الميزان.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا الجامعية الباهرة في: إحاطة <strong>اللفظ</strong>، وسعة <strong>المعنى</strong>، واستيعاب <strong>الأحكام</strong>، واستغراق <strong>العلم</strong>، وموازنة <strong>الغايات</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما العنصر الرابع</strong>: فإفاضته النورانيةُ حسب درجة فهمِ كلِّ عصر، ومستوى أدبِ كلِّ طبقة من طبقاته، وعلى وفق استعدادها ورُتَب قابليتها.</p>
<p style="text-align: justify;">فبابُه مفتوحٌ لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن ذلك الكلام الرحماني ينزل في كل مكان في كل حين.</p>
<p style="text-align: justify;">فكلما شاب الزمان شَبَّ القرآنُ وتوضحت رموزه، فذلك الخطاب الإلٰهي يمزق ستار الطبيعة وحجاب الأسباب، فيفجّر نورَ التوحيد من كل آية في كل وقت، رافعًا راية الشهادة.. شهادة التوحيد على الغيب.</p>
<p style="text-align: justify;">إن علو خطابه يلفت نظر الإنسان ويدعوه إلى التدبّر؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.</p>
<p style="text-align: justify;">يُخلَص من هذا العنصر: أن شبابيته الخارقة شاملة محيطة، وأُنسيته جعلتْه محبوبَ الإنس والجان، وذلك بالتنزلات الإلهية إلى عقول البشر لتأنيس الأذهان، والمتنوعةِ بتنوع أساليب التنزيل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما المنبع الخامس</strong>: فنُقولُه وأخبارُه في أسلوبٍ بديعٍ غزير المعاني، فيَنقل النقاط الأساس للأخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها.. ينقل هكذا لينبّه بها البشر.</p>
<p style="text-align: justify;">ومنقولاته هي الآتية: أخبار الأولين، وأحوال الآخرين، وأسرار الجنة والجحيم، حقائق عالم الغيب، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية والروابط الكونية.. تلك الأخبار المشاهَدة شهودَ عِيان، حتى إنه لا يردّها الواقع ولا يكذّبها المنطق، بل لا يستطيع ردّها أبدًا ولو لم يدركها.</p>
<p style="text-align: justify;">فهو مَطمَح العالَم في الكتب السماوية، إذ يَنقل الأخبار عنها مصدِّقًا بها في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصححًا لها في مواضع الاختلاف.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا إنه لَمعجزة الأزمان أن يصدر مثل هذه الأمور النقلية من &#8220;أميّ&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما العنصر السادس</strong>: فهو أنه مؤسِّس دين الإسلام ومتضمِّنه؛ ولن تجد مثلَ الإسلام إن تحريتَ الزمان والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل.. إنه حبل اللّٰه المتين، يمسك الأرض لئلا تفلت، ويديرها دورانًا سنويًّا ويوميًّا، فلقد وَضع وَقارَه وثقله على الأرض، وساسها وقادها وحال بينها وبين النفور والعصيان.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما المنبع السابع</strong>: فإن الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها مع بعض، فيَصدر شعاعُ حُسنٍ فائق، ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية.</p>
<p style="text-align: justify;">والذي يصدر عن هذا: ذوق، يُدرَك به الإعجاز.</p>
<p style="text-align: justify;">لساننا يعجز عن التعبير عنه، والفكر يقصر دونه.</p>
<p style="text-align: justify;">فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُستمسك.</p>
<p style="text-align: justify;">طوال ثلاثة عشر قرنًا من الزمان يحمل أعداءُ القرآن روح التحدي والمعارضة..</p>
<p style="text-align: justify;">وتولَّدت في أوليائه وأحبائه.. روحُ التقليد والشوق إليه.</p>
<p style="text-align: justify;">وهذا هو بذاته برهان للإعجاز، إذ كُتبت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايينُ الكتب بالعربية، فلو قورنتْ تلك الملايينُ من الكتب مع القرآن الكريم، لقال كلُّ مَن يشاهد ويسمع، حتى أكثرُ الناس عامية، دونك الذكي الحكيم:</p>
<p style="text-align: justify;">إنَّ هذه الكتب بشرية.. وهذا القرآن سماوي.</p>
<p style="text-align: justify;">وسيَحكم حتمًا:</p>
<p style="text-align: justify;">إنَّ هذه الكتب كلها لا تشبه هذا القرآن ولا تبلغ شأوه قطعًا؛ لذا فإما أنه أدنى من الكل: وهذا معلوم البطلان وظاهر بالبداهة. إذن فهو فوق الكل.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد فتح أبوابَه على مصراعيه للبشر، ونَشَر مضامينه أمامهم طوال هذه المدة الطويلة، ودعا لنفسه الأرواح والأذهان.</p>
<p style="text-align: justify;">ومع هذا لم يستطع البشرُ معارضتَه، ولا يمكنهم ذلك. فلقد انتهى زمن الامتحان.</p>
<p style="text-align: justify;">إن القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ نزل في عشرين سنة ونيف نجمًا نجمًا -لحكمة ربانية- لمواقع الحاجات نزولًا متفرقًا متقطعًا. ولأسبابِ نزول مختلفة متباينة، وجوابًا لأسئلة مكررة متفاوتة، وبيانًا لحادثات أحكام متعددة متغايرة، وفي أزمانِ نزولٍ مختلفة متفارقة، وفي حالاتِ تَلَقٍّ متنوعة متخالفة، ولأفهامِ مخاطبين متعددة متباعدة، ولغايات إرشاداتٍ متدرجة متفاوتة.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من هذه الأسس فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند في بيانه وجوابه وخطابه، ودونك علم البيان وعلم المعاني.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: لأنك إذا سمعت كلامًا من أحدٍ فإنك ترى صاحب الكلام خلفه أو فيه؛ فالأسلوب مرآة الإنسان.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها السائل المثالي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أردت الإيجاز، وها قد أشرتُ إليه. وإن شئت التفصيل، فذلك فوق حدّي وطوقي. أتَقدِرُ الذبابة على مشاهدة السماوات؟</p>
<p style="text-align: justify;">وقد بيّن كتاب &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; واحدًا من أربعين نوعًا من ذلك الإعجاز، ولم تفِ مائةُ صفحة من تفسير لبيانِ نوع واحد.</p>
<p style="text-align: justify;">بل أنا الذي أريد منك التفصيل، فقد تفضّل المولى عليك بفيضٍ من إلهامات روحية.</p>
<p style="text-align: justify;">لا تبلغ يد الأدب الغربي ذي الأهواء والنزوات والدهاء</p>
<p style="text-align: justify;">شأن أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.</p>
<p style="text-align: justify;">إذ الحالة التي ترضى الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس وتُطَمئنهم، لا تَسرّ أصحابَ الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تسلّيهم. فبناءً على هذه الحكمة؛</p>
<p style="text-align: justify;">فإن ذوقًا سفيهًا سافلًا، تَرعرَع في حمأة الشهوة والنفسانية، لا يستلذ بالذوق الروحي، ولا يعرفه أصلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالأدب الحاضر؛ المترشح من أدبِ أوروبا، عاجز عن رؤيةِ ما في القرآن الكريم من لطائف عالية ومزايا سامية، من خلال نظرته الروائية، بل هو عاجز عن تذوقها، لذا لا يستطيع أن يجعل معياره محكًّا له.</p>
<p style="text-align: justify;">والأدب يجول في ثلاثة ميادين، دون أن يحيد عنها:</p>
<p style="text-align: justify;">ميدان الحماسة والشهامة..</p>
<p style="text-align: justify;">ميدان الحسن والعشق..</p>
<p style="text-align: justify;">ميدان تصوير الحقيقة والواقع..</p>
<p style="text-align: justify;">فالأدب الأجنبي:</p>
<p style="text-align: justify;">في ميدان الحماسة؛</p>
<p style="text-align: justify;">لا ينشد الحق، بل يلقّن شعور الافتتان بالقوة بتمجيده جَور الظالمين وطغيانهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي ميدان الحسن والعشق؛ لا يعرف العشقَ الحقيقي، بل يغرز ذوقًا شهويًّا عارمًا في النفوس.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع؛</p>
<p style="text-align: justify;">لا ينظر إلى الكائنات على أنها صنعة إلهية، ولا يراها صبغة رحمانية، بل يحصر همه في زاوية الطبيعة ويصور الحقيقة في ضوئها، ولا يقدر الفكاك منها.. لذا يكون تلقينه عشقَ الطبيعة، وتأليه المادة، حتى يمكِّن حبَّها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن ذلك الأدب المشوب بالسفه، لا يغني شيئًا عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة من الضلالة والواردة منه أيضًا، ولربما يهدئها وينوّمها.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي حسبانه أنه قد وجد حلًّا، وكأن العلاج الوحيد هو رواياته. وهي:</p>
<p style="text-align: justify;">في كتابٍ.. ذلك الحي الميت.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي سينما.. وهي أموات متحركة.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي مسرح.. الذي تُبعث فيه الأشباح وتُخرج سراعًا من تلك المقبرة الواسعة المسماة بالماضي.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه هي أنواعُ رواياته.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنّى للميت أن يهب الحياة!..</p>
<p style="text-align: justify;">وبلا خجل ولا حياء!.. وَضَعَ الأدب الأجنبي لسانًا كاذبًا في فم البشر.. وركّب عينًا فاسقة في وجه الإنسان.. وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمن أين سيعرف هذا الأدبُ؛ الحُسنَ المجرد.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى لو أراد أن يُري القارئ الشمسَ؛ فإنه يذّكره بممثلة شقراء حسناء.</p>
<p style="text-align: justify;">وهو في الظاهر يقول: &#8220;السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق بالإنسان&#8221;..</p>
<p style="text-align: justify;">ثم يبين نتائجها المضرة..</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أنه يصورها تصويرًا مثيرًا إلى حدّ يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، إذ يضرم في الشهوات، ويهيج النزوات. حتى لا يعود الشعور ينقاد لشيء. أما أدب القرآن الكريم:</p>
<p style="text-align: justify;">فإنه لا يحرك ساكن الهوى ولا يثيره، بل يمنح الإنسان الشعور بنشدان الحق وحبه، والافتتان بالحسن المجرد، وتذوّق عشق الجمال، والشوق إلى محبة الحقيقة.. ولا يخدع أبدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فهو لا ينظر إلى الكائنات من زاوية الطبيعة، بل يذكرها صنعةً إلهية، صبغة رحمانية، دون أن يحيّر العقول.</p>
<p style="text-align: justify;">فيلقّن نور معرفة الصانع..</p>
<p style="text-align: justify;">ويبين آياته في كل شيء..</p>
<p style="text-align: justify;">والأدبان.. كلاهما يورثان حزنًا مؤثرًا. إلّا أنهما لا يتشابهان.</p>
<p style="text-align: justify;">فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ من فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن رفيع سامٍ؛ إذ استلهام الشعور من طبيعة صماء، وقوة عمياء يملؤه بالآلام والهموم حتى يغدو العالَم مليئًا بالأحزان، ويلقي الإنسان وسط أجانب وغرباء دون أن يكون له حامٍ ولا مالك! فيظل في مأتمه الدائم.. وهكذا تنطفئ أمامه الآمال. فهذا الشعور المليء بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال وإلى الإلحاد وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد لا يعود أصلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أدب القرآن الكريم: فإنه يمنح حزنًا ساميًا علويًّا، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم&#8230; ينظر إلى الكائنات؛ على أنها صنعة إلهية، رحيمة، بصيرة بدلًا من طبيعة عمياء. بل لا يذكرها أصلًا، وإنما يبين القدرة الإلهية الحكيمة، ذات العناية الشاملة، بدلًا من قوة عمياء.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا تلبس الكائناتُ صورةَ مأتم موحش، بل تتحول -أمام ناظريه- إلى جماعة متحابّة، إذ في كل زاوية تجاوب. وفي كل جانب تحابب. وفي كل ناحية تآنس.. لا كدر ولا ضيق.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا هو شأن الحزن العاشقي.</p>
<p style="text-align: justify;">وسط هذا المجلس يستلهم الإنسان شعورًا ساميًا، لا حزنًا يضيق منه الصدر. الأدبان.. كلاهما يعطيان شوقًا وفرحًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالشوق الذي يعطيه ذلك الأدب الأجنبي؛ شوق يهيج النفس، ويبسط الهوس.. دون أن يمنح الروح شيئًا من الفرح والسرور.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم؛ شوق تهتز له جنبات الروح، فتعرج به إلى المعالي.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناءً على هذا السر: فقد نهت الشريعة الغراء عن اللهو وما يُلهي.. فحرّمت بعض آلات اللهو، وأباحت أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى:أن الآلة التي تؤثر تأثيرًا حزينًا حزنًا قرآنيًّا وشوقًا تنزيليًّا، لا تضر. بينما إن أثرت في الإنسان تأثيرًا يتيميًّا وهيّجت شوقًا نفسانيًّا شهويًّا. تحرم الآلة.</p>
<p style="text-align: justify;">تتبدل حسب الأشخاص هذه الحالة..</p>
<p style="text-align: justify;">والناس ليسوا سواء</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الكسب المعنوي الجماعي)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الدليل القاطع على أن كل طالب صادق لرسائل النور سيكسب ذلك الكسب الخارق النابع من سرّ ليلة القدر، والتي يَكسب فيها المرء ثلاثًا وثمانين سنة من عمر معنوي، ومن سر الإخلاص والتساند والاشتراك في الأعمال الأخروية الجارية بين طلاب رسائل النور، هو الاحتمال القوي أن لا يكسب ذلك الكسبَ الخارق واحدٌ أو اثنان أو عشرة أو عشرون، بل مئات ضمن دائرة النور التي تضم أربعين ألفًا بل مائة ألف من المؤمنين الحقيقيين الخالصين.</p>
<p style="text-align: justify;">فبسرّ الإخلاص وبدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية نتوجه نحن وأنتم كذلك إلى هذه الحقيقة -حقيقة ليلة القدر- فنفترض أنفسنا ضمن جميع الإخوة وكل منّا يتكلم باسم الجميع في هذا الشهر المبارك، فنقول بصيغة الجمع: أجرنا، ارحمنا، واغفر لنا، ووفقنا، واهدنا، واجعل ليلة القدر في هذا الشهر شهر رمضان خيرًا في حقنا من ألف شهر. وننوي في كل دعاء ضمن &#8220;نا&#8221; (ضمير الجمع) جميعَ إخواننا. وعليكم معاونة أخيكم هذا الضعيف بالذات في وظيفته المرهقة بتلك النية الخاصة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(لِمَ ننشغل برسائل النور وحدها؟)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني في هذا الشهر المبارك شهر رمضان في الوقت الذي أحتاج فيه إلى نسيان الدنيا وإلى عدم النظر إلى الأمور الآفاقية الخارجية إلّا أنهم -مع الأسف- ألجأوني إلى النظر إليها أحيانًا، نسأله تعالى إن يجعل هذا النظر نوعًا من العبادة حيث إن نيتنا فيه الخدمة الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، كما أنهم يتعرضون لكم فإنهم بأساليب مختلفة يُشعرون تعرّضهم لنا، ولكن شكرًا للّٰه تعالى إن تعدّيهم علينا يؤدي إلى خلاف مقصودهم، فيُعين فتوحات رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ذكر الطالب البطل &#8220;نظيف&#8221; أن اعتراض الشيخ في إسطنبول قد أصبح وسيلة لفتوحات رسائل النور وسطوعها، وأن الاعتداء على حقوقنا، في أمور طفيفة هنا وهناك تورث مثل هذه النتيجة.. ولكن وجدوا في الوقت الحاضر وسيلةً لا تخطر على بال لترويع بعض العلماء الضعفاء وأهل التصوف وإلقاءِ الفتورِ في قلوبهم تجاه رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">فهم يقولون: إن سعيدًا لا يقتني كتبًا أخرى، بمعنى أنه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كُتُبُ الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلفاته.</p>
<p style="text-align: justify;">فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألاَ إن الذين يروّجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضًا من أهل التصوف وسيلة لذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول تجاه هذا: حاش للّٰه مائة مرة حاش للّٰه&#8230; إن مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزالى، والذودُ عنه ما وسعهم، وإنقاذه من هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي اللّٰه عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة يزعزع أركان الإسلام -كما في هذا العصر-. فلا يحصل بسرعة على الأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية، بل يحتاج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهرًا تامًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">إلّا أن رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تُمزق صفوف العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانعَ أسلحةِ أولئك الأفذاد السامين الميامين، لأن القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعًا ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد أصبح أستاذًا كاملًا لرسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">فضلًا عن ذلك فالوقت ضيق ونحن ضعفاء، فلا نجد متسعًا من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية. علاوة على ذلك فإن هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. وإلّا فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا، ولكن لكل منا دماغ واحد ويد واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث إننا شاهدنا آخِر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك السلاح والاعتصام به.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ما يسوق إلى الرياء وما يمنع منه)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الخالصين المخلصين ويا رفقائي الحقيقيين الجادين في خدمة القرآن..</p>
<p style="text-align: justify;">لمناسبة انتشار رسالة &#8220;الإخلاص&#8221; حوالينا وفي ولاية إسبارطة ولمناسبة حدوث حادثتين طفيفتين، ورد خاطر قوي إلى القلب. ستُكتب <strong>ثلاث نقاط تخص الرياء</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: إن الرياء لا يدنو من الفرض والواجب والشعائر الإسلامية واتباعِ السنة النبوية الشريفة واجتنابِ الحرام. فإظهار هذه الأمور ليس من الرياء قطعًا، إلّا إذا كان الشخص قد جُبل على الرياء مع ضعف شديد في الإيمان. بل إن إظهار العبادات التي تمس الشعائر الإسلامية أجزلُ ثوابًا من إخفائها بكثير، كما بيّنها حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي اللّٰه عنه.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أن إخفاء سائر النوافل له أثوبة كثيرة فإن النوافل المتعلقة بالشعائر الإسلامية ولا سيما في مثل هذه الأوقات التي راجت فيها البدع، وكذا إظهارُ التقوى التي هي ترك الحرام ضمن هذه الكبائر المنتشرة، لها أثوبة عظيمة أكثر من إخفائها، ناهيك أن يتقرب منها الرياء.</p>
<h3>[أسباب الرياء]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثانية</strong>: هناك أسباب عديدة تسوق الإنسان إلى الرياء. منها:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الأول</strong>: ضعف الإيمان.. إن الذي لا يفكر باللّٰه يعبد الأسباب ويتخذ وضع الرياء بحبّه إظهار نفسه للناس. فطلابُ رسائل النور لا يعيرون أهمية ولا قيمة للأسباب ولا للناس من حيث العبودية كي يقعوا في الرياء في عبوديتهم بإظهارها لهم، وذلك لأنهم يتلقون درسًا إيمانيًّا تحقيقيًّا قويًّا من رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الثاني</strong>: إن الحرص والطمع يسوقان الإنسان -من زاوية الفقر والضعف الإنساني- إلى جلب توجّه الناس وتلبّس أوضاعٍ متكلَّفة للرياء والظهور.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان طلاب النور يحصلون على عزة الإيمان باسترشادهم بدروس رسائل النور كالاقتصاد والقناعة والتوكل على اللّٰه والرضى بقسمته، فإنها بإذن اللّٰه تمنعهم عن الرياء والعجب والتنازل لمنافع الدنيا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الثالث</strong>: إن حرص الإنسان على الشهرة، وحبِّ الجاه، وطلبِ نيل المقامات، والتفوقِ على الأقران وأمثالها من الأحاسيس والمشاعر، وكذا التظاهر بمظهر حسن رفيع وتقمّص طور أشخاص عظام لا يليق به، وجلب أنظار الناس وإعجابهم نحوه بما هو فوق حدّه وطاقته، وما شابهها من أنواع التصنع والتكلف في الأعمال.. كلها تسوق إلى الرياء.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لما كان طلاب رسائل النور قد حوّلوا &#8220;أنا&#8221; إلى &#8220;نحن&#8221;، أي تركوا الأنانية ودخلوا ضمن دائرة الشخصية المعنوية للجماعة، ويسعون في أعمالهم باسم تلك الشخصية، أي يقولون &#8220;نحن&#8221; بدلًا من &#8220;أنا&#8221;.. وكما قد نجا أهلُ الطرق من الرياء بوسائلِ قتل النفس الأمارة والأخذِ بقاعدةِ: &#8220;الفناء في الشيخ&#8221; و&#8221;الفناء في الرسول&#8221;.. فإن إحدى تلك الوسائل هي &#8220;الفناء في الإخوان&#8221;، أي إذابة الشخصية الفردية في حوض الشخصية المعنوية لإخوانه وبناء أعماله على وفق ذلك، أقول: إنه كما قد نجا أهل الحقيقة بتلك الوسائل من ورطة الرياء، ينجو بإذن اللّٰه طلاب النور بهذا السر أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النقطة الثالثة</strong>: إنه لا تُعد من الرياء والعجب قط تلك الأطوارُ والأوضاع الرفيعة التي يقتضيها مقام أداء الواجب الديني، وجعلُ الناس يتقبلونه قبولًا حسنًا. اللهم إلّا إذا كان الشخص يسخّر تلك الوظيفة الدينية طوعَ أنانيته ويستغلها لأغراضه الشخصية.</p>
<p style="text-align: justify;">فإمام الجامع، يجهر بالأذكار، كجزء من واجبه في إقامة الصلاة وأداء الأذكار، ويُسمِعها الآخرين، وهذا لا رياء فيه قط، ولكن إسماعها الناس خارج نطاق واجبه ربما يداخله الرياء، فإن إخفاءها أكثر ثوابًا من الجهر بها.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن طلاب النور الحقيقيين، أثناء أدائهم لواجب نشر الوعي الديني، وأثناء قيامهم بعباداتهم اتباعًا للسنة النبوية، وأثناء التزامهم بالتقوى التي هي اجتناب الكبائر.. إنما يُعدّون مكلّفين مأمورين في سبيل خدمة القرآن. فنسأل اللّٰه تعالى ألّا يداخل أعمالَهم تلك، الرياءُ. إلّا من دخل ضمن دائرة رسائل النور لغرض آخر غير خدمة القرآن.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حول وظائف السيد المهدي)</h2>
<p>..</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي تنتظره الأمة وسيأتي في آخر الزمان، له مهام ثلاثة:</p>
<p style="text-align: justify;">وإن <strong>أهم وظيفة</strong> من هذه الوظائف الثلاث وأعظمَها وأجلّها هي نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ أهل الإيمان من الضلالة..</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>وظيفته الثانية</strong>: فهي تنفيذ الشريعة الغراء وتطبيقها، فبينما لا تَعتمد الوظيفة الأولى على القوة المادية بل إن سنَدَها هو القوة المعنوية من إخلاص ووفاء وقوة العقيدة، فإن هذه الوظيفة تحتاج إلى قوة مادية عظيمة مرهوبة الجانب، وسلطةٍ ذات شأن، كي يتمكن من تنفيذها.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>وظيفته الثالثة</strong>: فهي خدمة الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية مستندًا إلى الوحدة الإسلامية، والاتفاق مع الروحانيين النصارى -الذين يلتحقون به خدمة للإيمان- فهذه الوظيفة يمكن تطبيقها بسلطة عظيمة وقوة هائلة وملايين الفدائيين المضحين.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الوظيفة الأولى أسمى وأعلى من الوظيفتين التاليتين بدرجات، إلا أنهما يبدوان في نظر عامة الناس ولا سيما العوام، أسطع وأبهر وأوسع منها لما لهما من جاذبية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خلاصة الكلام</strong>: إن إطلاق اسم &#8220;المهدي&#8221; إلى أي شخص في الوقت الحاضر، يورِد إلى الذهن الوظائفَ الثلاث دفعة واحدة، فيحصل الخطأ، وقد يجرح الإخلاصَ.. وتضعف قوة الحقائق لدى العوام شيئًا ما، وتنقلب اليقينيات المدعمة بالبراهين إلى الظن الغالب للقضايا المقبولة، فلا يَظهر لدى الحائرين من المؤمنين التغلبُ المبين على الضلالة العنيدة والزندقة المتمردة. وعندها يبدأ أهل السياسة بإثارة المخاوف والشكوك ويشرع قسم من العلماء بالاعتراض..</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(تعديل حسن الظن المفرط)‌</h2>
<p style="text-align: center;">كُتِبَ لمناسبة تعديل حسن الظن المفرط لعالم فاضل نحو الأستاذ لعل فيه فائدة لكم.‌</p>
<p style="text-align: justify;">إلى العالم الفاضل، والأخ العزيز الصادق: حشمت أفندي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد قرأنا بتقدير وإعجاب رسالتكم الكريمة حول المجدِّد، ونقلناها إلى أستاذنا وهو يقول:</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه ينبغي لهذا العصر من مجدد له شأنه ليقوم بتجديد الدين والإيمان، وتجديد الحياة الاجتماعية والشريعة، وتجديد الحقوق العامة والسياسة الإسلامية. ولكن أهم تلك الوظائف، هو التجديد في مجال المحافظة على الحقائق الإيمانية. فهي أجلّ وأعظم تلك الوظائف الثلاث. لذا تبقى دوائر &#8220;الشريعة&#8221; و&#8221;الحياة الاجتماعية والسياسية&#8221; في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة بالنسبة لدائرة الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وإن الأهمية البالغة التي وردت في الحديث الشريف حول تجديد الدين، إنما هي باعتبار التجديد في الحقائق الإيمانية، ولكن نظرًا لأن أفكار عامة الناس، والذين حصروا همّهم في الحياة الدنيا تتوجه أول ما تتوجه إلى الحياة الاجتماعية الإسلامية والسياسة الدينية التي تبدو أكثر أهمية من غيرها وأوسع وأعظم مدى، لما لها من جاذبية وهيبة في السلطة والحكم. فترى أن هؤلاء ينظرون بتلك العدسة ومن تلك الزاوية إلى الأمور ويفسرونها في ضوئها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه يبدو بعيدًا جدًّا، بل يكاد يكون غير ممكن اجتماعُ هذه الوظائف الثلاث كلها في شخص واحد، أو في جماعة واحدة، في هذا العصر، وعلى الوجه الأكمل، ومن دون أن تعيق إحداها الأخرى. بل قد لا تجتمع أصلًا تلك الوظائف إلا في &#8220;السيد المهدي&#8221; الذي يمثل الجماعة النوارنية لآل البيت النبوي في آخر الزمان، وفي الشخص المعنوي لجماعته.</p>
<p style="text-align: justify;">فللّٰه الحمد بما لا يتناهى من الحمد؛ أَنْ دفَعَ الشخصَ المعنوي لطلاب رسائل النور وحقيقتها -في هذا العصر- لأداء وظيفة التجديد من حيث المحافظة على الحقائق الإيمانية.</p>
<p style="text-align: justify;">وهي منذ عشرين سنة تؤدي تلك الوظيفةَ المقدسة بنشرياتها المؤثرة والفاتحة للقلوب صادّةً صولاتِ الزندقة القوية الرهيبة وغاراتِ الضلالة منقِذة إيمانَ مئات الألوف من أهل الإيمان. والشاهدُ على ذلك أكثر من أربعين ألفًا من الشهود.</p>
<p style="text-align: justify;">يقول أستاذنا:</p>
<p style="text-align: justify;">لا ينبغي أن يكون شخصي العاجز الضعيف موضعَ النظر وتحميلُ كاهلي هذا الثقل العظيم بما يفوق حدي بألوف المراتب. وهو يخصكم بالسلام، ونحن بدورنا نخصكم بالسلام ومن له علاقة برسائل النور هناك.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>من طلاب رسائل النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أمين، فيضي، كامل</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(يد القدر ويد الإنسان في الحادثة)</h2>
<p style="text-align: justify;">إنه قاعدة أساس في رسائل النور؛ أن في كل حادثة يدَ الإنسان ويدَ القدر معًا، ولكن الإنسان يَظلم حيث ينظر إلى السبب الظاهري، بينما القدرُ يعدِل لأنه يرى السبب الخفي لتلك المصيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد ثبت بتجاربَ أن يد العناية الإلهية ورحمتَه تعالى موجودة في كل المصائب التي نزلت برسائل النور لحدّ الآن.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(فتوى أمين الفتوى)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن السيد &#8220;علي رضا&#8221; أكبر علماء إسطنبول وأكثرهم تحريًا وبحثًا والذي تولى في أغلب الأوقات منصب مفتي الأنام، وهو أمين الفتوى السابق، بعد ما شاهد &#8220;الشعاع الأول&#8221; المتضمن للإشارات القرآنية ورسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; وأمثالها من الرسائل قال للحافظ أمين وهو من طلاب رسائل النور القديرين:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لقد خدم بديع الزمان الدين الإسلامي أعظم خدمة في هذا الزمان، وإن مؤلفاته صائبة جدًّا، ولم يتيسر لأحد إخراجُ أثر كهذا في مثل هذا الزمان الجدب، إذ تَرَك الدنيا ونَبَذَها. وهو قمين بالتهنئة والتبريك بكل الوجوه. وإن رسائل النور مجدِّدة للدين. نسأله تعالى أن يوفقه للخير. آمين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد دافع عن عدم إطلاق اللحية لدى البعض ساردًا قصة سلطان العلماء من آباء جلال الدين الرومي ثم قال:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;ولبديع الزمان أيضًا بمثل هذا اجتهادٌ بلا شك، فالمعترضون لا يملكون الحق..&#8221;</p>
<p style="text-align: justify;">وأمر العالم مصطفى: اكتب ما قلته:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;أخصّ سلامي الكامل لبديع الزمان مع الاحترام والتوقير له. وأنا في دعاء مستمر لكم لتكملوا مؤلفاتكم. لا تتألموا من تعرضكم لانتقاد بعض علماء السوء، إذ &#8220;الأشجار المثمرة تُرشَق بالأحجار لنيل الثمار&#8221;، مثلٌ مشهور. استمروا في جهادكم. نسأله تعالى أن يوفقكم في مقصودكم عاجلًا. وفي أمانة اللّٰه وحده وحفظه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>علي رضا</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أمين الفتوى السابق</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هكذا قضى عالم جليل ومدقق فاضل وصاحب الكلام في هذا الزمان من حيث الشريعة والقرآن الكريم. فعلى طلاب رسائل النور ألّا يبوحوا باسم ذلك العالم -أخذًا بالحذر- وعدم الإعلان عنه، بل يضموه في أدعيتهم.</p>
<p style="text-align: left;">سلامنا إلى جميع الإخوة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(أسس العمل مع المعترضين)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا..</p>
<p style="text-align: justify;">لمّا كان أولياء اللّٰه الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب -إن لم يلهمهم اللّٰه سبحانه وتعالى- حيث لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه؛ فإن أعظم وليّ صالح لا يستطيع أن يَطَّلِعَ على حقيقةِ وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعني أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنزلتها، إلّا إذا كان هناك أمر يخالف ظاهر الشريعة مخالفة كلية.</p>
<p style="text-align: justify;">فاتباعًا لدستور الآية الكريمة: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، وحفاظًا على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم، وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة -مع كونها محقة- على اعتراضات باطلة، واجتنابًا لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معًا..</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى طلبة النور -حسب الأسس المذكورة-: ألّا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمِثل. بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته -التي هي كقطعة ثلج بطول قامته- ولا يرغب في تغييرها، بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائمًا. وها هنا ينشأ النزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.</p>
<p style="text-align: justify;">إن حادثة الاعتراض في إسطنبول تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظًا على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه أتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث، علينا بالتأني، وضبطِ النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة&#8230;</p>
<p style="text-align: justify;">فلو افترض -فرضًا محالًا- أن اعتراضًا على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يَثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراضَ ذلك القطب الأعظم على صورةِ التفاتةٍ كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيلَ يده وإيضاحَ مدار الاعتراض على أستاذهم العظيم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مرض العصر)</h2>
<p style="text-align: justify;">نعم، يا إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه في خضم التيارات الرهيبة والحوادث المزلزلة للحياة والعالم ؛ ينبغي أن يكون الإنسان على ثبات وصلابة لاتُحد بحدود، وضبط للنفس لانهاية له، واستعداد دون حدود للتضحية. إن تفضيلَ المؤمنين الحياة الدنيا على الآخرة مع إيمانهم بالآخرة ومعرفتها حق المعرفة، وترجيحَ قطع زجاجية تافهة على الألماس الثمين مع معرفة وعلم بها ورغبة فيها، وذلك بسيطرة دوافع الحس العمياء التي لا تبصر العقبى، وترجيح لذة آنية حاضرة على رطل من لذات صافية آجلة.. إن هذا مرض مخيف أصاب هذا العصر بل هو مصيبة من مصائبه، وبلية من بلاياه، وهو مضمون إشارة الآية الكريمة: ﴿يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن جراء هذه المصيبة يقع المؤمنون الحقيقيون أحيانًا في خطأ جسيم كموالاتهم أهل الضلالة. نسأله تعالى أن يجنّب أهل الإيمان وطلاب رسائل النور من شر هذه المصيبة. آمين.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(رزق طالب العلم)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنني في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشافٍ وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبي وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة. وقد شعرت من إخوتي الكثيرين -سواءً هنا أم هناك- بالحالة نفسها وما زلت أشعر بها. وكثيرون يعترفون قائلين: &#8220;إننا نشعر بها أيضًا&#8221;. حتى إنني أعتقد -كما كتبته لكم في السنة الماضية- أن السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك البركة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد روي عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه أنه قال: &#8220;أنا ضامنُ رزقِ طالب العلم الخالص؛ لأن في رزقه بركة وسَعَة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت هذه هي الحقيقة، وأن طلاب رسائل النور قد أظهروا الأهلية التامة لعنوان &#8220;طالب العلم&#8221; في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع المنتشر، مع إدراك أن أفضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدمُ ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثًا وراء متطلبات العيش. نعم، إن هموم العيش هذه قد أحاطت بالناس كلهم من كل جهة. وأهلُ الضلالة يستغلون هذا الوضع. ويجد أهل الدين أنفسهم معذورين قائلين: ماذا نعمل، إنها ضرورة. لذا فعلى طلاب رسائل النور مواجهةُ بلاء الجوع والضرورة برسائل النور أيضًا. فوظيفة كل طالب ليس هو إنقاذَ إيمانه وحده بل هو مكلّف أيضًا بالحفاظ على إيمان غيره، ولا يكون ذلك إلّا بالاستمرار الجاد في الخدمة.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد كتبنا لكم: لا تواجهوا المعارضين بالعداء. بل اتخِذوا طور الصداقة مع أهل التقوى وأهل العلم قدر المستطاع. وعليكم الأخذ بهذا: لا تُقحِموا في صفوفكم من يمكن أن يسبب ضررًا برسائل النور ويمس صلابة طلابها، لأن أمثال هؤلاء إن لم ينضموا إلى الدائرة بنية خالصة ربما يورثون الفتور. وإن كانوا يحملون أنانية وحبًّا للذات يكسرون صلابة طلاب رسائل النور ويجلبون أنظارهم إلى خارج رسائل النور ويشتتون أفكارهم. يلزم في الوقت الحاضر اليقظة التامة والأخذ بالحذر&#8230;</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(معجزة معنوية)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور ليست طريقة صوفية بل حقيقة، وهى نور مفاض من الآيات القرآنية ولم تُستقَ من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاص لهذا الزمان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(تتبع أخبار الحرب)‌</h2>
<p style="text-align: center;">جواب لسؤال ورد من قبل طلاب رسائل النور‌</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: لقد سألناكم في السنة الماضية: ها قد مرت خمسون يومًا ولم تلتفتوا إلى التيارات الجارية في العالم ولم تسألوا عنها، وقد أجبتم لنا في حينه. ولكن رغم أن ذلك الجواب كان حقيقة وكافيًا، إلّا أنه كان من المفروض أن تنظروا إلى تلك التيارات ولو قليلًا من زاوية انتشار رسائل النور والعمل لها وإفادة العالم الإسلامي. أفلا يدفعكم الفضول إلى الاهتمام بها والسؤال عنها من هذه الزاوية؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن الإنسان الذي يخوض غمار هذه الحرب الطاحنة يمثل أصدق تمثيل الآية الكريمة ﴿كان ظلومًا جهولًا﴾ لذا لا يجوز النظر إلى المظالم المحيّرة فضلًا عن موالاة تلك التيارات وتتبع أخبارها والاستماع إلى دعاياتهم الكاذبة الخدّاعة ومشاهدة معاركها بأسًى وحزن. لأن الرضى بالظلم ظلم، وإذا ما مال إليه يكون ظالمًا. وإذا ما ركن إليه ينال زجر الآية الكريمة: ﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لأن هذه الحرب المدمرة ليست لأجل إحقاق الحق وإرساء الحقيقة ولا لأجل إعلاء شأن الدين وإقرار العدالة، بل تستند إلى العناد والعصبية القومية والمصلحة النوعية وإشباع أنانية النفس، فتُرتكب مظالمُ شنيعة ومآسي أليمة لم يُر مثيلها في العالم.</p>
<p style="text-align: justify;">والدليل على ذلك: إفناء الأبرياء من أطفال وعوائل وشيوخ ومرضى بالقنابل المدمرة بحجة وجود جندي أو اثنين من جنود الأعداء فيما بينهم.. واتفاق أعتى المستبدين من البرجوازيين مع الفوضويين والإرهابيين الذين هم المتطرفون من الاشتراكيين والشيوعيين وإهدار دماء ألوف بل ملايين من الأبرياء.. والاستمرار في هذه الحرب الضارة للإنسانية جمعاء.. وردّ الصلح والسلام.. لذا فإن الإسلام والقرآن الكريم بريئان بلا شك من مثل هذه الحروب المدمرة التي لا تنسجم مع أي قانون كان من قوانين العدالة ولا مع الإنسانية ولا مع أي دستور كان من دساتير الحقيقة وقوانين الحقوق. ولا يتذللان بالتنازل لمعاونة أولئك؛ لأن فرعونية رهيبة ومصلحية عجيبة تستحوذان فيهم بحيث لا يمدّون يد العون إلى القرآن والإسلام، بل يحاولون جعلهما آلتين طيعتين في سبيل مآربهم. فلا شك أن أحقية القرآن تأبى الاستناد إلى سيوفِ ظالمين كهؤلاء. بل الفرض على أهل القرآن والواجب عليهم الاستناد إلى قدرة رب العالمين ورحمته بدلًا من الاستناد إلى قوة عُجنت بدماء ملايين الأبرياء.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان الإلحاد يسحق أهل الدين مستندًا إلى إحدى القوتين المتصارعتين وأن الانحياز إلى التيار المخالف للزندقة يبدو كوسيلة للنجاة من جَورهم، إلّا أن التجارب أثبتت أن ذلك الانحياز -في الوقت الحاضر- يولد أضرارًا كثيرة دون أن يجدي نفعًا. ثم إن الزندقة تدور -بسبب النفاق- حيث دارت مصلحتُها، إلى أي جهة كانت. وتجعل صديقَك حليفها وتدفعه إلى معاداتك. فتبقي الآثام التي اكتسبتَها من الانحياز ثقيلة في عنقك.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن وظيفة طلاب رسائل النور هي الإيمان، لا تهمهم الأمور الجارية في الحياة ولا يدفعهم الفضول إلى النظر إليها بلهفة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناء على هذه الحقيقة: فليَ الحق ألّا أنظر إليها طوال ثلاث عشرة سنة وليس ثلاثة عشر شهرًا فحسب. فلقد نظرتم أنتم إليها فماذا كسبتم غير الآثام؟ وماذا فقدتُ أنا ولم أنظر إليها؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السؤال الثاني</strong>: ما السبب وما وجه التخصيص لطلاب رسائل النور الخواص، أنهم ضمن الطائفة المعرّفة بالآية الكريمة ﴿الذين انعمت عليهم﴾ في سورة الفاتحة، وضمن الطائفة المجاهدة في آخر الزمان المعرّفة في الحديث الشريف &#8220;لا تزال طائفة من أمتي&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>، وأنهم فرد من أفراد المعنى الإشاري للآية الكريمة ﴿الّا الذين آمنوا﴾ ..الخ، من سورة العصر.؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: السبب هو أن رسائل النور قد كشفت وحلّت ما يقرب من مائةٍ من طلاسم الدين وأسراره ومُعَمَّيَاتِ الحقائق القرآنية. بحيث إن الجهل بطلسم وسرّ يوقع الكثيرين في الشبهات والشكوك ولا ينجون من الريوب. بل قد يفقدون إيمانَهم، أما الآن وبعد فكّ تلك الأسرار وحلّ تلك المغاليق لا يجرؤ الملحدون على الظهور والغلَبة ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أشرنا إلى قسم منها في المكتوب الثامن والعشرين (العنايات السبع). وستُجمع تلك الطلاسم بإذن اللّٰه في مجموعة مستقلة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(رسائل النور سانحات قلبية)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن مسائل رسائل النور ليست نابعة من العلم، وإعمال الفكر، وبالنية والقصد والإرادة، بل هي -بالأكثرية المطلقة- سانحات وظهورات قلبية وتنبيهات وإخطارات على القلب.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(كيف نجوتُ من ألم الشفقة؟)</h2>
<p>إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شعرتُ -بدافع العطف الإنساني- بحزن أليم جدًّا للبشرية المضطربة في هذا الشتاء القارس، والشتاء المعنوي الرهيب الذي يلطخ البشرية بالدماء، فأمدّت حكمةُ الخالق الكريم ورحمتُه تعالى قلبي المحزون، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين -كما بينته ذلك في كثير من الأماكن- فورد هذا المعنى إلى القلب:</p>
<p style="text-align: justify;">إن تألّمك هذا الشديد، يجرى مجرى الانتقاد لحكمة ذلك الحكيم ورحمة ذلك الرحيم سبحانه وتعالى. فلا رأفة -في دائرة الإمكان- تسبق الرحمة الإلهية، ولا حكمةَ أكمل من حكمته الربانية. فكّر: أن العصاة ينالون جزاءهم والأبرياء والمظلومون سينالون ثوابَهم بعشرة أضعاف مما قاسوا. فعليك النظر إلى الحوادث الواقعة خارج دائرة اقتدارك من زاوية رحمته وحكمته وعدالته وربوبيته تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا نجوتُ من الألم الشديد النابع من الشفقة بفضل اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">يُنقل أدناه جواب سعيد القديم حول سؤال أورده في مؤلَّفه &#8220;المناظرات&#8221; المطبوعِ قبل ثلاثين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد سئل قبل ثلاثين سنة أثناء تجواله بين العشائر:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: أمَا تكون الشكوى من الزمان والاعتراضُ على الدهر اعتراضًا على بدايع صنعة الصانع جل جلاله؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: كلا، ثم كلا، بل ربما تعني الشكوى ما يأتي: كأن الشاكي يقول: إن ماهية العالم المنظمةَ بدستور الحكمة الأزلية غير مستعدة لإنجاز الأمر الذي أطلبه، والشيءِ الذي أبغيه، والحالةِ التي أشتهيها، ولا يسمح به قانونُ الفَلَك المنقش بيد العناية الأزلية، ولا توافقه طبيعةُ الزمان المطبوعةُ بمطبعة المشيئة الأزلية، ولا تأذن له الحكمةُ الإلهية المؤسِّسة للمصالح العامة.. لذا لا يقطف عالمُ الممكنات من يد القدرة الإلهية تلك الثمراتِ التي نطلبها بهندسةِ عقولنا وتَشَهِّي هوانا وميولنا. وحتى لو أعطَتها لَماَ تمكن من قبضها والاحتفاظ بها، ولو سقطتْ لَمَا تمكّن من حملها. نعم، لا يمكن أن تسكن دائرةٌ عظيمة عن حركاتها المهمة لأجل هوى شخص&#8230;</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وتُلحِق رسائل النور هامشًا في بحث الزلزلة، كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">بينما لكل عنصر من العناصر وكل حادثة من الحوادث المادية والمعنوية -كالشتاء والزلزال- مئات من النتائج والغايات الخيرة. فإن إيقافَه لئلا يأتي شرٌّ ونتيجةٌ ذات ضرر وشر، ارتكابٌ لمئات الشر، بترك تلك المئات من النتائج الخيرة، وهذا منافٍ للحكمة والحقيقة والربوبية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن الأفراد الذين يتضايقون من القوانين الكلّية، يُمدّ الرحمنُ الرحيم سبحانه كلَّ فرد عاجز ضعيف منهم بالعنايات الخاصة والإمدادات الخصوصية والاحسانات المخصوصة ويُسعفهم بدواءٍ لدائهم. ولكن ليس وفق هوى ذلك الفرد، بل وفق منفعته الحقيقية، وقد يُعطى له ألماسًا في الآخرة على ما طلبه من زجاج في الدنيا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(هموم العيش الثقيلة)</h2>
<p style="text-align: justify;">كنتُ شديد القلق لاحتمال انفراطِ تساند طلاب رسائل النور -وأكثرهم فقراء- وتزعزعِهم أمام هذه الحالات الرهيبة من هموم العيش التي أثقلت كاهلَ الفقراء والقحط الذي ألمّ بالناس -ضمن الوفرة- حيث بلغ الغلاءُ مبلغه في هذا الشتاء المادي والمعنوي.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنتم يا إخوتي محتاجون ومكلّفون في هذه العواصف الهوج أكثر من أي وقت آخر بالحفاظ على ترابطكم واتحادكم وغض النظر عن تقصيرات إخوانكم وعدم نشر الانتقاد فيما بينكم. حذار حذار أن يمتعض أحدُكم من الآخر&#8230; فلا ينتقدنّ أحدكم الآخر&#8230; وبخلاف ذلك فإن إظهاركم ولو قليلًا من ضعف يستغلّه أهل النفاق فيلحقون بكم أضرارًا بليغة. وتجاه ضرورة هموم العيش.</p>
<p style="text-align: justify;">عليكم الالتزام بالاقتصاد والقناعة. وحيث إن المصالح الدنيوية ساقت كثيرًا من أهل الحقيقة وأهل الطريقة إلى نوع من المنافسة، فأنا قلقٌ من هذه الجهة التي لم تُزعزع طلابَ رسائل النور إلى الآن، ونسأل اللّٰه ألّا تزعزعهم في المستقبل أيضًا. ولكن ليس الجميع على النمط نفسه من الأخلاق. وإذا ما أراد البعضُ راحته ضمن الدائرة المشروعة فلا تعترضوا عليه. والطالبُ الذي يعاني حالة الضرورة يمكنه أن يَقبل الزكاة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنه لَيعدّ نوعًا من خدمة رسائل النور أيضًا، مدُّ يد العون بالزكاة إلى الأركان -من طلاب النور- الذين نذروا وقتهم لخدمة رسائل النور وإلى الساعين في الخدمة. بل يجب معاونتهم. ولكن يجب ألّا يكون بالحرص والطمع؛ والسؤال بلسان الحال. وإلّا يفتح الميدان لتعرّض أهل الضلالة الذين يقولون: هؤلاء ضحّوا بدينهم في سبيل الحرص والطمع؛ إذ يقيسونكم على أنفسهم ويتهمونكم بقولهم: إن قسمًا من طلاب رسائل النور أيضًا قد جعلوا دينهم أداةً لدنياهم.</p>
<p style="text-align: justify;">عليكم بقراءة رسالة &#8220;الإخلاص&#8221; و&#8221;الاقتصاد&#8221; فيما بينكم تارة، وتارة أخرى رسالة &#8220;الهجمات الست&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ثباتكم الخارق وصلابتكم المتينة وتساندكم التام واتفاقكم العظيم سيكون مدار فخر لهذه البلاد بل هي بدرجة تستطيع أن تنقذ مستقبلها. احذروا ألّا تُفسد تساندَكم العاصفةُ الجديدة المقبلة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حقيقة تتعلق بأرباب العلم)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن لرسالة &#8220;الحزب النوري&#8221; كرامةً معنوية تعود إلى شخصي، والآن جاء دور بيانها:</p>
<p style="text-align: justify;">عندما انقلب سعيدٌ القديم إلى سعيد الجديد قبل ثلاثة وعشرين عامًا، واختار مسلك التفكر، بحثتُ عن سرِّ &#8220;تفكرُ ساعةٍ خير من عبادة سنة&#8221;، وفي كل عام أو عامين كان ذلك السرّ يغيّر من شكله فينتج إما رسالة عربية أو رسالة تركية. وقد دامت تلك الحقيقة وهي تتلبّس الأشكالَ المختلفة ابتداء من رسالة &#8220;قطرة&#8221; العربية، وانتهاء إلى رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;، حتى أخذت شكلها الدائم في &#8220;الحزب النوري&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ومنذ عشرين عامًا، ما كان يتملّكني الضيق وأصاب الفكرَ والقلبَ إرهاقٌ، ولجأتُ إلى قراءة قسم من ذلك الحزب بتأمل، إلّا وكان يزيل ذلك الضيقَ والسآمة والإرهاق. وقد تكرر ألف مرة أنه لم يبق أي أثر للملل والتعب -الناتجين عن الانشغال طوال خمس أو ست ساعات من الليل- بقراءة سُدس ذلك الحزب قبيل الفجر. نعم، إن هذه الحال تدوم حتى الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">ولمناسبة هذه الحقيقة أُبين مسألة وحقيقة عظيمة تتعلق في الوقت الحاضر بأرباب المدرسة الشرعية والعلماء:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد انقادت طائفةُ المدارس الشرعية لطائفة التكايا والزاويا الصوفية منذ سالف العصور، أي سلّموا لهم القياد وراجعوهم للحصول على ثمار الولاية. وتحرّوا عندهم أذواقَ الإيمان وأنوار الحقيقة. حتى كان عالم كبير من علماء المدرسة الشرعية يقبّل يدَ شيخ ولي صغير من أولياء الزاوية الصوفية ويتبعه، فطلبوا ذلك النبع الفياض بالماء الباعث على الحياة في التكايا والزوايا.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما أظهرت رسائل النور بالمعجزة المعنوية للقرآن الكريم -كما هو ماثل أمامكم- أن في المدارس الشرعية أيضًا طريقًا قصيرة توصل إلى أنوار الحقيقة، وفي العلوم الإيمانية ينبوع ثرّ هي أصفى وأنقى من غيرها. وأنه في العلم الشرعي، وفي الحقائق الإيمانية وعلم كلام أهل السنة، طريقًا للولاية هي أسمى وأحلى وأقوى من العمل والعبودية والطريقة الصوفية.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما يلزم -بل الألزم- سعيُ علماء المدرسة الشرعية لموالاة رسائل النور باعتزاز وشوق، فإن أكثرهم لا يعرفون -يا للأسف- أن هذا الكنز العظيم الباقي، وهذا النبع الفياض الباعث على الحياة، مُلك مدرستهم نفسها، ولا يبحثون عنه، ولا يحاولون الحفاظ عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن الآن وللّٰه الحمد بدأت تباشيرُ ذلك حيث جَذبت مجموعةُ &#8220;الكلمات&#8221; العلماءَ والمعلمين معًا إلى الأنوار.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الحاجة إلى الحقائق الإيمانية ماسة)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">حمدًا للّٰه وشكرًا له بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ جعل ولاية إسبارطة مدرسةَ الزهراء والجامع الأزهر والذي كان هدف خيالي منذ مدة.</p>
<p style="text-align: justify;">فأقلامكم تُغني رسائلَ النور عن المطبعة ونشرُكم بالرونيو هذا العدد الكبير من النسخ المضبوطة المتسمة بالتوافق في وقت قصير أثبت دعواي الذي قلته صباحًا. ثم أتى &#8220;أمين&#8221; بهذه النسخ -ثمرات رياض الجنة- قبيل الظهيرة. والدعوى هي أن الحقائق الإيمانية التي تخدمها رسائل النور هي أجلّ من كل شيء، والحاجة إليها على أشدها في الوقت الحاضر، ولكن الملحدون أماتوا قلوبَهم وأطاشوا نفوسَهم بالأهواء، فينكرون الحاجة إلى حقيقة الإيمان، فيقولون: إن الذي يحرك أهل الدين والعلم نابع من مقاصد دنيوية وحاجاتها. وهكذا يتهمونهم ويعرّضونهم لظلم شديد بموجب ذلك الاتهام.</p>
<p style="text-align: justify;">إن إسكات هؤلاء الملحدين التعساء إسكاتًا تامًّا وفعليًّا يتطلب وجود مضحّين لا تُشبع حاجاتِهم إلى الحقائق الإيمانية أعظمُ مشاغل الدنيا، بل حتى أضرارُها الجسيمة لا تشغلهم عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; تُرى هل هناك أحد من هذا القبيل؟</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; نعم، وها هي ولاية إسبارطة وحواليها أمامكم&#8230;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(نفس أمارة ثانية)</h2>
<p style="text-align: justify;">مسألة دقيقة كُتبتْ تنبيهًا لأحد إخواننا ممن لم يرَ تقصيره، نرسلها لكم علّها تنفعكم كذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">رأيت -في وقت ما- لدى عدد من الأولياء العظام، ممن نجوا من أوضار نفوسهم الأمارة بالسوء مجاهدات نفسية، وشكايات منها. فكنتُ أحار في الأمر كثيرًا، ولكن بعد مدة طويلة رأيت أن هناك نفسًا أمارة معنوية -غير دسائس النفس الأمارة الحقيقية- هي أشد عصيانًا من الأولى وأكثر نفورًا من الطاعة، وأكثر إدامة للأخلاق الذميمة، هي النفس الثانية. وهي مزيج من الهوس والمشاعر والطبائع، وهي موغلة في الأعصاب والعروق، وهي الحصن الأخير الذي تحتمي به النفسُ الأمارة، وهي التي تتولى القيام بوظيفة النفس الأمارة السيئة السابقة -التي تزكّت منها- فتجعل المجاهدة تستمر إلى نهاية العمر.</p>
<p style="text-align: justify;">وأدركتُ حينها أن أولئك الأفذاذ الميامين ما كانوا يشكون من النفس الأمارة الحقيقية، بل من نفس أمارة مجازية. ثم شاهدت أن الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي أيضًا يخبر عن هذه النفس المجازية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت حواس هذه النفس الأمارة الثانية عديمة الشعور، عمياءَ لا تبصر، فلا تَفهم أقوال العقل ولا تدرك نصائح القلب، ولا تُعير لها سمعًا كي تنصلح وتدرك تقصيراتها، لذا لا ترتدع عن السيئات إلّا بلطمات التأديب وصفعاتها وبالآلام، أو بالتضحية التامة بحيث يضحي المرءُ بمشاعره وحواسه كلِّها للهدف الذي يصبو إليه فيترك أنانيته كليًّا، بل كلَّ ما يملكه لذلك الهدف، كما تركه طلاب النور الخواص.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي هذا العصر العجيب، تتفق النفسان الأمارتان -الحقيقيةُ والمجازيةُ- معًا بتلقينات رهيبة، حتى تدفعا الإنسانَ ليَدخل في السيئات والآثام طوعًا وبرغبةٍ منه، تلك السيئات التي ترتعد من شناعتها الكائنات.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنني في غضون دقيقة واحدة، وبضيق قليل جدًّا فَوَّتُّ حسنةً عظيمة جدًّا. وقد حدث أيضًا ضمن مجاهدة معنوية عظيمة خلال عشر دقائق، عندما كان أحدُهم وهو في صفي يخترق صفوف أعدائي ويشقهم شقًّا كمن يرميهم بمدافع ثقيلة عظيمة. فتحيّنَتْ تلكما النفسان الأمارتان فرصةَ الغفلة مؤقتًا، إذ شَعرتُ بميلٍ للتفوق وبأثَرة مظلمة إلى أقبح رياء وحسد بدلًا من الشكر والحمد العظيمين حيث قلت: &#8220;لِمَ لمْ أرم القذائف أنا؟&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فألف شكر وشكر للبارئ الكريم سبحانه أن رسائل النور ولا سيما رسائل &#8220;الإخلاص&#8221; أزالت -كليًا- دسائسَ كلتا النفسين وضمدت الجراحات التي ولدتاها، مثلما أزالت الحالاتِ التي حدثت في دقيقة واحدة وفي عشر دقائق إزالة تامة والحمد للّٰه. فعرفتُ تقصيري -تلك المعرفة التي هي استغفار معنوي- ونجوت بفضله تعالى من العذاب والآلام المضمَرة التي هي جزاء معجل لذلك الخطأ.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلق ساور قلبي فجأة أبينه لكم</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شعرتُ وأدركت أن أهل الضلالة لعجزهم عن صد السيوف الألماسية لرسائل النور يريدون زعزعة رابطة الطلاب الوثيقة مستفيدين من عروق واهية نابعة من اختلاف المشارب أو المشاعر مستغلين متطلبات العيش ولوازمه والغفلة التي تخيّم في الربيع. إياكم وإياكم أن تجد الفرقةُ فرجةً فيما بينكم. احذروا؛ فالإنسان لا يخلو من خطأ. إن باب التوبة مفتوح. فإذا ما دفعتكم النفسُ والشيطان إلى الاعتراض على أخيكم وانتقاده على حق، قولوا:</p>
<p style="text-align: justify;">إننا مكلفون بالتضحية بحياتنا وكرامتنا وسعادتنا الدنيوية في سبيل الحفاظ على التساند الذي هو الرابطة الوثقى لرسائل النور، فضلًا عن مثل هذه الأمور الجزئية. فوظيفتُنا التضحية بكل ما يمتّ بصلة بالدنيا والأنانية، لما تكسبنا رسائل النور من نتائج جليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبهذا تُسكتون النفسَ الأمارة. وإن دار حول مسألةٍ نقاشٌ ونزاع، فشاوروا بعضَكم بعضًا. لا تتشددوا، أوغلوا برفق، الناسُ ليسوا سواسية في المشارب. ينبغي أن يتسامح بعضُكم مع البعض الآخر في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامنا إلى الإخوة جميعًا فردًا فردًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(لا تفسحوا المجال للانتقاد)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">حذار حذار.. لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر، فيستغلَّ أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلوا دساتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائمًا. وبخلاف هذا فإن اختلافًا طفيفًا في هذا الوقت يمكن أن يُلحق أضرارًا بليغة برسائل النور.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ما الذي يمنعنا عن السياسة؟)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أتاني اليوم صلاح الدين ومسؤول من الأمن (المَباحث) يتعقبه، دخل عليّ من ورائه.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لذلك الجاسوس الحكومي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور -ونحن الذين نتلقى الدرس منها درسًا كاملًا- لن نجعلها أداةً للدنيا قاطبة ناهيك عن سياستها، ونحن لا نتدخل بدنيا أهل الدنيا، فمن البلاهة توقّع الأضرار منا، وذلك:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أن <strong>القرآن الكريم قد منَعنا من السياسة</strong>، لئلا تسقط -في نظر أهل الدنيا- الحقائقُ التي هي بنفاسة الألماس إلى مستوى القطع الزجاجية التافهة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن <strong>الشفقة والضمير والحقيقة تمنعنا من السياسة</strong>. لأنه لو كانت نسبة المنافقين الملحدين الذين يستحقون العقاب اثنين من عشرة، فهناك سبعٌ أو ثمان من الأبرياء من أقاربهم وذويهم. وهناك الأطفال والعوائل والشيوخ والمرضى. فإذا نزلت المصيبةُ والبلاء فإن أولئك الأبرياء الثمانية سيسقطون في أتون المصيبة. ولربما سيلحق بالمنافقَين الاثنين والملحدَين ضرر طفيف. ولهذا فإن ما في ماهية رسائل النور من الشفقة والرحمة والحق والحقيقة قد حالت دون الدخول في السياسة بوسائل الإخلال بالإدارة والنظام فضلًا عن أن نتائجها مشكوك فيها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن <strong>هذا الوطن وهذه الأمة والحكومة</strong> -مهما كان شكلها- فهي <strong>بحاجة ماسة إلى رسائل النور</strong>. فينبغي لأعتى الملحدين منهم أن يميل إلى دساتيرها المتسمة بالدين والحق ناهيك عن الخوف منها والعداء لها، اللهم إلّا إذا كانت خيانة فاضحة للأمة والوطن والحاكمية الإسلامية.</p>
<p style="text-align: justify;">لأن هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة وهذا الوطن في حياتها الاجتماعية والسياسية ونجاتها من الفوضى والإرهاب ومن المخاطر العظيمة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: الرحمة. <strong>الثاني</strong>: الاحترام. <strong>الثالث</strong>: الأمن والثقة. <strong>الرابع</strong>: اجتناب المحرمات والتمييز بين الحرام والحلال. <strong>الخامس</strong>: الطاعة وترك التسيب.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فرسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية تُحقق هذه الأسس الخمسة وتثبّت بها ركائز النظام في البلاد.</p>
<p style="text-align: justify;">ألاَ فليعلم الذين يتعرضون لرسائل النور، أنّ تعرضهم هذا إنما هو عداء -في سبيل الفوضى والإرهاب- للوطن والأمة والنظام.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا ما قلته باختصار لذلك الجاسوس الحكومي.</p>
<p style="text-align: justify;">وقلت له: قل هذا لمن أرسلك هنا. وقل لهم أيضًا: إن الذي لم يراجع الحكومة لتأمين راحته طوال ثماني عشرة سنة.. والذي لا علم له بالحرب الدائرة التي قلبت العالم رأسًا على عقب منذ أحد عشر شهرًا.. والذي يستغني عن أن يَقبل إيجاد علاقةِ صداقةٍ مع من يشغل مراتب رفيعة في الدولة. فالذي يتوجس خيفةً من مثل هذا الرجل ويساوره الشكوك وكأنه سيتدخل بأمور دنياهم ومن ثم مضايقته وشدّ الخناق عليه، ماذا يعني عمله هذا؟ وما المصلحة فيه؟ وأي قانون يجيز هذا؟ حتى البلهاء يعرفون أن التعرض له جنون وبلاهة! قلنا له هذا، ثم غادرنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(لا تنشغلوا بلسعات البعوض)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخواني الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لا داعي إلى درس وتوجيه جديد، إذ شاهدتُ بين رسائلكم رسائل &#8220;الإخلاص&#8221; هذه المرة. فأحيلكم إلى دروس تلك الرسائل. إلّا أنني أنبّه إلى ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">لما كان مسلكُنا يستند إلى الإخلاص، ومبنيًّا على الحقائق الإيمانية فإننا مضطرون -وفق مسلكنا- إلى عدم التدخل في أمور الحياة الاجتماعية والحياة الدنيوية، مالم نضطر إليها. وعلينا التجرد والابتعاد عن تلك الحالات التي تؤدي إلى التنافس والتحيّز والتنازع.</p>
<p style="text-align: justify;">فأسفًا، وألف أسف، لأهل العلم ولأهل التقوى الضعفاء الذين يتعرضون -في الوقت الحاضر- إلى هجومِ ثعابين مرعبة، ثم يتحججون بهفوات جزئية شبيهة بلسع البعوض، فيعاوِنون -بانتقاد بعضهم البعض- تلك الثعابينَ الماردة، ويُمدّون المنافقين الزنادقة بأسبابٍ لتدميرهم وتحطيمهم، بل يساعدونهم في هلاك أنفسهم بأيدي أولئك الخبثاء. يَذكر أخونا المخلص جدًّا &#8220;حسن عاطف&#8221; في رسالته: أن عالمًا واعظًا شيخًا قد اتخذ طورًا يُلحق الضرر برسائل النور، حيث حاول التعرض لها بالتهوين من شخصي الضعيف، بحجة تَركي لسنة نبوية (إطلاق اللحية) علمًا أن ذلك الترك مبني على عذرين مهمين.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: ليعلم ذلك الشخص -واعلموا أنتم كذلك- أنني خادمُ رسائل النور، ودلّالُ ذلك الدكان. أما رسائل النور فهي تفسير حقيقي للقرآن الكريم وهي وثيقة الصلة به، ذلك الكتاب الجليل المرتبط بالعرش الأعظم، لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي الشخصية إلى الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: بلّغوا ذلك العالم الواعظ عني السلام. فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر. وأنتم بدوركم لا تسوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة. ولو حدَثَ تعدّ وتجاوز علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم. إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض أيًّا كان، هو أخونا من حيث الإيمان لأنه مؤمن. حتى لو عادانا، فلا نستطيع أن نعاديه بمثل عدائه، حسب ما يرشدنا إليه مسلكُنا. لأن هناك أعداء شرسين وحيّات لاذعة ونحن لا نملك سوى النور، لا الصولجان. والنورُ لا يؤلم، بل يلاطف بضيائه، ولا سيما الذين هم ذوو علم فلا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية، بل استرشِدوا ما استطعتم بدستور الآية الكريمة: ﴿واذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن ذلك الشخص المحترم، كان داخلًا في دائرة رسائل النور، واشترك في استنساخ الرسائل، فهو إذن ضمن تلك الدائرة، فاصفحوا عنه حتى لو كان يحمل خطأ فكريًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فليس مثل هذا الشخص الفاضل من ذوي الدين والتقوى المنسوبِين إلى الطرق الصوفية، بل حتى من المؤمنين المنسوبين إلى فرق ضالة، لا ينبغي أن نثير معهم نزاعًا وخصامًا في هذا العصر العجيب، بل لا نجعل نقاطَ الاختلاف والنزاع موضعَ نقاش مع المؤمنين باللّٰه واليوم الآخر حتى لو كانوا من النصارى.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا ما يقتضيه هذا العصر العجيب، وما يقتضيه مسلكنا الذي نسلكه، وما تقتضيه خدمتنا المقدسة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل الحيلولة دون ظهور عوائق اجتماعية وسياسية أمام انتشار رسائل النور في العالم الإسلامي، ينبغي لطلاب رسائل النور اتخاذ سلوك المصالحة. إياكم وإياكم أن تتعرضوا لصلاة الجماعة والجمعة للعلماء<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، فلا تنتقدوا المشتركين فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">أما قول الإمام الرباني: &#8220;لا تدخلوا مواضع البدع&#8221; فالمقصود منه لا ثواب فيها، وليس معناه بطلان الصلاة، لأن قسمًا من السلف الصالحين قد صلّوا خلف يزيد والوليد. ولكن إذا كان المرء يتعرض للكبائر في أثناء ذهابه إلى المسجد وإيابه منه، فالأولى أن يظل في معتكفه.</p>
<p style="text-align: justify;">يذكر أخونا في رسالته عن إخواننا الجدد الشجعان الثابتين. فنحن نقبلهم بكل مهجنا وأرواحنا. ولكن الداخلين في دائرة رسائل النور لأجل أن يقدروا شجاعتهم الشخصية حق قدرها يبذلون شجاعتهم في ثبات لا يتزعزع ومتانة لا تلين وترابط لا ينفصم مع إخوانه. فيجب تحويل تلك الشجاعة الشخصية التي هي بحكم قطع زجاجية متكسرة إلى ألماس التضحية الصدّيقية الناشدة للحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن أهم أساس في مسلكنا بَعد الإخلاص التام هو الثبات والمتانة. وبهذه المتانة حدثت وقائع كثيرة أثبتت أن أمثال هؤلاء الذين نذروا حياتهم في خدمة النور يقابل كلٌّ منهم مائة شخص، فالشخص الاعتيادي الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين قد فاق أولياءً يتجاوزون الستين من العمر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن شخصًا حتى لو كانت شجاعته حسنة، فإنه بعد دخوله جماعة متساندة، لا يستطيع أن يستعمل شجاعته تلك، حفاظًا على راحة جماعته وصيانةً لعدم زعزعتهم، فلا بد من العمل وفق الحديث الشريف: &#8220;سيروا على سير أضعفكم&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">ويلزم عدم الخوض في مسائل النزاع، وعدمُ طَرق مسائل القبعة والأذان واستعمالِ عناوين الدجال والسفياني مع الغرباء، حيث يُسبب هذا اتخاذَ العلماءِ وأهلِ السياسة تجاه رسائل النور موقف المجابهة والتعدي عليها. فالحذرُ هو الألزم.. والواجب ضبط النفس، حتى إن عدم الأخذ بالحذر ولو جزئيًّا يؤثر إلى هاهنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن رسائل النور ليست دائرة واحدة، بل لها طبقات كالدوائر المتداخلة. فهناك طبقة الأركان والمالكين والخواص والناشرين والطلاب والموالين وأمثالها من الطبقات. فمن لم يكن أهلًا للدخول في طبقة الأركان لا يُطرد خارج الدائرة، بشرط عدم موالاته لتيار يخالف رسائل النور، والذي ليست له ميزات الخواص يمكن أن يكون طالبًا، بشرط عدم الدخول في مسلك مضاد، والذي يعمل بالبدعة يمكن أن يكون صَديقًا بشرط عدم موالاته قلبًا لها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا لا تُخرجوا أحدًا من جراء خطأ طفيف خارج الدائرة، لئلا يلتحق بصف الأعداء. ولكن لا يُشرَك هؤلاء في التدابير الدقيقة التي يتخذها أركان رسائل النور ومالكوها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(طلاب النور يُفضلون الخدمة على القطبية)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن حادثتين وقعتا في اليومين السابقين أوردتا إلى الخاطر مسائل عدة منها:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: يكتب أخونا صلاح الدين من أنقرة: لقد بدأوا بالتعدي على أهل الطرق الصوفية. وهناك اعتقالات في أنقرة وفي الشرق حول هذه المسألة. وطلابُ رسائل النور محفوظون في كل جهة بالعناية الربانية، فإخلاصهم المتين وترابطهم الوثيق وأخذهم بالحذر تُديم عليهم تلك العناية الربانية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيها</strong>: يشكو الناس كلهم في هذه الأيام من الضيق الذي ينتابهم، وكأن فساد الهواء المعنوي قد أورث مرضَ ضيقٍ مادي شامل. حتى سرى فيّ هذا المرض يومًا. وحيث إن رسائل النور دواء لكل ما ينتابنا، فإن المنشغلين بها إما لا ينتابهم ذلك المرض أو يمسهم مسًا طفيفًا.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8230;&#8230;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعها</strong>: لقد شاهدتُ في بعض الرسائل المرسلة أوصافًا مفرطة بحق أستاذهم، ونظرت إلى نفسي فرأيتها لا تستحق حتى زكاةَ تلك الأوصاف، وليس من حقي امتلاكها. فقلت: تُرى ما المصلحة والفائدة التي يحصل عليها إخواني هؤلاء الناشدون للحق في غلوّهم في حسن الظن واستمرارِهم عليه مع تنبيهاتي المستمرة لهم؟.</p>
<p style="text-align: justify;">فخطر على القلب: إن هؤلاء، وبلدتهم ولاية إسبارطة وحواليها يرون يُمْنَ حسن ظنهم العظيم اقتداءً بالأولياء من أمثال عثمان الخالدي وشكري طوبال، فلم يبالغوا إذن بالنظر من هذه الزاوية فقد شاهدوا حقيقةً. ولكن كما أن الكشفيات تحتاج إلى تأويل والرؤى إلى تعبير، فالأحكام الخاصة إذا عُمِّمت يظهر خطأٌ في جهة. وكذلك هؤلاء؛ قد أَعطوا الفائدة التي أسداها الشخصُ المعنوي لرسائل النور لهم ولبلدتهم إلى أحد ممثلي ذلك الشخص المعنوي وهو أخوكم هذا الذي دعوه &#8220;الأستاذ&#8221;. فعمموا حادثة تلك البلدة ونظروا إليها حادثة عامة فأظهروا غلوًّا في حسن الظن.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادس</strong>: قبل حوالي ثلاثة أيام استمعت إلى الكلمة الثانية والعشرين أثناء تصحيحها، ورأيت أن فيها: ذكرًا كليًا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًّا قويًا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمة سامية، وعبادة فكرية رفيعة وأمثالها من الأنوار. وأدركتُ الحكمة في قيام قسم من الطلاب بكتابة الرسائل أو قراءتها أو الاستماع إليها بنية العبادة، فباركتُ عملهم وصدّقتهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مدرسة معنوية في البرزخ)</h2>
<p style="text-align: justify;">كنت أسمع أيام كنت طالبًا من أناس موثوقين كلامًا نقلًا عن أئمة عظام.</p>
<p style="text-align: justify;">وهو: &#8220;أن طلاب العلوم الجادين الخالصين المحبين للعلم، الذين يتوفون في أثناء دراستهم للعلوم يكونون في البرزخ أيضًا في مدرسة معنوية وكأنهم في دراستهم السابقة. فينعم اللّٰه سبحانه عليهم وضعًا ملائمًا لذلك العالم&#8221;. كان هذا الكلام يدور كثيرًا في ألسنة طلاب العلوم آنذاك.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان طلاب النور في الوقت الحاضر هم خلّص طلاب العلوم فإن وظيفة محمد زهدى وعاصم ولطفي وأمثالهم من الطلاب المتوفين رحمهم اللّٰه مستمرة بلا شك لأجل إضافة حسناتٍ إلى سجل أعمالهم بأقلامهم المعنوية التي تعمل عملها إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(لا تُطلب مقاصد دنيوية بالعبادة الفكرية)</h2>
<p>إن رسائل النور لا تكون وسيلة قطعًا لكسب مصالح دنيوية، ولا تستغل ترسًا لدفع أضرارها، لكونها عبادة فكرية ذات شأن وأهمية. فلا تطلب بها مقاصد دنيوية بالذات، إذ لو طُلبت يفسد الإخلاص ويتغيّر شكل تلك العبادة الجليلة. ويكون المرء كالصبيان الذين يتترسون بجزء المصحف الذي يتلونه لدى عراكهم بعضهم ببعض. فالضرر الذي يصيب رأسه سيمس ذلك المصحف حتمًا، لذا لا ينبغي أن يُتترّس برسائل النور تجاه هؤلاء الخصوم العنيدين.</p>
<p>نعم، لقد نزلت صفعاتُ تأديب بالذين يتعرضون لرسائل النور ويعادونها، فهناك مئات الوقائع تُثبت هذا، ولكن يجب ألّا تستعمل رسائل النور في إنزال الصفعات بل لا تنزل بالنية والقصد لأنه عمل مناف لسر الإخلاص والعبودية للّٰه.</p>
<p>فنحن نكل أمر مَن ظلمنا إلى ربنا الجليل الذي حمانا واستخدمنا في خدمة رسائل النور..</p>
<p>نعم، إن نتائج خارقة تخص الدنيا تترتب بكثرة على رسائل النور -كما هي في الأوراد المهمة- ولكن لا تُطلب هذه النتائج، وإنما توهَب. فلا تكون علّة للأمر قطعًا، وإنما يمكن أن تكون لها فائدة. فلو حصلت نتيجةَ الطلب، كانت إذن علةً، مما يفسد الإخلاص ويُبطل قسمًا من تلك العبادة&#8230;</p>
<p>نعم، إن مقاومة رسائل النور مقاومة غالبة للكثرة الكاثرة من المنكرين المعاندين، إنما هي مما تحمله من سر الإخلاص.. ومن عدم كونها وسيلة لأي غرض كان.. ومن توجُّهِ نظرها مباشرة إلى السعادة الأبدية.. ومن عدم تتبعها أي قصد كان سوى خدمة الإيمان.. ومن عدم التفاتها إلى الكشف والكرامات الشخصية التي يوليها بعض أهل الطرق أهمية.. ومن كونها تَحصر وظيفتَها في نشر أنوار الإيمان وإنقاذ إيمان المؤمنين، مما كَسبته من سر وراثة النبوة التي هي شأن الصحابة الكرام الحاملين للولاية الكبرى.</p>
<p>نعم، إن ما تُكسبه رسائلُ النور طلابَها في هذا الزمان الرهيب من نتيجتين ثابتتين على وجه التحقيق جديرتان بالاهتمام. وهما تفوقان أي شيء آخر حتى لا تدَعان حاجة إلى النظر إلى مقامات معنوية وأمور أخرى غيرها. فالنتيجة الأولى هي: أن من يدخل دائرة رسائل النور بوفاء صادق واقتناع كامل، تُختم حياته بالحسنى، أي يدخل القبر بالإيمان. فهناك أدلة قوية على هذا.</p>
<p>والنتيجة الثانية هي: ما تَحقق وتقرر في دائرة النور من الاشتراك المعنوي في أعمال الآخرة الذي دُفعنا إليه دون اختيارنا ولا علمِنا، كأن كل طالب حقيقيٍ صادق يقوم بالدعاء والاستغفار والعبادة بألوف الألسنة والقلوب، والتسبيح للّٰه بأربعين ألف لسان كما هو لدى بعض الملائكة. ويتحرى عن الحقائق السامية والرفيعة بمئات الألوف من الأيدي كحقيقة ليلة القدر في شهر رمضان المبارك.</p>
<p>ولأجل مثل هذه النتيجة: يرجِّح طلاب النور خدمة النور على مقام الولاية ولا يتطلعون إلى الكشف والكرامات ولا يَسعون لقطف ثمرات الآخرة في الدنيا. ويفوِّضون التوفيق في نشر الرسائل وجعلِ الناس يتقبلونها والترويج لها، ونيل مظاهر الشهرة والأذواق والعناية الإلهية التي يستحقونها، وأمثالِها من الأمور التي هي خارجة عن نطاق وظيفتهم، يفوّضونها كلها إلى اللّٰه سبحانه ولا يتدخلون فيها. فلا يبنون أعمالهم وحركاتهم على تلك الأمور. وإنما يعملون بإخلاص تام قائلين: تكفينا وظيفتنا، وهي خدمة الإيمان ليس إلّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(من مزايا رسائل النور)<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup></h2>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن رسائل النور في هذا العصر، وفي هذا الوقت بالذات عروة وثقى، أي سلسلة قوية لا تنقطع، وهي حبل اللّٰه. فمن استمسك به فقد نجا.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيّم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته..</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها من مصادر متعددة من العلوم والفنون، فلا مصدر لها سوى القرآن، ولا أستاذ لها إلّا القرآن، ولا ترجع إلّا إلى القرآن.. ولم يكن عند المؤلف أي كتاب آخر حين تأليفها، فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن الكريم، وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة&#8230; &#8211; إن الذي يدفع اعتراضات الملحدين التي تُعدّ منذ ألف سنة للنيل من القرآن الكريم.. والذي يزيل شبهات الفلاسفة الكفرة التي تراكمت منذ أمد سحيق، ووجدت الآن سبيلًا للانتشار.. والذي يصد حقد اليهود الذين يُضمِرون العداء والثأر من القرآن الكريم الذي زجرهم وعنّفهم.. والذي يقابل هجوم نصارى مغرورين على القرآن الكريم..</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الذي يدفع هذه الغارات جميعها هم أبطال ميامين، وقلاع معنوية حصينة للقرآن الكريم وُجدوا في كل عصر من العصور. ولكن الآن غدت الحاجة ماسة أكثر إلى أولئك الأبطال، إذ زاد عدد المهاجمين من واحد واثنين إلى المائة. وقلّ عدد المدافعين عن القرآن من المائة إلى اثنين أو ثلاثة. فضلًا عن أن تعلّم الحقائق الإيمانية من علم الكلام أو المدارس الشرعية يحتاج إلى زمن طويل، لا تسمح به أحوالُ هذا الوقت، فانسدّ ذلك الباب أيضًا. أما رسائل النور فهي تُعلِّم الحقائق الإيمانية العميقة جدًّا بأسلوب يفهمه كل الناس في أقصر وقت.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن خاصية مميزة راقية لرسائل النور هي: أنه في هذا العصر العجيب يستند الكفرُ والإيمان إلى آخر الحصون في المبارزة القائمة بينهما. فرسائل النور تبين تلك الركائز النهائية بيانًا قويًّا قاطعًا. وهذه الخاصية تظهر في رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; بأسطع ما يمكن، إذ تبين الصراع القائم بين الكفر والإيمان حتى في آخر ركائزهما. ولنوضح هذا بمثال.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن في ميدان حرب عظيمةٍ وأثناء اجتماعِ حُشود الجنود من الطرفين واصطدامِ فوجين منهما، يُمدّ العدو فوجه بالأعتدة والأجهزة الحربية ليشد من قواهم المعنوية ويقويها، فيسخر كل الوسائل الممكنة لذلك، منها التهوين من معنويات أهل الإيمان وتفتيت تساندهم وترابطهم، بمعنى أنه لا يدع وسيلة إلّا ويستعملها في سبيل تشتيت قوة أهل الإيمان المعنوية التي هي قوة احتياطية ساندة عظيمة. حتى إنه يبعث على فوج المسلمين وعلى كل فرد من أفراده مجموعة متساندة مترابطة مشبعة بروح الجماعة والتنظيم الخاص.</p>
<p style="text-align: justify;">وإذ يحاول العدو إفناء القوة المعنوية لفوج المسلمين إفناءً كاملًا، يَظهر أحدُهم كالخضر عليه السلام ويقول:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;لا تيأس أيها المسلم.. فإن لك نقطةَ استنادٍ عظيمة وركيزة لا تتزعزع قط، وجيوشًا جرّارة لا تُغلَب، وقوى احتياطية لا تنفد، فلو اجتمعت عليك الدنيا بأسرها لا يمكنها أن تبارِز تلك القوى وتتحداها، بل لا يقدر على تدميرها إلّا مَن يملك قدرة على تدمير الكون بأسره. أما سبب انهزامك في الوقت الحاضر فهو إرسالك جنديًّا واحدًا ليقابل جماعة منظمة وشخصًا معنويًّا. فاسعَ أيها المسلم، ليكون كل جندي من جنودك في حكم جماعة وبمثابة شخص معنوي يستمد معنوياته من الدوائر المحيطة به&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا يمتلئ قلب المسلم قناعةً واطمئنانًا من كلام الخضر.</p>
<p style="text-align: justify;">والأمر كذلك في رسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221;؛ إذ إن أهل الضلالة المُغيرين على أهل الإيمان أصبحوا روحًا خبيثة تسري في الأمة، وشخصية معنوية حاملة لروح الجماعة والتنظيم الخاص تفسد الوجدان العمومي والقلب الكلي في العالم الإسلامي، وتُمزق الستار الإسلامي السامي الذي يحيى العقائد التقليدية لدى عوام المسلمين، وتحرق المشاعر المتوارثة أبًا عن جد.. تلك المشاعر التي تديم الحياة الإيمانية..</p>
<p style="text-align: justify;">فبينما يحاول كل مسلم -يائسًا- لينجو بنفسه من هذا الحريق المرعب الذي شبّ في أرجاء العالم. إذا برسائل النور تأتي كالخضر عليه السلام، وتَمدّ إليه يد العون والمساعدة، وإذا برسالة &#8220;الآية الكبرى&#8221; كالجندي المطيع ذي الخوارق، تستمد الإمداد المعنوي والمادي الذي لا يقاوَم من آخر جيوشه المحيطة بالكون&#8230; أما سائر النقاط في المثال، فعليكم تطبيقها كي تتبين خلاصة ذلك السر.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إن رسائل النور كذلك ليست نورًا مقتبسًا، وبضاعة مأخوذة من معلومات الشرق وعلومه، ولا من فلسفة الغرب وفنونه. بل هي مقتبسة من العرش الرفيع السماوي لمرتبة القرآن الكريم الذي يسمو على الشرق والغرب.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; فرسائل النور التي هي ضياء معنوي، وعلم في منتهى العلو والعمق معًا، لا تحتاج دراستُها والتهيؤ لها إلى تكلف، ولا داعي إلى أساتذة آخرين لتعلّمها، ولا الاقتباس من أفواه المدرسين، حيث إن كل شخص يفهم حسب درجته تلك العلوم العالية، دونما حاجة إلى إشعال نار المشقة والتعب للحصول عليها، فيفيد نفسه بنفسه، وربما يكون عالمًا محقِّقًا. سؤال: لِمَ خُصَّت رسائلُ النور من بين سائر الكتب القيمة بإشارات من القرآن الكريم، والتفاتته إليها، وباستحسانِ الإمام علي رضي اللّٰه عنه وتقديره لها، وبتوجّه الشيخ الكيلاني (قدس سره) إليها والتبشير بها. فما وجه اختصاصها، وما الحكمة في اهتمامِ وتقدير هذين الأستاذين الفاضلين إلى هذا الحد برسائل النور؟.</p>
<p style="text-align: justify;">الجواب: من المعلوم أن دقيقة واحدة قد تكون ذاتَ أهمية تقابل ساعة كاملة وإنها تثمر من النتائج ما تنتجه تلك الساعة، وربما ما ينتجه يوم كامل، بل قد تكون تلك الدقيقة بمثابة سنين. ويحدث أحيانًا أن تكون ساعة واحدة لها من الأهمية وتعطي من النتائج ما لسنة من العمر بل العمر كله.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن الذي يُستشهد في سبيل اللّٰه في دقيقة واحدة يفوز بمرتبة الأولياء.. وإن الذي يرابط ساعة واحدة في ثغر المسلمين عند اشتداد البرد وَصَولة الأعداء الرهيبة، قد تكون له من الأهمية ما لِسَنةٍ من العبادة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا الأمر في رسائل النور؛ إذ إن سبب الاهتمام الذي نالته رسائل النور نابع من أهمية الزمان نفسه.. ومن شدة الهدم الذي أحدثه هذا العصر في الشريعة المحمدية والشعائر الأحمدية.. ومن فتنة آخر الزمان الحالية التي استعاذت منها الأمة الإسلامية منذ القِدَم.. ومن زاوية إنقاذ إيمان المؤمنين من صولة تلك الفتن.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل هذه الأسباب كلها حازت رسائلُ النور أهمية عظمى حتى أشار إليها القرآن الكريم إشارة قوية، والتفت إليها التفاتة كريمة، وبشّر بها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بثلاث كرامات، وأخبر عنها الشيخ الكيلاني رضي اللّٰه عنه إخبارًا ذا كرامة، وحضّ مؤلفها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد تزعزعت قلاع إيمان التقليدي وتصدعت أمام هجمات هذا العصر الرهيب، ونأَت عن الناس وتسترت بحجب وأستار، مما يستوجب على كل مؤمن أن يملك إيمانا تحقيقيًّا قويا جدًّا كي يمكّنه من المقاومة والثبات وحده تجاه الضلالة المهاجمة هجومًا جماعيًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائل النور تؤدي هذه الوظيفة، وفي أحلك الحالات وأرهبها، وفي أحوج الأوقات وأحرجها. فتؤدي خدمتَها الإيمانية بأسلوب يفهمه الناس جميعًا. وأثبتت أعمقَ حقائق القرآن والإيمان وأخفاها ببراهين قوية، حتى أصبح كل طالبِ نورٍ وفيٍّ صادق يحمل في قلبه الإيمان التحقيقي كأنه قطب مخفي من أقطاب الأولياء وركيزة معنوية للمؤمنين، وذلك لخدماته الإيمانية في القرية أو القصبة أو المدينة التي فيها. ورغم أنهم غير معروفين وغير ظاهرين ولا يلتقيهم أحد فقد صار كلٌّ منهم بعقيدتهم المعنوية القوية كضابط شجاع في الجيش يبعث مددًا معنويًّا إلى قلوب أهل الإيمان فيثبتهم وينفخ فيهم روح الحماس والشجاعة.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إخوتي الأوفياء الصادقين الأعزاء.. يا عِماد سلواني في هذه الدنيا، ويا رفقائي الذين لا يَكلّون في خدمة الحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما كنت أتأسف في هذه الأيام على اشتغال ذهني جزئيًّا بالدفاعات أمام المحاكم، ورد إلى القلب ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن ذلك الانشغال هو كذلك اشتغال علميّ، إذ هو خدمة في سبيل نشر الحقائق الإيمانية وتحقيق حريتها وانكشافها؛ فهو نوع من العبادة من هذه الجهة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري كلما وجدت ضِيقًا في نفسي باشرتُ بمطالعة مسائل النور بمتعة ولذة، رغم أني اطلعت عليها مائة مرة. حتى وجدت &#8220;الدفاعات&#8221; هي كذلك مثل رسائل النور العلمية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قال لي أحد إخواني: &#8220;إنني أشعر بشوق وحاجة إلى تكرار قراءة &#8220;رسالة الحشر&#8221; وإن كنت قد قرأتها ثلاثين مرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فعرفت من كلامه هذا؛ أن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لحقائق القرآن الكريم وتفسير قيم أصيل له، قد انعكست فيها أيضًا مزيةٌ رفيعة للقرآن الكريم ألا وهي عدم السأم من قراءتها.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; شكرًا وحمدًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر؛ إن عوام المؤمنين في زماننا هذا، الذين هم في أمسّ الحاجة إلى نقطةِ استنادٍ يستندون إليها قد وجدوها في رسائل النور، فهي حقيقة لن تكون وسيلة لأي شيء كان، ولا يداخلها أي غرض أو مقصد كان، ولا تفسح المجال لأية شبهة أو وسوسة كي تدخل فيها، ولا يستطيع أي عدو كان أن يجد حجة لجرحها وتفنيدها.. وإن الذين سيسعون لنشرها يسعون للحق والحقيقة وحدهما دون أن تشوب سعيهم مقاصد دنيوية. كل ذلك ليَطمئن بتلك الحقيقة أولئك البعيدون ويثقوا بناشريها الصادقين اطمئنانًا تامًّا لينقذوا إيمانهم من صولة الزنادقة والملحدين على الدين واعتراضات الفلاسفة وإنكارهم عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; نعم، إن أولئك المؤمنين سيقولون بلسان حالهم: &#8220;إن أعداءً شرسين وبهذه الكثرة لم يستطيعوا أن يفنّدوا هذه الحقيقة ولا أن يعترضوا عليها. وإن طلاب تلك الحقيقة لا يحملون في خدمتها قصدًا غير الحق وحده. فلا بد أنّ تلك الحقيقة هي عين الحق ومحض الحقيقة&#8221;. وبهذا يقوى إيمانهم بدليل واحد يفوق ألف برهان وبرهان، فينقذون إيمانهم ولا يساورهم شك بعدُ.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8211; إنه لأجل اطمئنان عوام المؤمنين وتقبلهم حقائق الإيمان دون أن يساورهم أي تردد، يلزم في الوقت الحاضر، وجودُ معلّمين، يحملون من الإيثار ما يجعلهم يضحون لا بمنافعهم الدنيوية وحدها، بل بمنافعهم الأخروية أيضًا في سبيل منافع أهل الإيمان الأخروية. فيكون ذلك الدرس الإيماني خالصًا نقيًّا بحيث لا يفكرون فيه بالمنافع الشخصية مهما كانت. بل يسعون في الخدمة الإيمانية، بالحقائق، نيلًا لرضا اللّٰه، وعشقًا للحقيقة، وشوقًا إلى الحق والسداد الذي في الخدمة، وذلك ليطمئنّ كلُّ من يحتاج إلى الإيمان اطمئنانًا تامًّا دون حاجة إلى إيراد الأدلة له، ولكي لا يقول: &#8220;إنه يخدعنا ويستميلنا&#8221; وليعلم أن الحقيقة قوية بذاتها إلى حدّ لا يمكن أن تتزعزع بأي حال من الأحوال، ولا تكون أداةً طيعة لأي شيء كان.. فيقوى إيمانه عندئذٍ ويقول: &#8220;حقًّا إن ذلك الدرس الإيماني هو عين الحقيقة&#8221; وتُمحى شبهاتُه ووساوسه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ملاحظة المترجم:<br />
وضع الأستاذ النورسي ضمن ملحق قسطموني ثلاث قطع من رسالة &#8220;اللوامع&#8221; وهي: &#8220;كل الآلام في الضلالة&#8221;، و&#8221;بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن&#8221;، و&#8221;برهانان عظيمان للتوحيد&#8221;، وذلك حسب قاعدته المذكورة في خاتمة رسالةِ &#8220;قطرة من بحر : التوحيد&#8221; من المثنوي العربي النوري، حيث يقول:<br />
&#8220;لأني أرى القرآن منبع كل الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن، فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثرٌ من آثاري من ذكر نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن&#8221;.<br />
ولما كانت رسالة &#8220;اللوامع&#8221; قد نُشرت ملحقة بمجموعة &#8220;الكلمات&#8221;، نكتفي هنا بإدراج إحدى تلك القطع الثلاث وهي: &#8220;بيانٌ موجَز لإعجاز القرآن&#8221;؛ ومن شاء فليراجع القطعتين الأخريين في &#8220;اللوامع&#8221;.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;رواه البخاري، المناقب ٢٨؛ الاعتصام ١٠، التوحيد ٢٩؛ الترمذي، الفتن ٥١.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;حيث كان الأذان والإقامة والخطبة بالتركية.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: السخاوي، المقاصد الحسنة ٢٤٦؛ علي القاري، المصنوع ١١٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٥٦٣.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مُسْتَلَّات من كتاب &#8220;ختم التصديق الغيبي&#8221;.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-3-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2715</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق قسطموني [2/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d9%2582%25d8%25b3%25d8%25b7%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2586%25d9%258a-2-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 21 Aug 2025 17:23:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2699</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] &#160; [مختصر ملحق قسطموني 2/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي ❀   ❀   ❀ &#160; (من وظائف السيد المهدي) إخوتي الأعزاء.. كتبتُ لكم الفقرتين الآتيتين قبل يومين تتمة لما كُتب لكم سابقًا من &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2700" aria-describedby="caption-attachment-2700" style="width: 956px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2700" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1.jpg" alt="إن هذه الدنيا دار عمل وليس موضع أخذ الأجرة، فثواب الأعمال الصالحة وثمراتُها وأنوارُها تُمنح في البرزخ والآخرة. وإن جلبَ تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلبَها في هذه الدنيا يعني جعل الآخرة تابعة لهذه الدنيا، وعندها ينثلم إخلاص تلك الأعمال الصالحة ويَذهب نورُها.في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو." width="956" height="714" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1.jpg 956w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1-300x224.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي-1-768x574.jpg 768w" sizes="(max-width: 956px) 100vw, 956px" /><figcaption id="caption-attachment-2700" class="wp-caption-text">إن هذه الدنيا دار عمل وليس موضع أخذ الأجرة، فثواب الأعمال الصالحة وثمراتُها وأنوارُها تُمنح في البرزخ والآخرة. وإن جلبَ تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلبَها في هذه الدنيا يعني جعل الآخرة تابعة لهذه الدنيا، وعندها ينثلم إخلاص تلك الأعمال الصالحة ويَذهب نورُها.<br />في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو.</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق قسطموني 2/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h2>(من وظائف السيد المهدي)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">كتبتُ لكم الفقرتين الآتيتين قبل يومين تتمة لما كُتب لكم سابقًا من جواب حول حسن ظنكم النابع من وفائكم الخالص بما يفوق حدي بكثير جدًّا، إذ إن الحكمة في جوابي السابق -قبل أسبوع- والذي يجرح إلى حدٍّ ما حسن ظنكم المفرط، لرسالتكم المترشحة من وفائكم الخالص وهممكم العالية هي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">في هذا العصر تيارات قوية ومسيطرة إلى درجة تستحوذ على كل شيء، وتستولي عليه، وتمتلكه لنفسها، وتُسخِّره لأجلها، فلو أتى ذلك الذي يُنتظر مجيؤه حقًّا في هذا العصر، فإنني أرى أنه يغيّر هدفَه، ويجرِّد نفسه من الأجواء والأحوال الدائرة في عالم السياسة، حفاظًا على أعماله من أن تغتصبها تلك التيارات.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هناك ثلاث مسائل هي: الحياة.. الشريعة.. الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن مسألة &#8220;<strong>الإيمان</strong>&#8221; هي أهم هذه المسائل الثلاث وأعظمُها في نظر الحقيقة، بَيد أن &#8220;<strong>الحياة</strong>&#8221; و&#8221;<strong>الشريعة</strong>&#8221; تبدوان في نظر الناس عامةً وضمن متطلبات أوضاع العالم أهمَّ تلك المسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان تغيير أوضاع المسائل الثلاث كلها دفعة واحدة في الأرض كافة لا يوافق سنة اللّٰه الجارية في البشرية، فإن ذلك الشخص المنتظر لو كان موجودًا في الوقت الحاضر لاتخذ أعظمَ تلك المسائل وأهمَّها أساسًا له دون المسائل الأخرى، وذلك لئلا تَفقد خدمةُ الإيمان نزاهتَها وصفاءَها لدى الناس عامة، ولكي يتحقق لدى عقول عوام الناس -الذين يمكن أن يُستَغفَلوا ببساطة- أن تلك الخدمة ليست أداة لأي مقصد آخر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن معاول الهدم ومطارق التخريب تعمل منذ عشرين عامًا، مقترفةً أشدَّ أنواع الظلم وأقسى ضروب التعسف لإفساد الأخلاق، حتى ضاعت الثقة والوفاء، إلى درجة لم يعد يوثق بشخص واحد من كل عشرة أشخاص، بل من كل عشرين شخصًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فتجاه هذه الحالات المحيِّرة لا بد من ثباتٍ عظيم وصلابةٍ تامة ووفاءٍ خالص وغَيرة على الإسلام تفوق كل شيء.. وبخلافه ستبقى خدمةُ الإيمان عقيمةً بائرة، وتكون ضارة؛ بمعنى أن أخلصَ خدمةٍ وأسماها وأهمَّها وأولاها بالتوفيق هي الخدمة السامية التي يعمل فيها طلاب رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ختمة جماعية)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: نبارك لكم ليلة نصف شعبان وشهر رمضان المقبل، ونسأله تعالى أن يجعل ليلة القدر خيرًا لكم ولنا من ألف شهر، ويُدخلها هكذا في سجل أعمالنا.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد عزمنا على أن ندعو حتى العيد بهذا الدعاء: &#8220;اللّٰهم اجعل ليلة القدر في شهر رمضان خيرًا من ألف شهر لنا ولطلبة رسائل النور الصادقين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد قمنا بتوزيع أجزاءِ مصحفين شريفين على كل طالب من طلاب النور الخواص هنا، بحيث يَقرأ كلٌّ منهم يوميًّا جزءًا مخصصًا له، وبهذا تُختَم كلَّ يومٍ -من أيام شهر رمضان المبارك- ختمتان للقرآن الكريم، في مجلسٍ معنويٍّ واسعٍ جدًّا يضم إسبارطة وقسطموني معًا، يتوسطهما طلاب رسائل النور، حيث يَتصور كلٌّ منهم نيّةً جميعَ الطلاب معه.. نسأله تعالى أن يوفقنا في ذلك.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;"> (الاشتراك في الأعمال الأخروية)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بقدرِ حاصلِ ضربِ عاشراتِ دقائقِ ليلة القدر في حروف القرآن.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك بملء روحي ووجداني، وأبتهل إلى أرحم الراحمين تعالى أن يستجيب لدعواتكم التي ترفعونها في هذا الشهر المبارك.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن شهر رمضان لهذه السنة له أهميةٌ جليلةٌ للعالم الإسلامي عامةً ولطلاب النور أيضًا بمضمون دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، ذلك الدستور الأساسي الجاري بين طلاب رسائل النور، فإنّ دخول ما يَكسبه كلُّ طالب من حسناتٍ إلى دفتر حسنات إخوانه كاملةً، هو مقتضى ذلك الدستور والرحمة الإلهية؛ لذا تكون مغانمُ الحسنات عظيمةً جدًّا وكليةً لمن يَدخل دائرةَ رسائل النور بصدق وإخلاص، حيث يَغنم كلُّ واحدٍ منهم ألوفًا من الحصص.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأله تعالى أن يجعل ذلك الاشتراك كالاشتراك في الأموال الدنيوية -ولكن بدون انقسام ولا تجزئة- اشتراكًا كاملًا بدخولها كاملةً في دفترِ حسناتِ إخوانه كدخول ضياءِ مصباحٍ في ألوف المرايا؛ <strong>بمعنى</strong> أن طالبًا من طلاب النور الصادقين إذا ما غَنِم حقيقةَ ليلةِ القدر وتمكّن من كسب المرتبة الرفيعة لشهر رمضان المبارك، نأمل أملًا عظيمًا من سعة رحمته تعالى أن يُملِّك سبحانه جميعَ الطلاب الصادقين تلك الغنيمة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(النساء في طريق النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الأبطال الميامين..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن كل أخ من إخواننا الخواص في هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، بمثابة الملائكة المالكين لأربعين ألف لسان، أي له أربعون ألف لسانٍ معنوي -أي بعدد الإخوة- وذلك بالدستور الأساس، وهو <strong>دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية</strong>، لذا فإن ما يَدْعون أو ما سيدعون من دعوات في هذا الشهر المبارك، نرجو من رحمته تعالى أن يكون مقبولًا بعدد تلك الألسنة؛ فهنيئًا لكم شهركم هذا شهر رمضان الحامل لهذه الماهية الفاضلة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: كان المفروض أن يكون الجواب كتابًا كاملًا لرسائلكم في هذه المرة، تلك الرسائل المتعددة المؤثِّرة السارة الحاملة للبشارات، إلا أن ضيق الوقت حال دون ذلك، فلا تتألموا من الجواب المقتضب.</p>
<p style="text-align: justify;">فللّٰه الحمد ألفَ ألفِ مرة، إن الأمهات المباركات في تلك القرية وسيداتها -قرية ساو-<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup> قد عَرَفْن رسائل النور ويقدرنها حق قدرها، فلقد أبكتْني -وأبكتْنا جميعًا- بكاءَ فرحٍ وسرورٍ التضحيةُ التي بذلتْها أولئك السيدات العزيزات أخواتي في الآخرة المخلصات في نشر رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">من المعلوم أن أهم أساس في مسلك رسائل النور هو الشفقة، وحيث إن السيدات هن معدن الشفقة ومنبعها، فقد كنت أنتظر -منذ مدة- أن تُفهَم ماهية رسائل النور في عالم النساء، والحمد للّٰه فإن السيدات هنا وحوالَينا يعملن عملًا جادًّا وبشوق وفعالية أكثر من الرجال، فأَظهَرنَ أنهن حقًّا أخواتٌ للنساء المباركات في قرية ساو.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذان الأمران الظاهران فألٌ حسنٌ في أن رسائل النور ستسطع وتُنوِّر وتفتح قلوبَ أولئك السيدات معادن الشفقة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الرعاة الشجعان لقرية ساو الذين ينقلون في جعبهم رسائل النور ليستكتبوها، قد أبدَوا تضحيةً وبسالةً كأولئك السيدات هناك، مما يثير الهمم ويَبُثُّ الشوق في هذه المناطق أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا نرغب في معرفة أسماء أولئك السيدات والرعاة كي يدخلوا بأسمائهم الخاصة ضمن الطلاب الخواص.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حادثتان لهما مغزى)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">أبين لكم حادثتين لطيفتين لهما مغزى وبشارة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(مقابلة الذنوب المهاجمة)</h3>
<p style="text-align: justify;">تنبيهٌ يَحمل بشرى وردتْ من خاطرةٍ يائسة، حيث ورد على خاطري في هذه الأيام ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي يختلط بالحياة الاجتماعية، ما إن يَمَسَّ شيئًا إلّا ويجابَه بالآثام والذنوب في أغلب الأحوال، فالذنوب تحيط بالإنسان من كل جهة.. <strong>تُرى كيف تقابِل العبادةُ الخاصة للإنسان وتقواه الخاصة هذه الذنوبَ جميعَها؟ </strong></p>
<p style="text-align: justify;">تأملتُ في هذا التفكير اليائس، حيث تذكرت أوضاع طلاب رسائل النور المندمجين في الحياة الاجتماعية، وفكرتُ في الوقت نفسه في إشاراتٍ قرآنية وبشاراتِ الإمام علي والشيخ الكيلاني حول نجاة طلاب رسائل النور وكونِهم من أهل السعادة.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت في قلبي: كيف يقابِل طالبُ النور بلسانٍ واحدٍ هجماتِ ذنوبٍ تَرِد من ألف جهة، وكيف يتغلب عليها، وكيف ينجو منها؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأخذتني الحيرة، فخطر على قلبي تجاه هذه الحيرة ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إنه حسب الدستور الأساس الجاري بين طلاب رسائل النور الحقيقيين الصادقين، وهو الاشتراك في الأعمال الأخروية، وبسر التساند والترابط الخالص، فإن كل طالب خالصٍ صادقٍ لا يتعبد بلسان واحد، بل بعددِ ألسنةِ إخوانه جميعًا، فيستغفر ربه بعدد تلك الألسنة، ويقابِل الذنوبَ المهاجمة من ألفِ جهةٍ بألوفِ ألوفٍ من الألسنة المستغفِرة العابدة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن طالبًا خالصًا حقيقيًّا متقيًا، يعبد ربه بأربعين ألفٍ من ألسنة إخوته -كالملائكة المسبِّحة بأربعين ألف لسان- سيكون أهلًا للنجاة بإذن اللّٰه، ويكون من أهل السعادة بفضل اللّٰه.. يمتلك هذه العبادةَ الرفيعةَ الكليةَ بدرجةِ وفائه الصادق ضمن دائرة رسائل النور، وعمله الجاد، والتزامه التقوى واجتناب الكبائر.</p>
<p style="text-align: justify;">فلأجل ألّا يُفوَّت هذا الربح العظيم، ينبغي السعي الحثيث في التقوى والإخلاص والوفاء.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(جبة مولانا خالد)</h3>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت في الرابعة عشرة من العمر، وُجِدتْ موانعُ حالت دون قيام أحدٍ من الأساتذة بوضع العمامة ولفّها على رأسي وإلباسي الجبة، كدليل على الشهادة العلمية، كما كانت العادة جارية سابقًا؛ فما كان لبس الجبة الخاصة بالعلماء والكبار يلائم سني الصغير.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: كان العلماء في ذلك الوقت، قد اتخذوا موقف المنافس لي أو التسليم التام، فلم يتمكنوا أن يتقلدوا طور الأستاذ، وحيث إن عددًا من الأولياء العظام قد ارتحلوا من الدنيا، لذا لم يجد أحد في نفسه الكفاءة ليُلبسني الجبة أو يضع على رأسي العمامة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمنذ خمسين سنة كان من حقي هذه العلامةُ الظاهرة لنَيل الشهادة، وهي لبس الجبة وتقبيلُ يد أحد الأساتذة وقبولُه أستاذًا.. ولكنَّ تقديمَ جبة مولانا خالد النقشبندي من بُعدِ مائة سنة مع العمامة الملفوفة بها وإرسالَها إليّ في هذا العام بأسلوبٍ غريبٍ جدًّا لكي ألبسها، قد أورثني قناعة ببعض الأمارات. فأنا ألبس تلك الجبة المباركة التي يبلغ عمرها مائة سنة، وأشكر ربي بمئات الألوف من الشكر والحمد<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مسألتان وردتا إلى القلب)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد وردت في هذه الأيام مسألتان دقيقتان إلى القلب، لم أستطع تدوينهما، إلّا أننا بعد فوات ذلك الأوان نشير إشارة فقط إلى تلك الحقائق المهمة:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(إلى المتكاسل في أذكار الصلاة)</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد قلت لأحد إخواننا الذي أظهر تكاسلًا وفتورًا في قراءة الأذكار بعد الصلاة:</p>
<p style="text-align: justify;">إن تلك الأذكار والأوراد عقب الصلاة هي سنةٌ نبويةٌ مطهرة، وطريقة محمدية شريفة، وهي <strong>أوراد الولاية الأحمدية</strong>، فأصبحتْ أهميتُها من هذه الزاوية عظيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم وَضَّحت حقيقة هذا القول بهذا الشكل: مثلما أن الولاية الأحمدية التي انقلبت إلى الرسالة هي فوقَ جميع الولايات قاطبة، فإن طريقة تلك الولاية الكبرى وأذكارَها عقب الصلاة هي فوق سائر الطرق والأوراد بالدرجة نفسها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم انكشف هذا السر كما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن كل ذاكر في حلقة الذكر، أو في ختمة الذكر في المسجد، يشعر برابطة روحية تربطه بمن حوله، فيُحسون جميعًا بحالة روحية نورانية، فإن ذا القلبِ اليقظ يُحِسُّ إحساسًا روحيًّا كلما سبّح بـ&#8221;سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه..&#8221; بعد الصلاة، أنه في حلقة ذكر مع مائة مليونٍ من المسبّحين الذاكرين، كأنهم بين يدي الرسول (ﷺ)، الذي يترأس تلك الحلقة الذاكرة المترامية الأطراف.</p>
<p style="text-align: justify;">فبهذه الأحاسيس الشاعرة بالعظمة والهيبة والرفعة والعلو يكرر المؤمن: &#8220;سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه عندما يردد &#8220;الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه..&#8221; بأمر معنوي صادر من ذلك السيد الكريم (ﷺ) فإنه يتأمل ويفكر في عظمة تلك الكلمة: (الحمد للّٰه) المنطلِقة من صدور مائة مليون من المردِّدين في تلك الحلقة الواسعة الشاسعة، فيشترك معهم بقوله: &#8220;الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه..&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا، مع كلمة &#8220;اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر..&#8221; ومع &#8220;لا إله إلّا اللّٰه.. لا إله إلّا اللّٰه&#8221; ثلاثًا وثلاثين مرة، حيث يختم الذكر.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد إتمام هذه الأذكار اللطيفة بتلك المعاني والتأمل الأخوي، يتوجه إلى سيد الحلقة الذاكرة، وهو الرسول الكريم (ﷺ)، حاملًا معه تلك المعاني المذكورة مع إخوانه في حلقة الذكر قائلًا: <strong>ألفُ ألفِ صلاةٍ وألفُ ألفِ سلامٍ عليك يا رسول اللّٰه</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أجل، هكذا أحسست، وهكذا فَهمت، بل هكذا رأيت خيالًا، لذلك أقول: إن الأذكار عقب الصلاة، لها أهمية كبرى.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثانية: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(لِمَ تُفضَّل الدنيا على الآخرة؟)</h3>
<p style="text-align: justify;">إن خاصية هذا العصر هي أنها تجعل المرء يفضّل بعلمٍ الحياةَ الدنيا على الحياة الباقية، حتى أصبح تفضيل الزجاج القابل للكسر على الألماس الباقي عن علم، يجري وكأنه دستور وقاعدة عامة.</p>
<p style="text-align: justify;">فكنت أحار من هذا حيرةً شديدة، ولكن أُخطر على قلبي في هذه الأيام الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أنه إذا اشتكى عضوٌ من الجسد تداعى له سائرُ الجسد تاركًا قسمًا من وظائفه، كذلك جهاز الحرصِ على الحياة والحفاظِ عليها والتلذذِ بالحياة وعِشقِها، المندرج في فطرة الإنسان: قد جُرح في هذا العصر، فبدأ يُشْغِل سائرَ اللطائف به لأسباب عديدة، محاولًا دفعَها إلى نسيانِ وظائفها الحقيقية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأيضًا لو كان هناك حفل بهيج جذاب حافل بالسفاهة والسُّكر، لانجذب إليه حتى الذين لهم مقامات رفيعة والنساء المحجبات العفيفات، كما ينجذب الأطفال والسائبون، فيشتركون معًا بجاذبيةِ ذلك الحفل تاركين وظائفهم الحقيقية.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الحياة الإنسانية في هذا العصر، ولا سيما الحياة الاجتماعية؛ فقد اتخذت وضعًا مخيفًا ولكن ذا جاذبية، وحالةٍ أليمة ولكن تثير اللهفة والفضول، بحيث تجعل عقلَ الإنسان وقلبه ولطائفه الرفيعة تابعةً لنفسه الأمارة بالسوء حتى تحوم كالفراش حول نار تلك الفتنة وترديها فيها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، هناك في حالات الضرورة رخصة شرعية في تفضيل الحفاظ على الحياة الدنيوية وترجيحها مؤقتًا على بعض الأمور الأخروية، ولكن لا يمكن تفضيلها بناءً على ضررٍ لا يَلحقه هلاك ولأجل حاجة فحسب، فلا رخصة في هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أن هذا العصر قد غرز حبَّ الحياة الدنيوية في عروق الإنسان، حتى إنه يترك أمورًا دينية ثمينة جدًّا كالألماس لحاجةٍ صغيرةٍ تافهة، أو لئلا يصيبه ضررٌ دنيوي اعتيادي.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا العصر الذي رُفعت منه البركةُ من جراء الإسراف المتزايد وعدمِ مراعاة الاقتصاد، ومن عدم القناعة مع الحرص الشديد، فضلًا عن تزايد الفقر والحاجة والفاقة وهموم العيش، مما سبب جروحًا بليغة في تطلع الإنسان للعيش وفي نزوعه لحفظ الحياة، علاوةً على تشعب متطلبات الحياة المرهِقة، زد على ذلك استمرارَ أهل الضلالة بتوجيه كل الأنظار إلى الحياة.. كلُّ ذلك عمَّق تلك الجروح حتى <strong>دفع الإنسانَ ليفضِّل أدنى حاجة من حاجات الحياة على مسألة إيمانية عظيمة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه لا يَصمد تجاه هذا المرض العجيب لهذا العصر العجيب ولسقمه الرهيب إلّا رسائلُ النور الناشرة لأدوية القرآن المبين التي لها فعل المضاد للسموم. ولا يمكن أن يقاوِم هذا المرضَ العضالَ إلّا طلابُ رسائل النور الأقوياء الثابتون الذين لا يتزعزعون، الخالصون الصادقون المضحون.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا ينبغي الإسراع إلى الالتحاق بدائرة النور والالتزام بها، مع كامل الوفاء والثبات والجدية والإخلاص والثقة، حتى يمكن الخلاصُ من آثار ذلك المرض العجيب الرهيب.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى الإخوة جميعًا فردًا فردًا مع الدعاء لهم بالخير.</p>
<p style="text-align: justify;">يا إخوتي.. إن فعالياتكم ونشاطكم وثباتكم هي بمثابة النابض المحرك لدائرة رسائل النور، بحيث تحفزوننا على الحركة والعمل هنا، وفي أماكن أخرى كثيرة.. ليرضَ اللّٰه عنكم أبدًا.. آمين آمين ألفَ ألفِ آمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الآلام في اللذائذ الظاهرية)</h2>
<p style="text-align: justify;">لمناسبة الرسالة التي كتبتُها لكم قبل بضعة أيام حول غلبة الحياة الدنيوية على الحياة الدينية، ظهر معنًى دقيقٌ جدًّا لقلبي، قد لا يُعبّر عنه بالقلم، ولكني سأشير إليه إشارة في غاية الاختصار:</p>
<p style="text-align: justify;">إنني شاهدت أن ما يَخدع أهلَ الضلالة في هذا العصر العجيب ويجعلهم سكارى ثملين، وما يتلذذون به من لذة ظاهرية في أوضاع فانية، هو في الحقيقة في منتهى الألم، بينما شعرت -بما لا أتمكن من التعبير عنه- أن أهل الإيمان والهداية يتلذذون لذة علوية في نفس الموضع من تلك الأمور والأوضاع الفانية.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد أثبتت رسائل النور في مواضع عدة أن كل شيء معدومٌ لأهل الضلالة سوى الحال الحاضرة، لذا فكل شيء بالنسبة إليهم مليء بآلام الفراق، بينما الماضي والمستقبل وما فيهما موجودان منوَّران لأهل الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد شاهدتُ أن الأوضاع المؤقتة الفائتة لأهل الدنيا معدومة في ظلمات الفناء المطلق، بينما تلك الأوضاع نفسها موجودة لأهل الهداية، لأنني تذكرت بحسرةٍ الأوضاعَ المؤقتة التي مرّت عليّ، وهي أوضاع تَحْمِل لذائذ وأهميةً وشأنًا فاشتقت إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن ما إن ورد على ذهني أن تلك الأوضاع الطيبة فنيَتْ في الماضي، إذا بنور الإيمان يذكّرني أنها باقية من نواحٍ عدة رغم فنائها الظاهري، لأن تلك الأوضاع جلوات أسماء اللّٰه الباقية، فهي باقية في دائرة العلم الإلهي والألواحِ المحفوظة والألواحِ المثالية، فالعلاقات التي تربطنا بتلك الأوضاع يورثها نورُ الإيمان بقاءً ووجودًا فوق الزمان، فيمكنك مشاهدة تلك الأوضاع من نواحٍ عديدة كثيرة وكأنها سينما معنوية كثيرة بل يمكنك الدخول فيها. فقلت: &#8220;مادام اللّٰه موجودًا فكل شيء موجود إذن&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا الكلام الذي أصبح مضربَ المثل يمثِّل حقيقةَ: &#8220;من كان للّٰه تعالى كان له كلُّ شيء، ومن لم يكن له، كان عليه كل شيء، فكل شيء معدوم له&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن الذين يفضلون درهمًا من لذة تحمل آلامًا وحسرات وظلمات على أضعافها من اللذائذ التي لا تحمل ألمًا في الموضع نفسه، لا شك أنهم سيقابِلون -بما يخالف مقصودهم- الألمَ في موضع اللذة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(خدمة الإيمان فوق كل شيء)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن طلاب رسائل النور الحقيقيين يَرَون خدمة الإيمان فوق كل شيء، بل حتى لو مُنحوا درجة القطبية يرجِّحون عليها خدمة الإيمان حفاظًا على الإخلاص.</p>
<p style="text-align: justify;">نحن طلاب رسائل النور: وظيفتُنا الخدمةُ، خدمةُ الإيمان والقرآن، وعدمُ التدخل في أمور اللّٰه، وعدم بناء خدمتنا على تلك الأمور الذي مما يومئ إلى ما يشبه التجربة والاختبار، فضلًا عن أننا نهتم بالنوعية دون الكمية.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أدت أسبابٌ رهيبةٌ منذ سالف الزمن إلى تدهور الأخلاق، واستحبابِ الدنيا على الآخرة وتفضيلِها عليها في كل شيء؛ فضمنَ هذه الأحوال المحيطة، فإن فتوحات الإيمان التي تكسبها رسائل النور حتى الآن، وكسرَها لصولة الزنادقة وهجوم الضلالة، وإنقاذَها إيمانَ مئات الألوف من الناس المنكوبين، وتربيتَها مئاتٍ بل ألوفَ المؤمنين الحقيقيين الذين يعادل كلّ منهم مائة وألف من غيرهم، أثبتت إثباتًا قاطعًا بحوادث واقعية -وستثبت بإذن اللّٰه في المستقبل- إخبارَ المخبر الصادق (ﷺ) وصدّقته تصديقًا فعليًّا؛ وقد ترسخت في العروق إلى درجة لا يمكن لأي قوة كانت أن تجتثها بإذن اللّٰه من صدر الأناضول، حتى يأتي بإذنه تعالى في آخر الزمان أصحابُها الحقيقيون في الدائرة الواسعة للحياة، أي السيد المهدي وطلابه، فيوسِّعون تلك الدائرةَ وتتسنبل البذورُ المزروعة، فنشاهد نحن ذلك المشهد من قبورنا ونشكر ربنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ورطة المتدينين)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيّق عليه مواردَها، وحوّل حاجاته غيرَ الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضًا، ومن التمسك بعادات مستحكِمة فيهم، حتى جعل الحياةَ والمعاشَ هي الغاية القصوى والمقصَد الأعظم للإنسان في كل وقت.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجابًا دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جَعَلها أمرًا ثانويًّا أو ثالثيًّا بالنسبة له، لذا جوزي الإنسان على خطأه هذا بلطمة قوية شديدة حوَّلت دنياه إلى جحيم لا تطاق.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا يتورط المتدينون أيضًا في هذه المصيبة الرهيبة، ولا يَشعر قسم منهم أنهم قد وقعوا في الورطة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأذكر مثالًا: رأيتُ عددًا من الأشخاص -من أهل التقوى- يَرغبون في الدين ويحبون أن يقيموا أوامره كي يوفَّقوا في حياتهم الدنيوية ويفلحوا في أعمالهم، حتى إن منهم مَن يطلب الطريقة الصوفية لأجل ما فيها من كرامات وكشفيات؛ بمعنى أنه يجعل رغبته في الآخرة وثمارها تَكِئَةً ومرتبة سُلّمٍ للوصول إلى أمور دنيوية، ولا يَعلم هذا أن الحقائق الدينية التي هي أساس السعادة الدنيوية كما هي أساس السعادة الأخروية، لا تكون فوائدُها الدنيوية إلّا مرجِّحة ومشوِّقة، فإذا ارتقت تلك الفائدة إلى مرتبة العلة لِعَمَلِ البر فإنها تبطله، وفي الأقل يَفسُد إخلاصُه ويَذهب ثوابُه.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ثبت بالتجربة أن أفضل منقذٍ مِن ظلم هذا العصر المريض الغادر المشؤوم ومن ظلماته الدامسة، هو النور الذي تُشِعُّه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة.. يَشهد على صدق هذا أربعون ألف شاهد.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن القريبين من دائرة رسائل النور إن لم يدخلوها، فهناك احتمال قوي على وقوعهم في الخطر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا العصر قد جعل حتى المسلمين يستحبّون الحياة الدنيا ويرجّحونها على الآخرة، على علم منهم ورغبة فيهم، كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مصير الأبرياء من الكفار في البلايا)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لقد مَسَّ مسًّا شديدًا مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس.. ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى أن هذه المصائب وأمثالها تنطوي على نوع من الرحمة والمُجازاة -حتى على الكافر- بحيث تُهَوِّن تلك المصيبةَ، فتظل هيّنة بسيطة بالنسبة إليهم، وأصبح هذا التنبيه مرهمًا شافيًا لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئًا عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى -التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صغارًا وإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، مِن أي دين كانوا، فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يُهوِّن عليهم تلك المصيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فإن كانوا أبرياء مظلومين، فلهم جزاءٌ عظيم ربما ينجيهم من جهنم، لأن الدين -ولا سيما الإسلام- يُستَر بستار اللامبالاة بدرجةِ &#8220;الفترة&#8221; في آخر الزمان، وأن الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام سيَحكم ويتكاتف مع الإسلام، فيمكن القول بلا شك: إن ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام، والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات &#8220;الفترة&#8221;، وما يقاسونه من الويلات، تكون بحقهم نوعًا من الشهادة، ولا سيما الكهول وأهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد بلغني من الحقيقة أن تلك النكبات والويلات كفارةٌ بحقهم من الذنوب النابعة من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم، ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبهذا وجدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذِّب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ اللّٰه شكرًا لا نهاية له.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أولئك الظالمون الذين يُسَعِّرون نار تلك الفتن والنكبات، أولئك السفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها إشباعًا لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إن كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يُهرعون إلى نجدة المظلومين، ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا بد أن النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرةٌ جدًّا، بحيث تَجعل تلك الويلات بحقهم مدار شرف واعتزاز لهم، بل وتُحبّبها إليهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(العمل لأسس الإسلام أَولى)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أرسلتُ في هذه الأيام برفقة طلابي الأعزاء رسالتين تخصان &#8220;الرموز الثمانية&#8221;، أرسلتهما إلى مكان ما، إلّا أن الطريق انسدّ، فلم تُرسَلا، فكررت مطالعتهما بدقة.</p>
<p style="text-align: justify;">وساءلتُ فكري: تُرى لماذا أُسدِل الستار أمام هذا المسلك الذي يتسم بالتوافقات والذوق والجمال والاهتمام واللطف-بحساب الجُمّل بالأبجدية والجفر- ووُجّهنا إلى سلوك طريق آخر واستُعملنا فيه؟</p>
<p style="text-align: justify;">فأُخطر على قلبي فجأةً: إن الانشغال بذلك المسلك الذي يَفتح مغاليق تلك الأسرار الغيبية يُلحق الضرر بالعمل لأسس الإسلام؛ فهذا العمل هو أهم من ذلك المسلك وأثمنُ منه وأقوَم، وهو محور الحاجة العامة ويَسد الحاجة الماسة للجميع بالعمل لأسس الإسلام، وهو خدمةُ خزينةِ الحقائق الإيمانية والاستفادة منها. ولهذا وُجِّهنا إلى سلوك هذا الطريق، لأن الانشغال بذلك المسلك يجعل المرء يَدَع أعظم المقاصد وأجلَّها -وهي الحقائق الإيمانية- في درجة تالية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(المقصد الأول هو الحقائق الإيمانية)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لمناسبةِ تَلَقي أحد إخوتنا الصادقين المدققين في هذه الأيام صفعةَ تأديب طفيفةً من جراء عدم أخذه بالحذر، ولمناسبة استفسار &#8220;فيضي&#8221; و&#8221;أمين&#8221; وأخذهما الحيرة من اتخاذي طور عدم الرغبة في تلقي أي خبر عن أحوال العالم وأخبار السياسة والحرب، وعدم الاهتمام بها في غضون هذه الشهور الأربعة رغم علاقتي بها بِقَدَر آلاف الأشخاص.. فأقول: لهذه المناسبات، لزم أن أبحث ولو جزئيًّا عن حقيقة طالما بحثت عنها وبينتها كثيرًا، وهي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">بينما ينبغي أن تكون الحقائق الإيمانية أولَ مقصَدٍ وأسبقَه في هذا الزمان، وأنْ تبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي أن تكون خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور أجَلَّ وظيفة، وموضعَ اهتمامٍ ولهفة، ومقصودةً بالذات، إلّا أن أحوال العالم الحاضرة، ولا سيما الحياة الدنيوية، ولا سيما الحياة الاجتماعية، والحياة السياسية خاصة، وأخبار الحرب العالمية بالأخص -التي هي تجلٍّ من تجليات غضب اللّٰه النازل عقابًا لضلالة المدنية الحاضرة وسفاهتها- والتي تستميل الناسَ إلى جانبها وتُهيِّج الأعصابَ والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكَّنتْ فيه الرغباتِ الفاسدة المضرة بدلًا من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمور وما زال، ولقّحهم بأفكاره وما زال، بحيث جعل العلماءَ الذين هم خارج دائرة رسائل النور، بل بعضَ الأولياء يُنزلون حكمَ الحقائق الإيمانية إلى الدرجة الثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيُولُون حبَّهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم، حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.</p>
<p style="text-align: justify;">فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، <strong>فإن خدمة رسائل النور والانشغالَ بها قد أسقطا من عيني التياراتِ السياسية الحاضرة</strong>، إلى درجة لم أهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن طلاب رسائل النور الخواص -وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة- لا ينبغي لهم أن يورثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين، ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم؛ فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النورَ والمهمة النورانية، وأعطاهم لعبًا مُظلِمةً ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يَمُدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية، فمن الخطأ التنزلُ إلى مشاهدة لعبهم المظلمة على حساب وظيفتنا، فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان لنا.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى الأخوة جميعًا فردًا فردًا، ونهنئهم بعيدهم السعيد.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الحاجة إلى رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن مباشرة هؤلاء الشيوخ الطيبين الأميين بالكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر، وتفضيلَهم لها على أي شيء آخر لأجل خدمة رسائل النور، وكذا تلقّي أولئك الأطفال الأبرياء الدرس من رسائل النور، وما استنسخوه من رسائل.. إن سعي هؤلاء جميعًا سعيًا جادًّا في هذا الزمان <strong>لَيبين بوضوح أن رسائل النور فيها من الذوق المعنوي والنور الجاذب</strong> بحيث تعجز الوسائل المستعملة في المدارس لحث التلاميذ على القراءة والكتابة أمام هذا الذوق والانشراح والسرور الذي تمنحه رسائل النور، حتى تدفعُ أولئك الأطفال والشيوخ إلى هذا العمل الجاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا تُبين هذه الحالة أن رسائل النور تترسخ، ولن يقتلعها أي شيء كان بفضله تعالى، بل ستدوم إلى الأجيال المقبلة بإذنه تعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">إن سعي هؤلاء الشيوخ الأميين ضمن دائرة رسائل النور كهؤلاء التلاميذ الأطفال الأبرياء وقسمٍ من الرعاة، وفي هذا الزمان بالذات وتحت هذه الظروف العصيبة، وتفضيلَهم ذلك السعي على أي شيء آخر، يبين أن الحاجة إلى رسائل النور في هذا الزمان أكثر من الحاجة إلى الخبز، بحيث إن الفلاحين والرعاة يرون الحاجة الضرورية في حقائق رسائل النور أكثر من الحاجات الدنيوية الضرورية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ما تُكسبه رسائل النور طلابَها)</h2>
<p style="text-align: justify;">حقيقة كُتبت لإخواني في قسطموني، بعثتُها إليكم علّها تفيدكم:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذي تطلبه رسائل النور ثمنًا لما تُكسِبه طلابَها الصادقين الثابتين من مغانم ومكاسب عظيمةٍ جدًّا ومن نتائج عظيمةٍ جليلة هو: الوفاء الخالص الكامل والثبات الدائم الذي لا يتزعزع.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الإيمان التحقيقي الذي يمكن أن يُكسَب خلال خمس عشرة سنة، تُكسبه رسائلُ النور في خمسة عشر أسبوعًا، وإلى بعضهم في خمسة عشر يومًا.. يَشهد على هذا عشرون ألفًا من الشهود بتجاربهم في غضون عشرين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا تُكسِب رسائلُ النور كلَّ طالبٍ من طلابها ثوابَ ألوفِ الدعوات الخالصة المقبولة التي تَلهج بها ألسِنَةُ الطلاب كل يوم، وكذا الأعمال الصالحة التي أنجزها ألوفٌ من أهل الصلاح والتقوى، وذلك حسب دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.</p>
<p style="text-align: justify;">والدليل على أنها تجعل كلَّ طالبٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ -من حيث العمل- في حكم ألوف الأشخاص: ما ورد من الإخبارات الثلاثة ذاتِ الكرامة عن الإمام علي رضي اللّٰه عنه وكراماته الغيبية، وكذا بشاراتُ الشيخ الكيلاني (قُدس سره) وتقديرُه للعاملين، وإشاراتُ القرآن المبين من أن أولئك الطلاب الخالصين يكونون من أهل السعادة ومن أهل الجنة؛ فتلك الإشارات والبشارات دليل وأيّ دليل.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كسبًا كهذا يستحق ذلك الثمن بلا شك.</p>
<p style="text-align: justify;">وما دامت الحقيقة هي هذه، فينبغي للقريبين من دائرة رسائل النور من أرباب العلم وأهل الطريقة وأصحاب المشارب الصوفية الانضمامُ إلى تيار النور، ليُمدّوه بما لديهم من رأسمال سابق، والسعيُ لتوسيع دائرتها، وحثُّ طلابها، وبثُّ الشوق في نفوسهم، وإذابةُ الأنانية وإلقائها كقطعة ثلج في حوض الماء السلسبيل للجماعة ليغنم ذلك الحوض الكوثري كاملًا؛ وإلّا فمن يفتح نهجًا جديدًا ويسلك طريقًا آخر، يضرّ هذه الجادة القرآنية المستقيمة القويمة من دون أن يشعر، ويتضرر هو بنفسه أيضًا، بل قد يكون عملُه نوعًا من العون للزندقة دون شعور منه.</p>
<p style="text-align: justify;">حذار.. حذار.. أيها الإخوة من أن تقذفكم التيارات الدنيوية، ولا سيما السياسية منها، ولا سيما التيارات التي تلفت الأنظار نحو الخارج: إلى التفرقة، إذ تجعلكم بعد ذلك عاجزين ضعفاء أمام الفرق الضالة المتحدة.. فحذار أن يجري فيكم حُكم ذلك الدستور الشيطاني والعياذ باللّٰه: &#8220;الحب في السياسة والبغض في السياسة&#8221;، بدلًا من الدستور الرحماني: &#8220;الحب في اللّٰه والبغض في اللّٰه&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، إذ عندها تعادون أخًا لكم هو في الحقيقة كالمَلاك، وتُولُون الحب لرفيقٍ في السياسة وهو كالخناس، وتُبدون الرضا لظلمه، وتشاركونه في جنايته ضمنًا. فحذار حذار من هذا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن السياسة الحاضرة تفسد القلوب، وتدع الأرواح الحساسة في عذاب، فالذي يَروم سلامة القلب وراحة الروح عليه أن يترك السياسة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كل إنسان في الوقت الحاضر، على الكرة الأرضية قاطبة، له نصيبه من المصائب الجارية إما قلبًا أو روحًا أو عقلًا أو بدنًا، ويعاني من العذاب والرهق ما يعاني، ولا سيما أهل الضلالة والغافلين؛ حيث إنهم غافلون عن الرحمة الإلهية الشاملة والحكمة السبحانية الكاملة. فمن حيث إنسانيتُهم وعلاقتهم بالبشرية يتعذبون بالآلام الرهيبة المفجعة التي تعانيها البشرية في الوقت الحاضر، فضلًا عن آلامهم أنفسهم، ذلك لأنهم قد تركوا وظائفهم الحقيقية وأمورهم الضرورية وأعاروا سمعهم بلهفة إلى ما لا يَعنيهم من صراعات سياسية وشؤون آفاقية، وحوادثَ خارجة عن طوقهم، ويتدخلون فيها حتى جعلوا أرواحهم حائرة وعقولهم ثرثارة، وسَلبوا من أنفسهم لياقة الإشفاق والرثاء عليهم حسب قاعدةِ &#8220;<strong>الراضي بالضرر لا يُنظر له</strong>&#8220;، أي من يرضى لنفسه بالضرر لا يستحق النظر إليه برحمة، فلا يُرثى لهم ولا يُشفَق عليهم، فهم الذين قد سبّبوا نزول البلاء بهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أخال أنه في خضم هذه الأهوال والحرائق التي نشبت في الكرة الأرضية: <strong>لا يَقدر على الحفاظ على سلامة قلبه وراحة روحه إلّا أهلُ الإيمان وأهل التوكل والرضى الحقيقي</strong>، ومنهم أولئك الذين انضموا إلى دائرة رسائل النور بوفاء تام، فهم مصانون من تلك الأهوال أكثرَ من غيرهم، وذلك لأنهم يرون أثر الرحمة الإلهية وزبدَتها ووَجهَها في كل حادثة وفي كل شيء، لمشاهدتهم الأمور بمنظار نور دروس الإيمان التحقيقي الذي تلقَّوه من رسائل النور. فهم يشاهدون في كل شيء كمال حكمة اللّٰه، وجمال عدالته، لذا يجابهون المصائب -التي هي من إجراءات الربوبية الإلهية بالبشر- بالتسليم التام لأمر اللّٰه، فيُبدون الرضى به، ولا يقدِّمون شفقتهم على الرحمة الإلهية كي يقاسوا العذاب والألم.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا بناء على هذا، فالذين يريدون تذوق السعادة واللذة حتى في الحياة الدنيوية -فضلًا عن الحياة الأخروية- يمكنهم أن يجدوها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنبيهان نابعان من خاطرتين وردتا في هذه الأيام:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: لقد فكرت في السيدات اللائي انتسبن إلى رسائل النور في هذه المدينة، إنهن ثابتات لا يهزّهن شيء كغيرهن من الناس، وإذا بهذا الحديث &#8220;عليكم بدين العجائز&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> أُخطر على قلبي، أي: عليكم باتباع الدين الخالص والعقيدة الراسخة التي لدى العجائز في آخر الزمان.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن العجائز من السيدات ضعيفاتٌ وذواتُ حسٍّ مرهف وعطف وحنان، لذا فهن أكثر حاجة من غيرهن إلى ما في الدين من سلوان ونور يفيض بالشفقة، وإلى التفاتة رحمانية تتقطر بالرحمة، وإلى نقطة استناد ونقطة استمداد، الموجودة كلها في الدين، فالثبات الكامل من مقتضى فطرتهن؛ لذا فإن رسائل النور التي تفي بتلك الحاجة إيفاءً تامًّا في الوقت الحاضر، تجد الانشراح في أرواحهن وتستقر في قلوبهن أكثر من أي شيء آخر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>التنبيه الثاني</strong>: لقد جاءني أشخاص مختلفون عديدون في هذه الأيام، حسِبتُهم قد أتوني لأمور الآخرة، ولكن فهمت أنهم قد أتوني للاستشارة والدعاء لهم بالتوفيق في أمور التجارة، أو يراجعونني لرفع الكساد وعدمِ التوفيق في أعمالهم، ولينجوا من الخسارة والأضرار.</p>
<p style="text-align: justify;">ففكرت: ماذا أعمل مع هؤلاء وماذا أقول لهم؟</p>
<p style="text-align: justify;">فخطر على القلب فجأة: لا تكن أبلَهَ، ولا تتكلم ببلاهة، فتَدَعهم في بلاهتهم؛ لأن الوحيد الذي أُلقيتْ عليه مهمةُ تحضيرِ مضاداتٍ لسموم الثعابين وهو منهمك بدفعها عن الناس، لو ترك مهمته وسعى لدفع الذباب ممن هو بين الثعابين ومعرَّض لهجمات الذباب &#8211; مع وجود معاوِنين له كثيرين لدفع الذباب &#8211; إنما هو أبله بلا شك، والذي يستنجد به أبله أيضًا، وتلك المحاورة أيضًا محاورة بلهاء.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الأضرار الطفيفة المؤقتة للحياة الدنيوية الفانية القصيرة بالنسبة للحياة الأخروية الخالدة إنما هي كلسع الذباب، بينما أضرار الحياة الأخروية هي كلدغ الثعابين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مسائل ستة أشخاص)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: center;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد كلمات القرآن وحروفه.</p>
<p style="text-align: center;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين.. ويا إخواني الأقوياء النشطين الثابتين في خدمة القرآن..</p>
<p style="text-align: center;">لقد أصبح ستة أشخاص -النجار أحمد في البدء وآخرهم أنا- مدارًا لمسائل، كلٌّ على حده بناء على إخطار معنوي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الأول</strong>: في رسالة النجار أحمد، وهو الفعال والنشط جدًّا من طلاب رسائل النور ومدرستِها، يذكر أنه:</p>
<p style="text-align: center;">أتى صبي صغير بريء يبلغ العاشرة من العمر، من قرية على مسافة يومين، تاركًا قريته وماله، وَوُفِّق إلى كتابة رسائل النور في عشرة أيام، مع أنه لم يَسبق له الكتابة من قبل؛ فكما أن هذا كرامة لرسائل النور، فهو زهرة خارقة لطيفة للمدرسة النورية.</p>
<p style="text-align: center;">نعم، ونحن نقول أيضًا: كما أن انفتاح الأزهار الجميلة في شتاء مادي قارس، حادثة خارقة للقدرة الإلٰهية، فإنّ تفتُّح ألفِ زهرة لطيفة جميلة وثمارِ الجنة في شجرة ساو -أي قرية ساو- في الشتاء المعنوي الرهيب لهذا العصر، لا شك أنه معجزةُ رحمةٍ وكرامةُ عنايةٍ ربانيةٍ لهذه البلدة، وإكرامٌ إلهيّ خارق لطلاب النور. نحن نعتقد هكذا ونتضرع إليه تعالى ونتوجه له بالشكر العميم.</p>
<p style="text-align: center;">وجاء في رسالة النجار أحمد: إن الطلاب النشطين في القرية يُذكِّرون بالطلاب المضحين القدماء الناشئين في المدارس الشرعية القديمة، مما منحنا وطلاب النور سرورًا بالغًا.</p>
<p style="text-align: center;">إنه لجميل جدًّا تلك المعاونةُ المعنوية التي تقدمها سيدات المدرسة النورية وطالباتها بأورادهن القرآنية وأذكارهن وبدعواتهن لأصحاب الأقلام الساعية للاستنساخ، وفي هذا إرشاد للسيدات في هذه المناطق.</p>
<p style="text-align: center;">ليرضَ اللّٰه أبدًا عنهم وعنهن وعن جميع طلاب تلك المدرسة وعن أساتذتهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الشخص الثاني ومسألته</strong>: قال لي يومًا أحد طلبة النور من الشباب الحافظ للقرآن الكريم مثل ما يقوله الكثيرون: يزداد عندي مرض النسيان يومًا بعد يوم، فماذا أفعل؟</p>
<p style="text-align: justify;">قلت: لا تنظر نظر الحرام ما استطعت، لأن &#8220;النظر الحرام يورث النسيان&#8221; كما يروى عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن النظر الحرام كلما ازداد بين المسلمين ثارت شهواتُهم النفسانية، فيتولد منها الإسراف والإفراط، حتى قد يضطر المرء إلى الاغتسال عدّة مرات في الأسبوع الواحد، مما يَنجم عنه ضعفٌ في قوة الحفظ كما هو معلوم لدى الطب.</p>
<p style="text-align: justify;">ومما جعل انتشار مرض النسيان هذا عامًّا شاملًا للجميع هو شيوع التبرج والتكشف في هذا العصر، ولا سيما في بلدان المناطق الحارة، مما سبّب كثرةَ النظر الحرام الذي يولد الإسراف والإفراط، حتى تجدُ الجميع يشكون من النسيان، كلٌّ على قدر إصابته به.</p>
<p style="text-align: justify;">ولعل طرفًا من تأويل الحديث الشريف الذي أنذر عن نزع القرآن الكريم من الصدور في آخر الزمان، يتحقق بازدياد هذا المرض. بمعنى أن هذا المرض سيشتد وطؤه، ويحُول دون حفظ القرآن الكريم، فيتحقق عندئذ تأويل الحديث. ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الشخص الثالث ومسألته</strong>: إنه شخص ذو علاقة وطيدة معنا، يشكو مُرَّ الشكوى في أغلب الأوقات طالبًا العون وقائلًا: لا أستطيع أن أصبح رجلًا بمعنى الكلمة، بل فسدتُ وتضعضعت كلما مرّ الزمان، فلا أستطيع أن أرى نتائج خدماتي المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;">ونحن نقول له: <strong>إن هذه الدنيا دار عمل وليس موضع أخذ الأجرة</strong>، فثواب الأعمال الصالحة وثمراتُها وأنوارُها تُمنح في البرزخ والآخرة. وإن جلبَ تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلبَها في هذه الدنيا يعني جعل الآخرة تابعة لهذه الدنيا، وعندها ينثلم إخلاص تلك الأعمال الصالحة ويَذهب نورُها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الثمرات لا تُطلب ولا تُنوى قلبًا، بل يُشكر عليها إذا ما مُنحت للحث.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا العصر -كما ذكر في بضع رسائل- قد غرز حبَّ الحياة الدنيوية في الإنسان وأجراه في عروقه فجَرَحَه جروحًا بالغة، حتى إن شيخًا هرمًا وعالمًا وتقيًّا صالحًا يطلب أذواق الحياة الأخروية في الدنيا، لجريان حكم الأذواق الحياة الدنيوية فيه أولًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرابع</strong>: شخصٌ له علاقة مَعَنا يشكو كالكثيرين، أنه فقد أذواقه وأشواقه التي كان يجدها في أوراده سابقًا عندما كان منتسبًا إلى الطرق الصوفية، والآن يغلب عليه النوم والضيق.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلنا له: كما أن الفساد الذي يعتري الهواء يُولِد ضيقًا في الإنسان، ولا سيما فيمن له حساسية في الصدر، كذلك يَفسُد الهواء المعنوي أحيانًا، ولا سيما في هذا العصر الذي ابتعد عن المعنويات، ولا سيما في البلدان التي شاعت فيها الأهواء النفسانية والشهوية، ولا سيما بعد انقضاء الشهور الثلاثة المحرمة والشهور الثلاثة المباركة التي يتصفى فيها الهواء المعنوي بصحوة العالم الإسلامي وتوجُّهِ عموم الناس إلى اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">وبانقضاء تلك الشهور وتوقُّف ذلك التوجه العام تجد الضلالاتُ الفرصةَ سانحة، للتأثير على إفساد الهواء، وخاصة تحت رزح مضايقات وصعوبات فصل الشتاء -إلى حدٍّ ما- يقل تسلط النوازع النفسانية وهجوم الدوافع الشهوانية عند أهل الإسلام والإيمان، مما يسوقهم للعمل باشتياق للحياة الأخروية.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بمجيء الربيع وعند ظهور الدوافع النفسانية والشهوانية، يضمحل الاشتياق والعمل للحياة الأخروية، وبدلًا من اشتياق وتذوق هذه الأوراد القدسية، يخيم الخمول والفتور.</p>
<p style="text-align: justify;">بَيد أن الأعمال الصالحة والأمور الأخروية التي ترافقها المشقات والمصائب والمضايقات -رغم فقدها للأذواق- هي أسمى وأجزل ثوابًا، حسب مضمونِ: &#8220;خير الأمور أَحمزُها&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup> لذا ينبغي للإنسان الشكر مسرورًا ومتجملًا بالصبر، لأمله في زيادة الثواب من خلال ذلك الضيق والمشقات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الخامس</strong>: يُبرر أحد طلاب النور عدمَ سعيه لرسائل النور لازدياد هموم العيش.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلنا له: <strong>لأنك لا تسعى لرسائل النور ازدادت عليك همومُ العيش</strong>، لأن كل طالب في هذه المناطق يعترف -وأنا كذلك أعترف- أنه كلما سعينا لرسائل النور وجدنا السهولة في الحياة، والانشراح في القلب، واليسر في المعيشة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السادس</strong>: هو هذا السعيد الضعيف. إن ما ينشرح له كل الناس ويرغبون به ويطلبونه من الاحترام والتوقير والمحبة والمجالسة -خارج نطاق رسائل النور- ثقيلٌ عليّ وأتألم منه ويولِد فيَّ الإزعاج.</p>
<p style="text-align: justify;">وأظن أن المزايا الرفيعة لرسائل النور والخصال الراقية جدًّا لشخص طلابها المعنوي لو وضعت -تلك المعاني الضخمة كالجبال- على كاهلِ شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ مثلي قد بالغ في سلوك طريق العجز، فإنه ينسحق تحتها وينقبض من تلك الأمور.. هكذا فهمتُ.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الراجي دعواتكم والمشتاق إليكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(العلاج الوحيد: رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لا تتألموا من حادثة التعرض لنا التي وقعت حديثًا، لأن <strong>رسائل النور تحت العناية الإلهية،</strong> وثبت بتجارب عديدة، أنه لم يحدث لحدّ الآن أن نَجَت طائفةٌ من الطوائف العاملة في خدمات جليلة بمشقات قليلة مثلنا.</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا وليعلم أولئك أيضًا: كما أن الصدقة تدفع البلاء، فإن رسائل النور وسيلةٌ لدفع الآفات السماوية من الأناضول ورفعِها، ولا سيما من إسبارطة وقسطموني.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن رسائل النور سبب من أسباب نجاة الأناضول من مهالك الكرة الأرضية وعقابها، وكأنها سفينة نوح عليه السلام، بحيث جعلت الأناضولَ في حكم &#8220;الجودي&#8221;، لأن الطغيان الناشئ من ضعف الإيمان يجلب المصيبة العامة على الأكثر.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائل النور التي تقوّي الإيمان، أصبحت وسيلة من الرحمة الإلٰهية لدفع تلك المصيبة العامة خارج دائرتها؛ فهؤلاء، أهل الدنيا وأهل الأناضول، عليهم ألّا يتعرضوا لرسائل النور حتى ولو لم ينخرطوا فيها، فلو تعرضوا لها فعليهم أن يفكروا بنشوب الحرائق وحدوث الطوفان وانتشار الطاعون المنتظر قريبًا، وليعودوا إلى رشدهم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنا لا نتعرض لدنياهم، فهناك احتمال قوي في نزول البلايا عند تعرضهم -إلى هذا الحد وبلا مبرر- لآخرتنا.</p>
<p style="text-align: justify;">ألا فليعلم أهل السياسة علمًا قاطعًا رغم أننا لا علاقة لنا بهم: أن <strong>العلاج الوحيد</strong> لإنقاذ الأمة في هذه البلاد وفي هذا العصر من الفوضى والإرهاب ومن التردي المريع والتدني الرهيب <strong>هو أسس رسائل النور</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وليعلم أولئك الأبرياء -وأساتذتهم- الذين تعرضوا لمضايقات من جراء هذه الحادثة، أن الذي يرابط تحت ظروف صعبة، ينال ثواب عبادة سنة، وأنّ ساعةَ تفكّرٍ إيمانيّ حقيقي في حكم سنة من الطاعة.</p>
<p style="text-align: justify;">فنسأله تعالى أن تنال مضايقاتهم مثل هذا الثواب، لذا عليهم أن يقابلوا أمثال هذه الحوادث بالفرح والسرور بدلًا من القلق والتألم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن)</h2>
<p style="text-align: justify;">جاءني موظف مسؤول له علاقة معنا ومع السياسة، ومنشغل بمراقبتنا كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت له: إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم أقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لم أسأل ولو مرة واحدة عما يحدث في العالم، ولم أستمع إلى الراديو الذي يُسمَع هنا منذ ثلاث سنوات.. كل ذلك كي لا يَلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.</p>
<p style="text-align: justify;">والسبب في ذلك هو أن <strong>خدمة الإيمان وحقائقِ الإيمان هي أجَلّ من كل شيء في الكون،</strong> فلا تكون أداة لأي شيء كان؛ فإن <strong>خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كليًّا من السياسة</strong>؛ حيث إن أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا، ويستبدلون بالألماس القطعَ الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد، وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنتم يا أهل السياسة والحكومة.. لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق أمامنا، لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة، وتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب، فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حول آثار سعيد القديم والجديد)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد اطلعت في هذه الأيام على الرسائل التي أتى بها &#8220;صلاح الدين&#8221; من إسطنبول، وهي: &#8220;حَبة، قطرة، شمة، حباب&#8221; وأمثالها من الرسائل باللغة العربية، فرأيت أن الحقائق التي شاهَدها مباشرةً سعيدٌ الجديد في سيره القلبي هي بمثابة نَوًى لرسائل النور، علمًا أن هذه الرسائل -علاوةً على &#8220;شعلة&#8221; و&#8221;زهرة&#8221;- هي أجزاء عربية من رسائل النور، ولكن ذُكرتْ فيها الحقائق بعبارات موجزة وبالعربية، لأنها تخاطب نفسي بالذات، فلم يُتخذ غيرها بنظر الاعتبار.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قدّرها بإعجاب واستحسان في ذلك الوقت كلٌّ من شيخ الإسلام وأعضاءِ دار الحكمة الإسلامية وكبارِ علماء إسطنبول.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الرسائل لأنها من آثار سعيد الجديد، فهي أجزاء من رسائل النور؛ أما من آثار سعيد القديم فإن كتاب &#8220;إشارات الإعجاز&#8221; فقط قد تبوأ موقعًا مهمًّا في رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن رسالة &#8220;اللوامع&#8221; التي اشترك السعيدان في تأليفها بين هلالَي شهر رمضان، والتي اتخذت شكلًا شبيهًا بالمنظوم -خارج إرادتي- هي الأخرى يمكن أن تدخل ضمن رسائل النور، إلّا أنني -مع الأسف- لم أتمكن من الحصول ولو على نسخة منها، حيث نفدت نسخها المطبوعة لكثرة الإقبال عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن لسعيد القديم رسالة &#8220;قزل إيجاز&#8221; في المنطق، وهي مترشحة من رسالة &#8220;تعليقات&#8221; غير المطبوعة، وهي رسالةٌ بديعة في المنطق، حتى تَحَيَّر منها العلماء الفطاحل، فساقتهم إلى الإعجاب والاهتمام، فرأيت أنها جديرة بلفت أنظار العلماء من طلاب رسائل النور إليها وبيان مدى ارتباطها برسائل النور، إلّا أنها عميقة الغور جدًّا، وقد درَّستُ &#8220;فيضي&#8221; منها في هذه الأيام، ولربما سيكتب &#8220;فيضي&#8221; ذلك الدرس بالتركية في الأيام المقبلة لإفادة الآخرين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(دور الجوع في فتنة آخر الزمان)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين ووارثيَّ الحقيقيين..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطر على قلبي في هذه الأيام -باسم طلاب رسائل النور- سؤال معنوي في غاية الأهمية والقلق، ثم أدركتُ أن ألسِنة أحوال أكثر طلاب رسائل النور تسأل السؤال نفسه وستسأله، وفجأةً ورد جوابٌ إلى الخاطر قلته لفيضي، فقال: في الأقل نسجله مجملًا.</p>
<p style="text-align: justify;">والسؤال المقلق هو: يُفهَم من الروايات أن الجوع سيؤدي دورًا مهمًّا في فتنة آخر الزمان هذه، وأن أهل الضلالة يحاولون بهذا التجويع إغراقَ أهل الإيمان الضعفاء الجائعين في متطلبات هموم العيش، حتى يُنَسُّوهم مشاعرهم الدينية أو يجعلوها في المرتبة الثانية أو الثالثة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كان لأهل الإيمان وللأبرياء من حيث القدر الإلهي وجهُ رحمةٍ ووجهُ عدالة في كل شيء، حتى في عذاب القحط.. تُرى بأي طرزٍ تكون هذه الرحمة والعدالة في هذا الأمر؟ ومن أية جهة يستفيد أهلُ الإيمان ولا سيما طلاب رسائل النور من هذه المصيبة من حيث الإيمان والآخرة؟ وكيف يتصرفون معها ويقاومونها؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن أهم سبب لهذه المصيبة هو العصيان النابع من كفران النعمة، وعدمِ الشكر، وعدم تقدير النعمة الإلهية حقَّ قدرها؛ لذا فإن العادل الحكيم لأجل إراءة اللذة الحقيقية لنِعَمه، ولا سيما الأغذية منها، ولا سيما ما يخص الحياة، ولا سيما النعمة الكبرى: الخبز.. ولبيان أهميته العظيمة ودرجته الفائقة من حيث النعمة، فإنه سبحانه يَسوق الناس إلى الشكر الحقيقي -وفقًا لحكمته تعالى- فتَنزِل هذه المصيبة بالذين لا يشكرون ربهم ولا يراعون الرياضة الدينية في شهر رمضان؛ فعدلُه سبحانه وتعالى محضُ الحكمة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مهمة <strong>أهل الإيمان وأهل الحقيقة</strong>، ولا سيما <strong>طلاب رسائل النور</strong>، هي السعيُ لجعل بلاء الجوع هذا وسيلةَ الالتجاء إلى اللّٰه، والندمِ على الذنوب، والتسليمِ لأمر اللّٰه، كالجوع الذي يصيب المرءَ عند مزاولته الرياضة الدينية في شهر رمضان، والحيلولةُ دون فتح السبيل أمام التسول والسرقة والفوضى بحجة الضرورة.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن مهمة <strong>أهل المرتبات والأغنياء</strong> الذين لا يَرأف قسمٌ منهم لحال الفقراء الجائعين أن يستمعوا لرسائل النور فيسْعَوا لمعاونتهم بدفع الزكاة بشعورهم الرأفة على حالهم بهذا الجوع الاضطراري..</p>
<p style="text-align: justify;">وجعْلُ <strong>الشباب</strong> تلك الحادثة لصالحهم بدلًا من أن تكون بلاءً عليهم، وذلك باسترشادهم برسائل النور، فيستفيدوا منها استفادة الغيارى، حيث تَحدّ المصيبةُ من طغيان نفوسهم وتَحول بينهم وبين نزواتها وأذواقها الدنيئة، حتى يدخلوا حظيرة الطاعة والخيرات، وينسحبوا -إلى حدٍّ ما- من الذنوب والفحش بعدما أطغوا نفوسَهم بالأطعمة اللذيذة فأفقدوها وعيَها وساقوها إلى الطغيان والهوى الدنيء..</p>
<p style="text-align: justify;">وأن ينظر <strong>أهلُ العبادة والصلاح</strong> إلى هذا البلاء النازل بهم كرياضة شرعية في هذا الوقت الذي أصبح أغلبُ الناس جياعًا، واختلط المال الحرام بالحلال اختلاطًا شديدًا، حتى استحال تمييز أحده عن الآخر وأصبح بمثابة الأموال المشبوهة، فيَقنعوا بمقدار الضرورة من الإعاشة العامة -التي يشترك فيها الجميع ضمنًا- ليكون حلالًا، فيقابلوا القدر الإلهي بالرضا بدلًا من الشكوى.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتي إلى الإخوة جميعًا والمبتلَين منهم خاصة وأدعو اللّٰه لهم بالسلامة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الالتحاق برسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد أتى واعظ مشهور من إسطنبول لزيارتي، إلّا أنه عاد دون أن يتمكن من المقابلة. فها هي صورة رسالة أُرسلت إلى أحدهم، لعل هناك أشخاصًا -كهذا الشخص- محتاجون إلى ذلك الخطاب.</p>
<p style="text-align: justify;">إن طلاب رسائل النور الذين مرُّوا بإسطنبول أخبَرونا عن همتكم ونشاطكم ووعظكم المؤثر، فهم يرغبون في رؤيتكم ضمن دائرة رسائل النور وأنتم الشخص الثابت الخالص، وأنا كذلك أرغب بجدٍّ في أن أراكم ضمن دائرة رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">تعلمون أن ألِفَينِ إذا ما كانتا متفرقتين لا تكون قيمتهما إلّا اثنتين، بينما إذا اتّحدتا على خط واحد متكاتفتين تكون قيمتهما إحدى عشرة؛ فالخدمة الإيمانية التي تهيئونها بنصائحكم السديدة المؤثرة إذا ظلت وحدها فمن الصعب أن تقاوِم الهجماتِ المتحدة في الوقت الحاضر، بينما إذا التحقت بخدمة رسائل النور فستكون -كتلكما الألفين- قيمتها إحدى عشرة، بل أَلفًا ومائة وإحدى عشرة وفي قوتها، وستقاوم الضلالات المتفقة المواجِهة لها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذا الزمان -لأهل الحقيقة- زمانُ الجماعة، وليس زمانَ الشخصية الفردية وإظهارِ الفردية والأنانية، فالشخص المعنوي الناشئ من الجماعة هو الذي يَنفُذ حكمُه ويصمد تجاه الأعاصير؛ فلأجل الحصول على حوض عظيم، ينبغي للفرد إلقاء شخصيته وأنانيته -التي هي كقطعة ثلج- في ذلك الحوض وإذابتُها فيه، وإلّا فستذوب حتمًا تلك القطعةُ من الثلج، وتذهب هباءً، وتفوت الفرصة من الاستفادة من ذلك الحوض أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لمن العجب وموضع الأسف أن يُضيِّع أهل الحق والحقيقة القوةَ العظمى في الاتفاق بالاختلاف فيما بينهم، بينما يتفق أهل النفاق والضلالة للحصول على القوة المهمة فيه -رغم اختلاف مشاربهم- فيَغلبون تسعين بالمائة من أهل الحقيقة، مع أنهم لا يتجاوزون العشرة بالمائة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(شجاعة المضحين)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">الآن وقبل عشر دقائق أتاني شخصان بشجاعة وغيرة، وهما أميّان، قد جلب أحدهما الآخر إلى دائرة رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت لهما: إنه مقابل ما تَمنح هذه الدائرةُ من نتائج عظيمة لكم، يستدعي وفاءً لا يتزعزع، وصلابة لا تلين؛ فإن أساس خدمة النور التي يُظهرها أبطالُ إسبارطة هو وفاؤهم الخارق وصلابتهم الشديدة، وإن قوة الإيمان وخصلة الإخلاص هي سبب هذه الصلابة والمتانة. والسبب الثاني: الشجاعة الفطرية.</p>
<p style="text-align: justify;">وقلت لهم: أنتم معروفون بالشجاعة والنُبل، وتُظهرون البسالة والتضحية لأمور دنيوية تافهة، فلا شك أنكم تحافظون على وفائكم في الخدمة السامية لرسائل النور، ومقابلَ النتائج الأخروية التي لا تثمَّن بإظهاركم صلابة الرجال الغيورين وشجاعةَ المضحين الفدائيين.</p>
<p style="text-align: justify;">قلت لهم هذا، وقبلوه ورضوا به.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(لِمَ ينظرون إليك كأنك سياسي؟)</h2>
<p style="text-align: justify;">جواب لسؤال طرحه طلاب النور الذين يلازمون &#8220;الأستاذ&#8221; ويعاونونه في شؤونه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: نحن نقوم بمعاونتكم في شؤونكم منذ مدة طويلة، فلم نَرَ منكم اهتمامًا بالدنيا وتوجهًا إلى الحياة الاجتماعية والسياسة، <strong>فشُغلكم الشاغل دروس الإيمان والآخرة</strong>؛ ولقد أدركنا أنكم على هذا الوضع منذ ثماني عشرة سنة خَلَتْ، فلماذا إذن ساقوكم إلى المحكمة وأثاروا الناس في إسبارطة دون داعٍ؟!</p>
<p style="text-align: justify;">ولم يجدوا في مائةٍ من رفقائكم أية علاقة تمس الدنيا والسياسة إلّا حجة واهية تُخجِلهم وتُخجِل محكمتهم إلى الأبد -بعد تحقيقاتٍ دامت أربعة أشهر- فحَكَموا على بضعة أشخاصٍ بين المائة ببضعة أشهر.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنكم لِسِتِّ سنواتٍ وأكثر تحت مراقبة المخفر وأمام نظره، فجميع أحوالكم ظاهرة دائمًا أمام المخفر من شبابيك غرفتكم، وإلى ما قبل شهرين أو ثلاثٍ يترصدونكم سرًّا وعلنًا، وتحرَّوا غرفتكم عدة مرات، لينفّروا عنكم الأصدقاء، فلماذا ينظرون إليكم نظرَ سياسي قدير مثير للقلاقل؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فنحن حائرون من هذه الحالة، فضلًا عن تألمنا منها، ولم تتيسر زيارتكم بحرّية إلا منذ شهور فقط، حيث كنا سابقًا نأتي خُفْية وبخوف. نرجو إيضاح هذه المسألة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: وأنا في حيرة وعَجَب مثلُكم بل أكثر منكم، فالجواب الواضح لسؤالكم هذا موجود في &#8220;اللمعة السابعة والعشرين&#8221;، وهي لمعة الدفاع أمام المحكمة، وفي &#8220;المكتوب السادس عشر&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن أُبين باختصار <strong>أساسين اثنين</strong>:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الأول</strong>: إن من مقتضى وظيفة المسؤولين عن النظام والإدارة وشرطة الأمن: حفاظَ مسلكنا والحث عليه، ناهيك عن الوقوع في الشكوك والريوب والأوهام، لأن الحجر الأساس لوظيفتهم: <strong>الاحترام والرحمة ومعرفة الحلال والحرام</strong>؛ ويمكن أن يسود الأمن والنظام في الحياة الاجتماعية بدساتير الطاعة والانقياد، فرسائل النور تحقق هذه الأسس لدى نظرها إلى الحياة الاجتماعية، وقد ظهرت نتيجتُها فعلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن أهم مركزين لرسائل النور هما إسبارطة وقسطموني، فإن ضباط الأمن إذا ما دققوا بإنصاف سيرون معاونة رسائل النور الواضحة لهم، وذلك قياسًا بسائر الولايات.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه رغم كثرة طلاب رسائل النور، ورغم ما في أيديهم إلى هذا الحد من القوة والحق، لم يَمَسُّوا الأمن والنظام بشيء، بل لم يُخِلَّ ألف طالب منهم بالحياة الاجتماعية بقدر ما يُخِلُّ به عشرة أشخاص آخرين، وإن هذا الأمر مشاهَد لمن كان له قلب غير فاسد.</p>
<p style="text-align: justify;">إن حكمة هذه المسألة هي أن <strong>الإيمان والشريعة والحياة</strong> ثلاث مسائل عظيمة في العالم الإسلامي والإنساني، وأعظم هذه الثلاثة هي <strong>الحقائق الإيمانية</strong>؛ ولأجل ألّا تكون هذه الحقائق الإيمانية القرآنية أداةً لتيارات أخرى ولقوًى أخرى، وللحيلولة دون التهوين من شأن الحقائق القرآنية -التي هي بقيمة الألماس- إلى قيمة قطع زجاجية متكسرة، ولأجل الإيفاء بالخدمة المقدسة التي هي إنقاذُ الإيمان إيفاءً تامًّا: يَنْفِر طلاب رسائل النور الخواص الصادقون نفورًا شديدًا من السياسة.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن أخاكم هذا -وأنتم تعلمون- ومنذ ثمانية عشر عامًا لم أُراجع الحكومة ولو لمرة واحدة، وذلك لئلا أمسّ السياسة والحياة الاجتماعية رغم حاجتي إليها؛ وهذه الشهور التسعة التي خلَتْ لم أسأل ولو لمرة واحدة عمّا يدور على الكرة الأرضية من اضطراباتٍ وقلاقل، ولم أهتم بها ولم أرغب في معرفتها، ولم أحاول أن أدير البحث حولها، حتى إنني لم أعرف لحدّ الآن هل انتهت الحرب أم لا؟ ومن هم المحارِبون عدا الإنكليز والألمان؟ وأنتم أعلم بهذا.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنتم المرافقون لي تعلمون كذلك أنني لم أستمع إلى الراديو الذي يُسمَع من غرفتي منذ ثلاث سنوات -عدا مرتين- ذلك الجهاز الذي حوَّل الناس إلى ثرثارين وحائرين غافلين، ولم أسأل عنه؛ فالذين يتعرضون لمسلك هذا الرجل الذي لا علاقة له بهذه الأوضاع إلى هذه الدرجة ولا يَنظر إليها قطعًا، ومِن ثم تساورهم الشكوك حوله ويترصدونه ويضايقونه: كم هم بعيدون عن الإنصاف! يُصدِّق ذلك حتى أبعدُهم عن الإنصاف.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثانية</strong>: إخواني.. تعلمون أننا نهرب -في مسلكنا- من الأنانية والغرور وحب الذات والتطلع إلى نيل المقامات المتسترة بالشهرة، نهرب منها هروبَنا من السم القاتل، ونتجنب كثيرًا من كل ما يشعر بتلك الحالات.</p>
<p style="text-align: justify;">فعلى سبيل المثال: لقد شاهدتم هنا بأم أعينكم طوال سبع سنوات وأدركتم بتحقيقاتكم وتتبعاتكم منذ عشرين سنة: أنني <strong>لا أريد إحراز احترامٍ ونيل مقامٍ لشخصي</strong>. ولقد نهرتُكم عن ذلك بشدة، وأستاء منكم إن منحتموني منزلةً تفوق حدّي، فلا أقبل إلا ارتباطكم برسائل النور -التي هي معجزة معنوية للقرآن الحكيم في هذا الوقت- ارتباطَ تسليمٍ لها وتصديقٍ بها.. أقبل هذا الارتباطَ شاكرًا للّٰه من حيث أنا طالبٌ من طلابها.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فحتى البلهاءُ يدركون كم هو تافه ولا يعني شيئًا مساورةُ الشكوك والريوب أذهانَ أهل الحكومة والإدارة وأفراد الأمن، تجاه الذين اجتنبوا -إلى هذا الحد- الأنانيةَ والغرور والرياء المتستر تحت الصيت والشهرة، وجعلوا هذا التجنب دستورًا لحياتهم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(انتصار رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن انتصار المبتلين انتصارًا معنويًّا ببراءتهم في المحكمة، لم يُدخل السرور والفرح في قلوبنا نحن وحدنا، بل أبهج أيضًا جميعَ أهل الإيمان في البلاد، لأن هذه البراءة فتحت المجالَ لإطلاق نشر رسائل النور. فلقد اضطررنا إلى اتخاذ الحيطة والحذر لحدّ الآن، وذلك خشية المصادرة، فكنت أعاني من الصعوبات الجمّة في إخفاء الرسائل في غضون السنوات الثماني عشرة التي مرت، ولا سيما في هذه السنوات الست هنا، وكنا نعاني جميعًا من القلق والاضطراب على الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">فشكرًا للّٰه تعالى وحمدًا وثناءً له بعدد حروف رسائل النور، فإن ظهورها المعنوي وتَغَلُّبها في هذه المرة وهتْكَها لأستار الظلم والظلمات هيأ الأوساط لفتوحات واسعة وأجر عظيم بتعب قليل، فلقد أصبح هذان الشهران لفترة التوقف وسيلةً لانتشار رسائل النور بطراز آخر في أوسع محيط كما حدث في السجن.</p>
<p style="text-align: justify;">نهنئكم يا إخوتي، ولا سيما المبتَلين، وبخاصةٍ &#8220;الحافظ محمد&#8221;، ونقول لهم: حمدًا للّٰه على السلامة؛ إن المحكمة التي زجت مائة من الأشخاص في الحبس ولمائة يوم لأجل رسالةٍ واحدة -وهي رسالة &#8220;الحجاب&#8221;- لم تستطع أن تزج في السجن شخصًا واحدًا ليومٍ واحدٍ ومعه مئات من الرسائل أمثالِ تلك الرسالة، وما ذلك إلّا من إخلاصكم الخارق وصلابتكم التي لا تتزعزع وترابطكم الوثيق.</p>
<p style="text-align: justify;">فقد ثَبَت لنا هذا قطعًا، ولم تَبق لدينا أي شبهة فيه، ليرضَ اللّٰه عنكم أبدًا. آمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الحلول بين طلاب النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">نهنئكم بحلول الشهور الثلاثة المباركة التي تُكسبكم أكثر من ثمانين سنة من العمر المعنوي ولا سيما ليلة الرغائب -ليلة الجمعة الأولى من رجب- فإن لبراءتكم من المحكمة وظهوركم عليهم معنًى قد أوقع الظالمين في حيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد غيّروا خطتهم هنا؛ إذ بدأوا -باسم الصداقة- بالحلول بين طلاب رسائل النور الخواص تاركين الهجوم العدائي، ليَحملوهم على التخلف عن خدمة رسائل النور، فيوجِدون لهم مشاغل الوظائف، أو يرفعون من مرتَّبهم، ويحوّلونهم إلى وظائف أخرى أو أية مشغلة أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">فهناك وقائع كثيرة أمثال هذه هنا، يبدو أن هذا التعرض أكثر ضررًا من ناحية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الرسائل بالحروف اللاتينية)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد دخلتْ رسالةٌ مؤثِّرة من رسائل النور إلى المدرسة الإعدادية هنا، إذ سمحنا -بإذنٍ معنوي- أن تكون بالحروف اللاتينية وبالآلة الطابعة، والرسالة تتضمن: الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين، واسمَي &#8220;العدل والحكم&#8221; من اللمعة الثلاثين، ورسالة الطبيعة -إلى الخاتمة- والآية الكبرى من المقام الأول إلى المرتبة الثامنة عشرة -مما سوى مرتبتَي الوحي والإلهام-.</p>
<p style="text-align: justify;">واجعلوا كذلك من هذه القِطَع الأربع من الرسائل مجلدًا واحدًا وبالحروف الجديدة، واقذفوها قنبلةً عظيمةً على رؤوس أهل الإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنتُ في هذه السنة في شدة العجز والضعف والشيخوخة، أرجو من إخوتي الشباب أن يعينوني معنويًّا بدعواتهم في هذه الشهور الثلاثة المباركة.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتي إلى الإخوة جميعًا فردًا فردًا، وندعو لسلامتهم في الدارين.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(التقوى والعمل الصالح)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد فكرت -في هذه الأيام- في أسس <strong>التقوى والعمل الصالح</strong>، اللذَين هما أعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان، <strong>فالتقوى</strong> هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات؛ <strong>والعمل الصالح</strong> هو فعل المأمور لكسب الخيرات.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقي والروحي- وبإثارةِ هوى النفس الأمّارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساسًا عظيمًا جدًّا، بل ركيزةَ الأسس، وتكسب أفضليةً عظيمةً حيث إنها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ إن &#8220;درء المفاسد أولى من جلب المنافع&#8221; قاعدة مطردة في كل وقت.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى أعظمَ أساس وأكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب، <strong>فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر ينجو بإذن اللّٰه،</strong> إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جدًّا، <strong>وإن عملًا صالحًا ولو كان قليلًا يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة</strong> والظروف العصيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن هناك نوعًا من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لأن ترك الحرام واجب، والقيام بالواجب ثوابه أكثر من كثير من السنن والنوافل، ففي مثل هذه الأزمان التي تهاجِم الذنوب والسيئات الإنسانَ من كل جانب، يكون الاجتناب الذي حصل بجهدٍ قليلٍ تركًا لمئات من الآثام، فيكون بمثابة القيام بمئات من الواجبات.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصل إلّا بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يَصرِف فيها جهدًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدامِ القرآن الكريم، في هذا الوقت هي اتخاذُ التقوى أساسًا في الأعمال كلها، ثم التحركُ وَفْقَها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسانُ ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئاتٍ من الخطايا في كل دقيقة، <strong>فالتقوى هي التي تجعل -دون ريب- الإنسانَ كأنه يقوم بمئاتٍ من الأعمال الصالحة</strong>، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.</p>
<p style="text-align: justify;">من المعلوم أن عشرين شخصًا في عشرين يومًا لا يستطيعون بناء عمارة واحدة، في حين يستطيع أن يهدمها شخص واحد في يوم واحد؛ لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي أن يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمِّرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس، فالألوف من الهدامين لا يقابلهم إلا معمِّر واحد وهو رسائل النور، فمقاومة رسائل النور وحدها تلك التخريباتِ المريعةَ إنما هي عمل خارق جدًّا، فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء -الروحي والأخلاقي- خوارقَ وفتوحات عظيمة جدًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولنضرب مثلًا واحدًا فقط: إن أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير، إلا أننا نرى أن هذا الأساس قد تصدع كثيرًا، حتى إننا نسمع أخبارًا مؤلمة جدًّا، وحوادث مفجعة جدًّا تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بفضل اللّٰه فإن رسائل النور أينما حَلَّتْ قاومتْ الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المتين، بل حاولت تعميره.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما يعيث يأجوج ومأجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فإن فسادًا أبشع من فساد يأجوج ومأجوج قد دبَّ في العالم وأحاطه بظلماتِ الإرهاب والفوضى، وعمت الحياةَ والأخلاقَ مظالمُ شنيعةٌ وإلحادٌ شنيع.. فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجةَ تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يُعَدّ -بإذن اللّٰه- جهادًا عظيم الثواب، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم الذين يثابون بعملٍ قليل ثوابًا عظيمًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي الأعزاء.. في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فإن أعظم قوة لدينا -بعد قوة الإخلاص- هي <strong>قوة &#8220;الاشتراك في الأعمال الأخروية&#8221;</strong>، إذ يَكتب كلٌ منكم في دفتر أعمال إخوته حسناتٍ كثيرة مثلما يُرسل بلسانه الإمدادَ والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن أخاكم الفقير والعاجز هذا &#8220;السعيد&#8221; الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة؛ ولا أستبعد هذا منكم قط، فأنتم أهل لهذا السعي، وأنتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا أطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي. وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليوم أكثر من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ترك فضول النفس)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">لمناسبة مجيء فرقة من الجيش إلى هذه الجهات أمس قال لي أمين: إن صلة روسيا قد انقطعت عن القفقاس. علمًا أنني لم أكن أعرف استمرار الروس في الحرب ولم أرغب في معرفته، فقطعتُ عليه الكلام، إلّا أن قلبي أظهر اهتمامًا بالموضوع.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي هذا اليوم عند ما كنتُ في الصلاة وفي الأذكار التي أعقبتْها، ورد إلى القلب معنًى، أن الصراع الدائر في الكرة الأرضية بين التيارات المتحاربة ستميل إحداها إلى الإسلام والقرآن ورسائل النور وإلى مسلكنا لا محالة، فينبغي النظر إليه من هذه الزاوية. وعلى الرغم من أن الأسباب الداعية إلى عدم النظر إليه -والتي كتبتُها في رسالتين سابقتين- كافية للقلب والعقل، إلّا أنها لا تُشبع النفس المتلهفة للحوادث.</p>
<p style="text-align: justify;">وخطر على القلب في الأذكار نفسِها، أن سببه المهم هو تنبّهُ شعور الانحياز عند النظر إليه، حيث إن نظر المنحاز كليلٌ عن ذنوب من يميل إليه، فيرضى بظلمه، بل قد يبتهج ويفرح ويرحّب به. والحال &#8220;<strong>كما أن الرضا بالكفر كفر، كذلك الرضا بالظلم ظلم</strong>&#8220;. فلا شك أن في هذا الصراع القائم على الكرة الأرضية مظالمَ ودمارًا تبكي من هوله السماواتُ، إذ تَضيع وتفنى حقوقُ كثير من الأبرياء والمظلومين، لأن دستور المدنية الدنيّة الظالم هو: أنه يُضحَّى بالفرد لأجل الجماعة، ولا يُنظر إلى الحقوق الجزئية من أجل سلامة الأمة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد فتح هذا الدستورُ ميدانَ مظالمَ شنيعةٍ لم يُرَ مثلها حتى في القرون الأولى، بينما العدالة الحقيقية للقرآن المبين أنه لا يُفدى بحق الفرد لأجل الحفاظ على الجماعة، فالحق حق، لا ينظر إلى كثيره وقليله.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا هو القانون السماوي والعدالة الحقة، لذا فالذين ينشغلون بحقائق القرآن كطلاب رسائل النور، إن لم تكن هناك ضرورة فلا ينظرون إلى تلك الأمور لإشباع الفضول وحده، دون أن يجنوا فائدة ما. ولا يليق بهم الانشغال فكريًّا بمتابعة أعمال ذلك التيار على أمل أن يخدم الإسلام والقرآن في النتيجة، حيث إن النتيجة لم تحصل، فلا داعي إلى تشجيع تخريباتهم الظالمة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبهذا تَبِعَتْ النفسُ العقلَ والقلبَ وتركتْ فضولَها&#8230; نعم، هكذا فهمتُ.</p>
<p style="text-align: justify;">المسألة الثانية: إن إحراز رسائل النور النصرَ في إسبارطة والغلبةَ فيها قد فاجأ الزنادقةَ وأذهلهم، لذا قام بعض هؤلاء الزنادقة المتمردين والمعاندين، ممن يحملون الروح الخبيثة وأفكارَ ذلك الشخص الذي ولّى ومات، -سترًا لهزيمتهم هذه- بالهجوم على القرآن وعلى الرسول (ﷺ) من طرَفٍ خفي، في مؤلَّفٍ نشَرَه واستعمل فيه هذا المتسمي بالإسلام كلماتٍ ممجوجة غير لائقة، كالتي وردت في المناظرة مع الشيطان وحزبه، إذ جمع ما قاله أمثاله من اليهود والفلاسفة الملحدين والمتمردين في أوروبا وزنادقتها منذ سالف العصور من افتراءات على القرآن والرسول الكريم (ﷺ).</p>
<p style="text-align: justify;">ولأجل إسماع المسلمين الساذجين والذين لم يطّلعوا على رسائل النور مثلَ هذه الأمور وإراءتهم لها، فقد سلك هذا الزنديق بحذلقةٍ وخبثٍ مسلكًا أخفى زندقته إخفاءً دقيقًا بحيث سبق الشيطانَ في شيطنته، وتألمت كثيرًا جدًّا من هذا، وقد وردتْ في رسالة أخينا صبري: أن الخُدَعَ والشباكات التي ينصبها الملحدون العنيدون -تجاه تيار رسائل النور- واهية جدًّا، بل أوهن من بيت العنكبوت. فتلك الأستار الشيطانية التي يتسترون بها ضعيفة لا تقاوِم أبدًا، وستُهتَك أمام النور وتتمزق.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ما كتبه الزنديق العنيد المتمرد والروح الخبيثة للرجل الميت، هو لصالح القومية التركية في الظاهر، إلّا أنه في الحقيقة قد نشر كتابه هذا للتهوين من الشأن العظيم والمرتبة الرفيعة للقرآن الكريم والرسول الكريم (ﷺ)، ألا خابَ ظنُّه، فلا يمكنه أن يكون كبيت العنكبوت تجاه المعجزات القرآنية والمعجزات الأحمدية، بل يذوب ويتلاشى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن يا للأسف.. وألفَ أسف وأسف! إنه يضر ضررًا بالغًا بالذين لم يطلعوا على رسائل النور، كما أن الذين اطلعوا عليها قد يدفعهم الفضول فيقولون: تُرى ماذا فيه؟ فيعكرون صفو قلوبهم، وفي الأقل يورث الشكوك والأوهام. فعلى طلاب رسائل النور الأبطال أن يكونوا متيقظين تجاه هذه الأمور ويزيدوا من نشاطهم، إذ الانشغال بالأمور الفاسدة فسادٌ أيضًا، لذا أختصر هذه المسألة.</p>
<p style="text-align: justify;">فحذار من الاهتمام به وإثارة الفضول لدى الناس، وليُعْلم أنه مؤلَّف تافه سوى ما فيه من الأسماء المباركة ومعاني بعض الآيات الكريمة. وافهموا مدى تجاوز هذا الشخص حدّه من المثال الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">مثال: إنْ نَظَر أبله إلى مجلس بعيدٍ جدًّا، يحضره علماء مدققون متخصصون، يدققون كتابًا ويتلقون الدرس من أستاذ قدير، فإذا ما أصدر هذا الأبله حكمه منتقدًا هذا المجلس وهؤلاء العلماء، فإن عمله هذا هَذَيانٌ ليس إلّا.</p>
<p style="text-align: center;">﴿اللّٰهم احفظ أهل الإيمان وطلاب رسائل النور من أمثال هؤلاء. آمين﴾</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(عاونونا بأدعيتكم)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه بعد تغلُّب ثباتكم العظيم وإخلاصكم التام وبعد دفع تلك المصيبة، فقد غَيّر أهلُ الدنيا خططهم في المجابهة؛ إذ بدأوا -بمكايد الزنادقة- بتحشيد قواهم المادية والمعنوية في هذه المناطق تجاهنا خفية، فهم يتحركون بدقة متناهية، ويحاولون بشيطنةٍ خبيثةٍ للإخلال <strong>بالتساند والترابط الوثيق الذي هو القوة الحقيقية لطلاب رسائل النور</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي الوقت الذي أعادوا إليكم الرسائل، يحيكون مؤامرات خفية بخبث. وعلى الرغم من أننا نُعَدُّ شعبةً منكم فإنهم يحسبوننا كأننا الأصل والمركز، لذا يُجرون علينا دسائسهم بشكل مكثف، ولكن الحافظ الحقيقي هو رب العالمين، وبإذنه تعالى لن يقدروا على إلحاق أي ضرر كان.. ولكن عاوِنونا يا إخوتي بأدعيتكم الخالصة في أيام الشهور المباركة ولياليها المباركة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولا شيء يُذكر هنا.. ولكن عليكم بالحذر قدر المستطاع.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حوار مع فريق من الشباب)</h2>
<p style="text-align: justify;">جاءَني -ذات يوم- فريق من الشباب، يتدفقون نضارةً وذكاءً، طالبين تنبيهاتٍ قويةً وإرشاداتٍ قويمةً تقيهم من شرورٍ تتطاير من متطلبات الحياة ومن فتوّة الشباب ومن الأهواء المحيطة بهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فقلت لهم بمثل ما قلته لأولئك الذين طلبوا العون من رسائل النور:</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا أن ما تتمتعون به من ربيعِ العمر ونضارةِ الحياة ذاهبٌ لا محالة، فإن لم تُلزِموا أنفسكم بالبقاء ضمن الحدود الشرعية، فسيضيع ذلك الشباب ويذهب هباءً منثورًا، ويَجرُّ عليكم في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة بلايا ومصائبَ وآلامًا تفوق كثيرًا ملذاتِ الدنيا التي أذاقكم إياها.. ولكن لو صرفتم ربيع عمركم في عِفّةِ النفس وفي صَوْنِ الشرف وفي طاعة ربكم بتربيته على الإسلام، أَداءً لشكر اللّٰه تعالى على ما أَنْعَمَ عليكم من نعمة الفتوة والشباب، فسيبقى ويدوم ذلك العهدُ معنًى، وسيكون لكم وسيلةً للفوز بشباب دائم خالد في الجنة الخالدة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالحياة، إن كانت خاليةً من الإيمان، أو فَقَدَ الإيمانُ تأثيرَه فيها لكثرة المعاصي، فإنها مع متاعها ولذتها الظاهرية القصيرة جدًّا تُذيق الآلامَ والأحزان والهموم أضعافَ أضعافِ تلك المتع والملذات، ذلك لأن الإنسان -بما مُنح من عقل وفكر- ذو علاقة فطرية وثيقة بالماضي والمستقبل، فضلًا عما هو عليه من زمان حاضر، حتى إنه يتمكنُ من أن يذوق لذائذ تلك الأزمنة ويَشعر بآلامها، خلافًا للحيوان الذي لا تعكر صَفْوَ لذتِه الحاضرةِ الأحزانُ الواردة من الماضي، ولا المخاوفُ المتوقعة في المستقبل، حيث لم يُمنح الفكرَ.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا فالإنسان الذي تَردَّى في الضلالة وأَطبقتْ عليه الغفلةُ تَفسد متعتُه الحاضرة بما يَرِدُه من أحزان من الماضي، وما يرِدُه من اضطرابٍ من القلق على المستقبل، فتتكدر حياتُه الحاضرة بالآلام والأوهام، سيَّما <strong>الملذاتُ غير المشروعة، فهي في حكم العسل المسموم تمامًا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أي إنّ الإنسان يسقط في دركة أدنى بمائة مرة من الحيوان من حيث التمتع بملذات الحياة، بل إن حياة أرباب الضلالة والغفلة، بل وجودهم وعالَمهم، ما هو إلّا يومُهم الحاضر، حيث إنّ الأَزمنة الماضية كلَّها وما فيها من الكائنات معدومة، ميتة، بسبب ضلالتهم، فترِدهم من هناك حوالكُ الظلمات.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الأزمنة المقبلة فهي أيضًا معدومة بالنسبة إليهم، وذلك لعدم إيمانهم بالغيب. فتملأُ الفراقاتُ الأَبدية -التي لا تنقطع- حياتَهم بظلمات قاتمة، ما داموا يملكون العقل جاحدين بالبعث والنشور.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إذا ما أصبح <strong>الإيمان حياةً للحياة</strong>، وشعّ فيها من نوره، استنارت الأزمنة الماضية، واستضاءت الأزمنة المقبلة، وتَجِدان البقاءَ وتُمِدّان روحَ المؤمن وقلبَه من زاوية الإيمان، بأَذواقٍ معنويةٍ سامية، وأَنوارٍ وجودية باقية، بمثل ما يُمدّهما الزمن الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الحقيقة موضحة توضيحًا وافيًا في &#8220;الرجاء السابع&#8221; من رسالة &#8220;الشيوخ&#8221;، فليُراجع.</p>
<p style="text-align: justify;">هكذا الحياة.. فإن كنتم تريدون أَنْ تستمتعوا بالحياة وتلتذوا بها <strong>فأحيوا حياتَكم بالإيمان، وزيِّنوها بأداء الفرائض، وحافِظوا عليها باجتناب المعاصي</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما حقيقة الموت التي تُطلِعنا على أهوالها الوفَيَاتُ التي نشاهدها كل يوم في كل مكان، فسأبينها لكم في مثال، مثلما بينتُها لشبان آخرين من أمثالكم:</p>
<p style="text-align: justify;">تصوروا ههنا -مثلًا- أعوادًا نُصِبت أمامكم للمشنقة، وبجانبها دائرةٌ توزِّع جوائزَ سخيةً كبرى للمحظوظين.. ونحن الأشخاص العشرة هنا سنُدعى إلى هناك طوعًا أو كرهًا، ولكن لأَنَّ زمان الاستدعاء مخفي عنّا، فنحنُ في كل دقيقة بانتظار مَن يقول لكلٍ منا: تعالَ.. تَسلَّمْ قرار إعدامك، واصعد المشنقة. أو يقول: تعالَ خذ بطاقة تربحك ملايين الليراتِ الذهبيةِ.</p>
<p style="text-align: justify;">وبينا نحن واقفون منتظرون، إذا بشخصين حضرا لدى الباب، أحدهما امرأة جميلة لعوب شبهُ عارية، تحمل في يدها قطعة من الحلوى، تُقدِّمها إلينا، تبدو أنها شهية، ولكنها مسمومة في حقيقتها.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الآخر فهو رجل وقور كَيِّس، ليس خِبًّا ولا غِرًّا، دخل على إثْرِ تلك المرأة وقال: لقد أتيتكم بِطلْسمٍ عجيب، وجئتكم بدرس بليغ، إذا قرأتم الدرس ولم تأكلوا من تلك الحلوى، تنجون من المشنقة، وتتسلَّمون -بهذا الطلسم- بطاقةَ تلك الجائزةِ الثمينة.. فها أنتم أُولاء ترون بأُم أَعينكم أَن مَن يأكل تلك الحلوى، يتلوّى من آلام البطن حتى يصعد المشنقة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الفائزون ببطاقة الجائزة، فمع أنهم محجوبون عنّا، ويَبدون أنهم يصعدون منصّة المشنقة، إلّا أَنَّ أكثر من ملايين الشهود يخبرون بأَنهم لم يُشنَقوا، وإنما اتخذوا أَعواد المشنقة سُلّمًا للاجتياز بسهولة ويسر إلى دائرة الجوائز.</p>
<p style="text-align: justify;">فهيا انظروا من النوافذ، لترَوا كيف أَنَّ كبار المسؤولين المُشرِفين على توزيع تلك الجوائز ينادون بأَعلى صوتهم قائلين:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إنّ أَصحاب ذلك الطِّلْسم العجيب قد فازوا ببطاقة الجوائز.. اعلموا هذا يقينًا كما رأيتم بعين اليقين أُولئك الذاهبين إلى المشنقة، فلا يساوِرنَّكم الشكُّ في هذا، فهو واضح وضوحَ الشمس في رابعة النهار&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا على غرار هذا المثال:</p>
<p style="text-align: justify;">فإنَّ مُتَع الشباب وملذاته المحظورةَ شرعًا كالعسل المسموم.. وَغَدَا الموتُ لدى الذي فقَدَ بطاقةَ الإيمان التي تُربحه السعادةَ الأَبدية كأَنَّه مشنقة، فينتظر جَلّادُ الأَجل الذي يُمكن أَنْ يَحضر كلَّ لحظة -لخفاء وقته عنا- ليقطع الأعناق دون تمييز بين شاب وشيخ.. فيُرديه إلى حفرة القبر الذي هو بابٌ لظلماتٍ أَبدية كما هو في ظاهره.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن إذا ما أَعرض الشابُّ عن تلك الملذات المحظورة الشبيهة بالعسل المسموم وضرب عنها صفحًا، وبادر إلى الحصول على ذلك الطلسم القرآني وهو الإيمان وأَداءُ الفرائض، فإنَّ مائةً وأربعةً وعشرينَ ألفًا من الأنبياء عليهم السلام، وما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الأولياء الصالحين والعلماء العاملين يخبرون ويبشّرون بالاتفاق مظهرين آثارَ ما يخبرون عنه: بأَنَّ المؤمن سيفوز ببطاقةٍ تُكسبه كنوزَ السعادة الأَبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">حاصل الكلام: إن الشباب سيذهب حتمًا وسيزول لا محالة؛ فإن كان قد قضى في سبيل الملذات ونشوة الطيش والغرور، فسيورث آلاف البلايا والآلام والمصائب الموجعة سواء في الدنيا أو الآخرة.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن كنتم تَرومون أن تفهموا بأن أمثال هؤلاء الشباب سيَؤول حالُهم في غالب الأمر إلى <strong>المستشفيات</strong>، بسبب تصرفاتهم الطائشة وإسرافاتهم وتعرضهم لأمراض نفسية.. أو إلى <strong>السجون</strong> وأماكن الإهانة والتحقير، بسبب نزواتهم وغرورهم.. أو إلى <strong>الملاهي والخمّارات</strong> بسبب ضِيْقِ صدورهم من الآلام والاضطرابات المعنوية والنفسية التي تنتابهم.. نعم، إنْ شئتم أنْ تتيقنوا من هذه النتائج فاسأَلوا <strong>المستشفياتِ والسجونَ والمقابرَ</strong>..</p>
<p style="text-align: justify;">فستسمعون بلا شكٍّ من لسان حال <strong>المستشفيات</strong> الأَنّات والآهات والحسرات المنبعثة من أمراض نَجَمَتْ من نزوات الشباب وإسرافهم في أمرهم..</p>
<p style="text-align: justify;">وستسمعون أيضًا من <strong>السجون</strong> صيحات الأسى وأصوات الندم وزفرات الحسرات يطلقها أولئك الشبان الأَشقياء الذين انساقوا وراءَ طيشهم، وغرورهم فتلقّوا صفعة التأديب لخروجهم على الأَوامر الشرعية.</p>
<p style="text-align: justify;">وستعلمون أيضًا أَنَّ أكثرَ ما يُعذَّب المرءُ في <strong>قبره</strong> -ذلك العالم البرزخي الذي لا تهدأ أبوابُه عن الانفتاح والانغلاق لكثرة الداخلين فيه- ما هو إلّا بما كسبت يداه من تصرفات سيئة في سِنِيِّ شبابه، كما هو ثابت بمشاهداتِ أهلِ كشفِ القبورِ، وشهادةِ جميع أهل الحقيقةِ والعلمِ وتصديقهم.</p>
<p style="text-align: justify;">واسألوا -إنْ شئتم- <strong>الشيوخَ والمرضى</strong> الذين يمثلون غالبية البشرية، فستسمعون أنَّ أكثريتهم المطلقة يقولون:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;وا أَسَفَى على ما فات! لقد ضيّعنا ربيعَ شبابنا في أمور تافهة، بل في أمور ضارة! فإياكم إياكم أَنْ تُعيدوا سيرتَنا، وحَذارِ حَذارِ أن تفعلوا مثلَنا!&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ذلك لأَنَّ الذي يُقاسي سنواتٍ من الغمِّ والهمِّ في الدنيا، والعذابَ في البرزخ، ونارَ سَقَرَ في الآخرة، لأجل تمتع لا يدوم خمسَ أو عَشْرَ سنوات من عمر الشباب بملذاتٍ محظورة.. غيرُ جدير بالإشفاق، مع أَنَّه في أَشدّ الحالات استدرارًا للشفقة والرثاء؛ لأَنَّ <strong>الذي يرضى بالضرر وينساق إليه طوعًا، لا يستحق الإشفاق عليه ولا النَظرَ إلى حاله بعين الرحمة</strong>، وِفْقَ القاعدة الحكيمة: &#8220;<strong>الراضي بالضرر لا يُنظر له</strong>&#8220;.</p>
<p style="text-align: justify;">حفظنا اللّٰه وإياكم من فتنة هذا الزمان المغرية، ونجّانا من شرورها.. آمِينَ.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حقيقة تقطع دابر الاعتراضات)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء طلاب رسائل النور..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد اضطررت إلى بيان حقيقة تقطع دابر الاعتراضات التي تضر بالضعفاء من طلاب رسائل النور، بمثل اعتراض الشيخ الذي لا يخطر على بال.</p>
<p style="text-align: justify;">أكرر مرة أخرى ما قلته لأحدهم: إنه لمن الأسف والعجب والحيرة أن يضيِّع أهلُ الحقيقة القوةَ الخارقة في الاتفاق، فيُغلَبون على أمرهم، بينما يتفق أهلُ النفاق والضلالة -رغم اختلاف مشاربهم- للحصول على قوة ذات أهمية في الاتفاق، ومع أنهم لا يتجاوزون عشرة بالمائة، إلّا أنهم يَغلِبون التسعين بالمائة من أهل الحقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن أكثر ما يثير العجب ويزيد الحيرة هو أننا بينما كنا ننتظر العون الكبير والحث العظيم منهم -وهم المكلفون بهذه المعاونة إسلاميًّا ومسلكًا وأداءً للواجب الديني- نجدهم لا يمدون يدَ المعاونة إلينا، بل بدأ الشيخ بالاعتراض بناءً على فهمٍ خطأ، بما يورث الفتور لدى طلاب رسائل النور، مستندًا إلى أهمية موقعه الاجتماعي، فاعترض على إيضاحات تخص حقيقة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني لا أعرف أية مسألة قد اعتُرض عليها ولأية آية كريمة تخص.. ولعلها تخصّ مسألةً من رسالة الإشارات القرآنية المسماة بـ&#8221;الشعاع الأول&#8221; الذي اتخذناه رسالة خاصة جدًّا وسرية.</p>
<p style="text-align: justify;">فأخوكم هذا العاجز يبين لذلك الصديق الفاضل القديم ولأهل العلم ولكم كذلك ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن سعيدًا الجديد -بفيض القرآن المبين- يذكر من البراهين المنطقية والحقيقية الكثيرة التي تخص الحقائق الإيمانية، بحيث لا يلجئ علماءَ الإسلام إلى التسليم وحدَهم، بل حتى أعتى فلاسفة أوروبا العنيدين أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنه من شأن القرآن الكريم وإعجازه العظيم، ومن مقتضى البلاغة المعجزة للسان الغيب، أن تَرِد فيه رموزٌ وإيماءاتٌ لجلب الأنظار إلى رسائل النور -التي هي معجزته المعنوية في هذا الزمان- بمثل إخبارات الإمام علي رضي اللّٰه عنه والشيخ الكيلاني (قدس سرّه) الواردة بِطَرزٍ إشاريٍّ ورمزيٍّ حول أهمية رسائل النور وقيمتها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، ففي سجن &#8220;أسكي شهر&#8221;، وفي وقتٍ رهيب، حيث كنا أحوجَ ما نكون إلى سلوانٍ قدسي، خطر على القلب ما يأتي: إنك تبين شهودًا من كلام الأولياء السابقين على أحقية رسائل النور وقَبولها، بينما بمضمون الآية الكريمة: ﴿ولا رطب ولا يابسٍ الّا في كتاب مبين﴾، فإن صاحب الكلام في هذه المسألة هو القرآن الكريم، فهل يَقبل القرآن الكريم ويرضى برسائل النور؟ وكيف يَنظر إليها؟</p>
<p style="text-align: justify;">واجهتُ هذا السؤال العجيب، واستمددتُ من القرآن الكريم، وإذا بي أشعر في ظرفِ ساعةٍ أن رسائل النور فردٌ داخلٌ ضمنِ كليّةِ المعنى الإشاري -الذي يمثل طبقة واحدة من طبقات التفرعات للمعنى الصريح- لثلاث وثلاثين آية كريمة، وعرفتُ قرينةً قويةً على دخولها في ذلك المعنى وتخصيصها، فشاهدتُ قسمًا منها بشيء من الوضوح وقسمًا آخر مجملًا، فلم تَبق في قناعتي أيّة شبهة وشك ووهم ووسوسة.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري دوّنتُ قناعتي القاطعة تلك وأعطيتها إخوتي الخواص، على شرط سرّيّتها بنية الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النور، فنحن لا نقول في تلك الرسالة: إن المعنى الصريح للآية الكريمة هو هذا، حتى يقول العلماء: فيه نظر! ولم نقل فيها: إن كلية المعنى الإشاري هي هذه. بل نقول: <strong>إن تحت المعنى الصريح للآية الكريمة طبقاتٍ متعددة من المعاني</strong>، إحدى هذه الطبقات هي <strong>المعنى الإشاري والرمزي</strong>؛ فهذا <strong>المعنى الإشاري أيضًا هو كُليّ له جزئيات</strong> في كل عصر؛ فرسائل النور فردٌ في هذا العصر من أفرادِ كليةِ طبقة المعنى الإشاري ذاك.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد جرى بين العلماء منذ القدم دستور حساب الجُمَّل والجفر -حساب الأبجدية- لإيجاد القرائن والحجج، فهذا الطرز من الحساب لا يَخدش الآية الكريمة ولا يجرح معناها الصريح، بل قد يكون وسيلة لبيان إعجاز القرآن وعظمة بلاغته.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا اعتراض على هذه الإشارات الغيبية، إذ الذي لا يستطيع إنكار ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من استخراجات أهل الحقيقة من الإشارات القرآنية التي لا تحصى، لا ينبغي له أن ينكر هذا بل لا يمكنه ذلك.</p>
<p style="text-align: justify;">أما استغرابُ ذلك المعترض واستبعادُه ظهورَ مثل هذا السِّفْر النفيس -رسائل النور- من رجل اعتيادي غير ذي بال، فإنه إذا ما فكّر بالدليل على عظمة القدرة الإلهية التي تخلق شجرةً ضخمة من بُذيرة الصنوبر، فلا شك أنه يضطر إلى قبول ظهور مثل هذا الأثر، ممن هو في العجز المطلق والفقر المطلق، وفي ظرف الحاجة الشديدة مثل هذا الوقت دليلًا على الرحمة الإلهية الواسعة.</p>
<p style="text-align: justify;">إني أُطَمئنكم وأُطمئن المعترضين -بالشرف الرفيع لرسائل النور- أن هذه الإشارات وإخبارات ورموز الأولياء ذات الإيماءات قد ساقتني دائمًا إلى الشكر والحمد للّٰه، وإلى الاستغفار من ذنوبي، ولم يحصل أنْ أورثتْ ما يمكن أن يكون مدار فخر وغرور وأنانية للنفس الأمارة بالسوء في أي وقت كان، ولا في أية دقيقة كانت، وأثبتُّ ذلك بترشحات حياتي الماثلة أمامكم منذ عشرين سنة.</p>
<p style="text-align: justify;">وفضلًا عن هذه الحقيقة فإن الإنسان لا يخلو من القصور والنسيان والسهو، فلي ذنوبٌ كثيرة أجهلها، وربما قد تَدَخَّل فكري وأوجد أخطاءً في الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن هذا المعترض لا يبالي بتغير الحروف القرآنية المقدسة إلى حروف أخرى ناقصة، وقيامِهم بوضع ترجمة بشرية ناقصة للقرآن الكريم ومحرّفة ومملوءة بالتأويلات الفاسدة لأهل الضلالة والتي خدشت معاني الآيات الصريحة للقرآن.. لا يبالي بهذا!! ولكنه يركّز نظرَه على شخصٍ ضعيفٍ مظلومٍ بَيّنَ نكتةً إعجازية ليقوّي بها إيمانَ إخوته، فيعترضُ عليه بما يورث الفتور لخدمة الإيمان؛ علمًا أن نقطة اعتراضه لا يمكن أن يَعترض عليها من كان يملك ذرة من الإنصاف.</p>
<p style="text-align: justify;">وإنه لمن دواعي حيرتي وعجَبي أنّ ذلك المعترض الفاضل هو تلميذُ أستاذٍ من أساتذتي القديرين في السلسلة العلمية، وهو &#8220;الشيخ فهيم&#8221;، وهو أحد طلاب الإمام الرباني رضي اللّٰه عنه الذي أرتبطُ به أشد ارتباط، فكان عليه أن يسعى أكثر من غيره لمعاونتي بكل ما لديه من قوة، دون الالتفات إلى ذنوبي وحياتي الماضية المتداخلة المضطربة وإلى انفعالاتي، إلّا أن اعتراضه مع الأسف قد أورث -كما سمعنا- الفتورَ لدى بعض أصدقائنا الضعفاء، وسلّم بيد أهل الضلالة ما يشبه الحجة.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا ننتظر من ذلك الشيخ الفاضل تلافيَ سوء الفهم هذا والسعيَ لتعميره، ونأمل معاونته لنا بدعواته ونصائحه البليغة المؤثرة.</p>
<p style="text-align: justify;">علاوة على ذلك أُبين ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">في هذا الوقت الذي يبدو في الظاهر انحسارُ وتقهقر تلك المشارب والمسالك الحقة القوية جدًّا -والتي ينضوي تحت لوائها الملايينُ من المؤمنين المستعدين لكل تضحية- أمام الهجوم العنيف لهذه الضلالة، تحمّلتْ رسالة النور جميع تلك الهجمات، وحملت على عاتقها الأعباءَ كافة، فشقّت طريقَها سابقةً الجميعَ في طريق الإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا، لا يمكن أن تُسنَد هذه الرسائلُ إلى رجلٍ عاجزٍ نصف أمّي، قضى حياته بين المنفى والسجن وتحت رقابة سلطات الدولة وقيامِها بتنفير الناس من حوله بالدعايات المغرضة، فمثل هذا الرجل لا يمكن أن يكون مالكًا لها، ولا يمكن أن يفتخر بها أو يدّعيها، فهي ليست نابعةً من ذكائه ومهارته، بل هي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم لهذا الزمن، وهبَتها الرحمةُ الإلهية، وكل ما في الأمر أن هذا الرجل وآلافًا من أصدقائه قد مدّوا أيديهم إلى تلك الهدية الغالية النفيسة، فوقع الخيار عليه في بيانها.</p>
<p style="text-align: justify;">والدليل على أن الرسائل ليست من بنات أفكاره أن هناك من الرسائل ما قد كُتبت في ست ساعات وأخرى في ساعتين، وبعضها في ساعة واحدة وأخرى في عشر دقائق.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا أقسم أنه لو كان لي حدّة ذكاء سعيد القديم وقوة حافظته لَمَا تمكنتُ أن أكتب في عشر ساعاتٍ ما كُتب آنذاك في عشر دقائق، ولا يمكنني أن أكتب في يومين ما كُتب في ساعة.</p>
<p style="text-align: justify;">فالرسالة التي تبحث في ماهية &#8220;أنا&#8221; (الذات الإنسانية) والتي كُتبت في ست ساعات لا يمكن أن تُكتب لا من قِبَلي ولا من قبل الفلاسفة والعباقرة الباحثين، في ستة أيام؛ وهكذا.</p>
<p style="text-align: justify;">فنحن إذن مع أننا مفلسون ليس لنا شيء، إلّا أننا أصبحنا خدّامًا ودلالين في معرض أغلى المجوهرات.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأل المولى الكريم أن يوفقنا وجميع طلاب رسائل النور -بفضله وكرمه- في هذه الخدمة بإخلاص تام. آمين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;قرية ساو: قرية قريبة من منفى الأستاذ النورسي &#8220;بَارلاَ&#8221;، وأهالي هذه القرية شِيبًا وشبابًا رجالًا ونساءً خدموا الإيمان عن طريق نشر رسائل النور واستنساخها.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لقد أخذت هذه الأمانة المباركة من السيدة &#8220;آسيا&#8221; وهي طالبة النور المحترمة وأختنا في الآخرة. (المؤلف)</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: أبو داود، السنن ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٦؛ البزار، المسند ٩/٤٦١؛ وانظر: الطيالسي، المسند ١٠١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/١٧٠،١٧٢، ٧/٨٠.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/٧٨؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة ١٤؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة ١٤؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٩٢.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لعل المقصود: شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي   فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال: اعلم بأن العلمَ نورٌ   ونورُ اللّٰه لا يؤتى لعاصي</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أحمزها: (أقواها وأشدها). انظر: علي القاري، المصنوع ١/٥٧؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/١٧٥.</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-2-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2699</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحق قسطموني [1/3]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25ae%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2582-%25d9%2582%25d8%25b3%25d8%25b7%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2586%25d9%258a-1-3</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 14 Aug 2025 11:29:51 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2693</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة] [مختصر ملحق قسطموني 1/3] تأليف بديع الزمان سعيد النّورسي ترجمة إحسان قاسم الصّالحي &#160; ❀   ❀   ❀ ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾ (صحبة أهل الحقيقة)‌ باسم من تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<figure id="attachment_2696" aria-describedby="caption-attachment-2696" style="width: 956px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-2696" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/قسطمونو-زيتي.jpg" alt="الخواطر إن كانت سيئة فاسدة فلا ضرر منها، لأنه كما أن صورةَ النجاسة في المرآة ليست نجسة، وصورةَ الحية لا تلدغ، وصورة النار لا تُحرق، كذلك لا ضرر من الخواطر النجسة والقبيحة والكفرية التي تَرِدُ دون رضًى من المرء، وتتمثل في مرايا القلب والخيال دون اختيار منه، فقد تقرر في علم الأصول: أن تصوُّر الكفر ليس كفرًا، وتخيُّل الشتم ليس شتمًا.أما الخواطر الحسنة فإن تخيُّلها وتصوُّرها حسنة أيضًا، لأنها نورانية، ذلك لأن مثال النوراني وصورتَه في المرآة يبعث النور والضياء، فلها خاصيته، بينما مثال الكثيف ميّت لا حياة فيه، فلا تأثير له أيضًا. في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو." width="956" height="714" /><figcaption id="caption-attachment-2696" class="wp-caption-text">الخواطر إن كانت سيئة فاسدة فلا ضرر منها، لأنه كما أن صورةَ النجاسة في المرآة ليست نجسة، وصورةَ الحية لا تلدغ، وصورة النار لا تُحرق، كذلك لا ضرر من الخواطر النجسة والقبيحة والكفرية التي تَرِدُ دون رضًى من المرء، وتتمثل في مرايا القلب والخيال دون اختيار منه، فقد تقرر في علم الأصول: أن تصوُّر الكفر ليس كفرًا، وتخيُّل الشتم ليس شتمًا.<br />أما الخواطر الحسنة فإن تخيُّلها وتصوُّرها حسنة أيضًا، لأنها نورانية، ذلك لأن مثال النوراني وصورتَه في المرآة يبعث النور والضياء، فلها خاصيته، بينما مثال الكثيف ميّت لا حياة فيه، فلا تأثير له أيضًا.<br />في الصورة رسم زيتي للدار التي أقام بها الأستاذ النورسي إقامة جبرية في قسطمونو.</figcaption></figure>
<h1 style="text-align: center;">[مختصر ملحق قسطموني 1/3]</h1>
<p style="text-align: center;"><strong>تأليف</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>بديع الزمان سعيد النّورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>ترجمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>إحسان قاسم الصّالحي</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(صحبة أهل الحقيقة)‌</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>باسم من تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلّا يسبّح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، بعدد حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة والمتمثلة في الهواء إلى يوم القيامة.. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين.. ويا رفقائي الأقوياء المخلصين في خدمة القرآن والإيمان..</p>
<p style="text-align: justify;">حمدًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ حقق بكم أملي في رسالة &#8220;الشيوخ&#8221; وادعائي في رسالة &#8220;الدفاعات&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، للّٰه الحمد والمنة بعدد الذرات من الأزل إلى الأبد، بما أنعم بكم على رسائل النور بثلاثين من أمثال عبد الرحمن، بل مائة وثلاثين، بل ألفٍ ومائة وثلاثين من أمثاله، كل منهم يقابل ألفًا.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إنني أرى إخوتي الذين يلازمونني في الخدمة دائمًا ولا يغادرون بالي أبدًا، يَسْعَون للعمل لرسائل النور، ويتبنّونها بجديةٍ تامة، ويحافظون عليها ويتوارثونها مثلكم ناشدين الحقيقة، مقدِّرين كل شيء حق قدره.. أراهم في موضعي وهم أكثر إخلاصًا مني وأصلب عودًا وأنشط في خدمة القرآن والإيمان.. لذا أنتظر أجلي وقبري وموتي بفرح تام وسرور خالص واطمئنان قلبي كامل.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني يا إخوتي أراكم عدة مرات في اليوم، في رسائلكم وفي خدماتكم الجليلة التي لا تغادر ذهني، فأُشبع شوقي وأطمئنه بهذا الأمر؛ وأنتم كذلك يمكنكم أن تحاوروا وتجالسوا أخاكم هذا الضعيف في الرسائل، حيث <strong>الزمانُ والمكان لا يحولان دون محاورات أهل الحقيقة ومحادثاتهم</strong>، حتى لو كان أحدهم في الشرق والآخر في الغرب وآخر في الدنيا وآخر في البرزخ، <strong>لأن الرابطة القرآنية والإيمانية -التي هي بمثابة راديو معنوي- تجعلهم يتحاورون فيما بينهم</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">هناك سؤال وارد ممن يملكون الأقلام الألماسية.. إنني الآن لا أملك الجواب، فمتى ما أملكه سيأتيكم بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن رشدي ورأفت وسليمان و&#8230;.. ممن لا أستطيع ذكر أسمائهم من إخوتي الأفاضل أرجو ألّا يمتعضوا من عدم محاورتهم محاورة خاصة بالرسالة.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا مضطرون إلى اتخاذ الحيطة والحذر بنسبة عظمة خدماتنا وأهميتها، وبنسبةِ قوةِ المعارضين لها ودسائسهم الشيطانية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الراجي دعواتكم</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(زمان الجماعة)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء.. ويا رفقائي الأقوياء الفطنين في خدمة القرآن والإيمان..</p>
<p style="text-align: justify;">إن <strong>هذا الزمان زمان الجماعة</strong>، فالأهمية والقيمة تكونان حسب الشخصية المعنوية للجماعة، ولا ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار ماهيةُ الفرد المادية الفردية الفانية، ولا سيما شخص ضعيف مثلي الذي لا حول له ولا قوة، ومنحه أهمية تفوق قيمته ألف درجة، وتحميل كاهله ألوف الأرطال -وهو الذي لا يتحملَ رطلًا واحدًا- سينسحق بلا شك تحت هذا الحمل.</p>
<p style="text-align: justify;">وللّٰه الحمد فإن رسائل النور قد أظهرت -حتى للعميان- بتجارب كثيرة وحوادث عديدة أنها معجزة قرآنية تستطيع أن تنوِّر هذا العصر، بل الأعصار المقبلة، فمهما بالَغتم في مدحها والثناء عليها فهي أهلٌ لها وحقيقٌ بها، إلّا أن ما تُولُونَه لي من اهتمامٍ وحظٍّ في هذا الأمر لا أجد نفسي أهلًا له، ولو واحدًا من الألف، بل أجدني فخورًا إلى الأبد باسم رسائل النور التي أَوْلاها المنعم الكريم نعمةً عظمى بسعيكم الحثيث إلى الأعمال الجليلة، واشتراككم الجاد مع طلابها النجباء.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد صدَّق الشيخ الكيلاني والإمام الغزالي والإمام الرباني وأمثالهم من الأفذاذ، بشخصياتهم القوية وبخدماتهم الجليلة الحديثَ الوارد &#8220;علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>، وبإرشاداتهم السديدة وبآثارهم القيِّمة، ولكون أن تلك العصور كانت -من جانبٍ- عصور الجهابذة الفريدين، فقد بعث الرب الحكيم أمثالَ أولئك الأشخاص الفريدين النادرين والدهاة السامين، لإسعاف الأمة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الآن فقد بعث المولى الكريم &#8220;رسائل النور&#8221; التي هي بحكم شخص معنوي، وبعث طلابها الذين هم -بسر التساند والترابط- بحكم الفرد الفريد، إلى هذا العصر، عصر الجماعة، المحاط بالظروف المعقدة والأوضاع الرهيبة، لأجل القيام بتلك المهمة الجليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبناء على هذا السر الدقيق فإن جنديًّا مثلي، لا وظيفة له إلّا وظيفة الطليعة لدى مقام المشيرية المثقلة بالمهام الجسيمة.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتي إلى إخوتي جميعًا، ولا سيما الخواص، فأحييهم فردًا فردًا، ولأجلهم -وهم الأعزاء الميامين- أضم أقاربهم ومَن في قراهم ضمن دعواتي لأقاربي وأهل قريتي، هكذا أدعو لهم وأشركهم في مغانمي المعنوية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(علاج الوساوس وحكمتها)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب عدم استطاعتي المراسلة معكم هو بقائي تحت ضغط التضييق الشديد والمراقبة المستديمة والعزلة التامة عن الناس، فشكرًا للّٰه خالقي الرحيم بما لا يتناهى من الشكر، لما أنعم به عليّ من صبرٍ جميلٍ وتحمّلٍ عظيمٍ حتى فشل قصدهم الخبيث.</p>
<p style="text-align: justify;">إن كل شهر يمر عليّ هنا من شهور فراقي عنكم يعادل سنة من السجن الانفرادي، ولكن بركات دعواتكم الطيبة حولت -بعناية إلهية- كلَّ يوم من أيامي إلى ما يعادل شهرًا من العمر السعيد.. فلا تقلقوا على راحتي، إن ألطاف الرحمة الإلهية مستمرة.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي صبري.. كن صابرًا، لا تهتم بمرضك الناشئ من توتر الأعصاب والوهم، واعلم أنه لا ضرر فيه ولا خطورة من ورائه، ومع ذلك أدعو لكم بالشفاء؛ ذلك لأن <strong>الخواطر إن كانت سيئة فاسدة فلا ضرر منها</strong>، لأنه كما أن صورةَ النجاسة في المرآة ليست نجسة، وصورةَ الحية لا تلدغ، وصورة النار لا تُحرق، كذلك لا ضرر من الخواطر النجسة والقبيحة والكفرية التي تَرِدُ دون رضًى من المرء، وتتمثل في مرايا القلب والخيال دون اختيار منه، فقد تقرر في علم الأصول: <strong>أن تصوُّر الكفر ليس كفرًا، وتخيُّل الشتم ليس شتمًا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الخواطر الحسنة فإن تخيُّلها وتصوُّرها حسنة أيضًا، لأنها نورانية، ذلك لأن مثال النوراني وصورتَه في المرآة يبعث النور والضياء، فلها خاصيته، بينما مثال الكثيف ميّت لا حياة فيه، فلا تأثير له أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الآلام والأوجاع الروحية، فهي أسواطٌ ربانية تحث على المجاهدة والصبر، إذ تقتضي الحكمةُ الحيلولةَ دون الوقوع في اليأس، وكذلك دون البقاء في الاطمئنان والأمان، وذلك بالموازنة بين الخوف والرجاء، مع التجمّل بالصبر والتحلي بالشكر.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإنه دستور مشهور لدى أهل الحقيقة أن مدار الترقي هو ورودُ حالة القبض والبسط إلى المنتبهين اليقظين، بتجليات الجلالية والجمالية.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي صبري..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه ما من ضرر يصيب رسائل النور من جراء أداء وظيفة الإمامة في المسجد، بل أدِّها بنيّة الرخصة، ولا تتورع منها حاليًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">الحذرَ الحذر.. إن المنافقين كثيرون، فلا تبوحوا بورود الرسائل من هنا، لئلا تُصاب خدمةُ رسائل النور بضرر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن كثيرًا من الحقائق المهمة قد وردت ولم نتمكن من تدوينها، فعادت كما أتت مع الأسف، إنني هنا وحيد ومنعزل كليًّا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(أيُّ رسالة أفضل؟)</h2>
<p>إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحين.. ويا رفقائي الجادين الثابتين الصامدين في خدمة القرآن والإيمان..</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم مدار سُلواني وعزائي في هذه الدنيا، فلقد حققتم آمالي وأمانيَّ الكبيرة في حقكم، لِيَرضَ اللّٰه عنكم أبدًا.. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أثمرتْ إرسالياتُكم فوائدَ جمّة هنا، ولا سيما &#8220;الكلمة العاشرة&#8221;، فلو كنتُ قادرًا لدفعتُ مقابل كل ورقة منها هديةً ثمينة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنت لم ألتَق هذه الرسائل منذ مدة، فأيّما رسالة أقرؤها أقول: هذه أُولاها وأفضلُها. ثم أطالع الأخرى وأقول: هذه أحسنها.. وهكذا الرسالة تلو الأخرى حتى اقتنعت قناعة تامة -وتغمرني الحيرة- أن <strong>أجزاء رسائل النور لا تفضل إحداها الأخرى</strong>، فلكل منها رئاسة في مقامها؛ ولا غَرْو.. فإنها معجزة قرآنية تُنوِّر هذا العصر.</p>
<p style="text-align: justify;">إن للمجموعة الكاملة لرسائل النور -التي هي مرشد علمي معنوي مهم لهذا العصر- كراماتٍ مثل كرامات الأشخاص الأفذاذ، فهي كراماتٌ تلائمها وتجانس الحقيقة العلمية، فكراماتُها تَرِدُ في أنواعٍ كثيرة، ولا سيما في إظهار الحقائق الإيمانية، وفي انتشارها، كالكرامات الثلاث الظاهرة لرسالة المعجزات الأحمدية، وككرامة الكلمة العاشرة، والكلمة التاسعة والعشرين والآية الكبرى وأمثالها الكثيرة من الرسائل؛ فكل منها لها كرامات خاصة بها، تَظهر بأماراتٍ كثيرة وحوادثَ كثيرة، حتى إن وقائعَ عديدةً أورثتْني قناعة تامة لا يداخلها الشك من أن المجموعة الكاملة لرسائل النور بمثابة مرشد معنوي لإنقاذ إيمان طلابها عند سكرات الموت.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد شاهدت فاقتنعت أن &#8220;الحزب الأكبر النوري&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> مثال واحد لما ورد في الحديث الشريف: &#8220;تفكر ساعة خير من عبادة سنة&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup>، فعزمتُ على أن أرسله إليكم مرفقًا بـ&#8221;الحزب الأعظم القرآني&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> ولكن لطول الأخير لم أتمكن من استكتابه؛ ولما حاولت ترجمة &#8220;الحزب الأكبر&#8221; فكرت في أن أمثالكم من الإخوة ليسوا بحاجة إلى الترجمة، لذا سأرسله لكم بصورته العربية.</p>
<p style="text-align: justify;">وإن ما أرسلته إليكم من خلاصة &#8220;المقام الأول للآية الكبرى&#8221; هي أساس هذا &#8220;الحزب الأكبر&#8221;، إذ عندما أُضيفَ بعضُ الفقرات الصغيرة وبعض القيود -من دون اختيار- إذا بتلك الخلاصة تأخذ شكلًا آخر، فانبسطتْ وتوسعتْ وسطعَتْ براهينُ التوحيد فيها -كما في الآية الكبرى- وزادت معانيها وأورثت انشراحًا عظيمًا لروحي وقلبي وفكري، بحيث إنني كلما قرأت ذلك &#8220;الحزب الأكبر&#8221; متفكرًا ومتأملًا -أثناء التعب والسأم- شعرت بذوق لطيف وشوق عظيم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(العقل والقلب معًا في رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>هذه الفقرة كتبتُها جوابًا عن سؤال، لعل في بيانها فائدة لكم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">سأل مطالعون بكثرة لدواوين الأولياء وكتب العلماء هذا السؤالَ:</p>
<p style="text-align: justify;">لماذا يجد قارئ رسائل النور إيمانًا وإذعانًا في قلبه، ويَشعر بشوقٍ دائمٍ ولذةٍ جديدةٍ أكثر بكثير مما يجده في تلك الكتب؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن قسمًا من مصنفات العلماء السابقين وأغلب الكتب القديمة للأولياء الصالحين تبحث في <strong>ثمار الإيمان و نتائجه</strong> وفيوضات معرفة اللّٰه سبحانه، ذلك لأنه لم يكن في عصرهم تحدٍّ واضحٌ ولا هجومٌ سافرٌ يقتلع جذور الإيمان وأسسَه، إذ كانت تلك الأسس متينةً ورصينة.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الآن فإن هناك هجومًا عنيفًا جماعيًّا منظمًا على أركان الإيمان وأسسه، لا تستطيع أغلبُ تلك الكتب والرسائل التي كانت تخاطب الأفراد وخواصَّ المؤمنين فقط أن تصدّ التيار الرهيب القوي لهذا الزمان، ولا أن تقاومه.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>رسائل النور</strong>، فلكونها معجزة معنوية للقرآن الكريم، فهي <strong>تنقذ أسس الإيمان وأركانه</strong>، لا بالاستفادة من الإيمان الراسخ الموجود، وإنما بإثبات الإيمان وتحقيقه وحفظه في القلوب وإنقاذه من الشبهات والأوهام بدلائلَ كثيرة وبراهين ساطعة؛ حتى حكَم كلُّ من يُنعِم النظر فيها بأنها أصبحت ضروريةً في هذا العصر كضرورة الخبز والدواء.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الدواوين والمؤلفات السابقة تقول: <strong>كن وليًّا وشاهِد</strong> وَارْقَ في المقامات والدرجات، وأبصرْ وتناول الأنوار والفيوضات.</p>
<p style="text-align: justify;">بينما رسائل النور تقول: <strong>كن مَن شئتَ وأبصر</strong>.. وافتح عينيك فحسب، وشاهد الحقيقةَ، وأنقذ إيمانك الذي هو مفتاح السعادة الأبدية.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن رسائل النور تحاول أولًا إقناعَ نفس مؤلّفها ثم تخاطب الآخرين؛ لذا فالدرس الذي أقنع نفسَ المؤلف الأمارةَ بالسوء إقناعًا كافيًا وتمكَّنَ من إزالة وساوسها وشبهاتها إزالةً تامةً لهو درس قوي بلا شك، وخالصٌ أيضًا، بحيث يتمكن وحدَه من أن يصد تيار الضلالة الحاضرة التي اتخذت شخصية معنوية رهيبة -بتشكيلاتها الجماعية المنظمة- بل أن يجابهها و يتغلب عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الرسائل ليست كبقية مصنفات العلماء تسير على وفق خطى العقل وأدلته ونظراته، ولا تتحرك كما هو الشأن لدى الأولياء المتصوفين بمجرد أذواق القلب وكشوفاته، وإنما تتحرك بخطى اتحاد العقل والقلب معًا وامتزاجهما، وتعاون الروح واللطائف الأخرى، فتحلّق إلى أَوج العلا، وتصل إلى مراقٍ لا يصل إليها نظرُ الفلسفة المهاجمة فضلًا عن أقدامها وخطواتها، فتُبيِّن أنوارَ الحقائق الإيمانية وتوصلها إلى عيونها المطموسة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حكمة التكرار)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء حق الوفاء..</p>
<p style="text-align: justify;">لأنتم مدار سُلواني وسروري في هذه الدنيا؛ فلولاكم لما تحملت العذاب طوال أربع سنوات، فثباتُكم وصمودُكم منَحاني صبرًا قويًّا وجلَدًا أمام العذاب.. فلقد وردتْ إلى الخاطر دفعةً واحدة النقاطُ الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: إخوتي.. إن هذه الزلزلة معجزة قرآنية جلية كانشقاق القمر -حسب اعتقادي-؛ فلقد اضطر أعتى المتمردين إلى الدخول في حالة التصديق.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: منذ القدم لا توجد جماعةٌ كطلاب النور، سَعَوا سعيًا جادًّا وقدّموا خدمات جليلة في طريق الحق والحقيقة ثم نجَوا من البلايا والمصائب بأتعابٍ قليلة، علمًا أن الذين أدَّوا عُشْر ما قدمناه من خدماتٍ للإيمان والقرآن قد قاسَوا أضعافَ أضعافِ ما قاسيناه. بمعنى أننا في حالة تدفعنا إلى الشكر والحمد دومًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثتها</strong>: لقد طالعتُ الرسائل المرسلة إلينا، فرأيت أن عددًا من الحقائق قد تكررت لمناسبة المقام؛ إذ تكررتْ تلك المسائل دون إرادتي، بل خلاف رغبتي واختياري، فتضايقتُ من النسيان الذي اعترى ذاكرتي، وفجأة ورد إلى القلب هذا التنبيه: &#8220;انظر إلى ختام الكلمة التاسعة عشرة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فنظرت إليه وهو يتناول بيان الحِكَم الجميلة للتكرارات الواردة في القرآن الكريم، فهذه الحِكم تَظهر أيضًا في رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم، فرأيت أن تلك التكرارات منسجمة تمامًا مع تلك الحِكم، بل هي ضرورية أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن كلًّا من لطفي وعبد الرحمن وعلي الصغير قد طلبوا مني -باسمكم جميعًا- شرح &#8220;اللمعة التاسعة والعشرين العربية&#8221; وترجمتَها إلى التركية، إلّا أنه لا يتسع وقتي لأنشغل بها، ولا تسمح حالي حاليًّا بذلك؛ وسيؤدي تلك الوظيفةَ -إن شاء اللّٰه في المستقبل- طالبٌ آخر من طلاب النور.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: لِمَ لا تصيب زلزلةُ الأرض روسيا، بل تصيب فقط&#8230;؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: لأن الاستخفاف والكفر بدينٍ منسوخٍ محرَّف يختلف عن الاستخفاف بدينٍ أبديٍّ حق؛ فهذه الإهانة تثير غضب الأرض وتُزلزلها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الرسائل تنتشر بذاتها)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الثابتين المضحِّين الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: أهنئ عيدكم المقبل، راجيًا من رحمة الرحمن سبحانه وتعالى أن يجعل دعوات إخواني الميامين في جوف الليالي المباركة وفي أسحارها مباركةً منورةً لي ولأهل الإيمان، ولا سيما تلك التي تُرفع من قِبَلهم في الليالي الثابتة قيمتُها بالقَسَم القرآني: ﴿والفجر * وليالٍ عشرٍ﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">&#8230;&#8230;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إنني أشعر بأن &#8220;لخلوصي&#8221; ما يقلقه، فعليه ألّا يقلق، <strong>لأن طلاب رسائل النور تحت حماية رحمة اللّٰه ونَظَارةِ عنايته</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت مشقات الدنيا تورث الثوابَ والأجر الأخروي، وأنها عابرةٌ زائلة كذلك، ينبغي أن تقابَل تلك المصائبُ بالثبات والصمود، مع التحلي بالصبر الجميل ضمن الشكر.</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم جميعًا -وكذا &#8220;خلوصي&#8221;- داخلون ضمن دعواتي.. فأنتم معي في كل مغانمي ومكاسبي المعنوية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رابعًا</strong>: إن رسائل النور تنتشر بذاتها تحت حماية القرآن الكريم والحفظ الرباني.. وهي تتفيض وتتنور أكثر في السر، وإنني على أمل أنكم يا إخواني ستصدّون حادثات الزمان المزلزِلة -كما هو دأبكم إلى الآن- وليكن دستورنا دومًا &#8220;مَن آمَن بالقدر أمِن من الكدر&#8221;.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;"><strong>(الدواء المقدس) </strong></h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إنني بالمقابل أهنئكم أيضًا بالعيد السعيد.</p>
<p style="text-align: justify;">تسألون عن صحتي وراحتي.. إنني أحمد خالقي الكريم حمدًا لا يتناهى، إذ أسعفني <strong>بالإيمان الذي هو دواء مقدس لكل داء،</strong> وأغاثني <strong>بدواء</strong> «<strong>الرضا بالقضاء»</strong> النابع من الإيمان بالقدر، مما دفعني إلى الشكر ضمن الصبر، على الرغم من شدة برودة الشتاء هنا، ولا سيما في غرفتي، على الرغم من وحشة الغربة من جهات ثلاث، وضيق الأمراض العصبية الثلاثة، على الرغم من الانفراد التام والعزلة الكاملة، وتعرضي لما لا يُتحمل من المشقات والمضايقات.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;"> (ناشرو الرسائل)</h2>
<p>إخوتي الأعزاء الأوفياء الخالصين..</p>
<p>إنني أحمد ربي الرحيم حمدًا لا نهاية له، إذ خَلَق من أمثالكم ناشرين لرسائل النور ومحافظين عليها ومالكين لها، وخففَ العبء الثقيل الذي أرهق كاهلَ شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ مثلي.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;"><strong> (رفض الإفراط)</strong></h2>
<p>&#8230;..</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا يمكن قبولُ حسنِ الظن المفرط نحوي ومَنحي مقامًا وأهمية تفوق حدي ألف درجة، إلّا إذا كان باسمِ رسائل النور وخدمتها، وكونها داعيةً ودلّالةً إلى جواهر القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، ليس لي حقٌّ قطُّ في قبول مثل هذا الظن الحسن باعتباري الشخصي الذي لا أهمية له إطلاقًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الصدقة تدفع البلاء)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين الثابتين الموقرين..</p>
<p style="text-align: justify;">إن توديعكم كتابة &#8220;الفهرس&#8221; إلى الشخص المعنوي الناشئ من هيئتكم المتساندة، وعلى صورةِ توزيع الأعمال فيما بينكم: عملٌ جميل جدًّا. فلقد وجدتم أستاذًا حقيقيًّا ودائميًّا لكم، فذلك الأستاذ المعنويُّ أفضل بكثير من أخيكم هذا العاجز، بل لا يَدع حاجة إليه.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">عندما قلقتُ من أجلكم بسبب أخذكم إلى الخدمة العسكرية، ونظرت إلى حادثات الزمان خطر على قلبي ما يأتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن الحضارة الأوروبية المؤسّسة على أسس فاسدة، والتي تدّعي أن كل ما أتاها هو من عندها كادّعاء قارون: ﴿قال إنما أوتيته على علم﴾، فلا تشكرُ ربّها الذي أحسن إليها بفضله وكرمه تعالى، والتي رَجَحَت كفةُ سيئاتها على حسناتها حيث سقطت في الشرك بفكرها المادي الملوث.. إن هذه الحضارة تلقَّت صفعةً سماوية قوية بحيث أبادت محاصيل مئات السنين من رقيِّها وتقدمها، ودمّرتها تدميرًا، وجعلتها طُعمة للنار؛ إذ قد نزلت بالحكومات الأوروبية الظالمة -لإهانتها العالمَ الإسلامي ومركزَ الخلافة، وإقرارِها معاهدة سيـفر<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>&#8211; خسارةٌ فادحةٌ وانهزامٌ كلّي، بحيث لا تستطيع الخروج من عذابٍ في الدنيا كعذاب جهنم، بل تضطرب وتصطرخ فيها.. أجل إن هذا الانهزام إنما هو عقاب تلك الإهانة.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا، ويقضي أشخاص محترمون هنا حكمًا قاطعًا بأن ولايتَي &#8220;إسبارطة&#8221; و&#8221;قسطموني&#8221; -وهما مركزا انتشار رسائل النور- محفوظتان من الآفات السماوية بالنسبة لسائر الولايات، وأن السبب في ذلك هو ما تُورثه رسائلُ النور من إيمانٍ تحقيقيٍّ وقوةٍ في العقيدة والدين، إذ إن أمثال هذه الآفات السماوية تنـزل نتيجةَ سيئاتٍ تنشأ من ضعف الإيمان، فلقد ثبت في الحديث الشريف: &#8220;الصدقة تدفع البلاء&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>، فتلك القوة الإيمانية أيضًا تدفع تلك الآفاتِ حسب درجتها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(سعيد صعيد)</h2>
<p style="text-align: justify;">يا سعيد.. كن صعيدًا، في نكرانٍ تامٍّ للذات، وتركٍ كليٍّ للأنانية، وتواضعٍ مطلق، كالتراب، لئلا تُعكِّر صفو رسائل النور وتقلل من تأثيرها في النفوس.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مسألتان)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أُخطِرتْ إلى قلبي في هذه الأيام مسألتان: إحداهما تخص طلاب النور، والأخرى تخص أهل الدنيا؛ فأكتبهما لكم لأهميتهما.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الأولى</strong>:</p>
<h3 style="text-align: justify;">(أمارتان على حسن الخاتمة)</h3>
<p style="text-align: justify;">إن هناك بشارات سامية وقوية -في الشعاع الأول- حول دخول طلاب النور الصادقين الأوفياء القبرَ بحسن الخاتمة، وأنهم سيكونون من أهل الجنة.</p>
<p style="text-align: justify;">كنت أنتظر منذ مدة، دليلًا قويًّا يُسنِد هذه المسألة العظيمة جدًّا، وهذه البشارة الكبرى، فللّٰه الحمد والمنة خَطَرت أمارتان دفعةً واحدةً على القلب.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأمارة الأولى</strong>: لقد قضى أهل الكشف والتحقيق أن <strong>الإيمان التحقيقي كلما ارتقى من علم اليقين إلى حق اليقين يستعصي على السلب، فلا يُسلَب</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وقالوا: إن الشيطان لا يستطيع أن يورث أحدًا في سكرات الموت إلّا إلقاء الشبهات بوساوسه إلى العقل فحسب؛ أما هذا النوع من <strong>الإيمان التحقيقي</strong>، فلا يتوقف في حدود العقل فحسب، بل <strong>يسرى إلى القلب وإلى الروح وإلى السر وإلى لطائف أخرى</strong>، فيترسخ فيها رسوخًا قويًّا بحيث لا تصل يد الشيطان إليها أبدًا، فإيمان أمثال هؤلاء مَصونٌ من الزوال بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">إن إحدى طرق الوصول إلى هذا الإيمان التحقيقي هو بلوغ الحقيقة بالولاية الكاملة بالكشف والشهود، وهذا الطريق إيمانٌ شهوديٌّ يَخُص أخصّ الخواص.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الطريق الثاني فهو تصديق الحقائق الإيمانية بعلمِ اليقينِ البالغِ درجة البداهة والضرورة، وبقوةٍ تَبلغ درجةَ حق اليقين، وذلك بفيضِ سرٍّ من أسرار الوحي الإلهي من جهة الإيمان بالغيب، وبطراز برهاني وقرآني يمتزج فيه العقل والقلب معًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذا الطريق الثاني هو أساسُ رسائل النور، وخميرتُها، وروحُها وحقيقتها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن طلابها الخواص يشاهدون ذلك، بل إذا ما نظر الآخرون أيضًا بإنصاف فإنهم يرون أن رسائل النور تبين استحالة الطرق المخالفة للحقائق الإيمانية، وأنها غير ممكنة وممتنعة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأمارة الثانية</strong>: إن دعوات خالصة كثيرة جدًّا ومقبولة تُرفع دومًا ليُرزَق طلاب النور الصادقون حُسْن الخاتمة واكتساب الإيمان الكامل. فهي دعواتٌ كثيرةٌ إلى درجةٍ لا يجد العقلُ مجالًا لعدم قبول أيٍّ من في تلك الأدعية.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن خادمًا لرسائل النور وطالبًا من طلابها يدعو خلال أربع وعشرين ساعة مائة مرة لطلاب النور، ويدعو خلال تلك الأدعية ما يقرب من ثلاثين مرة على الأقل في اليوم الواحد، لسلامة إيمانهم وحسن عقباهم ودخولهم القبر بإيمان. فهو يدعو بتلك الأدعية ضمن أكثر الشروط استجابة وقبولًا للدعاء.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن مجموعة الأدعية المرفوعة من قبل الطلاب أنفسهم، وهم يتعرضون لهجماتٍ على الإيمان أكثر من جميع الجهات، تلك الأدعية التي يدعو بها كلٌّ لإخوته الآخرين، والتي يلهجون بها بألسنتهم البريئة لسلامة إيمانهم وإيمان إخوتهم.. أقول: إن مجموع تلك الأدعية قويةٌ إلى درجةٍ لا تردُّها رحمةُ الرحمن العظيمة وحكمتُه الواسعة، فلو افتُرِض ردُّ جميع تلك الأدعية وقبول دعاءٍ واحد منها، لكفاه قبولًا لدخول كلِّ طالب من الطلاب القبرَ بسلامة الإيمان، ذلك لأن كل دعاءٍ يُرفع من قِبَلهم هو دعاء متوجه إلى الجميع.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثانية: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(حكمة انهزام الدولة العثمانية)</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد ظهر في الوقت الحاضر جزء من جواب سعيد القديم الناطقِ باسم هذا العصر عن السؤال الذي أورده مجلسٌ مثاليٌّ روحاني يتشاورون فيما بينهم مصيرَ العالم الإسلامي، وذلك في &#8220;حوار في رؤيا&#8221; المنشور في كتاب &#8220;السانحات&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>، والمطبوع قبل عشرين سنة. فقد قال ذلك المجلس المعنوي في ذلك الوقت: ما الحكمة في انهزام الدولة العثمانية في هذه الحرب التي انتهت باندحار الألمان؟</p>
<p style="text-align: justify;">وقال سعيد القديم جوابًا: لو كنا منتصرين لكنّا نضحي بكثير من المقدسات الدينية في سبيل الحضارة الأوروبية -كما ضُحِّيَت بها بعد سبع سنوات- ولكانت تُطبَّق بالقوة والإكراه وبسهولة تامة النظامُ المطبَّق في الأناضول في العالم الإسلامي، ولا سيما في الحرمين الشريفين، ويعمم باسم المدنية الأوروبية. ولهذا سمح القدرُ الإلهي بانهزامنا في الحرب بفضل العناية الإلهية حفاظًا على تلك الأماكن المباركة.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد مرور عشرين سنة على هذا الجواب تمامًا سُئلت أيضًا في الليل، كالذي في الحوار؛ في الوقت الذي هناك منبع عظيم لنصر سياسي في الأوساط الدولية، وهو البقاء على الحياد واسترجاع المُلك الضائع، وإنقاذ مصر والهند وجلبهما إلى الاتحاد معنا، فما الحكمة من اختفاء هذا المنبع العظيم عن أنظار هؤلاء الأذكياء بل الدهاة، حتى سلكوا طريقًا ضارًّا فانحازوا إلى عدو مشكوك في أمره (الإنكليز) مضطربٍ لا يوثَق به ولا فائدة ولا جدوى من الانحياز إليه<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>؟!</p>
<p style="text-align: justify;">سئِلْتُ هذا السؤال، وكان الجواب الوارد من جانبٍ معنوي هو أن الجواب الذي أجبته عن سؤال معنوي قبل عشرين سنة، هو جواب هذا السؤال بالذات، أي:</p>
<p style="text-align: justify;">إذا ما التُزم جانب الغالب المنتصر، لكان النظام المطبق هنا يُطبَّق في العالم الإسلامي والأماكن المقدسة، ويُنفَّذ هناك باسم المدنية الدنية، ضمن نشوة الانتصار، دونما مقاومة تُذكر. فلأجل سلامة ثلاثمائة وخمسين مليونًا من المسلمين، لم يروا هذا الخطأ الظاهر فتصرفوا تصرف العميان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(نتائج دنيوية في العمل للنور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الصادقين..</p>
<p style="text-align: justify;">أهنئكم بالعيد السعيد، وأثمّن خدماتكم الجليلة، وأدعوه تعالى أن يوفقكم فيها، وأشكر خالقي الرحيم شكرًا لا يتناهى إذ جعل من إخوة ثابتين مضحين من أمثالكم مالكين لرسائل النور وناشرين لها.. فكلما تذكرتُكم امتلأتْ روحي انشراحًا وقلبي فرحًا، فلا تكون مغادرتي الدنيا موضعَ أسف، بل أنظر إلى الموت كصديق، لدوام حياتي ببقائكم أنتم، فأنتظر أجَلي دون قلق واضطراب. ليرضَ اللّٰه عنكم أبدًا&#8230; آمين. آمين.</p>
<p style="text-align: justify;">مثلما يَشعر أغلب العاملين من طلاب رسائل النور نوعًا من الكرامة والإكرام الإلهيين، يَشعر أخوكم هذا العاجز بأغلب أنواعها وأنماطها، وذلك لشدة حاجته إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">وطلابُ النور الموجودون في هذه المناطق يعترفون مُقسمين باللّٰه: أننا كلما انشغلنا في خدمة النور وجدنا السعة في المعيشة، والانشراح في القلب، وفرحًا غامرًا يملأ كياننا.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني كذلك أشعر بهذا في كياني كله شعورًا تامًّا، بحيث تَسكت نفسي الأمارة وشيطاني أيضًا بِحَيرةٍ أمام تلك البداهة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الدعاء الشامل)</h2>
<p style="text-align: justify;">اعلموا أنني منذ أكثر من سنة أضم في دعائي كلَّ أقرباء طلاب النور المنشغلين برسائل النور من أزواج وأولاد ووالدين، وإن سبب ذلك هو انخراط بعض الأشخاص في دائرة النور مع عوائلهم وأولادهم ومتعلقاتهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(أجدى عمل في الوقت الحاضر)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد أنزلت العدالةُ الإلهية بالمدنية الدنيّة التي أهانت الإسلام عذابًا أليمًا ومعنويًّا أرداها إلى درك الوحوش الجاهلين، فلقد أزالت تلك المخاوفُ المستمرةُ ملذاتِ وأذواقَ مدنية أوروبا والإنكليز مائة سنة، وطيّرت منهم نشوتَهم من الرقي والتسلط على رقاب الآخرين ونشوة الاستيلاء عليهم.. فلقد أذاقتهم العدالة الإلهية ذلك الخوفَ الرهيب، وقذفت على رؤوسهم قنابل الرعب والرهبة والقلق والاضطراب.</p>
<p style="text-align: justify;">إن ألزمَ شيءٍ في مثل هذا الوقت وأجدى عملٍ وأجدر وظيفة هو <strong>إنقاذ الإيمان</strong>..</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن إيمان شخص واحد إنما <strong>هو مفتاحٌ ونورٌ لعالم أبدي خالد</strong> أوسع من هذه الدنيا، ولهذا فإن رسائل النور تُكسِب المتعرضَ إيمانُه للهلاك مُلكًا أعظم من هذه الكرة الأرضية، وتورثه سلطنةً أجدى منها، وتمنحه فتوحات أعظم منها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(وظيفة المنتسب إلى رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>حادثة تبين كرامة من كرامات رسائل النور لدى استنساخها حوالينا</strong></p>
<p style="text-align: justify;">طالب للنور، وهو شيخ وقور جادّ في عمله، كان يكتب رسالة &#8220;الشيوخ&#8221;، ولما بلغ أواخر الرجاء الحادي عشر، ولدى ذكر وفاة المرحوم &#8220;عبد الرحمن&#8221;، كتب قلمه: &#8220;لا اله إلّا هو&#8221;، ونطق لسانه &#8220;لا إله إلّا اللّٰه&#8221;، فختم صحيفةَ حياته بالحسنى، مصدِّقًا البشارة الإشارية القرآنية بأن طلاب النور تُختم حياتهم بالحسنى، ويدخلون القبر بالإيمان. رحمة اللّٰه عليه رحمة واسعة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنبيه مهم لإخوتي في الآخرة</strong></p>
<p style="text-align: justify;">يضم هذا التنبيه مادتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولاها</strong>: أن أهم وظيفة للمنتسب إلى رسائل النور، كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها؛ فالذي يكتبها أو يستكتبها، يكسب عنوان &#8220;طالب رسائل النور&#8221;، فيغنم بهذا العنوان حظًّا من مكتسباتي المعنوية، ومن دعواتي الخيرة وتضرعاتي التي أدعوها كل أربع وعشرين ساعة بمائة مرة، بل تزيد أحيانًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فضلًا عن ذلك يكسب حظًّا من مكتسبات معنوية لألوف من إخواني البررة ومن دعواتهم الطيبة التي يدعون اللّٰه بها.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلاوةً على ذلك فإنه بكتابته الرسائل التي هي بمثابة أربعة أنواع من عبادة مقبولة يكسبها بأربعة وجوه.. إذ يقوّي إيمانَه.. ويسعى لإنقاذ إيمان غيره من المهالك.. وينال التفكر الإيماني الذي يكون بمثابة عبادةِ سنةٍ أحيانًا كما ورد في الأثر.. ويدفع غيره إلى هذا التفكر.. ويشترك في حسنات أستاذه الذي لا يجيد الخط ويقاسي من الأوضاع الشديدة ما يقاسي بمعاونته له.. نعم، يستطيع أن يكسب أمثال هذه الفوائد الجليلة.</p>
<p style="text-align: justify;">إني أقسم باللّٰه أن الذي يكتب رسالة صغيرة لنفسه عن فهمٍ، فكأنما يقدم هدية عظيمة لي، بل كل صحيفة منها تجعلني في امتنان، كما لو تهدى إليّ أوقيةٌ من السكر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المادة الثانية</strong>: وا أسفًا، إن أعداء رسائل النور من الجن والإنس المارقين الذين لا يؤمِنون ولا يؤمَنون يحاولون أن ينـزلوا ضرباتهم الخبيثة الشيطانية بدسائس خفيةٍ جدًّا ووسائل متسترة، لعجزهم عن صدِّ قلاع رسائل النور المتينة كالفولاذ وحججها القوية قوةَ السيوف الألماسية، وذلك لتثبيط همم الكُتّاب والمستنسخين من حيث لا يشعرون، وبثِّ الفتور في هممهم، وحملِهم على التخلي عن الكتابة. والكتّاب قليلون جدًّا -ولا سيما هنا- مع شدة الحاجة إليهم، وشدة مراقبة الأعداء المتربصين. وحيث أن قسمًا من الطلاب لا يستطيعون الصمود، فإنهم يَحرِمون -إلى حدّ ما- هذه البلدة من تلك الأنوار.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فمن يرغب في محاورتي ومجالستي ومقابلتي في مشرب الحقيقة ما إن يفتح أية رسالة كانت، فإنه لا يقابلني بل يقابل أستاذه الخادم للقرآن</strong>.. ويستطيع أن يتلقى بذوقٍ خالصٍ درسًا في حقائق الإيمان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مسألتان دقيقتان)</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>أكتب إليكم مسألتين دقيقتين وردتا بتنبيه معنوي</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الأولى</strong>:</p>
<h3 style="text-align: center;">(ما تُوَلِّده سذاجة المسلمين)</h3>
<p style="text-align: justify;">لقد ورد في التنبيه سببان خاصان في عدم استجابة الدعوات الكثيرة -المرفوعة في شهر رمضان الفائتِ لسلامة أهل السنة والجماعة ونجاتهم- استجابةً جليةً في الوقت الحاضر.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الأول</strong>: أن خاصية هذا العصر العجيبة هي غلو المسلمين في السذاجة، وتسامحهم وتجاوزهم عن خطيئات جناة رهيبين، إذ لو رأى أحدُهم حسنةً واحدةً من شخصٍ ارتكب ألوف السيئات وتعدّى على حقوق ألوف العباد، سواء على حقوقهم المعنوية أو المادية، ينحاز إلى ذلك الظالم لأجل تلك الحسنة الواحدة!! وبهذه الصورة <strong>يشكّل أهلُ الضلالة والطغيان الأكثرية العظمى من الناس</strong> رغم أنهم قلة قليلة جدًّا، وذلك لموالاة أولئك السذج لهم، ولأجله يُنـزل القدرُ الإلهي المصيبةَ العامة التي تترتب وتنبني على خطأ الأكثرية.</p>
<p style="text-align: justify;">بل إن عملهم هذا يُعين على دوام المصيبة واستمرارها، بل على شدّتها، حتى يقولوا هم بأنفسهم: نعم، نحن نستحق هذه المصيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن مَن يعرف قيمة الألماس -كالإيمان والآخرة- ثم يرجِّح عليه قِطَعًا من الزجاج -كالدنيا والمال- لضرورة قطعية، فله رخصة شرعية، إلّا أن تفضيله هذا إن كان ناشئًا من حاجةٍ بسيطةٍ جدًّا، أو من خوف جزئي، أو من هوى متَّبع، أو من طمع، فهو خسران بجهالة وبلاهة يستحق لطمة تأديب عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن التجاوز عن السيئات والعفو والصفح إنما يكون عن حقوق الشخص نفسه؛ أي له أن يعفو ويصفح عمن تعدّى على حقوقه، وليس له العفو والسماح عن الذي يهضم حقوق الآخرين من الجناة والطغاة، إذ يكون شريكًا معهم في ظلمهم.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السبب الثاني</strong>: لم يؤذن لكتابته.</p>
<p style="text-align: justify;"> <strong>المسألة الثانية: </strong></p>
<h3 style="text-align: center;">(تأويل بشرى)</h3>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن تأويلات الروايات الواردة حول أحداث الساعة المدوّنة في سجن &#8220;أسكي شهر&#8221; على الرغم من ظهور صدقها وتطابقها، فإن عدم معرفة أهل العلم وأهل الإيمان لتلك التأويلات وعدم مشاهدتهم لها دفعني إلى مباشرةِ كتابةِ إيضاحٍ بشأنها وبيانِ الحكمة فيها، وعزمتُ على ذلك، وكتبتُ ما يقرب من صحيفتين فعلًا، ثم أُسدل الستار أمامي، فتأخر البحث.</p>
<p style="text-align: justify;">ففي غضون هذه السنين الخمس توجهتُ إليها ست مرات، وكلما توجهت لكتابتها لم أوفّق، إلّا أنه أُخطر على قلبي بيان حادثة تخصُّني تُعدّ من فرعيات تلك المسألة، وهي: أنني كنت أبشِّر الناس بأملٍ قويٍّ وعقيدةٍ جازمةٍ بأنني أرى نورًا في المستقبل، وأرى ضياءً في الأيام المقبلة، أبشرهم بهذه البشرى لأجل إزالة اليأس المخيّم على أهل الإيمان في بداية عهد الحرية، وقبل ظهور رسائل النور بمدة مديدة، حتى كنت أبشر بها طلابي قبل عهد الحرية، وكنت أصمد أمام الحادثات الرهيبة ببوارق تلك البشرى، كما في رسالة &#8220;السانحات&#8221;، مثلما ذكره &#8220;عبد الرحمن&#8221; فيما كتبه من تاريخ الحياة، وكنت أتصور ذلك النور-كالآخرين- في محيط واسع وفي دائرة عظمى في عالم السياسة وفي الحياة الاجتماعية الإسلامية، ولكن أحداث العالم كانت تكذّبني وتخيّب أملي الحَسَن في تلك البشرى السارة عن المستقبل.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى حين غرة وردت خاطرةٌ على قلبي أورثت الطمأنينة التامة والقناعة الكاملة وبقطعية تامة، فقد قيل لي: &#8220;إن تأويل بشاراتك وإخبارِك منذ مدةٍ برؤيةِ نور -والتي كنتَ ترتبط بها بعلاقة جادة وتكررها- وتفسيرها وتعبيرها بحقكم بل بحق عالم الإسلام من حيث الإيمان هو رسائل النور، فهي ضياء، حيث أخذتْ جُلَّ اهتمامك، بل هي نور ومقدمة وبشرى لما كنتَ تتخيله وتظنه في دائرة واسعة وفي عالم السياسة ولما سيأتي من حالات سعيدة متّسمة بالدين، هذا النور المعجَّل تصورتَه تلك السعادةَ المؤجلة، فكنتَ تبحث عنه لدى باب السياسة&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد شعرتَ بهذا قبل ثلاثين سنة بحسٍّ مسبق، فقد كنتَ كمن ينظر إلى موضع أسود من خلال ستار أحمر فكنتَ ترى اللون أحمر، إذن فما شاهدتَه من نورٍ صدقٌ وصواب، ولكن طبّقتَه بشكل خطأ، فقد خدعَتك فتنةُ السياسة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(مهمة رسائل النور)</h2>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور لا تعمّر تخريبات جزئية، ولا ترمم بيتًا صغيرًا مهدمًا وحده، بل <strong>تعمّر أيضًا تخريبات عامة كلية</strong>، وترمِّم قلعة عظيمة -صخورها كالجبال- تحتضن الإسلام وتحيط به.</p>
<p style="text-align: justify;">وهي لا تسعى لإصلاح قلب خاص ووجدان معيَّن وحده، بل تسعى أيضًا -وبيدها إعجاز القرآن- لمداواة القلب العام المجروح، وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هُيئت لها ورُكّمت منذ ألف سنة، وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجّه نحو الفساد نتيجةَ تحطُّم الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع ولا سيما عوام المؤمنين. نعم، إنها تسعى لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدويةِ إعجاز القرآن والإيمان.</p>
<p style="text-align: justify;">فأمام هذه التخريبات الكلية الرهيبة، والشقوق الواسعة، والجروح الغائرة، ينبغي وجود حجج دامغة وأعتدة مجهّزة بدرجة حق اليقين وبقوة الجبال ورسوخها، ووجودُ أدوية مجرّبة لها من الخواص ما يفوق ألف ترياقٍ وترياق (مضاد للسموم) ولها من المزايا ما يضاهي علاجات لا حدّ لها.</p>
<p style="text-align: justify;">فرسائل النور النابعة من الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، تؤدي هذه المهمة وفي هذا الوقت أتم أداء، وتحظى في الوقت نفسه بكونها مدارَ انكشافٍ لمراتبَ غير محدودة للإيمان، ومصدر رقي في مدارجه السامية غير المتناهية.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى هذا المنوال جرت مكالمة طويلة، فسمعتُها كاملة، وشكرت اللّٰه كثيرًا. أجملتُها لكم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولمناسبة هذه الحادثة أُبيّن لكم حادثة وردت على خاطري في هذه الأيام:</p>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت أذكر كلمة التوحيد في ختام أذكار الصلاة ثلاثًا وثلاثين مرة وردت هذه الخاطرة على قلبي: إن ساعة التفكر المذكورة في الحديث الشريف: &#8220;تفكر ساعة خير من عبادة سنة&#8221; موجودة في رسائل النور، فاسْعَ للعثور عليها وامتلاكها.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(نتائج الاهتمام بالأخبار السياسية)‌</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>جواب الأستاذ حول سؤال أورده كل من &#8220;أمين&#8221; و&#8221;فيضي&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: إنكم تذكرون في جوابكم: أن من يتابع بلهفةٍ الحوادثَ الجارية في الأوساط السياسية الواسعة يتضرر من حيث وظائفه في الدوائر الصغيرة الخاصة.. نرجو إيضاحًا لهذا؟</p>
<p style="text-align: justify;">يقول أستاذنا:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: نعم، إن مَن يولي اهتمامًا بالغًا في هذا الوقت بالصراعات الدائرة في الكرة الأرضية، ويتابعها بلهفة وفضول بوساطة الراديو، تَلحقه أضرارٌ مادية ومعنوية كثيرة جدًّا؛ فإما أنه يشتت عقلَه ويصبح أبلهًا -روحًا ومعنى- وإما أنه يشتت قلبَه فيكون ملحدًا روحًا ومعنًى، وإما أنه يشتت فكره فيغدو أجنبيًّا روحًا ومعنى.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إني شاهدت رجلًا من العوام صاحب تقوى ودين -وآخَر ينتسب إلى العلم- قد حزن حزنًا شديدًا -لحدِّ البكاء- لانهزام كافرٍ عدوٍ للإسلام منذ القدم، وذلك لكثرة اهتمامه بما لا يعنيه، وفي الوقت نفسه سُرَّ سرورًا بالغًا من تقهقر جماعة السادة من أهل البيت تجاه كافر عنيد.</p>
<p style="text-align: justify;">أليس هذا أعجب مثال للجنون وتشتت العقل، أن يفضّل رجل عامي باهتمامه بدائرة السياسة الواسعة التي لا تعنيه، كافرًا عدوًّا لدودًا للإسلام على مجاهد سيد من أهل البيت؟!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن مسائل السياسة تتعلق -إلى حدٍّ ما- بوظيفة العاملين في الشؤون الخارجية وأركان الحرب في الجيش والقادة المسؤولين، أما دفع تلك المسائل إلى رجل عامي ساذج وإثارته بها، وصرفه عما يلزمه من وظائف تجاه شؤون روحه وأمور دينه، بل حتى تجاه شؤونه الشخصية بالذات ولوازم بيته وقريته، ومن ثم جَعْله بهذا التلهف والفضول سائبَ الروح، ثرثار العقل، فاقدًا لأذواق القلب نحو الحقائق الإيمانية والإسلامية، خائر الشوق إليها.. وكذا إثارة العوام بتلك الاهتمامات التافهة التي تقتل قلوبهم معنًى -بما يشبه تهيئة الجو الملائم للإلحاد- ودفعهم إلى استماع الراديو في شؤون سياسية لا تعنيهم في شيء.. أقول: إن كل ذلك لضرر بالغ للحياة الاجتماعية الإسلامية، بحيث إن الإنسان كلما فكر بنتائجها الوخيمة المترتبة عليها يقشعر من هولها جلده، ويقف شعره!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كل إنسان له علاقه بوطنه وقومه وحكومته، ولكن من الخطأ الجسيم جَعْل منافع الأمة ومصلحة الوطن والحكومة تابعةً لسياسةٍ مؤقتةٍ لبعض الأشخاص انجرافًا لتيارات مؤقتة، بل تَصوّرها نفسها.. فضلًا عن أن حصة كل شخص من تلك الروح الوطنية والقومية وما تترتب عليها من وظائف إن كانت واحدة فإن حصته تجاه وظائف قلبه ومهمات روحه وواجباته الشخصية والبيتية والدينية وغيرها عشرون بل مائة حصة.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن تضحية هذه العلاقات الجادة والضرورية جدًّا لأجل تلك الحصة الواحدة من التيارات السياسية غير الضرورية مما لا يعنيه شيئًا&#8230; أقول: إن لم يكن هذا جنونًا فما هو إذن؟!</p>
<p style="text-align: justify;">هذا هو جواب أستاذنا الذي ألقاه علينا بسرعة، ونحن بدورنا كتبناه باستعجال. فنرجو غض النظر عن التقصير.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، ونحن بدورنا نصدّق ما يقوله الأستاذ، لأننا قد شاهدنا ما يقوله في أنفسنا وفي أصدقائنا فعلًا، حتى ترك بعضُهم صلاة الجماعة -وربما الصلاة نفسها- لأجل الاستماع إلى الراديو الذي يذيع الأخبار في أثناء وقت الصلاة بذاته.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إنه باهتمامه الشديد وفضوله البالغ لمتابعة أخبار الحرب -التي هي صفعة قوية متلاحقة على المدنية الحاضرة ولسفاهتها وضلالها ولإهانتها الإسلام- وتلهّفه للشؤون السياسية الدائرة في أوساطها الواسعة تلهفًا شديدًا والاسترشاد في شؤونه -بالراديو- بآراء أناس تسممت نفوسُهم وحارت عقولُهم، مما أضرّ بعمله المقدس الجليل ضررًا جسيمًا.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>من طلاب النور من طلاب النور</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أمين فيضي</strong><strong>‌</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(فساد الهواء المعنوي وعلاجه)</h2>
<p style="text-align: justify;">كنت أرى في نفسي وفي طلاب النور القريبين من هنا رهقًا، وفتورًا في الشوق، بعد انقضاء الأشهر الحرم، ولم أكن أفهم سبب ذلك بوضوح إلّا الآن، حيث رأيت أن ما قلته -ظنًّا- من سبب إنما هو حقيقة، وهي:</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن الهواء يؤثر تأثيرًا سيئًا إن كان فاسدًا -فسادًا ماديًّا- كذلك الهواء المعنوي إذا ما فسد -فسادًا معنويًّا- فإنه يؤثر تأثيرًا سيئًا في كل شخص وحسب استعداده.</p>
<p style="text-align: justify;">إنّ توجّه المؤمنين عامة وإقبالهم الجاد في الشهور الثلاثة إلى كسب مغانم أخروية والفوزِ في تجارتها، يصفّي الهواء المعنوي للعالم الإسلامي عامة وينقيه ويجمّله، حتى يتمكن من الصمود تجاه الآفات المهلكة والبلايا الرهيبة، فكل مؤمن يستفيد من ذلك الهواء الصافي الجميل حسب درجته.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن <strong>بعد مُضِيِّ الشهور المباركة تتبدل أوضاعُ السوق الأخروية</strong>، <strong>وتتفتح أبواب السوق الدنيوية</strong>، فيعتري الهممَ والتوجهاتِ شيءٌ من التغير والتبدل، إذ الأبخرة تسمّم الهواء المتصاعد من الأمور التافهة السخيفة، وتفسد ذلك الهواء الجميل، فيتضرر بدوره كلُّ مؤمن حسب درجته.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلاج هذا الداء والنجاة منه هو أنه ينبغي <strong>النظر إلى الأمور بمنظار رسائل النور</strong>، والسعي في الخدمة السامية بجد أكثر وشوق أعظم كلما ازدادت المشكلات، لأن فتور الآخرين وتخلّيهم عن الخدمة مدعاةٌ لإثارة غيرة أهل الهمة وتحفيز شوقهم، إذ يجد نفسه مضطرًّا إلى حمل شيء من أعبائهم ومهماتهم، بل ينبغي له ذلك.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(الذنوب في آخر الزمان)</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>مسألة أُخطرت على القلب فجأة</strong></p>
<p style="text-align: justify;">هناك روايات حول <strong>التضخم الرهيب لذنوب المرء في آخر الزمان</strong>، فكنت أفكر:</p>
<p style="text-align: justify;">هل يمكن أن يرتكب إنسان أضعاف ما يرتكبه شخص واحد من الخطايا والذنوب بألوف المرات؟</p>
<p style="text-align: justify;">تُرى أي ذنوبٍ هذه -المجهولة لدينا- حتى تتعرّض للموجودات وتمس الكون فتثير غضبَه وتزيد حِدّته، بل تسبب قيام الساعة ودمار العالم عليهم؟!</p>
<p style="text-align: justify;">وها قد رأينا أسبابها المتعددة في الوقت الحاضر:</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: لقد فُهم من وجوهها المتعددة، بجهاز الراديو الموجود لدي، حيث إن شخصًا واحدًا يرتكب مليونًا من الكبائر دفعةً واحدةً بكلمةٍ واحدةٍ يتفوه بها في الراديو، فيُقحم ملايين المستمعين له في الذنوب.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن جهاز الراديو ينطق بلسان واحد، إلّا أنه يدفع مئات الألوف من الكلمات في الهواء دفعة واحدة، فبينما ينبغي أن يَملأ هذا الجهاز -الذي هو نعمة إلهية عظمى- ذراتِ الهواء قاطبة، بالحمد والثناء والشكر للّٰه سبحانه وتعالى، إلّا أن سفاهة البشر المتولدة من الضلالة تستعمل هذا الجهاز بما يخالف الشكر والحمد للّٰه، فلا جرم أنه سيعاقِب عليها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن المدنية الدنيّة الظالمة قد عوقبت، بكفرانها بالنعمة الإلهية وعدم إيفائها الشكر للّٰه، تجاه ما أنعم عليها سبحانه من الخوارق الحضارية، لصرفها تلك الخوارق إلى الدمار، حتى سُلبت سعادة الحياة كليًّا، وأرْدَتِ الناسَ الذين يُعَدّون في ذروة الحضارة والمدنية إلى أدنى من دركات الوحوش الضالة، وأذَاقَتهم عذاب جهنم قبل الذهاب إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن كون جهاز الراديو <strong>نعمة إلهية كلية يقتضي شكرًا كليًّا</strong>، ولا يكون ذلك الشكر الكُلِّي إلّا بتلاوته القرآن الكريم باستمرار، كي يوصل إلى مخاطَبيه الحاليين دفعة واحدة ذلك الكلامَ الأزلي الصادر من خالق السماوات والأرض، فيصبح كمقرئ سماوي حافظ للقرآن الكريم يملك ألوف الألوف من الألسنة؛ وبهذا يكون قد أدّى ما عليه من مهمة الشكر والحمد للّٰه، فيديم في الوقت نفسه تلك النعمة المهداة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(هل حفظ القرآن أفضل أم استنساخ الرسائل؟)</h2>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء الأوفياء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن نشاطكم وجهودكم بما يفوق آمالي، ستجعلني في شكر وامتنان للّٰه تعالى إلى آخر رمق من حياتي..</p>
<p style="text-align: justify;">وقد ورد سؤال في رسالتكم هذه المرة: هل حفظ القرآن الكريم أفضل أم استنساخ رسائل النور؟</p>
<p style="text-align: justify;">إن جواب سؤالكم هذا بدهي، لأن أعظم مقامٍ في هذا الكون وفي كل عصر هو للقرآن الكريم، وإن تلاوته وحفظه يَفضُل أيَّ عملٍ آخر ويتقدّم عليه، حيث إن لكل حرف منه حسناتٍ تتراوح من العشرة إلى الألوف.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن لأن رسائل النور براهينُ لحقائق القرآن العظيم الإيمانية وحججه، ولكونها وسيلة إلى حفظ القرآن الكريم وتلاوته، ومفسِّرة لحقائقه وموضّحة لها، ينبغي السعي لها أيضًا جنبًا إلى جنبِ حفظِ القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(تعديل الشفقة المفرطة)</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>حقيقة تعيد الصواب للمنساقين إلى مسالك البدع والضلالة بشفقتهم المفرطة</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لما كانت شفقة الإنسان تجليًّا من تجليات الرحمة الربانية، فلا ينبغي تجاوزُ درجة الرحمة الإلهيــة والمغالاةُ أكثر من رحمة من هو رحمة للعالمين (ﷺ)، فلو تجاوزها وغالى بها فإنها ليســت رحمة ولا رأفــة قط، بـل هي مرض روحي وسُقم قلبي يفضي إلى الضـلالـة والإلحاد.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: إن الانسياق إلى <strong>تأويل عذاب الكفار والمنافقين في جهنم</strong>، وما يترتب على الجهاد وأمثالها من الحوادث -من جراء ضيق شفقة المرء عن استيعابه وعدم تحملها له- إنكارٌ لقِسم عظيم من القرآن الكريم والأديان السماوية وتكذيب له، وهو ظلم عظيم وعدم رحمة في منتهى الجور في الوقت نفسه؛ لأن حماية الوحوش الكاسرة والعطفَ عليها، وهي التي تمزق الحيوانات البريئة، غدرٌ عظيمٌ تجاه تلك الحيوانات البريئة، ووحشية بالغة نابعة من فقدان الوجدان والضمير.</p>
<p style="text-align: justify;">فالتعاطف إذن وموالاةُ أولئك الذين يبيدون حياة ألوف المسلمين الأبدية ويمحونها، ويسوقون مئات المؤمنين إلى سوء العاقبة بدفعهم إلى ارتكاب الذنوب والخطايا، والدعاءُ لأولئك الكفار والمنافقين، رحمةً بهم وعطفًا عليهم لينجوا من العقاب الشديد، لا شك أنه ظلم عظيم وغدر شنيع تجاه أولئك المؤمنين المظلومين.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد أثبتتْ رسائل النور إثباتًا قاطعًا أن <strong>الكفر والضلالة تحقير عظيم للكائنات</strong>، <strong>وظلم شنيع للموجودات</strong>، <strong>ووسيلة لرفع الرحمة الإلهية ونزول المصائب والبلايا</strong>، حتى وردت روايات من أن الأسماك التي في قعر البحر تشكو إلى اللّٰه ظلمَ الجناة، لسلبهم راحتها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولهذا فالذي يرأف ويعطف على تجرع الكافر صنوف العذاب في النار، يعني أنه لا يرأف ولا يعطف على أبرياء لا يحصيهم العد ممن هم أليق بالرأفة وأجدر بالعطف بل ولا يشفق عليهم، بل يظلمهم ظلمًا فاضحًا.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن هناك أمر آخر وهو أن البلاء عندما ينـزل بالمستحقين له، يُبتلى به الأبرياء أيضًا، وعندها لا يمكن عدم الرأفة بهم، إلّا أن هناك <strong>رحمة خفية لأولئك الأبرياء المظلومين</strong> الذين تضرروا من ذلك البلاء النازل بالجناة.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد كنت -في وقتٍ ما في الحرب العالمية الأولى- أتألم كثيرًا من المظالم والقتل الذي يرتكبه الأعداء تجاه المسلمين، ولا سيما تجاه أطفالهم وعوائلهم، وكنت أتعذّب عذابًا يفوق طاقتي -لما فيَّ من شفقةٍ مفرطة ورأفةٍ متزايدة- وحينها ورد على القلب فجأةً الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن أولئك الأبرياء المقتولين يُستشهدون ويصبحون أولياء صالحين، وإن حياتهم الفانية تُبدل إلى حياة باقية، وإن أموالهم الضائعة تصبح بحكم الصدقة فتبدل أموالًا باقية. بل حتى لو كان أولئك المظلومون كفارًا فإن لهم من خزينة الرحمة الإلهية مكافآت كثيرة بالنسبة لهم -مقابل ما عانَوا من البلاء في الدنيا- بحيث لو رفع ستار الغيب فإن ما ينالونه من رحمة ظاهرة تدفعهم إلى أن يلهجوا بـ&#8221;الشكر للّٰه والحمد للّٰه&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">عرفتُ هذا، واقتنعت به قناعة تامة، ونجوت بفضل اللّٰه من الألم الشديد الناشئ من الشفقة المفرطة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(نظرة إلى رسالة &#8220;المناظرات&#8221;)</h2>
<p style="text-align: justify;">لقد ألقيتُ نظرة إلى رسالة &#8220;المناظرات&#8221;، وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها، فرأيت فيها وفي أمثالها من مؤلفات &#8220;سعيد القديم&#8221; أخطاءً وهفوات، إذ ألّف تلك الآثارَ في حالة روحية ولّدها الانقلاب السياسي<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup>، وأنشأتْها مؤثراتٌ خارجية وعوامل محيطة به.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أستغفر اللّٰه بكل حولي وقوتي من تلك التقصيرات، راجيًا من رحمته تعالى أن يغفر تلك الخطايا التي ارتكبتُها بنيةٍ حسنةٍ وبقصد جميل، لدفع اليأس المخيِّم على المؤمنين.</p>
<p style="text-align: justify;">إن أساسين مهمَّين يهيمنان على آثار &#8220;سعيد القديم&#8221; -كهذه الرسالة- والأساسان ذوا حقيقة ولكن، كما تحتاج كشفيات الأولياء إلى تأويل، والرؤى الصادقة إلى تعبير، فإن ما أحس به &#8220;سعيد القديم&#8221; بإحساسٍ مسبق -أي قبل وقوع الأمر- بحاجة كذلك إلى تعبير، بل إلى تعبير دقيق، إلّا أن إخباره عما توقع حدوثَه، وبيانَه تلكما الحقيقتين بلا تأويل ولا تعبير، أدّى إلى ظهور شيء من النقص والقصور وخلاف الواقع فيما أخبر عنه.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الأول</strong>: هو ما زفَّه من بشرى سارة للمؤمنين بظهور نورٍ في المستقبل.. زفّ هذه البشرى ليزيل بها يأسَهم ويرفع عنهم القنوط، فلقد أحسَّ بإحساسٍ مسبقٍ أن رسائل النور ستنقذ إيمان كثيرٍ من المؤمنين، وستشد أزرهم في زمان عصيب عاصف، إلّا أنه نظر إلى هذا النور، من خلال الأحداث السياسية التي واكَبت الانقلاب، وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل، فوقع في ظنه أن ذلك النور سيَظهر في عالم السياسة وفي مجال القوة وفي ميدان فسيح؛ فقد أحسَّ إحساسًا صادقًا، إلّا أنه لم يوفَّق في التعبير عن بُشراه توفيقًا كاملًا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأساس الثاني</strong>: لقد أحس &#8220;سعيد القديم&#8221; ما أحسّ به عددٌ من دهاة السياسة وفطاحل الأدباء، بأن استبدادًا مريعًا مقبلٌ على الأمة، فتصدَّوا له، ولكن هذا الإحساس المسبَق كان بحاجة إلى تأويل وتعبير، إذ هاجموا ما رأوه من ظلٍّ ضعيفٍ لاستبدادات تأتي بعد مدة مديدة وألقت في نفوسهم الرعب، فحسِبوا ظل استبدادٍ ليس له إلّا الاسم استبدادًا أصيلًا، فهاجموه. فالغاية صحيحة إلّا أن الهدف خطأ.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فلقد أحسّ &#8220;سعيد القديم&#8221; أيضًا بمثل هذا الاستبداد المخيف فيما مضى، وفي بعض آثاره توضيحات بالهجوم عليه، وكان يرى أن المشروطية الشرعية وسيلة نجاةٍ من تلك الاستبدادات المرعبة، لذا سعى في تأييدها بالحرية الشرعية والشورى ضمن نطاق أحكام القرآن، آمِلًا أن تدفعا تلك المصيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد أظهر الزمانُ أن دولة تسمى داعيةَ الحرية قد كبَّلت بثلاثمائةٍ من موظفيها المستبدين ثلاثمائة مليونٍ من الهنود، منذ ثلاثمائة سنة، وسيطرت عليهم كأنهم ثلاثمائة رجل لا غير، حتى لم تتركهم يحرّكون ساكنًا! ونفذّت قانونها الجائر عليهم بأقسى صورة من صور الظلم، آخذةً آلاف الأبرياء بجريرةِ مجرم واحد، وأعطت لقانونها الجائر هذا اسمَ العدالة والانضباط. فخَدَعت العالَم ودفعتْه إلى نار الظلم.. هذه الدولة غدت مقتدى ذلك الاستبداد القادم في المستقبل.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي رسالة &#8220;المناظرات&#8221; هوامش قصيرة، وملاحظات وردت على صورة طُرَفٍ ولطائف، فهي من قبيل الملاطفة مع قسم من طلابه الظرفاء في تأليفه القديم ذاك، إذ قد وضّح لهم الأمور بأسلوب الدرس والإرشاد.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن زبدةَ هذه الرسالة &#8220;المناظرات&#8221; وروحَها وأساسها، هي ما في خاتمتها من حقيقةِ إقامةِ &#8220;مدرسة الزهراء&#8221;، وما هي إلّا المهد الذي سيشهد ظهور &#8220;رسائل النور&#8221; في المستقبل، فكان يُساق إلى تأسيسها دون إرادة منه، ويتحرى -بحسٍّ مسبق- عن تلك الحقيقة النورانية في صورة مادية حتى بدت جهتُها المادية أيضًا، إذ مَنَح السلطان رشاد تسع عشرة ألف ليرة ذهبية لتأسيس تلك المدرسة، وأُرسيت قواعدُها فعلًا، إلّا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون إكمال المشروع.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم بعد حوالي ست سنوات ذهبتُ إلى أنقرة، وسعيت في إنجاز تلك الحقيقة، وفعلًا وافق مائةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا في مجلس الأمة من بين مائتي عضو على تخصيص خمسةَ عشر ألف ليرة ورقية لبناء مدرستنا، ولكن يا للأسف -ألف ألف مرة- سُدّت جميع المدارس الدينية، ولم أستطع أن أنسجم معهم فتأخر المشروع أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">بَيد أن المولى القدير أسس برحمته الواسعة الخصائص المعنوية لتلك المدرسة وهويتها في &#8220;إسبارطة&#8221;، فأظهر &#8220;رسائل النور&#8221; للوجود، وسيوفَّق -إن شاء اللّٰه- طلاب النور إلى تأسيس الجهة المادية لتلك الحقيقة أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">إن سعيدًا القديم على الرغم من معارضته الشديدة لمنظمة &#8220;الاتحاد والترقي&#8221; فإنه مال إلى حكومتها ولا سيما إلى الجيش، حيث وقف منهم موقف تقدير وإعجاب والتزام وطاعة، وما ذاك إلّا بما كان يحس به من إحساسٍ مسبَق من أن تلك الجماعات العسكرية والجمعية الملية سيظهر منهم بعد سبع سنوات مليون من الشهداء الذين هم بمرتبة الأولياء، فمال إليهم طوال أربع سنوات دون اختيار منه، وبما يخالف مشرَبَه.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن بحلول الحرب العالمية وخضّها لهم أُفرز الدهن المبارك من اللبن فتحول إلى مخيض لا قيمة له، فعاد &#8220;سعيد الجديد&#8221; إلى الاستمرار في جهاده وخالف سعيدًا القديم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(حول المؤلفات الأخرى)</h2>
<p style="text-align: justify;">إلى إخوتي &#8220;الخواص&#8221; من طلاب رسائل النور، وهم أصحابها و وارثوها.. وإلى &#8220;الأركان&#8221;، وهم ركائز رسائل النور وخواصُّ الخواص.. أبيّن ما يأتي لمناسبة حادثةٍ وقعتْ في هذه الأيام:</p>
<p style="text-align: justify;">إن رسائل النور تَسُدُّ الحاجة التي تخص الحقائق الإسلامية، فلا تدع حاجةً إلى مراجعة مؤلفات أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد عُلم بتجارب كثيرة قاطعة؛ أن أقصرَ طريقٍ وأسهلَه لإنقاذ الإيمان وتقويته وجعله تحقيقيًّا هو في رسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن رسائل النور تقطع ذلك الطريق في خمسة عشر أسبوعًا بدلًا من خمس عشرة سنة، فتبلغ بالمرء الإيمانَ الحقيقي.</p>
<p style="text-align: justify;">وبينما كان أخوكم هذا الفقير شغوفًا بالمطالعة قبل عشرين سنة، حتى كان يطالع -بفهم- كتابًا مجلدًا أحيانًا في يوم واحد، فقد كفاه -منذ ما يقرب من عشرين سنة- القرآنُ الكريم ورسائلُ النور المفاضة منه، فلم أحتج حتى إلى كتاب واحد، ولم أحتفظ بأي كتاب عندي.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى الرغم من أن أبحاث رسائل النور تدور حول حقائق متنوعة جدًّا، فإنني لم أجد حاجة إلى مراجعة أي كتاب كان في أثناء تأليفها منذ عشرين سنة، فلا شك أنكم لا تحتاجون كذلك إلى مؤلفات أخرى، وتستغنون عنها أكثر مني بعشرين درجة.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنني لما كنت قد اعتمدت عليكم وما زلت معتمدًا، فلا ألتفت إلى غيركم، ولا أنشغل بسواكم، فينبغي لكم أيضًا أن تثقوا برسائل النور وتطمئنوا بها، بل هذا هو الألزم في هذا الوقت.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه لمباينة المسلك والمشرب في مؤلفات بعض المؤلفين الجدد في الوقت الحاضر ومسايرتها البدع، فإن إحدى مهمات رسائل النور هي الحفاظ على الحروف والخط القرآني، فضلًا عن حفاظها على الحقائق الإيمانية تجاه الزندقة، ولقد اشترى أحد الخواص مؤلفات يستعملها بعض العلماء -تحت ستار العلوم الدينية- في إنـزال الضربات القوية على الحروف والخط القرآني، اشتراه لهوى مجهول مع أنه يدرِّس الحروف القرآنية!! فشعرتُ -دون علمي به- امتعاضًا نحو أولئك الطلاب الخواص وأنا في الجبل، ثم نبهتهم فانتبهوا بفضل اللّٰه.. نسأله تعالى نجاتهم نجاة تامةً.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي..</p>
<p style="text-align: justify;">إن مسلكنا دفاعٌ لا اعتداء، ترميم لا تخريب، ونحن محكومون لا حكام. فالذين يتعدّون علينا كثيرون لا يُحصون، ولا شك أن في مسلكهم حقائقَ مهمة هي بضاعتُنا نحن، فلا حاجة لهم إلينا في انتشار تلك الحقائق، فلهم الألوف ممن يقرؤونها وينشرونها، فنحن بسعينا لمعاونتهم تتزعزع كثير من الوظائف التي وُضعت على كاهلنا ونكون وسيلة إلى ضياع ما يجب محافظته من أسس وحقائق رفيعة تخص الطوائف، كلًّا على حدة.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: لقد أُلّفت مؤلفات تهيئ لنوع من العداء للأولياء متخذةً بعض الرخص الشرعية ستارًا، وأحداثَ الزمان حجةً، فإن الوظيفة الأساس لرسائل النور -من دون أن تشملها العموم- هي الحفاظ على أساس الولاية الجارية ضمن الحقائق الإسلامية، وأساسِ التقوى، وأساسِ الأخذ بالعزيمة، وأسسِ السنة النبوية الشريفة، وأمثالها من الأسس الدقيقة المهمة، فلا يمكن ترك تلك الأسس بحجة الضرورة وحادثات الزمان.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(تأويل حديث متشابه)</h2>
<p style="text-align: justify;">لعدم وضوح المعاني الحقيقية لأحاديث صحيحة تخص نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وقتله الدجال، فإن قسمًا من العلماء الظاهريين -أخذًا بظاهر تلك الروايات والأحاديث- قد وقعوا في الشبهات أو أنكروا صحتها، أو ألبسوها معنى خرافيًّا بما يشبه انتظار صورة محالة، فيضرون عوام المسلمين.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الملحدون فينشرون أمثال هذه الأحاديث البعيدة عن العقل ظاهرًا، فيشنون هجومًا على الحقائق الإسلامية مستخِفّين بها.</p>
<p style="text-align: justify;">أما رسائل النور فقد أظهرت -بفيض القرآن- التأويلاتِ الحقيقية لأمثال هذه الأحاديث المتشابهة.</p>
<p style="text-align: justify;">والآن نقدم مثالًا واحدًا كأنموذج وهو الآتي: هناك رواية تفيد أن عيسى عليه السلام عند جهاده الدجال وأثناء قتله له يقفز بمقدار عشرة أذرع ليتمكن من ضرب ركبة الدجال بسيفه.</p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن جسم الدجال أضخم من عيسى عليه السلام بهذه الدرجة، وعلى هذا المعنى يلزم أن يكون طول الدجال عشرة أمثال طول عيسى عليه السلام بل عشرين مثلًا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالمعنى الظاهري لهذه الرواية مناف لحكمة التكليف الإلهي وحكمة الامتحان، مثلما لا يوافق عادة اللّٰه الجارية في البشرية.</p>
<p style="text-align: justify;">والحال أنه ظهر معنى من المعاني الكثيرة لهذه الرواية ولهذا الحديث حتى في هذا الزمان، بما يُسكت الزنادقة الذين يظنونها خرافة -حاش للّٰه- وينبه العلماء الظاهريين المعتقدين الظاهرَ عينَ الحقيقة، والذين مازالوا منتظرين تحقُّق الحديث رغم مشاهدتهم لقسم من حقائقه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد ظهر حتى في هذا الزمان معنى من معانيه الكثيرة، تلك المعاني التي هي عين الحقيقة والانسجام التام مع الواقع.</p>
<p style="text-align: justify;">والمعنى هو الآتي: إن حكومةً تسعى لنشر الدين العيسوي وتحاول الحفاظ على عاداته المستمرة، تحاربها حكومةٌ تعلن مساعدتها رسميًّا للإلحاد وللبلشفية، لأجل منافعها الخسيسة، بل تسعى للدعاية لها. وحكومة أخرى تنحاز إلى بث الإلحاد بين أوساط المسلمين وفي آسيا عامة لأجل منافعها الخسيسة الفاسدة وتُحالِف حكومات دساسة جبارة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو تَمثّل الشخصُ المعنوي للحكومة الأولى، وتجسّم الشخص المعنوي للمتحالفين المنحازين للإلحاد، لظهر معنًى من المعاني العديدة لهذا الحديث في هذا الزمان بجهات ثلاث. فإن أحرزت تلك الحكومة الغالبةُ النصرَ نتيجة الحرب ارتفع هذا المعنى الإشاري إلى درجة المعنى الصريح، وإن لم تُحرز النصر تمامًا فهذا المعنى أيضًا هو معنى إشاري موافق.</p>
<p style="text-align: justify;">الجهة الأولى: جماعة الروحانيين المتمسكين بالدين العيسوي الحقيقي، وفي مقابلهم الجماعة التي بدأت تروّج للإلحاد، فإذا ما تجسمت تلكما الجماعتان بصورة إنسان، فإن الجماعة الأولى لا تصبح حتى بقدر طفل أمام إنسان بارتفاع منارة.</p>
<p style="text-align: justify;">الجهة الثانية: حكومة تُعد أفرادها مائة مليون نسمة تعلن رسميًا: إنني سأزيل الإلحاد وأحمي الإسلام والمسلمين، تحارب حكومة تحكم أربعمائة مليون ومتحالفة مع الصين وأمريكا -أي بأربعمائة مليون نسمة- هذه الحكومات متحالفة علنا مع البلاشفة. فلو تجسم المحاربون في الحكومة الأولى الذين يُنـزلون ضرباتهم القاصمة بأولئك المتحالفين، وتَجَسَّمَ الملحدون والمتحالفون معهم في شخص معنوي آخر، لظهرت صورةُ إنسان صغير تجاه إنسان بارتفاع منارة.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا وقد ورد في رواية أن الدجال يحكم الدنيا، فهذه الرواية تعني أن الغالبية العظمى تميل إليه. كما هو واقع الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">الجهة الثالثة: أن حكومة لا تساوي مساحتها ربع مساحة أوروبا -وهي أصغر القارات الأربع- تحارب منتصرةً حكومةً تسيطر على أغلب بقاع العالم من آسيا وإفريقيا وأمريكا وأستراليا، وإن الحكومة الأولى تستند إلى الدين وفي حلف مع دولة تدّعي الوكالة عن سيدنا عيسى عليه السلام، تجاه التيارات الإلحادية المستبدة، وتُنـزل الأولى عليهم بالمظلات، فلو تجسمت الأولى والأخريات وصُوِّرت بصورة إنسان -كما كانت الجرائد تَرسم الصور &#8220;الكاريكاتيرية&#8221; لإظهار قوة الدول ومكانة الحكومات- فإن معنى من المعاني العديدة لما يخبر به الحديث الشريف سيَظهر مطابقًا تمامًا في جريدة الأرض وفي صحيفة هذا العصر.</p>
<p style="text-align: justify;">حتى إن معنًى إشاريًّا لما يشير إليه الحديث من نزول شخص عيسى عليه السلام من السماوات هو أن طائفة ممثِّلة لسيدنا عيسى عليه السلام وسالكة سلوكه تنـزل بمظلات من الطائرات كبلاء سماوي -بما لم يُسمع به لحدّ الآن ولم يُشاهَد قط- خلف الأعداء مما يظهر المعنى المادي لنـزول عيسى عليه السلام.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن ما يفيده الحديث الشريف من نزول عيسى عليه السلام ثابت قطعًا، إلّا أن المعنى الإشاري كما يشير بإعجازٍ إلى هذه الحقيقة فهو يشير إلى معاني أخرى أيضًا.</p>
<p style="text-align: justify;">عندما شرعتُ في كتابة بضعة أسطر حول هذه المسألة -بناء على سؤالِ &#8220;فيضي وأمين&#8221; وإصرارهما- إنقاذًا لإيمان بعض العوام الضعفاء كُتبتْ مطولةً خارج إرادتي، ولم ندرك حكمتها، فتركناها كما هي، لعل فيها حكمة ما.. نرجو عفوكم وسماحكم إذ لم نجد متسعًا من الوقت لتصحيح هذا البحث وتدقيقه فظل مشوشًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(صداقة الأبطال)‌</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمه سبحانه</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد حروفات القرآن..</p>
<p style="text-align: justify;">بارك اللّٰه فيكم، وجعلكم سعداء.. إن سعيكم الجاد ونشاطكم المستمر يبث الشوق ويثير الهمم هنا وفي أماكن أخرى أيضًا، فحمدًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد.. إن فتوحاتِ رسائل النور تتزايد يومًا بعد يوم، فإن أهل الإيمان يشعرون بجروحهم ويضمدونها برسائل النور.</p>
<p style="text-align: justify;">للّٰه الحمد، إن طلاب النور في هذا الزمان الذين حظوا بالإيمان الكامل ضمن السُّنة الشريفة، قد أخذوا وضعًا يَلفِت إليهم أنظار الأولياء والمرشدين، لذا فإن المرشدين الحقيقيين الذين يَظهرون في كل عصر سيحاولون بلا شك كسب طلاب النور إلى صفهم، إذ لو كسبَ أحدُهم طالبًا لرسائل النور فإنه يُنـزله منـزلة عشرين مريد.</p>
<p style="text-align: justify;">أُرسِلُ الحقيقة التي بيّنتُها لـ&#8221;فيضي&#8221; حول المشقات الحاصلة من خدمة رسائل النور وما فيها من مجاهدة وبذل، تجاه الأذواق والجاذبية المترشحة من الولاية، أُرسِلها لكم لعل فيها فائدة في تلك المناطق.</p>
<p style="text-align: justify;">بلغوا سلامي إلى إخواني عامة فردًا فردًا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>&#8211;   &#8211;   &#8211;</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي فيضي.. إن كنت ترغب أن تكون مثيل أبطال ولاية إسبارطة، فعليك أن تُشبههم وتكون مثلهم تمامًا. فلقد كان معنا في السجن<sup class="modern-footnotes-footnote ">10</sup> شيخ عظيم ومرشد مرموق ذو جاذبية من أولياء الطريقة النقشبندية -رحمه اللّٰه- جالَسَ ما يقرب من ستين من طلاب النور طوال أربعة أشهر، وحاورهم محاورات مغرية لجلبهم إلى الطريقة، إلّا أنه لم يتمكن إلّا من ضم واحدٍ منهم إلى صفه، وبصورة مؤقتة، أما الباقون فقد ظلوا مستغنين عنه وهو الولي الصالح، إذ كَفَتْهم الخدمةُ الإيمانية الرفيعة التي تقدمها رسائل النور، واطمأنوا بها.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد فَقِه أولئك الأبطال بقلوبهم الواعية ورأوا ببصيرتهم النافذة الحقيقةَ الآتية: إن خدمة رسائل النور هي <strong>إنقاذ الإيمان</strong>، أما <strong>الطريقة والمشيخة</strong> فهي تُكسِب المرء مراتب الولاية، وإن إنقاذ <strong>إيمان</strong> شخصٍ من الضلال أهم بكثير وأجزل ثوابًا من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة <strong>الولاية</strong>؛ حيث إن <strong>الإيمان</strong> بمنحه للإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكًا أوسع من الأرض كلها. أما <strong>الولاية</strong> فإنها توسِّع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وأبهر.</p>
<p style="text-align: justify;">وكما أن رفع مرتبةِ إنسانٍ اعتياديٍّ إلى [مرتبة] سلطان، أعظمُ من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد، كذلك الثواب في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة أعظمُ وأجزل من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء صالحين؛ فهذا السر الدقيق هو الذي أبصرته القلوب النفاذّة لإخوانك في إسبارطة، وإن لم تَرَه عقول قسم منهم، ولهذا فضّلوا صداقة شخص ضعيف مذنب مثلي، على صداقةِ أولياء عظام، بل على مجتهدين إن وُجدوا.</p>
<p style="text-align: justify;">فبناء على هذه الحقيقة لو أن قطبًا من أقطاب الأولياء أو شيخًا جليلًا كالكيلاني، أتى إلى هذه المدينة وقال لك: &#8220;سأرفع مرتبتك إلى مرتبة الولاية في عشرة أيام&#8221;، وذهبتَ إليه تاركًا رسائل النور، فلا تستطيع أن تصادق أبطال إسبارطة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">(ميزان دقيق في محاورة)</h2>
<p style="text-align: center;"><strong>محاورة خطرت على الـقلب، كتبتُها لتقويم الإفراط لدى قسم من إخوتي طلاب النور، لتعديل حسن ظنهم بي بما يفوق حدي بكثير</strong></p>
<p style="text-align: justify;">قبل حوالي خمسين سنة جرت بيني وبين أخي الكبير &#8220;الملا عبد اللّٰه&#8221; رحمه اللّٰه هذه المحاورة، سأوردها لكم:</p>
<p style="text-align: justify;">كان أخي المرحوم من خواص مريدي الشيخ ضياء الدين قدس سره -وهو من الأولياء الصالحين- وأهلُ الطرق الصوفية لا يرون بأسًا في الإفراط في حب مرشدهم والمبالغة في حسن الظن بهم، بل يرضون بهذا الإفراط والمبالغة، لذا قال لي أخي ذات يوم:</p>
<p style="text-align: justify;">&#8220;إن الشيخ ضياء الدين على علم واسع جدًّا واطلاع على ما يجري في الكون، بمثل اطلاع القطب الأعظم&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم سَرَد الكثير من الأمثلة على خوارق أعماله وعلو مقامه.. كل ذلك ليغريني بالانتساب إليه والارتباط به.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكني قلت له: &#8220;يا أخي الكريم.. أنت تغالي، فلو قابلتُ الشيخ ضياء الدين نفسَه لألزمتُه الحجة في كثير من المسائل، وإنك لا تحبه حبًّا حقيقيًّا مثلي، لأنك يا أخي الكريم تحب ضياء الدين الذي تتخيله في ذهنك على صورة قطب أعظم له علم بما في الكون، فأنت مرتبط معه بهذا العنوان، وتحبه لأجل هذه الصفة، فلو رُفِع الحجاب وبانت حقيقته، لزالت محبتك له أو قَلَّت كثيرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">أما أنا -يا أخي- فأُحب ذلك الشخص الصالح والولي المبارك حبًّا شديدًا بمثل حبك له، بل أوقره توقيرًا يليق به وأُجِلُّه وأحترمه كثيرًا، لأنه مرشد عظيم لأهل الإيمان في طريق الحقيقة المستهدية بالسنة النبوية الشريفة؛ فليكن مقامه الحقيقي ما يكون، فأنا مستعد لأن أضحي بروحي لأجل خدمته هذه.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو أُميط اللثامُ عن مقامه الحقيقي فلا أتراجع ولا أتخلى عنه ولا أقلل من محبتي له، بل أوثق الارتباط به أكثر، وأُوليه محبة أعظم وأبالغ في توقيره.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا إذن يا أخي الكريم أُحب ضياء الدين كما هو وعلى حقيقته؛ أما أنت فتحب ضياء الدين الذي في خيالك&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">11</sup>.</p>
<p>ولما كان أخي المرحوم عالمًا منصفًا حقًّا، فقد رضي بوجهة نظري وقبلها وقدرها.</p>
<p>فيا إخوتي، أيها السعداء المحظوظون الذين يضحون بأنفسهم في سبيل اللّٰه.. إن مبالغتكم في حسن الظن بشخصي وإن كان لا يضركم بالذات، إلا أن أمثالكم ممن يَنشُدون الحق ويَرَون الحقيقة، <strong>ينبغي لهم أن ينظروا إلى الشخص من زاوية خدمته للقرآن الكريم ومدى إنجازه لمهامِّه نحوه</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">فلو كُشِف النقاب وظهرتْ أمامكم هويتي الملطخة بالتقصيرات من قمة رأسي إلى أخمص قدمي لأشفقتم عليّ ولتألمتم لحالي، ولكن لئلا أُنَفِّركم من محبة الأخوّة التي تربطنا، ولئلا تندموا عليها فلا تربطوا أنفسكم بما تتصورونه من مقامات تُضفونها عليّ، وهي فوق حدي بكثير.</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا لست سوى أخٍ لكم لا غير، وليس في طوقي ادعاء الإرشاد والتوجيه ولا الأستاذية عليكم.. وكل ما في الأمر هو أني زميلكم في تلقي درس الإيمان. فلا تنتظروا مني همّة ومددًا بل أنا المحتاج إلى معاونتكم وهممكم، وأرجو دعواتكم المشفقة على تقصيراتي.</p>
<p style="text-align: justify;">ولقد أنعم اللّٰه علينا جميعًا -بفضله وكرمه- واستخدَمنا في أقدس خدمة وأجَلِّها وأنفعها لأهل الإيمان.. تلك هي خدمة القرآن؛ وندَبنا للقيام بها على وفق تقسيم الأعمال فيما بيننا، فحَسْبُنا أستاذيةُ وإرشادُ الشخص المعنوي النابع من سر أُخُوَّتكم واتحادكم.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت خدمة الإيمان والقرآن أسمى من أية خدمة في هذا العصر، وأن النوعية تفضل الكمية، وأن التيارات السياسية المتحولة المتغيرة وأحداثها المؤقتة الزائلة لا أهمية لها أمام خدمات الإيمان الثابتة الدائمة، بل لا تَرقَى لمقارنتها ولا يمكن أن تكون محورًا لها، فينبغي الاطمئنان بما منَحَنا ربُنا سبحانه وتعالى من مرتبة نورانية مفاضة علينا من نور القرآن المبين.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا إخوتي الأحبة.. الثباتَ الثباتَ، الوفاءَ الوفاءَ&#8230; إن طريقنا هو الغلو في الارتباط والتساند فيما بيننا، والسعي لنيل الإخلاص والأخوة الحقة، بدلًا من الغلو في حسن الظن والتطلع إلى مقامات أعلى من حدنا.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المناوي، فيض القدير ٤/٣٨٤؛ علي القاري، المصنوع ١٢٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٨٣.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;تأملات فكرية باللغة العربية للأستاذ النورسي.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، المصنوع ٨٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧٠.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مجموعة آيات كريمة مختارة، والتي تعمق التفكر الإيماني بالتأمل في الأنفس والآفاق.</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;معاهدة جائرة بحق الدولة العثمانية عُقدت في سنة ١٩٢٠ بينها وبين الحلفاء، وهي شبه استسلام لتلك الدول؛ حيث المضايقُ تحت إشراف لجنة دولية، واقتصادياتُها تُسيّرها الحلفاء، وغيرها من البنود المجحفة.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;انظر: المناوي، فيض القدير ٤/٢٣٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المنشور ضمن مجموعة &#8220;صيقل الإسلام&#8221;.</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;كانت الحكومة التركية آنذاك منحازة إلى الإنكليز تحت غطاء الموقف الحيادي من الحرب، وانحازت إلى جانبها فعلًا قبل انتهائها بقليل حيث أعلنت الحرب على الألمان.</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود إعلان المشروطية، وهي إدارة البلد على النمط الغربي من مجلس نيابي ودستور ووزارة مسؤولة أمام المجلس النيابي.(المترجم).</div><div>10&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود سجن أسكي شهر.</div><div>11&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;لأنك تطلب لمحبتك ثمنًا غاليًا جدًّا، إذ تفكر أن يقابل محبتك بما يفوق ثمنها مائة ضعف، والحال أن أعظم محبة لمقامه الحقيقي تظل زهيدة جدًّا. (المؤلف)</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%82-%d9%82%d8%b3%d8%b7%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a-1-3/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2693</post-id>	</item>
		<item>
		<title>مختصر ملحَق &#8220;بارلا&#8221; [2/2]</title>
		<link>https://said-nursi.com/%d9%85%d9%84%d8%ae%d8%b5-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%8e%d9%82-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%84%d8%a7-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/?utm_source=rss&#038;utm_medium=rss&#038;utm_campaign=%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25b5-%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%258e%25d9%2582-%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25b1%25d9%2584%25d8%25a7-2-2</link>
					<comments>https://said-nursi.com/%d9%85%d9%84%d8%ae%d8%b5-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%8e%d9%82-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%84%d8%a7-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[مداد النور]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 07 Aug 2025 11:49:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الملاحق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://said-nursi.com/?p=2683</guid>

					<description><![CDATA[[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]  تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي   ترجمة: إحسان قاسم الصالحي [رسائل النور تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة] (الرسائل تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة) فقرة للسيد عاصم ﴿باسمه سبحانه﴾ ﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾ حمدًا وشكرًا، &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><strong>[المَلاحق: رسائل متبادلة بين الأستاذ النورسي وطلابه تلامذة رسائل النور، وهي رسائل زاخرة بأحاديث إيمانية ومشاعر صادقة وإرشادات حكيمة]</strong></p>
<p style="text-align: center;"> تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي</p>
<p style="text-align: center;">  ترجمة: إحسان قاسم الصالحي</p>
<figure id="attachment_2684" aria-describedby="caption-attachment-2684" style="width: 1024px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-large wp-image-2684" src="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/بارلا-زيتي-1-1024x768.jpg" alt="أخي العزيز..إن الأنوار القرآنية المسماة بـ&quot;الكلمات&quot; هي من نوع العبادة الفكرية التي تُعَدّ من أعظم العبادات. إن المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الإيمان، إذ الإيمان مفتاح السعادة الأبدية. صورة زيتية للبيت الذي أقام فيه الأستاذ النورسي تسع سنين بموجب إقامته الجبرية في بارلا." width="1024" height="768" srcset="https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/بارلا-زيتي-1-1024x768.jpg 1024w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/بارلا-زيتي-1-300x225.jpg 300w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/بارلا-زيتي-1-768x576.jpg 768w, https://said-nursi.com/wp-content/uploads/2025/08/بارلا-زيتي-1.jpg 1080w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /><figcaption id="caption-attachment-2684" class="wp-caption-text">أخي العزيز..<br />إن الأنوار القرآنية المسماة بـ&#8221;الكلمات&#8221; هي من نوع العبادة الفكرية التي تُعَدّ من أعظم العبادات.<br />إن المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الإيمان، إذ الإيمان مفتاح السعادة الأبدية.<br />صورة زيتية للبيت الذي أقام فيه الأستاذ النورسي تسع سنين بموجب إقامته الجبرية في بارلا.</figcaption></figure>
<h2 style="text-align: center;">[رسائل النور تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة]</h2>
<p><strong>(الرسائل تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>فقرة للسيد عاصم</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">حمدًا وشكرًا، بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أرفَعُه كلَّ دقيقة من دقائق عمري للقدير المطلق وسلطان الأبد والأزل، الحي القيوم الذي لا يموت، الذي أنعم من بحر كرمه الواسع بأستاذي المحترم على هذا الفقير؛ ومهما بالغتُ من الحمد والشكر للّٰه تعالى فلا أُوفي حق الدَّين عليّ، فله الحمد والمنة.. وهذا من فضل ربي.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني هذا الفقير الغارق في الذنوب، قد عصفَتْ بي المعاصي بمقتضى جبلّتي البشرية، وتقاذفتني موجاتُها، قليلًا أو كثيرًا طوال حياتي العسكرية التي دامت أربعًا وثلاثين سنة دون انقطاع، فظلت حياتي الدينية والأخروية فقيرة جدًّا، هكذا أمضيتُ حياتي وأنا ملفّع بستار الغفلة، فالآن أُدرِك ما فات مني، وأندم عليه أشد الندم، بل أبكي على ما كنت أضحك منه، ولم يحصل هذا إلّا باكتحال عيني بلقائكم ورسائلكم، فألْفُ حمد وحمد للّٰه تعالى على هذا الإحسان العميم.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد بدأتْ بفضل اللّٰه مراسلتي معكم بوساطة أخينا الشيخ محمد أفندي لدى مجيئي إلى &#8220;بوردور&#8221; قبل أربع سنوات، <strong>فألقت تلك الرسائل في يد هذا الفقير مفاتيحَ تفجّر بالأنوار وتَفيض بالحِكم وتحل المعضلات وتفتح لغزَ الكائنات</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذه المفاتيح لا تقدَّر بثمن، فهي أغلى من أغلى الجواهر والألماس، بل إن قلمي ولساني ليعجزان عن التعريف بما يُكنّه قلبي من مشاعر نحوها، فأفضّل ملازمة عجزي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه الرسائل التي تضم بين دفتيها خزائن الشريعة الغراء والحقيقة الصادقة والمعرفة الإلهية وكنوزها، بل إن كل رسالة منها أنوَرُ من الأخرى وأسطعُ منها، ولا سيما رسالة &#8220;إعجاز القرآن&#8221;، فهي تشع الأنوار، فأين وصفي العاجز منها؟ إنها بستان رائع تنثر الفرح والبهجة والسرور وتضم أزاهير نادرة لطيفة، حتى يحار المرء من أيها يقطف ويشم، لِيزيل حيرته ويبلّ ريقه ويشفي غليله، ولا شيء أمامه ولا مفرّ إلّا أن يجعل من جميعها باقة عظيمة من الأنوار.</p>
<p style="text-align: justify;">فهذه الرسائل المباركة تُغرق قارئيها وكاتبيها والمستمعين لها في بستان النور، في بحر النور، وتحملهم على التفكر والتدبر وهم نشاوى بالإعجاب، <strong>إنها تجعل الإنسان مجردًا من الأحاسيس الدنيوية ومعزولًا عن المشاعر الهابطة</strong>، موجهةً إياه إلى خالقه الكريم بعبودية خالصة دائمة، إنها ترفع الإنسان إلى منازل عالية تسمو على الأخلاق الرذيلة كلها.. إنها تقتل عنده النفس الأمارة بالسوء.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، أستطيع أن أقول: بأن هذه الرسائل النورانية روضة من الجنان، ولكن أسفًا وألف أسف على أولئك الشقاة الذين يعجزون عن أخذ حظهم من هذه الروضة الطيبة، وكلّي أمل أن يصل إلى أولئك هذا الإلهام الرباني أيضًا، ليقدروا على تبديل الغفلة إلى يقظة وصحوة كما جاء في ختام &#8220;الكلمة الثالثة والعشرين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أتضرع إلى المولى القدير الواجب الوجود بأن يجعل المؤمنين الموحِّدين على الصواب والسداد، وأدعوه سبحانه دعاءً فعليًّا باستنساخ ما لديّ من الرسائل وتداوُلِ قراءتها في أيام الجُمَع التي قد تستغرق القراءة حتى المساء، فنوفي بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى حق عبوديتنا للّٰه تعالى، وندعو لأستاذنا أن يديم اللّٰه عمرَه ويظل مرشدًا لرسائل النور ودالًّا عليها قائمًا بأمر الدعوة إلى النور، وهذا الدعاء دَين في أعناقنا جميعًا تجاه الأستاذ.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا جميعًا -أنا وأهلي- نتضرع إلى اللّٰه سبحانه عقب كل صلاة بمثل هذا الدعاء.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>عاصم</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[وجدت الباب الذي أبغيه]</h2>
<p><strong>(وجدت الباب الذي أبغيه)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>فقرة بابا جان محمد علي</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أيها الأستاذ الموقر.. يا من هو أغلى من روحي..</p>
<p style="text-align: justify;">إني عاجز عن إيفاء مهمة الطالب حق الإيفاء، ولا أستطيع تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، إذ كلما فكرت في القوة والقدرة والأسرار والأنوار المتظاهرة في رسائل النور، غبتُ عن نفسي، فأنا لا أستطيع العروج إلى مثل هذه الذرى السامية، ولكن سأحاول إن شاء اللّٰه ما وسعني أن أستفيد من هذه الرسائل التي تكشف عن أسرار القرآن، والتي هي أغلى بألوف المرات من أغلى الجواهر الثمينة، وذلك فضل اللّٰه على عباده المؤمنين، وسأضيء شطرًا من الليل بأنوار تلك الرسائل، لأنني لا أجد متسعًا من الوقت في النهار، لانهماكي بمتطلبات العيش.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أشعر في قلبي بانشراحٍ وفرحٍ في منتهى الحلاوة واللذة كلما أستنسخ تلك الأنوار، وحقًّا إنني عاجز عن تقديم عظيم الشكر للّٰه المولى القدير الذي أنعم علينا بهذه النعم الجزيلة.. وأحيانًا أفقد إرادتي تجاه الأنوار العظيمة؛ إذ كلما أتذكّر الأيام التي خَلَتْ ومضت بالغفلة، أجدني حزينًا مهمومًا، ولكن لما وجدتُ هذه الأنوار فإذا بي أرنو ببصري إلى المستقبل، فأضحك مستبشرًا وتغمرني البهجة والسرور، فلقد كنتُ أنتظر مثل هذه الخدمة الجليلة للقرآن منذ خمس عشرة سنة، إذ ذقت صنوفًا من متع الحياة الدنيا، ولكن ما كانت تُشبِع هذه الرغبةَ العميقةَ التواقةَ للأبد، فلقد وجدتُ فيها الغذاء الكامل والاطمئنان التام.. فالحمد للّٰه أولًا وآخرًا.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد اغترّت نفسي لحدّ الآن بأذواق دنيوية صُوْرية، حتى أبلغتْني أبوابَ سجون الآخرة الرهيبة.. ولقد امتَطَتْني نفسي لحدّ الآن، وحملتُ أهواءها على كاهلي.. أما الآن فللّٰه الحمد والشكر، فقد أغاثني جلّ علاه بأسرار القرآن الكريم بوساطة الأستاذ سعيد، ونجوتُ بفضله تعالى من أوضار تلك النفس الأمارة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، لقد طرقت أبوابًا كثيرة طوال خمس عشرة سنة متحرّيًا عن الطريق الموصل إلى الحقيقة، وانسحبت من أكثرها لما وجدت فيها من زينة الحياة الدنيا، والآن فللّٰه الحمد وجدت الباب الذي أبغيه حقًّا، فأسأله تعالى أن يجعلني من خدّام ذلك الباب، ويرزقني الثبات على تلك الخدمة السامية.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مدى ما تقدّمه هذه الرسائل، رسائل النور، من فوائد جليلةٍ بنشرها أنوارَ حقائق الإيمان وتبديدها ظلماتِ هذا العصر المظلم، لا يمكن إغماض العين عنها وإنكارُها قطعًا إلّا بالجهل لا غير.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>اللّٰهمّ ارفع الغشاوة عن أبصارنا وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>بابا جان محمد علي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[هل وجدتَ في نفسك شيئًا؟]</h2>
<p><strong>(هل وجدتَ في نفسك شيئًا؟) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">كتبت هذه الرسالة لمناسبة ما ورد في مسألة صغيرة من استفسار: هل وجدتَ في نفسك شيئًا؟</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الأستاذ المحترم.. يا أستاذي القدير..</p>
<p style="text-align: justify;">إنك أثمن من حياتي كلها، وإنني على استعداد للتضحية بها في كل لحظة إنفاذًا لأمر من أوامرك.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه لا تردد قطعًا في بذل تلك الهدية العظيمة، هديةِ الحياة، في سبيل الرب الجليل الذي أنعم بها علينا.</p>
<p style="text-align: justify;">أيها الأستاذ المحترم.. إننا مستعدون لأداء تلك الأمانة في كل وقت إلى منعمها الحقيقي جلّ جلاله، تلك الحياة التي وُهِبت لنا أمانةً ونجهل وقت سلبها منا، فأنا متهيئٌ في كل حينٍ ومن دون إحجام لإنفاذ أمره سبحانه وتعالى، وحيث إنكم تبلّغون أوامر ذلك الرب العظيم فإن كلامكم الطيب هو حقٌّ ورحمةٌ في الوقت نفسه.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم يا سيدي.. إن الأغصان الدانية تقلَّم وتقطَّع لترتفع الشجرة وتعلو وتصان من الأحياء المضرة، فليس لتلك الأغصان حق الاعتراض على ذلك العمل قطعًا؛ حيث إنها لو ظلت على ما هي عليه ربما يقطعها حيوان مضر، وتتفسخ جذورها وتعدم.</p>
<p style="text-align: justify;">أستاذي القدير..</p>
<p style="text-align: justify;">أقولها دون مبالغة: إنني أعتقد أنه ليس هناك أحد غارق في الذنوب والخطيئات مثلي، بل أقنعت نفسي بذلك أحيانًا، بل لست غارقًا في الذنوب إلى ركبتيَّ وظهري ولا إلى عنقي وحدها بل من أخمص قدمي إلى قمة رأسي، بل حتى أعماقُ أعماق وجودي وكياني ملوثة بحمأة تلك الذنوب والخطايا.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي الوقت الذي بدأ كياني كله بالتعفن والفساد، باشرتم بإذن اللّٰه بالعلاج والضماد -كالخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام- ووضعتم ذلك المرهم الشافي المستخلَص من صيدلية الشفاء القرآني على الجروح والعفونات، فأنتم وسيلةٌ لمنح الحياة، تلك التي تستحق أن تسمى &#8220;حياة&#8221;، فليس من العقل في شيء ألّا يضحَّى في سبيل من أنعم تلك الحياة، ومن أصبح وسيلة لذلك الإنعام الجليل.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن على المريض أن يدرك حاجته إلى إجراء العملية الجراحية، فهو مَدين بالشكر والثناء لمن يراقب معالجته ويداويه ليلَ نهار، بل مدينٌ بما لا يُحَدُّ من الشكر والحمد والثناء لذلك الحكيم العليم الذي ليس كمثله شيء، والذي سلَّم ذلك الدواء من صيدلية القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: justify;">ولكن يا أستاذي إنني متألم جدًّا لعدم إيفائي هذا الدَّين الذي في عنقي، ليرضَ اللّٰه عنك أبدًا يا أستاذي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>الحافظ علي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[أركان الإيمان في هجمات الست]</h2>
<p><strong>(أركان الإيمان في هجمات الست)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه الآثار النورانية إذ تُرغِّب من ناحية إذا بها ترهّب من جهة أخرى؛ فهي تتضمن كِلَيهما: الترغيب والترهيب معًا، ولا ريب في جدوى تأثير إحدى هاتين الوسيلتين في الإنسان، وفي ضوء هذه الحقيقة توقِظ أهلَ القرآن وتلاميذه واضعةً نصب أعينهم ستة أسس لئلا ينخدعوا.</p>
<p style="text-align: justify;">١- إنها تضع بدلًا من حب الجاه: ابتغاءَ مرضاة اللّٰه النابعة من الإيمان به سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">٢- إنها تضع بدلًا من الخوف والوقوع في شكوك الأوهام: الإيمانَ بالقدر.</p>
<p style="text-align: justify;">٣- إنها تضع بدلًا من الحرص والطمع: الإيمان بالقرآن والكتب السماوية بدلالة آية ﴿إن اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">٤- إنها تضع بدلًا من الأحاسيس والمشاعر العنصرية: الإيمانَ بالرسل الكرام، وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ﷺ) المبعوث إلى الجن والإنس كافة، والذي يحقق لنا ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل اللّٰه جميعًا ولا تفرقوا﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">٥ &#8211; إنها تضع بدلًا من الأنانية وحب الذات: الاعترافَ بعجزنا، ونقصنا، مع الإدراك التام أننا مكلفون بأداء الخدمة والعمل للقرآن الكريم بنشر الرسائل المترشحة منه والحفاظ عليها، من دون ترقّب النتيجة؛ بمعنى التجرد من نوازع البشرية إلى حدٍّ ما، والتشبه بالملائكة الذين هم واسطة لإنزال الكتب والصحف السماوية، فنحقق الإيمان بالملائكة بهذه الصورة.</p>
<p style="text-align: justify;">٦- إنها تضع بدلًا من الكسل والخلود إلى الدعة والراحة: الإسراعَ إلى العمل للقرآن، الذي كل ساعة منه تعدل يومًا من العبادة، وتجعلنا أن نقدّر الوقت حق قدره، ونستمسك بالعمل للقرآن من قبل أن يفلت منا هذا العملُ المقدس، مع فتح الأبصار لإدراك الأمور والأحداث، بمعنى معرفة قيمة الحياة قبل أن يَحُل بنا الموتُ فجأة.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا فيا أستاذي القدير.. أنتم ترشدون إلى الإيمان بالآخرة دلالةً ورمزًا وإشارةً وصراحة، ليرضَ اللّٰه عنكم وينقذ الأمة المحمدية من الضلالة ويوفقْكم في مسعاكم وجهادكم الخالص في الدعوة إلى القرآن، آمين.. آمين.. بحرمة سيد المرسلين وبحرمة القرآن المبين.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أرسلتُ &#8220;القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين&#8221; إلى أخيكم &#8220;السيد عبد المجيد&#8221; فقال في جوابه:</p>
<p style="text-align: justify;">إنه لا يجوز لأحدٍ النظرُ -مما سوى خلوصي وعبد المجيد- إلى تلك البنت الجميلة من بنات أفكار أخي الكبير، فالمحارم أيضًا في هذا الأمر هم أجانب، أرى من الأفضل أن تَكتب لأخي الكبير أن خروج مثل هذه الحسناء إلى الخارج لا يحقق نفعًا، بل ربما يولّد أضرارًا جسيمة، إن سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم ما زال ساريًا في سعيد الجديد، علمًا أن سعيدًا الجديد لا ينبغي أن يضيّع وقته مع بني الإنسان، وهذا ما يقتضيه مسلكه ومشربه، وعلى كل حال فالحافظ هو اللّٰه سبحانه.</p>
<p style="text-align: justify;">وأنا بدوري قد أجبته بالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن هذا الرأي صحيح بالنسبة لنا، ولكن لا أراه صحيحًا بالنسبة للأستاذ الفاضل الذي أدار ظهرَه إلى الدنيا ووفّى بوظيفته حق الإيفاء، فالذي استخدمه في هذا الأمر الجليل سيعصمه بلا شك.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد اقتنعتُ قناعة تامة بأن الأستاذ يدير ظهره إلينا أيضًا إنْ قطَعْنا علاقتنا مع رسائل النور؛ نعم، إن قلق أخينا العزيز واردٌ وفي محله، واضطرابه خالص، وهو محقٌّ فيه إذا ما أُخذ ظاهر الأمور بنظر الاعتبار، ولكن حرمان من له علاقة برسائل النور -وهم قلة معدودون- من هذه الحقائق، وحجْبَ هذه الآثار السامية عنهم، لا أراه صوابًا، بل هو مغاير لذلك الأساس.</p>
<p style="text-align: justify;">﴿فاللّٰه خير حافظًا وهو أرحم الراحمين﴾، فهو ناصرنا ومعيننا، وليس لنا إلّا دفع الشكوك والمكايد، والالتزام بالنية الصافية والشعور الخالص والشوق الجاد في السعي لشدّ أزر العمل الذي رفع لواءَه أستاذُنا الفاضل.</p>
<p style="text-align: justify;">تحياتنا إلى إخواننا جميعًا مع الدعاء لهم بالتوفيق والسداد، مع رجاء الدعاء لي والصفح عن زلاتي، مع التوسل بألّا تُخرجوا طالبكم الصادق من دعواتكم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي الحب في اللّٰه</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>خلوصي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سبب إعادة هدية]</h2>
<p><strong>(سبب إعادة هدية) </strong></p>
<p>رسالة كُتبت حول إعادة هدية أحد إخوتي العزيزين كـ&#8221;خلوصي&#8221;، أُدرجت ضمن فقرات إخوتي حسب رأيهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخَوَيَّ في الآخرة العزيزين الوفيين: السيد الحاج نوح وملا حميد..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أسبابًا كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، أذكر أهمها وهو: <strong>الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلابي،</strong> علاوة على أنني لست محتاجًا حاجة ماسة، وذلك بفضل الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، <strong>بل لا أستطيع أن أمدّ يدي إلى أموال الدنيا</strong>، فذلك خارج طوقي وإرادتي.</p>
<p style="text-align: justify;">وسأبين سببًا دقيقًا واحدًا من بين الأسباب الكثيرة:</p>
<p style="text-align: justify;">أتى صديق حميم تاجر، بمقدارٍ من الشاي يبلغ ثمنه ثلاثين قرشًا، فلم أقبله، فقال: لا تردّني خائبًا يا أستاذي، لقد جلبته لك من إسطنبول!</p>
<p style="text-align: justify;">فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه.</p>
<p style="text-align: justify;">فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا أستاذي، ما الحكمة فيه؟</p>
<p style="text-align: justify;">قلت: <strong>لئلا أُنزل قيمةَ الدرس الذي تتلقاه -وهو بقيمة الألماس- إلى قيمةِ قِطَعٍ زجاجية تافهة</strong>، فإنني أدَعُ نفعي الخاص لأجل نفعك أنت!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن درس الحقيقة الذي تأخذه من أستاذ لا يتنازل إلى حطام الدنيا، ولا تَزِلُّ قدمُه إلى الطمع والذل، ولا يطلب عوضًا عن أدائه الحقَّ والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس؛ بينما الدرس الذي يُتلقى من أستاذٍ اضطر إلى أخذ الصدقات، وإلى التصنع للأغنياء، وإلى التضحية حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب أنظار الناس إليه، فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدّقون عليه، وبهذا جَوَّز أخذ ثمرات الآخرة في الدنيا.. أقول: إن هذا الدرس نفسه يَهُون في هذه الحالة إلى مستوى قطع زجاجية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الشعور الأَخَوي الخالص]</h2>
<p><strong>(الشعور الأَخَوي الخالص)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي الصادق النشط، ويا صاحبي في الخدمة القرآنية السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">إن العمل الذي تؤديه في خدمة القرآن الكريم عمل مبارك كلُّه.. وفقكم اللّٰه في مسعاكم، وزاد شوقَكم إلى العمل أكثر، دون أن ينال منكم الفتور والملل.</p>
<p style="text-align: justify;">إن وظيفتكم هذه أهم من الاستنساخ اليدوي، ولكن لا تدَعْه أيضًا؛ سأبين لكم <strong>دستورًا في الأخوة</strong> عليكم الأخذ به بجد:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن الحياة نتيجةُ الوحدة والاتحاد، فإذا ذهب الاتحاد المندمج الممتزج، فالحياة المعنوية تذهب أيضًا أدراج الرياح،</strong> فالآية الكريمة: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾، تشير إلى أن التساند والترابط إذا اختل تَفقِد الجماعة مذاقَها.</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم تعلمون أن ثلاث أَلِفَاتٍ إذا كُتبتْ منفردةً متفرقةً فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائةٌ وأحَدَ عشر، فإن بضعة أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال، فإن قوتهم تكون بقوةِ ثلاثةِ أو أربعةِ أشخاص، بينما إذا ما عملوا متساندين بأخوَّة حقيقية، مفتخرًا كلٌّ منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر <strong>الفناء في الأخوة</strong> أن يكون أحدُهم هو الآخرَ بنفسه، أقول: إنهم إذا ما عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم يا أخي بمثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء إلى بلد عظيم وليس إلى إسبارطة وحدَها، فدواليب الماكينة مضطرة إلى التعاون فيما بينها، فإن كلًّا من تلك الدواليب -ناهيك عن الغيرة والاستياء- تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكها الدواليب الأخرى، حيث إنها تخفف عنها عبء الوظيفة.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الذين يحملون على أكتافهم أعباء خدمة الإيمان والقرآن، والتي هي بمثابة خزينة الحق والحقيقة العظيمة الرفيعة، يفتخرون كلما انضمت إليهم أكتاف قوية متعاونةً معهم، فيشكرون ربهم.</p>
<p style="text-align: justify;">حَذَارِ حَذَارِ من فتح باب النقد فيما بينكم.. إن ما يستحق النقد خارج الصف كثير بل كثير جدًّا؛ فكما أنني <strong>أفتخر بمزاياكم وأجد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حُرِمْتُ منها، وأعدّها كأنها عندي وأنا المالك لها</strong>، فأنتم كذلك عليكم النظر إلى مزايا إخوانكم على هذا النمط، <strong>فليكن كلٌّ منكم ناشرًا لفضائل الآخرين</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كنت أرى أن الشعور الأخوي الخالص الذي أبداه أخونا &#8220;الحافظ علي&#8221; تجاه أحد إخواننا الذي سيكون منافسًا له في الاستنساخ اليدوي جدير بأن تطلعوا عليه، أذكره لكم، وهو الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">جاءني &#8220;الحافظ علي&#8221;، وقلت له: &#8220;إن خط الأخ &#8220;فلان&#8221; أجودُ من خطك، وإنه أكثر منك عملًا ونشاطًا&#8221;، وإذا بي أجد أن &#8220;الحافظ علي&#8221; يفتخر بإخلاص ومن الصميم بتفوُّق الآخر عليه، بل التذَّ بذلك وانشرح، وذلك لأن الآخر قد استطاع جلب محبة أستاذه وثنائه عليه، <strong>راقبتُ قلبَه وأمعنتُ فيه بدقة</strong>، وعلمتُ أنه ليس تصنعًا قط، بل شعرت أنه شعور خالص، فشكرت اللّٰه تعالى على أن في إخواننا <strong>مَن يحمل هذا الشعور السامي</strong>، وسيُنجِز هذا الشعورُ بإذن اللّٰه كثيرًا جدًّا من الخدمات؛ والحمد للّٰه فإن ذلك الشعور الأخوي قد سرى تدريجيًّا في صفوف إخواننا في هذه المنطقة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[لا أشبع من مطالعة الرسائل]</h2>
<p><strong>(لا أشبع من مطالعة الرسائل)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أستاذي المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذه &#8220;الرموز&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">1</sup>
<p style="text-align: justify;">آثار بديعة خارقة تثير الإعجاب، حيث تَمنح عشاقَ العلم من القراء أذواقًا لا نهاية لها ومشاعر رقيقة رفيعة، ولقد تجددتْ حياتي بهذه المشاعر العالية، حتى أتمنى من المولى العمر المديد بشرط أن يثبتنا في هذه الحياة الجديدة، فلا غرو أني لا أشبع من مطالعتها، فمهما قرأتُها وكأني لم أقرأها، وأكون كمن يقرأ مؤلَّفًا جديدًا فأقرؤها بذوق معنوي لا يُحدّ ولذة روحية لا تنتهي.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا الأمر سواء في &#8220;الكلمات&#8221; أو &#8220;المكتوبات&#8221; أو &#8220;الرموز&#8221;، وأظن أن الوصف الخارق لهذه الرسائل يتمركز في هذه النقطة الدقيقة، علمًا أن الإنسان إذا ما قرأ المؤلفات الأخرى مرة واحدة لا تثار عنده رغبةٌ لإعادة القراءة.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إني مهما بالغتُ في قراءة هذه الأنوار القرآنية لا أستطيع دفعَ الجوع عن قراءتها مرة أخرى، ولا سيما &#8220;الرموز&#8221;، فقد سحرتْني وأغرقتْني في الإعجاب، لذا باشرتُ فورًا باستنساخها.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>رأفت</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سُلْواني الوحيد]</h2>
<p><strong>(سُلْواني الوحيد) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">أستاذي العزيز الرؤوف..</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم تحاولون تنبيه طالبكم الذي يُكِنُّ لكم الحب في اللّٰه، هذا العاجز، وتسعَون لإرشاده بشتى الوسائل وتعليمه دروسًا معنوية رفيعة جدًّا، بَيْدَ أني لا أستطيع أن أستفيض كما يستفيض إخوتي الأعزاء الموقرون الذين يجالسونكم ويتشرفون بصحبتكم وقربكم معنًى ومادة، ممن لهم قدم صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق الباري سبحانه وتعالى.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أحيل سبب ذلك إلى العصيان وإلى زيادة الخطيئات وإلى تأثير المحيط والأحداث التي تعرقل العمل المنور، وأحيلها في أوقات كثيرة إلى هجماتِ نفسي الأمارة بالسوء وهجمات شياطين الجن والإنس.. ومن هنا أشعر بشقاوتي.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، وفضلًا عن هذا فإني أشعر بالنِعم التي نلتُها والتي لا تعد ولا تحصى، والتي لم أتمكن من إيفاء شكرها مع الأسف الشديد، علمًا أن كل يوم وكل ساعة، بل كل دقيقة وثانية تنبهني بانقضاء حياتي الفانية والرحيل من هذه الدنيا القصيرة العمر، ورغم هذا لا أستطيع أن أكف يدي عنها، وإن <strong>سُلْواني الوحيد هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم</strong>، <strong>وإيماني الذي لا يتزعزع بالدين المبين والنبي الكريم (ﷺ) وما أتاه من شريعة غراء،</strong> <strong>وشدة ارتباطي بأستاذي المحبوب</strong>، فآمل ألّا تدع هذا الغارقَ في الذنوب محرومًا من دعواتك الطيبة.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>خلوصي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول العلاقات بين الأستاذ والطلاب]</h2>
<p><strong>(حول العلاقات بين الأستاذ والطلاب) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي خسرو، لطفي، رشدي..</p>
<p style="text-align: justify;">سأبين لكم وجهة نظري -بما يفيدكم- حول العلاقات القائمة بين الأستاذ والطلاب وزملاء الدرس، وهي:</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم يا إخوتي، طلابي -بما هو فوق حدّي- من جهة، وزملائي في الدرس من جهة أخرى، ومساعدِيَّ وأصحابُ الشورى من جهة أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي الأعزاء..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أستاذكم ليس معصومًا من الخطأ، بل من الخطأ الاعتقاد أنه لا يخطئ، ولكنَّ وجود تفاح فاسد في بستان لا يضر بالبستان، ووجود نقد مزوّر في خزينةٍ لا يسقط قيمة الخزينة.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولما كانت السيئةُ تُعدّ واحدة بينما الحسنة بعشر أمثالها، فالإنصاف يقتضي عدم الاعتراضِ</strong><strong> وتعكيرِ صفو القلب تجاه الحسنات إذا ما شوهدت سيئةٌ واحدةٌ وخطأ واحد</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إن المسائل التي تخص الحقائق والمسائل الكلية والتفصيلاتِ هي من قبيل السانحات الإلهامية بصورة عامة، فلا غبار عليها قطعًا، وهي يقينية.</p>
<p style="text-align: justify;">أما مراجعتي لكم فيما يخص تلك المسائل واستشارتي لكم حولها، فهي في نمط تلقّيكم لها، وليست لكونها حقيقة وحقًّا أم لا؟ فلا تردُّد لي قطعًا من كونها حقيقة، إلّا أن الإشارات التي تعود إلى المناسبات التوافقية تَرِدُ بصورة مطلقة ومجملة وكلية، إذ هي سانحات إلهامية، ولكن أحيانًا يختلط ذهني القاصر، فيخطئ، فتظل التفاصيل والتفرعات ناقصة، فخطئي في هذه التفرعات لا يورث ضررًا للأصل وما هو بحكم المطلق.</p>
<p style="text-align: justify;">وحيث إني لا أجيد الكتابة، ولا يتيسر وجود الكاتب لديّ دائمًا، تظل التعابير مجملة وعلى صورة ملاحظات ليس إلّا، فيستشكل على الفهم.</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا يا إخوتي ويا رفقائي في الدرس أنني أُسَرُّ إن نبهتموني بكل صراحة لأي خطأ ترونه عندي، بل أقول: ليرضَ اللّٰه عنكم إذا قلتموه لي بشدة؛ إذ لا يُنظر إلى أمور أخرى بجانب الحق.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني مستعد لقبول أية حقيقةٍ كانت يفرضها الحق، وإن كنت أجهلها ولا أعرفها، فأَقبلها وأضعها على العين والرأس، ولا أناقشها وإن كانت مخالِفة لأنانية النفس الأمارة.</p>
<p style="text-align: justify;">اعلموا أن هذه الوظيفة الإيمانية وفي هذا الوقت جليلةٌ ومهمة، فلا ينبغي لكم أن تضعوا هذا الحمل الثقيل على كاهل شخصٍ ضعيفٍ مثلي وقد تشتت فكرُه، بل عليكم معاونته قدر المستطاع.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الحقائق المجملة والمطلقة، تنطلق ونكون نحن وسائلَ ظاهرية لها، أما تنظيمُها وتنسيقها وتصويرها فهي تعود إلى إخوتي الأكفاء، وأحيانًا أتدخل في التفاصيل والتنظيم بدلًا عنهم فتظل ناقصة.</p>
<p style="text-align: justify;">إنكم تعلمون أن الغفلة تستحوذ أكثرَ في موسم الصيف، حيث يَفتُر كثيرٌ من الزملاء عن الدرس ويضطرون إلى تعطيل الأشغال، فلا يقدرون على الانشغال بجدٍّ بالحقائق.</p>
<p style="text-align: justify;">إخوتي.. نحن في أشد الحاجة في هذا الزمان إلى القوة المعنوية تجاه الضلالة والغفلة، فأنا -مع الأسف- باعتباري الشخصي ضعيف ومُفْلِس؛ فليست لي <strong>كرامةٌ خارقة</strong> كي أُثبت بها هذه الحقائق، وليست لي <strong>همة قدسية</strong> كي أجلب بها القلوب، وليس لي <strong>دهاء عُلْوي</strong> كي أسخّر به العقول، بل أنا بمثابة خادم متسول أمام ديوان القرآن الكريم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سؤالٌ حول الروح]</h2>
<p><strong>(سؤالٌ حول الروح)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>كُتب للسيد خلوصي</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: ما الداعي لقول الإمام الغزالي: إن النشأة الأولى مخالفة تمامًا للنشأة الأخرى؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن قول حجة الإسلام الإمام الغزالي من أن النشأة الأولى مخالِفةٌ تمامًا للنشأة الأخرى، هي مخالفةٌ باعتبار الكيفية والصورة، وليست باعتبار الماهية والجنسية، لأنها تكون معارضة لصراحة آيات كريمة كثيرة، مثل: ﴿ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾، و ﴿وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إنه إشارة إلى أن الأمور الأخروية من حيث المرتبة رفيعةٌ جدًّا.. ثم إنه إشارة للغزالي إلى وقوع الحشر الجسماني مع الحشر الروحاني أيضًا، تقليدًا ومسايرة لبعض الباطنية.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سؤال</strong>: إن سعد الدين التفتازاني بعد تقسيمه الروح إلى قسمين؛ أحدهما: روح إنسانية، والأخرى: روح حيوانية، يقول: &#8220;إن المعرضة للموت هي الروح الحيوانية وحدها؛ أما الإنسانية فليست مخلوقة، وليست بينها وبين اللّٰه نسبة ولا سبب، فقد استقلت بذاتها وليست قائمة بالجسد&#8221;، ما سبب قوله هذا؟ وما إيضاحه؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن قول سعد الدين التفتازاني: &#8220;الروح الإنسانية ليست مخلوقة&#8221;، يعني أن ماهية الروح قانون أمري ذو حياة، ومرآةٌ ذات شعور لاسم اللّٰه الحي، وجلوةٌ ذات جوهرٍ من تجليات الحياة السرمدية، وذلك مضمون قوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فهي <strong>مجعولة</strong>، ومن هذه الجهة لا يقال: إنها مخلوقة. وقد قال السعد في المقاصد وفي شرح المقاصد موافقًا لجميع علماء الإسلام المحققين ومنسجمًا مع نصوص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة: &#8220;إن قانون الأمر ذاك قد أُلبس وجودًا خارجيًّا، فهي <strong>مخلوقة</strong> <strong>وحادثة</strong> كسائر المخلوقات&#8221;، <strong>وجميع آثاره شاهدة على عدم قوله بأزلية الروح</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">أما قوله: &#8220;ليست بينها وبين اللّٰه نسبة&#8221; فهو إشارة إلى ردِّ مذهبٍ باطل كالحلول، <strong>فروح الحيوانات كذلك باقية، وتفنى أجسامُها وحدها في القيامة،</strong> بينما <strong>الموت ليس فناءً بل هو انقطاع العلاقة</strong>.. أما قوله: &#8220;ولا سبب&#8221;، فإشارة إلى خلق الروح مباشرة دون توسط الأسباب، كما جاء في مناجاة عزرائيل عليه السلام في قبض الأرواح..</p>
<p style="text-align: justify;">أما قوله: &#8220;استقلت بذاتها&#8221;، فإن الجسد يستند إلى الروح فيبقى قائمًا؛ بينما الروح قائمة بذاتها -كما ذكر في إثبات بقاء الروح- فإذا ما دُمِّر الجسد تكون الروحُ حرة أكثر، وتحلّق إلى السماء كالملاك، وهو إشارةٌ إلى ردّ مذهبٍ باطل.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[العلاقة التي لا يقيدها زمان ولا مكان]</h2>
<p><strong>(العلاقة التي لا يقيدها زمان ولا مكان)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>خطاب إلى السيد خلوصي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>باسمِ مَن تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلّا يسبح بحمده</strong></p>
<p style="text-align: justify;">وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد عاشرات دقائق عمركم، عمَّركم اللّٰه بالسلامة والعافية.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز..</p>
<p style="text-align: justify;">لقد آلمتْني رسالتُكم، ولكنْ فكرتُ في حقيقةٍ، فزال الألمُ، والحقيقة هي الآتية:</p>
<p style="text-align: justify;">إن العلاقة التي تربطنا والأخوة القائمة بيننا خالصةٌ وفي سبيل اللّٰه -إن شاء اللّٰه- لذا لا يقيّدها زمان ولا مكان، فالمدينة والبلدة والبلاد بأكملها بل الكرة الأرضية، بل الدنيا، بل عالم الوجود: بمثابة مجلسٍ بالنسبة لأخوَين حقيقيين، فلا فراق في هذه الصداقة والأخوة، بل وصالٌ كلُّها، ومالَنا.. فليفكر أصحابُ الصداقات الفانية المجازية الدنيوية!</p>
<p style="text-align: justify;">إنه <strong>لا فراق في مسلكنا</strong>.. <strong>أينما تكن تستطع إجراء المحاورة مع أخيك هذا، بوساطة ما في يدك من &#8220;الكلمات&#8221;</strong>؛ وأنا كذلك متى ما شئت يمكنني مشاهدتك بجنبي رافعين أيدينا إلى المولى الكريم، <strong>فإن أرسلك القدرُ الإلهي إلى مكان آخر فسلِّمْ أمرَك إليه بكمال الرضى</strong>، إذ الخيرُ فيما اختاره اللّٰه، ولعل الأماكن الأخرى محتاجة إلى صاحب قلبٍ سليمٍ وعقلٍ مستقيمٍ مثلِك يلقِّن درس الإيمان التحقيقي، فلقد خدمتَ -وللّٰه الحمد- للإيمان خدمة جليلة في &#8220;أكريدير&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز..</p>
<p style="text-align: justify;">إن مشاغل الربيع والصيف وقِصَرَ الليالي ومرور الشهور الثلاثة، وأخْذَ أغلب إخوتي نصيبهم منها.. وأسبابًا أخرى تقلل &#8211; بلا شك &#8211; من الشوق المتواجد في دروس الشتاء، ولكن الفتور الناشئ من تلك الأسباب يجب ألّا يصيبكم، لأن <strong>تلك الدروس علوم إيمانية</strong>، <strong>يكفي للإنسان أن يُسمعها لنفسه وحده</strong>، فضلًا عن أنكم تجدون دومًا أخًا أو أخوَين حقيقيين.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن <strong>الذين يستمعون إلى ذلك الدرس ليسوا من البشر فقط</strong>، بل للّٰه سبحانه وتعالى <strong>مخلوقاتٌ ذوات شعور كثيرةٌ</strong> تتلذذ كثيرًا من استماع الحقائق الإيمانية، فلكم إذن أصدقاء كثيرون ومستمعون كثيرون من هذا النوع.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا فإن المجالسة الإيمانية المتسمة بالتفكر على هذا النمط، زينةٌ وبهجةٌ لسطح الأرض ومدارُ شرفٍ لها، ولقد قال أحدهم إشارة لهذا:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>آسْمَانْ رَشْك بَرَدْ بَهْرِ زَمِينْ كِه دَارَدْ</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>يَكْ دُو كَسْ يَك دُو نَفَسْ بَهْرِ خُدَا بَرْ نِشِينَنْدْ</strong></p>
<p style="text-align: justify;">بمعنى أن السماوات تغبط الأرض لما فيها من شخصين يجلسان أنفاسًا معدودة -أي لدقيقتين- مجالسة خالصة لوجه اللّٰه، في ذكر وتفكر، فيبين كلٌّ منهما للآخر الآثار الجميلة لرحمة ربه الجليل وصنعته المزينة الحكيمة فيحب ربَّه ويحببه، ويفكر في آثاره ويحمل الآخر على التفكير.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن <strong>العلم قسمان</strong>: <strong>نوع منه يكفي العلمُ به</strong> ومعرفته والتفكر فيه مرة أو مرتين.. <strong>والآخر</strong>: كالخبز والماء؛ يحتاجه الإنسان ويفكر فيه كلَّ وقت، فلا يمكنه أن يقول: لقد فهمتُه وكفى، فالعلوم الإيمانية من هذا القسم، و&#8221;الكلمات&#8221; التي في أيديكم من هذا القسم -على الأكثر- إن شاء اللّٰه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سِتُّ مسائل متفرقة]</h2>
<p><strong>مسائل متفرقة</strong></p>
<h3 style="text-align: center;"> [حكمة كثرة الصلاة على الرسول ﷺ وسرّ ذكر السلام معها]</h3>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الأولى</strong>: سؤال: ما حكمة كثرة الصلاة على الرسول (ﷺ)، وما سرّ ذكر السلام معها؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب:</strong> إن الصلاة على الرسول الكريم (ﷺ) وحدَها طريقُ الحقيقة؛ فهو (ﷺ) مع أنه قد حظي بمنتهى الرحمة الإلهية، قد أظهرَ الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه، ذلك لأن الرسول الكريم (ﷺ) ذو علاقة مع آلام الأمة جميعًا، وله حظٌّ بسعاداتهم، ولعلاقته بسعادة جميع الأمة المتعرضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبلٍ غير محدود يمتد إلى أبد الآباد، أظهَرَ (ﷺ) الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن الرسول الكريم (ﷺ) عبدٌ، وهو رسولٌ في الوقت نفسه، فيحتاج إلى الصلاة من حيث العبودية، ويحتاج إلى السلام من حيث الرسالة، إذ <strong>العبودية</strong> تتوجه من الخلق إلى الخالق حتى تنال المحبوبية والرحمة، فالصلاة تفيد هذا المعنى؛ أما <strong>الرسالة</strong> فهي بعثة من الخالق سبحانه إلى الخلق، فتطلب السلامة (للمبعوث) والتسليم له، وقبولَ مهمته والتوفيق لإجراء وظيفته، فلفظ السلام يفيد هذا المعنى.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إننا نقول &#8220;سيدنا&#8221; ونعبّر به: يا رب ارحم رئيسَنا الذي هو رسولُكم إلينا ومبعوثُنا إلى ديوان حضرتكم، كي تسري تلك الرحمةُ فينا.</p>
<p style="text-align: justify;">اللّٰهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[الطبيعة هي الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثانية</strong>: جواب قصير لسؤال طويل أورده أحد إخواننا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إذا قلت</strong>: ما هذه الطبيعة التي زلَّ إليها أهلُ الضلال والغفلة فدخلوا الكفر والكفران، وسقطوا إلى أسفل سافلين، بعد أن كانوا في مرتبة أحسن تقويم؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن ما يطلِقون عليه بـ&#8221;الطبيعة&#8221; هو: <strong>الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى</strong>، التي هي عبارة عن <strong>مجموع قوانين عادة اللّٰه</strong>، التي تبين تنظيم الأفعال الإلهية ونظامها.</p>
<p style="text-align: justify;">من المعلوم أن القوانين أمور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي، ولكن الغفلة والضلالة أدت بهم إلى الجهل بالكاتب والنقَّاش الأزلي، لذا ظنوا الكتابَ والكتابة كاتبًا، والنقشَ نقاشًا، والقانونَ قدرةً، والمِسطَر مصدرًا، والنظامَ نَظّامًا، والصنعةَ صانعًا!</p>
<p style="text-align: justify;">فكما إذا دخل إنسانٌ جاهلٌ -لم يَرَ الحياة الاجتماعية- إلى معسكر عظيم، وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الأنظمة المعنوية، خُيِّل إليه أنهم مربوطون بحبال مادية.. أو دخل مسجدًا عظيمًا وشاهد الأوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة أو العيد، تخيل أنهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك أهلُ الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون الذي هو معسكر عظيم -لمن له جنود السماوات والأرض سلطانِ الأزل والأبد- أو يَدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الأزلي، ثم يذكرون أنظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحِكم غير المتناهية أنها كالقوة أو كالمادة صماءُ عمياءُ جامدة مختلطة.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا شك أنه لا يقال عن مثل هذا: إنه إنسان، بل حتى لا يقال له: حيوان وحشي، لأن ما تَخَيله &#8220;طبيعة&#8221; يفرِض عليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلمًا محيطًا بكل شيء، بل عليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب جميعَ صفات الواجب الوجود، وما ذاك إلّا محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.</p>
<p style="text-align: justify;">فـ&#8221;الكلمات&#8221; ورسائل أخرى قد أرْدتْ مفهومَ الطبيعة قتيلًا في مائة موضع وموضع، وإلى غير رجعة! وكذا &#8220;الكلمة الثانية والعشرون&#8221; أثبتت هذا الأمر إثباتًا قاطعًا.</p>
<p style="text-align: justify;">الحاصل: لقد أُثبتت في &#8220;الكلمات&#8221; إثباتًا قاطعًا أن الذي يؤلِّه الطبيعة يضطر إلى قبول آلهة غير متناهية، لإنكاره الإله الواحد، فضلًا عن أن كلَّ إلهٍ قادرٌ على كل شيء، وضدُّ كلِّ إله، ومثلُه.. وذلك لينتظم الكون!! والحال أنه لا موضع للشريك قطعًا، بدءًا من جناح ذبابة إلى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يَتدخل في شؤونه تعالى غيرُه؟!</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن الآية الكريمة: ﴿لو كان فيهما آلهة إلّا اللّٰه لفسدتا فسبحان اللّٰه رب العرش عما يصفون﴾ تَقطع أساسَ الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[حكمة وجود جهنم]</h3>
<p style="text-align: justify;"><strong>المسألة الثالثة</strong>: إن الكفر بذرة لجهنم معنوية، كما أن ثمرته جهنم مادية -كما أُثبت في الكلمة الثانية والثامنة وفي سائر الكلمات- فكما أنه سببٌ لدخول جهنم، فهو سببٌ لوجودها، إذ كما أن حاكمًا صغيرًا بعزة ضئيلة وغيرة قليلة وجلال بسيط لو قال له شرير: لا تقدرُ على عقابي، ولن تقدر. فإنه بلا شك ينشئ لذلك الشرير سجنًا ويقذفه فيه حتى لو لم يكن هناك سجن.</p>
<p style="text-align: justify;">كذلك الكافر بإنكاره جهنم، فإنه يَصِم مَن له منتهى الغيرة والعزة والجلال، ويكذّبه ويتهمه بالعجز والكذب، فيَمَسُّ عزته بشدة ويتعرض لجلاله بسوء، فلا شك لو لم يكن أي سببٍ لوجود جهنم -فرضًا محالًا- فإنه سبحانه يخلقها لذلك الكفر المتضمن للاتهام بالعجز والتكذيب إلى هذا الحد، وسيقذف فيها الكافر.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[لماذا يتغلب أهلُ الكفر والضلال على أهل الهداية في الدنيا؟]</h3>
<p><strong>المسألة الرابعة</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إذا قلت</strong>: لماذا يتغلب أهلُ الكفر والضلال على أهل الهداية في الدنيا؟</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: لأن اللطائف الإنسانية واستعداداتها التي مُنحت لشراء الألماس الأبدي تَصرِفها بلاهةُ الكفر وسُكرُ الضلالة وحيرةُ الغفلة إلى قطعٍ زجاجيةٍ تافهةٍ وبلوراتٍ ثلجية سرعان ما تزول، فلا شك أن قِطع الزجاج المتكسر والجماد لأنه قد اشتُري بثمن الألماس، يشتري أفضل زجاج وأجلى جماد!</p>
<p style="text-align: justify;">كان فيما مضى جوهري ثري، فقدَ عقله وأصبح معتوهًا، ولما ذهب إلى السوق أخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا تساوي شيئًا، ولما رأى الناس هذا منه، بدأوا يعطونه ما لديهم من أجمل زجاج، حتى الأطفال أعطَوه بلورات ثلجية جميلة لقاء قطعة ذهب.</p>
<p style="text-align: justify;">وكذا، فقد سكِر سلطان في زمن ما، ودخل ضمن الأطفال ظنًّا منه أنهم وزراء وقواد، وبدأ بإصدار أوامر سلطانية إليهم. سُرّ الأطفال بذلك، وقضى هو لهوًا بينهم لطاعتهم له.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا الكفر بلاهة، والضلالة سُكر، والغفلة حيرة، بحيث يشتري الكافر المتاع الفاني بدلًا من الباقي، وهذا هو السر في قوة مشاعر أهل الضلالة، فيشتد العناد والحرص والحسد وأمثالها من الأحاسيس لديهم، حتى ترى أحدهم يعاند -لسنة كاملة- لما لا يساوي دقيقة واحدة من الاهتمام.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إنه <strong>ببلاهة الكفر وسكر الضلالة وحيرة الغفلة تهوي اللطيفةُ الإنسانية التي خُلقت -فطرةً- للأبد والأبدية، فتأخذ أشياء فانية بدلًا من الباقية وتعطيها ثمنًا غاليًا</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك مرض عصبي أو مرض قلبي ينتاب المؤمن أيضًا حتى إنه -كأهل الضلالة- يعطي اهتمامًا لما لا يستحق الاهتمام به، لكن سرعان ما يدرك خطأه فيستغفر ربه ولا يصر عليه، ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[سر تسمية رسائل النور]</h3>
<p><strong>المسألة السادسة &#8220;مسألة صغيرة&#8221; </strong></p>
<p style="text-align: justify;">إن سبب إطلاق اسم &#8220;رسائل النور&#8221; على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة)، والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبًا)، واللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعًا) هو أن <strong>كلمة النور</strong> قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:</p>
<p style="text-align: justify;">أن قريتي اسمها: نورس.</p>
<p style="text-align: justify;">واسم والدتي المرحومة: نورية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.</p>
<p style="text-align: justify;">وأستاذي في القرآن: نوري.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر من يلازمني من طلابي من يُسمَّون باسم نور.</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر ما يوضِّح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.</p>
<p style="text-align: justify;">وأول آية كريمة التمعت لعقلي وقلبي وشغلت فكري هي: ﴿اللّٰه نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة..﴾</p>
<p style="text-align: justify;">وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو اسم &#8220;النور&#8221; من الأسماء الحسنى.</p>
<p style="text-align: justify;">ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي اللّٰه عنه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h3 style="text-align: center;">[جواب لسؤال حول تغليف الأسنان]</h3>
<p><strong>جواب لسؤال حول تغليف الأسنان</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>جواب لسؤال السيد خلوصي</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أكتب لكم مجملًا مسألة أو مسألتين شرعيتين:</p>
<p style="text-align: justify;">إن المضمضة سنة في الوضوء وليست فرضًا، بينما هي فرض في الاغتسال، فلا يجوز بقاء داخلِ الفم دون غَسلٍ ولو شيئًا جزئيًّا، ولهذا لم يجرؤ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الأسنان، والإمام أبو حنيفة والإمام محمد رضي اللّٰه عنهما لهما فتاوى في جواز صنع الأسنان من الفضة أو الذهب بشرط ألّا يكون تغليفًا ثابتًا، بينما هذه المسألة منتشرة بحيث <strong>أخذت طور البلوى العامة</strong>، لا يمكن رفعها.</p>
<p style="text-align: justify;">فوردت إلى القلب فجأةً هذه النقطةُ: إنه <strong>ليس في طوقي ولا من حدّي التدخل في مهمة المجتهدين،</strong> ولكني أقول على الرغم من عدم ميلي إلى الرخص: إذا أوصى طبيب حاذق متدين بتغليف السن، عند ذاك تَخرج السن من كونها من ظاهر الفم وتكون بمثابة باطنه، فلا يبطل الاغتسال بعدم غسلها، لأن غلافها يُغسَل فحلّ محلها، فكما يَحِل شرعًا غسلُ أغلفة الجرح محل الجرح نفسه لوجود المضرة، فغسل هذا الغلاف الثابت -المبني على الحاجة- يحل محل غسل السن، فلا يبطل الاغتسال. والعلم عند اللّٰه.</p>
<p style="text-align: justify;">ولما كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك أن الذي يقوم بتغليف الأسنان أو حشوها للتجميل لا يستفيد من هذه الرخصة، لأنه لو عمل ذلك بسوء اختياره حتى في حالة الضرورة لا تباح له ذلك، ولكن لو كان قد حدث دون علمه <strong>فالجواز للضرورة</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول رسالة الحشر]</h2>
<p><strong>(حول رسالة الحشر)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم وعلى رفقائكم في درس القرآن﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: لقد سرّني كثيرًا رأيكم أنه لا داعي لما رآه عبد المجيد من أن المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين، زائد لا داعي له، بناءً على حذر في غير محله، علينا أن ندرك أننا نحظى بسر الآية الكريمة: ﴿ملة إبراهيم حنيفًا﴾، والتي تشير إلى اتباعنا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي نال ثناء القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم باللّٰه﴾.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: يكتب عبد المجيد أن مفتيًا -من أهالي مدينةٍ لهم صداقة عامة نحوي- قد أورد انتقادات واهية، بنظرٍ سطحيٍّ عابرٍ على تفرعاتِ &#8220;الكلمة العاشرة&#8221;، فأجوبة عبد المجيد له كافية، عدا موضعين، إذ هو الآخر قد أجاب جوابًا سطحيًّا في موضعين اثنين حول ذلك السؤال السطحي.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأول</strong>: لقد قال ذلك الفاضل: إن حقائق &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; ليست للمنكرين، لأنها مؤسَّسة على الصفات الإلهية والأسماء الحسنى. ويقول عبد المجيد في جوابه له: قد حمل المنكرين على الإقرار بالإيمان في الإشارات الأربعة التي تسبق الحقائق، ثم يسرد الحقائق.</p>
<p style="text-align: justify;">والجواب الحقيقي هو الآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">إن كل حقيقة من الحقائق -الاثنتي عشرة لهذه الرسالة- تثبت أمورًا ثلاثة في آن واحد: وجودَ واجب الوجود، وأسماءَه وصفاتِه، ثم تبني الحشرَ على تلك الأمور وتُثبته، فيستطيع كل شخص من أعتى المنكرين إلى أخلص المؤمنين أن يأخذ حظه من كل حقيقة، لأنها تلفت الأنظار إلى الموجودات والآثار، وتقول: &#8220;في هذه الموجودات أفعالٌ منتظمة، والفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، لذا فلها فاعل، ولما كان الفاعل يَفعل فعله بالانتظام، والنظام يلزم أن يكون حكيمًا عادلًا، وحيث إنه حكيم، فلا يفعل عبثًا، وحيث إنه يفعل بالعدالة فلا يضيّع الحقوق، فلا بد إذن من محشر أكبر ومحكمة كبرى&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وعلى هذا المنوال تسير الحقائق، وتلبس هذا الطراز من التسلسل، وتثبت الدعاوى الثلاث دفعة واحدة، ولأنها مجملة فالنظر السطحي يَعجِز عن التمييز، علمًا أن كل حقيقة منها قد فُصِّلت بإيضاحٍ تامٍّ في رسائل أُخَر وفي &#8220;الكلمات&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">الجواب الثاني الناقص الذي أورده عبد المجيد:</p>
<p style="text-align: justify;">لقد أخطأ عبد المجيد لمسايرته السؤال الخطأ لذلك الفاضل ولقبوله الخطأ، لأنه لم يُذكر في حاشية &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; أن الاسم الأعظم هو عبارة عن مرتبة عظمى لكل اسم فقط، بل ذكرنا في مواضع كثيرة: أن الحشر يَظهر من الاسم الأعظم، ومن المرتبة العظمى لكل اسم، فمع إثبات الرسالة -الكلمة العاشرة- الاسمَ الأعظم، فلكل اسمٍ مرتبةٌ عظمى أيضًا، بحيث حظي الرسول الأعظم (ﷺ) بهذه المراتب، فالحشر الأعظم أيضًا متوجه إليها.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلًا: اسم &#8220;الخالق&#8221; له مراتب ابتداءً من مرتبة كونه سبحانه وتعالى خالقي، إلى المرتبة العظمى في كونه خالقًا لكل شيء.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قال ذلك الفاضل الذي ساوره الشك: إن وجود مرتبة عظمى لكل اسم من كلام فلاسفة المتصوفة، قاصدًا ردّه، بينما يتغير الاسم بالنسبة للإمام الأعظم أبي حنيفة والإمام الغزالي وجلال الدين السيوطي والإمام الرباني والشيخ الكيلاني وأمثالهم من المحققين الصِّدِّيقين، فقد قال الإمام الأعظم: إن الاسم الأعظم هو: العدل، الحكم.. وهكذا.</p>
<p style="text-align: justify;">على كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد جعلتْني انتقاداتُ ذلك الفاضل ممتنًّا بثلاثِ جهات:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أُولاها</strong>: أنه عجَز عن الانتقاد مع إرادته له، مما يبين أن حقائق &#8220;الكلمة العاشرة&#8221; تستعصي على الجرح والنقد، إلّا ما كان موجهًا إلى بعض العبارات في الفرعيات.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيتها</strong>: نسأل اللّٰه تعالى أن تحث تلك الانتقادات همةَ عبد المجيد الفطن الغيور ليصبح رفيق &#8220;خلوصي&#8221; نشطًا نابهًا أهلًا لصداقته.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثتها</strong>: أن ذلك الفاضل راغبٌ في الرسائل، ولهذا انتقد، <strong>إذ الذي لا يرغب في شيء لا يهتم به،</strong> لذا سيستفيد بإذن اللّٰه من الرسائل في المستقبل استفادة تامة.</p>
<p style="text-align: justify;">يمكنكم إجمال هذه النكتة إجمالًا جيدًا وإرسالها إلى ذلك الفاضل، مع تحياتي له وامتناني منه.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[خادم الشخص المنتظر]</h2>
<p><strong>(خادم الشخص المنتظر)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الغيور، يا أخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن، صبري الأول وخلوصي الثاني..</p>
<p style="text-align: justify;">أبارك حُسْنَ فهمكم وإدراكَكم الجيد للمكتوب العشرين واستنساخَكم الجيد له، تذكرون في رسالتكم رغبتكم في تلقي درسٍ في علم الكلام مني.. أنتم يا أخي تتلقون ذلك الدرس فعلًا، فما استنسختموه من &#8220;الكلمات&#8221; دروس منوَّّرة لعلم الكلام الحقيقي، فقد قال علماء محققون، كالإمام الرباني: سيبين أحدُهم في آخر الزمان علم الكلام -أي المسائل الإيمانية الكلامية لمذهب أهل الحق- بيانًا جليًّا بحيث يفوق على جميع ما كتبه أهلُ الكشف والطريقة الصوفية، فيكون وسيلة لنشر تلك الأنوار، حتى إن الإمام الرباني قد رأى نفسه ذلك الشخص.</p>
<p style="text-align: justify;">فأخوك هذا العاجز الفقير الذي لا يُذكر بشيء لا يمكنني أن أدّعي -بما يفوق حدّي ألف مرة- أنني ذلك الشخص المنتظَر، إذ لستُ أهلًا لأكون ذاك من أية ناحية كانت، ولكن يمكنني أن أقول: إنني أظن نفسي خادمًا لذلك الشخص المنتظَر، أهيئ الميدان لمجيئه، وجنديًّا من جنود طلائعه، ولهذا فقد أحسستم بتلك الرائحة العجيبة من تلك الأمور المكتوبة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول توافقات القرآن الكريم]</h2>
<p><strong>(حول توافقات القرآن الكريم)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">يا سُلْواني في دار الفناء هذه، ويا أُنسي في دار الغربة هذه، يا من تحثونني على الكلام في الأسرار القرآنية بشوقهم ولهفتهم.</p>
<p style="text-align: justify;">يا إخوتي المخاطَبين الأذكياء المتفرسين..</p>
<p style="text-align: justify;">لأجل إشعاركم مبلغَ عملي الذي يُرثى له بخطٍّ ناقصٍ رديء، ولأجل إحساسكم كم هو مهم لديَّ أقلامُكم القيِّمة، فقد أَرسلتُ لكم بخطي &#8220;فهرس الحروف القرآنية&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">2</sup> من دون تصحيح، للاطلاع عليه لدقائق، والحال أنكم تأملتم فيه ساعات طوالًا بدلًا من دقائق قليلة ودوَّنتموه لأيام عدة، فأدركتُ من هذا أنكم تهتمون بذلك الفهرس اهتمامًا بالغًا، لذا أُرسِلُ لكم القائمة نفسها بعد تبييضها، فيمكنكم استنساخها، ولكن اعلموا أن هذا الفهرس قد كتب بشكل تقريبي ليكون مرجعًا مؤقتًا، فقد كتبته في ظرف تسع ساعات مع خطي الرديء وكتبت قسمًا منه استنادًا إلى محفوظاتي السابقة، والآخرَ بناء على مقياسين اثنين، ثم أدركت أن هناك تفسيرًا<sup class="modern-footnotes-footnote ">3</sup> في هذا الباب، فجلبناه، وقابلناه مع قائمتنا، فشاهدنا أن الغالبية العظمى متوافقة، إلّا أن هناك خلافًا في عددٍ قليلٍ من المجموعات وفي حوالي خمسة عشر موضعًا من المواضع الجزئية.</p>
<p style="text-align: justify;">ونتيجةَ التحقيقات أدركنا أن المخالفة هي نتيجة أخطاء مطبعية للتفسير والمستنسخين، بينما صححنا مسوّدتنا في مكانين أو ثلاث، ثم أدركنا أنّا أخطأنا في ذلك التصحيح، فلم نغير بعدُ قائمتنا، وظننا أن التفسير بحاجة إلى تصحيح من جراء الأخطاء المطبعية، ولكن لم أجرؤ على التصحيح لأن صاحبه مدقق عظيم والمطبعة قريبة للجامع الأزهر وقد أشرف على الطبع علماء أزهريون.</p>
<p style="text-align: justify;">أبعث لكم التفسير نفسه مع الفهرس المبيَّض، لتطالعوهما ولكن لا تحاولوا الانتقاد، لأن قائمتي تقريبية فلم أجعلها تحقيقية، أما التفسير فهو يعتمد على الروايات على الأغلب؛ ثم إن هناك بعض السور المكية دخلت فيها آياتٌ مدنية وربما لم يدخلها في العدّ، فمثلًا ذُكر أن عدد حروف سورة العلق مائة ونيف، ومراده النصف الأول منها النازل أول مرة، فقد أصاب، أما أنا فاستنادًا إلى ما حفظته سابقًا أخطأت فيما أصاب فيه حيث أخذت السورة بمجموعها.</p>
<p style="text-align: justify;">ثم إن أسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكلية، فالفهرس التقريبي كافٍ لنا، والتوافقات المذكورة في النِّكات الثلاث لدعاء &#8220;كنز العرش&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">4</sup> لا تتغير بتغير الكسور، ولا تُفسِد تلك التوافقات حتى بتغيُّر المجاميع الكبيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">مثلًا سورة الكهف ومعها تسع وثلاثون سورة تتفق في عدد الألف، فإذا ما فقدت إحدى السور أو اثنتان منها ذلك العدد الألف فلا يفسد ذلك التوافق.. وهكذا، رغم أن الكسور لها أسرار فإنها لم تُفتح أمامنا بعدُ فتحًا جليًّا، ونسأل اللّٰه أن يفتحها لنا وعندها يأخذ الفهرس صورته التحقيقية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الرسائل من العلوم الإيمانية]</h2>
<p><strong>(الرسائل من العلوم الإيمانية)</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن هذه الكلمة (الكلمة العاشرة) لم تُقدَّر حق قدرها؛ فقد طالعتُها بنفسي ما يقرب من خمسين مرة، وفي كل مرة أجد لذة جديدة وأشعر بحاجة إلى قراءة أخرى، فمثل هذه الرسالة يقرؤها بعضهم مرة واحدة ويكتفي بها وكأنها رسالة كسائر الرسائل العلمية، والحال أن <strong>هذه الرسالة من العلوم الإيمانية التي تتجدد الحاجة إليها</strong> في كل وقت كحاجتنا إلى الخبز كل يوم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سعادتي بدعائكم]</h2>
<p><strong>(سعادتي بدعائكم)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>فقرة غريبة لمسعود</strong></p>
<p style="text-align: justify;">عندما كنت أكِدُّ في ضرب المنجل لحصاد الشعير، والقمرُ ينور الأرجاء، والجو اللطيف ينمّي الشعير.. تأملت في حالي يائسًا وأنا غارق في هذا النور الوضيء، ولكن لا يكف عملُ المنجل من الانتهاء، فأظل محرومًا من استنساخ رسائل النور، فقلت ما ورد على الخاطر، ولا أعلم أهو من الغفلة أم من طلوعات قلبية: &#8220;يا رب إن اسمي مسعود، ولكني غير مسعود، فقد كدحت في العمل ولم أسعد!&#8221; واستمررت في الحصاد.</p>
<p style="text-align: justify;">وبعد فترة غلبني النوم ورأيت فيما يرى النائم أن أحدًا يقول لي: لا تغادر طرف ثوب الأستاذ، فهو الذي يجعلك مسعودًا.. أفقتُ من النوم، والقمرُ على وشك الغروب، فقلت حالًا: &#8220;أستغفرك يا رب، إنني لم أطلب السعادة الدنيوية&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فيا أستاذي لقد لُقِّنت أن سعادتي الأخروية ستحصل بدعائكم، فأرجو دعاءكم، وتقبلوا فائق الاحترام مقبِّلًا أيديكم وأقدامكم يا سيدي.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مسعود</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الرسائل مرشدة]</h2>
<p><strong>(الرسائل مرشدة)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>رسالة &#8220;مُزَيَّنة&#8221; من أخواتنا في الآخرة وطالبات رسائل النور</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أستاذي المحترم..</p>
<p style="text-align: justify;">إن عيوني الغارقة في آلام هذه الدنيا الفانية، ارتبطت &#8220;بكلماتكم&#8221; المؤثرة وبرسائلكم الشافية من كل قلبي وروحي، وكلما قرأتها أدركتُ كم هي مرشدة تلك الرسائلُ، بحيث أعجز عن وصفها.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن المظالم التي أرخت سدولَها وخيّمت على الدنيا في هذا الزمان، تُمزقها وتُهَتِّكها &#8220;كلماتكم&#8221; فتُبدد تلك الظلمات، وتُشتت تلك الغفلات، أيُّ عقل يا ترى يمكن أن يقذف نفسه في الظلمات بعد أن شاهد الحقيقة وسطوعَ أنوارها، فيغمض عينه دونها؟!</p>
<p style="text-align: justify;">فأنا بفضل اللّٰه تعالى لا أرمي نفسي إلى الظلمات مذ أصبحت محظوظةً وسعيدةً، فلا أرجع إلى الشقاء بإذن اللّٰه مرة أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">أستاذي، إنني محرومة كسائر أخواتي من أخذ الدرس منكم بالذات، <strong>ولكني أتصور أنى آخذه غيابيًّا منكم باستماعي إلى تلك &#8220;الكلمات&#8221; الرفيعة مرة في الأسبوع أو في الشهر، فأتصور كأنني أتلقاه منكم مباشرة</strong>.</p>
<p style="text-align: justify;">نتضرع إلى المولى القدير دائمًا -وأنتم في المقدمة ونحن مِن خلفكم- لسلامة المسلمين وليحوِّل حالنا وحالي من الظلمات إلى النور، وليُنعم علينا سبحانه بأفضاله.</p>
<p style="text-align: justify;">إن لساني وعجزي وقصوري لا يسمح لي بالإسهاب والاستمرار في الكلام، فأنا معترفة بالتقصير يا أستاذي.</p>
<p style="text-align: justify;">نسأله تعالى أن يجعل لنا يومًا ننجو فيه -بتأثير الرسائل- من الأوضاع التي نفعلها دون اختيارنا وخارج إرادتنا -بإرشاد كلماتكم- كما نجا منها أخونا المتقي المستقيم السيد لطفي.</p>
<p style="text-align: justify;">لقد تسلمنا من أخينا ذكائي &#8220;الكلمة السابعة عشرة&#8221; و&#8221;المكتوب الثامن عشر والعشرين&#8221; ورسالة &#8220;النوافذ&#8221; الساطعة بالأنوار، وبدأنا بمطالعتها.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا ولا يغادر أيدينا <strong>أستاذُنا الحقيقي وهو القرآن العظيم</strong>.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>مُزَيَّنة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[قراءة الرسائل عبادة فكرية]</h2>
<p><strong>(قراءة الرسائل عبادة فكرية)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">تسلمتُ رسالتَكم والكتابَ المرسل معها، بكل سرور وامتنان، ولقد شعرتُ فيكم روحَ أحد طلابي &#8220;خلوصي&#8221; الذي أُكِنُّ له حبًّا عميقًا، فقَبِلتُك طالبًا للنور، وليس طالبًا حديثًا بل قديمًا كقِدَم خلوصي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن خاصية الطالب هي أن يتبنى العملَ للرسائل المؤلّفة كأنه هو صاحبُها، وكأنه هو الذي ألّفها وكَتبها، فيسعى جادًّا لنشرها وإبلاغها إلى من هو أهل لها.</p>
<p style="text-align: justify;">إن خطكم جميل.. بارك اللّٰه فيكم، فإن كان لكم متّسع من الوقت، فاستنسِخوا قسمًا من الرسائل، وقسمٌ منها سيستنسخه طلابٌ مُجِدُّون أمثال خسرو، وأنتم بدوركم تستلمون منهم وتستنسخونه وتكونون من المشاركين لهم في أعمالهم.</p>
<p style="text-align: justify;">فلقد كنت أنتظر منذ سنوات أن يظهر في إسبارطة طلابٌ مُجِدُّون، فالحمد للّٰه والمنّة له وحده، فقد ظهر معكم عددٌ منهم، فالطالب الواحد يَفضُل على مائة من الأصدقاء.</p>
<p style="text-align: justify;">إن الأنوار القرآنية المسماة بـ&#8221;الكلمات&#8221; هي من نوع العبادة الفكرية التي تُعَدّ من أعظم العبادات.</p>
<p style="text-align: justify;">إن المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الإيمان، إذ الإيمان مفتاح السعادة الأبدية.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول الاسم الأعظم]</h2>
<p><strong>(حول الاسم الأعظم)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">أنتم تتابعون الرسائل وتستنسخونها، كما كنت آمُل، فبارك اللّٰه فيكم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن سعيًا قليلًا من أمثالكم بمثابة الكثير، لأن الكثيرين يقلّدونكم لثقتهم بكم، ولقد غدت ديارُ الغربة هذه في حكم موطني الأصلي، لوجداني فيها إخوانًا نَشِطين جادين مثلكم، بل أَنسَتْني موطني الأصلي.</p>
<p style="text-align: justify;">إن مصدر علو المؤلفات ومعدنها السامي ومنبع رفعتها بعد القرآن الكريم هو وجود مخاطَبين يدركونها حقَّ الإدراك، ويشتاقون إليها اشتياقًا جادًّا، فلئن شكرتم اللّٰه لوجدانكم إياي مرة واحدة، فأنا أشكره سبحانه ألفَ مرة لوجداني إياكم.</p>
<p style="text-align: justify;">تسألون في رسائلكم عن الاسم الأعظم، <strong>إن الاسم الأعظم مَخْفِيّ</strong>، مثلما الأجل مخفي في العمر، وليلة القدر في شهر رمضان، <strong>واستتارُ الاسم الأعظم ضمن الأسماء الحسنى فيه حِكَمٌ كثيرة،</strong> ومن حيث زاوية نظري أن الاسم الأعظم الحقيقي مخفي، يُعرِّف به الخواص، ولكن لكل اسم مرتبة عظمى بحيث تكون بمثابة الاسم الأعظم.</p>
<p style="text-align: justify;">فتبايُن وجدان الأولياء للاسم الأعظم نابع من هذا السر الدقيق، <strong>فالاسم الأعظم للإمام علي رضي اللّٰه عنه ستة أسماء،</strong> كما ذكر في أرجوزته الواردة في كتاب &#8220;مجموعة الأحزاب&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">5</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد بيَّنَ الإمام الغزالي مزايا ما ذكره الإمام علي رضي اللّٰه عنه من الاسم الأعظم وتلك الأسماء الستة المحيطة به، وشرَحَها في كتابه &#8220;جُنة الأسماء&#8221;، <strong>وتلك الأسماء الستة هي: فرد، حيّ، قيوم، حكم، عدل، قدوس</strong>.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[كنتُ أكتب العلم في روحي]</h2>
<p><strong>(كنتُ أكتب العلم في روحي)</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: تطلبون رسالة مني بخطي! فقد قيل لفاقد الشفاه: انفخ وأطفئ المصباح! فقال: لقد طلبتم أصعب الأمور، فلا أقدر عليه.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى لم يَهَبْ لي جَودة الخط، حتى إنني أمَلُّ من كتابةِ سطرٍ واحد وكأنه عمل مرهق، فكنت أقول في السابق -متفكرًا لا شاكيًا-: ربِّ رغم احتياجي إلى الخط ومحبتي النظم لَمْ تمنحني هاتين النعمتين، ثم تَبيَّن لي بيانًا قاطعًا، أنه كان إحسانًا عظيمًا عدمُ منحي الشعر والخط، فإن معاونة أمثالكم من أبطال الكتابة تحقق لي حاجتي إلى الخط، فلو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقرُّ في القلب، <strong>فما من علمٍ بدأتُ به سابقًا، إلّا وكنت أكتبه في روحي</strong> لحرماني من الكتابة الجيدة، فكانت تلك المَلَكة نعمة عظمى عليّ.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الشِّعر فرغم أنه وسيلة مهمة للتعبير، فإن الخيال يقضي فيه بحُكمه، فيختلط بالحقيقة ويغيِّر من صورتها، وأحيانًا تتداخل الحقائق، ولم يَفتح القدرُ الإلهي باب الشعر أمامنا، عنايةً وفضلًا منه تعالى، لأنه كان من المقدَّر أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم التي هي حق خالص ومحض الحقيقة، فالآية الكريمة ﴿وما علّمناه الشعر﴾ متوجهة إلى هذا المعنى.</p>
<p style="text-align: justify;">سأكتب لكم عدة سطور لأجلكم أنتم بإذن اللّٰه.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[سبب الاستهلال]</h2>
<p><strong>(سبب الاستهلال) </strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز المدقق، ويا أخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: تستفسرون في رسالتكم عن سبب استهلالي الرسائل كلها بالآية الكريمة ﴿وإن من شيء إلّا يسبح بحمده﴾.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الجواب</strong>: إن حكمة ذلك هي أن أول باب فُتِح لي من خزائن القرآن الكريم المقدسة هو هذه الآية الكريمة، فحقيقةُ هذه الآية ظهرتْ أولَ ما ظهرتْ لي من بين الحقائق القرآنية السامية، ولقد سرَتْ تلك الحقيقة في أغلب الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">وحكمة أخرى هي أن أساتذتي الكرام الذين أثق بهم قد استهلّوا بها رسائلهم.</p>
<p style="text-align: justify;">وتسألون أيضًا في رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة الرحم) والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوك</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الرسائل قوتٌ وغذاء]</h2>
<p><strong>(الرسائل قوتٌ وغذاء)</strong></p>
<p style="text-align: left;">١٤ شوال ١٣٥٢</p>
<p style="text-align: left;">كانون الثاني ١٩٣٤<sup class="modern-footnotes-footnote ">6</sup>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي في الآخرة، العزيز المدقق، السيد رأفت.. يا رفيقي المتفكر الناشد للحقيقة..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: تَذكرون في رسالتكم أنكم كلما قرأتم موازين رسائل النور استفدتم أكثر.</p>
<p style="text-align: justify;">نعم، يا أخي إن تلك الرسائل قُوتٌ وغذاء، لأنها مستقاة من القرآن الكريم، فكما يَستشعر الإنسان الحاجة إلى الغذاء يوميًّا، يستشعر الحاجة إلى هذا الغذاء الروحاني أيضًا، فلا يَسأم من القراءة مَن انكشفت روحُه وانبسط قلبُه من أمثالكم، فهذه الرسائل القرآنية لا تُشبه الرسائلَ الأخرى، فهي ليست من أنواع الفاكهة كي تُسئِم بل هي غذاء.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول الزيدية]</h2>
<p><strong>(حول الزيدية)</strong></p>
<p style="text-align: left;">٥ شباط ١٩٣٤</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي المدقق المشتاق السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن سؤالكم حول الإمام زيد، إمام أهل اليمن، سؤالٌ ذو أهمية ويُمْن، إلّا أنه صادف وقتًا لا يُمْن فيه، حيث الوضع لا يسمح، وذهني مسدود و.. و.. إلّا أنني أقول:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إن الإمام زيدًا من السادات العظام، ومن أئمة أهل البيت</strong>، وهو الذي ردّ غلاة الشيعة قائلًا: اذهبوا أنتم الروافض. ولا يُقِرُّ بالتبرئة من أبي بكر وعمر رضي اللّٰه عنهما، بل يُقِرُّ بخلافتهما ويُجلّهما، وإن أتباعه هم أعدلُ الشيعة وأقربُهم إلى السنة، فهم يتصفون بالإنصاف وقبولِ الحق بسرعة، وسيستقيم -بإذن اللّٰه- عُدولُ الزيديين عن أهل السنة والجماعة، وسيلحقون بأهل السنة والجماعة ويمتزجون معهم.</p>
<p style="text-align: justify;">إن هذا الزمان الأخير يضطرب كثيرًا، وتُشعر فتنةُ آخر الزمان هذه بولادة أمور عجيبة.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامي إلى مَن له علاقة بالرسائل.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[يمكنكم مجالسة سعيد]</h2>
<p><strong>(يمكنكم مجالسة سعيد)</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>١٥ شباط ١٩٣٤</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: (&#8230;) وقد قلت لكم سابقًا: لا أهمية لشخص &#8220;سعيد&#8221; كي يُرغَب في مجالسته ومحاورته.</p>
<p style="text-align: justify;">أما &#8220;سعيد&#8221; الذي هو أستاذكم فيمكنكم مجالسته ومحاورته كلما فتحتم رسالة من الرسائل.</p>
<p style="text-align: justify;">أما &#8220;سعيد&#8221; الذي هو أخوكم في الآخرة، فهو معكم صباحَ مساءَ في الدعاء والتضرع إلى المولى الكريم، فالسيد &#8220;سِزائي&#8221; يمكنه أن يرى أستاذه وأخاه &#8220;سعيد&#8221; في أي وقت يشاء.</p>
<p style="text-align: justify;">أما شخص &#8220;سعيد&#8221; فيَندم بعضُ مَن يراه، حسب المثل &#8220;تَسمع بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه&#8221;<sup class="modern-footnotes-footnote ">7</sup>، ويقول: ليتني لم أَرَه! إنه شبيه بطبلٍ حسَنِ الصوت من البعد فارغٍ في القرب.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[حول آل العباء]</h2>
<p><strong>(حول آل العباء)</strong></p>
<p style="text-align: left;">١٤ نيسان ١٩٣٤ الأربعاء</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي المدقق المهتم، السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">إن سؤالكم في هذه المرة ذو جهتين:</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولى</strong>: جهة آل العباء، وهي سر، لست أهلًا لذلك السر لأجيب عن سؤالكم، أو لا يمكن التعبير عن كل سِرٍّ بالكتابة، لأن جلوة من جلوات الحقيقة المحمدية تظهر في آل العباء.</p>
<p style="text-align: justify;">أما <strong>الجهة الثانية</strong> الظاهرية: فهي واضحة مبيَّنة في كتب الأحاديث كصحيح مسلم، برواية أم المؤمنين عائشة الصدّيقة رضي اللّٰه عنها وهي: &#8220;خرج النبي (ﷺ) غداة وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شَعَرٍ أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إنما يريد اللّٰه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾<sup class="modern-footnotes-footnote ">8</sup>، وأمثال هذا الحديث الشريف موجودة في الصحاح الستة بروايات مختلفة تبين آل العباء.</p>
<p style="text-align: justify;">وقد قال أحد الفاضلين للاستشفاء والاستشفاع<sup class="modern-footnotes-footnote ">9</sup>:</p>
<p style="text-align: center;"><strong>لي خمسةٌ أُطفي بها نارَ الوباء الحاطمة</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>المصطفى والمرتضى وابناهما وفاطمة</strong></p>
<p style="text-align: justify;">اكتفيت بهذا القدر حاليًّا، لا تتألم.</p>
<p style="text-align: justify;">سلامي لكل من ذكرتموه في رسالتكم فردًا فردًا، وأدعو لهم.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[تهنئة بولادة طفلة]</h2>
<p><strong>(تهنئة بولادة طفلة)</strong></p>
<p style="text-align: left;">٩ مايس ١٩٣٤ الأربعاء</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه سبحانه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أولًا</strong>: إن قدومَ طفلتكم المباركة إلى الدنيا فألُ خيرٍ لكم، أهنئكم عليها، وستنال بإذنه تعالى فيضًا من أنوار الآية الكريمة: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾، إذ الابنة التي رُزِقتم بها -كما رُزِق أخونا عاصم- تجعلانكما في ظني أهلًا لمزيد من التهنئة والتبريك؛ ذلك لأن أهم أساسٍ في مشربنا هو &#8220;الشفقة&#8221;، والبناتُ بطلات الشفقة والحنان، وهن المخلوقات المحبوبات.. إنني أعتقد أن الأولاد الذكور في هذا الزمان أكثر خطرًا من الإناث.</p>
<p style="text-align: justify;">أسأله تعالى أن يجعلها مبعث سُلْوانٍ وأنسٍ لكم، ويجعلها كملاكٍ صغير يجول في بيتكم، وأفضِّل أن يكون اسمها &#8220;زينب&#8221; بدلًا من &#8220;رنگي گول&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثانيًا</strong>: إن ما كتبتموه أنت والسيد شريف حول رسالة &#8220;حكمة الاستعاذة&#8221; و&#8221;أسرار البسملة&#8221; إفاداتٌ مقتضَبةٌ جدًّا بحيث لا يُفهَم أهو تقدير أم نقد؟</p>
<p style="text-align: justify;">علمًا أنني قلت مكررًا: إن كل شخص ليس محتاجًا إلى إدراكِ كلِّ مسألة من مسائل كل رسالة، بل يكفيه ما فهم منها.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثالثًا</strong>: إن عالم المثال برزخٌ بين عالَمِ الأرواح وعالَمِ الشهادة، فهو شبيه بكل منهما بوجه، حيث إن أحد وجهيه ينظر إلى ذاك والآخر إلى هذا.</p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مثلًا</strong>: إن صورتك المثالية في المرآة شبيهةٌ بجسمك، وهي لطيفة كروحك في الوقت نفسه، فذلك العالَم -عالَم المثال- ثابت قطعًا كقطعية ثبوت عالم الشهادة وعالم الأرواح<sup class="modern-footnotes-footnote ">10</sup>.</p>
<p style="text-align: justify;">فهو <strong>مَشْهَر العجائب والغرائب</strong> <strong>وهو مُتَنَزَّه أهل الولاية</strong>، فكما أن القوة الخيالية موجودة في الإنسان الذي هو عالم صغير، كذلك عالَم المثال موجود في العالم الذي هو إنسان كبير بحيث يؤدي تلك المهمة، فهذا العالَم ذو حقيقة، فكما تُخبِر القوةُ الحافظة في الإنسان عن اللوح المحفوظ، فالقوةُ الخيالية أيضًا تخبر عن عالم المثال.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[اللطائف العشر]</h2>
<p><strong>(اللطائف العشر)</strong></p>
<p style="text-align: left;">٢٠ حزيران ١٩٣٤ الأربعاء</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي المهتم السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">تسألون في رسالتكم عن اللطائف العشر، إنني الآن لست في حالة تدريس الطريقة الصوفية، والعلماء المحققون النقشبنديون لهم آثارٌ حول اللطائف العشر.</p>
<p style="text-align: justify;">فوظيفتنا في الوقت الحاضر استخراج أسرار القرآن الكريم، لا نقل المسائل الموجودة، فلا تتألم، لا أستطيع سرد التفاصيل، إلّا إنني أقول: إن اللطائف العشر لدى الإمام الرباني هي: القلب، الروح، السر، الخفي، الأخفى، ولكل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفة إنسانية بما يناسب ذلك العنصر، وقد بحث إجمالًا عن رقي كل لطيفة من تلك اللطائف وأحوالها في كل مرتبة من المراتب أثناء السير والسلوك.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أرى أن في الماهية الجامعة للإنسان، وفي استعداداته الحياتية، لطائفَ كثيرة، ولكن اشتهرتْ عشرةٌ منها، وقد اتخذ الحكماء والعلماء الظاهريون تلك اللطائف العشر أيضًا وبصورة أخرى أساسًا لحكمتهم، كالحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة كنوافذ تلك اللطائف العشر أو نماذجها.</p>
<p style="text-align: justify;">وللطائف العشر الإنسانية علاقة مع اللطائف العشر لدى أهل التصوف، كما هو متعارَف بين العوام، فمثلًا: الوجدان، الأعصاب، الحس، العقل، الهوى، القوة الشهوية، القوة الغضبية وأمثالها من اللطائف إذا أضيفت إلى القلب والروح والسر تَظهر اللطائف العشر في صورة أخرى.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك لطائف كثيرة غير هذه المذكورة، كالسائقة والشائقة والحس المسبق قبل الوقوع، فلو كَتبتُ الحقيقة حول هذه المسألة لطالت، لذا اضطررت إلى الاقتضاب لضيق الوقت.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[المعنى الحرفي والاسمي]</h2>
<p style="text-align: justify;"><strong>(المعنى الحرفي والاسمي)</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أما سؤالك الثاني: إذا نظرتَ إلى المرآة من حيث إنها زجاجة، فأنت ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثِّلة فيها شيئًا ثانويًّا، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤيةَ الصورة المتمثِّلة فيها، فالصورة تتوضح أمامك حتى تدفعك إلى القول: ﴿فتبارك اللّٰه أحسن الخالقين﴾، بينما يبقى زجاج المرآة أمرًا ثانويًّا.</p>
<p style="text-align: justify;">فالنظرة الأولى تمثل &#8220;المعنى الاسمي&#8221; أي: إن زجاجة المرآة معنى مقصودًا، وصورة الشخص المتمثلة فيها &#8220;معنى حرفيًّا&#8221; غير مقصود، أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى &#8220;اسمي&#8221; أما الزجاج فمعنى &#8220;حرفي&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم: بأنه [ما] دلَّ على معنى في نفسه، أما الحرف فهو الذي دلَّ على معنى في غيره.</p>
<p style="text-align: justify;">فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفًا، أي إنها تعبِّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبِّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.</p>
<p style="text-align: justify;">أما نظرة الفلسفة -المادية- الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزِلُّ قدمُها إلى مستنقع الطبيعة.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم]</h2>
<p><strong>(مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم)</strong></p>
<p style="text-align: left;">٢٧ حزيران ١٩٣٤ الأربعاء</p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز المستفسر والمغالي في البحث والتحري، السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">إن ذكاءك الفائق وملاحظتك الدقيقة يدفعانني إلى أن أجيب باختصار عن أكثر أسئلتكم، فلا تتألم، رغم أني أريد محاورتك، إلّا أن الوقت لا يسمح.</p>
<p style="text-align: justify;">إن معنى «مسلم غير مؤمن» و«مؤمن غير مسلم» هو كالآتي: كنت أرى -في بداية عهد الحرية<sup class="modern-footnotes-footnote ">11</sup>&#8211; ملحدين داخلين ضمن الاتحاديين يقولون: إن في الإسلام والشريعة المحمدية دساتيرَ قيِّمةً شاملةً نافعةً جدًّا، وجديرةً بالتطبيق للمجتمع البشري، ولا سيما للسياسة العثمانية، فكانوا ينحازون إلى الشريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، أي يلتزمون الحق ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنهم أهل لأن يُدْعَوا: &#8220;مسلمين غير مؤمنين&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">أما الآن فهناك مَن يعتقد بنفسه الإيمان، فيؤمن باللّٰه ورسوله واليوم الآخر، إلّا أنه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للأجانب، تحت اسم المدنية، ولما كان لا يلتزم بقوانين الشريعة الأحمدية التي هي الحق والحقيقة، ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون إذن مؤمنًا غير مسلم، ويصح القول: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكون سببًا للنجاة، كذلك الإيمان بلا إسلام -على علم- لا يصمد ولا يمنح النجاة.</p>
<p style="text-align: justify;">سؤالكم الثاني: الأجل المبرَم والمعلق، فهو بتعبير آخر: الأجل المسمى وأجل القضاء، كما تعلمون.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[الفقه الأكبر والمسائل الفرعية]</h2>
<p><strong>(الفقه الأكبر والمسائل الفرعية)</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿باسمه﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده﴾</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت..</p>
<p style="text-align: justify;">إن أفضلَ جوابٍ وأسهلَه والحاملَ للرخصة الشرعية هو جوابكم أنتم، فقد قال شرح الملتقى &#8220;للداماد&#8221; وفي مرقاة الفلاح: كفارةٌ واحدةٌ كافية لشهرَي رمضان، فكفارةٌ واحدةٌ كافيةٌ لوقائع متعددة، لأن التداخل موجود، وقد قالا: هو الصحيح.</p>
<p style="text-align: justify;">وهناك العزيمة والرخصة في هذه المسألة من زاوية نظر الحقيقة، فالعزيمة أن لكل رمضان كفارته إن كان الشخص يطيق، أما جهة الرخصة فبمقتضى التداخل، فالفرض كفارة واحدة لعدة شهور رمضان، وتظل الكفارات المتفرقة في درجة المستحبات. ولأن معنى العقوبة ومعنى العبادة مندرجان في هذه الكفارة فلا يُكرَه عليها، فضلًا عن التداخل.</p>
<p style="text-align: justify;">إننا منهمكون بأسس الإيمان المسمى بـ&#8221;الفقه الأكبر&#8221;، فلا يتوجه ذهني توجهًا جادًّا في الوقت الحاضر إلى نقل دقائق المسائل الفرعية ومراجعة مصادر المجتهدين ومَداركهم، ولا يخفى عليكم أن الكتب أيضًا ليست متوفرة لدي، فضلًا عن أنه لا متسع لي من الوقت كي أراجعها، علاوةً على ذلك فإن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسائل بتدقيقات صائبة، بحيث لم تَدَعْ حاجةً إلى تدقيقات عميقة في الفرعيات، فلو كنت أشعر بالحاجة الحقيقية لكنت أراجع المصادر القيمة للمجتهدين حول هذه المسائل وأمثالها وكنت أبينها لك، وربما لم يأت بعدُ زمنُ الانشغال بمثل هذه الحقائق.</p>
<p style="text-align: center;"><strong>الباقي هو الباقي</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>أخوكم</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[مسألة تخص الاقتصاد]</h2>
<p><strong>مسألة تخص الاقتصاد</strong></p>
<p style="text-align: justify;">أيها الإنسان ويا نفسي..</p>
<p style="text-align: justify;">اعلم يقينًا أن بدنك وأعضاءك ووجودك ومالك وحيواناتك التي أنعم بها اللّٰه سبحانه عليك <strong>ليس للتمليك، بل للإباحة</strong>، أي إنه مَلَّكك مُلكَه لتستفيد، وأباحه لك للانتفاع، ولم يُملِّكه لك ملكًا، فمثلُك العاجز عن إدارة المعدة -التي هي أسهلُ إدارةٍ وأظهرُها والداخلةُ ضمن الاختيار والشعور- كيف يكون مالكًا للعين والأذن وأمثالهما من الحواس التي تستدعي إدارة خارجة عن دائرة الاختيار والشعور.</p>
<p style="text-align: justify;">فما دامت الحياة وما تتطلبها من أمور لم تُمنح لك للتمليك بل للإباحة، فما عليك إلّا العمل وفق دستور الإباحة، أي بمثل المُضيِّف يستضيف ضيوفًا ويبيح لهم الانتفاع مما وضع أمامهم في المجلس من دون تملكٍ لها، إذ <strong>قاعدة الإباحة والضيافة هي التصرف ضمن رضى المضيّف</strong>، فلا يمكن الإسرافُ فيما أُبيح للضيف، ولا إكرامُ أحدٍ بشيء منه، ولا التصرف فيه ولا تضييعه والعبث به، إذ لو كان تمليكًا لكان يستطيع أن يتصرف فيه وفق رغباته وأهوائه.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلَ هذا تمامًا: لا يجوز الانتحار وإنهاء الحياة التي وهبها لك اللّٰه سبحانه إباحةً، ولا يجوز أن تفقأ عينك، ولا أن تفقأها معنًى باختلاس النظر إلى محرماتٍ لا يرضى بها صاحبها، وكذا الأذن واللسان والأنف وما شابهها من الجوارح والحواس والأجهزة لا يمكن قتلها معنًى بالولوج في الحرام، فينبغي التصرف في جميع النعم في الدنيا وفق شريعة المُضيف الكريم.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي</strong></p>
<p style="text-align: center;"> <strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<h2 style="text-align: center;">[إنذار نهائي إلى مفتى أكريدر]</h2>
<p><strong>إنذار نهائي إلى مفتى &#8220;أكريدر&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>﴿السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته﴾</strong></p>
<p style="text-align: justify;">سأدير معكم محاورة، لكونكم صديقًا قديمًا وزميلًا في العلم.</p>
<p style="text-align: justify;">إنني أخبركم عن مصيبة دينية عظمية تتعلق بكلينا، فلنَسْعَ معًا لدرء هذه المصيبة ورفعِها، وهي كالآتي:</p>
<p style="text-align: justify;">في الوقت الذي ينبغي أن يكون شخصكم الكريم أكثر اهتمامًا وأزيد تأييدًا لعملنا للقرآن والإيمان وأسبَقَ الناسِ في الذَّود عنه؛ نَراكم مع الأسف تنظرون إلينا نظرة باردة تنطوي على روح المنافس، حتى اتخذتم منا موقف المنحاز المناوئ، لأسباب مجهولة، بل سعيتم في تعيين ابنكم مديرًا في هذه القرية<sup class="modern-footnotes-footnote ">12</sup> ومن ثم إيجاد مؤازرين وأصدقاء له، مما آل الأمر إلى حالة ترتعد فرائصي بدلًا منكم كلما فكرتُ في ماهيتها، وذلك لأنكم السبب والمسؤول عن الخطايا والآثام الناشئة من هذه الحالة، وذلك وفق قاعدة: &#8220;السبب كالفاعل&#8221;.</p>
<p style="text-align: justify;">فكما لا يتحول السمُّ إلى ترياقٍ بمجرد التسمية كذلك إطلاق أيِّ اسمٍ كان على أوضاع هيئة تُضمر روح الزندقة وتهيئ الأمور للإلحاد، لا يغير من الأمر شيئًا، فليُطلَق عليها أيُّ اسمٍ كان، سواءٌ: منظمة الشباب، أو منظمة الميامين، فالمعنى لا يتغير، إذ الهيئات الموجودة في أماكن أخرى التي تتسمى بمنظمات الشباب ومجالس القوميين الأتراك، ومحافل التجدد، وما شابهها من الأسماء يمكن أن توجد في أشكال أخرى من دون أن تولد ضررًا، ولكن سعي تلك الهيئة في هذه القرية وبإصرار ضدنا لا تكون إلّا في سبيل الزندقة، وذلك لأننا منهمكون دومًا في خدمة الإيمان وحقائق الدين فحسب منذ ثماني سنوات.</p>
<p style="text-align: justify;">فلا شك أن أعمال الهيئة العاملة الجاهدة ضدنا تكون في سبيل الإلحاد خلافًا لأصول الدين، بل حتى تُحسَبُ أعمالُها في سبيل الزندقة، فالنتيجة هي هذه، سواءٌ عَلِمْتَ بها أم لم تَعلم، إذ قد تبين لدى الجميع أنه لا علاقة لي قطعًا بالتيارات السياسية، بل نحن ننشغل بالحقائق الإيمانية وحدها.</p>
<p style="text-align: justify;">فالآن لو عمل أحدٌ عملًا ضدنا فلا يُعَدُّ عملُه في سبيل الحكومة، لأن مسلكنا ليس سياسيًّا، ولا يكون أيضًا في سبيل مستحدثات الأمور، لأن شغلنا الشاغل الحقيقي هو الأسس الإيمانية والقرآنية، ولا يكون أيضًا في سبيل الأوامر الرسمية لدائرة الشؤون الدينية، لأن الانشغال بانتقاد أوامرها ومعارضتها يَشْغَلُنا عن عملنا المقدس، فندع ذلك العمل للآخرين ولا ننشغل به، بل نحاول ألّا نَمَسَّ تلك الأوامر على قدر المستطاع.</p>
<p style="text-align: justify;">لذا فإن الذي يتخذ سلوك المخالف لنا والمتعدي علينا، فإن مخالفته هذه تُعَدُّ في سبيل الزندقة والإلحاد، أيًّا كان اسمه، حيث إن هذه القرية أصبحت مدار تيار إيماني طوال ثماني سنوات.</p>
<p style="text-align: justify;">ومن هنا فإن الوضع الناشئ، وضعٌ جادٌّ مهم يتعلق بكلينا، استنادًا إلى علمكم ومقامكم الاجتماعي ومنصبكم، منصب الفتوى، ونفوذكم في هذه المناطق، ومعاونتكم لابنكم تلك المعاونة الناشئة من عطفكم المفرط على الأولاد.</p>
<p style="text-align: justify;">إن بقائي هنا ليس دائميًّا، بل هو مؤقَّت، وأنا لست مكلَّفًا بإصلاح ذلك الوضع، بل يمكن أن أتخلّص من المسؤولية إلى حدّ ما، ولكن جنابكم العالي، لكونكم السببَ في الأمر ونقطة الاستناد، فإن النتائج الوخيمة التي تنشأ من ذلك الوضع يترتب عليكم إصلاحُها قبل كل شيء، وذلك لئلا تُسجَّل في سجل أعمالكم الأخروية، أو تَسْعَون في سحب ابنكم من هذه القرية.</p>
<p style="text-align: left;"><strong>سعيد النورسي </strong></p>
<p style="text-align: center;"><strong>❀   ❀   ❀</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;الرموز الثمانية: رسالة تبين التوافقات اللطيفة في أسماء اللّٰه الحسنى في القرآن الكريم وأسرار حروفه وكلماته.</div><div>2&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وهو جزء من رسالة &#8220;الرموز الثمانية&#8221;.</div><div>3&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المقصود المقياس في تفسير ابن عباس للفيروزأبادي صاحب القاموس.</div><div>4&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;دعاء طويل يبدأ بالتوسل بالبسملة وبدايات السور القرآنية سورة سورة، ثم بكل حرف من حروف القرآن، مع ذكر أعدادها في القرآن الكريم (مجموعة الأحزاب لضياء الدين الكموشخانوي. ج٣).</div><div>5&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;للشيخ أحمد ضياء الدين الكموشخانوي، جمع فيه الأدعية المأثورة عن الأئمة والأقطاب والأولياء العظام في ثلاثة مجلدات، طبع بإسطنبول بخط اليد سنة ١٣١١ وفي حاشيته شرح لبعض الأدعية.</div><div>6&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;تاريخ وصول الرسالة إلى السيد رأفت.</div><div>7&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;المثل للنعمان بن المنذر أورده الميداني (٦٥٥) ١/١٧٨؛ والعسكري في جمهرة الأمثال ١/٢٦٦؛ والزمخشري في المستقصى ١/١٤٨؛ وابن منظور في لسان العرب مادة (معد).</div><div>8&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;مسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ الترمذي، تفسير سورة الأحزاب ٧، المناقب ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٠، ٤/١٠٧.</div><div>9&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;ورد في مجموعة الأحزاب للكموشخانوي جزء ٢ ص٥٠٥ في دعاء دفع الطاعون، وفيه: لي خمسة أُطفي بها حَرَّ الوباء ..الخ.</div><div>10&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;أعتقد أن وجود عالم المثال مشهود، وتَحقُّقُه بَدهي كبداهةِ عالَم الشهادة، حتى إن الرؤيا الصادقة والكشف الصادق، والتمثلات في الأشياء الشفافة، ثلاث نوافذ مطلة من هذا العالم إلى ذلك العالم، بحيث تَظهر للعوام وللناس كلهم جوانبُ من ذلك العالم. (المؤلف)</div><div>11&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وهو عهد الإعلان الثاني للدستور، أي المشروطية الثانية، وتم ذلك في سنة ١٩٠٨ من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني.</div><div>12&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;وهو الذي يذكره الأستاذ النورسي في المسألة السابعة من المبحث الرابع للمكتوب السادس والعشرين (الشخص الثاني).</div>]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://said-nursi.com/%d9%85%d9%84%d8%ae%d8%b5-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%8e%d9%82-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%84%d8%a7-2-2/%d8%a7%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%b1/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
		<post-id xmlns="com-wordpress:feed-additions:1">2683</post-id>	</item>
	</channel>
</rss>
